موسوعة القرآن العظيم - ج ١

دكتور عبد المنعم الحفني

موسوعة القرآن العظيم - ج ١

المؤلف:

دكتور عبد المنعم الحفني


الموضوع : القرآن وعلومه
الناشر: مكتبة مدبولي
الطبعة: ١
ISBN: 977-208-442-2
الصفحات: ١٢٤٦
الجزء ١ الجزء ٢

١
٢

٣
٤

الإهداء

إلى القارئ اللبيب ..

كنت أظن أن بوسعى أن أجمع ما فى القرآن من حكمة ، وأمثال ، وقصص ، وأحكام ، وآداب ، وفلسفة ، وعلم فيزياء ، وعلم فلك ، وعلم نفس ، وجغرافيا ، وتاريخ ، ولغة ، وأخبار وغير ذلك مما لا يحصى ولا يعد ، فى كتاب واحد أعطيته اسم الموسوعة ، ولكن تبيّن لى وأنا أكتب ، وأفكر ، وأجمع ، وأحلل ، وأستنبط ، وأدلل ، وأردّ على مفتريات المستشرقين والنصارى واليهود ، أن من المستحيل أن ألمّ بالقرآن كله فى كتاب واحد ، ولأول مرة أعرف تمام المعرفة ، وعن معاناة ، معنى قوله تعالى : (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (١٠٩) (الكهف) ، فالذى يشتمل عليه القرآن أكبر وأجلّ وأعظم من أن يستوعبه مفكر واحد ، ويحتويه كتاب واحد ، فكلماته لا تنفد ، ولا نهاية لها ، وصدق تعالى إذ قال : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢٧) (لقمان) ، ومقصود الآيتين الإعلام بكثرة معانى كلمات الله ، وهى نفسها غير متناهية ، وإنما قرّبها الله تعالى فى القرآن ليفهمها الناس بحسب ثقافاتهم وأزمانهم ، بما يتناهى لهم من العلم ، لأنه غاية ما بوسعهم ، وما أوتى الإنسان من العلم إلا القليل ، وتفسير القرآن وتأويل آياته يحتاج إلى جهد الإنسانية كلها ، لا جهد فرد وحده ، وإنى لأعتذر للقرّاء عمّا قد يجدونه من نقص ، ولكنه بالتأكيد ليس تقصيرا ، فما قصّرت والله على ذلك شهيد ، وإنما هو جهد المقلّ ، وغاية ما استطعت ، وكل إنسان له وسع ، ومما أفدت من رحلتى مع القرآن أنه تعالى يكلّف على قدر الوسع ، ولقد أردت أن أرضى ربّى بهذا العمل ، وكنت أكتب وكأنى أصلّي ، ومع ذلك استشعرت العجز وأنا حيال القرآن ، وإنى لأستغفر الله عمّا يمكن أن أكون قد أخطأت في فهمه ، أو تعثّرت في الإحاطة بمراميه ، وإلا يغفر لى ويرحمنى لأكونن من الخاسرين ، وإنى لأطمع أن يغفر لى خطاياى ، ولهذا كان تأليفى لهذا الكتاب المبارك بإذن الله. وفقنى الله وإياكم ورحمنا أجمعين.

عبد المنعم الحفنى

٥
٦

الباب الأول

القرآن

* * *

١. مجمل في التعريف بالقرآن

تسمية القرآن مختلف فيها ، قيل هو اسم علم غير مهموز ، وغير مشتق ، خاص بكلام الله ؛ وقيل بل هو مشتق من قرآن الشيء بالشىء ، وسمى به لقرآن السور والآيات والحروف فيه ؛ وقيل هو مشتق من القرائن ، وبه همزة ، ونونه أصلية ؛ وقيل إن ترك الهمزة فيه من باب التخفيف ، وقد نقلت حركتها إلى الساكن قبلها ؛ وقيل هو مصدر لقرأ ، سمى به الكتاب المقروء ، من باب تسميته بالمصدر ؛ وقيل هو وصف على فعلان ، مشتق من القرء بمعنى الجمع.

والقرآن اسمه كذلك عند أهل السنة والجماعة ؛ وهو الفرقان لأنه يفرّق بين الحق والباطل ؛ وهو الكتاب ، والذكر ، والتنزيل ؛ نور ، وهدى ، وشفاء ، ورحمة ، وموعظة ؛ وهو مبين ، ومبارك ، وعزيز ، ومجيد.

والقرآن كلام الله ، مكتوب في المصاحف ، ومحفوظ في القلوب ، ومقروء بالألسنة ، ومسموع بالآذان ، ومع أنه كلام إلا أنه ليس من جنس الحروف والأصوات ، فهذه حادثة ، وكلام الله معان قائمة بذات الله تعالى ، ولكنها تلفظ بألفاظ ، وتسمع بنظم خاص ، وتكتب بنقش موضوع ، كالشيء له وجود في الأذهان ، ووجود في الكتابة ، والكتابة تدل على العبارة ، وهى على ما في الأذهان ، وما في الأذهان هو على ما في الأعيان. وحين نصف القرآن فنقول «كلام الله» ، فالمراد حقيقته الموجودة في الخارج ، فإذا وصفناه بما هو من لوازم المخلوقات ، فالمراد الألفاظ المنطوقة المسموعة ، كأن نقول قرآنا نصف القرآن ؛ وقد نقصد من القرآن شكله ، كأن نحرّم مسّه ككتاب. والقرآن ككلام الله يشترك بأنه معان نفسية إلهية ، في ألفاظ حادثة مخلوقة له تعالى ، وليس من تأليفات المخلوقين ، وإعجازه إنما باعتبار دلالته على المعانى. ولا نزاع في إطلاق اسم القرآن على كلام الله باعتباره معان إلهية تخصّه تعالى ، قد صيغت في كلام حادث يتعارف عليه العامة والقرّاء والأصوليون والفقهاء ، وقامت عليه علوم توفّر عليها العلماء لخدمة القرآن ، ومن ذلك علم تفسير القرآن ، ومن علمائه : ابن هارون السلمى ، وابن الحجاج ، وابن الجرّاح ، وابن عيينة ، وابن همّام ، والطبرى. والمؤلفون كثيرون في غير علم التفسير ، ومنهم : ابن المدينى ، وله «أسباب

٧

النزول» ، وابن قتيبة ، وله «مشكل القرآن» ، والسجستانى ، وله «غريب القرآن» ، والباقلانى ، وله «إعجاز القرآن» ، والعزّ بن عبد السلام ، وله «إعجاز القرآن» ، والزركشى ؛ وله «البرهان في علوم القرآن» والسيوطى ، وله «الإتقان في علوم القرآن» ، والقائمة لا تنتهى.

وإنزال القرآن كان في شهر رمضان ؛ قيل : نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ، ثم نزل بعد ذلك منجّما في عشرين سنة ، أو ثلاث وعشرين ، أو خمس وعشرين ، هى مدة إقامة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة بعد البعثة ، وبالمدينة بعد الهجرة. وقيل : نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر ، وهى الليلة العشرون أو الثلاث والعشرون أو الخمس والعشرون ، على مدار مدة العشرين أو الثلاث والعشرين أو الخمس والعشرين سنة ، في كل ليلة ما يقدّر الله إنزاله في كل سنة ، ثم نزل بعد ذلك منجّما. وقيل ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك منجّما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات. وقيل : إن الحفظة نجّمته على جبريل في عشرين ليلة ، ونجّمه جبريل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم في عشرين سنة ، والمعتمد أن جبريل كان يعارضه في رمضان بما ينزل عليه طول السنة. وقيل كان إنزاله منجّما ، لأن الوحى إذا كان يتجدد في كل حادثة ، فإن نزول القرآن يكون أقوى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وللمؤمنين ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه ، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة.

وفي كيفية الإنزال أو الوحى اختلف العلماء ، فقيل : إن الله تعالى ألهم جبريل وهو في السماء ، وعلّمه قراءته ، ثم نقله جبريل إلى الأرض ؛ وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليتلقاه ، انخلع من صورته البشرية إلى صورة ملكية ، أو أن الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذه الرسول عنه ؛ وقيل : إن جبريل إنما نزل بالمعانى خاصة ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم علم تلك المعانى وعبّر عنها بلغة العرب ، لقوله تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ) (الشعراء) ؛ وقيل : إن جبريل ألقى عليه المعنى ، وعبّر عنه بلغة العرب ، وقرأة لأهل السماء بها ، وبها نزل كذلك.

وقيل : القرآن قسمان ، قسم قال الله تعالى لجبريل : قل للنبىّ إن الله يقول افعل كذا وكذا ، فنزل جبريل ونقل له ما قاله ربّه ، ولم تكن العبارة هى نفسها تلك العبارة التى قالها الله تعالى ؛ وقسم آخر قال الله تعالى لجبريل اقرأه على النبىّ ، فنزل به جبريل لم يغيّر فيه شيئا. وقيل : القرآن هو القسم الثانى ، والقسم الأول هو السنّة ، وكان جبريل ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن ، ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى ، لأن جبريل أداها بالمعنى. ولم تجز قراءة القرآن بالمعنى لأن جبريل أدّاه باللفظ ، والمقصود بذلك التعبّد به بلفظه ، وأن يأتى

٨

لفظه معجزا ، وأنه مع كل قراءة تتحصّل بها تجلّيات لمعان. ولو جعل القسمان بحيث يروونهما باللفظ ، لشقّ على الأمة ، وتخفيفا عليها جعل قسم للرواية باللفظ ، وقسم للرواية بالمعنى.

وللوحى كيفيات ، الأولى : أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس ، وهذه الحالة أشد حالات الوحى عليه ، وقيل : إنه إنما كان ينزل هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد ؛ والثانية : أن ينفث في روعه الكلام نفثا ؛ والثالثة : أن يأتيه في صورة رجل فيكلمه ، وهذا أهونه ؛ والرابعة : أن يأتيه في النوم.

والقرآن منه المكى ، ومنه المدنى ، والأول : ما نزل عليه قبل الهجرة ولو كان في غير مكة ، والثانى : ما نزل بعد الهجرة ولو كان في غير المدينة.

وقيل ان علوم القرآن تتنظم : علم التفسير ، وعلم القراءات ، وعلم الرسم العثمانى ، وعلم إعجاز القرآن ، وعلم أسباب النزول ، وعلم الناسخ والمنسوخ ، وعلم إعراب القرآن ، وعلم غريب القرآن ، إلى غير ذلك. وقيل : علوم القرآن. ٧٧٤٥ علم ، على عدد كلمات القرآن ، مضروبة في أربعة ، لأن كل كلمة لها ظهر وبطن ، وحدّ ومطلع.

والقرآن كتاب هداية وإعجاز ، ولم ينزل ليدلل على نظرية ، ولا ليقرر قانونا علميا ، وان كان يدعو إلى تعلّم النظريات والقوانين والعلوم ، ويحثّ على استكناه الكون ، ومعرفة الأسباب فيه ، وصنائع الله وبدائعه ، ولذا كثر العلم فيه ، وكثر التنبيه إلى آيات الكون والإعجاز فيها ، والتدليل بالعقل والبرهان على صحة ما يقول ، واستخدام الحجاج والجدل والحوار ، فكان كلامه في ذلك إعجازا علميا وفلسفيا لا شك فيه. وعلوم القرآن موضوعها كل ذلك ، وتتعرف إلى ناحية من نواحيه ، وأول العلوم هو علم التفسير ، وهو أبو العلوم القرآنية ، ومن أوائل الكاتبين فيه : شعبة بن الحجاج ، وسفيان بن عيينة ، ووكيع بن الجرّاح في القرن الثانى الهجرى ، ثم ابن جرير الطبرى ، المتوفي سنة ٣١٠ ه‍ ، وكتابه من أجلّ التفاسير وأعظمها. وفي أسباب النزول ، كان في مقدمة المؤلفين : على بن المدينى ؛ وأبو عبيد القاسم بن سلام في الناسخ والمنسوخ ، وهذان من علماء القرن الثالث ؛ وفي غريب القرآن : أبو بكر السجستانى من علماء القرن الرابع ؛ وفي إعراب القرآن : علىّ بن سعيد الحوفي من علماء القرن الخامس ؛ وفي مبهمات القرآن : أبو القاسم عبد الرحمن ، المعروف بالسبيلى ، من علماء القرن السادس ، وفي مجاز القرآن : ابن عبد السلام ؛ وفي القراءات : علم الدين السخاوى من علماء القرن السابع. وفي القرن الثامن كان بدر الدين الزركشى ، ثم محمد بن سليمان الكافيجى في القرن التاسع ، والسيوطى في القرن العاشر ، وطاهر

٩

الجزائرى في القرن الرابع عشر ، ومن علماء عصرنا : محمد بخيت ، والعدوى ، ومحمد خلف الحسينى ، ومصطفي صادق الرافعى ، ومحمد مصطفي المراغى.

* * *

٢. أسماء القرآن

قيل أسماء القرآن كما وردت به في مواضعها منه خمسة وخمسون اسما ، سمّاه بها الله تعالى ، ومنها : كلام الله (التوبة ٦) ، والكتاب المبين (الدخان ٢) ، والقرآن الكريم (الواقعة ٧٧) ، والنور المبين (النساء ١٧٤) ، والهدى (لقمان ٣) ، والرحمة (يونس ٥٨) ، والفرقان (الفرقان ١) ، والشفاء (الإسراء ٨٢) ، والكتاب المنير (آل عمران ١٨٤) ، والكتاب المحكم (هود ١) ، والذكر (الأنبياء ٥٠) ، والعلىّ (الزخرف ٤١) ، والحكمة البالغة (القمر ٥) ، والكتاب الحكيم (يونس ٢) ، والكتاب المهيمن (المائدة ٤٨) ، والكتاب المبارك (ص ٢٩) ، وحبل الله (آل عمران ١٠٣) ، والصراط المستقيم (الأنعام ١٥٣) ، والكتاب القيم (الكهف ٢) ، والقول الفصل (الطارق ١٣) ، والنبأ العظيم (النبأ ٢) ، وأحسن الحديث (الزمر ٢) ، والتنزيل (الشعراء ١٩٢) ، والروح (الشورى ٥٢) ، والوحى (الأنبياء ٤٥) ، والمثانى (الحجر ٨٧) ، والقرآن العربى (الزمر ٢٨) ، والقول (القصص ٥١) ، والبصائر للناس (الجاثية ٢٠) ، والبيان (النساء ١٣٨) ، والعلم (الرعد ٣٧) ، والقصاص بالحق (آل عمران ٦٢) ، والهادى (الإسراء ٩) ، والقرآن العجيب (الجن ٢٩) ، والتذكرة (المدثر ٥٤) ، والعروة الوثقى (لقمان ٢٢) ، والكتاب المتشابه (الزمر ٢٣) ، والكتاب المفصّل (الأعراف ٥٢) ، والصدق (الزمر ٣٣) ، والعدل (الأنعام ١١٥) ، والإيمان (آل عمران ١٩٣) ، وأمر الله (الطلاق ٥) ، والبشرى (النمل ٢) ، والقرآن المجيد (البروج ٢١) ، والبشير النذير (فصلت ٤) ، والكتاب العزيز (فصلت ٤١) ، والبلاغ (إبراهيم ٥٢) والصحف المكرّمة المرفوعة المطهرة (عبس ١٣ / ١٤).

وقيل : لما جمع أبو بكر القرآن سمّوه المصحف وأخذوا بالاسم ، لأنه يصحّف الآيات والسور ، ولأنه مكتوب على صحائف ؛ وسمّوه كتابا لأنه يجمع الحروف لمعان وموضوعات وأحكام وقصص وآيات ؛ وقيل : سمّوه قرآنا ، لأنه جمع السور وأنواع العلوم ويسّرها للقراءة ، ولأنه يقرأ ويتلى. وقيل القرآن مشتق من قرنت الشيء بالشىء ، يعنى ضممته ، لقرآن السور والآيات والحروف فيه ؛ وسمّى النور ، لأنّه يبين الحلال من الحرام ؛ وسمّى البشير والنذير ، لأنه يبشّر بالجنة وينذر بالنار ، وهكذا في كل اسم.

* * *

١٠

٣. غريب القرآن

غريب القرآن : هو ما استغلق الإحاطة بمعانيه ، لقلة ما يعرف الباحث من موضوعات اللغة وحقائقها ، ففي سورة عبس ترد لفظة الأب ، كقوله : (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) (٣١) ، قال فيها عمر : الفاكهة وقد عرفناها ، فما الأب؟ فعاب عليه أبو بكر ، واعتبر سؤاله من التكلّف ، وقال : (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) (٧) (آل عمران) ، وقال : ما كلّفنا بهذا! ولم يكن ذلك عن جهل من عمر أو أبى بكر لمعنى الأب ولكنهما حارا في المعانى الكثيرة للكلمة ، فخشيا إن فسراها بمعنى ، أن يكون المراد غيره ، فلذلك اختلف المفسرون في معنى «الأب» إلى سبعة أقوال. وهذا نموذج لغريب القرآن ، وكانوا يتحرّون الشعر لأنه ديوان العرب ، فينظرون إن كانت الكلمة قد وردت عند أحد الشعراء من القدامى؟ والمفسّر للقرآن يحتاج إلى معرفة مدلول الغريب من القرآن ، ويقتضى ذلك معرفته للغات العرب. وكان الأصمعى ـ وهو إمام اللغة ـ يخشى التصدّى لغريب القرآن ولا يحاول تفسيره ، وسئل ما معنى : (شَغَفَها حُبًّا) (٣٠) (يوسف) فسكت ، ثم تذكر قولا لبعض العرب في جارية لقوم أرادوا بيعها ، أتبيعونها وهى لكم شغاف؟ ولم يزد على هذا ، ولهذا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحثّ المسلمين على تعلّم إعراب القرآن ومعانى كلماته العربية.

* * *

٤. اختلاف المتكلمين عن الأصوليين في تعريف القرآن

الخلاف بين الاثنين ظاهرى ، فالمتكلمون ـ بما أنهم متكلمون ـ فقد اهتموا بالكلام القرآنى من ناحيته النفسية أو الذهنية أو الباطنية ، أى قبل أن يخرج كلاما على الحقيقة. ومن الكلام من هذا النوع النفسى في الحديث عن أم سلمة ، قول الرجل لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنى لأحدّث نفسى بالشىء لو تكلمت به لأحبطت أجرى» ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن». رواه الطبرانى. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سمّاه كلاما مع أن الرجل لم ينطق به ، وإنما هو حديث نفسى ، أو خواطر ذهنية باطنية لم ترق أن تكون كلاما منطوقا ، وقد جاء عن المتكلمين أنهم اعتبروا كلام القرآن قديما ، وغير مخلوق ، ومنزّه عن الأعراض ، وأزليا ، وليس مجرد ألفاظ متراتبة ، مصورة الحروف والأصوات ، وإنما كان من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس كلمات حكمية ، أى قديمة قدم الله سبحانه وتعالى ، فلأنه تعالى قديم فكلامه كذلك قديم وليس حادثا ، وقولهم ذلك لأنهم اعتقدوا أن مذهبهم ينزّه الله تعالى ولا يفصل صفاته عنه ، فهو تعالى لم يتصف بصفاته من يوم أن مورست هذه الصفات ، ولكنها صفات قديمة فيه ، فالصفات هى عين الذات ، والذات هى الصفات.

١١

وأما الأصوليون فكان اهتمامهم بالأحكام والاستدلال عليها ، وطريق ذلك الألفاظ ، واهتم علماء اللغة بها كدليل على إعجاز القرآن ، ولإثبات نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإثبات أن القرآن معجزة اختص بها ، ولو لم يكن نبيا ما كان القرآن الذى أتى به معجزة ، فأبانوا وأفصحوا عن أن القرآن هو كتاب الله لا نزاع في ذلك.

* * *

٥. كتابة القرآن

يقول ابن عباس : كان رسول الله إذا نزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب فقال : «ضعوا هذه السورة في الموضوع الذى يذكر فيه كذا وكذا». يعنى أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم اتخذ كتّابا للوحى ، فكلما نزل عليه شىء من القرآن أملاه عليهم ليسجلوه توثيقا وضبطا ، لتظاهر الكتابة الحفظ لآيات القرآن ، وليكون النقش مؤيدا للفظ. ومن هؤلاء الكتاب : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلىّ ، ومعاوية ، وإياس بن سعيد ، وخالد بن الوليد ، وأبىّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وثابت بن قيس ، وأرقم بن أبىّ ، وحنظلة بن الربيع.

وكان يدلهم على موضع ما يمليه عليهم من السورة التى يتبعها ، فيكتبونه على العسب جريد النخل ، وكانوا يكشفون الخصوص ويكتبون في الطرف العريض ، واللّخاف جمع لخفة وهى الحجارة الرقيقة المبسوطة كالصحيفة ، والرقاع جمع رقعة ، وقد تكون من جلد أو ورق عريض ، وقطع الأديم وهو جلد الحيوان المدبوغ والمبسوط ، وعظام الأكتاف والأضلاع ـ وعظم الكنف والضلع هو أعرض عظام الحيوانات ، وكانوا يختارون عظام أكتاف الجمال بخاصة ، لعرضها أكثر من غيرها. ثم يحفظ المكتوب في بيت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وعن زيد بن ثابت قال : «كنا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نؤلف القرآن من الرقاع» ، أى يؤلفون بين الآيات بحسب ما يقول عن الوحى ، وكان من الصحابة من يكتب لنفسه ، ومنهم من يعتمد على الحفظ. وكانت هذه العبارة دائما في فم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند كل نزول للوحى : «ائتوني بالكتف والدواة».

* * *

٦. رسم المصحف

الأصل في الكتابة أن يجيء المكتوب موافقا للمنطوق ، غير أن عثمان اتبع قواعد في رسم القرآن وحفظه وخطّه بحيث أتت بعض الكلمات على غير مقياس لفظها ، وهذه القواعد ست ، هى : الحذف ، والزيادة ، والهمز ، والفصل ، والوصل ، وما فيه قراءتان جعلت قراءته على أحدهما.

١٢

فأما الحذف : كأن تحذف الألف من حرف النداء مثل : «يأيها الناس» ، ومن «ها» ، مثل «هأنتم» ، ومن اسمه تعالى «الله» ، و «إله» و «الرحمن» ، و «سبحن» ؛ ومن كل عدد ، مثل «ثلث» يعنى «ثلاث» ، ومن البسملة عموما وهكذا. وتحذف الياء من كل منقوص منون ، نحو «غير باغ ولا عاد». ومن ذلك حذف الواو مثل «لا يستون» (لا يستوون) ، واللام نحو «اليل» (الليل) ، والألف من مالك لتصبح «ملك» ، والياء من إبراهيم لتصبح إبراهم.

وأما الزيادة : فتزاد الألف بعد الواو في آخر الجمع ، مثل : ملاقوا ربّهم ، وأولوا الألباب ؛ وبعد الهمزة : نحو «تالله تفتأ» فتصبح «تالله تفتؤا» ، وفي كلمات مثل «مائة» و «مائتين» وهكذا ، وتزاد الياء في كلمات ، مثل «نبأ» فتصبح «نبإى» ، وآناء فتصبح «آناء» ، وهكذا.

وأما الهمزة : فإذا كانت ساكنة تكتب بحذف حركة ما قبلها ، نحو «ائذن» ، و «البأساء» ؛ والهمزة المطلقة إذا كانت في الأول تكتب ألفا ، نحو : «أيوب» ، و «أولوا» ؛ وإن كانت وسطا تكتب من جنس حركتها ، نحو : «سأل» ، و «سئل» ؛ وإن كانت متطرفة تكتب بحركة من جنس ما قبلها ، نحو «سبأ» ، و «شاطئ».

وأما البدل : فهو أن تكتب الألف واوا للتفخيم ، مثل «الصلاة» بدلا من الصلاة ، و «الزكوة» بدلا من الزكاة ، و «الحيوة» بدلا من الحياة. وكذلك ترسم الألف ياء في الكلمات : إلى ، وعلى ، وأنّى ، ومتى ، وبلى ، ولدى. وترسم النون ألفا في كلمة «إذن» فتصبح «إذا» ، وهاء التأنيث ، مثل «رحمة» تصبح «رحمت» بتاء مفتوحة ، و «نعمة» تصبح «نعمت».

وأما الوصل والفصل : فإذا جاءت «لا» بعد «أن» توصل بها ، إلا في عشرة مواضع مثل : أن لا تقولوا ، وأن لا تعبدوا وهكذا. وتوصل كلمة «من» بكلمة «ما» بعدها ، إلا في «من ما ملكت» ، و «من ما رزقناكم». وكلمة «من» توصل بكلمة «من» مطلقا ، و «عن» و «ما» ، و «إن» و «ما» ، و «كل» و «ما» ، وهكذا ، إلا في حالات.

وما فيه قراءتان : فتكتب الكلمة برسم إحدى القراءتين إذا كانت الكلمة لها قراءتان ، كالكلمات الآتية «ملك (مالك) يوم الدين» ، و «يخدعون الله» (يخادعون الله) ، و «وعدنا موسى» (واعدنا).

ولهذا الرسم مزايا أنه يصلح للقراءة بالوجوه الأربعة عند نافع ، وابن كثير ، وحفص ، وابن عمرو ؛ فعند نافع يشددون إن ويخففون الألف في «هذان» ؛ وعند ابن كثير تخفف

١٣

النون في «إن» ، وتشدّد في «هذان» ، وفي قراءة حفص تخفف النون في «إنّ» وفي «هذان» بالألف ؛ وفي قراءة ابن عمرو تشدد «إن» وتخفف النون في «هذين».

* * *

٧. هل رسم المصحف توقيفي أم اصطلاحى؟

هو اصطلاحى وإن كان البعض قالوا إنه توقيفي ، بدليل حديث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمعاوية وهو من كتبة الوحى : «ألق الدواة (يعنى أصلح مدادها) ، وحرّف القلم (يعنى رفّع سنّه) ، وانصب الباء ، وفرّق السين ، ولا تعوّر الميم ، وحسّن الله ، ومدّ الرحمن ، وجوّد الرحيم ، وضع قلمك على أذنك اليسرى فإنه أذكر لك» ، إلا أن الحديث ليس للرسم وإنما لتجويد الخط ، ولا شك أن الرسم العثمانى الآن مدعاة للبس في القراءة ، والإجماع على أنه تجوز مخالفته ، ولم يحدث أن اصطلح الصحابة على هذا الرسم ، والمصحف الآن يجب كما يقول العزّ بن عبد السلام : أن يكتب لعامة الناس باصطلاحات معروفة لهم ، وشائعة عندهم ، ولا تجوز كتابته بالرسم العثمانى. (انظر أيضا عن اللحن في القرآن ضمن باب «الإسرائيليات والشبهات والإشكالات في القرآن).

* * *

٨. توقيفية قراءة القرآن

في الحديث عند البخارى ، أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أنزل القرآن على سبعة أحرف ، كلها شاف كاف ، فاقرءوه كيف شئتم». والأحرف : هى القراءات التى يتوجب قراءة القرآن بها ، وهى بوحى من الله إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفي الاصطلاح : هى قراءات توقيفية ، منصوص عليها من الله تعالى بطريق نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والصحابة وقفوا عند الألفاظ المنزّلة ولم يتجاوزوها ، ولم يقرأ كل واحد منهم بحسب هواه ، ولكنهم كانوا يردّون ويصوّبون بعضهم البعض ، حتى أنه كادت تحدث بسبب ذلك فتنة أثناء غزوة أرمينية ، وشهدها حذيفة بن اليمان ، فجاء إلى عثمان يحذّره وقال : إن الناس قد اختلفوا في القرآن ، حتى أنى والله لأخشى أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف!

والاختلاف كان منذ عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفي الرواية عند البخارى ومسلم وغيرهما ، أن عمر بن الخطاب قال : سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاستمعت لقراءته ، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكدت أساوره في الصلاة (يعنى أثب عليه) ، فتصبّرت حتى سلّم ، فلببته بردائه (أى أخذته من طوق ردائه) ، فقلت : من أقرأك هذه السورة التى سمعتك تقرأ؟ قال : أقرأنيها رسول

١٤

الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فقلت : كذبت! فإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أقرأنيها على غير ما أقرأك!. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقلت : يا رسول الله! إنى سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حرف لم تقرأنيها؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أرسله» (يعنى أطلقه). وقال له : «اقرأ يا هشام». فقرأ عليه القراءة التى سمعته يقرؤها ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وكذلك أنزلت». ثم قال لى : «اقرأ يا عمر»! فقرأت القراءة التى أقرأنيها ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وكذلك أنزلت». وقال : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرءوا ما تيسّر منه». وفي رواية قال : «فأى ذلك قرأتم أصبتم.» وفي رواية قال : «كلها» أى الأحرف السبعة «كاف شاف». فكأن هناك إذن أكثر من قراءة ، ويشرح ذلك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيقول في الحديث عن ابن عباس عند البخارى : «اقرأنى جبريل على حرف ، فراجعته ، فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف». وفي رواية قال : «الله يأمرك أن تقرأ أمتك على سبعة أحرف ، فأيّما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا».

ومفاد كل هذه الأحاديث : أن القراءات ليست على هوى أىّ كيف شاء ، فيغيّر في ألفاظ القرآن ، ويبدّل فيها بمرادفها في لغته إذا أحب ذلك أو ارتآه ، وينزع منه لفظة هنا أو هناك ، ليضع مكانها لفظة أخرى من لغته ، ظنا منه أنه بذلك يجعل القرآن مفهوما أكثر عند قومه ، أو أنه ييسر بها نطق الكلمات ، أو يزيد من بلاغة العبارات ، وإنما الأحرف السبعة قراءات ثابتة ومتواترة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تعلّمها من جبريل ، وعلّمها لصحابته ، وتلقيناها عليهم ، ولا خلاف في صحتها ، وهى كما أنزلها الله على نبيّه ، ولم يكن للهوى فيها نصيب ، وتوارثناها عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأجمعت عليها الأمة.

ومن ثم يتبين كذب المستشرقين وأهل الكتاب ، بأن المسلمين الأوائل قبل عثمان ، كانوا يقرءون القرآن بحرية وعلى هواهم ، وكانوا يغيّرون في الألفاظ كيف يشاءون ، طالما أنهم يحافظون على المعنى أو الفكرة! والعكس هو الصحيح ، فكل مسلم كان يقرأ سابقا ـ وما يزال المسلمون يقرءون للآن ـ على نفس المنوال الذى علّمهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويحذون في قراءاتهم حذو المشايخ ، ولديهم دليل للقراءات في كل مصحف ، ولا سبيل إلى الخطأ طالما أنهم يعرفون ما عليهم أن يفعلوه لتسلم قراءاتهم ، ولتخلو من اللحن ، وليصحّ فهمهم ، فيبلّغ به الواعى منهم غير الواعى ، يتأسّون ببعضهم البعض ، وقانا الله شر الخطأ وبلية النسيان ، ويساعد على ذلك رسم المصحف العثمانى ، وهو الرسم المتفق عليه بإجماع الأمة ، فيكون من الأمور التوقيفية في القراءات ، وكانت كتابة حروف القرآن بهذه الطريقة نفسها في عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان كتّابه يسجّلون ما يبلّغهم أولا بأول ، وكان يرشدهم على

١٥

موضع المكتوب من السورة فيقول لهم : ضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة ، وضعوا هذه الآية في الموضع الذى يذكر فيه كذا وكذا ، وقبل وفاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم عرض القرآن كاملا على جبريل مرتين. فلما أمر عثمان بكتابته ، واستقر ذلك في العرضة الأخيرة ، كان هناك عدد من المصاحف بحسب عدد من ساعدوا عثمان على إتمام هذا العمل ، وكان منهم زيد بن ثابت ، وعبد الله بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقيل في أصح الأقوال أن عدد المصاحف كان ستة ، هى : المصحف البصرى ، والكوفي ، والشامى ، والمكّى ، والمدنى العام ، والمدنى الخاص ، والأخير هو الذى اختص عثمان به نفسه ، ويسمى المصحف الإمام ، واشتمل مصحفه على ما يحتمله رسم الألفاظ من الأحرف السبعة ، خالية من النقط والشكل ، فكان الرسم لذلك محتملا للأحرف السبعة. ولما سمع أبو الأسود الدؤلى رجلا يقرأ قوله تعالى : (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (التوبة ٣) ، فجرّ اللام في رسوله ، قال أبو الأسود : معاذ الله أن يتبرأ الله من رسوله! فبدأ أبو الأسود في إعراب القرآن ، بوضع نقط يخالف مدادها مداد المصحف ، وجعل للفتحة نقطة فوق الحرف ، وللضمة نقطة إلى جانب الحرف ، وللكسرة نقطة أسفل الحرف ، وجعل للمنوّن نقطتين متجاورتين ؛ ثم أدخلت التحسينات على هذا التنقيط الإعرابى ، وأجريت عليه التعديلات حتى صار إلى ما صار إليه الآن ؛ ثم وضع نصر بن عاصم ، ويحيى بن يعمر ، نقط الإعجام كطلب الحجّاج ، بناء على أوامر الخليفة عبد الملك بن مروان ، لضمان سلامة القرآن من التحريف والتغيير ؛ ثم غيّر الخليل بن أحمد طريقة النقط وطوّر فيها ، فجعل الضمة واوا صغيرة فوق الحرف ، والفتحة ألفا صغيرة مبطوحة فوق الحرف ، والكسرة ياء صغيرة تحت الحرف ، وجعل الشدّة علامة رأس الشين ، والسكون علامة رأس الخاء ، وعلامة للمد ، وعلامة للرّوم والإشمام ، واستمرت التحسينات على ذلك إلى أن صار الحال على ما نراه الآن. فأين هذا الاضطراب ، أو التردّى ، أو اختلاف الروايات الذى ينسب إلى كتابة القرآن؟ وأين الحق فيما زعموا أن أبا بكر وعمر وعثمان والصحابة حرّفوا القرآن ، وحذفوا منه كلمات وسورا؟ والحق ما قاله واحد منهم ـ وهو سير وليام موير ، قال : والأرجح أن العالم كله ليس فيه كتاب غير القرآن ظل اثنى عشر قرنا بنصّ هذا مبلغ صفاته ودقّته.

* * *

٩. الاختلافات في القراءة

في الحديث عن ابن عباس صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم» ، فقد يختصم المسلمان ويستشهد كل منهما بآيات ، فيبدو كما لو أن

١٦

القرآن يخالف بعضه بعضا. وعند البخارى بطريق جندب بن عبد الله ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا عنه».

وقد نهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن التمادى في الاختلاف ، لما يمكن أن يجرّه من الشر ، كما في قوله تعالى (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (١٠١) (المائدة) ، والمسلمون مطالبون على ذلك بأن يقرءوا ويلزموا الائتلاف ، في الأداء وفي المعنى ، فإذا وقع الاختلاف ، أو عرض عارض شبهة يقتضى المنازعة الداعية إلى الافتراق ، يتركون القراءة ، ويتمسكون بالمحكم الموجب للألفة ، ويعرضون عن المتشابه المؤدى إلى الفرقة ، كقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فإذا رأيتم الذين يتّبعون ما تشابه منه فاحذروهم». وعند البخارى عن ابن مسعود أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ خلافها ، قال : فأخذت بيده ، فانطلقت به إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «كلاكما محسن ، فاقرءا ، فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم».

والمختلفون إذن ينبغى أن يتفرقوا إخوانا ، ويستمر كل منهم مع ذلك على قراءته.

والاختلاف عن حق فيه خير ، وهو سعة للمسلمين. والأولى أن نحذر الفرقة لاختلاف الرأى ، وأن نلزم الجماعة والألفة ، وأن نتوسل بالنظر ، وندقق في الآية المختلف بشأنها ، ونتجنب اللجاج في التأويل وحمل القرآن على الرأى.

* * *

١٠. القرآن نزل على سبعة أحرف

في الحديث : «أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ، كلها شاف كاف» ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما أقرأه جبريل القرآن ، اقرأه على حروف ، فظل يستزيده تيسيرا على الأمة ، حتى انتهى إلى سبعة أحرف. ولقد أرسل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أمة أمّية ، فيهم الرجل ، والمرأة ، والجارية ، والشيخ الفانى الذى لم يقرأ كتابا ، والعجوز الكبيرة ، والغلام ، وما كانوا يطيقون ذلك لو قرءوا القرآن على أقل من سبعة أحرف ، والمقصود أن الأمّة بينها اختلاف في اللهجات والأصوات ، وطريقة الكلام ، وشهرة نطق بعض الألفاظ والتراكيب ، فلو أن القرآن قرئ بطريقة واحدة ونطق واحد ، لشقّ ذلك على الناس. وكانت الديانات قبل الإسلام تقرأ بحرف واحد ، لأن من نزلت عليهم كانوا أقواما مخصوصين ، وأما أمة الإسلام ففيهم العرب والعجم ، فلو كلّف الجميع أن يعدلوا عن لهجاتهم ، لكان في ذلك تكليفهم بأكثر مما في استطاعتهم ، فتنوعت لذلك القراءات ، وتنوّعها كان ضربا من البلاغة ، وذلك لأن القراءات على كثرتها لم تؤد إلى تناقض في المقروء ، ولا إلى تهافت في المعنى ، ولكنها صارت تصدّق بعضها بعضا ، وتبيّن بعضها بعضا ، وتشهد لبعضها البعض ، ودلّ ذلك أنه مهما تنوعت القراءات فإن الإعجاز واحد على كل حرف ووجه ولسان ، وأيّما حرف قرءوا

١٧

عليه فقد أصابوا ، وأنها جميعا من عند الله ، فهكذا قصد من إنزالها ، فلا ينبغى لأحد أن يمنع آخرين من أن يقرءوا بأى حرف من الأحرف السبعة ، وأن المراد بالأحرف وجوه فى الألفاظ ، كأن نقرأ الآية : (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) (٨) (المؤمنون) ، مرة نقول لأماناتهم ، ومرة لأمانتهم ؛ أو نقرأ الآية : (رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا) (١٩) (سبأ) مرة بنصب لفظ «ربّنا» منادى ، ولفظ «باعد» فعل أمر ، ومرة نضم اللفظ باعتباره دعاء فنقول «ربّنا» ، و «بعّد» بدلا من «باعد». وقيل الأوجه السبعة التى يقع بها التغاير فى القراءة هى : أولا : تغيير الحركة مثل «ولا يضار كاتب» (البقرة ٢٨٢) مرة بفتح الراء ، ومرة بضمها ؛ وثانيا : تغيير الفعل مثل «بعّد» و «باعد» ؛ وثالثا : تغيير اللفظ مثل : «ننشزها» ، و «ننشرها» فى الآية ٢٥٩ من سورة البقرة ؛ ورابعا : تغيير حرف مثل «طلح منضود» ، نغيرها «طلع منضود» الآية ٢٩ من سورة الواقعة ؛ وخامسا : تغيير التقديم والتأخير ، مثل : «وجاءت سكرة الموت بالحق» ، و «وجاءت سكرة الحق بالموت» الآية ١٩ من سورة ق ؛ وسادسا : تغيير بالزيادة والنقصان ، مثل «وما خلق الذكر والأنثى» «والذكر والأنثى» بنقص لفظ «ما خلق» الآية ٣ سورة الليل ؛ وسابعا : تغيير بإبدال كلمة بأخرى مثل «كالعهن المنفوش» و «كالصوف المنفوش» الآية ٥ من سورة القارعة .. إلخ. وتشتمل المصاحف العثمانية على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة جميعها ، وقيل المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب ، أى أن القرآن لم تخرج قراءته عن إحدى هذه اللغات السبع من لغات العرب ، وهى : لغات قريش ، وهذيل ، وثقيف ، وهوازن ، وكنانة ، وتميم ، واليمن ، وهى أفصح لغات العرب ، ولا يفهم أن كل كلمة فى القرآن تقرأ بسبع طرق أو لغات ، وإنما أن اللغات السبع مفرّقة فى القرآن ، فبعضه بلغة قريش ، وستجد فيه من لغة هذيل ، ومن اللغات الأخرى ، فمثلا لفظ «سامدون» (النجم ٦١) هى لفظة حميرية ؛ و «خمرا» (يوسف ٣٦) لفظة عمانية ؛ و «بعلا» (الصافات ١٢٥) أى ربّا بلغة أزد شنوءة ؛ و «لا يلتكم» (الحجرات ١٤) أى لا ينقصكم بلغة بنى عبس ؛ و «فباءوا» (البقرة ٦١) بلغة جرهم ؛ و «رفث» (البقرة ١٩٧) بلغة مذجح ؛ و «تسيمون» (النحل ١٠) بلغة خثعم إلخ ، حتى قيل إن فى القرآن قراءات من أربعين لغة عربية ، هى لغات : قريش ، وهذيل ، وكنانة ، وخثعم ، والخزرج ، وأشعر ، ونمير ، وقيس عيلان ، وجرهم ، واليمن ، وأزد شنوءة ، وكندة ، وتميم ، وحمير ، ومدين ، ولخم ، وسعد العشيرة ، وحضر موت ، وسدوس ، والعمالقة ، وأنمار ، وغسّان ، ومذجح ، وخزاعة ، وغطفان ، وسبأ ، وعمان ، وبنو حنيفة ، وثعلب ، وطىّ ، وعامر بن صعصعة ، وأوس ، ومزينة ، وثقيف ، وجذام ، وبلىّ ، وعذرة ، وهوازن ، والنّمر ، واليمامة.

* * *

١٨

١١. السور التى نزلت بكل من مكة والمدينة

السور التى نزلت بالمدينة من القرآن بحسب المصحف هى : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنفال ، وبراءة ، والرعد ، والحج ، والنور ، والأحزاب ، ومحمد ، والفتح ، والحجرات ، والرحمن ، والحديد ، والمجادلة ، والحشر ، والممتحنة ، والصف ، والجمعة ، والمنافقون ، والتغابن ، والطلاق ، والتحريم ، والإنسان ، والبيّنة ، والزلزلة ، والنصر ، وعدد هذه السور المدنية ٢٨ سورة ؛ وعدد السور المكية ٨٦ سورة ، وهى : الفاتحة ، والأنعام ، والأعراف ، ويونس ، وهود ، ويوسف ، وإبراهيم ، والحجر ، والنحل ، والإسراء ، والكهف ، ومريم ، وطه ، والأنبياء ، والفرقان ، والشعراء ، والنمل ، والقصص ، والعنكبوت ، والروم ، ولقمان ، والسجدة ، وسبأ ، وفاطر ، ويس ، والصافات ، وص ، والزمر ، وغافر ، وفصلّت ، والشورى ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والأحقاف ، وق ، والزمر ، وغافر ، وفصلّت ، والشورى ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والأحقاف ، وق ، والذاريات ، والطور ، والنجم ، والقمر ، والواقعة ، والملك ، والقلم ، والحاقة ، والمعارج ، ونوح ، والجن ، والمزمل ، والمدثر ، والقيامة ، والمرسلات ، والنبأ ، والنازعات ، وعبس ، والكوثر ، والتكوير ، والانفطار ، والمطففين ، والانشقاق ، والبروج ، والطارق ، والأعلى ، والغاشية ، والفجر ، والبلد ، والشمس ، والليل ، والضحى ، والشرح ، والتين ، والعلق ، والقدر ، والعاديات ، والقارعة ، والتكاثر ، والعصر ، والهمزة ، والفيل ، وقريش ، والماعون ، والكوثر ، والكافرون ، والمسد ، والإخلاص ، والفلق ، والناس.

وقيل : السور المدنية بالاتفاق عشرون ، والمختلف فيها اثنتا عشرة سورة ، والمكية اثنتان وثمانون سورة ، فيصير المجموع مائة وأربع عشرة سورة ؛ وقيل : السور المدنية منها بالاتفاق هى : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنفال ، والتوبة ، والنور ، والأحزاب ، ومحمد ، والفتح ، والحجرات ، والحديد ، والمجادلة ، والحشر ، والممتحنة ، والجمعة ، والمنافقين ، والتغابن ، والطلاق ، والتحريم ، والنصر. والمختلف فيها هى : الفاتحة ، والرعد ، والرحمن ، والصف ، والتغابن ، والتطفيف ، والقدر ، والبينة ، والزلزلة ، والإخلاص ، والمعوذتان.

وقد تكون السورة كلها مكية أو مدنية ، أو مكية ما عدا آيات منها ، مثل الأعراف ، فإن آياتها من ١٦٣ حتى ١٧٠ مدنية ، والمائدة مدنية إلا الآية ٣ منها نزلت بعرفات ، وسورة طه مكية ، إلا الآيتين ١٣٠ ، ١٣١ وهكذا ، فإذا غلبت فى السورة الآيات المكية فإنها تدرج مكية ، وإذا غلبت الآيات المدنية تدرج كسورة مدنية.

ومن أشرف علوم القرآن علم نزول الآيات وجهات النزول ، وما نزل بمكة فحكمه

١٩

مكى ، وما نزل بالمدينة فحكمة مدنى ، ويتضمن كذلك ما نزل بغيرهما : كبيت المقدس ، والطائف ، والحديبية ، والجحفة ، ومنى ، وعرفات ، وعسفان ، وبدر ، وأحد ، وحراء ، وحمراء الأسد ؛ وما نزل ليلا وما نزل نهارا ؛ وما نزل مجملا أو مفصلا ؛ وما اختلفوا فيه أنه مكى أو مدنى. وتتميز السور المكية عموما بأنها تقرر لأصول الدعوة ، من توحيد لله ، وتقرير للبعث والجزاء ، وللوحى والرسالة ، وأحوال يوم القيامة ؛ وأما السور المدنية فتعنى عموما بجوانب التشريع ، وبالغزوات ، والجهاد فى سبيل الله ، وتعالج النواحى الحربية ، وما ينبغى على المسلمين فى قتال أعدائهم ، وجوانب السلم والحرب ، وأحكام الأسر والغنائم ، والتربية ، وبناء المجتمع على العقيدة والخلق ؛ وعموما فإن الآيات التى فيها حدّ أو فريضة فهى مدنية ، والتى فيها ذكر للأمم والعذاب فإنها مكية.

* * *

٢٠

١٢. ترتيب سور القرآن بحسب التنزيل

السور مكية :

السور المدنية :

١ العلق

 ٣٠ القارعة

 ٥٩ الزمر

١ البقرة

٢ القلم

 ٣١ القيامة

 ٦٠ غافر

٢ الأنفال

٣ المزمل

 ٣٢ الهمزة

 ٦١ فصلت

٣ آل عمران

٤ المدثر

 ٣٣ المرسلات

 ٦٢ الشورى

٤ الأحزاب

٥ الفاتحة

 ٣٤ ق

 ٦٣ الزخرف

٥ الممتحنة

٦ المسد

 ٣٥ البلد

 ٦٤ الدخان

٦ النساء

٧ التكوير

 ٣٦ الطارق

 ٦٥ الجاثية

٧ الزلزلة

٨ الأعلى

 ٣٧ القمر

 ٦٦ الأحقاف

٨ الحديد

٩ الليل

 ٣٨ ص

 ٦٧ الذاريات

٩ محمد

١٠ الفجر

 ٣٩ الأعراف

 ٦٨ الغاشية

١٠ الرعد

١١ الضحى

 ٤٠ الجن

 ٦٩ الكهف

١١ الرحمن

١٢ الشرح

 ٤١ يس

 ٧٠ النحل

١٢ الإنسان

١٣ العصر

 ٤٢ الفرقان

 ٧١ نوح

١٣ الطلاق

١٤ العاديات

 ٤٣ فاطر

 ٧٢ إبراهيم

١٤ البينة

١٥ الكوثر

 ٤٤ مريم

 ٧٣ الأنبياء

١٥ الحشر

١٦ التكاثر

 ٤٥ طه

 ٧٤ المؤمنون

١٦ النور

١٧ الماعون

 ٤٦ الواقعة

 ٧٥ السجدة

١٧ الحج

١٨ الكافرون

 ٤٧ الشعراء

 ٧٦ الطور

١٨ المنافقون

١٩ الفيل

 ٤٨ النمل

 ٧٧ الملك

١٩ المجادلة

٢٠ الفلق

 ٤٩ القصص

 ٧٨ الحاقة

٢٠ الحجرات

٢١ الناس

 ٥٠ الأسراء

 ٧٩ المعارج

٢١ التحريم

٢٢ الإخلاص

 ٥١ يونس

 ٨٠ النبأ

٢٢ التغابن

٢٣ النجم

 ٥٢ هود

 ٨١ النازعات

٢٣ الصف

٢٤ عبس

 ٥٣ يوسف

 ٨٢ الانفطار

٢٤ الجمعة

٢٥ القدر

 ٥٤ الحجر

 ٨٣ الانشقاق

٢٥ الفتح

٢٦ الشمس

 ٥٥ الأنعام

 ٨٤ الروم

٢٦ المائدة

٢٧ البروج

 ٥٦ الصافات

 ٨٥ العنكبوت

٢٧ التوبة

٢٨ التين

 ٥٧ لقمان

 ٨٦ المطففين

٢٨ النصر

٢٩ قريش

 ٥٨ سبأ

 ٨٦ المطففين

مجموع السور المكية والمدنية : ٨٦+ ٢٨ ١١٤ سورة

* * *

٢١

١٣. ترتيب سور القرآن بحسب المصحف والتنزيل

المصحف

التنزيل

المصحف

التنزيل

المصحف

التنزيل

المصحف

التنزيل

١ الفاتحة

 ٥

٣٠ الروم

 ٨٤

٥٩ الحشر

 ١٠١

٨٨ الغاشية

 ٦٨

٢ البقرة

 ٨٧

٣١ لقمان

 ٥٧

٦٠ الممتحنة

 ٩١

٨٩ الفجر

 ١٠

٣ آل عمران

 ٨٩

٣٢ السجدة

 ٧٥

٦١ الصف

 ١٠٩

٩٠ البلد

 ٣٥

٤ النساء

 ٩٢

٣٣ الأحزاب

 ٩٠

٦٢ الجمعة

 ١١٠

٩١ الشمس

 ٢٦

٥ المائدة

 ١١٢

٣٤ سبأ

 ٥٨

٦٣ المنافقون

 ١٠٤

٩٢ الليل

 ٩

٦ الأنعام

 ٥٥

٣٥ فاطر

 ٤٣

٦٤ التغابن

 ١٠٨

٩٣ الضحى

 ١١

٧ الأعراف

 ٣٩

٣٦ يس

 ٤١

٦٥ الطلاق

 ٩٩

٩٤ الشرح

 ١٢

٨ الأنفال

 ٨٨

٣٧ الصافات

 ٥٦

٦٦ التحريم

 ١٠٧

٩٥ التين

 ٢٨

٩ التوبة

 ١١٣

٣٨ ص

 ٣٨

٦٧ الملك

 ٧٧

٩٦ العلق

 ١

١٠ يونس

 ٥١

٣٩ الزمر

 ٥٩

٦٨ القلم

 ٢

٩٧ القدر

 ٢٥

١١ هود

 ٥٢

٤٠ غافر

 ٦٠

٦٩ الحاقة

 ٧٨

٩٨ البينة

 ١٠٠

١٢ يوسف

 ٢٣

٤١ فصلت

 ٦١

٧٠ المعارج

 ٧٩

٩٩ الزلزلة

 ٩٣

١٣ الرعد

 ٩٦

٤٢ الشورى

 ٦٢

٧١ نوح

 ٧١

١٠٠ العاديات

 ١٤

١٤ إبراهيم

 ٧٢

٤٣ الزخرف

 ٦٣

٧٢ الجن

 ٤٠

١٠١ القارعة

 ٣٠

١٥ الحجر

 ٥٤

٤٤ الدخان

 ٦٤

٧٣ المزمل

 ٣

١٠٢ التكاثر

 ١٦

١٦ النحل

 ٧٠

٤٥ الجاثية

 ٦٥

٧٤ المدثر

 ٤

١٠٣ العصر

 ١٣

١٧ الأسراء

 ٥٠

٤٦ الأحقاف

 ٦٦

٧٥ القيامة

 ٣١

١٠٤ الهمزة

 ٣٢

١٨ الكهف

 ٦٩

٤٧ محمد

 ٩٥

٧٦ الإنسان

 ٩٨

١٠٥ الفيل

 ١٩

١٩ مريم

 ٤٤

٤٨ الفتح

 ١١١

٧٧ المرسلات

 ٣٣

١٠٦ قريش

 ٢٩

٢٠ طه

 ٤٥

٤٩ الحجرات

 ١٠٦

٧٨ النبأ

 ٩٠

١٠٧ الماعون

 ١٧

٢١ الأنبياء

 ٧٣

٥٠ ق

 ٣٤

٧٩ النازعات

 ٨١

١٠٨ الكوثر

 ١٥

٢٢ الحج

 ١٠٣

٥١ الذاريات

 ٦٧

٨٠ عبس

 ٢٤

١٠٩ الكافرون

 ١٨

٢٣ المؤمنون

 ٧٤

٥٢ الطور

 ٧٦

٨١ التكوير

 ٧

١١٠ النصر

 ١١٤

٢٤ النور

 ١٠٢

٥٣ النجم

 ٢٣

٨٢ الانفطار

 ٨٢

١١١ المسد

 ٦

٢٥ الفرقان

 ٤٢

٥٤ القمر

 ٣٧

٨٣ المنافقين

 ٨٦

١١٢ الإخلاص

 ٢٢

٢٦ الشعراء

 ٤٧

٥٥ الرحمن

٩٧

٨٤ الانشقاق

٨٣

١١٣ الفلق

٢٠

٢٧ النمل

 ٤٨

٥٦ الواقعة

 ٤٦

٨٥ البروج

 ٢٧

١١٤ الناس

 ٢١

٢٨ القصص

 ٤٩

٥٧ الحديد

 ٩٤

٨٦ الطارق

 ٣٦

٢٩ العنكبوت

 ٨٥

٥٨ المجادلة

 ١٠٥

٨٧ الأعلى

 ٨

٢٨ القصص

 ٤٩

٥٧ الحديد

 ٩٤

٨٦ الطارق

 ٣٦

٢٢

١٤. دلائل السور المكية والسور المدنية

الدليل الأول : دليل مكان النزول ، فالسور المكية : هى التى نزلت بمكة ولو بعد الهجرة ، والسور المدينة : هى ما نزل بالمدينة. ومنى وعرفات والحديبية من مكة ، وبدر وأحد من المدينة ، غير أنه يستثنى من ذلك الآيات التى نزلت فى أماكن أخرى ، كقوله تعالى : (لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ) (٤٢) (التوبة) فإنها نزلت فى تبوك ، فى غير مكة والمدينة ، وقوله تعالى : (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا) (٤٥) (الزخرف) قيل نزلت فى بيت المقدس ، فى غير مكة والمدينة.

والدليل الثانى : دليل الخطاب ، فما وقع خطابا لأهل مكة فهو مكى ، وما وقع خطابا لأهل المدينة فهو مدنى ، وعليه فإن ما ابتدأ بقوله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) مكى ، وبقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مدنى ، وذلك لأن الناس من مكة غالبا كانوا كفارا ، فهم مجرد ناس ، بينما هم فى المدينة مؤمنون فلا أقل من مخاطبتهم ب «يا أيها المؤمنون» ، ويلحق (يا أَيُّهَا النَّاسُ) صيغة : (يا بَنِي آدَمَ) ، وبالطبع فإن هذا ليس دائما ، فهناك آيات مدنية فيها (يا أَيُّهَا النَّاسُ) ، وآيات مكية صدرت ب (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) (٢١) (البقرة) مع أن السورة مدنية ؛ وقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) (٧٧) (الحج) مع أن السورة مكية. وقد يكون الخطاب خارجا عن الصيغتين ، كقوله : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ) (٦٥) (الأنفال) ، وكل (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) مدنى. وهناك عشر آيات تبدأ ب (يا أَيُّهَا النَّاسُ) مكية ، بينما هناك أربع عشرة آية بهذه الصيغة مدنية. وأيضا هناك خمس وسبعون آية مدنية تبدأ ب (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بينما الآيات المكية من هذا النوع ست آيات فقط.

والدليل الثالث ، الدليل الزمانى : أن المكى ما نزل قبل الهجرة ، والمدنى ما نزل بعد الهجرة ، وهذا دليل أكيد لا تثريب عليه ، وضابط ، وحاصر ، ومطّرد.

* * *

١٥. ضوابط السور المكية والمدنية

تتميز السور المكية والسور المدنية بضوابط وعلامات ، فكل سورة فيها «كلأ» مكية ، ويتكرر لفظ «كلأ» فى القرآن ٣٣ مرة فى ١٥ سورة ، كلها سور مكية ، لأن «كلأ» فيها نفى قاطع ، وإنكار ، وتهديد ، وتعنيف ، كقوله تعالى : (كَلَّا سَيَكْفُرُونَ) (٨٢) (مريم) ، وقوله (كَلَّا وَالْقَمَرِ) (٣٢) (المدثر) ، وإيرادها فى الكلام يناسب كفار مكة أكثر من يهود المدينة.

٢٣

وأيضا فإن أغلب السور التى تبدأ بحروف الهجاء المقطّعة مكية ، ما عدا ثلاث سور ، هى : البقرة ، وآل عمران ، والرعد. وكذلك فإن أغلب السور التى فيها قصص عن الأنبياء مكية ، إلا البقرة ، ؛ وكل سورة فيها عن آدم وإبليس مكية ، سوى البقرة ؛ وأغلب السور التى فيها (يا أَيُّهَا النَّاسُ) مكية ، ٢١٠ والتى فيها (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مدنية. ٢٠٠ وأغلب سور المفصّل مكية.

وكل سورة فيها الحدود والفرائض مدنية ، وكذلك الجهاد وأحكامه ، والمنافقون ، ما عدا العنكبوت ، فإن فيها إحدى عشر آية فى أولها ، جاء فيها عن المنافقين ، وهى آيات مدنية.

* * *

١٦. معنى السورة والآية والكلمة والحرف فى القرآن

السورة : من السّور كقوله تعالى : (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ) ١٣ (الحديد) ، وهو المرتفع من الأرض ، والسورة هى التى ارتفعت إلى المنزلة الشريفة ، ومن يقرأها يشرف على ما لم يكن يحيط به من علوم ومعارف. ثم هى سورة والجمع سور كقوله تعالى : (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ) (١٣) (هود) ، لتمامها وكمالها ، والعرب تسمى الناقة التامة سورة.

والآية : هى العلامة ، تعلّم الكلام الذى قبلها من الذى بعدها ، وتفصلهما ، وكل آية لذلك تبين من أختها وتنفرد ، والعرب يقولون «بينى وبين فلأن آية» ـ أى علامة ، ومن ذلك قوله تعالى : (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ) (٢٤٨) (البقرة) ، يعنى علامة ملكة ؛ وسميت آية ، لأنها مجموعة حروف تكوّن معنى بذاته ، كقوله تعالى : (قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (١١٨) (البقرة) ، كما نقول خرج القوم بآياتهم أى بمجموعهم. والآية هى العجيبة يعجز البشر عن الإتيان بمثلها كقوله تعالى : (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ) (١٢) (الإسراء).

والسورة : مجموعة من الآيات ، كقوله (سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ ١) (النور) ، ولها وحدة عضوية تحكمها ، كقوله تعالى : (فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ) (٢٠) (محمد). وأما الآية ، فهى فى القرآن : مجموعة من الكلمات تتكون من حروف ، وقد تكون الكلمة وحدها آية ، مثل والفجر ، وو الضّحى ، وو العصر ، وكذلك الم ، وطه ، ومدهامّتان.

والحرف : شبهة من الكلمة ، وقد يسمى الحرف كلمة ، وقد تسمى الكلمة حرفا ، مثل ص ، وق ، ون ، من فواتح السور ، وهى كلمات ، لأنها منفردة وحدها فى السورة ، وسكت عليها ، ومنفصلة.

٢٤

والآية توقيفية ، وقد اعتبرت (المص) ، و (المر) ، و (يس) آيات ، ولم تعدّ (طس) آية ، وعدّت (حم عسق) من سورة الشورى آيتين ، ولم يعدوا نظيرها (كهيعص) من سورة مريم آيتين بل آية واحدة ، وعدّوا كلمة (الرَّحْمنِ) فى سورة الرحمن ، آية ، وكلمة (مُدْهامَّتانِ) آية ؛ واعتبرت الفاتحة سبع آيات ، وهى السبع المثانى ، بينما اعتبرت آية الكرسى آية واحدة ؛ وتسمّى السورة التى تزيد على الثلاثين آية : الثلاثين ، وسورة الملك ثلاثون آية ؛ وما وقف عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو فاصلة ؛ وبعض الآية قد يقال له كذلك آية.

* * *

١٧. ترتيب سور القرآن فى المصحف عن توقيف من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم

ما صحّ وثبت هو أن تأليف (أى ترتيب) سور القرآن على ما هى عليه فى المصحف كان عن توقيف من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل : ولكن أبىّ بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، وعلىّ بن أبى طالب كان لهم ترتيب مختلف فيما اختطوا من مصاحف لهم؟ والجواب : أن ذلك كان قبل عرض النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم للقرآن على جبريل العرض الأخير ، وقبل وفاته رتّب تأليف السور بعد أن لم يكن قد فعل ذلك. ولم يؤلف عثمان المصحف من نفسه ، وإنما كان تأليف القرآن على ما كان الصحابة قد سمعوه من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فلما أنزل القرآن جملة الى السماء الدنيا ، فرّق على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى عشرين سنة ، وكانت السورة تتنزّل فى الأمر بحدث ، وتتنزل الآية جوابا لمستخبر يسأل ، فيوقف جبريل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على موضعهما من القرآن ، فكان اتساق السور كاتساق الآيات والحروف ، وجميع ذلك تم على يد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عن ربّ العالمين ، فمن أخّر سورة أو آية ، أو قدّمها ، أفسد نظم السور والآيات ، وغيّر فى المعانى ، كمن يزيد فى العبارات كلمات ، أو فى الكلمات حروفا. ولا تثريب من ثمّ أن تتقدم البقرة على الأنعام فى المصحف مع أنها فى التنزيل كانت متأخرة عنها. والعمدة فى ذلك أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخذ عنه هذا الترتيب ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمر حالما تتنزل السورة أو الآية ، أن يضعوها فى موضع كذا وكذا من القرآن ، وكان جبريل يوقفه على مكان كل سورة واسمها ، وكل آية. فمن يعمل على ترك الأثر ، ونظم السور على منازلها بمكة والمدينة ، يردّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ما حكاه عن ربّه تعالى. وكان منطقيا فى ترتيب السّور فى المصحف أن يكون الابتداء بالفاتحة ، ثم تأتى السور الطوال ، وهذه أغلبها مدنى وأقلّها مكى ، ثم تكون السور متوسطة الطول ، ويختم بالسور القصار ، وآخرها المعوذتان ، وكأنهما الحافظان للكتاب.

* * *

٢٥

١٨. كيف تكون تلاوة القرآن فى الصلاة والدرس؟

وهل يجب أن تكون على حسب ترتيب المصحف؟

الجواب : لم يعلم أن أحدا من الصحابة قال بذلك ولا عمل به ، وفى ذلك قالت عائشة رضى الله عنها : لا يضرك أية قرأت قبل. وقد كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقرأ فى الصلاة السورة فى ركعة ، ثم يقرأ فى ركعة أخرى بغير السورة التى تليها. وروى عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ الناس القرآن منكوسا ، وقالا فيمن يفعل ذلك أنه منكوس القلب ، أى يقرأ السورة منكوسة ، يبتدئ من آخرها إلى أولها ، كعادة بعض الناس الذين يجرّبون أنفسهم فى الحفظ والتذكر ، ولا يعقل ذلك فى الصلاة ، لأن الكلام آنذاك لن يكون له معنى.

* * *

١٩. فهل يجب أن يكون على حسب ترتيب النزول؟

والجواب : أن بعض السور المكية ضمّت إليها آيات نزلت فى المدينة ، وبعض السور المدنية أضيفت إليها آيات مكية ، وبديهى أن القراءة بحسب ترتيب النزول مستحيلة ، وفى ذلك قالت عائشة رضى الله عنها : ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (تعنى فى المدينة) ، وقد قدّمتا فى المصحف على ما نزل قبلهما من القرآن بمكة ، ولو ألّفوه (يعنى رتّبوه) على تاريخ النزول لوجب أن ينتقض ترتيب آيات السور.

* * *

٢٠ قراءة القرآن بين الجواز والمنع

قيل : لا يجوز استعمال القرآن بدلا من الكلام ، لأنه استعمال له فى غير ما له.

ويجوز قراءة القرآن فى الحمام ؛ وإذا أذّن المؤذن أثناء القراءة يقطعها القارئ ليقول مثل ما يقول المؤذّن ؛ ولا بأس بالقراءة عند القبر ، وفى الطريق ، وأثناء الاضطجاع ؛ ولا تستحب القراءة بالألحان ، وتستحب بالترتيل والتحسين والتحزين. ويجوز قراءة سورتى «الكافرون» ، و «قل هو الله أحد» فى ركعتى الفجر ، والآية : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا) (١٣٦) (البقرة) ، والآية : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) (٦٤) (آل عمران) ؛ وسورة الكهف يوم الجمعة. ولا تسن القراءة زيادة على الفاتحة فيما بعد الركعتين الأوليين ، ولا يجهر بالفاتحة فى الركعتين الأخيرتين حتى فى صلاة الجهر. ويستحب أن يقرأ المتهجد جزءا من القرآن فى تهجده ، وهو مخيّر بين الجهر بالقراءة والإسرار بها. ولا تجب القراءة على المأموم فيما جهر به الإمام من القراءة ، وعليه أن ينصت ، وإن لم يسمع القراءة

٢٦

فله أن يقرأ. ويكره أن يقرأ المصلى القرآن فى الركوع أو السجود ، ويشرع السجود فى التلاوة ، ويكره للإمام قراءة السجدة فى صلاة لا يجهر فيها ، لأن المأموم لن يعرف أنه قرأها ، وربما لا يتبعه فى السجود.

* * *

٢١. أحزاب القرآن وأجزاؤه

الأجزاء التى اشتهرت للقرآن هى الأجزاء الثلاثون ، والثابت أن الصحابة كانوا يحزّبون القرآن : ثلاثا ، وخمسا ، وسبعا ، وتسعا ، وإحدى عشرة ، وثلاث عشرة ، وحزب المفصل وحده من «ق» حتى يختم ؛ فالثلاث : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والخمس : المائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، وبراءة ؛ والسبع : يونس ، وهود ، ويوسف ، والرعد ، وإبراهيم ، والحجر ، والنحل ؛ والتسع : سبحان ، والكهف ، ومريم ، وطه ، والأنبياء ، والحج ، والمؤمنون ، والنور ، والفرقان ؛ والإحدى عشرة : الشعراء ، والنمل ، والقصص ، والعنكبوت ، والروم ، ولقمان ، والم السجدة ، والأحزاب ، وسبأ ، وفاطر ، ويس ؛ والثلاث عشرة : الصافات ، وص ، والزمر ، وغافر ، وحم فصلت ، وحم عسق ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والأحقاف ، ومحمد ، والفتح ، والحجرات ؛ ثم بعد ذلك الحزب المفصّل.

* * *

٢٢. السور الطوال والمئين والمثانى والمفصّل

أقل السورة : ثلاث آيات ، وهى سورة الكوثر ، وكل سورة لها مطلع ومقطع ؛ وأطول سورة : هى البقرة ، وآياتها ٢٨٦ آية ، وأكثر آياتها من الطوال ، وفيها آية الدّين : أطول آية فى القرآن ؛ والسور أربعة أنواع : الطوال ، والمئين ، والمثانى ، والمفصّل.

فالطوال : سبع سور : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف. فهذه ست ، واختلفوا فى السابعة : أهي الأنفال والتوبة معا ، لعدم الفصل بينهما بالبسملة ، أم هى سورة يونس؟

والمئون : هى السورة التى تزيد آياتها على مائة أو تقاربها

والمثانى : هى التى تلا المئين فى عدد الآيات ، وقيل : هى التى آياتها أقل من مائة آية ، وسميت مثانى لأنها تثنى ـ أى تكرر ـ أكثر مما تثنى الطوال والمئون.

والمفصّل : هو أواخر القرآن ، وأوله سورة ق ، وقيل : أوله سورة الحجرات ، وسمى المفصّل ، لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة ، وقيل : لقلة المنسوخ منه ، ولهذا يسمى «المحكم» أيضا.

٢٧

والمفصّل ثلاثة أنواع : طوال ، وأواسط ، وقصار ؛ فطواله : من أول الحجرات إلى سورة البروج ؛ وأواسطه : من سورة الطارق إلى سورة البينة ؛ وقصاره : من الزلزلة إلى آخر القرآن.

* * *

٢٣. عدد آيات القرآن وعدد كلماته وحروفه

قيل عدد آيات القرآن ٦٢٠٠ وكسر ، واختلفوا فى الكسر ، فقيل : ٦٢٠٤ ، أو ٦٢٠٥ ، أو ٦٢١٠ ، أو ٦٢١٤ ، أو ٦٢١٧ ، أو ٦٢٢٠ ، أو ٦٢٢٦ ، أو ٦٢٣٦ ، وسبب هذا الاختلاف أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقف على رءوس الآى تعليما لأصحابه أنها رءوس آيات ، فإذا علموا وصل الآية بما بعدها ليستقيم المعنى ويتم ، فيظن البعض أن ما وقف عليه ليس فاصلة ، فيصلها بالذى بعدها ويعتبرهما آية واحدة ، والبعض يعتبر كل واحدة آية مستقلة فلا يصلها بما بعدها.

وآيات القرآن مختلفة فى الطول والقصر ، فأطول آية هى آية الدّين من البقرة ، وأقصر آية هى «يس» فى صدر سورة يس.

وتبلغ عدد كلمات القرآن ٧٧٩٣٤ كلمة ، وعدد حروفه ٣٢٣٠١٥ حرفا. وقيل إن معرفة عدد كلمات القرآن يمنع أن يزيد أحد عليها شيئا أو ينقص منها شيئا. ولما كان الله تعالى قد تحدّى الناس بقوله : (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) (٢٣) (البقرة) ، والسورة يمكن أن تكون طويلة أو قصيرة ، وكانت أقصر سورة هى سورة الكوثر ، وآياتها ثلاث آيات ، فثبت أن أقل الإعجاز ثلاث آيات قصار. وفى الحديث : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول «الم» حرف ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف».

* * *

٢٤. تنزيل القرآن

قيل : أنزل القرآن كله من أم الكتاب إلى بيت العزّة من سماء الدنيا فى ليلة القدر ، كقوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (١) (القدر) ، وليلة القدر من شهر رمضان : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (١٨٥) (البقرة) ، فنصّ على أن ميقات نزوله كان رمضان ، ثم عيّن من زمانه الليل ، فقال : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (٣) (الدخان). وأنزله الله تعالى على نبيّه فى الليالى والأيام ، فى ثلاث وعشرين سنة ، وقيل : كان ينزل فى كل ليلة قدر ما ينزل فى سائر السنة ، كقوله : (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) (٤) (الدخان) ، أى يقضى الله فيها كل خلق وأجل ورزق وعمل إلى مثلها. وقيل : إن

٢٨

صحف إبراهيم ، وتوراة موسى ، وإنجيل عيسى ، جميعها أنزلت فى شهر رمضان ، أو ما يقابله من تقويم الأمم.

* * *

٢٥. أبو بكر وعمر جمعا القرآن ، وعثمان كتب المصاحف

كان القرآن أيام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى صدور القرّاء متفرّقا ، وكتب الناس منه فى صحف ، وجريد ، ولخف (جمع لخاف وهى الحجارة البيض الرقاق) ، وظرر (جمع ظرار وهى الحجارة الرفيعة) ، وفى الخزف ، فلما استحرّ القتل بالقرّاء فى يوم اليمامة زمن الصدّيق ، وقتل منهم فى ذلك اليوم ـ كما قيل ـ سبعمائة ، أشار عمر بن الخطاب على أبى بكر بجمع القرآن ، مخافة أن يموت أشياخ القراء ، أو يستحر القتل فيهم فى الغزوات ، أو فى المواطن ، فجمعه غير مرتّب السور ، وكلّف بذلك زيد بن ثابت ، وتتبعه زيد ، وجمعه من الرقاع (جمع رقعة ، وقد تكون من الجلد) ، ومن صدور الرجال ، وأودع ما جمع عند أبى بكر ، فلما قارب أبو بكر الموت ، أودعها عند عمر ، فلما حانت وفاة عمر ، أودعها عند حفصة ابنته وأم المؤمنين.

* * *

٢٦. هل صحيح أنه عند وفاة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن قد جمع القرآن إلا أربعة فقط؟

هذا الكلام قال به أنس بن مالك ، وكان عند وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى نحو العشرين من عمره ، وقال : «مات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة : أبو الدرداء ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد». وأبو زيد هذا الذى يذكره أنس كان اسمه قيس بن السكن. وأنس وهو مسلم ـ قد أشنع فى الخطأ إذا كان قد قال ذلك ، ويقصد بجمع القرآن حفظه أو حتى كتابته ، فلقد كان حفّاظ القرآن كثيرين ، يرتلونه بألسنتهم ، وتعيه عقولهم ، ويضعونه من أنفسهم بين حنايا الصدور. وأين من كلام أنس أمثال : أبى بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلىّ ، وطلحة ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وحذيفة ، وسالم ، وأبى هريرة ، وعائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وابن الزبير ، وابن السائب ، وأبىّ بن كعب ، ومجمع بن حارثة؟ وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأتمن على القرآن أربعة يخصّهم بالمرجعية فيه ، قال : «خذوا القرآن عن أربعة : عن عبد الله بن مسعود ، وسالم ، ومعاذ بن جبل ، وأبىّ بن كعب» رواه البخارى. وعن أبى داود برواية محمد بن كعب قال : جمع القرآن على عهد رسول الله خمسة من الأنصار : معاذ بن جبل ، وعبادة بن الصامت ، وأبىّ بن كعب ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب الأنصارى». ولما كانت وقعة بئر مؤتة فى حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قتل من الحفاظ

٢٩

سبعون ، وفى السنة الثانية عشرة ـ أى بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى يوم اليمامة أحصى من قتل من الحفاظ فقيل بلغوا سبعين ، وقيل أكثر من ذلك حتى الخمسمائة .. وفى الحرب بين علىّ والخوارج ، وبينه وبين معاوية ، قتل الآلاف من الحفاظ. وقد هال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك فى حياته ، وهال أبا بكر وعمر وعثمان وعليا بعد وفاته ، وبعد أن كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قال : «لا تكتبوا عنى» ـ يقصد الحديث ، «ومن كتب غير القرآن فليمحه ، وحدّثوا عنى فلا حرج ، ومن كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» مخافة أن يلتبس ما يقوله من حديث ويختلط بالقرآن ، رأى عثمان أن يجمع القرآن من الآحاد ، فمن الممكن أن يحفظ هذا آيات لا يحفظها ذاك ، أو ينسى أحدهم ، ووحّد عثمان المصحف مشتملا على كل ما عند الحفّاظ الثقاة ، بشرط أن يجمع الغالبية عليه ، وجعله مصحفا إماما تستنسخ عنه المصاحف ، ويبعث بها إلى أقطار الإسلام ، ووضع عثمان بذلك أساس علم جديد هو «علم رسم القرآن» أو «علم الرسم العثمانى». فهذه حكاية جمع القرآن ، فلم يحدث أن تخلّف المسلمون عن حفظه وكتابته ، ولم تكن هناك فترة زمنية بين النزول وبين التدوين ، كما فى التوراة ـ فقد كانت الفترة بينهما فى التوراة نحو ٣٥٠ سنة ـ أو كما فى الأناجيل ـ وقد كان هناك ما بين ثمانين سنة إلى مائة سنة وعشرين. ولم يقل بالقرآن آحاد كما فى التوراة والأناجيل ، ولم يدوّنه أناس نكرات لا نعلم عنهم شيئا كما فى التوراة والأناجيل ، وإنما كل صحابى من الحفّاظ له تاريخه المرصود ، وسيرته المحفوظة ، وعنعنت رواياته ، وقورنت بالآخرين ، ولم يرصد من كل الروايات فى كتاب واحد إلا المجمع عليه والمتواتر. فمن يتهم المسلمين بأنه قد سقط من كتابهم شىء ، أو حرّف منه شىء ، فهو حاسد حقود متخرّص ، قاتل الله المتخرّصين.

* * *

٢٧. عدد مصاحف عثمان

قيل : إن عثمان استنسخ ستة مصاحف : المكى ، والشامى ، والبصرى ، والكوفى ، والمدنى العام للناس كلهم ، والمدنى الخاص لنفسه ـ وهو المسمى بالمصحف الإمام. وقيل مصاحف عثمان ثمانية : الكوفى ، والبصرى ، والشامى ، والمدنى العام ، والمدنى الخاص ، والمكى ، ومصحف البحرين ، ومصحف اليمن. وقيل إنه أنفذ إلى مصر مصحفا. وقيل إنه مع كل مصحف أنفذ من يوافق قراءته ، فكان زيد بن ثابت يقرئ أهل المدينة ، وعبد الله بن السائب لأهل مكة ، والمغيرة بن أبى شهاب لأهل الشام ، وعبد الرحمن السلمى لأهل الكوفة ، وعامر بن عبد القيس لأهل البصرة. وقرأ أهل مصر على التابعين ممن قرءوه على الصحابة ، ثم تخصّص قوم فى القراءات فنسبت إليهم.

* * *

٣٠

٢٨. الزعم بوقوع تغييرات فى مصحف عثمان

زعم المبطلون بأن مصحف عثمان استحدثت به تغييرات ولم يشتمل على جميع القرآن ، وأنه أسقطت منه آيات ، ومن يزعم ذلك أبطل الإجماع على صحة ما توارثناه من نسخة القرآن ، وردّ قوله تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (٨٨) (الإسراء).

ومما ادّعوه : أن سورة العصر كانت «والعصر ونوائب الدهر» ، فسقطت «ونوائب الدهر» ؛ وكانت الآية : (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٢٤) (يونس) ، «حتى إذا أخذت الأرض زخرفها .. كأن لم تغن بالأمس وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها» ، فسقط منها هذا الجزء الأخير : «وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها» ؛ وقرءوا (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) بإسقاط «قل هو» ، وغيّروا لفظ «أحد» وجعلوه «الواحد» ؛ وكذلك سورة (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) ، جعلوها «قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون» ؛ وادّعوا الخطأ فى مصحف عثمان فى الآية : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١١٨) (المائدة) بزعم أن الحكمة والعزة لا تشاكل المغفرة ، وأن الصواب أن تكون الآية هكذا : «وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم» ؛ وكذلك الآية : (وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً) (٦٩) (الأحزاب) ادّعوا أن صوابها «وكان عبدا لله وجيها» ؛ والآية : (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ١٦ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) (١٧) (القيامة) قرءوها «إن علينا قراءته» ؛ والآية : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) (١٢٣) (آل عمران) ، جعلوها «ولقد نصركم الله ببدر بسيف علىّ وأنتم أذلة» ؛ والآية (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) (١١٦) (المائدة) عدّلوها «أليس قلت للناس» ؛ كما عدّلوا (إِنْ هذانِ) (٦٣) (طه) إلى «إن هذين» ، بزعم أن هناك خطأ نحويا ؛ و (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) (١٠) (المنافقون) إلى «فأصدق وأكون» ؛ وقوله تعالى : (فَبَشِّرْ عِبادِ) ١٧ (الزمر) إلى «وبشّر عبادى» ؛ وقوله : (فَما آتانِيَ اللهُ) (٣٦) (النمل) إلى «فما أتانى الله» ؛ وأشياء أخرى كثيرة قال بها أبىّ بن كعب وآخرون ، ونسبوا ما قالوه إلى صحابة كبار ، فمثلا زعموا أن عمر بن الخطاب قرأ سورة الفاتحة هكذا «غير المغضوب عليه وغير الضالين»!! ، ونحلوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قرأ فى سورة المسد هكذا : «تبت يدا أبى لهب وقد تب ، ما أغنى عنه ماله وما كسب ، سيصلى نارا ذات لهب ، ومريّته حمالة الحطب ، فى جيدها حبل من ليف» ؛ وحرّفوا قوله تعالى : (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ) (٣٧) (الحاقة) إلى : «فليس له اليوم هاهنا حميم ، وليس له شراب إلا من غسلين ، من عين تجرى

٣١

من تحت الجحيم ، لا يأكله إلا الخاطئون» ، فذكروا أن الشراب يؤكل!! وزادوا فى الآية وأفسدوا المعنى ، فظهر بطلان ما يقولون وما يفترون ، وما أفلحوا فيما خطّطوا له وادّعوه ، وكانت معجزة القرآن حقا أنه محفوظ فى الصدور ، ومكتوب فى المصاحف ، ومقروء بالألسنة ، ومعلومة على الاضطرار سوره وآياته ، مبرأة من التحريف والتغيير والتعديل.

* * *

٢٩. القراءات وأشهرها

القراءات جمع قراءة ، وهى فى اللغة مصدر سماعى لقرأ ، وفى الاصطلاح مذهب أحد أئمة القرّاء فى النطق بالقرآن ، واتفاق الروايات والطرق عنه. وأحوال الإسناد إما قراءة أو رواية ، أو طريق ، أو وجه ؛ فالقراءة : ما اتفقت عليه الروايات والطرق ؛ فإن كان للراوى عنه فرواية ؛ أو لمن بعده فنازلا فطريق ؛ وإن كان بحسب تخيير القارئ فوجه.

والقراءات : علم بكيفية أداء كلمات القرآن ؛ والمقرئ : العالم بها ؛ والقارئ المبتدى : من شرع فى إفراد ثلاثا من القراءات ، والمنتهى : من نقل أكثر القراءات وأشهرها. والاختلاف فى القراءات فى حدود السبعة أحرف التى نزل عليها القرآن ، والاعتماد فى نقل القرآن على الحفّاظ ، والمشتهرون منهم من الصحابة : عثمان ، وعلىّ ، وأبىّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وابن مسعود ، وأبو الدرداء ، وأبو موسى الأشعرى ؛ والمشتهرون من التابعين : ابن المسيب ، وعروة ، وسالم ، وعمر بن عبد العزيز ، وسليمان بن يسار ، وأخوه عطاء ، وزيد بن أسلم ، ومسلم بن جندب ، وابن شهاب الزهرى ، وعبد الرحمن بن هرمز ، ومعاذ بن الحارث المشهور بمعاذ القارئ. وجميعهم كانوا بالمدينة. وأما من كان بمكة فهم : عطاء ، ومجاهد ، وطاوس ، وعكرمة ، وابن أبى مليكة ، وعبيد بن عمير وغيرهم. وكان بالبصرة : عمّار بن عبد القيس ، وأبو العالية ، وأبو رجاء ، ونصر بن عاصم ، ويحيى بن يعمر ، وجابر بن زيد ، والحسن ، وابن سيرين ، وقتادة ، وغيرهم. وبالكوفة : علقمة ، والأسود ، ومسروق ، وعبيدة ، والربيع بن خيثم ، والحارث بن قيس ، وعمر بن شرحبيل ، وعمرو بن ميمون ، وأبو عبد الرحمن السلمى ، وزر ابن حبيش ، وعبيد بن فضلة ، وأبو زرعة بن عمرو ، وسعيد بن جبير ، والنخعى ، والشعبى. وبالشام : المغيرة بن أبى شهاب المخزومى ، وخليد بن سعيد ، وغيرهما. وتفرّغ بعضهم للقراءات يضبطونها ، مثل : أبى جعفر يزيد بن القعقاع ، ثم شيبة بن نضاح ، ثم نافع بن أبى نعيم ، وكانوا بالمدينة ؛ وبمكة : عبد الله بن كثير ، وحميد بن قيس الأعرج ، ومحمد بن محيصن ؛ وبالكوفة : يحيى بن وثاب ، وعاصم بن أبى النجوى ، وسليمان الأعمش ، ثم حمزة ، ثم الكسائى ؛ وبالبصرة : عبد الله بن أبى إسحاق ، وعيسى بن عمرو ، وأبو عمرو بن

٣٢

العلاء ، وعاصم الجحدري ، ثم يعقوب الحضرمى ؛ وبالشام : عبد الله بن عامر ، وعطية بن قيس الكلابى ، وإسماعيل بن عبد الله بن المهاجر ، ثم يحيى بن محارب الذّمارى ، ثم شريح بن يزيد الحضرى.

واشتهرت سبع قراءات ، وقيل عشر ، وقيل أربع عشرة ، وأحظاها جميعا القراءات السبع المنسوبة للأئمة السبعة المعروفين : نافع ، وعاصم ، وحمزة ، وعبد الله بن عامر ، وعبد الله بن كثير ، وأبو عمرو بن العلاء ، وعلىّ الكسائى. فإذا جعلنا القراءات عشرا فيزيد على من سبق : أبو جعفر ، ويعقوب ، وخلف. وجاءت شهرة الأئمة السبعة على رأس المائتين ، ولم يبدأ تدوين القراءات إلا فى نهاية القرن الثالث على يد إمام بغداد ابن مجاهد أحمد بن موسى بن عباس ، فلم يتيسر له إلا هؤلاء السبعة ، وإن كان هناك غيرهم كثيرون أجلّ منهم وأعظم ؛ وجاءت القراءات العشر بزيادة : يعقوب ، وأبى جعفر ، وخلف ؛ والأربع عشرة ، بزيادة : الحسن البصرى ، وابن محيصن ، ويحيى اليزيدى ، والشنبوذى. وكل قراءة توافق المصحف العثمانى ولو تقديرا ، واللسان العربى ولو بوجه ، وصحّ إسنادها إلى واحد من القرّاء ، فهى صحيحة.

والرسم العثمانى أنواع ثلاثة : قياسي : يوافق الألفاظ تحقيقا ؛ وسماعى : يوافقها تقديرا ؛ واحتمالى : يوافقها احتمالا. والقرآن محل القراءات : هو ما نقل بين دفتى المصحف نقلا متواترا ، والتواتر شرط فيه. والقراءات ستة ، أصحّها المتواترة : التى قرأها جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب ؛ والمشهورة : التى رواها العدول الضابطون عن مثلهم ، ووافقت العربية ، وأحد المصاحف العثمانية ، واشتهرت عند القرّاء ؛ وغير هذه قد تكون القراءة صحيحة السند وتخالف الرسم أو العربية ، أو لم تشتهر ، فلا يقرأ بها ؛ أو تكون قراءة شاذة لم يصح إسنادها ، أو تكون قراءة موضوعة منسوبة إلى قارئ من غير أصل ؛ أو تكون زيدت على وجه التفسير وظنت قراءة. وأسلم القراءات : المتواترة. والمعول عليه أن ما نقل آحادا فليس من القرآن قطعا ، والتواتر شرط ما هو من القرآن. والقراءات العشر كلها متواترة فيما اتفقت الطرق على نقله عن القرّاء.

ولمزيد من العلم بالقرّاء السبعة الذين سبق التنوية بهم ، نقول بحسب ورودهم التاريخى : إن ابن عامر : هو عبد الله اليحصبى ، من يحصب ، وكان تابعيا ، وأخذ عن المغيرة بن أبى شهاب ، عن عثمان ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتوفى بدمشق سنة ١١٨ ه‍ ؛ وابن كثير : هو أبو محمد عبد الله بن كثير ، الدارى ، المكى ، روى عن مجاهد ، عن ابن عباس ، عن أبىّ بن كعب وعمر بن الخطاب ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتوفى سنة ١٢٠ ه‍ ؛ وعاصم :

٣٣

هو أبو بكر عاصم بن أبى النّجود الأسدي ، قرأ على زرّ بن حبيش ، عن عبد الله بن مسعود ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتوفى بالكوفة سنة ١٢٧ ه‍ ، ومن تلاميذه : حفص ، أبو عمرو ، المتوفى سنة ١٨٠ ه‍ ؛ وأبو عمرو : هو زبّان بن العلاء عمّار البصرى ، روى عن مجاهد ، وسعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن أبىّ بن كعب ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان أول من جمع القراءات ، وتوفى سنة ١٥٤ ه‍ ؛ وحمزة : هو أبو عمارة حمزة بن حبيب الزيّات الكوفى ، قرأ على أبى محمد سليمان بن مهران الأعمش ، على يحيى بن وثاب ، على زرّ بن حبيش ، على عثمان وعلىّ وابن مسعود ، على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتوفى بحلوان سنة ١٥٦ ه‍ ؛ ونافع : هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبى نعيم المدنى ، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة ، وتوفى ـ سنة ١٦٩ ه‍ ، ومن تلاميذه : قالون ، سمّى كذلك لجودة قراءته ، لأن قالون تعنى الجيد ، وتوفى سنة ٢٢٠ ه‍ ؛ وورش : أبو سعيد ، ويلقّب بورش لشدة بياضه ، وانتهت إليه رئاسة الإقراء بمصرّ ، وتوفى سنة ١٩٧ ه‍ ؛ والكسائى : أبو الحسن على بن حمزة ، توفى سنة ١٨٩ ه‍ ، وتتلمذ عليه الدورى ، أبو عمرو حفص ، إمام القرّاء فى عصره ، ونسبته إلى «الدور» محلة فى بغداد ، وتوفى سنة ٢٤٦ ه‍ فهؤلاء هم القراء السبعة.

* * *

٣٠. أليس القرآن نصّا موحدا؟ هل له صياغات مختلفة؟

أقوال المستشرقين فى ذلك كثيرة ، وأكثرهم انتشارا جولد تسيهر اليهودى المجرى ، وأقواله فى الإسلام والقرآن خاصّة ، فيها عداء سافر وكراهية لا تخفى على خاف ، واشتهر هذا المستشرق بتوليده للنصوص التى يتصيّدها ، ويغالط فى تحميلها المعانى التى لا تحتملها ، ومن أبرز مؤلفاته فى ذلك كتاب «العقيدة والشريعة فى الإسلام» ، و «مذاهب التفسير الإسلامى».

ومما يثيره من شبهات قوله فى كتب الديانات أنها لم يحدث أن ادّعى مدّع أن نصوصها منزّلة أو موحى بها إلا القرآن ، ولذلك فإن هذه الكتب تحفل بالاضطراب وعدم الثبات. وأما القرآن فعمر ادّعى أنه صواب كله ـ يعنى لا اضطراب فيه ، وقال ـ أى عمر : هذا كاف شاف ، ما لم تجعلوا آية رحمة آية عذاب ، أو تجعلوا آية عذاب آية رحمة ، فما دام لم يحدث اختلاف أساسى فى المعانى فاختلاف الألفاظ لا يهم. ويستخلص جولد تسيهر من وجود قراءات متباينة على أن هذه القراءات كان يمليها أن يرى الناس النص على وجه يفهموه بها ويتفق مع صورته الأصلية. والنتيجة أن صارت هناك نصوص عدة للقرآن كانت بمثابة محاولات أولى للتفسير ، وأما النص الحالى المتداول ـ والقراءة به هى القراءة المشهورة

٣٤

ـ فهو الذى قام على جمعه ونشره عثمان بن عفان ، أراد به أن يمنع وجود قراءات متعددة مختلفة الألفاظ قد تضرّ بالمعانى. ورغبته هذه فى إيجاد نصّ موحّد كان نتيجتها هذا النصّ الحالى ، ويصفه جولد تسيهر بأنه نصّ غير موحّد الأجزاء. ولم ير فى محاولة جمع القرآن ونشر نسخة واحدة متيقنة الثبوت ، إلا أنها ترسيخ للقراءات المتعددة للصحابة ، ولاختياراتهم الشخصية ، وإنكارهم لوجود قراءات متعددة. والقرآن لم يحدث أن كان مشاعا يقرأه أىّ من كان ، بطريقته الفردية وبحرية ، ولكنه منذ اللحظة الأولى كتب فى حياة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وجزّأه آيات وسورا ، وأشرف على ضبطه ، ولم يمت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا وقد كان للقرآن حفّاظ وعوه بقلوبهم ، ورددته ألسنتهم ، وكتبوه سطورا على الرقاع وقطع الأديم والعسب والأكتاف. وفى عهد أبى بكر حدثت الردّة ، وجرت موقعة اليمامة فى أواخر سنة إحدى عشرة للهجرة ، واستشهد فيها ـ كما قيل ـ سبعمائة من القرّاء ، فخشى أبو بكر على القرآن ، وقرر أن يجمعه ، وكلّف زيد بن ثابت بهذه المهمة ، فكان يجمع السور والآيات ، ويوازن بين أقوال القرّاء ، ويشرف عليه أبو بكر وعمر ، وانتهت كتابته للقرآن ، كما هو ، متلوا ومتواترا ، على ورق ، وقد رتبت الآيات فى السور على ما وقف عليه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأجمعت الأمة على هذه النسخة ، وحفظها بعده عمر ، وعهد بها إلى ابنته حفصة ، فحفظتها إلى أن طلبها عثمان ، وقرأها على الصحابة مجتمعين فأقرّوها ، والتزم كل من شارك فى هذا العمل غاية الدقة ، يمليها عليهم الإيمان بالله ، والخوف منه تعالى ، لأن القرآن كلامه.

وكانوا لا يقرّون إلا المتواتر دون ما ينقله الآحاد ، وما كان متلوا دون ما نسخت تلاوته ، وفرّقوا بين ما يكون مكتوبا فى الهوامش كتفسير وما يكون متنا ، وراعوا ترتيب الآيات والسور على ما وقفهم عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن يكون بلسان قريش ، وخطّوا منه عددا من النسخ أرسلوا كل واحدة إلى الأمصار. فكيف يقال بعدئذ أنه كانت هناك اختلافات ، وأن النسخة التوحيدية كانت معتسفة؟!

* * *

٣١. من وضع الأعشار للمصحف؟

الأعشار أمر بها المأمون العباسى ، ويقال الأعشار والعشور أيضا : وهى العلامات بالطّيب ، أو الأحمر ، أو الألوان. ثم عشّر المصحف بالحبر ، وكتب به عند خواتم السور عدد ما فيها من آيات ؛ ويعشّر المصحف الآن بأحبار المطابع. والمسلمون بدءوا فنقّطوا ، ثم خمّسوا ، ثم عشّروا. وكان القرآن مجرّدا فى المصاحف ، فأول ما أحدثوا فيه : النّقط على

٣٥

الباء والتاء والثاء ، ثم أحدثوا النقط عند منتهى الآيات ، ثم أحدثوا الفواتح والخواتيم. وكل ذلك من عمل الصحابة والتابعين ، قادهم إليه الاجتهاد.

* * *

٣٢. من قام بشكل المصحف ونقطه وتجزئته؟

روى أن الذى قام بتشكيل المصحف وتنقيطه وتجزئته كان عبد الملك بن مروان ، أمر به ونفّذه ، وتجرّد له الحجّاج بواسط ، وجدّ فى القرآن وزاد فى تحزيبه ، ونشر أول كتاب فى القراءات ، جمع فيه ما اختلف الناس فيما وافق الخط القرآنى ، إلى أن ألف ابن مجاهد كتابه فى القراءات.

وكان أول من نقّط المصحف : أبو الأسود الدؤلى ، وكان قد سمع قارئا أعجميا يقرأ الآية : (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) (٣) (التوبة) ، فقرأها بجر اللام فى كلمة رسوله ، فأفزع هذا اللحن الشنيع أبا الأسود ، فجعل علامة الكسرة نقطة أسفل الحرف ، وعلامة الفتحة نقطة فوقه ، وميّز عبد الملك بن مروان ذوات الحروف من بعضها بواسطة الإعجام ، والنّقط ، واستبدل بالنقط علامات الفتحة والكسرة والضمة والسكون حتى لا تختلط نقط الحروف مع نقط الشكل ، واستحب المسلمون الإعجام والشكل صيانة من اللحن فى القرآن ، وجزّأ الناس المصاحف أجزاء ، وقسّموها ثلاثين قسما ، سمّوا الواحد الجزء ، وأطلقوا على الأجزاء ربعات ، فالجزء ربعة ، وقسّموا الجزء إلى حزبين ، ووضعوا كلمة خمس عند نهاية كل خمس آيات من السورة ، وكلمة عشر عند نهاية كل عشر آيات ، وهكذا ، وكتب بعضهم حرف الخاء بدلا من خمس ، ورأس العين بدلا من عشر ، وبعضهم جعل للآيات أرقاما توضع عند رءوسها.

وأما أول من أعجم القرآن ، ونجح فى ذلك ، فكان : نصر بن عاصم الليثى ، ويحيى بن يعمر العدوانى ، بتكليف من الحجّاج ، وهذان هما اللذان نقّطا جميع الحروف المتشابهة ، والتزما ألا تزيد النقط فوق أى حرف عن ثلاث.

ومن الذين سبقوا إلى ذلك ابن سيرين ، فكان له مصحف منقوط ، ونقّطه يحيى بن يعمر. وقيل إن أبا الأسود نقّط المصحف بصفة فردية ، ثم تبعه ابن سيرين. وكان عبد الملك بن مروان أول من نقّط المصحف بصفة رسمية عامة ، فذاع ذلك عنه وانتشر ، دفعا للبس والإشكال فى قراءة القرآن.

* * *

٣٣. فى فواتح السور

تفتتح سور القرآن بعشرة أنواع من الكلام ، فإما بالثناء ، كقوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ)

٣٦

(الفاتحة) ، و (تَبارَكَ) (الفرقان) ؛ أو بالنداء ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) (الحجرات) ، و (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) (الأحزاب) ، و (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر) ؛ أو الجمل الخبرية ، كقوله : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ) (الأنفال) ، و (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) (التوبة) ؛ أو بالقسم كقوله : (وَالصَّافَّاتِ) ، (وَالذَّارِياتِ) ، (وَالطُّورِ) ؛ أو بالشرط ، كقوله : (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ) ، و (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) ؛ أو بالأمر ، كقوله : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ، و (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) ؛ أو بالاستفهام كقوله : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) ، و (عَمَّ يَتَساءَلُونَ) ؛ أو بالدعاء ، كقوله : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) ، و (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) ؛ أو بالتعليل كقوله : (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ) ؛ أو بحروف التهجى ، كقوله (الم) ، (المص) ، (المر) .. إلخ.

* * *

٣٤. الحروف المقطعة فى أوائل السور

عدد هذه الحروف ٧٨ حرفا ، يتكرر بعضها فى مختلف السور التى أوردتها وهى ٢٩ سورة ، وبدون تكرار فهى ١٤ حرفا ، ويرى البعض أن العدد ١٤ ضعف العدد ٧ وهو من الأعداد التى ربما لها دلالات خاصة ، وشغلت المفكرين المسلمين كشغلهم بالحروف المقطّعة ، وكثيرون تكلموا فى هذه الحروف وذهبوا فى تفسيرها مذاهب شتى ، ومنها التفسير العددى لها ، بحساب الأعداد التى تمثلها الحروف ، فيكون حاصل جمعها هو عمر الإسلام وهو ما ذهب إليه اليهود! وبعض السور لا تبدأ إلا بحرف واحد مثل : «ص» ، أو بحرفين مثل «حم» ، أو بثلاثة أحرف مثل : «الم» ، أو بأربعة ، مثل : «المص» ، أو بخمسة ، مثل «كهيعص». ونلاحظ أن أساليب الكلام فى اللغة العربى على نفس المنوال ، فمنها ما هو على حرف ، ومنها ما هو على حرفين ، وعلى ثلاثة ، وعلى أربعة ، وعلى خمسة ، ولا أكثر من ذلك. ولأنها حروف مقطّعة فإنها تقرأ كحروف التهجّى ، وليس كأسماء متمكنة ، ولا كأفعال.

وابتداء السور بها حيّز كثيرين ، ويجعل المختصين عاجزين عن مجاراة القرآن ومحاولة معارضته بمثله. وربما معنى هذه الحروف أنها ابتداء الحروف التى منها يبنى العرب كلامهم ، ومع أنهم يملكون ناصية استخدامها وتأليف المخاطبات بها ، إلا أنهم يعجزون عن مضاهاته ، وذلك أبلغ فى الحجة عليهم ، لأن القرآن المؤتلف من هذه الحروف لا يخرج فى ألفاظه وعباراته ودلالاته عمّا اصطلحوا عليه فى كلامهم. ويخطئ من يذهب إلى القول بأنه لا تفسير لهذه الحروف ، وأنها من أسرار القرآن ، وأنها من المتشابه الذى لا يعلم تفسيره إلا الله ، وأنه لا يجب أن نتكلم فيها ، ولا نخوض فى مراميها ، ولا نتصدّى لها

٣٧

بالتفسير أو بالتأويل ، وأن من الواجب علينا بإزائها أن نسلّم فيها ، ونؤمن بها كما هى ، ونقرأها كما علّمنا أن نقرأها. والصحيح أن هذه الحروف لها معنى ، ككل شىء فى القرآن ، فلا يعقل أن يكون القرآن هو رسالة الله إلى الناس وتكون بعض مكوناته من الأسرار ، أو محظورا تناولها بالدرس والبحث ، واللافت للنظر فى هذه الحروف أنها تبدأ السور التى تستفتح بآيات الله فى الكون ، فالحروف آيات مثل الآيات الفيزيائية فى الكون ، ومن الحروف يكون التعبير عن الفكر ، وتكون الجمل والعبارات والأسماء والأفعال ، وهى الأبنية التى تقوم عليها القراءة والكتابة ، فإذا كانت الحروف تبدأ بها بعض السور فإنما للفت الانتباه إلى عظمة تأثير الحروف والكلمة فى حياة البشرية والأمم والحضارات ، كلفتة الانتباه إلى كافة الكائنات والموجودات فى الكون كآيات وبراهين ودلائل على وحدانية الله وعلى قدرته وعلمه ، ومن ثم فإنه إذا كان يقول أنه سيبعث الموتى ، وستكون لهم قيامة ، ويعقد لهم حسابا ، وسيجازى المؤمنين المحسنين ، ويعاقب الكافرين المفسدين ، فهو يستطيع ذلك فعلا بما نراه وندركه من وجوه عظمته وتفرّده. ومن هذه الحروف صار الإنسان كاتبا وقارئا ، وهما ما يميزانه كإنسان ، وبهما صار له تاريخ ، وتراكمت لديه المعارف ؛ وأبدع القراءة والكتابة ، وتغنّى بالكلمات والمعانى ، وميز الأصوات والأشكال ، فالحروف آيات ، وربما لهذا كان قسمه تعالى بمعجزاته الكونية الفيزيائية ، كالشمس والقمر ، والليل والنهار ، والأرض والسماء ، والوديان والجبال ، والماء والسحاب والمطر ، والأنهار والبحار ، وقسمه أيضا بمعجزاته الفكرية ، كالقرآن وآياته فيه فى مختلف العلوم والمعارف ، كالطب والهندسة ، والقانون ، والجغرافيا ، والتاريخ ، والاجتماع ، والسياسة ، والزراعة ، والصناعة ، والفنون ، والآداب ... إلخ.

ولاحظ بعضهم من القدامى أن اسمه تعالى «الرحمن» ، لو قطّع ثلاثة أجزاء ، لكان : «الر» ، و «حم» ، و «ن» ، وهذه الأجزاء الثلاثة تبدأ بها ثلاث عشرة سورة من القرآن ، منها خمس سور بداياتها «الر» ، وسبع سور بدايتها «حم» ، وسورة واحدة بدايتها «ن».

وقال آخرون : إن الله تعالى فى الآية (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ) (١) (القلم) ضمّن النون جماع الحروف التى منها أسماء الموجودات ، لأن النون حرف احتواء ، وداخلها كل الموجودات فى حالة إمكان. وفى التفسير الحديث لهذا الكلام القديم ، أن كل موجود له شفرة أبجدية فى حالة كمون ، هى الشفرة الأبجدية الجينية ، فيثبت بذلك أن الحروف المتقطّعة فى أول السور ليست من المتشابه ، ولا من المكتوم الذى لا يفسّر ، ولا من المستور معانيه ، اختبارا من الله ، وامتحانا لعباده طلّاب العلم والعلماء ، وبناء عليه فإن القول بعدم الخوض

٣٨

فى تفسير هذه الحروف هو عجز لا يليق ، والله تعالى يقول : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (٨٩) (النحل) ، وإذن فليس من شىء يغمض فى القرآن. وإنه لأمر ذو بال ، أن يقترن ظهور هذه الحروف باسمه تعالى أو بكتابه القرآن ، كما فى قوله : (الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (٢) (البقرة) ، وقوله : (الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (٢) (آل عمران) ، وقوله : (المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) (٢) (الأعراف) ، وقوله : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ) (١) (يونس) ، وقوله : (الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (١) (هود) ، وقوله : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) (١) (يوسف) ، وقوله : (الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (١) (إبراهيم) ، وقوله : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) ١ (الحجر) ، وقوله : (المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (١) (الرعد) ، وقوله : (كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) (٢) (مريم) ، وقوله : (طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (٢) (طه) ، وقوله : (طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ) (١) (النمل) ، وقوله : (طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) (٢) (الشعراء) ، وقوله : (طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) (٢) (القصص) ، وقوله : (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (٢) (العنكبوت) ، وقوله : (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) (١) (ص) ، وقوله : (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (٢) (غافر) ، وقوله : (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (٢) (فصلت) ، وقوله : (حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٣) (الشورى) ، وقوله : (حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ) (٢) (الزخرف) ، وقوله : (حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ) (٢) (الدخان) ، وقوله : (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (٢) (الجاثية) ، وقوله : (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (٢) (الأحقاف) ، وقوله : (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) (١) (ق) ، وقوله : (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ) (١) (القلم). ولعل هذا الارتباط بين الحروف واسمه تعالى ، أو بينها وبين كتابه المعجز ، هو الذى دفع بالبعض إلى أن يقولوا إن الحروف هى بعض أسمائه تعالى يقسم بها ، أو بعض أسماء من لهم صلة مباشرة به تعالى ، كقول القائل فى (الم) : الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد ؛ أو : الألف مفتاح اسم الله ، واللام مفتاح اسم لطيف ، والميم مفتاح اسم مجيد ؛ أو أن : (الم) بمعنى واحد ، وهو : أنا الله أعلم ؛ و (الر) : أنا الله أرى ... إلخ ، وكلها اجتهادات لا تستقيم مع وجود هذه الحروف فى

٣٩

أوائل السور ، ولا يستقيم معناها مع السياق العام للسورة. وكذلك فإن هذه الحروف ليست فواصل بين السور ، ولا هى لجذب الانتباه للكلام بعدها ، لأن الذى يستمع إلى الحروف فى بداية السورة سيعجب ، ويتأفف ، ويتساءل ، ويبدى الاشمئطاط ، فينصت غضبا إلى ما بعدها ، لعل ما حصّله عن الحروف ، وما ذهب إليه تفكيره فيها يكون صحيحا ، ويفاجأ بالمعانى تترى ، والبراهين تساق ، والكلام يطرح بجدية لا هزل فيه ، بل إن القلب ليميل إلى الكلام كلما بشّر ورقّ وطاب ، ويستشعر الخوف إذا هدّد وتوعّد وأنذر. ولو كانت الحروف فواصل لكانت كالأسماء ، والأسماء تعرب ، وهذه الحروف غير معربة.

وفى القرآن أن الكائنات والموجودات كانت قبل أن توجد ممكنات ، وأنها بكلمة «كن» تحقق لها الوجود ، فالعبارة «كن» هى أساس الخلق ، وبها صار الممكن متحققا. و «كن» ليست سوى حروف ، وأى كائن فى الوجود عبارة عن حروف ، أحصاها علماء الوراثة فى الخلية البشرية الواحدة بثلاثة مليارات حرف ، وبمائة وعشرين مليون حرف فى خلية ذبابة الدروسوفيل. ومن هذه الحروف يتألف الجين gene أو المورّث ، وهو بمثابة الكلمة ، وهناك نحو أربعين ألف چين عند الإنسان. وكل كائن له چينوم خاص بنوعه ، والجينوم هو تسلسل الحروف بشكل معين يحدد الشفرة الوراثية. والمادة الوراثيةDNA فى أية خلية عبارة عن جزئ داخل نواة الخلية. ومن هذه المادة يتكون الشريط الوراثى على هيئة حلزون مزدوج ، والمكونات الأساسية للمادة الوراثية للحامض النووى أربعة مكونات تتوالى على الشريط وتمثل الحروف الأربعة للشفرة الوراثيةA ,C ,T ,G وهذه الحروف على اختلاف تسلسلها تكوّن كلمات الشفرة التى تحدد وظائف الجسم وتتحكم فيها.

فيا أيها القارئ ، هل ترى الآن عظمة هذه الحروف ، وأن الله تعالى ينبّه بها إلى آياته ، فإن كان الأوائل يفسّرونها تفسيرهم البسيط فهو جائز بالنسبة لهم ؛ وإنّ كنا نذهب فى تفسيرنا مذهبا آخر أقرب إلى العلم ، فذلك يناسب عصرنا ، والقرآن جاء لكل العصور ، ولتجد فيه كل الشعوب فى كافة الأزمان مبتغاها من الإيمان الشافى المطلوب ، والمريح للصدور ، والكافى للأذهان.

* * *

٣٥. فى خواتم السور

الخواتم فى القرآن كالفواتح للفت الانتباه ، وهى آخر ما يقرأ القارئ أو يسمع السامع من السورة ، ولذا كانت فى الحسن كالفواتح ، مع إيذان القارئ أو السامع بأن الكلام قد انتهى. مثل : (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ) (٥٢) من سورة إبراهيم ، يجمل بها المطلوب فى السورة ؛

٤٠

وكخواتيم سورة البقرة وكلها دعاء ، وخواتيم سورة آل عمران ، وتحضّ على الصبر والمثابرة ؛ ووصايا وفرائض سورة النساء ، وكان الختام بها حسنا لأنها آخر ما نزل من الأحكام بعد حجّة الوداع ؛ والوعد والوعيد الذى ختمت به سورة الأنعام. ومن محاسن مناسبة الفواتح مع الخواتم ، فاتحة سورة المؤمنين التى تقول : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (١) ، وفى الخاتمة قال تعالى : (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) (١١٧) ، فكانت الفاتحة نقيض الخاتمة.

* * *

٣٦. إلى أى حرف نصف القرآن ، وثلثه ، وسبعه ، وربعه؟

أحصى ذلك الحجّاج بن يوسف الثقفى ، فقد سأل القراء والحفّاظ والكتّاب : إلى أى حرف نصف القرآن؟ فقالوا : عند حرف الفاء من سورة (الكهف) الآية ١٩ ، من كلمة (وَلْيَتَلَطَّفْ).

وقيل : إن الثلث الأول : ينتهى عند حرف الميم من كلمة (الْعَظِيمِ) من الآية ١٢٩ من سورة براءة ؛ والثلث الثانى : عند حرف الميم من كلمة (حَمِيمٍ) من الآية ١٠١ من سورة الشعراء ؛ والثلث الثالث : ما بقى من القرآن.

وقيل السبع الأول : ينتهى عند حرف الدال من كلمة (صَدِيدٍ) ، من الآية ٥٥ من سورة النساء ؛ والسبع الثانى : عند حرف الباء من كلمة (حَبِطَتْ) ، من الآية ١٤٧ من سورة الأعراف ؛ والسبع الثالث : عند حرف الألف من كلمة (أُكُلُها) ، من الآية ٣٥ من سورة الرعد ؛ والسبع الرابع : عند حرف الألف من كلمة (مَنْسَكاً) من الآية ٣٤ من سورة الحج ؛ والسبع الخامس : عند حرف الهاء من كلمة (مُؤْمِنَةٍ) ، من الآية ٣٦ من سورة الأحزاب ؛ والسبع السادس : عند حرف الواو من كلمة (السَّوْءِ) ، من الآية ٦ من سورة الفتح ؛ والسبع السابع : ما بقى من القرآن.

وأما الربع الأول فينتهى بخاتمة سورة الأنعام ؛ والثانى : عند كلمة (لْيَتَلَطَّفْ) من الآية ١٩ من سورة الكهف ؛ والربع الثالث : بخاتمة سورة الزمر ؛ والربع الرابع : ما بقى من القرآن.

* * *

٣٧. تكرار العدد ٧ ، والعدد ١٧ ومضاعفاتهما فى القرآن

يأتى العدد سبعة صريحا فى القرآن ٢٤ مرة : فالسماوات سبع (البقرة ٢٩) ؛ والآيات فى ذلك سبع : البقرة ٢٩ ، والإسراء ٤٤ ، والمؤمنون ٨٦ ، وفصلت ١٢ ، والملك ٣ ، والطلاق ١٢ ، ونوح ١٥ ؛ والطرائق فوقنا سبع (المؤمنون ١٧) ؛ والمثانى سبع (الحجر

٤١

٨٧) ، وفاتحة الكتاب آياتها سبع آيات ، وبها كل حروف الهجاء إلا سبعة أحرف ، هى : ث ـ ج ـ خ ـ ز ـ ش ـ ظ ـ ف ؛ وكلمة الإنسان ، عدد حروفها سبعة ؛ ويمر الإنسان بسبعة أطوار فى قوله تعالى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) (المؤمنون ١٤) ؛ وصيام من لم يجد الهدى سبعة أيام إذا رجع (البقرة ١٩٦) ؛ وجهنم لها سبعة أبواب (الحجر ٤٤) ؛ وأهل الكهف سبعة (الكهف ٢٢) ؛ والبحر يمده من بعده سبعة أبحر (لقمان ٢٧) ؛ والأراضين سبع (الطلاق ١٢) ؛ وآيات خلق السموات والأرض سبع : الأعراف ٥٤ ، ويونس ٣ ، وهود ٧ ، والفرقان ، ٥٩ ، والسجدة ٤ ، وق ٣٨ ، والحديد ٤ ؛ وبعد خلق السموات والأرض يأتى استواؤه تعالى على العرش فى سبع آيات : طه ٥ ، والرعد ٢ ، والحديد ٤ ، والسجدة ٤ ، والفرقان ٥٩ ، ويونس ٣ ، والأعراف ٥٤ ؛ والقسم فى الآيات السبع الأولى من سورة الشمس بسبعة أشياء ، وكلمة «لا أقسم» تتكرر فى سبع آيات : الواقعة ٧٥ ، والمعارج ٤٠ ، والقيامة ١ ـ ٢ ؛ والحاقة ٣٨ ، والتكوير ١٥ ، والانشقاق ١٦ ، والبلد ١ ؛ وكلمة «لا تقتلوا» فى سبع آيات : النساء ٢٩ ، والمائدة ٩٥ ، والأنعام ١٥١ ، والأنعام ١٥١ ، ويوسف ١٠ ، والإسراء ٣١ ، والإسراء ٣٣ ؛ والحبة سبع سنابل (البقرة ٢٦١) ؛ وحلم الملك سبع بقرات عجاف ، وسبع بقرات سمان (يوسف ٤٣) ؛ والسنبلات الخضر سبع ، واليابسات سبع (يوسف ٤٣) ؛ وسنوات الشدة سبع (يوسف ٤٨) ؛ وسنوات الرخاء سبع (يوسف ٤٧).

والعدد سبعون من مضاعفات السبعة ، فسلسلة النار ذراعها سبعون ذراعا (الحاقة ٣٢) ؛ واختار موسى من قومه سبعين رجلا (الأعراف ١٥٥) ، والاستغفار سبعون مرة (المنافقون).

ومن معجزات آية الكرسى أن الأفعال فيها سبعة ، والأسماء الموصولة سبعة ، وحروف العطف سبعة ؛ وترتيب كلمة «كرسيه» الثانية والأربعون ، وهو حاصل ضرب ٦ در ٧ ، وفى الآية اسم إشارة واحد هو «ذا» ، وترتيبه الواحد والعشرون يعنى حاصل ضرب ٣ در ٧. وهكذا فى آيات وسور كثيرة ، ففضلا عن المعمار الهندسى للسور ، هناك الهندسة الرياضية ، ولغة الرياضة المستخدمة بكثرة فى القرآن ، والحروف المقطّعة عددها ٧٨ ، وغير المكرر منها ١٤ ، يعنى ٧ در ٢.

واختلف المفسرون فى عدد آيات القرآن بحسب الوقف ، فقال بعضهم عددها ٦٢١٤ ، وقال آخرون ٦٢١٩ ، وبعضهم جعلها ٦٢٢٥ ، وفى المصحف الآن ٦٢٤٤ ، فأى عدد منها الصحيح؟ وغالبا أنه العدد ٦٢٤٤ لأنه يقبل القسمة على ٧.

* * *

٤٢

٣٨. أول سورة أنزلت ، وما تلاها

عن عائشة رضى الله عنها : أن أول سورة أنزلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ١ (العلق) ، ثم بعدها : (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ) ١ (القلم) ، ثم بعدها : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (١) ، ثم بعدها : (وَالضُّحى) (١) (الضحى).

وعن الزهرى : أول ما نزل سورة العلق ، وتنزّل منها قوله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (١) إلى قوله (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) ، فحزن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وجعل يعلو شواهق الجبل ، فأتاه جبريل ، فقال له : «إنك نبىّ الله» ، فرجع إلى خديجة ، وقال : «دثرونى ، وصبّوا علىّ ماء باردا» ، فنزلت : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (١) (المدثر).

والصحيح والثابت أن : أول سورة نزلت بمكة هى اقرأ ؛ وأول سورة نزلت بالمدينة هى البقرة ؛ وآخر سورة بمكة هى المطففين ؛ وآخر سورة بالمدينة هى النصر ؛ وقيل : أول سورة بالمدينة هى المطففين.

* * *

٣٩. أول آية نزلت من القرآن؟

إذا كنا قد حددنا أول آية نزلت من القرآن وهى اقرأ ، فإنه تتبقى شبهة أخرى إضافية عن موعد هذا النزول أو تاريخه؟ والجواب : أن القرآن قد ذكر أن الله تعالى أنزل أولى آياته فى رمضان ، فقال : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (١٨٥) (البقرة) ، ووصف ذلك فقال : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (٣) (الدخان) ، وحدّد التاريخ فقال : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (١) (القدر) ، وليلة القدر كما فى الحديث عند أحمد عن عبادة ابن الصامت : «فى رمضان فالتمسوها فى العشر الأواخر فإنها فى وتر إحدى وعشرين ، أو ثلاث وعشرين ، أو خمس وعشرين ، أو سبع وعشرين ، أو تسع وعشرين ، أو فى آخر ليلة». وروى عن ابن قلابة أنه قال : «ليلة القدر تنتقل فى العشر الأواخر» ، وعند الشافعى والحسن البصرى أنها ليلة غزوة بدر كما فى القرآن : (وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) (٤١) (الأنفال) ، وهى ليلة ١٧ من رمضان ، وفى صبيحتها كانت وقعة بدر.

* * *

٤٠. أول وآخر ما نزل من آيات القرآن؟

يزعم المستشرقون من النصارى واليهود أن هناك شبه حول أول وآخر ما نزل من القرآن ، ويشككون فى مصداقية علماء المسلمين ، بدعوى أنه حتى فيما نزل من أوائل القرآن أو أواخره فهم لا يعلمون شيئا!! ويسوقون كدليل على ذلك أن عائشة قالت : إن

٤٣

أول سورة : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ، وروى ذلك عنها البخارى ، ومسلم ، والحاكم ، والبيهقى ، ويؤيدها أبو موسى الأشعرى كما جاء عند الطبرانى. إلا أن الشيخين يرويان أيضا عن جابر بن عبد الله : أول ما نزل إطلاقا كان قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) ، وكذلك روى البيهقى عن أبى ميسرة عمرو بن شرحبيل : أن الفاتحة كانت أول ما نزل من السور. وعن عكرمة والحسن : أن أول ما نزل من القرآن : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (١) (الفاتحة) ؛ وأن أول ما نزل من السور : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق).

والمنطقى أن يأتى فى رواية عائشة فى المقدمة قولها : أن الملك جاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يتحنث أو يتعبّد مجاورا فى غار حراء ، فقال له : «اقرأ» ، فقال : «ما أنا بقارئ»؟ فكرر عليه ذلك ، وفى كل مرة يقول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما أنا بقارئ»؟ فيقول له الملك : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (١) (العلق) ـ حتى يبلغ فى السورة إلى (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥). ثم إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخرج من حراء ، فيسمع من خلفه النداء عليه : يا محمد! يا محمد! فيهمّ أن ينطلق هاربا ، فيقول له : لا تفعل. قل : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٢) ، حتى يبلغ : (وَلَا الضَّالِّينَ). ثم إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتوجه إلى بيته يرجف فؤاده ، فتأمر زوجته أن يدثّروه ، فينزل الله عليه : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ) (٢).

وأما شبهة آخر ما نزل من القرآن ، فالخلاف حول ما إذا كانت الآية : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٣) (المائدة) هى آخر ما نزل من القرآن ، لأن الآية صريحة تعلن أن الدين قد اكتمل ، وأن كلمة الإسلام قد تمّت ، صدقا فى الإخبار عن الله ، وعدلا فيما أنزله من أوامر ونواه ، وقال اليهود لعمر فى نزولها : «لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذناها عيدا»! ـ غير أنّ الآية عن إكمال الدين ، وليست عن إكمال القرآن ، وكان نزولها فى عرفة ، يوم الجمعة التاسع من ذى الحجة سنة عشر هجرية ، وعاش النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعدها ٧٢ يوما ، استمر القرآن يتنزّل عليه فيها.

وفى الرواية عن البراء : أن آخر ما نزل من القرآن : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) (١٧٦) (النساء). وعن ابن عباس ، فيما أخرجه النسائى ، قال : إن آخر ما نزل قول الله تعالى فى سورة البقرة : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٢٨١). وقال سعيد بن جبير : آخر ما نزل من القرآن كله : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) ، فقال جبريل للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا محمد ، ضعها فى رأس ثمانين ومائتين من البقرة». قال : وعاش النبىّ بعد نزول هذه الآية تسع ليال ، ثم مات يوم الاثنين لليلتين

٤٤

خلتا من ربيع الأول. وقال ابن جريج : آخر آية نزلت : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٢٨١) (البقرة). وقال : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عاش بعدها تسع ليال ، وبدأ المرض به يوم السبت ، ومات يوم الاثنين. ولم ينزل بعدها شيئ.

وقيل : إنها نزلت قبل موته بسبع ليال ؛ وروى بثلاث ليال ، أو ثلاث ساعات.

* * *

٤١. أجمل قول فى القرآن

قوله تعالى : (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (٧٤) (آل عمران) هو أجمل قول فى القرآن ، لأنه قول يبقى رجاء الراجى.

* * *

٤٢. أرجى آية فى القرآن

لما أنزل الله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ) (١١) (النور) ، العشر آيات حتى : (وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٢) ، قال أبو بكر ـ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة من الذين اشتركوا فى الإفك ، وكان إنفاقه عليه بسبب قرابته له وفقر مسطح ، قال : والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذى قال عن عائشة ، فأنزل الله تعالى (وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) ، إلى قوله : (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، فقيل : هذه أرجى آية فى كتاب الله ـ أى هذه الآية الأخيرة : (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وقيل أن أبا بكر لما سمعها قال : والله لأحب أن يغفر الله لى ، أو قال : لا أنزعها منه أبدا ، فأرجع إلى مسطح النفقة.

وقيل : هذه أرجى آية فى كتاب الله من حيث لطف الله بالقذفة. وأما أرجى آية عموما فهى قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً) (٤٧) (الأحزاب) ، والآية : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) (٢٢) (الشورى) ، وقوله تعالى : (اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (١٩) (الشورى).

* * *

٤٣. أرجى آية للموحّدين

قال ابن عباس : أرجى آية هى الآية : (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ

٤٥

وَتَوَلَّى) (٤٨) (طه) ، لأنها تقصر العذاب على المكذّبين للأنبياء وللبعث والحساب ، المعرضين عن الإيمان ، فأمّا من وحّد الله وآمن ، فله الجنة ، فالآية لذلك أرجى آية للموحّدين.

* * *

٤٤. أوسع وأرجى آية فى القرآن

هى الآية : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٥٣) (الزمر) ، قال علىّ بن أبى طالب : هى أوسع آية فى القرآن ؛ وقال عبد الله بن عمر : هى أرجى آية فى القرآن ، فردّ عليهما ابن عباس ، وقال : أرجى آية فى القرآن : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ) (٦) (الرعد).

وقيل : إن عليّا قال لأهل العراق : إنكم تقولون : إن أرجى آية فى كتاب الله : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) (الزمر) ، قالوا : إنا نقول ذلك. قال : ولكنا أهل البيت نقول : إن أرجى آية فى كتاب الله قوله تعالى : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (٥) (الضحى).

* * *

٤٥. أرجى وأحسن آية فى القرآن

فى الرواية أن الصحابة تذاكروا القرآن ، فقال أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه : قرأت القرآن من أوله إلى آخره ، فلم أر فيه أرجى وأحسن من قوله تبارك وتعالى : (كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) (٨٤) (الإسراء) ، فإنه لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ، ولا يشاكل بالربّ إلا الغفران.

وقال عمر بن الخطاب : قرأت القرآن من أوله إلى آخره ، فلم أر فيه آية أرجى وأحسن من قوله تعالى : (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (٣) (غافر) ، فإنه تعالى قدّم غفران الذنوب على قبول التوبة.

وقال عثمان بن عفان : قرأت جميع القرآن من أوله إلى آخره ، فلم أر آية أحسن وأرجى من قوله تعالى : (نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٤٩) (الحجر).

وقال علىّ بن أبى طالب : قرأت القرآن من أوله إلى آخره فلم أر أحسن وأرجى من قوله تعالى : (قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (٥٣) (الزمر).

٤٦

وقال أحدهم معلقا : قرأت القرآن من أوله إلى آخره ، فلم أر أحسن وأرجى من قوله تعالى : (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (٨٢) (الأنعام).

* * *

٤٦. أحبّ آية إلى علىّ بن أبى طالب

عن الترمذى ، عن علىّ بن أبى طالب ، قال : ما فى القرآن آية أحب إلىّ من هذه الآية : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) (٤٨) (النساء).

* * *

٤٧. آية فى القرآن لم يعمل بها أحد إلا على بن أبى طالب

هى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٢) (المجادلة). قال علىّ : فى كتاب الله آية ما عمل بها أحد قبلى ولا بعدى». وكان لعلىّ دينار جعله دراهم ، فإذا ناجى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تصدّق بدرهم إلى أن نفدت الدراهم.

* * *

٤٨. آية هى رحى آى القرآن

هى الآية : (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ) (١٣١) (النساء) ، فجميع آى القرآن يدور عليها ، وهى لذلك رحى آى القرآن.

* * *

٤٩. آية كان يجب أن يتخذ اليوم الذى أنزلت فيه عيدا

هى الآية : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٣) (المائدة) ، ويروى أن جماعة من اليهود جاءوا إلى عمر فقالوا : يا أمير المؤمنين ، آية فى كتابكم تقرءونها ، لو علينا أنزلت معشر اليهود ، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أى آية؟ قالوا : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...) الآية ، فقال عمر : إنى لأعلم اليوم الذى أنزلت فيه ، والمكان الذى أنزلت فيه : نزلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعرفة فى يوم جمعة. وقيل نزلت يوم فتح مكة. وقيل : لما نزلت بكى عمر ، فسأله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما يبكيك»؟ ، قال : أبكانى أنّا كنا فى زيادة من ديننا ، فأمّا إذا كمل فإنه لم يكمل شىء إلا نقص. قيل : وبعدها نزل قرآن كثير ، ونزلت آية الربا ، وآية الكلالة إلى غير ذلك الأمر الذى يدل على أن الدين لم يكمل ، وإنما كمال الدين كان عند ما أمر بالحج بهذه الآية.

* * *

٤٧

٥٠. أعظم آية فى اشتياق المحب لحبيبه

هى الآية : (وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى) (٨٣) (طه) ، وهى أعظم آية فى التعبير عن اشتياق المحب لحبيبه ، فقد قال الله لموسى ذلك وهو يعلم السبب ، فأجابه موسى بأجمل ردّ من حبيب لمحبوبه ، قال : (هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) (٨٤) (طه) ، فقد اضطرب موسى وهو فى الحضرة الإلهية ، فأجاب بغير الجواب على السؤال ، فقد سأله عن السبب الذى أعجله ، فأخبر عن مجيئهم على أثره ، وقال : (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) فكنّى عن الشوق ، وأنه ما ابتغى إلا الرضا. ومثل ذلك روى عن عائشة رضى الله عنها ، إذا أوت إلى فراشها ، كانت تقول : هاتوا المجيد. ـ تكنّى عن المصحف ، وتأخذه إلى صدرها ، وتنام معه ساكنة ، راضية ، مطمئنة. وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول ويفعل مثل ذلك ، فإذا أمطرت خلع قميصه يتلقى المطر على جسمه ويقول منشرحا : «إنه حديث عهد بربّى» يقصد المطر يقدم من السماء من عند ربّه ، فيحبه حبّه لربّه ، ويطلبه طاهرا قبل أنّ يدنّس. فهذا من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومن حواريته عائشة رضى الله عنها أم المؤمنين ، وفى الحديث القدسى أنه تعالى قال : «طال شوق الأبرار إلى لقائى ، وأنا إلى لقائهم أشوق».

* * *

٥١. آية القرّاء العاملين العالمين

هى الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ) (٢٩) (فاطر) ، وهى فيما ينبغى أن يتخلّق به قارئ القرآن.

* * *

٥٢. أحكم آية فى القرآن

هما آيتان : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (٨) (الزلزلة) ، اعتبرهما ابن مسعود آية واحدة ، وقال : هذه أحكم آية فى القرآن. وقال فيهما كعب الأحبار : أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما فى التوراة والإنجيل والزبور والصّحف.

* * *

٥٣. الآية الجامعة الفاذة

هما آيتان : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (٨) (الزلزلة) ، والوصف جعلهما آية ، وقال عنهما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما جاء فى الصحيح : «هى الجامعة الفاذّة» ، فلأنها تجمع العلم كله هى جامعة ، وهى الفاذة لفرادتها.

٤٨

وعن عائشة أنها كانت ترى فى حبّة العنب الواحدة مثاقيل ذرّ كثيرة ، فلا غرابة أن تكون الآية الواحدة جامعة وفاذة. وعن سعد بن أبى وقاص ، أنه كان يرى فى الثمرة مثاقيل ذرّ كثيرة. واستهول الأعرابى أن يحاسبنا الله على مثقال الذرّة فقال : وا سوأتاه! فعقب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «لقد دخل قلب الأعرابى الإيمان» ، أو قال : «قد فقه». وقال فى الآية الصعصعة عمّ الفرزدق : لا أبالى ألا أسمع من القرآن غيرها! حسبى ، فقد انتهت الموعظة!

إن من يعتدى ويكسب إثما

وزن مثقال ذرة سيراه

ويجازى بفعله الشرّ شرّا

وبعض الجميل أيضا جزاه

* * *

٥٤. آية من جوامع الدعاء

هى الآية : (رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ) (٢٠١) (البقرة) ، وهى تعمّ الدنيا والآخرة ، وحسنتا الدنيا والآخرة هما ما فيهما من نعم ، وقوله تعالى (حَسَنَةً) تحتمل كل الحسنات على البدل ، ومن ذلك : العافية ، والصحة ، وكفاف المال ، والعلم ، والعبادة ، والزوجة الطيبة ، والذرّية الصالحة إلخ ؛ وحسنة الآخرة هى الجنة ، وقوله (وَقِنا عَذابَ النَّارِ) دعاء مؤكد لطلب دخول الجنة ، كقول الصحابى للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنا إنما أقول فى دعائى : «اللهم ادخلنى الجنة وعافنى من النار». وقيل لأنس : أدع الله لنا ، فقال : «اللهم آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». قالوا : زدنا؟ قال : «ما تريدون؟ قد سألت الدنيا والآخرة». وكانت هذه أكثر دعوة يدعو بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان يأمر أن تكون أكثر ما يدعو به المسلم فى المواقف.

* * *

٥٥. أجمع آية فى القرآن

هى الآية : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (٩٠) (النحل) ، قال فيها ابن مسعود : هذه أجمع آية فى القرآن لخير يمتثل ، ولشرّ يجتنب. وقال فيها أبو طالب لما سمع أنها نزلت على ابن أخيه : اتّبعوا ابن أخى فو الله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق.

وقال عثمان بن مظعون : ما أسلمت ابتداء إلا حياء من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حتى نزلت هذه الآية وأنا عنده ، فاستقر الإيمان فى قلبى ، فقرأتها على الوليد بن المغيرة فقال : يا بن أخى ، أعد! فأعدت ، فقال : والله إن له لحلاوة (يقصد القرآن) ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أصله لمورق ، وأعلاه لمثمر ، وما هو بقول بشر!

٤٩

والعدل فى الآية : هو الإنصاف ؛ والإحسان : هو فعل كل ما هو مندوب إليه ؛ وإيتاء ذى القربى : أى القرابة ، مثل قوله : (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) (٢٦) (الإسراء) ، يعنى صلته. وخصّ ذوى القربة لأن حقوقهم أوكد ، وصلتهم أوجب ، لتأكيد حقّ الرحم التى اشتق الله اسمها من اسمه ، وجعل صلتها من صلته ؛ والفحشاء : هى الفحش ، وهو كل قبيح من قول أو فعل ؛ والمنكر : ما أنكره الشرع بالنهى عنه ، وهو يعمّ جميع المعاصى والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها ؛ والبغى : هو الكبر ، والظلم ، والحقد ، والتعدّى ، وحقيقة تجاوز الحدّ ، وهو داخل تحت المنكر ، لكنه تعالى خصّه بالذكر اهتماما به لشدة ضرره.

* * *

٥٦. أجمع آية لمكارم الأخلاق

هى الآية : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩) (الأعراف) ، وهى من ثلاث كلمات وتضمنت قواعد الشريعة فى المأمورات والمنهيات. وقيل فيها : ما أنزل الله هذه الآية إلا فى أخلاق الناس ، وأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما سمعها من جبريل سأله عنها ، فاستأذنه ليسأل ربّه ، ثم رجع فقال : «إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمّن ظلمك ، وتعطى من حرمك ، وتصل من قطعك» ؛ وقال فيها جعفر الصادق : أمر الله نبيّه بمكارم الأخلاق فى هذه الآية ، وليس فى القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ، وفى الحديث : «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» أخرجه الحاكم.

* * *

٥٧. آية جمعت كل ما فى كتب الأنبياء

هى الآية : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) (٥٢) (النور) ، فهى فى الفرائض بقوله : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ) ؛ وفى السنن بقوله : (وَرَسُولَهُ) ؛ وفيما مضى من العمر ، بقوله : (وَيَخْشَ اللهَ) ؛ وفيما بقى من العمر بقوله : (فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ) ، فالفائز من نجا من النار وأدخل الجنة ، فهذه آية جمعت كل ما فى كتب الأنبياء ، وهى خلاصة كل الرسالات ، ومما يقال له «جوامع الكلم».

* * *

٥٨. آية تكفى الناس جميعا

هى الآية : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (٣) (الطلاق) ، اجتزأها أبو ذرّ وقال : إنى لأعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم ، هى قوله تعالى : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ).

٥٠

٥٩. آية العز فى القرآن

هى الآية : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (١١١) (الإسراء) ، فلأنها نفت أن يكون لله ولد أو شريك أو ناصر يذل له إذا احتاجه ، سمّيت «آية العزّ» ، فالله عزيز بنفسه ، والتكبير هو قول «الله أكبر» وهى أبلغ لفظة للعرب فى معنى التعظيم والإجلال.

* * *

٦٠. أكبر آية فى القرآن فرجا

هى الآية : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (٣) (الطلاق) ، فبالتقوى يجعل له مخرجا من كل شىء ضاق على الناس ، ومخرجا من شبهات الأمور ، ويخصّه بالفرج من كل شدة وضيق وكرب ، ويرزقه من حيث لا يدرى ، ومن حيث يرجو ولا يأمل.

* * *

٦١. أطول آية فى القرآن

هى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (٢٨٢) (البقرة) ، وهى ، المسماة «آية الدّين» ، وتتناول جميع المداينات ، وتشتمل على ثلاثين حكما. والدّين عبارة عن كل معاملة يكون أحد العوضين فيها نقدا ، والآخر فى الذمة نسيئة. والعين نقيض الدين ، والعين : ما كان حاضرا ؛ والدين : ما كان غائبا. والكتابة مأمور بها فى الدّين والأجل ، ويكتبان بجميع صفتهما المعربة عنهما ، والمعرّفة للقاضى بما يحكم به. والأمر بالكتابة : لحفظ الأموال وإزالة الريب. والتقىّ لا تضره الكتابة. وقيل : من أدان فليكتب ، ومن باع فليشهد. والأمن قد يعفى من الكتابة ، إلا أن الكتابة فى الدين أفضل ، وتحاجّ صاحب الحق. والإشهاد حزم ، والائتمان فى الحل والسعة ، والإشهاد فى حالة عدم

٥١

الكتابة ، وهو طلب الشهادة ، وشرطه معاينة الشاهد لما يشهد به لا من يشهد بالاستدلال. وسبيل الشهادة اليقين ، وتقضى باليمين مع الشاهد ، ولذلك كانت شهادة المرأتين كشهادة رجل واحد ، لأن المرأة أكثر نسيانا ، والنساء عموما أقل خبرة بالحياة ، وأدنى تعليما ، وأبعد عن شئون المال ، ولم يعرف أن النساء يقترضن أو يقمن بالتجارة لأنفسهن ، وإلا ففي المسائل غير المال فإن المرأة الواحدة قد تشهد وشهادتها صحيحة ، والأولى الكتابة فهى أثبت للحق وأعدل من الإشهاد الشفهى ، وهى أصحّ من الشهادة ، وأذهب للريبة.

* * *

٦٢. أشد آية على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم

هى الآية : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) (٣٧) (الأحزاب) ، وعن عائشة قالت : ما أنزل الله على رسوله آية أشد عليه من هذه الآية. وقالت : لو كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كاتما شيئا من الوحى لكتم هذه الآية.

* * *

٦٣. الآية الأصل فى الشركة بين المخلوقين ونفيها عن الله

هى الآية : (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) (٢٨) (الروم) ، يعنى أنكم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاءكم فيما تملكون ، لهم ما لكم ، فإن كنتم لا ترضونه لأنفسكم ، فكيف ترضونه لله؟! وجوابهم : ليس عبيدنا شركاءنا فيما نملك. فقال لهم : فكيف يتصوّر أن تنزّهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم ، وتجعلوا عبيد الله شركاء له فيما خلق؟ ـ كقول النصارى : إن المسيح ابن الله ، أو هو الله ، فجعلوه شريكا له وهو من خلقه ، فحكمهم فاسد.

* * *

٦٤. آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون فى القرآن

هى الآية : (ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) (٤) (غافر) ، والآية : (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) (١٧٦) (البقرة).

* * *

٦٥. آية عظيمة من أمهات الأحكام

هى الآية : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ

٥٢

وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (١٧٧) (البقرة) ، وهى من أمهات الأحكام لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة ، هى : الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته ؛ والنشر والحشر ؛ والميزان ؛ والصراط ؛ والحوض ؛ والشفاعة ؛ والجنّة والنار ؛ والملائكة ؛ والكتب المنزّلة وأنها حقّ من عند الله ؛ والنبيين ؛ وإنفاق المال فيما يعنّ من الواجب والمندوب ؛ وإيصال القرابة وترك قطعهم ؛ وتفقد اليتامى والمساكين ؛ ومراعاة ابن السبيل المنقطع به والسؤّال وفكّ الرقاب ؛ والمحافظة على الصلاة ؛ وإيتاء الزكاة.

* * *

٦٦. آية التيمم

هى الآية : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) (٤٣) (النساء) ، نزلت لما فقدت عائشة قلادة لها فتوقفت القافلة للبحث عنها ، وحضرت الصلاة وليس معهم ماء ، فنزلت الآية ترخّص لهم التيمم.

* * *

٦٧. آية اليتامى

هى الآية : (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) (٢) (النساء) ، والإيتاء الإعطاء ، واليتيم هو من لا أب أو أم له ، أو توفى والده وكان طفلا ، ولا يتم مع البلوغ ، وكان يقال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «يتيم أبى طالب» باعتبار ما كان. وفى الآية النهى عن إبدال أموال اليتامى بالرديء من أموال الوصىّ على اليتيم ، والمعنى : لا تأكلوا أموال اليتامى ـ وهى محرّمة خبيثة ، ولا تدعوا الطيب من أموالكم ، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر من الأولاد الميراث كله ..

* * *

٦٨. آية الفرائض

هى الآية : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ

٥٣

يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (١٢) (النساء) ، قيل إنها ثلث العلم ، أو نصفه ، وأنها عمدة الأحكام ، وتسمى آية الفرائض ، وفى الحديث : «تعلموا الفرائض وعلّموه الناس فإنه نصف العلم ، وهو أول شىء ينسى ، وأول شىء ينزع من أمتى» أخرجه الدار قطنى.

* * *

٦٩. آية الاستئذان

هى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) (النور) ، خصّ بها أكثر الناس للاستئذان ، ويروى أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أرسل غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطّاب ظهيرة ليدعوه ، فوجده نائما قد أغلق عليه الباب ، فدقّ عليه الغلام ، فناداه عمر ودخل ، فاستيقظ عمر ، وانكشف منه شىء ؛ فقال : وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا فى هذه الساعات إلا بإذن ، ثم انطلق إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فوجد هذه الآية قد أنزلت ، فخرّ ساجدا لله.

* * *

٧٠. آخر آية نزلت من السماء

هى الآية (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (١١٠) (الكهف) ، ختم بها الله تعالى البيان ، قيل : ومعنى (لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) أن لا يرائي بعمله أحدا. وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أتخوّف على أمتى من بعدى الشرك والشهوة الخفية» ، وسئل : أو تشرك أمتك من بعدك؟ قال : لا يعبدون شمسا ولا قمرا ، ولا حجرا ولا وثنا ، لكنهم يراءون بأعمالهم». قيل : والرياء ، أشرك هو؟ قال : «نعم». قيل : فما الشهوة الخفية؟ قال : «يصبح أحدهم صائما ، فتعرض له شهوات الدنيا فيفطر». وقيل الشهوة الخفية من قبل النساء. وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من صلّى صلاة يرائي بها فقد أشرك ، ومن صام صياما يرائي به فقد أشرك» ثم تلا : (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (١١٠) (الكهف). وفى الحديث عن أبى بكر أن

٥٤

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ذكر الله الشرك ، قال : هو فيكم أخفى من دبيب النمل ، وسأدلك على شىء إذا فعلته أذهب عنك صغار الشرك وكباره. تقول : اللهم إنى أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم ، وأستغفرك لما لا أعلم ، تقولها ثلاث مرات» ، ودواء الرياء من قول لقمان : كتمان العمل.

* * *

٧١. آية الحجاب

هى الآية : (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) (٥٣) (الأحزاب) ، وسببها أمر قعود بعض المدعوين فى بيت زينب لما تزوجها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد زيد بن حارثة ، فإن زينب تأذّت من جلوسهم ، وكانت تقعد غير بعيد ووجهها إلى الحائط ، فلما انصرفوا قامت وقام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأسدل الستار على بابه ، ونزلت الآية.

وقيل : إن الآية نزلت فى غير ذلك ، فقد أثر عن عمر بن الخطاب قوله : وافقت ربّى فى ثلاث : فى مقام إبراهيم ، وفى الحجاب ، وفى أسرى بدر. وفى رواية عمر : قلت يا رسول الله ، لو ضربت على نسائك الحجاب ، فإنه يدخل عليهن البرّ والفاجر ، فأنزل الله الآية. وكان نزولها يوم بنى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بزينب. والمتاع فى الآية هو أى شىء يمكن أن يستعيره الناس منهم من متاع الدنيا ، كالأوعية ، أو متاع الدين كصحف القرآن ، فأذن الله فى مسألتهن من وراء حجاب فى حاجة تعرض ، أو مسألة يستفتين فيها.

والحجاب أنفى للريبة ، وأبعد للتهمة ، وأقوى فى الحماية ، وأطهر لقلوب المؤمنين ، ولقلوب نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، من الخواطر التى قد تعرض للرجال فى أمر النساء ، وللنساء فى أمر الرجال.

* * *

٧٢. آية الامتحان

هى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (١٠) (الممتحنة).

* * *

٧٣. آية الكلالة اسمها آية الصيف

الكلالة تأتى فى القرآن مرتين ، فى المرة الأولى : (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ

٥٥

وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) (١٢) (النساء) ، وفى المرة الثانية : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) (١٧٦) (النساء).

والكلالة هو الرجل (أو المرأة) يموت وليس له ولد ، ولا زوجة ، وله إخوة وأخوات. وهذه الآية الأخيرة هى التى يقال لها آية الميراث فى الكلالة ، وقيل هى آخر آية نزلت من القرآن بسبب جابر بن عبد الله ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتجهّز لحجة الوداع ، وكان جابر قد أغمى عليه واحتار كيف يفعل فى ماله وهو كلالة. وقيل بل آخر آية هى : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٢٨١) (البقرة) ، وأما آية الميراث فى الكلالة فهى التى يسمونها آية الصيف ، لأن نزولها كان فى الصيف ، بينما آية الكلالة الأولى كان نزولها فى الشتاء.

* * *

٧٤. آية الوضوء

هى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٦) (المائدة) وفيها رخصة التيمم.

* * *

٧٥. آية التوحيد

هى الآية : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) (١٦٣) (البقرة) ، وفيها وجوب إظهار التوحيد وعدم جواز كتمانه ، وأنه على من يضطلع بذلك أن يقدّم البرهان على ما يقول ، وثنّى به فى الآية : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (١٦٤) (البقرة) ، فدعا إلى النظر والتفكّر والتدبّر فى عجائب صنع الكون ، ليعلم كل منكر وجاحد أن الكون لا بد له من فاعل لا يشبهه فى شىء.

وفى الرواية : أن كفار قريش قالوا : يا محمد ، انسب لنا ربّك ، فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) ، وأنزل هذه الآية التى صار اسمها آية التوحيد ، وقيل : كان للمشركين ثلاثمائة وستون صنما ، فبين الله تعالى أنه واحد. وقيل لما نزلت : (وَإِلهُكُمْ

٥٦

إِلهٌ واحِدٌ) قال كفار قريش : كيف يسع الناس إله واحد؟! وما الدليل على ذلك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وفيها دليل التوحيد ، وأن هذا العالم بناء عجيب لا بد له من بان وصانع ، وجمع فيها السموات لأنها أجناس مختلفة ، ووحّد الأرض لأنها أرض واحدة. وآية السموات : أنها بغير عمد ظاهر ، ولا علائق من فوقها ، خرقا للعادة والقوانين ، فدلّ ذلك على القدرة. وآية الأرض : بحارها وأنهارها ، ومعادنها ، وشجرها ، وسهلها ، ووعرها. وآية الليل والنهار : اختلافهما فى الأوصاف من النور والظلمة ، والطول والقصر. وآية الفلك : أنها تجرى فى البحار. والفلك هى السفن. والفلك مذكر ومؤنث ، ومفرد وجمع. ووجه الإعجاز فى الفلك تسخيرها لتجرى على وجه الماء ، ووقوفها فوقه مع ثقلها. وقيل : أول من صنع الفلك على غير مثال نوح ، بوحى من الله ، فصنعها على هيئة جؤجؤ الطير ـ أى صدره ، فتكون عريضة من أمام ونحيفة من الخلف. والآية دليل على وجوب ركوب البحر لتجارة أو غيرها. وآية المطر : إنعاشه الأرض فيخرج الزرع وتكون الأرزاق ، ويسيل المطر فيصنع الأنهار ، ويسكن الأرض لتكون الينابيع يرتوى منها الناس والحيوان فى غير وقت المطر. وحيثما كان الزرع كان الحيوان من كل نوع. وآية الرياح : تصريفها وإرسالها عقيما وملقّحة. وصرا ، وصرصرا ، ورخاء ، وطيبة ، ومبشّرة ، وحارة ، وباردة ، ولينة ، وعاصفة ، وقاصفة ، واختلاف طبائعها من اختلاف طبائع فصول السنة. وآية السحاب : أنه مسخّر بين السماء والأرض ، وسمى سحابا لانسحابه فى الهواء ، وتسخيره بعثه من مكان إلى مكان ، ولو لا السحاب ما كان المطر. فهذه الآيات شملت الأصول الخمسة : المكان من سماء وأرض ، والأرض ، التى هى التراب ؛ والزمان من ليل ونهار ؛ والماء ؛ والهواء ، وهى دلالات على وحدانيته تعالى وقدرته ، ولذلك أعقبها بقوله : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) ليدل بها على صدق الخبر عما ذكره قبلها من وحدانيته ورحمته ورأفته بخلقه ، وفى الحديث : «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» أى لم يحفل بها ولم يعتبرها.

* * *

٧٦. آية الكرسى أعظم آية فى القرآن

هى الآية : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (٢٥٥) (البقرة) ، وكلماتها خمسون كلمة تشملها عشر جمل مستقلة ، وتبدأ باسم الله ، وهو أجلّ أسمائه

٥٧

تعالى ، ويتكرر فيها ظاهرا ومضمرا ، تمجيدا للواحد الأحد ثمانى عشرة مرة ، وقيل : هى ثلث القرآن ، أو ربعه ، ويندب المؤمنون إلى قراءتها دبر كل صلاة ، وبالمقارنة بغيرها من الآيات هى سيدة آى القرآن ، وأعظم وأشرف آية فيه ، لأنها تحتوى جميع العلوم فى التوحيد ؛ والفاتحة بالمقارنة إليها هى أم القرآن ، باعتبار القرآن توحيد ، وعبادة ، ووعظ ، وتذكير ، فهى أوسع من آية الكرسى وأشمل ، بينما آية الكرسى أعمق فى تناولها للتوحيد ، وأعظم من (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) (١) التى فيها التوحيد كله ، وتعدّ مثلها ثلث القرآن ، ومن ثم قيل : إن من يواظب على قراءة آية الكرسى يصبح من الصدّيقين أو العابدين ، ويسمونها كذلك ولية الله ، وقارئها من أولياء الله ، وله أجر الشاكرين ، وثواب النبيين ، وعطاء الصدّيقين. وكان نزول آية الكرسى على النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليلا ، فاستدعى زيدا ليمليها عليه. وقيل : إن اسم الله الأعظم فيها هو (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) ، ويأتى فى القرآن ثلاث مرات ، فى البقرة فى قوله تعالى : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (٢٥٥) ، وفى آل عمران وفى قوله تعالى : (الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (٢) ، وفى طه فى قوله تعالى : (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً) (١١١).

والله فى الآية مبتدأ ، و «لا إله» مبتدأ ثان ، و «إلا هو» بدل من «لا إله» ، أو أن «الله لا إله إلا هو» ابتداء وخبر ، فأخبر أنه تعالى المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق ؛ و «الحىّ القيوم» بدل من «هو» ونعت لله ، أو خبر بعد خبر على إضمار مبتدأ. واليهود يدعون بالعبرانية فيقولون : «أياهيا شراهيا» ، يعنى «يا حىّ يا قيّوم.»

والله تعالى حىّ قيّوم كما وصف نفسه ، لأنه لا يموت ، ولا يحول ، ولا يزول ، وببقائه حيا تبقى الأشياء بمقاديرها ، وتستمر الأمور فى مصاريفها. وهو «القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم» ، لأنه يقوم بتدبير ما يخلق ، ويقوم على كل نفس بما كسبت ، ويعلم بها ولا يخفى عليه شىء منها. ومن تمام القيومية أنه لا تعتريه سنة ولا نوم ، وفرق بين السنة وهى من الرأس ، والنعاس ويكون فى العين ، والنوم الذى هو فى القلب ، ولا يصاب به الإنسان إلا اعتراه الفتور ، ولحقه الملل ، وأصابه التعب والرهق ، ولو كان الله ينام لم تمسك السماء ولا الأرض ، وإنما كل ما فيهما ملك يمينه ، ورهن مشيئته. وقوله «ما فى السموات وما فى الأرض» يقصد به جملة الموجودات ، وليس الإنسان وحده كما يدّعى المستشرقون ، وإلا لكان استخدم من بدلا من ما ، كما فى قوله «من ذا الذى يشفع عنه إلا بإذنه» ، فإن من للعاقل. وقيل : الآية دليل على وجود الشفاعة ، وأن الله يأذن بها لمن يستحقها ، ويرضى أن يتولاها من له عنده تعالى عهد بذلك ، كما فى قوله : (لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ

٥٨

عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) (٨٧) (مريم) ، والعهد هو الإذن ، كما فى قوله : (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) (٢٦) (النجم) ، فهؤلاء الملائكة أوكل الله بهم الشفاعة ، كما فى قوله : (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (٢٨) (الأنبياء) ، فمن تقبل توبته من قبل أن يأتيه الموت ، يرضى له أن يشفع فيه.

وقيل : الشفاعة للمؤمنين شفاعتان : شفاعة فيمن لم يصل إلى النار ، وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها. وقيل شفاعة نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاث شفاعات ، وقيل اثنتان ، وقيل خمس ، وكل ذلك من الغيب ولا علم لنا به إلا الظن ، ولا يعلم الغيب إلا الله ، وعلمه به كعلمه بالشهادة ، ولا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ملكا كان أو نبيا.

والكرسى فى قوله تعالى (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) هو علمه تعالى الذى وسع كل شىء ، كقوله : (رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً) (٧) (غافر). وقال بعضهم الكرسى هو العرش ، وكلاهما مصطلح متميز عن الآخر ، فكيف يكون أيهما الآخر؟ والكرسى الذى يسع السموات والأرض كناية عن عظم ملكه تعالى ، وجلال سلطانه ، يقرّب الله تعالى به ما لا يمكن أن يتصوره أو يتخيله أو يعيه ذهن الإنسان ، بما هو محسوس ومشاهد من حياته اليومية ، وإلا فما حاجته تعالى إلى الكرسى؟ هل هو ليجلس عليه مثلنا؟ أم أن المعنى أنه تعالى أكبر وأعظم حتى أنه لو كان له كرسى لكان فى وسع السموات والأرض. وفى الحديث : «ما السموات السبع مع الكرسى إلا كحلقة ملقاة فى أرض فلاة ، وفضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة على الحلقة». والآية يستفاد منها : عظم قدرة الله الذى لا يئوده حفظ هذا الملك العظيم ، فهو العلىّ فوق خلقه ، وهو الكبير المتعال. وهذا هو ما تنبّه إليه آية الكرسى ، مما جعلها سيدة آيات القرآن.

* * *

٧٧. آية التصوير

هى الآية : (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٦) (آل عمران) ، وفيها التعظيم لله تعالى ، ومن ضمنها الردّ على النصارى فى قولهم أن عيسى من المصوّرين أى الخالقين ، يشبّهونه بالله. وذلك مما لا يوافق عليه عاقل. وفى الآية الردّ على الطبائعيين الذين يجعلون الطبيعة فاعلة مستبدة.

* * *

٥٩

٧٨. آية السيف

هى الآية : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (٥) (التوبة) ، والآية : (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) (٩١) (النساء). (انظر باب الحرب والسلم فى القرآن).

* * *

٧٩. آية القتال فى القرآن

هى الآية : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا) (١٩٠) (البقرة) ، والآية :

(قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) (٢٩) (التوبة) ، والآية (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (٣٦) (التوبة).

* * *

٨٠. آية الوصية

هى الآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (١٨٠) (البقرة) ، وليس فى القرآن ذكر للوصية إلا فى ثلاث آيات : فى هذه الآية ، وفى سورة النساء فى قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) (١١) ، وفى سورة المائدة فى قوله تعالى : (حِينَ الْوَصِيَّةِ) (١٠٦) ، وآية الوصية فى سورة البقرة أتمها وأكملها ، ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث.

* * *

٨١. آية من الآيات الأمهات

هى آيتان وليست آية واحدة ، باسم آية المواريث ، تقول : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (١٢) (النساء) ، وهى من الآيات الأمهات ، التى هى ركن الدين وأساس الأحكام ، والعلم الذى تبشّر به من أهم وأعقد علوم القرآن ، وهو أول ما يتركه الناس من

٦٠

علوم القرآن ، لأنهم يتركون العمل به فينسى ، وفى الحديث «تعلموا القرآن وعلموه الناس ، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس» ، ومعنى «يوصيكم» يفرض عليكم ، وعلم هاتين الآيتين هو علم الفرائض. وقيل إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا من لاقى الحروب وقاتل العدو ، فكانوا على ذلك لا يورثون النساء والأطفال ، فنزلت هذه الآية كى تبيّن أن لكل صغير وكبير حظه ونصيبه من التركة. وقيل نزلت فى ورثة سعد بن الربيع ، أو فى ورثة ثابت بن قيس بن شماس ، والأول أصحّ ، وكانت امرأة سعد ، وهى المشهورة بأم كحّة ، قد شكت إلى الرسول أن سعدا مات وترك بنتين وأخاه ، فقبض أخوه ما ترك سعد. وقيل نزلت الآية فى الجميع ولذلك تأخر نزولها. وكان الميراث يستحق فى الإسلام بأسباب ، منها : الحلف ، والهجرة ، والمعاقدة ، ثم نسخ لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألحقوا الفرائض بأهلها» أخرجه البخارى ـ يعنى الفرائض الواردة فى كتاب الله. (انظر الفرائض ضمن باب المصطلحات وباب الإسلام الاقتصادى : المواريث).

* * *

٨٢. آية الظهار

هي الآية الأولى من سورة المجادلة ، تقول : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (١) ، وتتناول الظهار ، ويشمل ذلك ست آيات من السورة لبيان أحكامه. وسورة المجادلة فى ترتيب المصحف الثامنة والخمسون.

* * *

٨٣. آية الموادعة

هى كل آية فى القرآن تأمر بالصفح ومكارم الأخلاق ، حتى مع المشركين والمكذّبين ، وبعدم التعرّض لهم وبالصفح عن إساءاتهم ، مثل الآية : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) (٩٦) (المؤمنون) فإنها آية موادعة.

* * *

٨٤. القرآن العظيم هو الفاتحة

فى الآية : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (٨٧) (الحجر) نصّ على أن الفاتحة هى السبع المثانى باعتبارها ست آيات بالإضافة إلى البسملة ، فيصير المجموع سبع آيات ، يصفها بأنها القرآن العظيم إما اعتبارها أم القرآن ، لأنها تتضمن جميع علومه ، وإما أن مقصود الآية أنه أوتى الاثنين : الفاتحة والقرآن العظيم ، أو أن القرآن العظيم كما قال فيه : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ) (٢٣) (الزمر) ، أى تثنّى فيه المواعظ والأحكام

٦١

والقصص ، يعنى تتكرر فيه ، ويجمعها جميعا السبع الطوال ، وهى سور : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال والتوبة معا (أو الكهف) ، وتلخصها الفاتحة وتوجز القرآن كله ، وعلى ذلك فهى بمثابة القرآن العظيم ؛ أو أن القرآن عظيم لأنه متشابه من وجه ، ومثانى من وجه ، ومجموعه فى السبع الطوال ، أو فى الفاتحة المشتملة على سبع آيات.

* * *

٨٥. السبع المثانى أعظم سورة فى القرآن

السبع المثانى ، وتترجم The seven oft ـ repeated verses ، وهى ترجمة قاصرة. وقيل إن السبع المثانى هى فاتحة الكتاب : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (٨٧) (الحجر) هو القول الصحيح ، والمثانى سميت بذلك لأنها تثنىّ فى كل ركعة ، أى تتلى ، ولا تصح الركعات إلا بها ، والبناء القرآنى قوامه المنطق الجدلى ، يعنى إذا ذكرت النار تذكر الجنة ، وإذا ذكر الليل يذكر النهار ، والعقاب يقابله الثواب ، والله تعالى هو المنتقم الجبّار ، وهو أيضا العفوّ والرحمن الرحيم الغفّار ، كقوله تعالى : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ) (٢٣) (الزمر). وفى الحديث : «ما أنزل الله فى التوراة ولا فى الإنجيل مثل أم القرآن وهى السبع المثانى» ، أن الفاتحة هى السبع المثانى ، ويؤكد ذلك الحديث الآخر : «الحمد لله ربّ العالمين ـ هى السبع المثانى ، وللقرآن العظيم الذى أوتيته» أخرجه البخارى ، والحديث : «هى أعظم السور فى القرآن».

وقيل سميت بذلك لأنها استثنيت لهذه الأمة ، فلم تنزل على أمة أخرى مثلها. وقيل السبع المثانى هى السور السبع الطوال : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، و «الأنفال والتوبة» معا ، وقيل الكهف بدلا من «الأنفال والتوبة». وسميت مثانى ، لأن العبر والأحكام والحدود ثنّيت فيها. والقول بأن السبع المثانى هى السبع الطوال يقدح فيه أن آية الحجر التى ذكرت السبع المثانى ، نزلت بمكة ولم تكن السور الطوال قد نزل منها شىء بعد. وقيل لذلك : المثانى هى القرآن كله ، ونقول : ولما ذا قال السبع إذن؟ وقيل المراد بالسبع المثانى أقسام القرآن السبعة : الأمر ، والنهى ، والتبشير ، والإنذار ، والأمثال ، وتعديد النّقم ، وأنباء القرون. وفى آية سورة الزمر : أن «أحسن الحديث» المقصود به القرآن ، لأنه كان يحدّث به أصحابه ، وهو «متشابه» لأنه يشبه بعضه بعضا ، وهو «مثانى» : تثنّى فيه القصص والمواعظ والأحكام ، وتثنّى تلاوته فلا يمل. وقيل : السبع المثانى هى الفاتحة ، لأنها سبع آيات ، منها ست آيات ، والبسملة هى الآية السابعة.

٦٢

ومن الغريب أن المستشرقين لا يملون ترديد أن هذه المصطلحات الإسلامية البحتة مأخوذة من اليهودية ، وأن مثانى هى نفسها المثناmisna اليهودية. وقال جايجر إن أصل الكلمة فى العربية والعبرية «مثنيثاmathnitha الآرامية ، وكذلك ذهب نولدكه وشفالى ، وجولدتسيهر ، وبحسب هؤلاء فالمثانى هى القرآن كله ، ويمكن أن تكون كذلك الفاتحة ، لأن مثنا أو كلمة مشنا اليهودية تعنى التوراة كلها وتعنى كذلك السّفر ، أو الفصل ، أو العبارة الواحدة منه. وقال شبرنجر : إن المثانى من الكلمة العبرية «شنى shena» ، وهى نفسها الكلمة العربية «ثنى» أى يكرر ، ووافقه على هذا الرأى ميللر ، ورود وكاناكيس ، وهوروفيتس. وكأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يعرف الآرامية والعبرية!! مع ملاحظة أن المشنا لم تكن قد ترجمت إلى العربية ، وحتى الآن لا توجد ترجمة عربية لها ، وحتى العربية ما كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرف كتابتها ولا قراءتها أصلا. وحسبنا الله.

* * *

٨٦. السور الحواميم

هى السور التى تبدأ بالحرفين المقطّعين (حم) ، وتسمّى أيضا «العرائس» ، وفى الحديث عن أنس أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الحواميم ديباج القرآن» ، ومعنى ديباج القرآن : زينته ، ولأنها مجموعة سور سميت «آل حم» ، كقولنا آل فلان ، كأنه نسب السور كلها إلى «حم» ، وفى قول الشاعر : «وجدنا لكم فى آل حاميم» ، وقوله : «وبالحواميم قد سبّعت» ، ذكر أنها سبع سور متجاورات ، هى بترتيب النزول : غافر ، وفصّلت ، والشورى ، والزخرف ، والدخان ، والجاثية ، والأحقاف.

* * *

٨٧. السور الطواسين

هى التى تبدأ بالحروف المقطّعة طس أو طسم ، وهى ثلاث سور على ترتيب النزول والمصحف : الشعراء ، ثم النمل ، ثم القصص ، وموضوعاتها متشابهة ، وروحها العامة ، والمزاج النفسى الذى يسودها ، والحالة العقلية التى هى عليها ، واحدة.

* * *

٨٨. السور المسبحات

هى السور التى تبدأ بقوله تعالى : (سَبَّحَ لِلَّهِ) ، أو (يُسَبِّحُ) ، أو (سُبْحانَ) ، وهذه سبع سور ، ثلاث منها تبدأ بقوله تعالى : (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ، هى الحديد ، والحشر ، والصف ؛ واثنتان تبدءان بقوله تعالى : (يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) ،

٦٣

وهى : الجمعة ، والتغابن ؛ وواحدة تبدأ بقوله تعالى : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) ، وهى سورة الأعلى ؛ وواحدة تبدأ بقوله تعالى : (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) ، وهى سورة الإسراء.

والمشهور فى كتب التفسير أن المسبّحات خمس سور هى : الحديد ، والحشر ، والصف ، والجمعة ، والتغابن ، وأن آخر هذه السور هى «التغابن» ، والصحيح أنها سبع سور ، وآخرها بحسب عموم التنزيل : «الصف» ، وترتيبها التاسعة بعد المائة ، وأما التغابن فهى السادسة والثمانون.

* * *

٨٩. سورة النجم أول سورة فيها سجدة

فى قوله تعالى : (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) (٦٢) (النجم) ، قيل المراد به سجود تلاوة القرآن أثناء الصلاة ، وهى أول آية يأتى فيها سجود التلاوة.

* * *

٩٠. سورة ثلث القرآن

هى سورة الإخلاص ، وتبدأ هكذا : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) ، وكانوا يتقالونها ، أى يعتبرونها قليلة ، فقال فيها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «والذى نفسى بيده ، أنها لتعدل ثلث القرآن» أخرجه البخارى ، فذلك إذن هو السبب أنها ثلث القرآن ؛ وقال لأصحابه : «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن فى ليلة»؟ فشقّ ذلك عليهم ، وقالوا : أيّنا يطيق ذلك؟ فقال : «الله الواحد الصمد ـ ثلث القرآن» أخرجه البخارى ، وقيل : إنها تعدل ثلث القرآن لأجل هذا الاسم الذى هو «الصمد» ، فإنه لا يوجد فى غيرها من السور ، وكذلك «أحد». وقيل : القرآن أنزل أثلاثا ، ثلثا منه أحكام ، وثلثا منه وعد ووعيد ، وثلثا منه أسماء وصفات ، وجمعت : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) أحد الثلث الثالث الخاص بالأسماء والصفات ، وفى الحديث : «إن الله جزّأ القرآن ثلاثة أجزاء ، فجعل (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) جزءا من أجزاء القرآن» أخرجه مسلم.

* * *

٩١. خواتيم سورة البقرة آخر آيتين بها

هما الآيتان : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٢٨٦) (البقرة) ، قال فيهما الرسول

٦٤

صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبىّ قبلى» ، وفى رواية ابن عباس أن ما تفرّد به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، قيل : أعطيت له لما عرّج به فى الإسراء إلى سدرة المنتهى. ـ إلا أن الإسراء ترتيبها فى النزول الخمسون ، فى حين أن الفاتحة ترتيبها الخامسة! والبقرة ترتيبها مائتان وست وثمانون ، ورواية ابن عباس لذلك مشكوك فيها. وروى عن ابن عباس قال : جميع القرآن نزل به جبريل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إلا الآية : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) (البقرة) ، فإن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الذى سمعها ليلة المعراج ، فلما وصل إلى سدرة المنتهى .. لم يجاوزها جبريل ، وجاوزها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى حيث شاء الله ، فأشار إليه جبريل أن سلّم على ربّك ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «التحيات لله والصلوات الطيبات» ، فقال الله تعالى : «السلام عليك أيها النبىّ ورحمة الله وبركاته» ، فأراد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يكون لأمته حظ فى السلام ، فقال : «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» ، فقال جبريل وأهل السموات كلهم : «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله» ، فقال الله تعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) ، فأراد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يشرك أمته فى الكرامة والفضيلة فقال : (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) وهكذا إلى آخر الآية. وهذا كلام عجيب ، والله أعلم!

* * *

٩٢. العشر الخواتم من سورة آل عمران

هى الآيات من قوله تعالى : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ) (١٩٠) (آل عمران) ، حتى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٢٠٠) ، وكان الرسول يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده.

* * *

٩٣. خواتيم سورة الحشر

هى الآيات : (هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٢٤) (الحشر) ، وفيها من أسماء الله الحسنى اسم الله الأعظم.

* * *

٩٤. التوصية بآخر سورة النحل

أوصى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالآيات من آخر سورة النحل بدءا من : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ

٦٥

بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (١٢٥) ، حتى ختام السورة : (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (١٢٨).

* * *

٩٥. سورة هود وأخواتها

أخوات سورة هود هى : الواقعة ، والمرسلات ، وعمّ يتساءلون ، والقارعة ، والحاقة ، وسأل سائل ، وإذا الشمس كوّرت ؛ وفى حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «شيّبتنى هود وأخواتها» ، لما فيها من الفزع ، والفزع يورث الشيب ، ويذهل النفس ، ويفصد الجسم عرقا ، فتحت كل شعرة منبع يعرق ، فإذا انتشف الفزع رطوبته يبست المنابت ، فييبس الشعر ويبيضّ ، كالزرع يسقى بالماء فيخضر ، فإذا جفّ الماء ذهبت خضرته ويبس. وفى القرآن : (يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً) (١٧) (المزمل) ، فإنما شابوا من الفزع. وفى تلاوة هذه السور ما يكشف لقلوب العارفين سلطان الله تعالى وبطشه ، فتذهل منه النفوس ، وتشيب منه الرءوس.

ومن سورة هود هذه الآية : (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (١١٢) ، قال ابن عباس : ما نزل على رسول الله آية هى أشدّ ولا أشق من هذه الآية عليه. والخطاب فيها للنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمراد أمّته. ومعنى استقم : اطلب الإقامة على الدين من الله ، واسأله ذلك. ولما سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا رسول الله ، قل لى فى الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك؟! قال : «قل آمنت بالله ثم استقم». أخرجه مسلم.

* * *

٩٦. آيات سورة البقرة فى المؤمنين والكافرين والمنافقين

فى سورة البقرة أربع آيات فى المؤمنين ، واثنتان فى الكافرين ، وثلاث عشرة فى المنافقين. فلما ذكر الله تعالى المؤمنين أولا ، وبدأ بهم لشرفهم وفضلهم ، ذكر الكافرين فى مقابلهم ، إذ الكفر والإيمان طرفان ، ثم ذكر المنافقين بعدهم وألحقهم بالكافرين قبلهم ، لنفى الإيمان عنهم.

* * *

٩٧. الأحاديث فى فضل سور القرآن أغلبها موضوع

الوضّاعون والمختلقون افتروا الأحاديث والأخبار فى فضل سور القرآن ، فمنهم الزنادقة ، قيل وضعوا جملة من الأحاديث بلغ عددها أربعة عشر ألف حديث! منها مثلا الحديث : «أنا خاتم الأنبياء لا نبىّ بعدى إلا ما شاء الله». فزادوا الاستثناء على الحديث

٦٦

الأصلى ، وقولهم «إلا ما شاء الله» يعارض صريح القرآن : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (٤٠) (الأحزاب). ومن الزنادقة الوضّاعين : المغيرة بن سعيد الكوفى ، ومحمد بن سعيد الشامى ، والحارث الكذّاب الذى ادّعى النبوة. ومن الخوارج من وضع الحديث فى فضل سور القرآن ، فكانوا يزيدون فى الأحاديث من الكلمات بقدر ما ينحرف بها إلى المعانى التى تنتصر لأفكارهم ، فكلما هووا أمرا صيّروه حديثا. ووضع بعض المتعبّدين الأحاديث فى فضل السور للترغيب أو الترهيب ، فكان أبو عصمة نوح بن أبى مريم المروزى ، ينسب ما يروى إلى عكرمة عن ابن عباس ، ويحتج أنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بالفقه والمغازى ، فوضع ما وضع حسبة ، ليقبلوا على قراءة القرآن وحفظه. ونسب بعض المحدّثين أسباب نزول الآيات إلى علىّ بن أبى طالب مثلا ، أو إلى غيره ، تقرّبا إلى أصحاب النفوذ والسلطان ، ومن ذلك الحديث الطويل عن أبىّ بن كعب عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فى فضل القرآن سورة سورة ، فحذار أيها القارئ اللبيب ، من أعداء الدين ، وزنادقة المسلمين ، من وضّاع الأحاديث ، وخاصة فيما ينسبونه إلى القرآن ولم يقل به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصدق إذ قال : «اتقوا الحديث عنى إلا ما علمتم ، فمن كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» أخرجه أحمد والترمذى.

والحقّ أن القرآن كله كتاب الله ، وفى الحديث الصحيح : «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول الم حرف ، بل ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف» أخرجه الترمذى ، وقال تعالى فى القرآن : (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) (٤٤) (فصلت) ، وهذه البركة فى القرآن كله فرائضه وأحكامه ، وأمثاله ، وقصصه ، وأخباره.

* * *

٩٨. أعظم شهادة فى القرآن

لمّا دخل حبران من الشام على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسألانه : ما أعظم شهادة فى القرآن؟ نزلت الآية : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١٨) (آل عمران) ، والآية دليل فضل العلم وشرف العلماء ، ولو كان أحد أشرف من أهل العلم لقرنهم الله باسمه تعالى واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء. وفى الحديث : «العلماء ورثة الأنبياء».

٦٧

٩٩. القرآن أحسن ما أنزل الله

أنزل الله تعالى كتبه الثلاثة : التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، ثم أنزل القرآن ، وأمر باتباعه ، فهو الأحسن وهو المعجز ، كقوله تعالى : (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (٥٥) (الزمر) ، والقرآن كله حسن ، فوجب التزام طاعته ، واجتناب معصيته. «والأحسن» هو الامتثال لما أمر الله به فى كتابه ، يعنى المحكمات ، وأن يوكل علم المتشابه إلى من يعلمه. والأحسن هو القرآن كله ، محكمه ومتشابهه ، لأنه نسخ كل ما سبقه من كتب ، وكل الكتب قبله صارت به منسوخة. وما علّم الله نبيه من السنّة فهو حسن ، وما أوحى إليه من القرآن هو الأحسن. وقيل أحسن ما نزل من القرآن : القصص ، وأخبار الأمم السابقة.

* * *

١٠٠. القرآن برهان الله إلى الناس

البرهان : هو الدليل القاطع للعذر ، والحجة : هى المزيلة للشبه ، يقول تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (١٧٤) (النساء) ، والخطاب للناس كافة ، والقرآن هو برهانه تعالى على نفسه ، لأنه يدل عليه بإعجازه ، وما يدعو إليه هو نور وهدى للناس ، لا لبس فيه ولا خلط ، وفى الحديث : «القرآن صراط الله المستقيم ، وحبل الله المتين». والدليل على أن القرآن من عند الله أنه لا يدعو إلا إلى الله ، فلا هو يؤله محمدا كما فى الأناجيل من التأليه لعيسى ، ولا هو يدّعى أن العرب خير أمة ، وأنهم أحباء الله وصفوة خلقه ، كما زعم اليهود عن أنفسهم فى كتبهم ، وإنما الدعوة فى القرآن لله خالصة ، فذلك دليل على أنه كتاب منزل من عند الله ، وأما الدليل أنه نور مبين ، فلأن المسلمين به استناروا ، وعرفوا الحق واختاروه ، وصار لهم منهج حياة وسلوك ، وغاية ترجى للعيش فى الدنيا ، وللأمل فى الآخرة.

* * *

١٠١. فى القرآن خطاب المؤمنين كخطاب المرسلين

فى القرآن يخاطب الله تعالى الذين آمنوا بقوله تعالى : «يا أيها الذين آمنوا» ، ويتكرر ذلك ثمان وثمانين مرة ، وفى الحديث : «إن الله خاطب المؤمنين بما أمر به المرسلين».

* * *

١٠٢. القرآن يحفظه الله

عن القرآن قال تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (٩) (الحجر) ، وعن

٦٨

التوراة قال : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (٤٤) (المائدة) ، والذكر هو القرآن ، أو كل تعالى حفظه إلى نفسه ، وأما التوراة فأوكل حفظها إلى أنبياء اليهود والربّانيين والأحبار ، وهم بشر ، فضيّعوها وبدّلوا فيها ، وغيّروا. وقيل فى ذلك حكاية لطيفة : أن يهوديا دخل على المأمون فأغراه المأمون أن يسلم ، فقال الرجل : دينى ودين آبائى. وبعد سنة عاد الرجل نفسه إلى المأمون وذكر أنه أسلم ، واختبره المأمون فوجده عالما ، فسأله عن سبب إسلامه فقال : انصرفت المرة السابقة من عندك فأحببت أن امتحن هذه الأديان ، وكان حظى حسنا ، فعمدت إلى التوراة ، فكتبت منها ثلاث نسخ ، فزدت فيها وأنقصت ، وأدخلتها البيعة (كنيسة اليهود) ، فاشتروها منى ، وعمدت إلى الإنجيل ، فكتبت ثلاث نسخ ، فزدت فيها وأنقصت ، وذهبت إلى الكنيسة ، فاشتروها منى ، ولم يجدوا فى كل ذلك زيادة ولا نقصانا ، سواء فى التوراة أو فى الإنجيل ، ثم عمدت إلى القرآن ، فكتبت ثلاث نسخ ، وزدت فيها وأنقصت ، وأدخلتها الورّاقين ـ مكان بيع الكتب ، فتصفّحوها ، واكتشفوا الزيادة والنقصان ، فلم يشتروها. فعلمت أن هذا الكتاب ـ القرآن ـ محفوظ ، فكان هذا سبب إسلامى!!

* * *

١٠٣. القرآن يحسم ما اختلف فيه بنو إسرائيل

اختلف بنو إسرائيل فى كل شىء فيما روى أنه جاءهم على رسلهم ، خاصة موسى ، وقالوا فى ذلك روايات شتّى ، وكانت لهم أحكام متباينة امتلأت بها كتبهم الخمسة المسماة بالتوراة ، وكتابهم التلمود ، وكتابهم المشناة ، وكتابهم الزوهار ، وسائر أسفارهم ، وكانت لهم مدارس فى ذلك افترقت عن بعضها البعض حتى كفّروا بعضهم البعض. والقرآن تعرّض لأغلب ما اختلفوا فيه ، سواء فى القصص ، أو فى الأحكام ، وفى الحلال والحرام ، والطلاق والزواج ، والبيع والشراء ، وفى ذلك نزلت الآيات : (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (٧٨) (النمل) ، فكشفت الآية عن مزايا أخرى للقرآن ، وأبانت أنه يتعرّض لقضايا يصحّح فيها بنى إسرائيل ، ويا حبذا لو كانت هناك دراسات إسلامية مقارنة ، تتناول هذه القضايا بالتحليل والتفسير ، فمثل تلك الدراسات هى التى يمكن أن تكون مدخلا سليما للدعوة للإسلام ، وجلاء تهافت كتب اليهود والنصارى.

* * *

٦٩

١٠٤. كل عسى فى القرآن واجبة

حيثما وقعت عسى من القرآن فهى واجبة ، كقوله تعالى لنبيّه : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (٧٩) (الإسراء) ، يعنى سيبعثك مقاما محمودا ، وهو الشفاعة ؛ وقوله (عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) (٨٤) (النساء) وهو وعد من الله بكفّهم ، وعسى من الله تفيد التحقيق ، وقد كفّهم الله تعالى فعلا بهزيمتهم ؛ وقوله : (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَ) (يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) (١٢٩) (الأعراف) ، وقد أهلكهم فعلا ـ قوم فرعون ؛ وقوله : (عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٠٢) (التوبة) ، قال الطبرانى : وعسى من الله واجب ، ومعناه : سيتوب الله عليهم ؛ وقوله : (عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً) (٨٣) (يوسف) ، وقد أتاه الله بهم فعلا ـ يعقوب وابنه يوسف وأولاده ؛ وقوله (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) (٨) (الإسراء) ، يعدهم بأن يرحمهم ؛ وقوله : (عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) (٢٤) (الكهف) ، وقد هداه فعلا. وفى القرآن يتكرر ذلك أربع عشرة مرة ، وفى كل مرة يكون المعنى إما أنه حدث فعلا ، أو أنه وعد من الله بذلك.

* * *

١٠٥. القرآن حبل الله

فى الحديث : «إن هذا القرآن هو حبل الله» ، والحبل هو السبب الذى يوصل به إلى البغية والحاجة ، وفى قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (١٠٣) (آل عمران) : الاعتصام هو المنعة ، وعن الآية قال ابن عباس وابن مسعود : حبل الله القرآن. وقالوا : حبل الله هو الجماعة والتمسّك بها ، وفى الشعر : إن الجماعة حبل الله فاعتصموا ، والصحيح أن القرآن هو حبل الله ...

* * *

١٠٦. القرآن يدعو إلى الحواريين الأديان

القرآن كله حوارات ، والحوار وسيلته لبلوغ الحق ، والأصوب أن نقول : إن المحاجاة هى وسيلة القرآن ، وأنه كتاب يقوم على الحجاج ، وخير أدلتنا على ما نقول الآية : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (٦٤) (آل عمران) ، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى ، وخاطبهم بذلك لأنهم لا يدعون إلى الله ، فاليهود يقدّسون شعبهم ويدعون له ، ويريدون أن تكون لهم الحكومة العالمية ، لأنهم فى زعمهم صفوة خلق الله ، ثم إنهم صدّقوا عزرا أو عزيز ، فيما ادّعى أنه التوراة ، وفيه غيّر وحرّف ما شاء له ذلك ؛

٧٠

والنصارى عبدوا المسيح ، وألهوا القديسين ، والكلمة السواء هى «لا إله إلا الله» ، فمن ينكص عن ذلك فإنه لا يكون مسلما لله ، ويكون المسلمون هم فقط هؤلاء الذين يأخذون بالقرآن.

* * *

١٠٧. الفاتحة فى الإنجيل وفى القرآن

لا يوجد فى كل أسفار اليهود مثل الفاتحة ، وأما عند النصارى فالقريب منها ما يذكره متّى فى إنجيله فى الفصل السابع ، ابتداء من العبارة ٩ حتى العبارة ١٣ ، يقول المسيح : «أنتم فصلّوا هكذا : أبانا الذى فى السموات ليتقدّس اسمك ، ليأت ملكوتك ، لكن مشيئتك كما فى السماء كذلك على الأرض. خبزنا كفافنا ، اعطنا اليوم ، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن لمن أساء إلينا. ولا تدخلنا فى تجربة لكن نجنا من الشرير. آمين.

فأنت ترى أن المسيح سمى هذه الكلمات صلاة ، وفى الحديث القدسى عن الفاتحة : «قسمت الصلاة بينى وبين عبدى» فسمى الفاتحة صلاة أيضا ، وقوله فى الصلاة المسيحية : «أبانا الذى فى السموات ليتقدس اسمك» تشبه (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فى الفاتحة. ثم تتكون الصلاة المسيحية بعد ذلك من آيتين تختصان به تعالى ، وأربع آيات للعبد ، فيكون المجموع ست آيات. وفى الفاتحة : عدد الآيات سبع ، ثلاث منها لله ، ثم الآية الرابعة بين الله والعبد ، ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات دعاء من العبد. وحال المصلّى فى الصلاة المسيحية هى حال الرضا ، وبعد ذلك يكون طلبه الرزق والمغفرة ، وأن لا يواجهه الله باختبار ، وأن ينجّيه من الشرير ، ومقامه فيها جميعا مقام الفقير المتذلل المحتاج اللائذ. وفى الفاتحة : حال المصلّى هو حال الحامد الشاكر المسبّح ، والمقرّ بالعبودية لله والحاجة إلى معونته ، ثم يسأله الهداية ، وأن ينزله منزله المنعم عليهم ، غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين.

والمفاضلة بين فاتحة أو صلاة النصارى ، وبين فاتحة أو صلاة المسلمين : إنما هو بالمعانى وكثرتها ، وتتضمن فاتحة المسلمين ـ حتى بالنسبة لبقية سور القرآن ـ من الصفات ما ليس لغيرها ، حتى قيل إن الفاتحة وحدها تشتمل على جميع القرآن ، وبالنسبة لفاتحة النصارى فإنها لا تتضمن كل معانى النصرانية.

وكلمات فاتحة النصارى ، بما فيها ما يشبه البسملة وآمين : ٣٨ كلمة ؛ وفاتحة المسلمين ، بالبسملة وآمين : ٣٠ كلمة ، يعنى وإن كانت فاتحة المسلمين أقل كلمات فإنها أكثر فى المعانى ، وتتضمن علوم القرآن وليست كذلك فاتحة النصارى ، ووصفها بأنها السبع

٧١

المثانى لغة اصطلاحية تدل على حضارة بلاغية أوسع ، وثقافة فكرية أعرض. وقسمها بين العبد وربّه ، والوعى بهذه القسمة من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والشرّاح ، فيه إدراك كبير من أهل الإسلام لما يمكن أن تصنّف إليه الفاتحة. وفى الحديث عن الله تعالى يجيء : «قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين ، ولعبدى ما سأل ؛ فإذا قال العبد : الحمد لله ربّ العالمين ، قال الله تعالى : حمدنى عبدى ؛ وإذا قال العبد : الرحمن الرحيم ، قال الله تعالى : أثنى علىّ عبدى ؛ وإذا قال العبد : مالك يوم الدين ، قال الله تعالى : هذا بينى وبين عبدى ، فإذا قال العبد : اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين ، قال الله تعالى : هذا لعبدى ، ولعبدى ما سأل».

فهذه الحرفية فى التكوين والتقسيم والتصنيف فى الفاتحة عند المسلمين ، تجعل لها عقلانية ، وتقيم منها بناء معماريا له سمت وأصول فى التكوين ، وله غاية يترسّمها المعمار ، وهى أشياء تفتقد فى فاتحة النصارى ، ومن أجل ذلك وصف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الفاتحة بأنها : أعظم سورة فى القرآن ، وأنها القرآن الذى آتاه الله ، وأطلق عليها اسم الفاتحة ، لأنها أولا فاتحة الكتاب ، وتفتحه لفظا وخطا ، وتفتح بها الصلوات قراءة ؛ وهى أم الكتاب ، فيبتدأ بها كتابة المصحف ؛ وأم القرآن لأنها أوله وفيها كل علومه ؛ وهى المثانى لأن المصلّى يثنّى بها فى كل ركعة ، أو لأنها استثنيت لأمة الإسلام فلم يكن مثلها عند اليهود ولا النصارى. ثم إن لها معزّة خاصة عند المسلمين ليست لفاتحة النصارى عند النصارى ، فهى يستشفى بها للمريض ، وتستخدم كرقية يرقى بها ، وهى مدخل القرآن الذى يؤسسه ، وأساسها «بسم الله الرحمن الرحيم» ، وهى الواقية فلا تختزل ، والكافية فتكفى عن سواها. وليس فى تسميتها بالمثانى وأم الكتاب ما يمنع من تسمية سور غيرها بذلك ، وفى القرآن : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ) (٢٣) (الزمر) فأطلق الله على القرآن أنه مثانى ، يعنى تثنّى فيه الأخبار ، وأطلق على السور السبع الطوال أنها مثانى ، لأن ما بها من فرائض وقصص يثنّى. والفاتحة قال بها القرآن : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (٨٧) (الحجر) ، وكما سبق هى سبع آيات ، وهى مثانى لأن الله قسمها مناصفة بينه وبين عبده ، وهما اثنان. وبديهى أن تكون الفاتحة من القرآن ، إلا أن بعض المتنطّعين ذكروا أنها ليست منه ، وشأنها فى ذلك شأن المعوذتين؟!! .. وكان نزول الفاتحة فى مكة ، وقيل هى مدنية ، وقيل : نصفها مكية ونصفها مدنية ، والثابت أنها مكية لأنها من سورة الحجر ، والحجر مكية بالإجماع ، وكانت مناسبتها فرض الصلاة ، والصلاة فرضت بمكة ، والفاتحة بدونها لا تكون صلاة. وكان نزولها بعد (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (١) (العلق) ، و (يا أَيُّهَا

٧٢

الْمُدَّثِّرُ) (١) (المدثر). وقراءة الفاتحة تجب فى كل ركعة ، وإن لم يقرأ المصلى بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن باعتبار عدد الآيات والحروف ، ومن تركها ناسيا يعيد الصلاة أو يسجد سجدتى السهو ، وإذا قرأ بها مرة واحدة فى الصلاة أجزأه. والإمام يحمل عن المأموم قراءتها ، ويقرأها لو أدركه قائما ، ولا يدع قراءتها خلف الإمام فى صلاة السرّ ، وفى قول أن الصلاة لا تجوز إلا إذا قرئ بالفاتحة فى كل ركعة ، إماما كان المصلى أو مأموما ، وفى قول أن الإمام إذا أسّر يقرأ المأموم ، وإذا جهر لا يقرأ. وفى الحديث : «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج» أى باطلة. وفيه أيضا : «فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرتم إلا بأم القرآن».

وسميت الأنفال من المثانى لأنها تتلوا الطوال فى القدر ، أو أن الطوال تعنى التى تزيد آياتها على المفصّل وتنقص عن المئين ، والمئون هى السور التى تزيد كل واحدة عن مائة آية.

وسنّة القراءة أن يقرأ المصلى فى الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة ، وفى الآخرين بفاتحة الكتاب. وقيل يجزئه أن يقرأ بغيرها. وقيل لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشىء معها من القرآن ، وحدّه آية أو آيتان ، ومن تعذّر عليه أن يتعلم الفاتحة أو شيئا من القرآن ، ولا علق منه بشيء ، يذكر الله فى موضع القراءة ويدعو لنفسه ، وإن عجز عن ذلك أيضا ، فلا يدع الصلاة مع الإمام جهده ، والإمام يحمل عنه ذلك ، ويترجم لمن لا يعرف العربية ، وتجزئ الصلاة بغيرها مع العلم بها إذا كان المأموم غير عربى ، والله أعلم.

وكما ترون ، فإنه لا مشابهة بين الفاتحة عند المسلمين ؛ وبين ما يظن أنه فاتحة عند النصارى ، ففاتحة المسلمين علم قائم بذاته ، وله علماؤه المختصون.

* * *

١٠٨. الحمد لله

لا يرد فى التوراة والأناجيل ، أى حمد لله ، ولكنه يرد فى مزامير داود كما فى المزمور ٨ / ١٧ ، وليس صحيحا إذن أن القرآن أخذ «الحمد لله» كاصطلاح ، ضمن ما أخذ من كتب اليهود والنصارى ، كما يدّعى المستشرقون. وفى القرآن ترد الحمد لله ٣٨ مرة ، وفى الحديث : «إذا قال العبد الحمد لله ، قال الله تعالى : صدق عبدى الحمد لى» رواه أبو هريرة وأبو سعيد الخدرى ، وفيه برواية مسلم عن أنس : «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ، أو يشربه الشربة فيحمده عليها» ، وما من نعمة إلا والحمد لله أفضل

٧٣

منها ، وفى الحديث برواية ٢ ابن ماجة : «ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله ، إلا كان الذى أعطاه أفضل مما أخذ». والدنيا كلها لو أخذها العبد فإنها فانية ، والحمد لله باقية ، وهى من الباقيات الصالحات ، والدنيا والكلمة من العبد كلاهما من الله ، والله قد أعطى الدنيا يغنينا بها ، وأعطى الكلمة يشرّفنا بها ، وفى الحديث «يا ربّ لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك» ، وفيه : «الحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن ـ ما بين السماء والأرض» أخرجه مسلم.

وسأل سائل : أيهما أفضل : قول العبد «الحمد لله ربّ العالمين» ، أو قوله «لا إله إلا الله»؟ قيل الحمد لله أفضل لأن التوحيد ضمنها ، فهى توحيد وحمد ، و «لا إله إلا الله» توحيد فقط. وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أفضل ما قلت أنا والنبيّون من قبلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له» ، ومن قال بذلك ذكر أن لا إله إلا الله تدفع الكفر والشرك ، وعليها يقاتل الخلق ، وفى الحديث : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» أخرجه البخارى ومسلم.

والحمد نقيض الذم ، ومعناه كامل الثناء ، والألف واللام لاستطراق الجنس من المحامد ، فالله مستحق للحمد بأجمعه ، وهو لذلك له الأسماء الحسنى والصفات العلا.

ومن الحمد : الحميد ، والمحمود ، والتحميد ؛ والحمد أعمّ من الشكر ، ومحمد من كثرت محامده ، وبذلك سمى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

والحمد لله كلمة كلّ شاكر ، والشكر لذلك أعمّ من الحمد ، فالشكر باللسان وبالجوارح والقلب ، والحمد باللسان خاصة ، وقيل بل الحمد أعمّ من الشكر ، ويوضع موضع الشكر ، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. والحمد يقال للممدوح بصفاته من غير سبق إحسان ، والشكر يستلزم الإحسان أولا ، وفى الآيات : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٢٨) (المؤمنون) ، و (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ) (٣٩) (إبراهيم) ، و (وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) (٣٤) (فاطر) ، و (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) (١١١) (الإسراء) ، يذكر الحمد بمعنى الرضا ، فلما بلوا الله حمدوه ، أى رضوا به. ومن حمد الله بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد. والحمد حاء وميم ودال ، والحاء من الوحدانية ، والميم من الملك ، والدال من الديمومة ، فمن عرفه تعالى بهذه الصفات ، فقد عرفه ، وهذا هو حقيقة الحمد ، أنك عرفت الله. ويفيد الحمد لله أنك تعرف أولا من أعطاك النعمة ، وأنك ثانيا قد رضيت بها ، وأنك بالامتنان له والإقرار بالفضل له لن تعصى له أمرا. فأين مثل هذه الفلسفة للحمد لله فى كتب اليهود والنصارى؟

٧٤

والحمد مدح ، والمدح مكروه إلا لله ، فقد افتتح كتابه بالحمد ولم يأذن بذلك لغيره فقال : (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) (٣٢) (النجم) ، وقال نبيّه : «احثوا فى وجوه المدّاحين التراب» أخرجه مسلم.

وقوله تعالى : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) جعل الحمد له من نفسه قبل أن يحمده أحد من العالمين ، فقد كان محمودا فى الأزل بلا علّة ، وأما أن يحمده خلقه فإنما بالعلل. ولمّا علم سبحانه عجز الناس عن حمده ، حمد نفسه بنفسه ولنفسه ، فاستفرغ طوق الناس لعجزهم عن حمده. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أظهر العجز عن حمده فقال : «لا أحصى ثناء عليك» أخرجه أحمد. فلما علم سبحانه كثرة نعمه على عباده ، وعجزهم عن حمده ، حمد نفسه عنهم فأسقط عنهم ثقل المنّة. فأين هذه الفلسفة للحمد لله عند اليهود والنصارى؟

والحمد لله بضم الدال ، وبعضهم قال بنصبها ، ومن قال بالنصب كما لو كان هناك فعل مضمر ، وأما بالرفع فمبتدأ وخبر ، وفائدة الخبر أنك تخبر بأنك والخلق جميعهم تحمدون الله ، ومن ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله ، والراجح أنه تعالى مدح نفسه لنفسه ليعلّم عباده ، فالمعنى : قولوا الحمد لله. فالحمد لله أن كان كتابنا القرآن لا مثيل له فى أىّ من الملل ، ويبطل الزعم أن القرآن يأخذ من التوراة والأناجيل!

* * *

١٠٩. الاستعاذة من فرائد القرآن

فى القرآن ترد مادة العوذ سبع عشرة مرة ، منها (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ) (٢٠) (الدخان) ، و (قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) (١٨) (مريم) ، (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ) (٩٧) (المؤمنون) ، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) (١) (الفلق) ، و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (١) (الناس) ، و (يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً) (٦) (الجن) ، (وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٣٦) (آل عمران) ، (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٠٠) (الأعراف) ، (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٩٨) (النحل) ، و (قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (٢٣) (يوسف). فهذه صيغ الاستعاذة أو العياذة بالله كما فى القرآن ، والمعنى فيها جميعا اللجوء إلى الله ، ولا شىء من ذلك البتة فى اليهودية ولا فى النصرانية ، وليس صحيحا ما قاله المستشرقون أن القرآن أخذ الاستعاذة من هاتين الديانتين. والعوذة ، والمعاذة ، والتعويذ ، كلها بمعنى ، وأكثر الاستعاذة من الشيطان ، نقول «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ،

٧٥

أى استجير بجناب الله من الشيطان الرجيم ، من شرّه ، ومن شرّ كل ذى شر. والعياذة : لدفع الشر ؛ ونقيضها اللياذة : لطلب الخير. وللعياذة أصل علمى ، وتعنى الانتصار على وسوسة النفس بالتخاذل والخور والاستكانة والخضوع ، والشحن النفسى بالقوة والمقاومة حفزا للقوى المعنوية والعقلية. والتعوذ قبل قراءة القرآن وفى الصلاة ، من الأصول الإسلامية ، ولا شىء من ذلك فى اليهودية ولا فى النصرانية. وفى صلاة المسلمين يكون التعوذ فى الركعة الأولى ، ولم ير جماعة التعوذ فى الصلاة المفروضة ، ورأوها فى قيام رمضان. وقالوا نهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن التعوذ بأية صيغة بخلاف «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ، وتعوذ مع ذلك فقال ثلاثا : «أعوذ بالله من الشيطان ، من نفخه ونفثه وهمزه» ؛ وقال : «أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم». وقال بعضهم : «أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد». والشيطان المتعوذ منه هو ما يشغل عن الخير والحق ، ولكل واحد شغله الشاغل عن ذلك ، وقد تتسلط النفس فتشغل صاحبها عن ربّه ، ولو بشهود طاعته ، واستجلاء عبادة ، أو ملاحظة حال ، فذلك هو الشيطان. والاستعاذة على الحقيقة تكون بالله من الله ، كما قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أعوذ بك منك» ، وقال : «أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك» أخرجه مسلم ومالك وأبو داود والنسائى والترمذى ، أراد أن نعبده بالاستعاذة به من الشرور وأخصّها النفس الأمّارة بالسوء ، وأن يحكمنا الهوى.

* * *

١١٠. هل البسملة مأخوذة من التوراة والانجيل؟!

البسملة : هى قول «بسم الله الرحمن الرحيم» ، ولا يوجد من ذلك شىء لا فى أسفار التوراة ولا فى الأناجيل ورسائل الأنبياء ، غير أن المستشرقين ومنهم نولدكه يزعمون أنها قد وردت بصيغة مشابهة فى الإنجيل ، والعجيب أنهم يوردون عبارات من أسفار العهد القديم والجديد بعيدة كل البعد فى معناها ومبناها عن البسملة العربية ، وكان الأحرى بهم أن يستشهدوا بعبارات وردت فى هذه الأسفار فى مواضع أخرى لم يتطرقوا إليها ، كما فى المزمور الثالث والخمسين ، العبارة ٣ : «اللهم باسمك خلّصنى» ، والمزمور الثانى والستين ، العبارة : «وباسمك ارفع كفى» ومع ذلك ما أبعد هاتين العبارتين عن «بسم الله الرحمن الرحيم» ، وأيضا فإنه فى الصلاة التى شرعها المسيح للنصارى فى إنجيل متّى ، الفصل السابع ، العبارة ٩ : «أبانا الذى فى السماء ليتقدّس اسمك» تبدو كما لو كانت قريبة الشبه من «بسم الله الرحمن الرحيم» ، إلا أنها مع ذلك بعيدة كل البعد فى المبنى والمعنى عن العبارة السالفة. وكذلك زعم المستشرق نولدكه أن العبارة السابعة عشرة من الفصل الرابع

٧٦

من رسالة القديس بولس إلى أهل كولسى ، والتى يقول فيها : «فليكن الكل باسم الربّ يسوع المسيح ، شاكرين به لله الأب» ، تشبه «بسم الله الرحمن الرحيم» ، مع أن العبارتين تختلفان تماما من ناحية الاستخدام ، فضلا عن تباينهما فى الصياغة.

والنتيجة : أن «بسم الله الرحمن الرحيم» عبارة قرآنية وعربية صميمة وليس لها مثيل أو ضريب فيما سبق الإسلام من ديانات أو ملل أو مذاهب. ومع ذلك ينسب القرآن إلى سليمان أنه أول من كتب أو استعمل «بسم الله الرحمن الرحيم» ، إلا أنه يرد عن سليمان فى سفر الملوك الأول ، وفى صموئيل الثانى ، وفى أخبار الأيام الأول والثانى عبارات فيها التبرّك باسم الله ، وليس فيها أى شىء عن «بسم الله الرحمن الرحيم» ، والعبارة على ذلك قرآنية محضة. وقبل أن تنزل البسملة فى القرآن كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستفتح بقول : «باسمك اللهم» ، فلما نزلت (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) (١١٠) (الإسراء) كتب «بسم الله الرحمن» ، ثم نزلت (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (٣٠) (النمل) فكتبها.

واصطلاح «بسملة» ، مثله مثل اصطلاح حوقلة ـ أى ـ لا حول ولا قوة إلا بالله ، وسبحلة أى سبحان الله ، وحمد له أى الحمد لله ، وحيصلة أى حىّ على الصلاة ، وجعفلة أى جعلت فداك ، وطبقلة أى أطال الله بقاءك ، ودمعزة أى أدام الله عزّك ، وحيفلة أى حىّ على الفلاح.

وقال بعضهم : إن البسملة آية من كل سورة إلا التوبة ، وآخرون ذهبوا إلى أنها ليست من الفاتحة أو من غيرها ، إلا فى سورة النمل ، الآية ٣٠ ؛ والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرنها بالحمد لله ربّ العالمين ، وقال إذا قرأتم (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) ، فاقرءوا (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ، وقال إنها إحدى آيات فاتحة الكتاب. وقيل : يجوز أيضا عدم الاستفتاح بها وهذا غير صحيح ، وبعضهم يقرأها فى النوافل دون المفروضة ، أو يقرأها سرا لا جهرا ، والمسألة فى كل ذلك اجتهادية لا قطعية ، والأصل فى الاختلاف أن المشركين كانوا قد استمعوا للصلاة من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمسجد ، فقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» فقالوا : محمد يذكر رحمان اليمامة ـ يعنون مسليمة الكذاب ، فأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعدها أن يخافت المسلمون بسم الله الرحمن الرحيم ، ونزلت : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً) (١١٠) (الإسراء) ، فمنذ ذلك اليوم صار هذا هو المتبع ، ونسى الناس السبب أو المناسبة ، ولم يذكروا إلا ما كان من المسلمين الأوائل ، ومثل ذلك حدث فى الرمل فى الطواف ، فقد زالت العلّة وبقى الرمل ، وكذلك بحال البسملة ، ولذا نرى قراءتها ، وأنه ما من شىء يمنع ذلك ، وإنما هى زيادة فى البركة.

٧٧

والبسملة يجوز كتابتها فى أوائل الرسائل والكتب ، ورفض البعض ذلك فى الشعر ، وآخرون رسموا التسمية فى أول كتب الشعر. ثم إن المسلمين مندوبون للبسملة فى أول كل فعل ، كالأكل والشرب ، والنحر ، والجماع ، والطهارة ، وركوب المراكب والدواب إلخ ، قال تعالى : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) (١١٨) (الأنعام) ، وقال : (بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها) (٤١) (هود) ، وفى الحديث : «اغلق بابك واذكر اسم الله ، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله ، وخمّر إناءك واذكر اسم الله ، وأوك سقاءك واذكر اسم الله» ، وفيه : «إذا أراد أحدكم أن يأتى أهله قال بسم الله» ، وفيه : «يا غلام سمّ وكل بيمينك» ، وفيه : «فليذبح باسم الله» ، وفى الأوجاع قال : «وقل بسم الله ثلاثا ...» إلخ.

وبسم الله فيها رد على القدرية الذين يقولون إن الأفعال مقدورة علينا ، ومعنى بسم الله ، بتوفيقه وبركته. وتكتب «بسم الله» بدون ألف ، استغناء بالباء عن الألف ، لكثرة ترديد البسملة قبل الأقوال والأفعال ، بخلاف الآية : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (١) (العلق) ، فإن الألف ثابتة لم تحذف ، لأننا قليلا ما نستخدم هذه الآية.

وفى تشكيل «اسم» بعد الباء ، فيه الكسرة والسكون. وأصل «الاسم» اشتقاق من السمو ، لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه عن غيره ، والاسم إطلاقا سمى كذلك لأنه يعلو بقوته على قسمى الكلام : الحرف والفعل ، والاسم أقوى منهما. وقيل الاسم من السمة ، وحجة من قال بالاشتقاق من العلو ، ان اسمه تعالى لم يزل موصوفا بالعلو والسمو ، قبل الخلق ، وبعد وجودهم ، وعند فنائهم ؛ ومن قال إنه من السمة ، لأنه تعالى كان فى الأزل قبل الخلق والوجود ، فكان بلا اسم ولا صفة ، فلما خلق الخلق جعلوا له الأسماء والصفات. والأولون دلّوا بالاسم على الذات ، فالاسم هو المسمى ، والآخرون نفوا الصفات باعتبارها مدلولات للتسميات إلا الذات ، فالاسم غير المسمى ، فمن أثبت التسميات أثبت الصفات باعتبارها أوصاف الذات. وقولنا «بسم الله» يعنى بسم الإله ، وحذفت الهمزة وأدغمت اللام الأولى فى الثانية فصارتا «لاما» مشدّدة : «الله». وتسميته تعالى «الله» هو اسمه المختص به باعتباره الموجود الحق الجامع للصفات الإلهية ، والمنعوت بنعوت الربوبية ، والمتفرّد بالوجود الحقيقى ، ومعناه الذى يستحق أن يعبد ، مشتق من أله الرجل إذا تعبّد ، وتألّه إذا تنسّك ، فالله تعنى المقصود بالعبادة ، وقولنا لا إله إلا الله ، يعنى لا معبود إلا هو ، و «إلا» لا تفيد الاستثناء وإنما معناها «غير». فإذا كانت الله من إله ، فأصله أله «له» ، وأصل «له» " الهاء" التى تفيد الغائب ، باعتباره تعالى الموجود بالفطرة فى العقول ، ويشار إليه بالهاء ، يعنى هو صيغة الغائب الحاضر ، ثم زيدت لام الملك على الهاء

٧٨

فصارت «له» ، أى أنه الغائب مالك الملك ، ثم زيدت الألف واللام تعظيما وتفخيما فصارت «الله».

وقيل بل الله اسم أصلى ، والألف واللام فيه ليستا زائدتين ، والدليل على أنهما من بنية الكلمة ، جواز دخول حرف النداء على الله فى قولنا «يا الله» ، وحروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام المعرّفتين ، فلا نقول يا الرحمن ، أو يا الرحيم.

وفى قوله «بسم الله الرحمن الرحيم» : أن الرحمن والرحيم مشتقان من الرحمة ، فيقال الله رحمن بعبادة ورحيم بعباده ، ولكن العرب تعجبت من اسم الرحمن فى الآية : (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ) (٦٠) (الفرقان) ، وفى الآية : (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ) (٣٠) (الرعد) ، وقد جعل ذلك بعض المفسرين ممن يأخذون بالإسرائيليات ، يذهبون إلى القول بأن الرحمن اسم عبرانى وهذا سخف وباطل!! وفى التفسير : أن الرحمن مبالغة للرحيم ، والرحمن خاص بالله تعالى ، فلا يثنّى ولا يجمع كما فى الرحيم ؛ أو أن الرحمن والرحيم قد جمع بينهما للتوكيد من باب التفضّل بعد التفضّل ، والإنعام بعد الإنعام ، أو أن الرحمن خاص الاسم ، عام الفعل ، والرحيم عام الاسم ، خاص الفعل ؛ أو أن الرحمن اسم عام فى جميع أنواع الرحمة ويختص به الله ، والرحيم من جهة المؤمنين ؛ أو أن الاسمين رفيقان ، أحدهما أرفق من الآخر. والجمهور على أن الرحمن هو اسم الله الأعظم ، والرحيم صفة مطلقة للمخلوقين.

وفى رواية موضوعة عن عثمان فى تفسير النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم للآية : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ، ذهب إلى تفسير قلّده عليه الصوفية من بعد ، قال : «أما الباء بهاء الله وروحه ونضرته ، وأما السين فسناء الله ؛ وأما الميم فملك الله ؛ وأما الله فلا إله غيره ؛ وأما الرحمن فالعاطف على البرّ والفاجر من خلقه ؛ وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة».

وعن كعب الأحبار ـ وربما هو صاحب الحديث السابق أيضا ـ قال : الباء بهاؤه ، والسين سناؤه ، فلا شىء أعلى منه ؛ والميم ملكه وهو على كل شىء قدير فلا شىء يعاده.

وقيل : إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه ، فالباء مفتاح اسمه بصير ؛ والسين مفتاح اسمه سميع ؛ والميم مفتاح اسمه مليك ، والألف مفتاح اسمه الله ؛ واللام مفتاح اسمه لطيف ؛ والهاء مفتاح اسمه هادى ؛ والراء مفتاح اسمه رزّاق ؛ والحاء مفتاح اسمه حليم ؛ والنون مفتاح اسمه نور ؛ ومعنى هذا كله دعاء الله تعالى عند افتتاح كل شىء.

فكما ترى أن (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) : اصطلاح قرآنى أصيل ، له فلسفته وأصوله ، ومقاصده وغاياته ، ولم ينقل اعتباطا عن ديانة أخرى ، ولكنه الحسد ، وكما يقول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن اليهود والنصارى يحسدوننا على «بسم الله الرحمن الرحيم».

* * *

٧٩

١١١. قالوا : بسم الله سقطت من أول سورة براءة

ترد سورة براءة فى مصحف عثمان بدون (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ، وقيل لأنهم لما كتبوا المصاحف زمن عثمان اختلفوا فى سورتى الأنفال وبراءة ـ هل هما سورة واحدة أو سورتان؟ فالذين رأوا أنهما سورة واحدة لم يجعلوا (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فى أول سورة براءة ، والذين قالوا إنهما سورتان شرطوا أن تبدأ السورة بالبسملة كغيرها.

ولما سأل ابن عباس عليا فى ذلك قال : لأن البسملة أمان ، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان!! ـ وأقول : وهل ذلك مبرر أن تحذف البسملة من السورة؟

وما أكثر السور التى يأتى فيها ذكر القتال ، ومع ذلك تبدأ بالبسملة؟ فقول علىّ لا يستقيم. وقيل : إن براءة خلت من البسملة لأن الذين كتبوا القرآن لم يكونوا متأكدين : هل الأنفال وبراءة سورتان أم سورة؟ ـ وأقول : وما ذا فى البسملة يمنع أن توضع فى أول السورة طالما جعلت براءة سورة والأنفال سورة ، فنصحح بذلك قصورا فى عمل كتبة القرآن؟

وقيل : إن العرب فى الجاهلية إذا كان بينهم وبين قوم عهد وأرادوا نقضه ، كتبوا لهم كتابا ولم يكتبوا فيه البسملة ، فلما نزلت براءة بنقض العهد للكفّار ، قرأها عليهم علىّ ، ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم ـ وأقول : فنحن غير ملزمين باتباع علىّ فى ذلك ، أو تقليد العرب فى الجاهلية ، وهناك عهود أخرى نقضت ولم تحذف البسملة من سورها ، فلما ذا نفعل الغلط كغيرنا؟

وقيل : الأنفال من أوائل ما نزل ، وبراءة من آخر ما نزل ، وقصتاهما متشابهتان ، ومات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يبين للمسلمين أن براءة من الأنفال ، فظنوا أنها منها ، ثم إن عثمان فرّق بينهما ولم يكتب البسملة لذلك ـ وأقول : طالما لم يبين ، وهذه السورة من زمن ، والسورة الأخرى من زمن ثان ، فلا صلة بينهما ، فلما ذا تحكيم الظن ، والمنطق وواقع الحال يقضيان بغير ذلك؟

اعتقد أنه يجب التنويه والتصحيح.

* * *

١١٢. تعداد أسماء السور

لبعض سور القرآن أكثر من اسم ، وبعضها له اسمان أو أكثر ، كسورة البقرة : يقال لها أيضا فسطاط القرآن للمشابهة بينها وبين الفسطاط فى عظمته وبهائه ؛ والنحل : يقال لها سورة النّعم ، لأنه عدّد فيها النّعم على عباده ؛ وسورة الشورى يقال لها حم عسق ؛ وسورة الجاثية يقال لها سورة الشريعة ؛ وسورة محمد يقال لها سورة القتال. وهكذا.

٨٠

وسورة الفاتحة ، قيل : لها بضعة وعشرون اسما ، أشهرها أم القرآن ، وأم الكتاب ، والسبع المثانى ، والحمد ، والوافية ، والكافية ، والشافية. وهذه الاسماء الكثيرة لهذه السورة بمناسبة ما تحتويه من معان وموضوعات. غير أن كل سورة لها الاختصاص الذى سميت وعرفت به ، فسورة البقرة لقرينة ذكر قصة البقرة فيها ، وهى قصة عجيبة استحقت أن تسمى السورة بها ؛ وسورة النساء سميت كذلك لكثرة ما بها من أحكام النساء ؛ وسورة الأنعام لما ورد فيها من تفصيل عن الأنعام لم يرد بغيرها من السور ؛ وسورة ق سميت كذلك لتكرار كلمات بها بلفظ القاف ؛ وكذلك سورة ن ؛ وفى السور التى افتتحت بالحروف المقطّعة لوحظ أن هذه الحروف أو ما يماثلها هى أكثر ما ترد فى السورة.

* * *

١١٣. السؤال من علوم القرآن

السؤال استخبار ، من سأل أى استخبر واستعلم ؛ ومنه المسألة وهى القضية أو الدعوى ، والجمع المسائل وهى من أجزاء العلوم الثلاثة : الموضوعات ، والمبادئ ، ثم المسائل. ومنه المسئولية وهى التبعة على المسئول ؛ ومنه المساءلة. وباب السؤال فى القرآن من أوسع الأبواب وتشمله ٢٩ آية ، وكلها آيات تطرح إجابات ، فليس القرآن كتابا يثير أسئلة ويتركها معلّقة بلا ردود ، وليس كتاب أوامر ونواه ، الله تعالى والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيهما ، هما الآمران الناهيان اللذان لا رادّ لأمرهما ونهيهما ، وإنما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مبلّغ عن ربّه ، وهو تعالى يخاطب العقول والألباب والأفهام. والأسئلة فى القرآن لذلك أنواع ، فمنها الفلسفى الذى يدعو للتفكير وإعمال الأذهان ، كأن يكون السؤال تنبيه إلى ذات الله ، وبرهان على وجوده ووحدانيته ، كسؤال اليهود : (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً) (١٥٣) (النساء) وسؤالهم يدحض أنهم من العارفين كما يدّعون ، فالعارفون لا يسألون سؤالا كهذا فيظهر أنهم من الجاهلين ، والحكيم ينأى بنفسه أن يسأل فيما لا يفهم ، كقوله تعالى : (قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٤٧) (هود). وقد يكون السؤال للعلم به تعالى ، عن طريق الإلمام بصفاته كصفة القرب ، كقوله : (وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (١٨٦) (البقرة) ، والقرب هنا هو القرب المعنوى والقرب المكانى أيضا ، وهو تعالى قريب بعلمه ، يعلم السّر وأخفى ، وقريب بفضله ونعمه ؛ كقوله فى صفة الخلق : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٦١) (العنكبوت) ، وقوله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (٦٣) (العنكبوت) ، وقد جاء السؤال

٨١

للعاقلين وليس للغافلين ، ولأهل الحجى والبرهان وليس لأهل التباجح والبطلان ، فهل للكون من خالق سوى الله؟ وكما أنه الواحد فى ملكه فيكون الواحد فى عبادته ، فكيف يكون أحد ثلاثة كما يقول النصارى؟ وكيف يكون هو هذا الربّ الحقود الغيور الناقم الظالم الذى يتعبّده اليهود ، ولو كان كذلك لاختل الكون واضطرب ، ولما ارتفعت السماء وانبسطت الأرض. وطريقة القرآن فى السؤال والجواب ، هى الطريقة المثلى للعلم والمعرفة والتعليم ، والنبىّ خير معلّم ، والقرآن خير الكتب للتعليم ، وكان السوفسطائية يعلّمون فى اليونان بالأجر ، والعلم والمعرفة سلعتان بمنطق العصر ، وبلغة الاقتصاد والسوق ، وكان أحبار اليهود وقساوسة النصارى يتقاضون الأجور فى مجتمع مكة والمدينة ، ولكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث معلما بلا أجر ، أو أن أجره عند من بعثه ، وسؤال الأجر معنى آخر للسؤال ، كقوله تعالى : (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٧٢) (يونس) وهى إشارة إلى أن الداعى إلى الله لا ينبغى أن يتقاضى أجرا من مال أو دنيا لقاء دعوته وتعليمه ، والدعوة إلى الله عبادة وقربى اليه تعالى ، وتعليم القرآن بهذه المقولة من نوع التأديب لهم ، فمن الأسئلة ما لا ينبغى أن يوجّه ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (١٠١) (المائدة) ، وقوله : (فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) (٤٦) (هود) ، وكأنه تعالى ينهى عن السؤال ، مع أن السؤال عمدة التعليم فى الإسلام ، وهو أساس الحوار الذى هو منهج التعليم ، إلا أن الأسئلة قد تكون من باب الإعنات والعناد ، فتلك هى المنهىّ عنها ، وقد تكون للعلم والاستزادة منه ، ولترسيخ الإيمان ، ولاستجلاب اليقين ، وقطع دابر الشك ، وإنهاء العلم بالظن ، وهذه هى الأسئلة التى يجب أن يسألها المؤمنون ، وقد سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يطلبون العلم ، وسأله المكذّبون مكابرة ، وبعض ما قيل من أسئلة جاء بصيغة : (يَسْئَلُكَ) ، يقول (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ) (١٥٣) (النساء) ، و (يَسْئَلُكَ النَّاسُ) (٦٣) (الأحزاب) ، أو بصيغة (يَسْئَلُونَكَ) (١٨٩) (البقرة) وهى الصيغة الأغلب والأعم ، وتأتى اثنتى عشرة مرة ، وتوهم بالعدد الكثير للسائلين وتعظيم أسئلتهم ، وبعض السائلين كانوا أفرادا ، كسؤال عمرو بن الجموح ، أو عبد الله بن رواحة ، عن النفقة : كم تبلغ ، وإلى من تصرف؟ فكان الجواب على قدر السؤال ، فعدّد مصارفها ، قال : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (٢١٩) (البقرة) ، وقال : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (٢١٥) (البقرة) ، وقال : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ

٨٢

فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (٢١٥) (البقرة) ، وبعض السائلين كانوا اثنين كسؤال أسيد بن حضير وعبّاد بن بشير ، قال : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (٢٢٢) (البقرة) ، وسؤال عدى بن حاتم وزيد بن مهلهل ، قال : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) (٤) (المائدة). وبعض السائلين كانوا جماعة ، وقد يكونون من غير المسلمين ، كسؤال المشركين من قريش ، قال : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (٢١٧) (البقرة) ، فلما قتل لهم عمرو بن الحضرمى ، وكان ذلك فى أواخر شهر رجب ـ وهو من الأشهر الحرم ، سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أتجيزنّ القتال فى الأشهر الحرم؟ فسقط فى أيدى المسلمين ، وتفاءل اليهود أن تكون فتنة بين العرب جميعا ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالوا : واقد وقدت الحرب ، وعمرو عمرت الحرب ، والحضرمى حضرت الحرب ؛ فنزلت الآية عليهم أن الأكبر من القتال فى الشهر الحرام ، أن تصدّوا المسلمين عن المسجد الحرام أن يصلّوا فيه ، ويحجّوا إليه ، ويعتمروا ، وأن تعذّبوهم وتسجنوهم وتحبسوهم أن يهاجروا ، وأن تكفروا بالله ، وأن تخرجوا المسلمين من ديارهم وعن أموالهم وتفتنوهم فى دينهم.

وبعض السائلين للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانوا من اليهود ، قال تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ) (١٨٩) (البقرة) ، وكانوا بهذا السؤال يعترضون على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويتحدّونه أن يعرف الجواب ، والجواب عند الله تعالى فهو خالق الأهلة ، والله هو المعلّم للرسول وللمؤمنين ، والآية فيها الجواب على سؤالهم ، وفيها التعليم للمسلمين بأن الأهلة ـ هى الشهور أيضا ، لأن الأيدى تشهر بالإشارة إلى الأهلة لدى رؤيتها ، وهى مواقيت للحج وللناس تزول بها إشكالاتهم فى الآجال والمعاملات ، وعند الصوم والفطر ، وخلال الحمل ، وفى غير ذلك مما له صلة بمصالحهم ، وبها يعلم عدد السنين والحساب. وبمثل هذا النوع من الأسئلة أرغى اليهود والمشركون وأزبدوا ، واليهود بصفة خاصة ظهر منطقهم جليا فى مسألة الساعة ، وكتابهم يخلو من أى شىء عنها ، ولذلك كان إصرارهم وإلحاحهم أن

٨٣

يسألوا ويكرروا السؤال : متى هذه الساعة؟ قال : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (١٨٧) (الأعراف) فكان سؤالهم عنها عظيما كسؤالهم أن يروا الله جهرة ، فاستوجب الأمر أن يكون الجواب عظيما ، قال : (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي) ، فلما سألوا نفس السؤال ، كان سؤالهم هذه المرة استهزاء ، فكان الجواب عليه استهزاء مثله ، كقوله : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) (٤٥) (النازعات) ، فقوله (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها) كأنه تعالى يسأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فى أى شىء أنت يا محمد من ذكر الساعة والسؤال عنها؟ وأين أنت من الساعة ، وأين هم منها؟ وكأنهم لما سألوه ، سأل بدوره ربّه ، فأنكر عليه ما ليس له أن يسأل ؛ أو كأنه أنكر عليهم أن يسألوه هذا السؤال وليس هو ممن يعلمه ، والعلم بالساعة علم بالغيب ، ولا يعلم الغيب إلا الله ، فإن لم يعلم محمد عن الساعة فليس بالجاهل ، وإنما الجاهل من قصر علمه عن المعلوم لغيره ، والأنبياء دورهم فى الرسالة هو النذارة لمن يخافون الساعة ، ولذلك فهم يتّبعون الذكر ويخشون الله بالغيب ، واليهود والمشركون سواء ، فلا هم يذكرون ، ولا هم يخشون الله والآخرة ، ولذلك لا يجدى معهم أن يكون للسؤال جواب ، فلم يقل فى الجواب «قل» كغيره ضمن باب «يسألونك» ، واكتفى بالتبكيت والتوبيخ. ويعدّ باب «يسألونك» من أبواب السؤال الهامة ، ويحفل بالتعليم ، وفيه يعلمنا عن الغنائم أو الأنفال وغيرها ، كقوله : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ) (١) (الأنفال) ، (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) (٨٥) (الإسراء) ، وعن تاريخ بعض الشخصيات : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) (٨٣) (الكهف) ، وعن تكوينات الطبيعة فى الآخرة : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً) (١٠٥) (طه) ، وبعض ما نتعلمه من الغيب هو من أبواب التعلّم بالسؤال ، وبعضه من الفقه.

ومن أقوى الحجج فى القرآن أن يكون دحض الفرية أو إسقاط الحجة ، بإحالة صاحبها إلى شاهد يسأل فيها فيشهد بتهافت ما يقال ، وصيغة ذلك «اسأل» ، و «اسئلوا» كقوله : (فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ) (٩٤) (يونس) ، وقوله : (فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ) (١٠١) (الإسراء) ، وقوله : (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ) (١٦٣) (الأعراف) ، وقوله : (فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) (٦٣) (الأنبياء) ، وقوله : (سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) (٢١١) (البقرة).

ومن الأمثال الجارية مفتتحة بالسؤال ، قوله : (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٤٣) (النحل) ، وقوله : (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ) (٤٠) (القلم) ، والزعيم هو القائم بالحجة والدعوة. وفى مجال التبكيت والتوبيخ يأتى السؤال : (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ

٨٤

قُتِلَتْ) (٩) (التكوير) ؛ ومن ذلك النهى عن السؤال : (وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ) (١١٩) (البقرة) ، وكأن المعنى : لا تسأل عنهم لأنهم فى أسوأ حال :

ومن السؤال مبدأ المسئولية ، وهو من المبادئ التعليمية التى يقوم عليها الإسلام ، والإنسان فى القرآن مسئول عمّا يقول (لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ) (٥٦) (النحل) ، وعمّا يفعل : (وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٩٣) (النحل) ولا نسأل عن غيرنا فيما يخصّهم وحدهم : (وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٣٤) (البقرة) وأما ما يخصّنا ويخصّ الغير فنحن فيه شركاء فى المسئولية : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ) (٤٤) (الزخرف). وكل إنسان كما هو مسئول عن ذاته ، فهو كذلك مسئول عما آل إليه من أملاك الله : (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (٨) (التكاثر) ، لأنه المستخلف عليها استخلافه على الأموال ، وفيها حق لنفسه وللغير من السائلين والمحتاجين : (وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (١٩) (الذاريات) ، بل إننا لمسئولون عمّا نملك من أنفسنا : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) (٣٦) (الإسراء). ومصارف نصاب السائلين تعدّدها الآية : (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ) (١٧٧) (البقرة) ، ومسئوليتنا تتجاوز الماديات إلى المعنويات : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً) (٣٤) (الإسراء) ، وليس أقوى فى باب المسئولية من هذه الآية فى القرآن : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) (٢٤) (الصافات). والله أيضا مسئول : (لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً) (١٦) (الفرقان) ، ومسئوليته تعالى تجاه ذاته وليست تجاه عباده ، وهى مسئولية وعد وليست مسئولية مساءلة ، ووعده تعالى هو الوعد الحق ، فأمّا فعله وقوله ، والقول فعل ، فيصدق عليهما : (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) (٢٣) (الأنبياء) ، فلا يسأله شخص عمّا خلق ولما ذا خلق ، وهو يسأل الخلق عن عملهم ، ولا يؤاخذ على افعاله وهم يؤاخذون.

فهذا ما فهمنا ضمن باب السؤال من أبواب القرآن ، والحمد لله رب العالمين.

* * *

١١٤. ما أَدْراكَ وما يُدْرِيكَ فى القرآن

كل ما فى القرآن من قوله تعالى : (وَما أَدْراكَ) فقد أدراه ؛ وما كان من قوله : (وَما يُدْرِيكَ) فلم يدره. وتتكرر (وَما أَدْراكَ) فى القرآن ١٣ مرة ، وتتكرر (وَما يُدْرِيكَ) ثلاث مرات.

* * *

٨٥

١١٥. (ما كانَ) تأتى على وجهين فى القرآن

تأتى «ما كان» مرة على النفى ، كقوله : (ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها) (٦٠) (النمل) ، وقوله : (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) (١٤٥) (آل عمران) ، وتأتى مرة بمعنى النهى ، كقوله : (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ) (٥٣) (الأحزاب) ، وقوله : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) (١١٣) (التوبة).

* * *

١١٦. كل شىء فى القرآن قتل فهو لعن

هذا قول ابن عباس ، ومنه قوله تعالى (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) (١٠) (الذاريات) يعنى لعن الكذّابون المرتابون ، يقصد بهم الذين ينكرون البعث ؛ ومنه قوله : (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) (٢٠) (المدثر) ، يحكى عن الوليد بن المغيرة المخزومى ، أنه فكر فى أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقرآن ، وقدّر فى نفسه الردّ عليهما ، فملعون هو لعنا بعد لعن على ما فكر وقدّر ، كيفما كان تفكيره وتقديره ؛ ومنه قوله : (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) (٤) (البروج) ، وأصحاب الأخدود هم يهود نجران ، من أصحاب ذى نواس الذى أحرق نصارى نجران عند ما رفضوا أن يتهوّدوا ، وقوله : «فقتلوا دعاء عليهم ، بمعنى لعنوا ؛ ومنه قوله : (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) (١٧) (عبس) ، نزلت فى عتبة بن أبى لهب ، وقد كان آمن وارتد ، فأنزل الله : (قُتِلَ الْإِنْسانُ) ، أى لعن عتبة بكفره بالقرآن. وقال ابن عباس : ما كان فى القرآن «قتل الإنسان» فإنما عنى به الكافر. ولا أدرى لما ذا قال ابن عباس ذلك ، وكأنما هذا التعبير يتكرر فى القرآن ، مع أنه لم يأت فيه إلا مرة واحدة هى هذه التى فى سورة عبس؟

* * *

١١٧. كل ألم يسيروا فى الأرض دعوة للتفكير والتأمل

فى القرآن يأتى قوله : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) (١٠٩) (يوسف) ، ثلاث مرات ؛ وقوله : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) (١٠) (محمد) أربع مرات ، بمعنى الدعوة للنظر ، والتفكّر ، والتعقّل ، والتدبّر ، والاتّعاظ ، وكذلك يأتى قوله : (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا) (٣٦) (النحل) أربع مرات ، وقوله : (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا) (١٣٧) (آل عمران) ثلاث مرات ، وقوله : (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا) (١١) (الأنعام) مرة واحدة ، وكلها بنفس المعنى ، والسير ليس بقطع المسافات ولكنه بالنظر بالأبصار والقلوب والأذهان ، فالبصر ليدرك المشاهدات ، والقلب ليرى ما خلف ذلك من عبر وعظات ، والذهن ليعى الدرس فلا ينساه. وفى السير زيادة فى المعرفة ، وعقد للمقارنات ، وممارسة للاستقراء

٨٦

والاستنباط. والسيرة هى الهيئة ، والسنّة ، والطريقة ، والمذهب ، وهى حسن السلوك بين الناس ، ومنه قولهم : من طابت سريرته حمدت سيرته. والسيرة : القصة ، نقول سيرة عنترة ، أى قصته ؛ والسير والمغازى من أبواب الأدب فى الإسلام ، وقولهم الإنسان مخيّر لا مسيّر ، أى يذهب فى الحياة حسبما يختار لنفسه ، فلا جبر فى الإسلام.

* * *

١١٨. لو لا نزّل القرآن على محمد جملة واحدة!؟

يأتى فى التنزيل : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) (٣٢) ، والجواب فى نفس الآية : (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (٣٣) (الفرقان) وفى التفسير وأغلبه إسرائيليات تدعمها أحاديث منحولة ، أن التوراة والأناجيل نزلت جملة. والحقّ أن عبارات ما يسمى بالتوراة والأناجيل الحالية لم تخطر على رءوس مؤلّفيها : عزرا ، ومتّى ، ومرقس ، ولوقا ، ويوحنا ، إلا من بعد الأحداث التى وقعت لموسى وعيسى بزمان بعيد ، فبين كتابة أسفار موسى الخمسة ووفاة موسى نحو ٣٥٠ سنة ، وكذلك بين وفاة المسيح وكتابة الأناجيل ، ما يتراوح بين خمس وستين سنة ومائة سنة ، فربما يعنى أن المؤلفين وضعوا هذه الكتب مرة واحدة حكاية عمن سبقهم ، وهذا هو تفسير روايتها جملة واحدة ، وإلا فإن أحداث اليهودية والمسيحية وقعت لموسى وعيسى فى حينها ، وعالج كل منهما المناسبات بما يتلاءم معها من تشريعات وأقوال ، وحيا عن ربّهما. والقرآن نزل على محمد ، بألفاظه ، بطريق جبريل ، بلاغا عن ربّه ، منجّما ، أى متفرّقا على مدار الأيام والشهور والأعوام فى ثلاث وعشرين سنة ، بحسب الوقائع والحوادث ، وما يحتاج إليه الناس من الأحكام ، ليثبّت الله به قلب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيؤنسه على الدوام ، ويشدّ من أزر المؤمنين ، كقوله : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٨٢) (الإسراء) ، أى يذهب ما فى القلوب من أمراض الشك والنفاق ، والشرك ، والزيغ ، والميل ، وتتأتى رحمته مما يتحصّل لهم من الإيمان ، ويرين على أذهانهم ويطبع أفئدتهم من الحكمة ، كقوله : (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ) (٤٤) (فصّلت) ، يقول : (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (١٠٦) (الإسراء). ومن شأن التفريق تجديد الوحى ، وتيسير الحفظ والفهم على الناس ، فيتعرفون أحكامه كلما تنزّلت ، ويتداولون الحكمة فيها حتى يستوعبوها ، وتستغرقهم مواعظها ، فيرى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أثر تعليم الله عليهم ، فتنتعش نفسه ، وكلما جاء خصومه بمثل ـ أى حجّة ـ أتاهم بما يدحضها ، ليظهر ضلالهم ، ويكشف عن بطلانهم ، ويفضح عجزهم ، ويبين فشلهم وخذلانهم ، ومن شأن

٨٧

ذلك أن يشدّ من أزر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويرهف من عزم المسلمين. وجديد الكلام يقوّى أصحاب الحق ، وما أشبه القرآن بالسلاح فى يد الجندى ، فكلما أتى العدو بالجديد ، أتى الله المسلمين بجديد أحسن منه وأشد فتكا ، وإنما الفرق أن الحرب بالقرآن من قبيل ما يسميه علماء النفس حرب الكلام ، أو حرب الكلمات ، وحرب المنشورات والمؤلفات ، وأقوى ذلك هو الحوار وإن كان بين خصمين متباعدين. وأمريكا تفعل ذلك الآن بالجديد من المصطلحات ، مما يستغرق فكر المتفكرين لاستيعابه ، ويلهيهم عن الردّ عليه ، وما كان القرآن يمهل العدو إلا أن يفحمه بالحجة الداحضة والبرهان الساطع ، ولذلك كان نزوله متفرقا ، فكلما تلمّ الشدائد وتتعدّد أوقاتها نزل القرآن تسلية و «تعزية» للمسلمين ، كأن يورد حكايات عن المرسلين والأنبياء الأولين للمقارنة والمماثلة ، كقوله : (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) (١٢٠) (هود) ، أو يعظ نبيّه وينصح له ويعده النصر والتأييد والحفظ ، كقوله : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (٦٧) (المائدة) ، وقوله : (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) (٤٨) (الطور) ، وقوله : (وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (١٢٧) (النحل) ، وقوله : (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (٣٥) (الأحقاف) ، وقوله : (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) (١٣) (فصلت) ، وقوله : (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (٤٥) (القمر) ، وقوله : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ) (٨) (فاطر) ، وأمثال هذه المواقف ، أكانت الآيات المتعلقة بها ينزّلها جملة أم متفرقة؟ وكيف كان يقول له : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (٣) (الشعراء) قبل أن تكون هناك مناسبة مثل هذا القول؟ وكيف يسبق الأحداث وينزّل عليه آية كهذه : (وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٣٦) (الأنعام)؟ وإنه لأجود للقرآن أن ينزل لما يستدعيه فيكون معلّما للناس ، وتفرقته أيسر عليهم لحفظه واستيعابه ، والناس أوعى لما يحفظون ، وأمة الإسلام كانت أمية ، والحفظ لها أيسر ، فإذا فهموه سهل عليهم أكثر ، فكلما استوعبوا آية تهيئوا لاستقبال أخرى واستظهارها ، ومع المدة تنفك عن الناس عقائدهم القديمة ، وعاداتهم الرذيلة ، فيسهل تخلّيهم عنها ، وتتدرج الأمور معهم فيهون عليهم المهم ثم الأهم ، ومع التخلّى يكون التحلّى ، وما يزال ويمحى عنهم من الباطل ، يحلّ محله الجديد الحقّ ، فيطهّرهم بلا عنت ولا حرج ، ولذلك بدأت الدعوة بالتوحيد والإعلام بالبعث والحساب ، ثم فرضت الصلاة ،

٨٨

وبعد عام فرضت الزكاة والصيام ، ثم فرض الحج فى السنة السادسة. وحتى فى العادات بدئ بالصغائر وتدرّج الأمر إلى الكبائر ، ولقد كانت الخمر مستحكمة ومنتشرة ، فلم يحرّمها دفعة أو جملة ، وإنما على تفريق ، ونظّم الزواج والطلاق على مراحل. ولقد سأله اليهود عن مسائل لم يجب عنها دينهم ، فهل كان سيجيب عنها القرآن قبل أن تسأل ، فمثلا سألوه عن الروح ، فنزلت : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٥) (الإسراء) ، وسألوه عن اليتامى ، فنزلت : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى ...) (٢٢٠) (البقرة) ، وقد وردت فى التنزيل ضمن باب «يسألونك» خمس عشرة مسألة ، فالقرآن كان كتابا فيما يستجد من أقضية ووقائع ، وكان يجارى المجتمع فى عصره ، وآيات الإفك مثلا ما كانت تتنزل إلا فى وقتها ، وما كان التيمم يفرض إلا لمسبباته ، وكذلك سورة المجادلة فى المرأة التى تشتكى من زوجها ، وكانت هناك أخطاء ارتكبها المسلمون فنزل القرآن لتصحيحها ، ومفاهيم لم يخطر خطؤها على بال أحد ، فقوّمها وشذّبها القرآن وعدّل فيها ، وكان هناك منافقون أظهرهم الوقت ، وكشفتهم الأحداث ، فأظهر القرآن مخبوأهم ، وهتك أستارهم كما فى سورة التوبة. ثم إن نزول القرآن مفرّقا أبان أنه كتاب لم يؤلّفه محمد ، فكان منذ البداية وحتى انقضاء السنوات الثلاث والعشرين مدة نزوله ـ بنفس الأسلوب المحكم ، والسبك الدقيق ، والإعجاز المبهر ، والتناسق البديع ، والنظم المتين ، فأشهد أنه قد تنزّل من لدن عزيز حكيم ، كقوله تعالى : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) (٨٢) (النساء) ، والقرآن على ذلك برهان من براهين إثبات وجود الله ، كقوله : (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (٦) (الفرقان) ، ولا يعلمه إلا هو الواحد الأحد الذى لا شريك له.

* * *

١١٩. القرآن محدث ولكنه غير مخلوق

نعت الله تعالى القرآن فى الآية (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) (٢) (الأنبياء) بأنه ذكر محدث ، والذكر هو ما يذكّرهم به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مما يتنزل عليه من ربّه ، ومحدث يعنى كان تنزّله سورة بعد سورة ، وآية بعد آية ، وفى وقت بعد وقت ، ولا يعنى ذلك أن القرآن مخلوق. ووعظه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكر محدث من ربّه ، لأنه لا ينطق إلا بالوحى ، والذكر يتجدّد ، وكلما جدد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذكر استمروا على عدم الإنصات والاستماع ، وأنكروه وجحدوه ، وتشاغلوا عنه بالقدح فيه والاعتراض عليه ، وبقوا على حالهم من الجهل به يستهزءون ، ومع كل محدث وجديد يتناجون بالتكذيب ، وما أثيرت قضية المحدث

٨٩

والمخلوق إلا لأنهم كان يغيظهم من القرآن أن يذكروا فيه ، وأن يتحدّث بقضاياهم ، فكانوا يريدونه جملة واحدة ، وأن يكون مخلوقا وانتهى منه ، لكى يسقطهم من حسابه ، فلا توبيخ ولا تقريع لهم.

* * *

١٢٠. القرآن ليس محدثا

من يسمع قوله تعالى : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ) (٢٣) (الزمر) ، وقوله : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (٥٠) (المرسلات) ، وقوله : (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ) (٥٩) (النجم) ، وقوله : (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (٦) (الكهف) ، وقوله : (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) (٤٤) (القلم) قد يظن أن الحديث من الحدوث ، وإذن يكون كلامه تعالى فى القرآن كلاما محدثا ، وذلك وهم ، لأنه تعالى لا يريد لفظ الحديث على ما فى قوله : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) (٢) (الأنبياء) ، يعنى أن هذا المحدث كان نزوله توا ، وليس قديما ، وطالما أنه ذكر ، أى أنه يتنزل فى مناسبات يذكّر بها ، وكل ذكر محدث ، لأن وقائع الأحداث التى يتناولها لها ملابساتها التاريخية. والصحيح أن كلام الله ليس محدثا ، لأنه صفة لذاته تعالى ، وذاته تعالى قديمة. وعلمه تعالى بهذه الأحداث علم قديم وليس جديدا. والقضية إذن محسومة ، بسبب علمه تعالى المطلق ، الشامل للقديم والجديد ، وبذلك تكون قضية المحدث والقديم قضية مفتعلة ، ولا تعنى شيئا فى الحقيقة ، وأول من أظهرها الجعد بن درهم ، وبشر بين غياث المريسى. وكان المعتزلة يقولون إذا كان القرآن غير محدث فكيف نفسر ما فيه من الأوامر والنواهى وهى محدثة؟ والسلف على الرأى المخالف ، واعتقدوا ظاهر ما ورد فى القرآن ، والتزموه من غير تكلّف التأويل وإخراج الألفاظ عما وضعت له ، إلا إذا وضحت القرينة فى المجاز ، من غير سباحة فى اليابسة ، بتسليط العقل فيما لا مراد فيه. وفى الصدر الأول من الصحابة والتابعين لم يثر أحد مسألة إحداث القرآن وأنه مخلوق أو غير مخلوق مما أثير بعدهم ، ولم يؤثر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم معنى من المعانى التى اخترعوها لإثبات ما رأوه. والخلاصة : أن هذه القضية لا أساس لها ؛ وليست من الفلسفة فى شىء ، والغاية من إثارتها هو بلبلة فكر العامة خصوصا ، وزعزعة إيمانهم ، وتشكيكهم فى دينهم ، وحسبنا الله.

* * *

١٢١. هل كلمة فرقان عبرية؟

المشكلة مع المستشرقين هو تحاملهم المزرى وتعصّبهم المقيت ، ومن هؤلاء جيجر

٩٠

اليهودى صاحب كتاب : «ما ذا اقتبس محمد من اليهودية؟» ونولدكه النصرانى ، وشفالى ، وهيرشفيلد ، وهوروفيتس ، وآرثر جيفرى ، وآخرون كثيرون ، قالوا جميعا إن كلمة فرقان العربية الواردة فى القرآن هى نفسها كلمة «فرقانا» السريانية ، واستخدمها محمد فى القرآن بنفس المعنى المستخدمة فيه الكلمة المقابلة فى العبرية ، فكأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان مطّلعا على اللغتين السريانية والعبرية ، وضليعا فى مصطلحاتهما الدينية!!

ونسأل : ولما ذا يلجأ إلى المصطلحات غير العربية ، ويحاول تطويعها للّسان العربى وكلمة فرقان العربية تغنيه عن ذلك ، وكانت معروفة فى اللسان العربى قبل نزول القرآن؟ وفرقان من فرق والمصدر فرقان ، بمعنى فصّل وميّز أحدهما عن الآخر ؛ نقول فرق بين الخصوم ، أى حكم بينهم وفصل. وفى القرآن يأتى منها ستة عشر اشتقاقا ، كقوله تعالى : (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ) (٤) (آل عمران) ، وقوله : (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) (١) (الفرقان) فسمّى الله تعالى القرآن فرقانا ، بما يحوى من حجج وبيّنات ، ودلائل واضحات ، وبراهين قاطعات. ومرة تأتى لفظة فرقان بالإضافة ، كقوله : (وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) (٤١) (الأنفال) ، ويوم الفرقان هو يوم بدر ، فرق الله فيه بين الحق والباطل ، وبين الهدى والضلال ، وهو أول مشهد شهده الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان ذلك ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان. ومرة تأتى فرقان كوعد للمؤمنين ، كقوله : (إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) (٢٩) (الأنفال) أى عرفانا ، تفرقون به بين الحق والباطل. ومرة تأتى كدعاء ، كقوله تعالى : (فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ) (٢٥) (المائدة) يعنى اقض ، وافتح بيننا وبينهم ، كما قال الشاعر :

يا رب فافرق بينه وبينى

أشد ما فرقت بين اثنين

ومرة تأتى كوصف للحال ، كقوله : (فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (٩٤) (طه) أى أشعت الفرقة فيهم ، وكقوله : (فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً) (١٥٩) (الأنعام) ، بمعنى فارقوه ، وصاروا فرقا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات ؛ وقوله : (فَالْفارِقاتِ فَرْقاً) (٤) (المرسلات) تفرق بين الحق والباطل ، والهدى والغى ، والحلال والحرام. وأمثال هذه الاشتقاقات تتكرر اثنتين وسبعين مرة. وأما كلمة الفرقان نفسها فتأتى سبع مرات ، مرتين فيما أنزل الله على موسى وهارون ، فى قوله تعالى : (وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (٥٣) (البقرة) ، وقوله : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) (٤٨) (الأنبياء) ، فالكتاب هو التوراة ، والفرقان هو المعرفة بالتمييز. وفى كل هذه الاستخدامات فى القرآن ، يأتى المعنى المشترك فيها جميعا هو «التفرقة بين الحق والباطل» ؛

٩١

وأما كلمة فرقاناFurkana السريانية بمعنى Yesha العبرية ، فمعناها الخلاص Erlo ? sung كما فى الألمانية ، وSalvation كما فى الإنجليزية ، وSalut كما فى الفرنسية ، وما أبعد المسافة بين المعنى العربى للمصطلح ، ومعانى الألفاظ الأجنبية؟! ومن ثم كان افتئات المستشرقين البيّن ، وحمق ما ذهبوا إليه ، وتخبّطهم فما يدرون كيف ينتقدون القرآن ويطعنون الإسلام ، كالذى يتخبّطه الشيطان من المسّ ، فضلّ عنهم ما كانوا يفترون ، فاحذرهم يا أخى المسلم فهم العدو ، واذكر قوله تعالى : (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (١٢٠) (البقرة) ، ولا تتخذ منهم مرجعا ليعلمك ، فهؤلاء لن يألونك خبالا ، والله المستعان.

* * *

١٢٢. الكتاب المبين والقرآن المبين

يأتى عن القرآن أنه الكتاب المبين ثمانى مرات ، كقوله تعالى : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) (١) (يوسف) ، والكتاب هو القرآن ، وفى الآية يجمع بين الصفتين ، بأنه قرآن ، وأنه كتاب ، لأنه ما يظهر بالكتابة ، وما يظهر بالقراءة. وفى سورة أخرى قال تعالى : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (١) (الحجر) ، فأخرج الكتاب بلفظ المعرفة ، والقرآن بلفظ النكرة ، وذلك لأن القرآن والكتاب اسمان يصلح لكل واحد منهما أن يجعل معرفة ، وأن يجعل صفة ، ووصفه بالمبين ، لأنه بيّن فيه أمره ونهيه ، وحلاله وحرامه ، ووعده ووعيده ، وحدوده وأحكامه ، وهداه وبركته.

* * *

١٢٣. تلك آيات الكتاب المبين

تتكرر هذه العبارة فى القرآن أربع مرات ، كما فى سورة يوسف الآية ١ ، يشير «بتلك» إلى ما وعد الله تعالى به من الآيات يتكون منها القرآن ، وتلك بمعنى هذه. وقيل :

إن «تلك الآيات» كان الله تعالى قد وعد بها فى التوراة وأنزلها لذلك فى القرآن ، وهذا تفسير من الإسرائيليات ، لأنه لا شىء من ذلك فيما يسمى الآن باسم التوراة.

* * *

١٢٤. لما ذا القرآن لسانه عربى وأحكامه عربيه؟

يأتى فى القرآن ثمانى مرات أن القرآن عربى اللسان ، ففي سورة يوسف يقول تعالى : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٢) ، واللغات تتفاضل كتفاضل الناس والأماكن والأيام والشهور والسنين ؛ ولغة العرب هى أوسع اللغات مفردات ومفاهيم ، وتراكيبها أبين التراكيب ، وعباراتها ومصطلحاتها هى الأفصح

٩٢

والأوفى ، وهى اللغة الأكثر تأدية للمعانى التى تقوم بالنفوس ، ولهذا أنزل بها أشرف الكتب وهو القرآن ، بأشرف اللغات ، وعلى أشرف الرسل ، بسفارة أشرف الملائكة وهو جبريل ، وكان ذلك فى أشرف بقاع الأرض مكة ؛ وابتدأ نزوله فى أشرف شهور السنة رمضان ، فكمل من كل الوجوه. وفى سورة الرعد يأتى قوله تعالى : (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا) (٣٧) ، أى أنزلنا القرآن محكما معرّبا : (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (٤٢) (فصلت). ويأتى فى سورة طه : (وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً) (١١٣) ، فلما كان يوم المعاد والجزاء واقعا لا محالة ، أنزل الله القرآن عربيا للعرب أصلا ، متضمنا الكثير من الوعيد والنذير ، لعلهم يعقلون ما فيه ، ويتدبرونه ، ويتذكرونه فيتقون. ويأتى فى سورة الزمر : (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٢٨) ، وأمثلة القرآن يضربها الله تعالى للناس ، تبيانا لكل شىء ، ومن باب تشبيه المجرّد بالمحسوس ، وجاء القرآن بالعربية التى لا لبس فيها ولا اعوجاج ولا انحراف ، حتى تكون مراعاته فى متناول مفهوم الجميع. وفى سورة فصلت قال تعالى : (كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٣) ، أى بيّنت معانيه ، وأحكمت أحكامه ، وكانت لغته عربية لتبيّن وتوضح. وقال فى سورة الشورى : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (٧) ، أى جعل الله لغته العربية الجلية ليكون الإنذار بها لأمّ القرى وما حولها ، وهى مكة وأرباضها وسائر البلاد ، جنوبها وشمالها ، وشرقها وغربها ، ينبّه إلى يوم القيامة الذى يجمع فيه الأولون والآخرون. وهذه إذن أسباب النزول بالعربية ، لأنها لغة بيان ، فيكون فهم الناس كافة لمعانى القرآن فيتدبرونه.

* * *

١٢٥. لغة القرآن لغة قريش

اللغة العربية هى لغة القرآن ، وكان نزول القرآن بها ضمانا إلهيا ببقاء اللغة العربية ، كقوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (٩) (الحجر). وكغيرها من اللغات مرت اللغة العربية بأطوار ، ولم تكن فى مراحلها الأولى على الصورة التى عليها الآن ، وكانت لها لهجات مثلما لها لهجات الآن ، باختلاف الشعوب والقبائل العربية ، وإختلاف الحواضر والبوادى ، ومن ذلك قديما نطق اللام بالميم ، ومنه حديثا نطق السين شينا ، وكانوا قديما ـ وما يزالون ـ ينطقون الكاف شينا ، كقولهم عيناش بدلا من عيناك. وكانت للكلمات

٩٣

دلالات بحسب الاستعمال ، فصارت لها دلالات أخرى وافدة مع التطور. وقديما كانت من معانى كلمة «أدفأ» القتل ؛ فصارت إلى معنى استجلاب الدفء ، وتعددت المعانى لكلمة عين ، فصار منها الجاسوس ، وأعيان القوم هم كبراؤهم ، وكانت العين قاصرة على آلة البصر وعلى البئر. وبالتلاحم ، والتقارب ، والتصاهر بين القبائل ، والتجارة بين الناس ، تواجدت لغة مشتركة يقاس إليها حسن القول ، ولم تتوفر هذه اللغة إلا لقريش ، لأنهم سكان مكة حيث الكعبة يتوافد عليها العرب جميعا للحج ، فكانت مكة لهذا مركزا للتجارة ، ومجمعا للقبائل ، ينطلقون منها فى رحلتى الشتاء والصيف. وكان القرشيون أهل حكمة ووقار ، ويتحاكم إليهم المختصمون ، ويقيمون الأسواق كسوق عكاظ ، وفيها تعقد المضاربات ، والمباريات فى الشعر والخطابة بلغة قريش ، ولم يكن بهذه اللغة عيوب لهجات البدو ، كالعنعنة عند بني تميم ، والتلتلة عند البهراء ، والكشكشة عند ربيعة ، والكسكسة عند مضر ، والعجرفة عند الضبة ، والاستنطاء عند أهل اليمن ، والعجعجة عند قضاعة. ولم يكن القرشيون على مقربة من شعوب أخرى تؤثر على نطقهم وتدخل عليهم الغريب ، فكانوا بعيدين عن لغات الأعاجم ولم يخالطوهم ، فسلمت لغتهم ، وذلك معنى قول أبى بكر : وقريش هم أوسط العرب فى العرب دارا ، وأحسنهم جوارا ، وأعربهم ألسنة».

* * *

١٢٦. الألفاظ الأعجمية : ما حكايتها فى القرآن؟

وإلحاقا بما سبق ، فإذا كان القرآن عربيا مبينا ، لما ذا هذه الألفاظ الأعجمية التى يزعم البعض أن القرآن يحفل بها؟ وحكاية هذه الألفاظ بزعمهم أن أعجميا كان يعلّم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولقد أجبنا على هذا الزعم الأخير ضمن «باب النبوة والقرآن» ، وبقيت حكاية الألفاظ الأعجمية. ومن الغريب أن هناك من المسلمين من أخذ عن اليهود ، وذهب مذهبهم ، وردد أقوالهم ، مثل : عبد الله بن عباس ، وتلميذه عكرمة ، وهذان اشتهرا بالإسرائيليات ، وتفسيرهما لآيات القرآن فى الكثير خاطئ أيما خطأ. ومن الذين ذهبوا إلى إثبات الكلمات الأعجمية بالقرآن الزركشى ، وقد جمع منها خمسا وعشرين كلمة ، وكذلك السيوطى جمع منها ١١٩ كلمة ، وغير هؤلاء تاج الدين السبكى ، وابن حجر ، والأول زعم أن كلمات القرآن الأعجمية ٢٧ كلمة ، والثانى زعم أنها ٢٤ كلمة ، وأضاف الدكتور عبد الرحمن بدوى إلى ما سبق سبع كلمات أخرى ، وكل هؤلاء ذهبوا إلى القول أن هذه الكلمات مصادرها يونانية ، ولاتينية ، وعبرية ، وسريانية ، وآرامية ، وقبطية ، وهندية ، وحبشية ، ونبطية ، وتركية ، وبربرية ـ ويسمونها أحيانا لسان أهل المغرب ، وأحيانا لسان أهل إفريقيا ، أو

٩٤

لغة الزنج. وأطلق المستشرقون على هذه الكلمات مرة اسم الكلمات الأجنبية ، ومرة اسم المفردات المحولة عن الأصل ، ومرة اسم الكلمات الخليط ، وذهب أحدهم وهو «منجانا» ، إلى زعم أن السريانية طبعت الأسلوب القرآنى بأسره! ولم يكن أىّ من هؤلاء من علماء اللغويات ، ولم يعرف عن عبد الله بن عباس ، ولا عكرمة ، معرفته بأىّ من اللغات الأجنبية ، وإنما أحبار اليهود فى المدينة ـ وهم الذين كان يستقى منهم إسرائيلياته ـ أعلموه بما قال ، فردد ما قالوا ، وهو ما فعلوه أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وردّ عليهم الله فيما أوردنا من آيات. وتخريج المستشرقين لهذه الكلمات عن غير أصول عربية فيه افتئات واعتساف ، والتشابه بينها بعيد الإمكان ، فما دخل كلمة مثل Justidia اللاتينية بالعدل العربية ، أو كلمة قسطاس العربية بكلمةdikastes اليونانية بمعنى قاض. وقسطاس معناها الميزان ، ومنها قسط يعنى عدل ، والمقسط من الأسماء الحسنى لله تعالى ، ولا عبرة بأن تكون قسطاس نهايتها بالسين على طريقة العرب فى ترجمة الألفاظ اليونانية ، كسقراط يقولونها سقراطيس! ولو كان قسطاس وقسط غير عربيتين ، فلما ذا أتيا فى القرآن بمختلف أشكال التصريف ، فقال تعالى : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) (٣) (النساء) ، وقال : (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٩) (الحجرات) ، وقال : (ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ) (٢٨٢) (البقرة) ، وقال : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١٨) (آل عمران) ، وقال : (وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) (١٨٢) (الشعراء) ، وفى قوله تعالى : (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) (١٤) (الجن) ، والقاسط هو الجائر عن الحق الناكب عنه ، بخلاف المقسط وهو العادل ، كما فى قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٩) (الحجرات). ولو كانت الكلمتان غير عربيتين ، أكان يكثر استخدامهما بهذا الثراء والتوسع؟ والمعول عليه فى كل اللغات أنه إذا تشابهت كلمتان فى لغتين وأحببنا أن نعرف أيهما الأقدم ، وأى اللغتين اقتبست عن الأخرى ، فإننا نتابع استخدامات الكلمة واستعمالاتها فى اللغتين ، وفى كلمتى قسطاس وقسط لا يوجد مثل هذا الاستخدام والاستعمال الثرى فى أى من اللغات التى قيل إن القرآن اقتبس منها. والاستخدام الكثير للكلمة وتصريفها على مختلف وجوه الصرف ، هما الفيصل فى اعتبارها من الكلمات الأصول فى اللغة أو الكلمات المستوردة.

وكلمة أخرى هى برج ، قيل أصلهاburgus اللاتينية ، فهل للكلمة اللاتينية مثل الاستخدامات والاستعمالات والتصريفات التى للكلمة العربية؟ ومن استخداماتها مثلا : برج يعنى ظهر وارتفع ، وبرجت العين بمعنى أحدق بياضها بالسواد كله ، وبرج فلان بمعنى

٩٥

تباعد ما بين حاجبيه ، فهو أبرج ، وهى برجاء ، والجمع برج ؛ ونقول أبرج بمعنى بنى برجا ، وأبرج الله السماء أى جعلها ذات بروج وزيّنها بالكواكب ، وتبرّجت السماء تزيّنت بالكواكب ، وتبرّجت المرأة أظهرت زينتها ، والبرج الحصن ، والبيت يبنى على سور المدينة ، وبروج السماء اثنا عشر ، وبرج الحمام مسكنه يأوى إليه ، والبارجة الذى يعرف بشرّه ، والبرج ظهور الجمال وحسن الوجه ، ومن ذلك الكثير فى لغة العرب. ومن القرآن من مادة برج يأتى قوله : (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى) (٣٣) (الأحزاب) ، وقوله : (غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ) (٦٠) (النور) ، وقوله : (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (٧٨) (النساء) وقوله : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) (١) (البروج) ، ولذلك أرى أن الدكتور عبد الرحمن بدوى الذى جعل لكلمة برج العربية أصلا لاتينيا قد أخطأ خطأ شنيعا. ومن مثل ذلك قوله إن كلمة كهف من Cavea وكلمة صراط من Strata ، من أصول لاتينية وهما كلمتان دارجتان فى العربية ، وتستخدمان يوميا. وتأتى كهف فى القرآن ست مرات فى سورة الكهف ، كما تأتى صراط ٤٥ مرة! والملاحظ فى علم اللغات أن الكلمة المستوردة (بفتح الراء) لا ترد فى اللغة المستوردة (بكسر الراء) بهذه الكثرة ، وفى كتاب واحد كالقرآن. وكلمات مثل : قنطارquintale ، ومجوس ، وعدن ، ومرجان ، وياقوت ، ويهود ، وآزر ، وجبريل ، وميخائيل ، وإسرافيل ، وعزرائيل ، وإسرائيل ، وعمران ، ودينار ، ودرهم ، واستبرق ، وسندس ، وطور ، ورقيم ، ونصارى ، وعيسى ، ونوح ، وإبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، ويوسف ، وإدريس ، ويونس إلخ ، من الممكن أن تكون لها أصول غير عربية ، ومن نبت ثقافات أخرى ، ولكنها دخلت فى المصطلح العربى بحكم الاطّلاع على تلك الثقافات ، وما دامت الإشارة إلى تلك الثقافات فلا بد من اللجوء إلى مصطلحاتها ، ولا تثريب فى ذلك. والتلاقح الثقافى ، والتثاقف ، من مفردات علمىّ الاجتماع والأنثروبولوجيا ، وفى القرآن عن ذلك : (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا) (١٣) (الحجرات) ، والتعارف بين الشعوب يترتب عليه التلاقح الثقافى ، ومن غير المعقول أن أعرّب اسم تشرشل ، أو هتلر ، أو لندن ، ولم يحدث أن نقل الإنجليز أو الفرنسيون كلمة مثل : مسلم ، أو شافعى ، أو حنفى إلى لغاتهم بترجمتها ، وإنما هم يوردونها بأشكالها ومعانيها. ومن الغريب أن يزعم الزركشى أن كلمة مثل طفق يونانية ، وأن أليم بمعنى موجع عبرية ، وأن كفلين ، وناشئة الليل حبشيتان ، وكذلك قسورة بمعنى أسد ، ومشكاة بمعنى طاقة ، وأن سندس هندية؟! ولم يحلنا الزركشى إلى أصول هذه الكلمات ، وهل كان يعرف هذه اللغات؟ وأى هندية يقصد ، فلغات الهند كثيرة تزيد على المائة والخمسين؟

٩٦

وحتى إذا كانت هذه الكلمات وغيرها من أصول غير عربية ، فما ذا يعيب أى لغة فى ذلك ، وكل لغات العالم بها المستورد والأصيل؟ أم أنهم يقصدون بذلك ، إلى أنه طالما أن هذه الكلمات غير العربية فى القرآن ، فالقرآن كاذب فى قوله : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٢) (يوسف) ، وقوله : (قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (٢٨) (الزمر) ، وقوله : (وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا) (١٢) (الأحقاف)؟ ثم إنه كاذب إذ ينفى عنه العجمة فى قوله : (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا) (٤٤) (فصلت)؟! فذلك هو مرادهم وليس مجرد البحث العلمى ، ولو كانت هذه الكلمات وغيرها من أصول غير عربية ، فإنما استخدمها القرآن لأنها صارت عربية بالاستعمال ، وفى النظريات الحديثة فى اللغويات فإن أصالة الكلمة تقاس باستخداماتها ، والكلمة المستعملة أصل من الأصول اللغوية ، والقواميس فى اللغات الأوروبية توضع بحسب الشائع المستعمل يوميا من الكلمات ، شكلا ، ونطقا ، ومعنى. والعرب إن استخدموا هذه الكلمات فى كتاباتهم ومحادثاتهم ، فإنما لأنها رسخت فى وجدانهم وعقولهم ، وتجنّست بالجنسية العربية. وكلمات مثل سلسبيل ، وسنا ، وسيد بمعنى زوج ، وشطر ، وصلات ، وطوبى ، وغساق ، وفردوس ، وقوم ، وقراطيس ، وقسورة ، وقمل ، والقيوم ، وكنز ، ولينة ، ومتكأ ، وراعنا ، ودرست ، والتنور ، وحدب ، وجهنم ، والجبت ، وأوّاب ، وأسباط ، وأبّ ، وأرائك ، جميع ذلك كلمات عربية قحّ ولم تؤخذ من أى لغة كانت ، بخلاف ما ذكر السيوطى فى كتابه «المهذب فيما وقع فى القرآن من المعرب» ، وهذه الكلمات فى رأيه معرّبة ، وفى رأينا هى كلمات عربية لها مشتقاتها واستخداماتها ومعانيها ، وعلى عكس ما ذكر السيوطى ، فقد راجعناها عند أصحاب هذه اللغات التى زعم أنها أصولها ، فلم نجدها عندهم. ومن الكلمات التى زعم أنها قبطية وراجعتها على أساتذة هذه اللغة فى مصر : وراء ، وهيت لك ، ومناص ، واليمّ ، وقطّنا بمعنى كتابنا ، وطور ، وسنين ، والأولى والآخرة ، وأكواب ، فتبين كذب هذا الزعم ، كما تبين أن دفاع الدكتور عبد الرحمن بدوى المزعوم عن القرآن دفاع متهافت ، وكان الأحرى به أن يطالع هذه الألفاظ فى لغاتها المزعومة ، ويطالعها فى المعاجم والقواميس العربية ليعرف أنها عربية صميمة.

وكان الطبرى على القول بأنه لا وجود لألفاظ غير أعلام من غير كلام العرب فى القرآن. وأما أن توجد بعض ألفاظ غير الأعلام فى القرآن ، وفى العربية عموما ، وفى لغات أخرى غير العربية ، فإنما ذلك لأن اللغة العربية وغيرها من اللغات تستقى ربما من أصول واحدة تأخذ عنها جميعا ، ونحن نعرف أن علماء اللغات يقسمونها إلى أصول ،

٩٧

ويقولون بتشابه اللغات التى تندرج معا فيما يسمى باللغات السامية ، كما تتشابه اللغات التى تنتمى إلى مجموعة اللغات الهند وأوروبية. وكلمة مثل «العرب» التى تطلق على الجنس العربى ، وعلى الشعوب العربية ، أصلها من لغة أم ، كانت العربية أهم روافدها ، واشتق الاسم نسبة إلى يعرب بن قحطان ، أو نسبة إلى بلادهم العربات ، ومنهم العرب العاربة أى الخلّص ، والعرب المستعربة أى الذى تجنّسوا من غير العرب بالجنسية العربية وصار لسانهم عربيا ، وهؤلاء جلبوا بعض الأسماء معهم من ثقافاتهم وأدخلوها إلى العربية ، كما أن العرب العاربة كانوا «رحلا» يشتغلون بالتجارة وغيرها ، فكانوا يحتكون بغيرهم ، ويعرفون عنهم ، ويصاهرونهم ، وروى القرآن عن رحلة قريش فى الشتاء والصيف إلى الشام وغيرها ، فكان العرب يخالطون سائر الألسنة ، وكثر الموالى من غير العرب ، ومن المحتم أن يتأثر اللسان العربى بألسنة الموالى. ونعلم من التاريخ العربى كثرة هجرة العرب إلى الحبشة ، وهناك من المورخين من غير العرب ينسبون الأصول العرقية وراء حدود الجزيرة العربية إلى العرق العربى ، فكلما كثر عدد العرب بالجزيرة كان ذلك إيذانا بهجرة إلى خارجها ، ولم تكن الفتوحات العربية إلا هجرة كبرى من هذه الهجرات المتوالية ، والقرآن قنّن الهجرة بقوله : (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) (٩٧) (النساء) ، وحضّ عليها فقال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) (٧٢) (الأنفال) ، وكانت الهجرة فى الشعوب السامية ، ومعنى العبرانيين أنهم المهاجرون المرتحلون ، وكان إبراهيم ولوط وإسرائيل من الذين هاجروا ، وفى الهجرات يتمثّل الأفراد ثقافات الآخرين ، وتغلّبت ثقافة الغزاة ، ولذلك طبعت العربية بلاد الإسلام بالطابع العربى ، وفى العصور الوسطى انتقلت الكثير من المصطلحات العربية إلى اللغات الأوروبية ، ولا تثريب فى ذلك ، وقد تنتقل حتما مصطلحات وألفاظ غير عربية إلى العربية ، ولو قلنا إن القرآن به مصطلحات غير عربية ، وحسبنا ذلك عيبا فيه ، لكان العيب فى فهمنا نحن لقوانين الحضارات والثقافات. وفى المصطلح الإنجليزى مثلا يوجد لفظanglicize ، وترجمته يؤنجلز ، كقولنا يعرّب ، وفى كل اللغات تأخذ إحداها من الأخريات ولكنها تطبع naturalize ما تأخذ بلسانها ، وفعل العرب نفس الشيء ، وكانوا يطبعون الكلمات الأعجمية بالطابع العربى ليخففوا من عجمتها ، وهذه هى الكلمات التى لم يكونوا ينوّنونها ، وهى أسماء غالبا ، إلا أن هذه الكثرة من الكلمات التى يقول المستشرقون والشعوبيون أن القرآن يحفل بها إنما هى عربية صميمة ، مثل كلمة «فاطر» التى ادّعى ابن عباس أنها غير عربية ، فلما ذا لا يكون العكس ، ويكون وجود هذه الكلمات فى اللغات

٩٨

الأخرى نتيجة لغلبة العربية كرافد حضارى وافد ودخيل على هذه اللغات؟ والغزو العربى لبلاد هذه اللغات لم يأت فجأة ، فلا بد أنه كانت له إرهاصات ، وأن العرب كثروا بهذه البلاد حتى صار للسانهم تأثير فى أهلها. ولا معنى للقول بأن العرب تتخاطب بألفاظ ، حتى أن كتابهم الرسمى والمقدس ينقل بعض هذه الألفاظ ، من غير أن تكون هذه الألفاظ من صميم لغتهم. وما كان من الممكن أن لا تكون هذه الألفاظ من لغة العرب ثم يخاطبهم بها الله؟ وما فائدة أن يخاطبهم بألفاظ لا يفهمونها ولا يعرفونها؟ ومن التعريف بالمنطق أنه العلم الذى يستخدم اللغة المنطوقة للتفاهم. ولو كان القرآن قد أتى بألفاظ غير منطوقة ـ أى لا يتحدّث بها ، لسقطت حجته على العرب ومن يكفرون بالله. وكل ما ادعى المدّعون أنه من غير كلام العرب ـ بخلاف الأعلام ـ هو باطل ويدحضه أن هذه الكلمات الدخيلة فى زعمهم هى على أوزان كلام العرب ، ويتداولونها فى أشعارهم وأمثالهم وأحاديثهم.

ونخلص من ذلك إلى أن القرآن كما قال ربّ العالمين : (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (١٩٥) (الشعراء) ، أى بلسان شامل العربية ، وكامل الفصاحة ، لا لبس فيه ولا عجمة ، ليكون بيّنا واضحا ظاهر الوضوح ، وقاطعا للعذر ، ومقيما للحجّة على الكافة ، وحسبنا الله.

* * *

١٢٧. ليس فى القرآن ما ليس من لغة العرب

الكلمات التى يتصور البعض أنها غير عربية مثل سندس واستبرق فى قوله تعالى : (وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ) (٣١) (الكهف) هى وفاق بين اللغات ، والسندس الرقيق النحيف ، واحده سندسة ، والإستبرق ما ثخن منه ، وهو الحرير ، أو الديباج ، وقيل الكلمتان فارسيتان معرّبتان ، غير أن استبرق من استفعل ، من البريق ، والكلمتان عربيتان ، وليس فى القرآن ما ليس من لغة العرب.

* * *

١٢٨. أبلغ لفظة للعرب فى معنى التعظيم والإجلال

هى «الله أكبر» ، تصفه تعالى بأنه أكبر من كل شىء ، وفى الآية : (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (١١١) (الإسراء) هى قول «الله أكبر» ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا دخل فى الصلاة قال : «الله أكبر». وقال عمر بن الخطاب : قول العبد «الله أكبر» خير من الدنيا وما فيها.

* * *

١٢٩. علوم القرآن

قيل : إن علوم القرآن بقدر عدد كلماته مضروبة فى أربعة ، أى أنها سبعون ألف علم ،

٩٩

وسبعة آلاف وأربعمائة وخمسون ، وذلك لأن كل كلمة لها ظاهر وباطن مما لا نعرف له حدودا. غير أن أم علوم القرآن ثلاثة أقسام : التوحيد ، والتذكير ، والإحكام ؛ فالتوحيد : هو العلم المختص بمعرفة الخلق والخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله ؛ والتذكير : هو الوعد والوعيد ؛ والأحكام : هى التشريعات ، والأوامر والنواهى ، ومطلوبات الإيمان والتكاليف على المؤمن ، والعبادات.

وكلّ من هذه الثلاثة يشكل إذن ثلث التفسير ، ولذلك قيل إن الآية : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن ، أى فى المعنى ، وأما الثلث الثانى فهو التذكير ، والثلث الثالث الأحكام. وجمعت فاتحة الكتاب الأقسام الثلاثة ، ومن ثم كانت جامعة للقرآن ، وأم القرآن ، ففيها من التوحيد الآيات من أولها حتى (يَوْمِ الدِّينِ) ، وفيها من الأحكام : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، وفيها من التذكير (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) إلى آخر السورة ، فصارت الفاتحة بهذا أم الكتاب. وقيل غير ذلك من أقسام القرآن ، ففيه مثلا علم النبوة وبراهينها ، وفيه القصص ، والديانات. وقيل القرآن فيه : إخبار واستخبار ، وإعلام وتنبيه ، وأمر ونهى ، ووعد ووعيد ، ووصف للجنة والنار ، وعلم أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله ، والإقرار بنعمه ، والجدل مع المنكرين ، والرّد على الملحدين ، وبيان وجوه الخير والشر ، والظلم والعدل ، والحق والباطل ، والحسن والقبيح ، والكون وعظمته واتساعه ، وإعجاز مكوناته ومخلوقاته ، وعلم الإنسان ، وكيف هو ولما ذا كان ، والمعرفة وفضلها ، والحكمة ونعتها ، وتصنيف الناس الى مؤمنين وكافرين ومشركين ، ومتّقين وأبرار ومفسدين وفجّار ، وأحداث التاريخ القديم وإحالاتها على الحاضر والمستقبل ، والساعة وعلاماتها ، والبعث والحساب ، وأحوال الكون والناس فى الآخرة ، والموت والحياة ، وعلوم الأخلاق والجمال والكمال ، والعلم بأسباب النزول ، وبالأمثال ، والألفاظ ، وبالناسخ والمنسوخ ، والمتشابه والمحكم ، ونظم القرآن وأسلوبه ، وإعراب ألفاظه وتصريفها والبحث فى أصولها ، وعلم الاعتبار وهو الاستنباط والاستدلال ، ومن المستحيل إحصاء علوم القرآن ، فهذا شىء لا حدود له ، ويتوقف على ثقافة المحصى ، والقرآن لا يستدرك ، ولا تحصى علومه ، ولا فنونه ، ولا آدابه.

* * *

١٣٠. ترجمة القرآن : هل هى ممكنة؟ وما ذا بشأن اللغة المعجزة فيه؟

لقد ترجم القرآن فعلا إلى خمسين لغة مختلفة ، ولا يرقى هذا العدد إلى ما ترجمت إليه الأناجيل ، فقد قيل أنها ترجمت إلى ١٧٦ لغة ، سواء من اللغات الكبرى المعروفة ، أو

١٠٠

لغات أقوام من الأقليات المنتشرة فى العالم. ويساعد على ترجمة الأناجيل حركة التبشير التى تعم البسيطة كلها ، واشتغال القساوسة الدعاة بالوعظ بلغات الناس التى يتكلمونها يوميا ، ولذلك فقد ترجموا الأناجيل إليها دون أن يحفلوا بما نسميه بلاغة الترجمة ، فالمهم نقل المعنى بأبسط أسلوب يمكن أن يفهمه الناس. والقرآن اشتغل بترجمته المستشرقون أولا ، ليطعنوا فيه ، ويردّوا على ما جاء به من تصحيحات للديانات. وكان أول من بدأ الهجوم على القرآن يوحنا الدمشقى (نحو ٦٥٠ ـ ٧٥٠ م) ، وتوجه نقده للنسق العام للقرآن ، وتابعه إيثومس زيجابنيوس فى كتابه «العقيدة الشاملة». وكانت أول ترجمة للقرآن بين سنتى ١١٤١ و ١١٤٣ م ، وكانت اللغة اللاتينية هى لغة القساوسة والمشتغلين بالدراسات الإنسانية والأدب ، وترجم القرآن بها بناء على توصية من بطرس المبجّل راهب ديركلونى بفرنسا ، وقام بالترجمة روبرت لرتينى الإنجليزى ، وهيرمان الهركاشى الألمانى ، وراهب أسبانى عربى ، ولم تنشر هذه الترجمة إلا بعد أربعة قرون.

وتسبب هذا الهجوم على القرآن والإسلام من قبل إمبراطور بيزنطه جان كانتا كوزين ، فى إقدام كثيرين من النصارى على نقد القرآن بمختلف اللغات ، حتى باللغات السريانية والإرمينية والعربية. ولم يتوقف هذا الهجوم المدفوع إليه من قبل الدولة البيزنطية إلا بسقوط هذه الدولة وفتح القسطنطينية سنة ١٤٥٣ م ، واستمرت الهجمات النصرانية ، تحضّ على كراهية القرآن ، وتضرم نيران البغضاء لأهله ولنبيّه ، وكان للكنيسة الكاثوليكية قصب السبق فى ذلك ، وتزعم هذه الحملات الكردينال نيقولا دى كوسا ـ وهو المعدود من فلاسفة النصرانية (١٤٠١ م ـ ١٤٦٤ م) ، بإيعاز وتشجيع بابا روما بيوس الثانى ، ونشر رسالته الشائهة «غربلة القرآن» سنة ١٥٤٣ م ، وتوجه اهتمامه إلى استخراج الإقرارات الواردة فى القرآن بالنصرانية وبالمسيح والأناجيل ، واستعرض مخالفات القرآن للنصرانية كما تطرحها الكاثوليكية ، ونبّه إلى ما ظنه تناقضات وردت فى القرآن. وتوالت الكتب المعادية تباعا ، يحبّرها قساوسة الدومينكان والجزويت ، ومن ذلك بالفرنسية كتاب ميشيل نان «ضد القرآن والقرآنيين دفاعا وبرهانا» سنة ١٦٨٠ م ، غير أن أشرس النصارى هجوما كان لودفيجو ماراتش الإيطالى (١٦١٢ ـ ١٧٠٠ م) فى كتابه «عالم النصّ القرآنى» سنة ١٦٩٨ م فى مجلدين ، أعطى الأول اسم «مقدمة فى دحض القرآن» ، وقصر الثانى على ترجمة القرآن إلى اللاتينية ، وضمّن الكتاب حواشى للتفسير والشرح والنقد ، وأرفق بالترجمة النص العربى ، وفيما يبدو فإن ماراتش هذا كان يعرف العربية وإنما معرفة عرجاء ، فجاءت ترجمته سيئة للغاية ، وحافلة بالأخطاء ، ونقده ساذجا وغير منطقى ويعتمد على المغالطات.

١٠١

وترجم القرآن شفيجر النورمبرجى إلى الألمانية سنة ١٦١٦ م ، ثم ترجمه سيور دوريز إلى الفرنسية سنة ١٦٤٩ م ، وعن هذه الترجمة قدّم الإنجليزى الكسندروس ، قسيس كاريسبروك ، سنة ١٦٤٩ م ، أول ترجمة إنجليزية ، ثم ظهرت ترجمة لاتينية ثانية للأب مارتشى البادوى سنة ١٦٩٨ م ، وطبعت هذه الترجمة فى انجلترا أربع مرات فى السنوات ١٧٣٤ ، و ١٧٦٤ ، و ١٨٠١ م ، وصدرت أول ترجمة روسية سنة ١٧٧٦ ، ثم نشرت ترجمة ثانية بالفرنسية سنة ١٧٨٣ م ، وترجمة ثالثة سنة ١٨٤٠ ، وأعيد طبعها سنة ١٨٤١ ، ثم سنة ١٨٦٧. وتعتبر الترجمة الألمانية الصادرة سنة ١٨٤١ أول ترجمة يمكن أن توصف بالجودة وقد توفر عليها فلوجل ، وتميزت الترجمة الإنجليزية التى أصدرها رودويل سنة ١٨٦١ بترتيب السور بحسب نزولها تاريخيا. وفى سنة ١٩٢٩ صدرت ترجمة أخرى إيطالية لبونللى ، ثم ترجمة تشيكية لنيكل ١٩٣٤ ، ثم ترجمة شير علىّ الباكستانى الإنجليزية سنة ١٩٥٥ ، وترجمة بالتيمور الإنجليزية سنة ١٩٥٦ ، وهناك غير ذلك ترجمة خالد شلدريك الإنجليزى المسلم بلغة الاسبرانتو سنة ١٩١٤ ، وتوفر مجمع البحوث الإسلامية فى مصر على إصدار ترجمات إنجليزية وألمانية وروسية ، وكانت هناك محاولات ترجمة إلى التركية والأوردية والفارسية والجاوية والملوية والصينية ، بخلاف ترجمات أخرى كثيرة صدرت مؤخرا مثل ترجمة جاك بيرك الفرنسية. وكانت أكثر الترجمات بالإنجليزية ، ثم الفرنسية ، فالألمانية ، فالإيطالية ، ويا ليت هناك ترجمات بالسواحلية ، ولغات جمهوريات آسيا الوسطى ، ودول أوروبا الشرقية والغربية ، ودول أمريكا اللاتينية. وأحصيت خمس ترجمات بالفارسية وبالتركية ، وأربع بالصينية ، واثنتان بالأفغانية ، وواحدة بالجاوية ، وأخرى بالأوردية.

ولوحظت فى كل هذه الترجمات عيوب خطيرة وأخطاء فاحشة مما رجّح الرأى الذى يدعو إلى عدم ترجمة القرآن ، وكثير من هذه الأخطاء متعمدة. والترجمة فى الاصطلاح تفسير بلغة المترجم ، إلا أن شرط الترجمة أن تفى بجميع معانى النصّ القرآنى وبكل مقاصده. والترجمة كعلم إما حرفية وإما تفسيرية ؛ والحرفية هى التى يراعى فيها الأصل من حيث نظم الكلام وترتيبه ، وتقوم على اختيار المرادفات للألفاظ الأصلية ، وأما التفسيرية فهى ترجمة للمعانى ، ولذا تسمى كذلك الترجمة المعنوية ، وإنما تسميتها بالتفسيرية لأنها تشبه التفسير. ويقتضى حسن الترجمة أن يكون المترجم ملما إلماما واسعا باللغة التى يترجم منها ، واللغة التى يترجم إليها ، وأن يحيط علما بأساليبهما وخصائص كل لغة ، فإذا ترجم استوفى المعانى بأصولها ومقاصدها ، وراعى أن لا تكون الترجمة حرفية أى محاكية

١٠٢

للأصل ، وإنما تستقل بنفسها ، كأنما قد ألّفت بهذه اللغة ولم تنقل عن لغة أخرى ، مع الأمانة فى النقل وعدم التزيّد فى الشرح أو التفسير ، وإنما الاقتصار على الأصل دون استطرادات. والمقصود بمعانى القرآن معانيه الأصلية ومعانيه التابعة ، والترجمة التفسيرية هى التى تلزم المعانى جميعها ، ومقاصد القرآن التى ينبغى المحافظة عليها فى الترجمة ، مداها أنه كتاب فى الهداية ، وأن آياته يتعبّد بها ، وأنه معجزة تشهد بنبوة محمد ، وأنه صاحب رسالة ، وعلى ذلك فإن الترجمة التى تراعى معانى القرآن ومقاصده باعتبارها أداة تبليغ للرسالة ، وتعريف بأحكام الإسلام ، وبيان للناس بمرادات الله بالقرآن ، هى ترجمة مشروعة ، فإذا كانت الترجمة تراعى اللفظ أولا دون إخلال بالمعانى ولا المقاصد فإنها جائزة. وقد تكون الترجمة تفسير للقرآن بمفهوم المفسّر لكتاب الله ، وباللغة التى يتقنها وينقل إليها ، أى أنه يحكى عمّا فهمه من آياته ، وما يعرفه من تاريخه ، ومن حياة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمجريات التى وقعت فى مختلف المشاهد ، وهذا جائز كذلك ، لأن التفسير فى اللغة هو البيان والتوضيح ، والمترجم استوفى ذلك. وفى كل هذه الأحوال ينبغى التنبيه بأن يكون العنوان الوارد على الكتاب هو «ترجمة معانى القرآن» أو «تفسير القرآن بلغة كذا» ، وأن ينبّه إلى ذلك فى المقدمة ، فبمثل ذلك يمكن تفادى اللبس على القارئ ، ويتيسر عليه فهمه ، وبذلك يمكن دفع شبهات المتخرّصين على الإسلام وأعدائه ، وتنوير الراغب فى التنوير منهم ، وإزالة السدود والعوائق التى زادت وربت على مرّ السنين بتأثير المبشّرين القوّالين. ومن الواجب أن يعرف العالم عن القرآن ، وأن نسهّل قراءته على الناس بلغاتهم. والدعوة للإسلام لا تقتصر على العرب ، والله تعالى ربّ العالمين ، وهو تعالى خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ، والأولى أن يعرف الآخر عن الديانة التى نلتزمها ، والتبليغ واجب على كل مسلم ، والمسلمون أمة بلاغ ، وإذا تعذرت الترجمة على المسلم لمعانى القرآن التابعة ، فلا تثريب عليه لو اقتصر على ترجمة المعانى الأصلية ، وإن كان الاقتصار على المعانى الأصلية دون التابعة فإنها لا تسمى ترجمة ، فشرط الترجمة كما قلنا استيفاء المعانى كلها أصلية وتابعة.

وقد روى أن سلمان الفارسى كتب لأهل فارس ترجمة للفاتحة بالفارسية ، فكانوا يقرءون بترجمته فى الصلاة ، فمن كان لا يعرف العربية ويتعتع فيها فلا تثريب عليه أن يكون كلامه بالقرآن فى الصلاة ترجمة. غير أن مختلف المذاهب الإسلامية تحرم ذلك ، فالشافعية قالوا لا تجوز قراءة القرآن بغير لسان العرب ، وقالت المالكية والحنابلة نفس الشيء ، وكذلك الحنفية. ومن رأى الشافعى أن قراءة الفاتحة فى الصلاة لا بد أن تكون بالعربية ، فإذا

١٠٣

لحن المصلى الأعجمى بلهجته الأعجمية فى غير ذلك من القرآن لا تبطل صلاته ، يعنى أن اللسان الأعجمى بعد قراءة المفروض من القرآن وهو الفاتحة ، لا يبطل الصلاة ، وقد عمّم ذلك فصارت أسماء الله وصفاته والمتشابه من الحديث لا بد فيها أن تقرأ كما هى بالعربية ، ولا يجوز ترجمة معانيها.

* * *

١٣١. ثلاثة ليس لها أصل : التفسير والملاحم والمغازى

هذا كلام أحمد بن حنبل ، وفى رواية أخرى قال : ثلاثة كتب لا أصل لها : المغازى ، والملاحم ، والتفسير. ويقصد بذلك أن ينبّه إلى الوضع فى أحاديث هذه الأبواب الثلاثة ، وكذلك ما تخلل هذه الأحاديث والتفسيرات من إسرائيليات. وكلام الإمام أحمد فيه ما يجعل المتلقى للتفسير والملاحم والمغازى لا يأمن الكذب فيها ، إلا أنه قد أورد فى مسنده أحاديث كثيرة فى التفسير ، فكيف ينفى مصداقية الأحاديث فى التفسير وهو نفسه قد اعتقد فيها وأورد عنها وأخرجها؟ ومن غير المعقول أن كل ما ورد بشأن المغازى والسّير مكذوب ومنتحل ، وفيما يبدو فإن مقصود الإمام أحمد أن ما جاء عن هذه المغازى والسير ، وما ورد من التفاسير للقرآن ، كان مكذوبا فى كتب بعينها. وقول القائلين إن هذا الحديث لا يصحّ ، أو لم يثبت ، هو من اصطلاحات الإمام. وكلامه محمول على كتب بعينها ، أشهرها تفسير الكلبى ، وتفسير مقاتل بن سليمان ، وقال فى الأول : من أوله الى آخره كذب لا يحل النظر فيه. وعلى ذلك لا يجوز الاستشهاد بعبارة الإمام أحمد للتشكيك فى أحاديث التفسير كلها ، وإنما فى بعضها.

* * *

١٣٢. هل يحتاج القرآن إلى تفسير؟ وهل كانت كتب التفسير

مصدر للّبس والخلط ونشر الخرافة والترويج للإسرائيليات؟

القارئ للقرآن ، الطالب لفهمه واستيعاب معانيه ، فى حاجة إلى القراءة فى كتب التفسير ، والتفسير مطلب عام لكل الكتب الدينية ؛ وكان لليهود والنصارى فيه باع طويل ، إلا أن كتب النصارى أقل عددا من كتب اليهود فى التفسير ، لأن الأناجيل صغيرة الحجم ، والتصدّى لها بالتفسير قد يكشف عن تناقضها وتخالفها.

وأسفار العهد القديم تفرض على القارئ لها أن يلجأ الى ما يعينه على فهمها ، إلا أن طول الأسفار جعل من الصعب المجازفة بتفسيرها ، والكتب التى تصدّت لذلك قليلة.

وفى الإسلام تكثر كتب التفسير ، وأصبح التفسير عند المسلمين علما من العلوم ،

١٠٤

وقالوا فيه : إنه العلم الذى يعرف به نزول الآيات وشئونها وأقاصيصها ، والأسباب النازلة فيها ، ثم ترتيب مكيّها ومدنيّها ، ومحكمها ومتشابهها ، وناسخها ومنسوخها ، وخاصها وعامّها ، ومطلبها ومقصدها ، ومجملها ومفسّرها ، وحلالها وحرامها ، ووعدها ووعيدها ، وأمرها ونهيها ، وأمثالها إلخ.

وذهب آخرون الى أن التفسير : هو علم كيفية النطق بألفاظ القرآن ، ومدلولاتها ، وأحكامها الإفرادية والتركيبية ، ومعانيها التى يحمل عليها حالة التركيب وتتمّات ذلك. وقيل التفسير : علم يفهم به كتاب الله المنزّل ، وبيان معانيه ، واستخراج أحكامه وحكمه ، واستمداد ذلك من علوم اللغة ، والنحو ، والصرف ، والبيان ، وأصول اللغة ، والقراءات ، ويحتاج إلى معرفة أسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ.

وكلما بعد الناس عن اللغة العربية ظهرت الحاجة أكثر إلى التفسير ، ومثلما على المؤمن أن يقرأ القرآن امتثالا لآيات كقوله تعالى : (اقْرَأْ) (العلق) ، وقوله : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (٢٠) (المزمل) ، وقوله : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) (٢٠) (المزمل) ، وقوله : (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٩٨) (النحل) ، وقوله : (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً) (٤٥) (الإسراء) ، وقوله : (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (١٠٦) (الإسراء) ، فكذلك عليه أن يقرأ فى التفسير ليتدبر معانى القرآن وأحكامه ، كقوله : (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٢٩) (ص) ، وقوله : (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) (٢٤) (محمد) ، والله تعالى خاطب الناس بما يفهمونه ، وأرسل إليهم الرسل بألسنة أقوامهم ، وأنزل كتبه على لغاتهم ، وإنما احتيج إلى التفسير والشروح على مرّ الزمان كلما عسر فهم مراد الآيات ، فيكون من الواجب إظهار المعانى الدقيقة. وقد تكون هناك تتمات للمسائل وشروطها من علوم تغيرت مضامينها وتوسعت مجالاتها ، فيحتاج الشارح لبيان المتروك. وقد يحتمل اللفظ معان عدة فيحتاج الشارح إلى بيان الغرض من اللفظ فى سياقه. والقرآن نزل بلسان عربى مبين فى زمن فصحاء العرب ، وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه ، وأما بواطنه فكانوا يسألون عنها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الأكثر ، وأما نحن فما أحوجنا إلى الشروح لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة. ولهذا كان علم التفسير من أشرف العلوم عند المسلمين ، ويحتل عندهم مكانة لا يعرفها عند اليهود والنصارى. ويتأتى شرفه من أن موضوعه هو كلام ربّ العالمين ، أصل كل حكمة وفضيلة. وغرضه من أشرف الأغراض وهو الاعتصام بكتاب الله ، والأخذ بما حرّم وحلّل ، وما أمر ونهى. وعلم التفسير عسير يسير ، فأما عسره فلأن

١٠٥

القرآن كلام متكلم لم نصل إلى مراده بالسماع منه ، وتفسير القرآن على وجه القطع كان الأحرى أن يسمع به من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو يسمع ممن سمع منه ، وهو متعذّر فى كل القرآن ، ولم يبق إلا العلم بالمراد بالاستنباط بالأمارات والدلائل ، والحكمة فى ترك ذلك إلى العباد إنما لكى يتفكّروا فيه ، ولذلك لم يأمر الله نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتنصيص على تفسيرات دون تفسيرات ، وإنما كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصوّب رأى المفسرين ، فصار ذلك دليلا على جواز التفسير من غير سماع من الله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٣٣. من يجوز له الاضطلاع بالتفسير؟

وهل ذلك جائز لكل أحد؟ ومن هم أشهر المفسرين؟

لما كان التفسير علما فالمضطلع به لا بد أن يكون من أصحاب هذا العلم ، وإلا فليس له أن يتقوّل فى التفسير إلا بما هو مأثور عن السلف. والتفسير على أقسام ، الأول : أن يعرف المسلم الحلال والحرام مما ورد فى القرآن ، وهذا لا يعذر أحد بجهالته ؛ والثانى : التفسير للألفاظ والعبارات بالمعهود منها فى اللغة ؛ والثالث : تفسير العلماء. وهذه الأقسام الثلاثة محدودة المجال ، ويتجاوزها التفسير الذى يهدف إلى تجلية هدايات القرآن وبيان تعاليمه ، وحكمه ما اشترعه الله على الناس ، يدفع به المفسر إلى الاهتداء يهدى الله ، وهو التفسير الخليق باسم التفسير ، وبمثله تنكشف كنوز القرآن وذخائره ، ويتوفر فهمه وتدبّر آياته ، واستلهام رشده ، وانطباع مطلوباته فى النفوس ، ونقشها بالعقول ، فتعلو بها الهمم ، وتتهذب بها الأخلاق ، ويكون التذكّر والاعتبار.

وقد ذهب البعض إلى تعديد المفسرين بحسب ما ذهبوا إليه فى تفاسيرهم ، فالذى يلجأ إلى بيان ما فى القرآن بروايات من السنّة ، أو كلام الصحابة فتفسيره بالمأثور ، وكانت لكبار الصحابة تفسيرات للقرآن ، واشتهر من هؤلاء عشرة مفسّرين ، هم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلىّ ، ثم ابن مسعود ، وابن عباس ، وأبىّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى الأشعرى ، وعبد الله بن الزبير. وكان هناك آخرون من الصحابة أدلوا بدلوهم فى التفسير ولكنهم مقلّون. وليس كل ما يذكر عن التفاسير عن علىّ وابن عباس قد صدر منهما فعلا ، فالمتقوّلون عليهما أكثروا فى ذلك ، والوضّاع أسهبوا فى الوضع ، والصحيح مما نسب إلى الصحابة قليل بالنسبة لغير الصحيح. والرواة عن ابن عباس لم يكونوا على درجة كبيرة من الإتقان ، وفى ذلك قال الشافعى : لم يثبت عن ابن عباس إلا شبيه بمائة حديث. وعلىّ أسرف الشيعة بشأنه ، فنسبوا إليه ما هو برىء منه ، ودسّوا عليه الكثير.

١٠٦

وكان لمكة مفسروها الذين اشتهرت بهم من التابعين ، وهؤلاء رووا عن ابن عباس ، كمجاهد ، وعطاء بن أبى رباح ، وعكرمة مولى ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وطاوس وغيرهم. وكان للمدينة مفسروها المشهورون ، ومنهم : زيد بن أسلم ، ومالك ، وأبو العالية ، ومحمد بن كعب القرظى وغيرهم. واشتهر من علماء العراق : مسروق بن الأجدع ، وقتادة ، والحسن البصرى ، وعطاء ، ومرّة الهمذانى الكوفى وغيرهم. ويعيب تفسيرات هؤلاء التابعين أن الرأى فيها كثير ، واشتملت على الكثير من الإسرائيليات والخرافات. وكان التفسير بالمأثور فرصة لأعداء الإسلام من اليهود والفرس ، أن يدسّوا ما يشاءون من المرويات ، ولفّق أصحاب المذاهب ما يروّجون به لآرائهم ، واختلط الصحيح بغير الصحيح ، وهيأ لذلك أن العرب كانوا حديثى عهد بالإسلام ، وكانوا أمة أمّية غلبت عليهم البداوة ، فصدّقوا أمثال : كعب الأحبار ، ووهب بن منبّه ، وعبد الله بن سلام ، من اليهود الذين أعلنوا إسلامهم ، وأخذوا عنهم مروياتهم بسلامة نية ، ونسب هؤلاء تلك المرويات للتوراة ، ولم نجد منها شيئا فى التوراة!! وتمثّل إسهام التابعين فى التفاسير المشهورة المنسوبة لأمثال : ابن عيينة ، ووكيع الجرّاح ، وابن راهويه ، والبخارى وغيرهم. وتتابعت المصنفات الكبيرة كما عند : الطبرى ، وابن أبى حاتم ، وابن ماجة ، والحاكم ، وابن مردوية ، وابن حبّان ، وأبى الليث السمرقندى ، وابن كثير ، والبغوى وغيرهم. وكانت هناك تفاسير أهل الأهواء والبدع كالجبائى ، والقاضى عبد الجبّار. وتروج الآن التفاسير التى تعتمد على الاجتهاد ، وذلك لازم مع تغيّر حاجات المسلمين ، والمجتهد مهما كان ، مأجور وإن أخطأ ، وهو يطلب المعنى من القرآن والسنّة والمأثورات ، ويطابق بين سياق الآيات وما هو معروف من العلوم ، بهدف بيان المعنى والأحكام بحسب العصر. ومن أهم تطبيقات الاجتهاد : تفاسير الجلالين ، والبيضاوى ، والرازى ، والطحاوى ، والألوسي ، وتفسير الخازن ، والنيسابورى ، والنسفى وغيرهم. وهناك تفاسير أخرى للفرق المختلفة ، وللصوفية : كتفسير ابن عربى ، وتفاسير المعتزلة ، مثل الكشاف ، وتفاسير الشيعة ، كتفسير الكازلانى ، المسمى مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار.

ومع غلبة التوجهات العلمية الحالية بدأت تظهر الكثير من التفاسير التى تمازج بين معانى القرآن والكشوف العصرية والنظريات الكونية مثل تفسير الدكتور مصطفى محمود ، وأخذ فيه بما يتقن من ثقافة عصرية ، ولغات أجنبية ، واطّلاعات موسوعية ، وما يعرف من العلوم ، والسنن الاجتماعية ، والسياسية والاقتصادية ، والتشريعات المدنية والجنائية. ونحا الدكتور زغلول النجّار منحى علميا محضا يفسّر به الآيات الكونية ويستخدم فيه أحدث ما

١٠٧

وصلت إليه علوم الفضاء والجيولوجيا ، أطال الله فى عمره وأثابه عنا خير الثواب. وكان الشيخ طنطاوى جوهرى قد بدأ هذا الاتجاه ، ووجد صدى كبيرا لدى المثقفين والمستشرقين وأساتذة الجامعات ، وكان محل دهشة غير المسلمين. ولم تتوقف حركة التفسير مع استمرار تقدّم العلوم ، وستظهر شروح جديدة مع كل تقدم جديد ، وعلى مدار الأحقاب وتسلسل الأزمان ، وهو الدليل على إعجاز القرآن ، فمثل ما كتاب الكون المنظور لا تنتهى عجائبه ، فكذلك كتاب الله المقروء لن تنتهى عجائبه ، وسيجد أهل العلم فى ألفاظه وآياته صدى لمعارف الكون وعلومه : (وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (٤٢) (فصلت) ، فشرط المفسر للقرآن : هو المعرفة الواسعة ، والصدق فى النية والقصد ، والاطّلاع على وجوه النقد التى يتولاها المستشرقون خاصة والعلمانيون ، ممن يقال فى تسميتهم الآن أنهم مستشرقون محليون ، أى ميولهم استشراقية وإن كانوا محسوبين على الإسلام ، ولسانهم عربى ، ولهم أسماء مسلمين ، وهؤلاء جعلوا هدفهم الاستخفاف بالقرآن والنبوة ، وانتقاص التراث. وصار على القارئ أن يحذر فى كتب التفسير القديمة الخرافات والإسرائيليات ، وفى كتب التفسير الحديثة أن يخرج المفسّر عن النص ، ويقنع بالاستطراد فى شرح المعارف الجديدة.

* * *

١٣٤. رشيد رضا وتفسير (المنار)

السيد محمد رشيد بن السيد على رضا ، من مواليد القلمون من جبل لبنان سنة ١٢٨٢ ه‍ ، نشأ فى طرابلس الشام ، وهاجر إلى مصر ، واتصل بالشيخ محمد عبده سنة ١٣١٥ ه‍ ، وكان أول ما اقترح عليه أن يكتب تفسيرا للقرآن بطريقته التى عرفت عنه ، والتى كان يكتب بها فى جريدة العروة الوثقى. وبدأ الشيخ فى إلقاء دروس التفسير على طلّاب الأزهر ، وكان الشيخ رشيد يحضرها ، ويكتب بعض ما يسمع ويزيد عليه ، ثم قام بنشر ما كتب فى مجلة المنار ، وطبعة فى أجزاء تحت اسم «تفسير القرآن الحكيم» ، واشتهر باسم «تفسير المنار» ، وظهر منها حتى وفاته سنة ١٣٥٤ اثنا عشر جزءا ، انتهت عند قوله تعالى : (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (١٠١) (يوسف).

ولم يتقيّد الشيخ بأقوال السلف من المفسرين ، ولم يستعن بالإسرائيليات ، ولم يحاول أن يتعرّض للمبهمات فى القرآن بالحكايات ، واكتفى بشرح الآيات ، والرّد على الشبهات ، واهتم أن يصل بين معانى الآيات والأوضاع الاجتماعية العصرية ، بدعوى أن السابقين

١٠٨

عليه انصرفوا إلى أشياء أخرى تشغل عن هذه المعانى وإحالاتها على الواقع ، كاهتمامهم بمباحث الإعراب أو غيره ، مما يحجب مضمون ومقاصد القرآن الحقيقية. وانتقد الشيخ رشيد انغماس الصحابة فى الإخبار عن القصص مما توحى به مجريات الآيات ، وهو ما كان يرويه أمثال كعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وجمع منها السيوطى فى كتابه «الدّر المنثور» ست صفحات من القطع الكبير ، ليس منها شىء تصحّ عليه التسمية أنه من الدّر. فمثلا ذكر فى تفسير الآية : (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ) (١٦٠) (الأعراف) : أن كتب التفسير تروى أن موسى كان يحتفظ معه بحجر كان يضرب به الأرض فتنفجر العيون ، فقال رشيد : إن ذلك كان من الخرافات التى اختلقها وهب ، وليس لها أصل عند المسلمين ولا عند اليهود. وقال فى تفسير الآية : (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ) (١٢٤) (البقرة) : أن المفسرين لم يألوا فى تفسير هذه الكلمات التى أتمها إبراهيم والخبط فى تعيينها ، وقال ابن عباس : إنها ثلاثون خصلة من خصال الإسلام ؛ وقال آخرون : إنها مناسك الحج ؛ وقال آخرون : هى خصال الفطرة العشر ؛ وقال رشيد : إن الأولى الأخذ بما أخبر الله كما هو ، ولا ينبغى تعيين المراد. ومنهج الشيخ رشيد فى التفسير عقلانى ، حتى أنه لينكر الإسرائيليات ، والكثير من القصص ، كقصص الجسّاسة ، والدجّال ، ونزول عيسى ، وأحاديث الفتن ، وأشراط الساعة. ولجأ فى تفسير الآيات المتعلّقة بالبقرة ، مثل : (فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٧٣) (البقرة) إلى المجاز ، فقال : إن الإحياء معناه يحييها بالشريعة ، كقوله تعالى : (وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (٣٢) (المائدة) ، وقوله : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) (١٧٩) (البقرة) ، فالإحياء هنا ليس إحياء حقيقيا بعد موت تسلب فيه الروح ، ولكنه إحياء حكمى ، بمعنى الاستبقاء ، ولذلك قال بعد ذلك : (وَيُرِيكُمْ آياتِهِ) (٧٣) (البقرة) ، يعنى بما يفصل بها فى الخصومات ، ويزيل أسباب الفتن والعداوات ، كما فى الآية : (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ) (١٠٥) (النساء) ، فالغرض إذن من قصة كقصة البقرة : هو ضرب المثل الحسّى للإحياء المعنوى بالشريعة ، وقصص القرآن على ذلك إنما لتقريب المعانى وتصويرها تصويرا يقرّبها إلى الأفهام.

* * *

١٣٥. القشيرى والتفسير الصوفى للقرآن

يعدّ كتاب «لطائف الإشارات» من أروع الكتب فى التفسير الصوفى للقرآن ، وصاحبه عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة ، ولقبه زين الإسلام ، وشهرته القشيرى ، المولود

١٠٩

سنة ٣٤٦ ه‍ ، والمتوفى سنة ٤٦٥ ه‍ ، ونسبه إلى قبيله قشير العدنانية المتصلة بهوازن ، وعاش فى نيسابور من فارس. والتفسير الصوفى سبق إليه سهل بن عبد الله التسترى ، المتوفى سنة ٢٨٣ ه‍ ، وكتابه هو «تفسير القرآن العظيم» فيما لا يزيد على مائتى صفحة ، وأبو عبد الرحمن السلمى ، المتوفى سنة ٤١٢ ه‍ ، وكتابه هو «حقائق التفسير» يقول فى دوافعه إلى تأليفه : لمّا رأيت المتوسمين بعلوم الظاهر قد سبقوا فى أنواع فرائد القرآن من قراءات وتفاسير ، ومشكلات وأحكام ، وإعراب ولغة ، ومجمل ومفصل ، وناسخ ومنسوخ ، ولم يشتغل أحد منهم بفهم الخطاب على لسان الحقيقة إلا آيات متفرّقات ، أحببت أن أجمع حروفا استحسنها من ذلك ، وأضم أقوال مشايخ أهل الحقيقة إلى ذلك ، وأرتّبه على السور حسب وسعى وطاقتى. واتّهم أهل التفسير «السلمى» بالزيغ والابتداع والتحريف ، وبالقرمطة ، والتشيع ، والتأويلات الباطنية ، ووصفه ابن تيمية بالكذب ، وعدّه السيوطى من أهل البدع. ثم كان كتاب «عرائس البيان فى حقائق القرآن» لروزبهان البقلى المتوفى سنة ٦٠٦ ه‍ ، وكتاب «التأويلات النجمية» لنجم الدين داية ، المتوفى سنة ٧٣٦ ه‍ ، أبرز كتابين فى التفسير الصوفى. وأما كتاب لطائف الإشارات للقشيرى ، فهو الأفضل فى بابه ، من حيث التوفيق بين علوم الحقيقة وعلوم الشريعة ، وباعتبار المصطلح الصوفى الذى أفلح القشيرى فى ردّه إلى أصوله القرآنية ، فلا تملك إلا أن تحكم بأن علوم الصوفية هى علوم مستقاة من القرآن ، وأما ما يكون من الآيات خاليا من المصطلح فإنه يعمد إلى أن يستخرج منه إشارات فى الصحبة الصوفية ، والصاحب ، والشيخ والمريد ، والرياضات والمجاهدات والمواصلات ، والكشوفات.

ورغم أن القشيرى اشتهر بالرسالة ، إلا أن كتابه فى التفسير الصوفى للقرآن قمة من القمم. وقيل فى تسمية الكتاب : إنه «لطائف الإشارات فى حقائق العبارات» ، ومنهجه فيه يعتمد على استبطان خفايا الألفاظ ، والكشف عن معانيها المجردة ، ولطائف أسرارها ، وخفىّ رموزها ، تصعيدا من القلب ، إلى الروح ، إلى السّر ، ثم إلى سرّ السرّ ، أو عين السرّ ، متقيدا مع ذلك بالعلوم العقلية والنقلية ، والحرص على النصّ القرآنى ، مستخرجا الإشارات الثمينة مما فى الآيات من الأحكام والعبارات ، وأسباب النزول ، والأخبار والقصص. والعبارات فى الآيات للعموم ، والرموز والإشارات للخصوص ، فمثلا استقبال القبلة إشارة إلى أن تكون القبلة مقصود النفس ، والله تعالى مقصود ومشهود القلب ، فلا يتعلق القلب بالأحجار والآثار ، وإنما يتفرّد لله. وأيضا فإن الحج على لسان العلم هو القيام بأركانه وسننه وهيئته ، ولكنه على لسان أهل الإشارة هو القصد ، فقصد إلى بيت الحق ، وقصد إلى الحق ، والأول حجّ العوام ، والثانى حجّ الخواص وهكذا.

١١٠

وفى الصيام يقول القشيرى : الصوم على ضربين ، صوم ظاهر هو الإمساك عن المفطرات مصحوبا بالنية ، وصوم باطن هو صون القلب عن الآفات ، ثم صون الروح عن المساكنات ، ثم صون السرّ عن الملاحظات. وهكذا .. والخلاصة أن تفسير القشيرى للقرآن فريد فى بابه ، إلا أنه للصوفية وليس للناس ، كل الناس ، واهتمام القشيرى فيه بالمعانى النفسية للألفاظ دون المعانى العقلية ، والقارئ لهذا التفسير لا يخرج منه بشيء مفيد ، وخاصة إن كان من أهل العصر المتخصصين فى العلوم ، والذين اعتادوا على المنهج العلمى دون سائر المناهج النفسية التى يعوّل عليها التصوف. ولا يخلو الكتاب مع ذلك من الشطحات والتهويمات.

* * *

١٣٦. كم استغرقت" مدة الوحى" بالقرآن؟

يقول ابن عباس : نبّئ نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الاثنين : ويقول عن أنس : استنبأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الاثنين. وعن أبى جعفر قال : نزل الملك على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بحراء يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة ٤١ من مولده صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ويؤرّخ لنزول أولى آيات القرآن من سورة اقرأ بهذا اليوم ، وتؤكد ذلك الآية (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٤١) (الأنفال) ، وكان لقاء الجمعان يوم بدر فى ذكرى يوم نزول القرآن ويوافق ١٧ رمضان. وسئل أبو أيوب الأنصارى عن يوم بدر فقال : إما لسبع عشرة خلت ، أو لثلاث عشرة بقيت ، أو لإحدى عشرة بقيت ، أو لتسع عشرة خلت. يعنى إما يوم ١٧ ، أو ١٩ من رمضان. ـ وهذا عن يوم بدر ، ومثله يوم حراء ، إلا أن يوم حراء كان سنة ٤١ من مولده صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فإذا كانت آخر آية من القرآن نزلت هى : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ) (تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٢٨١) (البقرة) ، وكان نزولها قبل وفاته بتسع ليال ، وكانت وفاته فى يوم الاثنين ١٢ من ربيع الأول ، فإن تاريخ نزول آخر آية يكون ٣ من ربيع الأول سنة ٥٤ من مولده صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتكون مدة البعثة فى مكة اثنتى عشرة سنة وخمسة شهور وثلاثة عشر يوما ، ومدة الوحى فى المدينة تسع سنوات ، وتسعة أشهر ، وثلاثة أيام ، ويوافق ذلك القول بأن مدة رسالته فى مكة كانت نحو ثلاث عشرة سنة ، وفى المدينة نحو عشر سنوات ، وأن مدة الوحى جميعها استغرقت نحو ثلاث وعشرين سنة.

* * *

١٣٧. معنى النزول

فى الآية : (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً) (١٠٥) (الإسراء) يسخر

١١١

المستشرقون من القول فى الإسلام بأن القرآن منزّل على محمد من الله؟ ويتعجّبون من استخدامنا اصطلاح «التنزيل» هذا ، ومقصدهم الخبيث تفويض هذا القول الذى هو أساس الإيمان بالقرآن ، وأساس التصديق بنبوة محمد ، وأساس الاعتقاد بأن الإسلام هو الدين الحق ، فلو أنهم استطاعوا زعزعة هذا اليقين عند المسلمين لتمكنوا من القضاء على الإسلام. والنزول تأتى فى القرآن بمعان شتى ، فمن ذلك قوله تعالى : (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) (٢٩) (المؤمنون) ، وقوله : (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) (٥٣) (طه) ، وليس كذلك معنى نزول القرآن ، وإنما نزوله بالمعنى المجازى والاستعارى ، بمعنى الإعلام به.

ويروى عن ابن عباس أنه قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ، ثم أنزل بعد ذلك فى عشرين سنة ، ثم قرأ قوله تعالى : (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (٣٣) (الفرقان) ، وقوله : (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (١٠٦) (الإسراء). أخرجه النسائى والحاكم البيهقى. وعن ابن عباس أيضا ، قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ، وكان بمواقع النجوم ، وكان الله ينزّله على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعضه فى أثر بعض. أخرجه الحاكم والبيهقى. فلما قيل لابن عباس أن القرآن جاء فيه قوله : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (١٨٥) (البقرة) ، وقوله : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (١) (القدر) ، وقوله : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (٣) (الدخان) ، أى أن نزوله كان فى ليلة القدر ، فكيف يستقيم ذلك مع ما يعرفه المسلمون من أن نزوله تعاقب على الشهور المختلفة؟ قال ابن عباس : إنه ـ أى القرآن ـ أنزل فى رمضان فى ليلة القدر جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا فى الشهور والأيام». أخرجه ابن مردوية والبيهقى. ورسلا يعنى رفقا ، وعلى مواقع النجوم ، أى نزل على مساقطها مفرقا ، أى منجما على مدار الشهور على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وروى الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أنزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشر خلت من رمضان ، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان».

والسؤال الآن : من أين أنزلت هذه الكتب ، ومنها القرآن؟ والجواب عند الأوائل تفسيرا للآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، وفى اللوح المحفوظ يجيء عن ابن عباس عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درّة بيضاء ، صفحاتها من ياقوتة حمراء ، قلمه نور ، وكتابه نور ، صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيه كل يوم ستون وثلاثمائة

١١٢

لحظة ، يخلق ويرزق ، ويميت ويحيى ، ويعزّ ويذل ، ويفعل ما يشاء» أخرجه الطبرانى. ـ وهذا اللوح المحفوظ هو الكتاب المقصود بالآية : (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) (٢٢) (الحديد) ، ، وهو المسطور فيه كل شىء كما فى الآية : (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) (٥٣) (القمر) ، فهو كتاب جامع لكل ما قضى الله وقدّر. والقرآن تنزّل من اللوح إلى السماء الدنيا جملة فى ليلة القدر فى رمضان ، وهى الليلة المباركة ، ثم تنزّل من بعد على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مفرّقا على مدى عشرين أو ثلاث وعشرين ، أو خمس وعشرين سنة ، وفى ذلك يقول ابن عباس : فصل القرآن من الذكر ، فوضع فى بيت العزة من السماء الدنيا ، فجعل جبريل ينزل به على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. أخرجه الحاكم. ويأتى فى القرآن : (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (١٠٦) (الإسراء) ، (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (١٩٥) (الشعراء). ولقد تعلمنا أنه كلما كان التفسير بسيطا ومختصرا كلما كان أقرب إلى الصدق ، وهذه التفسيرات موقوفة على ابن عباس وابن الأسقع ، وفيها الكثير من الإسرائيليات ، والأكثر معقولية أن هذه التنزيلات كما جاء فى القرآن هى سجل للأحداث ، وتكتب فى الألواح وتحفظ ، لتنشر يوم القيامة كتبا لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا وتحصيها ، وأنها كقرآن يتعبّد به ، وفيه الحكمة للناس ، ينزل كل ليلة قدر بما يناسب السنة ، ثم ينزل بعد ذلك منجما فى جميع السنة ، والأكثر معقولية من ذلك أن يقال : إن بداية نزول القرآن كان فى الليلة المباركة ـ ليلة القدر ـ من رمضان ، ثم تتابع من بعد على الشهور : شوال ، وذى القعدة ، وذى الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وربيع .. فهذه إذن هى حكاية النزول أو التنزّل للقرآن ، وليس من ذلك شىء ، لا فى التوراة ، ولا فى الأناجيل إطلاقا ، فالتوراة أو الناموس ألّفه عزرا ، وساعده رجال المجمع الكبير وكان ذلك بعد السبى الثانى وعودة عزرا إلى أورشليم سنة ٤٥٨ قبل الميلاد ، وبقية كتب العهد القديم وهى : أسفار يشوع ، والقضاة ، وصموئيل ، والملوك ، أول وثان وثالث ورابع ، والأخبار أول وثان ، وإشعيا ، وإرميا ، وحزقيال ، والمزامير ، والأمثال ، وأيوب ، والنشيد ، والجامعة ، وراعوث ، ويهوديت ، واستير ، ودانيال ، وعزرا ، ونحميا ، والأحبار ـ وعدد هذه الأسفار ٢٤ سفرا ـ وضعها مؤلفوها بعد سنة ٤٥٨ ق. م ونسبت إليهم وحملت أسماءهم. وأما الأناجيل الرسمية فهى أربعة ، وتنسب لواضعيها : متّى ، ومرقس ، ولوقا ، ويوحنا. وكلّ من هؤلاء كتب قصة المسيح من وجهة نظره ، فمتّى كتبها من وجه نظر يهودية ؛ ومرقس كتبها من وجهة نظر الرومان ؛ ولوقا كان يكتب للمثقفين من اليونان ؛ وأما يوحنا فكان داعية بسيطا

١١٣

يكتب للناس العاديين. فأن يأتى القرآن وينسبه محمد إلى الله ، فهذا ما أوغر صدور اليهود والنصارى على محمد ، ثم كان كتابه فى النقد على اليهود والنصارى ، فزاد من بغضائهم. وكان إنجيل لوقا هو أول الأناجيل المكتوبة ، ووجّهه لوقا إلى شخص يدعى ثاوفيلس من غير اليهود ، ويقدّر النصارى كتابته نحو سنة ٦٠ ميلادية ، وكتابة إنجيل متى نحو ٦٥ ميلادية ، وإنجيل مرقس نحو سنة ٦٨ ، وإنجيل يوحنا حوالى سنة ٩٠ أو ما بعدها ، فلا مجال إذن لمقارنة نزول القرآن وجمعه ورصده بتآليف اليهود والمسيحيين الدينية ، وإظهارها باعتبارها كتبا سماوية تضاهى بالقرآن وحسبنا الله.

* * *

١٣٨. جبريل أخذ القرآن عن الله ، فكيف أخذه عنه؟ وما الذى أخذه؟

فى الحديث عن النواس بن سمعان ، عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا تكلم الله بالوحى أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله ، فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخروا سجدا ، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل ، فيكلمه الله بوحيه بما أراد ، فينتهى به إلى الملائكة ، فكلما مرّ بسماء سأله أهلها : ما قال ربّنا. قال : الحق. فينتهى به حيث أمر» أخرجه الطبرانى. وفى الحديث أن الله يكلم الملائكة وجبريل وحيا ، وفى القرآن : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ) (١٢) (الأنفال) ، وفيه أيضا : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (٥١) (الشورى) ، و (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ) (٦) (فصلت) ، فإن كان القرآن هو كلام الله فقد تنزّل منه تعالى على جبريل ، ثم من جبريل على محمد ، وقد وهم من قال إن جبريل كانت معانى القرآن تتنزل عليه فينقلها معان إلى محمد ، فيعبّر عنها محمد بلغته ؛ أو أن جبريل كان يترجم المعانى إلى لغة ويلقيها على محمد ، وتلك أفكار اليهود والنصارى والمستشرقين ، فلو أن جبريل أو محمدا نقل أىّ منهما المعانى إلى لغة من إنشائه ، لما انتسب القرآن لله ، ولما كان معجزة الإسلام ، وإنما هو معجزة الإسلام لأنه كلام الله ، وما من فضل فيه لجبريل إلا أنه نقله إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما من فضل فيه للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا أنه وعاه ، وحفظه ، وبلّغه ، وقام بتفسيره ، وأجرى أحكامه على الناس ، وما كان له أن يبدّل فيه ، كقوله تعالى : (قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ) (١٥) (يونس) ، ولا أن يتقوّل على الله ما لم يقله ، كقوله : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) (٤٥) (الحاقة).

* * *

١٣٩. الفارق بين القرآن والحديث القدسى والحديث النبوى

القرآن ، والحديث النبوى ، والحديث القدسى ، جميع ذلك من عند الله ، والفرق بين

١١٤

الثلاثة : أن القرآن كلام الله بألفاظه ، كقوله تعالى : (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) (٦) (النمل) ؛ والحديث النبوى : كلام الله بمعانيه يتنزّل به جبريل أيضا ، ويؤدّيه وحيا بالمعانى وليس بالألفاظ ، كقوله تعالى : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) (٣) (النجم) ، فشمل ذلك كل ما ينطق به من قرآن وأحاديث يؤديها بألفاظه ، وبعض هذه الأحاديث يشتهر باسم الأحاديث القدسية ، يحكيها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ربّه ، وأوحيت إليه ألفاظها من الله على المشهور ؛ إلا أن القرآن يتميّز عليها بإعجاز ألفاظه وعباراته ، فإذا لم تكن ألفاظ القرآن وعباراته من الله لذهب إعجازه. وعلى عكس كتب العهد القديم اليهودية ، وكتب العهد الجديد النصرانية ، والتلمود ، ورسائل أنبياء النصارى ، فجميعها ألفاظ ومعانى لم تتنزّل من عند الله ، ليس فيها أى إعجاز ، والكثير منها ممل وركيك فى التركيب ، ومعانيه متهافتة ويرفضها العقل. ونحن نعلم أن أسفار موسى الخمسة كتبها عزرا الكاتب وآخرون ، وأن بقية الأسفار كتبها أصحابها ، كسفر حزقيال كتبه حزقيال ، وسفر إرميا كتبه إرميا ؛ وأن الأناجيل روايات تنسب لمؤلفيها الأربعة : متى ، ومرقس ، ولوقا ، ويوحنا ؛ وأن الرسائل أملاها أصحابها الرسل متضمنة أحكاما صاغوها بأنفسهم. وهذا هو الفرق ، فلم يكن فى كتب اليهود والنصارى تواتر ولا إسناد ، على عكس القرآن والحديث.

والقرآن : هو المسجّل بين دفتى المصحف ، وتحدّى به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم المكذّبين ، ولم يحدث ذلك مع التوراة والأناجيل ، والمسلمون يتعبّدون بتلاوة القرآن ، وهو معصوم من الله لم يلحقه تحريف ، وسيظل كذلك إلى أبد الدهر ، على عكس الأحاديث القدسية ، فمع أنها من الله تعالى ، إلا أنها ليست معجزة فى ألفاظها ولا عباراتها ، ولا يتعبّد المسلمون بتلاوتها ، ولا تصحّ بها صلاة ، ولم تصلنا بالتواتر القطعى ، وبعضها صحيح أو حسن ، وبعضها ضعيف أو موضوع ، كالحديث : «عبدى أطعنى أجعلك ربّانيا تقول للشيء كن فيكون». ومن نماذجها الصحيحة ما أخرجه الترمذى من حديث أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «قال الله : يا ابن آدم إنك ما دعوتنى ورجوتنى غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالى! يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ولا أبالى. ولو أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى (أو أتيتنى) لا تشرك بى شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة». وموضوعات هذه الأحاديث كما ـ ترى ـ تتميز بأنها عن الله تعالى ؛ بينما الأحاديث النبوية تشتمل على نفس موضوعات القرآن : فى التوحيد ، ومعانى الإيمان والأخلاق ، وأخبار الأمم ، وأنباء الغيب ، وآيات الكون ، والجنة والنار ، ويوم القيامة ، والحشر والنشور ، والحساب والصراط ، والعبادات وثوابها ،

١١٥

والتوبة والذكر ، والجهاد والصبر ، والتحاب فى الله والأخوة ؛ فكأن الأحاديث النبوية تشرح القرآن وتفسيره ، وتؤكد معانيه ، والجميع ـ سواء كانت قرآنا ، أو أحاديث قدسية أو نبوية ، فيوضات موحى بها ، إلا أن الوحى بالقرآن بالمعنى واللفظ معا ، وبالحديث القدسى بالمعنى دون اللفظ ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعبّر عن المعنى ببيانه المفرد ، وأما الأحاديث النبوية فهى ما ينسب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، من قول أو فعل أو حكم أو تقرير ، ومن ذلك مثلا قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «خيركم من لم يترك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه ، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه» ، فالكلام فى الحديث النبوى جامع لشروط البلاغة ، وفيه الحكمة العالية ، إلا أنه أقل بلاغة من القرآن ، وكلاهما القرآن والأحاديث النبوية يشكلان معا الإسلام.

والفرق بين التناول القرآنى وبين التناول النبوى للموضوعات الواحدة ، أن القرآن يأتى مجملا ، وأن السنّة مجملة ومفصّلة ، ومن ذلك مثلا قوله تعالى : (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١٠٤) (آل عمران) ، ونفس المعنى يأتى به الحديث : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم. ومعانيه استلهمها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من القرآن من هذه الآية ، ومن غيرها من الآيات التى يحفل بها القرآن وتتطرق إلى نفس الآداب ؛ ولا غناء عن السنّة لمعرفة القرآن ، ولا مندوحة عن الرجوع إلى القرآن لبيان أصل السنة.

* * *

١٤٠. ميزة القرآن على سائر الكلام

القرآن قرّة عين المسلم ، وفى الحديث القدسى عن أبى سعيد الخدرى : «من شغله القرآن عن ذكرى وعن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين». وفى الحديث عن أبى هريرة «فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه». وعن أبى سلمة عن عثمان : «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه». وفى الحديث عن أبى موسى الأشعرى : «مثل الذى يقرأ القرآن كالأترجة ، طعمها طيب وريحها طيب ، والذى لا يقرأ القرآن كالثمرة ، طعمها طيب ولا ريح لها ، ومثل الفاجر الذى يقرأ القرآن كمثل الريحانة ، ريحها طيب وطعمها مرّ. ومثل الفاجر الذى لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ، طعمها مرّ ولا ريح لها». فأقسام الناس من القرآن ـ وهم مسلمون ـ أربعة : منهم اثنان مؤمنان ، واثنان فاجران ، فأما المؤمنان : فأحدهما على الإيمان ويقرأ القرآن ويعمل به ، وعمله لذلك طيّب وما يقوله طيب ، والثانى على الإيمان ولكنه أمى لا يقرأ ولا يكتب ، ومن ثم لا يعرف ما عليه عمله ، فلأنه مؤمن فما يصدر منه

١١٦

طيب ، ولأنه أمى لم يقرأ فهو لا يعرف ، وليست له أقوال طيبة تؤثر عنه ؛ وأما الفاجران : فالذى يقرأ منهما القرآن له أقوال طيبة ، ولكن لا يعمل بها ، والفاجر الذى لا يقرأ لا قول له يؤثر عنه ، ولا عمل يحتسب له. والتشبيه بالأترجة لأن مذاقها حلو ، ورائحتها طيبة ، ولحمها وقشرها وحبّها جميعا ينتفع به. والحنظلة مرّة المذاق ولا رائحة لها. والتمثيل فى الحديث ليس عن الذى يقرأ القرآن وكفى ، وإنما يقرأه ويعمل به ، وتقسيم الناس جاء على هذا الأساس ، والفاجر هو المنافق قد يقرأ ولا يعمل ، وقد لا يقرأ ولا يعمل. وفى الحديث فضل حامل القرآن ، وفضل العمل به.

وعن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس : أوتى أهل التوراة ، التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ؛ ثم أوتى أهل الإنجيل الإنجيل ، فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس ، فأعطينا قيراطين قيراطين. فقال أهل الكتابين : أى ربّنا ، أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين ، وأعطيتنا قيراطا قيراطا ، ونحن أكثر عملا؟ قال الله عزوجل : هل ظلمتكم من أجركم من شىء؟ قالوا : لا. قال : فهو فضل أوتيه من أشاء» ، يعنى أن من أفضال القرآن أن من يعمل به أجره أكبر من أجر من عمل بالتوراة أو بالإنجيل ، وأنه قد يستحق بعمل البعض أجر الكل ، مثل الذى يعطى على عمله من العصر إلى الليل أجر النهار كله.

* * *

١٤١. قيل إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أوصى بالقرآن ، فكيف ذلك؟

فى الحديث عن طلحة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «أوصى بكتاب الله» ، أى أن يحفظ حسّا ، ومعنى ، فيكرم ويصان ، ويتّبع ما فيه ، فيعمل بأوامره وتجتنب نواهيه ، ويداوم على تلاوته وتعلّمه وتعليمه. وهذه هى الوصية.

* * *

١٤٢. القرآن معجزة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، مقارنا بمعجزات السابقين من الأنبياء

معجزات موسى كما توردها أسفار اليهود عشرون معجزة ، هى : ١ ـ معجزة أن يكلّمه الربّ فى حوريب ؛ ٢ ـ معجزة العصا الثعبان (الخروج ٧ / ١١) ؛ ٣ ـ معجزة انقلاب ماء النهر والخلجان والمناقع دما (الخروج ٧ / ٢٠) ؛ ٤ ـ معجزة إصعاد الضفادع أرض مصر كلها (الخروج ٨ / ٧) ؛ ٥ ـ معجزة إطلاق البعوض على جميع أرض مصر (الخروج ٨ / ١٨) ٦ ـ معجزة الذباب يملأ أرض مصر بالوباء (الخروج ٨ / ٢٢) ؛ ٧ ـ معجزة قتل

١١٧

البهائم فى جميع أرض مصر (خروج ٩ / ٦) ؛ ٨ ـ معجزة إصابة المصريين وبهائمهم بالقروح والبثور (تكوين ٩ / ٩) ؛ ٩ ـ معجزة البرد والمطر فى كل مصر ، وإتلاف الزروع (تكوين ٩ / ٢٢) ، ١٠ ـ معجزة الجراد يملأ مصر ويأكل ما تبقى من زروعها (تكوين ١٠ / ١٥) ؛ ١١ ـ معجزة ضرب مصر بالظلام ثلاثة أيام (خروج ١٠ / ٢٣) ؛ ١٢ ـ معجزة موت كل بكر فى أرض مصر ، يستوى فى ذلك أبكار البشر أو الحيوان (خروج ١١ / ٥) ؛ ١٣ ـ معجزة انشقاق البحر لموسى وانفلاقه على المصريين وغرقهم (خروج ٢٤ / ٢٧) ؛ ١٤ ـ معجزة المن والسلوى (١٥ / ١٣) ؛ ١٥ ـ معجزة ضرب الصخرة وخروج الماء (خروج ١٧ / ٦) ؛ ١٦ ـ معجزة كلام الله فى برية سيناء (خروج ١٩ / ٣) ؛ ١٧ ـ معجزة رؤية الله ١٨ ـ معجزة كلام الله على جبل سيناء (خروج ٢٥ / ١٦) ؛ ١٩ ـ معجزة اللوحين كتبهما الله (خروج ٣١ / ١٨) ؛ ٢٠ ـ معجزة كلام الرّب فى الخباء (خروج ٣٣ / ٣). وكل هذه المعجزات وقتية ، ومقصور الإيمان بها على من عاينها ، وهؤلاء ماتوا ولم يحدثنا أحد منهم بما عاين ، ولم يرو عنهم أحد بالتواتر ممن يعرف عنهم الصدق ، والتصديق بها محل خلاف ، ولا يوجد ما يجعلنا تصدّقها أو نؤمن بها لأنها من الغيب ، ولم يوجد منها شىء على الآثار المصرية ، والمؤكد أنها قد جرت على أرض جاسان من أقاليم مصر (محافظة الشرقية الآن) ، وأن المقصود بالمصريين هم المستوطنون من الأشوريين الآسيويين ، وهؤلاء لم تكن لهم آثار.

وأما معجزات المسيح ، كما توردها الأناجيل الأربعة ، فهى تسع وعشرون معجزة ، كالآتى : ١ ـ ولادة المسيح من عذراء بلا أب (لوقا ١ / ٢٦ / ٣٨) ؛ ٢ ـ تحويل الماء إلى خمر (يوحنا ٢ / ١ ـ ١١) ؛ ٣ ـ شفاء رجل به روح نجس (لوقا ٤ / ٣١ ـ ٣٧) ؛ ٤ ـ شفاء حماة بطرس (متى ٨ / ١٤ ـ ١٥) ؛ ٥ ـ شفاء كثيرين من كفر ناحوم (مرقس ١ / ٣٢ ـ ٣٤) ؛ ٦ ـ شفاء الأبرص (يوحنا ٥ / ١٢ ـ ١٦) ؛ ٧ ـ شفاء المفلوج (متّى ٩ / ١ ـ ٨) ؛ ٨ ـ شفاء مريض بيت حسدا (يوحنا ٥ / ٥) ؛ ٩ ـ شفاء الرجل ذى اليد اليابسة فى السبت (مرقس ٣ / ١ ـ ٦) ؛ ١٠ ـ شفاء عبد قائد المائة (لوقا ٧ / ١) ؛ ١١ ـ شفاء من به روح نجس (متّى ١٢ / ٢٢ ـ ٣٧) ؛ ١٢ ـ معجزة إسكات العاصفة (لوقا ٨ / ٢٢ ـ ٢٥) ؛ ١٣ ـ شفاء الأعميين (متّى ٩ / ٢٧ ـ ٣١) ؛ ١٤ ـ شفاء الأخرس المجنون (متى ٩ / ٣٢ ـ ٣٤) ؛ ١٥ ـ مشيه على الماء (متى ١٤ / ٢٢ ـ ٣٣) ؛ ١٦ ـ شفاء ابنة الكنعانية (متى ١٥ / ٢١ ـ ٢٨) ؛ ١٧ ـ شفاء الأصم الأخرس (مرقس ٧ / ٢٤ ـ ٣٠) ؛ ١٨ ـ إطعام الأربعة آلاف (متّى ١٥ / ٣٢ ـ ٣٨) ؛ ١٩ ـ شفاء الأعمى (مرقس ٨ / ٢٢ ـ ٢٦) ؛ ٢٠ شفاء الصبى الممسوس (لوقا ٩ / ٣٧ / ٤٣) ؛ ٢١ ـ

١١٨

إخباره بموته وقيامته (متّى ١٧ / ٢٢ / ٢٣) ؛ ٢٢ شفاء المرأة المريضة المنحنية (لوقا ١٣ / ١٠ / ١٧) ؛ ٢٣ ـ شفاء البرص العشرة (لقوا ١٧ / ١١) ؛ ٢٤ ـ إقامة لعازر (يوحنا ١١ / ٤٤) ؛ ٢٥ نبوءته بسقوط أورشليم ومجيئه الثانى (متّى ٢٤ / ١ ـ ٣١) ؛ ٢٦ ـ التنبؤ بإنكار بطرس وتشتت التلاميذ (متّى ٢٦ / ٥٨) ؛ ٢٧ ـ شفاء الأعميين بالقرب من أريحا (متى ٢٠ / ٢٩) ؛ ٢٨ ـ ظهوره لتلاميذه (مرقس ١٦ / ١٤) ، ويوحنا ٢٠ / ٢٥ ـ ٢٩ ، ٢١ / ١ ـ ٢٣) ؛ ٢٩ الصعود (مرقس ١٦ / ١٩ ـ ٢٠ ، ٢٤ / ٥٠ ـ ٥٣). وكما ترون فإنها معجزات لا تلزم من لم يعاينها فى غير مكانها وفى غير وقتها.

وأما معجزة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهى القرآن ، وسيظل القرآن أبدا يتحدى المكذّبين والمشركين ، وسيبقى شاهدا عليهم ، وحجة ضدهم ، فمن لم يعاصر محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويسمع منه ، فهذا هو القرآن الذى بلغه وفيه كل ما جاء به! فإن لم يكن يعرف العربية لغة القرآن ، فليقرأه مترجما إلى كافة لغات العالم! وحسبنا الله.

* * *

١٤٣. القرآن يثبت إعجازه ويتحدى أهل زمانه وغير زمانه

المعجزة للأنبياء : من الإعجاز ، وهى فى الشرع أمر خارق للعادة مقرون بالتحدّى ، مع عدم المعارضة فى شاهد الدعوى ، فإذا لم تكن مقرونة بالدعوى فهى كرامة ، والكرامات للأولياء. والسحر والشعوذة من الخوارق إلا إنهما من كذبة فى دعوى الرسالة : ومن شروط المعجزة : أن لا يقدر عليها إلا الله ، وألا يأتى أحد بمثلها ، وما جرى من معجزات للرسل قبل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مضى عصرها بموت هؤلاء الرسل ، ولم يتبق لنا سوى أخبارها ، ولم نشهد صحتها وحصولها فلا تلزمنا ، على عكس معجزة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهى القرآن ، فإنه ما يزال قائما ، وتواتر إلينا بسند صحيح ، من شهود لم يعرف عنهم الكذب فيما ينقلونه ويسمعونه ، وكانوا كثرا ، فوقع لنا العلم به ضرورة ، وتحدّى القرآن الناس فى زمن تنزّله فقال : (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ) (٣٤) (الطور) ، وتحدّاهم أكثر من ذلك ، فقال : (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ) (١٣) (هود) ، فلما عجزوا حطّهم عن هذا المقدار إلى مثل سورة من السور القصار ، فقال : (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) (٢٣) (البقرة) ، وأفحموا عن الجواب ، وتقطّعت بهم الأسباب ، وعدلوا إلى الحروب والعناد ، ولو قدروا على المعارضة لكان أبلغ فى الحجة ، وما يزال التحدى قائما باستمرار القرآن وبقائه ، فالقرآن معجزة دائمة ، على عكس معجزات الأنبياء وخاصة موسى وعيسى ، فإنها كانت وقتية ، ولا تلزم المعاصرين لأنهم لم يعاينوها ، والقرآن ما نزال نعاينه ، وسيستمر كذلك إلى أبد

١١٩

الآبدين ، فعلم السابقون ، ويعلم الحاضرون ، أن القرآن ليس من نظم محمد ، ولا من اختراع بشر ، وأنه لا يمكن إلا أن يكون من لدن الله ، فما كان نظمه معهودا كالنظم السابق ، فلما وضعوه على أقراء الشعر لم يلتئم على لسان أحد أنه شعر ، ولم يكذّبه الكهنة ، وسمعه السحرة فأقروا بأنهم لم يسمعوا مثله قط. وقد تكلم المستشرقون والأحبار والقساوسة فى القرآن من جهة الأسلوب ، فأجزموا بأنه مخالف لجميع الأساليب الماضية والحاضرة ، وأن جزالة لفظه لم تصحّ لمخلوق ، واجتمع فى كل سورة وآية من النّظم ، والأسلوب ، والجزالة ، ما أذهل السابقين واللاحقين ، وامتلأ القرآن بأخبار الأمم الغابرة ، وقصّ القصص عن الأنبياء ، فلم يقل إلا حقا ، وما من وعد وعد به إلا تحقق ، وأخبر عن أمور من المستقبل ، ووعد بإظهار الدين فحدث ، وذكر أطرافا من العلوم فما جاء منها أثبته العلم الحديث ولم يعارضه ، وتوافق ما ظهر منه وما بطن ، فلم يدع لشىء ظاهرا وأبطن نقيضه ، فلما عارضه المعارضون فشلوا ، لأن ما شغلهم هو الأسلوب ، وأما المعانى والأخبار فقد حاروا فيها ، فكيف يأتون بها وعلمهم هو علم بشر ، وما كانت لديهم من قصص وأخبار عن السابقين. ولنتأمل سورة مثل سورة الكوثر ، وهى أقصر سور القرآن ، فلم تزد عن ثلاث آيات قصار ، ومع ذلك أخبرت عن مغيّبين هما الكوثر ، والوليد بن المغيرة الذى كان يكن البغض لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان الوليد هذا عند نزول الآية صاحب مال وعيال ، فنزل فيه : (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً) (١٤) (المدثر) ، فأنبأ أنه يهلك ماله وولده وينقطع نسله ، وقد كان. وكان الخبر عن أبى لهب وامرأته تحديا لهم ، وكان باستطاعتهما أن يكذّبا السورة بإعلان إسلامهما ، فلم يفعلا ، وصدق قوله تعالى فى القرآن فيهما علما وعدلا.

وانظر إلى آية من الآيات ، ولتكن مثلا : (وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ) (٧) (القصص) ، فقد جمعت فى كلماتها القليلة أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين ، فدلّت على أن بلاغة القرآن فى القمة ، ولو كان القرآن من تأليف محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما ادّعى المدّعون ، لكان أسلوب القرآن أقل مرتبة ، فلمّا كان يتجاوز الإرباء والزيادة ، فلا بد أنه من تأليفه تعالى وليس من تأليف بشر.

وقارن بين آخر ما يمكن أن يبلغه علم محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وملكته ، وبين حال القرآن فى العظمة والسمو والرفعة ، فمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال مثلا عن الجنة : «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» أخرجه مسلم ، بينما قال تعالى فى القرآن : (وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) (٧١) (الزخرف) ، (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) (١٧)

١٢٠

(السجدة) ، فكان كلام القرآن أقل وزنا ، وأحسن تركيبا ، وأعذب لفظا ، وأقل حروفا ، فإن كان ذلك فيما جاء من آية واحدة ، فما بالك فيما يكون من السورة؟ وبمثله قامت الحجة على العرب السابقين ـ وهم أرباب الفصاحة ، وتقوم الحجة على أهل العلم المعاصرين ، مما فى القرآن من علوم ومعارف ومعان ودلائل ، وهذا هو الفرق بين معجزة القرآن عند محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومعجزة غيره من الأنبياء السابقين : أن معجزة القرآن مستمرة ، وتحدّيه أبدى.

* * *

١٤٤. أسلوب القرآن

أسلوب الكلام : هو طريقة تأليفه واختيار ألفاظه ؛ وأسلوب القرآن هو طريقته المتفرّدة فى التعبير ، وذوقه العالى فى اختيار الألفاظ وصياغة التراكيب بما يناسب المعنى ويقصد إلى الغرض ، فلغة الوعد بخلاف لغة الوعيد ، وعبارات القصة بخلاف عبارات الأحكام ، وألفاظ يوم القيامة نقيض ألفاظ يوم من أيام الزينة ، وفى هذين المثلين المتقاربين فى الآية : (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ) (٥٨) (البقرة) ، والآية : (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ) (١٦١) (الأعراف) ، ففي الآية الأولى استخدم الفاء فى كلمة «فكلوا» ، واستخدم الواو فى نفس الكلمة «وكلوا» فى الآية الثانية ، غير أن المعنى فى الآية الأولى أن الأكل معطوف على دخول القرية ، ومتعلق به تعلق الجواب بالابتداء ، أو تعلق الشرط بالجزاء ، فكان استخدام الفاء ، لأن الأكل شرطه الدخول ، بعكس الآية الثانية فإن الأمر فيها ليس مجرد دخول ولكنه سكنى ، والسكنى طول مقام ، وفيها التريث والتفكير ، وربما البحث عن الطعام ، وربما اتباع وسائل للسكنى ثم وسائل إلى الطعام ، فليس هناك مجال للعطف ، ولذلك وجب أن يكون العطف بالواو وليس بالفاء ، لأن الفاء تفيد الترتيب والتعقيب ، واما الواو فتفيد الحال ، والأحوال كثيرة بحسب مناسباتها ، وجميعها تحتشد فيها الصور وتصلح لها ألفاظ وعبارات دون ألفاظ وعبارات ، والأسلوب هو الصورة الفنية التى يأتى عليها وصف هذا الحال دون ذاك ، والكلام يتفاوت فى البلاغة فى ذاته ولدى القارئين أو المستمعين ، وفى كلام القرآن تأتى الألفاظ وقد اختيرت اختيارا ، والعبارات وقد صيغت بإحكام ، فيسمعه أو يقرأه الناس فى عصر ومصر فيفهمون منه أشياء ، ويتذوقونه بطريقة تلائمهم ، فكأن القرآن قد جاء ليتذوقه كل الناس ، فالألفاظ فيه منظومة نظاما صوتيا له جرسه الجميل ، وائتلافه فى الحركات والسكنات ، وفى المدّات والغنّات. وللقرآن توقيعه الخاص ، وكأنه شعر وهو ليس بشعر ، وله إطلاق النثر وإرساله ، وليس من السحر ولا الكهانة ، لأنه يدعو إلى الخير والحق ، ويرسّخ معانى الجمال والجلال والكمال ، وقيل

١٢١

فيه : إن له لحلاوة ، وعليه طلاوة ، أعلاه منير ، وأسفله مشرق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، ويرضى كل الأذواق ، خاصة وعامة ، وكل العقول ، وينفذ إلى القلوب ، ويرتبط فيه الفكر مع الجمال ، والمعنى مع السياق ، وجودة السبك مع إحكام السرد ، وإنه لشىء عجيب أن يتناول الموضوع الواحد فى عدد من السور فلا تحس بالتكرار ، لأن اللقطة فى هذه السورة خلاف اللقطة فى تلك ، وإن كان المشهد واحدا ، والعظة هنا خلاف العظة هناك ، من غير تفكيك للمعانى ، ولا تنافر للموضوعات ، والتناسب يربط بين الجميع ، بطرق تتعدد بين الإنشاء والإخبار ، والإظهار والإضمار ، والتكلم والغيبة ، والحضور والاستقبال ، والاستفهام والإقرار ، والوصف والسرد ، والاسمية والفعلية ، والوعد والوعيد ، والكلام فيها جميعا يتحوّل من النمط إلى النمط بسرعة لا تجارى ، فلا تضطرب المعانى ، ولا تتعثر المقاصد ، فيجتمع الإجمال مع البيان مع تقابلهما ، ولا يزيد اللفظ على المعنى ولا يقصر ، ولا يقتر ولا يسرف. وأسلوب القرآن ولغته من وجوه إعجازه ، وفى القرآن آلاف المعجزات!

* * *

١٤٥. تحدّاهم فعجزوا عن الإتيان بمثله

فى القرآن : (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (٣١) (الأنفال) ، فهل فعلوا؟ وهل أتوا بمثله؟ أم أنهم فشلوا وعجزوا وضعفوا؟ والقول هو قول كفّار قريش زمن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو نفسه قول من جاءوا بعدهم وحتى اليوم ، من أمثال ابن الراوندى ، وعبد المسيح الكندى ، وجماعة العلمانيين والعولميين والتنويريين ، من الوزراء والصحفيين والمثقفين ، وبدلا من الردّ الصريح بتأليف شىء مواز للقرآن فى قصصه وأحكامه وتشريعاته وحججه ودعوته إلى إله واحد ، لم ينهضوا بعمل واحد جدّى واكتفوا بالقول : (لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا). وفى الأدب الفرنسى شىء من ذلك عن شخصية اسمها مسيو جوردان يتحدث فى الأدب ، والرواية ، والشعر ، ويحكى أنه لو فقط يفرغ نفسه لكتب شيئا لم يسبقه أحد إليه ، وأثناء ذلك لم يحاول ولو مرة أن يفرغ نفسه ، وكذلك هؤلاء المدّعون من مستشرقين أجانب وعرب ، وفى الخبر أن عبد المسيح الكندى هذا قال فى القرآن : إن الأنباط ، والأسقاط ، والعجم ، والمغفلين ، والأغبياء الذين لا معرفة لهم باللسان العربى ، هم الذين ينخدعون بدعوى إعجاز القرآن ـ يعنى أمثاله لا تخدعهم هذه الدعوى ، فأين ما كتب؟ لا شىء. وكذلك كان يقول أحدهم واسمه النضر بن الحارث فى زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذهب من أجل مشروعه للردّ على القرآن إلى

١٢٢

فارس ـ يجمع المراجع والكتب ، ويتعرّف أخبار الملوك ، وكان فيما يزعم يقول إن القرآن أساطير أولين ، فلما عاد إلى مكة كان كلما سمع أن محمدا يقرأ من القرآن على الناس ، جلس إليهم بعده يحدّثهم بما يعرف من هذه الأساطير ، ويختم كلامه متسائلا : بالله أينا أحسن قصصا ـ أنا أو محمد؟ ووقع النضر هذا فى الأسر يوم بدر ، وقتل صبرا ، وكان الذى أسره المقداد بن الأسود. ومعنى قوله إن القرآن أساطير الأولين ، أن محمدا يقتبسها ويتعلّم منها ويتلوها على الناس كما قال تعالى : (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (٦) (الفرقان).

* * *

١٤٦. إعجاز القرآن لا يدل على أنه من كلام الله

يصر المستشرقون على أن القرآن ليس من عند الله ، وأن محمدا هو مؤلفه ، غير أننا تعرف أن كل أديب له أسلوبه الخاص الذى ينفرد به ، والنابع من شخصيته ومزاجه وثقافته وظروف حياته وبيئته التى نشأ فيها ، ولا يمكن أن يتشابه أديبان ولا أن يقلد أحدهما الآخر ، أو أن يأتى أحدهما بمثل ما كتب وصنّف الآخر ، ويفسّرون إعجاز القرآن تفسيرا عجيبا ، فيزعمون أن إعجاز القرآن المزعوم هو أن كل متأدّب يعجز عن الإتيان بأسلوب كأسلوب غيره ، وأسلوبه لذلك معجز ، والقرآن من هذا السبيل معجز ، فالقول بأن القرآن لا يمكن لبشر أن يأتى بمثله لا يدل على أنه كلام الله ، وأنه مقدّس!!

ويخطئ المستشرقون من اليهود والنصارى والملاحدة ، والمستشرقون الجدد من العلمانين والتنويريين المسلمين والمصريين ، إذا فهموا أن تحدّى القرآن لهم بأن يجيئوا بسورة منه ، أنه يلزمهم أن يكون ما يجيئون به صورة للقرآن ، وبنفس منهاجه وأسلوبه ، فالتحدّى لم يقصد إلى هذا ، بل أراد أن يصنّفوا شيئا من عندهم ، وبأسلوبهم ، مهما كان شكله أو نمطه ، أو المزاج الذى صيغ به ، أو المنهاج الذى اتبعوه فيه ، بشرط أن تكون له قيمة كقيمة القرآن ، وأن يستحدث ما استحدث القرآن فى الناس والمجتمعات من تغييرات ثورية ، وما صنعه فى التاريخ من انقلابات ، وأن تكون له قيمة بيانية وجمالية كالتى للقرآن ، فيجتمع عليه الكبير والصغير ، والنساء والرجال ، والناس جميعا من مختلف الأمصار والأزمان ، فهذا معنى التحدى ، ومجاله أن يتنافس أهل الصفوة ، فيتماكنون أو يتفاضلون فيما بينهم ، ولكل منهاجه وشرعته ومراده وأسلوبه وصنعته ، فإن كانوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أكفاء ، فسيأتون بمثل ما يدّعون أنه جاء به ، فإذا كانوا أفضل منه ، كان ما سيأتون به هو الأحسن ، وحتى لو كانوا

١٢٣

أدنى لن يشق عليهم أن يكونوا قريبين منه. والتحدى مفتوح من البعثة وحتى اليوم! وما انبرى أحد أبدا أن يبارى القرآن ، ولم يتصدوا له مجتمعين ولا منفردين ، علما بأن المنافسات هى دأب العصر ، ونسمع عن مثلها فى مجال الرياضة ، وفى المسابقات الفنية ، وتدعى إليها المكاتب الهندسية ، وما جعلت الجوائز الكبرى كجائزة نوبل وغيرها إلا لمكافأة المميّزين ، الذين يتقدمون بمشاريع متباينة بحسب الأشخاص ، ولكنها فى المجال الواحد. والتحدى الذى يطرحه القرآن هو من هذا القبيل ، فهو ليس بدعة ، ولم يأت القرآن فيه بجديد ، وأئمة البيان فى العالم بالآلاف ، والمبدعون فى الفكر الدينى كثر ، والمستشرقون يدّعون العلم بالعربية ، ولم يكن من شروط التحدى مع ذلك أن يكون المثيل للقرآن بلغة العرب ، فليكن بأى لغة كانت ، ومن أى قوم من الأقوام. ولقد مضى على طرح هذا التحدى نحو ألف وخمسمائة عام ، ولم نسمع عن متقدم واحد أو عدد من المتقدمين ، والقرآن يتحداهم أن يظاهروا بعضهم البعض ، وأن يكون معهم الإنس والجن لو استطاعوا ، وأن يكونوا لبعضهم البعض ظهيرا. وحتى الآن فإن ذلك دليل وأى دليل على أن القرآن من لدن عزيز حكيم ، وليس بكلام محمد ولا غير محمد من المخلوقين.

* * *

١٤٧. ما القول فى أن ادعاء" إعجاز القرآن" هو نفسه ادّعاء إعجاز الكلام

النبوى ، فلما ذا يكون القرآن المعجز هو كلام الله ، والكلام النبوى هو كلام محمد؟

الصحيح أن كلام القرآن معجز وكذلك الكلام النبوى ، ولكن معنى الإعجاز فى الحالين ليس واحدا ، ففي القرآن يعنى الإعجاز أن من يشأ مماثلة القرآن ، لا بد أن يفشل ، ولن يستطيع أن يأتى بسورة من مثله ، لا من حيث الموضوع ولا الصياغة. وفى الكلام النبوى فإن الإعجاز يعنى البلاغة ، وكلامه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلام بشر ، ومحمد ليس إلا بشرا يوحى إليه ، وما يوحى إليه يتعلق بالموضوعات ، وأما الكلام فمن عند محمد ، ولذا فقد تكون للحديث الواحد روايات شتى ، وفى بعضها زيادة ، وفى بعضها نقص ، وقد تتغير فيها الألفاظ ، وطالما اتفق الناس على الموضوع الواحد فإن تعبيراتهم عنه تتشابه فى أشياء وتتماثل فى أشياء. وقد تشابهت أقوال النبىّ مع أقوال الصحابة فى أشياء حتى ليحار الباحث المدقق ، هل هو من أحاديث النبىّ أم أنه من أحاديث الصحابة؟ ولو كان كلام القرآن قد صدر عن محمد كالأحاديث التى صدرت عنه لتشابه الاثنان وتماثلا ، ولا تملك وأنت تسمع الكلام النبوى إلا أن تقول هذا كلام بشر ، ورغم أنه عالى البيان ويتفوق على كلام الناس ، إلا أن تفوقه من باب أن الكلام قد يكون بليغا ، وقد يوجد الكلام الأبلغ

١٢٤

منه ، وكلاهما كلام بشر ، وأما كلام القرآن فالبلاغة فيه فى القمة ، ولا تدانيها بلاغة بشر ، ولو كان الكلامان صادرين عن محمد لكان له أسلوبان مختلفان ينبئان بشخصيتين مختلفتين ، ومزاجين متباينين ، وثقافتين متباعدتين ، وذلك هو المحال.

* * *

١٤٨. القرآن وروح العصر : فرية أن القرآن يمثل روح عصره أصدق تمثيل

المستشرقون اليهود والنصارى ، والمستشرقون الجدد من المسلمين المثقفين ثقافات غربية ، ومن دعاة التنوير والعلمانية والعولمة إلخ ، هؤلاء هم الذين يفترون هذه الفرية ، وهم ملاحدة أصلا ، وفى زعمهم أن القرآن هو الأثر الوحيد الباقى من عصره ، وأنه انعكاس لكل ثقافة ذلك العصر ، يريدون بذلك أنه نبتة طبيعية للعصر وليس فيه شىء من الوحى ، ولم يوح به لمحمد ، وإنما ما به من نظرات ونظريات ، ومعلومات ومعارف ، وحكم ومأثورات ، جميعها من إملاء العصر. والرّد على هؤلاء : فلما ذا إذن لم يؤمن أهل هذا العصر به؟ ولما ذا كذّبوا محمدا وهو لم يفعل ـ فى زعمهم ـ إلا أن جمع التراث ، وحشد مفرداته ، وترجم عنه أصدق ترجمة كما ادّعوا؟ ولما ذا حرصوا على تبهيته وتكذيبه ، وافتروا أن ما جاء به القرآن هو من تعاليم بحيرا الراهب أو غيره؟ ولم يردعهم أن بحيرا وغيره لا يعرفون العربية ، وألسنتهم ودياناتهم أعجمية ، فهل الذى يقول بالإسلام يكون قد سرق ، أو سطا ، أو استعار ، أو استفاد من مفردات لغات غريبة ، وديانات عجيبة ، مغايرة للإسلام كل المغايرة؟ وتتأبّى طبيعة هذه الديانات وتلك اللغات أن تكون مصدرا لهدايات القرآن وأسلوبه البليغ وتعبيراته المتسامية ، ولنقارن بين فصل من فصول أى من الكتب المشهورة كأسفار موسى ، أو أسفار العهد القديم أو الجديد ، لنرى الاختلاف فى التعاليم ، وفى المنهج ، وفى اللغة والأسلوب ، وأجملها القرآن جميعها فى وصف واحد فذكر أنها جهالات وضلالات ، وانبرى يصحّحها ويقوّم معوجها ، ونبّه إلى المنكرات فيها ، واستحث الناس أن يطرحوها عنهم ، وينبذوها من اعتقاداتهم.

ولو كان بحيرا الراهب أو الحدّاد الرومى جبرا ، أو سلمان الفارسى ، أو أى ممن افتروا أن محمدا تلقى عليه ـ هو مصدر كل هذه التعاليم فى القرآن ، وكل هذه الأحكام والهدايات ، وهذا الفيض المعجز من الفلسفات والنظريات ، والمفاهيم والدلالات ، والأسماء والمعلومات ، لكان الأحرى أن يكون بحيرا أو سلمان ، أو غيرهما ، هو النبىّ ، وأن ينهض دون محمد بالرسالة ، وأن يندب لها أو ينتدب لها نفسه! وهل كان من المعقول أن يحصّل محمد كل هذه المعارف ويصقل بها لسانه فى هذا الوقت القصير ، وهو

١٢٥

الذى بدأت بشارته وهو فى الأربعين ، ولم يكن متفرغا تماما ليتتلمذ على أحد ، لانشغاله بتجارة خديجة ، وكان أميا لم يقرأ كتابا ، فكيف يتسنّى له رغم كل هذه المعوّقات أن ينضج نفسه ثقافيا ، ويعلّم نفسه ويتعهدها كل هذا التعهّد والعلم ، الذى أثمر معجزة القرآن ، ومعجزة النبوة معا ، فأما القرآن فقد تحدّى أن يأتوا بعشر سور مثل سوره ، أو حتى بمثل سورة واحدة من سوره ؛ وأما النبوّة فقد صار بها محمد من أميّة بليدة إلى أستاذية رشيدة ، يصحّح الضلالات السائدة والأغاليط المنتشرة! وأى ثقافة هذه التى نقلها محمد من البيئة والعصر إلى القرآن ، وهو الذى يصحّح ويقوّم ، ويطلق على السائد من الأفكار والتقاليد اسم الجاهلية؟ وكلامهم يرقى الى أن القرآن صورة من هذه الجاهلية ، وذلك محض افتراء وأى افتراء!!

* * *

١٤٩. أسلوب من أوصاف القرآن

لما كان القرآن جليل القدر ، وفيه بيان كل شىء ، وشفاء لما فى الصدور ، ومعجزة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أقسم به الله تعالى فقال : (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) (١) (ص) والواو هى واو القسم ، وذى الذكر ، قيل : أى ذى الشرف ، فمن آمن به كان له شرفا فى الدارين ، كقوله تعالى : (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (١٠) (الأنبياء) أى فيه تشريفكم. ثم إن القرآن شريف فى نفسه ، لإعجازه واشتماله على ما لم يشتمل عليه غيره. وقيل : ذى الذكر ، أى ذى البيان ، ففيه ذكر ما يحتاج إليه فى أمر الدين. وفيه ذكر أسمائه تعالى التى نعرفه بها ، وفيه الموعظة تذكّر وتحذّر وتبشّر.

* * *

١٥٠. القرآن فيه شرف المسلمين

يقول تعالى : (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (١٠) (الأنبياء) ، والكتاب هو القرآن ، وفيه ذكركم أى فيه شرفكم ، أو فيه أمر دينكم ، وأحكام شرعكم ، وما تصيرون إليه من ثواب وعقاب ، أو فيه الحديث عنكم ، وعن مكارم أخلاقكم ومحاسن أعمالكم ، أو فيه العلم بما فيه حياتكم ، لقوله تعالى : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ) (٤٤) (الزخرف). والقرآن شرف للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه معجزته ، وشرف لنا إن عملنا بما فيه ، ودليل ذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «القرآن حجة لك أو عليك».

* * *

١٥١. فى القرآن من كل مثل

يحفل القرآن بالعبر وأخبار القرون الخالية ، وبدلائل الربوبية ، وهو فى جانب منه

١٢٦

زجر ، وفى جانب بيان ، ومعنى قوله تعالى : (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) (٥٤) (الكهف) ، أنه تعالى بيّن فيه الأمثال ، وكرّر الحجج والمواعظ.

* * *

١٥٢. القرآن تبيان لكل شىء

الآية : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (٨٩) (النحل) ، نظيرها : (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) (٣٨) (الأنعام) ، يعنى ما ترك الله شيئا من أمر الدين إلا وقد دلّل عليه فى القرآن ، إما دلالة مبيّنة مشروحة ، وإما مجملة يتلقى بيانها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو يتفكّر فيها المسلمون بمرجعية القرآن ، وينتهون فيها إلى رأى يجمعون عليه ، أو يتدبّرها العلماء قياسا على ما ثبت من الكتاب ، ومنه : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (٧) (الحشر) ، فأجمل فى هذه الآية ما لم ينص عليه مما لم يذكره ، فصدق خبر الله بأنه لم يفرّط فى الكتاب من شىء إلا ذكره ، تبيانا له ، وتفصيلا أو تأصيلا ، فصدق إذ قال : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٣) (المائدة).

* * *

١٥٣. الاستهزاء بالقرآن وبآيات الله

الاستهزاء هو السخرية ، يقال هزأ هزا وهزوا ، والاستهزاء توجّه منذ البداية إلى الله والقرآن وآياته ، والصلاة ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كقوله تعالى : (قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) (٦٥) (التوبة) ، وقوله : (وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً) (٥٦) (الكهف) ، وقوله : (وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ) (٥٨) (المائدة) ، وقوله : (وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) (٤١) (الفرقان) ، ومصدر كل ذلك التكذيب ، كقوله : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (٤١) (الأنبياء).

* * *

١٥٤. القرآن وطريقته الأصوب والأعدل

القرآن كتاب المسلمين كقوله تعالى : (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (١٠) (الإسراء) ، والأقوم : هى طريقته التى هى أشد طريقة وأعدلها وأصوبها ، وهى السواء ، والوسط ، وبشارته للمؤمنين الصالحين أن لهم الجنة ، ونذارته للكافرين بالبعث ، وأن لهم النار ، وهذا وعد ووعيد ، والقرآن فى الكثير منه وعد ووعيد.

* * *

١٢٧

١٥٥. السواء كمنهج قرآنى

السواء : هو العدل والمساواة فى الاعتدال : (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ) (٥٨) (الأنفال) كقول الشاعر :

فاضرب وجوه الغدر الأعداء

حتى يجيبوك الى السواء

والسواء : هو الوسط كقوله تعالى : (فِي سَواءِ الْجَحِيمِ) (٥٥) (الصافات) ؛ وهو التوسط بين الجهر والسرّ ، كقوله : (آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) (١٠٩) (الأنبياء). وهذا السواء إذن ، أو هذه الوسطية هى منهج القرآن.

* * *

١٥٦. الوسطية منهج القرآن

القرآن يدعو إلى الوسطية فى كل شىء ، كقوله : (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) (٢٣٨) (البقرة) ، وقوله : (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) (٨٩) (المائدة) ، وقوله : (قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ) (٢٨) (القلم) ، وقوله : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) (١٤٣) (البقرة) ، ووسط الشيء : خيره وأعدله. ولما كان الوسط يجانب الغلو والتقصير كان محمودا ، والأمة الوسط : أمة الإسلام ، لأنها لا تعلو علو النصارى ، ولا تقصر تقصير اليهود. وخير الصلوات الصلاة الوسطى ، تنبيها إليها حتى يكون الالتزام بها. وأوسط الطعام : يعنى الملائم والمناسب. وأوسط الإخوة : لا هو بالصغير الغر ، ولا بالكبير الأحمق ، وفى الحديث : «خير الأمور أوسطها» ، وعن علىّ بن أبى طالب : «عليكم بالنمط الأوسط ، فإليه ينزل العالى ، وإليه يرتفع النازل» ، والنمط هو الطريقة ، ويقال هو أوسط القوم ، ووسط القوم ، أى من خيارهم. والوسط يكون بين شيئين. وكل موضع أو موقف قيل فيه بين كذا وبين كذا فهو وسط ، وقال أحدهم يعظ صاحبه :

لا تذهبن فى الأمور فرطا

ولا تسألن إن سألت شططا

وكن من الناس جميعا وسطا

* * *

١٥٧. هل من اللازم تعلم القرآن من الصغر؟

علماء التربية وعلم النفس يؤكدون على تدريب الذاكرة الحافظة فى سن مبكرة ، والرأى مع القرآن أن يبدأ بتعليم قراءة رسم الخط فيه ، وتعويد الطفل على جرس ألفاظه ، وأن يفهم أن للألفاظ معان. وكان الأوائل يكرهون أن يعلموا أطفالهم القرآن حتى يعقلوا ،

١٢٨

والطفل إن تعلم ما لا يفهم يملّه ويزهد فيه ، وأنسب الأعمار للبداية بالتعلّم فى السن بعد السابعة ، والبكور فى التعلّم أدعى إلى ثبوت ما نتعلم ورسوخه ، كما يقال : التعلّم فى الصغر كالنقش فى الحجر. ومنهج تربية الطفل يستحب له أن يترك أولا فى ألعابه يتعلّم منها ، ولأصحابه يتكيّف معهم ، ثم يؤخذ بالجدّ على التدريج ، ومع ذلك فالأمر فى بداية الجدّ وكيفيته وكميته متروك بحسب كل طفل. ويروى عن ابن عباس أنه حفظ القرآن وقد ناهز الاحتلام وكان ختينا ، ولم يكن الأوائل يختنون الطفل حتى يدرك ، والاحتلام لا يكون إلا لمن قارب الثالثة عشرة من عمره.

* * *

١٥٨. فضل القراءة بالنظر والقراءة بالحفظ

فى رواية أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم زوّج صحابيا بما يحفظ من القرآن ، وجعل مهر المرأة أن يعلمها الصحابى ما يحفظ منه. ولمّا سأله عمّا يحفظ من السور ، قال له : «أتقرؤهن عن ظهر قلبك»؟ قال نعم ، قال : «اذهب ، فقد ملكتكها بما معك من القرآن». وقد يكون معنى ذلك أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل من تلاوته نظرا من المصحف ، أو لاستثبات أنه يحفظ هذه السور عن ظهر قلب ليتمكن من تعليمها لزوجته ، وفى الحديث عن عبيد الله بن عبد الرحمن قال : «فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرؤه ظهرا ، كفضل الفريضة على النافلة» ، ومن طريق ابن مسعود قال : «أديموا النظر من المصحف» ، لأن القراءة فى المصحف أسلم من الغلط ، ومع ذلك فالقراءة عن ظهر قلب أبعد من الرياء ، وأمكن للخشوع ، وعلى الجملة فإن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص ، والمهم قراءة القرآن على أى حال ، وكما فى الحديث عند أبى داود عن أبى أمامة : «فإن الله لا يعذّب قلبا وعى القرآن». والسبيل إلى الوعى بالاستذكار والتعاهد.

* * *

١٥٩. فهل من الضرورى تكرار القراءة والحفظ؟

استذكار القرآن يعنى المداومة على القراءة نظرا من المصحف ، أو عن ظهر قلب ، وفى الحديث عن ابن عمر : «إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقّلة ، إن عاهد عليها أمسكها ، وإن أطلقها ذهبت» ، وعن عبد الله بن مسعود ، قال : «واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النّعم» ، وفى رواية أخرى : «تعاهدوا القرآن فو الذى نفسى بيده لهو أشد تفصيا من الإبل من عقلها» ، وتعاهد القرآن يعنى تجديد العهد به بملازمة تلاوته ، وصاحب القرآن هو الذى يألفه بالمداومة على قراءته ، فيذل له لسانه ، ويسهل عليه

١٢٩

استذكاره ، فإن هجره ثقلت عليه القراءة. والإبل المعقّلة المشدودة بالعقال أى الحبل ، شبّه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير يخشى منه الشراد ، وطالما أن التعاهد للقرآن موجود فالحفظ موجود ، كما أن البعير طالما بقى مشدودا بالعقال فهو محفوظ ، وخصّ الإبل بالذّكر لأنها أكثر الحيوانات الأليفة نفورا ، وفى تحصيلها بعد شرودها صعوبة. وقوله أشد تفصّيا أى تفلّتا وتخلّصا ، والإبل تطلب التفلّت ما أمكنها ، فإن لم يتعاهدها بربطها تفلتت ، فكذلك حافظ القرآن إن لم يتعاهده تفلت. والمسلم الجيد إذن هو الذى يداوم على الاستذكار ما استطاع.

* * *

١٦٠. فهل للقراءة مكان مشروط أو وقت معلوم؟

القراءة جائزة فى كل مكان ، بوضوء ومن غير وضوء ، وفى الحمام ، وفى الطريق ، وعند البخارى ، عن ابن مغفّل قال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح». وعن ابن عباس : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم اضطجع فنام حتى إذا انتصف الليل استيقظ ، فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران ، ثم قام إلى شنّ معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه ، ثم قام يصلى».

والشنّ هى القربة للسقاء. والقراءة مطلوبة ، فى الحمام أو غيره ، والاستكثار منها مطلوب ، وكل منا يكثر أن يأتيه الحدث ، أفكلما كان الحدث توقفت القراءة ويفوت بذلك الخير الكثير. والمسلم الجيد لا يرى بأسا ولا كراهة بالقراءة فى أى مكان.

* * *

١٦١. وما ذا بشأن نسيان القرآن؟ وهل يمكن أن ينساه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟

إن نسيان القرآن يدل على عدم الاعتناء به والتهاون فى استذكاره وتعهّده. والذى يحفظ القرآن تعلو رتبته ، فإذا ما وعاه وعمل به بلغ تمام الحسن. وترك معاهدة القرآن يفضى إلى الرجوع إلى الجهل ، والرجوع إلى الجهل بعد العلم أمر شديد. وعن عبد الله بن مسعود فيما أخرجه البخارى : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «بئس ما لأحدهم ، يقول نسيت آية كيت وكيت ، بل هو نسى» ، يقصد بذلك أن يزجر الناسى ، والنسيان منه عضوى كما فى الشيخوخة مثلا ، أو للإصابة بتصلب فى شرايين المخ إلخ ، ومنه نفسى ، بسبب ضغوط الحياة ، أو كراهة ما لا نحب أن نذكره ، وقد ينسى المرء لاشتغاله بالصيام أو الاعتكاف أو الجهاد. والنسيان المكروه تتسبب فيه ضغوط الأمور الدنيوية ، والمسلم الجيد هو الذى لا يمر عليه أربعون يوما إلا وقد راجع القرآن مرة ، وهذه الأربعون يوما هى التى ينصح بها علماء

١٣٠

النفس فى أمور الذاكرة. وقد ورد فى حديث ابن مسعود فى السهو : «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون» ، وعن عروة ، عن عائشة فيما رواه البخارى قالت : سمع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجلا يقرأ فى المسجد فقال : «يرحمه‌الله ، لقد أذكرنى كذا وكذا آية من سورة كذا» ، وعن هشام زاد : «أسقطهن من سورة كذا» ، وفى رواية أخرى لعروة عن عائشة قال : «كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا» ، وفى هذه الروايات حجة لمن يجيز النسيان على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيما ليس طريقه البلاغ ، وكذلك فيما طريقه البلاغ. وطالما أنه نسيان فلا بد أن يكون قد بلّغه أولا ثم نسى ، ولكنه يتذكره من بعد ، إما بنفسه ، وإما بغيره ، فكأنه ليس نسيانا على الحقيقة ، وإنما كأنه النسيان أو أن له صورة النسيان وليس النسيان ، أو أنه ينسى ليعلّم ... وفى القرآن : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى) (٧) (الأعلى) ، معناه لا تنسى ما نقرئك إياه ، ومعنى «إلا ما شاء الله» ، ما قضى أن ترفع تلاوته ، فهذا هو النسيان المقصود ، وقد يقال إن معنى «فلا تنسى» أى لا تترك العمل به ، إلا ما أراد الله أن ينسخه ، ويدخل فى قوله تعالى : (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) (١٠٦) (البقرة) ، قرأها ابن مسعود «ننسأها» أى نؤخرها ونرجئها ، وكذلك قرأها عمر بن الخطاب. وعن ابن عباس قال : كان مما ينزل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الوحى بالليل وينساه بالنهار ؛ وعن قتادة قال : كان الله عزوجل ينسى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يشاء ، وينسخ ما يشاء». وما يشاء من نسخ أو نسيان إنما هو لمصلحة الناس ولخيرهم ، أو رفقا بهم. والصحيح أن آيات مثل : «سنقرئك فلا تنسى» نزلت للمسلمين جميعا وليس للنبىّ وحده صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والنسيان فى الآية ليس هو النسيان المعهود ، ولكنه زيادة تنبيه ، بمعنى تنبّه وكن فى قمة وعيك أثناء القراءة ليثبت فى ذاكرتك.

* * *

١٦٢. فما شأن من لا يقرأ القرآن؟

المرء مع من يحب ، والمسلم الذكى مع الله دائما ، والقرآن كلام الله ، وعند أهل الحكمة فإن من يحب حكيمه يلازمه ويحفظ كلامه ، والله يقول : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (٢٠) (المزمل) ، واقرءوا فعل أمر كأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وكان أول ما بدئ به رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من القرآن : (اقْرَأْ) ، وكتاب الله أعطاه الله اسم القرآن ، من القراءة ، وقوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (٧٩) (الإسراء) فيه تحبيذ للقراءة فى الفجر ، فهى أجلى للصوت ، وأفضل فى النفس ، وشحنة وعظيّة

١٣١

وإيمانية لمن يريد أن يكون يومه مباركا. والمسلم الذكى عليه أن يتعلم القراءة والكتابة ، وأن يهجر الأميّة ، ليكتمل إيمانه ويربو علمه ، والإسلام علم ، وطريقة العلم القراءة ، والقراءة تبدأ من الصغر ، وليست العبرة بعدد ما نقرأ من كلمات أو كتب ، وإنما العبرة بما يتخلّف لدينا من علم نافع وحكمة بالغة ، وفى القرآن علم وحكمة ، والصغير لو تعلم القرآن حفظ من الزلل ، واستقام لسانه ، وانصلحت عقيدته ، وسلّم طريقه.

* * *

١٦٣. إثم من يراءى بالقرآن ، أو يأكل به ، أو يفجر به

إذا كانت قراءة القرآن لغير الله فهى للرياء ، أو للتأكّل به ، ومن الناس فى زماننا من يفجر بالقرآن ، وفى الحديث عند أبى عبيد ، عن أبى سعيد وصحّحه الحاكم : «تعلموا القرآن واسألوا الله به ، قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا ، فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر : رجل يباهى به ، ورجل يتأكل به ، ورجل يقرأه لله». وعند أحمد وأبى يعلى ، عن عبد الرحمن بن شبل : «اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه ، ولا تحفوا عنه ، ولا تأكلوا به» ، والغلو هو التشدّد ، والحفوف عن القرآن هو الانصراف عنه ، والمباهاة بالقرآن هى فعل المرائى ليستعظم به على الناس ، والذى يتأكّل به هو الذى يقرأه على الناس استدرارا لأموالهم ، أو تكسّبا على القبور أو فى المياتم. وعند أبى عبيد عن ابن مسعود ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «سيجىء الزمان يسأل فيه بالقرآن ، فإذا سألوكم فلا تعطوهم» ، والسؤال يعنى الشحاذة. والنفاق بالقرآن أشدّ المحاذير ، وعن سويد بن غفلة فى المنافقين بالقرآن أنهم : «سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم» ، وفى رواية أبى سعيد الخدرى : «ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم».

* * *

١٦٤. جواز الأجر على تعليم القرآن

لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، لأن تعليمه واجب من الواجبات التى يحتاج فيها إلى نية التقرّب والإخلاص ، فلا يؤخذ عليه أجرة ، وقد قال الله تعالى : (وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) (٤١) (البقرة). وأجاز البعض الأجرة ، وفى الحديث عن ابن عباس : «إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله» أخرجه البخارى.

* * *

١٦٥. هل للقرآن فضل على من يتعلمه؟

القرآن أصدق كتاب من عند الله تعالى ، وحافظ القرآن قد ينفس عليه ، وفى الحديث

١٣٢

عند البخارى عن ابن عمر : «لا حسد إلا على اثنين : رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل ، ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل وآناء النهار» ، وعن أبى هريرة : «لا حسد إلا فى اثنتين : رجل علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار ، فسمعه جار له فقال : ليتنى أوتيت مثلما أوتى فلان ، فعملت مثل ما يعمل ، ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه فى الحق ، فقال رجل : ليتنى أوتيت مثل ما أوتى فلان ، فعملت مثل ما يعمل». والحسد هنا ليس تمنى زوال النعمة ولكنه الاغتباط بصاحب القرآن الذى يتلوه ويعمل به ، والاغتباط بصاحب المال الذى ينفقه فى الحق. ولا حسد إلا على اثنتين ، أى لا رخصة فى الحسد إلا فى خصلتين ، أو لا يحسن الحسد ـ إن حسن ـ إلا فى هاتين.

* * *

١٦٦. متعلم القرآن ومعلمه أفضل الناس

عند البخارى عن عثمان رضى الله عنه عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» وفى رواية أخرى : «إن أفضلكم من تعلّم القرآن وعلّمه» ، وفى الرواية عند أبى داود والدار قطنى : «خيركم من قرأ القرآن واقرأه» ، وتأتى الخيرية من أن القرآن أشرف العلوم ، وعلمه هو العلم الحاكم على كل العلوم ، يوجهها ويضبط تصرفاتها ، ويسمو بدوافعها ويرقى بغاياتها ، فيكون من يتعلمه ويعلّمه لغيره أشرف ممن يتعلم غير القرآن وإن علّمه. والجامع بين تعلّم القرآن وتعليمه مكمل لنفسه ولغيره ، ويجمع بين النفع القاصر والنفع المتعدّى ، ولهذا كان هو الأفضل ، وهو الداعى الذى عناه الله تعالى بقوله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً) (٣٣) (فصلت) ، والدعاء إلى الله يمكن بوسائل كثيرة منها ، تعليم القرآن وهو أشرف الجميع. والقرآن خير الكلام ، ومتعلّمه خير المتعلّمين ، وخير هؤلاء جميعا من يتعلمه ويعلّم غيره ولا يقتصر على نفسه. والقارئ أو المقرئ المحض للقرآن ، الذى لا يفهم شيئا من معانى ما يقرأه أو يقرئه ، ليس هو المقصود بالخيرية ، وإنما الخيرية لمن يفقه ما يقرأ ، ويدرى معانيه ، ويعمل بها ويعلّمها ؛ بحسن قراءته عن فهم ودراية. وفى الحديث عن سهل بن سعد فى قصة التى وهبت نفسها ، أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم زوّجها للرجل الذى طلبها ولم يكن يملك ثوبا يعطيه لها ، ولا خاتما من حديد ، فاعتلّ له وقال : «ما معك من القرآن؟» قال الرجل : كذا وكذا. فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فقد زوجتكها بما معك من القرآن» ، فجعل للقرآن مقاما كمقام المال ، به يبلغ صاحب الغرض إلى غرضه وكأنه يمتلك المال ، وزوّجها له على أن يعلّمها ، فتحقق بالقرآن خير كثير.

* * *

١٣٣

١٦٧. القراءة التى يقول بها القرآن

تعلّم القراءة والكتابة واجب دينى ، بقوله تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) (٤) (العلق) ، وفى الآية تعلّم القراءة يأتى أولا ، ثم يكون تعلم الكتابة. وللقراءة والكتابة طقوس ، فلا بد فيهما أولا من الاستعاذة بالله : (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٩٨) (النحل) ، وصيغة ذلك أن تقول : " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ، وبعد الاستعاذة يأتى الدخول فى القراءة ، وأولها أن تقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» ، وهو مفهوم قوله تعالى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ). وقراءة القرآن وكتابته من الأعمال ، والمعنى على العموم أن نبدأ كل عمل بالاستعاذة وباسم الله ، فهذا هو منهج القرآن ، والقراءة والكتابة يرفعان من قدر القارئ والكاتب ، فالله خلق الإنسان من علقة مهينة ، ثم كرّمه بتعلّم القراءة والكتابة ، وكل امرئ بما يقرأ ويكتب ، والقراءة المأجور بها لكتب الله وكلماته هى القراءة بإيمان وتصديق لما تقرأ ، كقوله : (وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) (١٢) (التحريم) ، وللكتب القيّمة ، كقوله : (رَسُولٌ مِنَ اللهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) (٣) (البينة). والقراءة من قرأ أى نطق المكتوب ، ومنها تقرّأ أى تفقّه ، والأقرأ هو الأفصح قراءة ، وتقرّأ أى تنسّك ، والقارئ هو الناسك المتعبّد ، والجمع قرّاء وقرّاءون ، والقرآن هو الكتاب المقروء ، فأنت ترى أن القراءة فى الإسلام والمأمور بها فى القرآن هى القراءة لآيات الله المخلوقة والمسطورة ، أى أن نفهم عنه فى الكون من حولنا ، وفيما أنزل من كتب. وما سمّى القرآن قرآنا إلا ليلهج بقراءته ، ويزيّن بالأصوات ، ويتغنّى به. والترتيل فى قراءته هو التأنّى فيها ، والتمهّل ، وتبيّن الحروف والحركات ، وحسن إعرابه ، والعمل بأوامره ، والأخذ بنواهيه ، وتدبّر آياته ومعانيه ، وللتذكرة ، كقوله تعالى : (كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) (٢٩) (ص). وفى الحديث أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم حذّر من القرّاء المرائين ، وفى التعريف أنهم الذين يقرءون القرآن يريدون بقراءاتهم عرض الدنيا.

والمعلّم عموما ، ومعلّم القرآن من باب أولى ، ينبغى أن يكون ربّانيا ، كقوله تعالى : (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ) (٧٩) (آل عمران) أى أن يكون تعليم المعلّمين للقرآن لله وبالله. والقراءة إذا كان شرطها التدبّر والفهم ، فحق على كل من يتعلمها أن يتفقّه ، ولا يقدر على القراءة المتفقهة كل أحد ، فالقرّاء درجات ، وفوق كل ذى علم عليم ، وقارئ القرآن له الدرجات العلى ، وللمقلّ ما يتيسر منه ، كقوله : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (٢٠) (المزمل) ، وأيسر القراءات ما كانت استماعا وإنصاتا : (وَإِذا قُرِئَ

١٣٤

الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٢٠٤) (الأعراف) ، فالاستماع أولا ، والاستماع يغرى على الإنصات ، والإنصات هو الفهم والتدبّر ، وبذلك يكون لدينا قراءة بالعين : كقوله : (كِتاباً نَقْرَؤُهُ) (٩٣) (الإسراء) ، وقوله : (يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ) (٧١) (الإسراء) والقراءة تكون عادة بالنظر ؛ وقراءة بالأذن : كقوله : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) (٦) (الأعلى) ، وقوله : (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) (١٩) (القيامة) ، يعنى ينبغى عند ما يقرأ عليك القرآن أن تستمع له وتنصت ، وتتفهم عبره ، وتحيط بآياته ، فليس القرآن لتردد ما قرأت أو قرئ عليك ، ولا هو أن تجرى به لسانك مع القارئ أو مع السطور ، وإنما القراءة لاتباع قرآنه ، أى شرائعه وأحكامه ، ومع مداومة القراءة يأتى بيان الأحكام وتفسير الشرائع ، والمعرفة الحقّة للحدود ، وللحلال والحرام ، والوعد والوعيد. ومثل هذه القراءة لن تتأتى إلا إذا كانت قراءة ترتيل ، فكما أنزل القرآن مفصّلا ، وشيئا بعد شىء ، فكذلك تكون قراءته ، والفهم عنه ، والأخذ به ، كقوله : (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (١٠٦) (الإسراء) ، قيل تنزّل عليه فى عشرين ، أو ثلاث وعشرين ، أو خمس وعشرين سنة ، ليقرأه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولتقرأه أنت كذلك ، على ترسّل فى التلاوة والترتيل ، فتعطى للقراءة حقّها من التحسين والتطييب ، بلا تغيير فى الألفاظ بزيادة أو نقصان. فهذه هى القراءة خصوصا ، وهى كذلك القراءة عموما ، والله هو المعين فى الحالتين ، لا يغبن القارئ المحسن حقّه فى الثواب ، ويحفظه أن يلحقه تلف أو أذى ، كقوله تعالى : (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً) (٤٥) (الإسراء). فهذه هى القراءة عند المسلمين وبمنهج القرآن ، ولله الحمد والمنّة.

* * *

١٦٨. ما هو أقل ما نقرأ من القرآن؟

يجزئ من القراءة فى كل يوم وليلة جزء من أربعين جزءا من القرآن. وعن عبد الله بن عمرو فيما رواه البخارى : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال له : «واقرأ القرآن فى كل شهر» ، فلما اعترض أنه يطيق أكثر من ذلك ، قال له : «واقرأ فى كل سبع ليال مرة». وعند الدارمى قال : «اختمه فى شهر» ، فلما قال له : إنى أطيق ، قال : اختمه فى خمسة وعشرين» ، فقال له : إنى أطيق ، فقال : اختمه فى خمس عشرة» ، فعاد يقول : إنى أطيق ، فقال : اختمه فى خمس» ، ثم رفض أن يقلل عن ذلك. وعند أبى داود والترمذى ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : «لا يفقه من قرأ القرآن فى أقل من ثلاث» ؛ وعن ابن مسعود ، قال : «اقرءوا القرآن فى

١٣٥

سبع ولا تقرءوه فى أقل من ثلاث» ؛ وعن عائشة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان لا يختم القرآن فى أقل من ثلاث». والأمر إذن يختلف بالأشخاص ، فمن كان من أهل الفهم والتدبر استحب له أن يقتصر على ما لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعانى ؛ ومن كان له شغل بالعلم أو غيره ، من المهمات الإدارية والسياسية والاقتصادية والثقافية ، وغير ذلك من مصالح المسلمين العامة ، يستحب له أن يقتصر من القرآن على القدر الذى لا يخل بما يضطلع به من مهام. ومن لم يكن له مثل ذلك من المشاغل ، فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير أن يصيبه الملل ، أو أن يتورط إلى العجلة فى القراءة فيقرأه هذرمة.

* * *

١٦٩. أتكون القراءة بسرعة أم بترتيل؟

تأتى التوصية بقراءة القرآن ترتيلا مرتين : مرة فى الآية الثانية والثلاثين من سورة الفرقان : ، (وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً) (٣٢) ، ومرة فى الآية الرابعة من سورة المزمل : (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (٤). والترتيل هو القراءة بتؤدة. وفى سورة القيامة الآية السادسة عشرة يأتى : (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) (١٦) ، أى لا تكن قراءتك بسرعة. وكان ابن مسعود يكره من يهذّ القراءة كهذّ الشعر ، والهذّ هو الإسراع المفرط ، ومن شأنه إخفاء حروف ، أو أن بعض الحروف لا تخرج من مخارجها. وقيل لابن عباس : إنى لأقرأ القرآن فى ثلاث؟ فقال : لأن أقرأ البقرة ، أرتلها فأتدبرها ، خير من أن أقرأ كما تقول». وقيل له : إنى رجل سريع القراءة وإنى لأقرأ القرآن فى ليلة؟ فقال : لأن أقرأ سورة أحبّ إلىّ. إن كنت لا بد فاعلا ، فاقرأ قراءة تسمعها أذنيك ، ويوعها قلبك». فكأنه للإسراع فضل ، وللترتيل فضل ، بشرط أن لا يخلّ المسرع بالحروف والحركات والسكنات الواجبات ، وحينئذ لا يفضل الترتيل الإسراع ، ولا يفضل الإسراع الترتيل. وفى الحديث عن حفصة أم المؤمنين ، أخرجه مسلم ، قالت : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها». وعند أبى نعيم فى المستخرج عن علقمة أنه قرأ على ابن مسعود فقال له : رتّل ، فداك أبى وأمى ، فإنه زينة القرآن».

* * *

١٧٠. القرآن تبينه السنة ولا تتعارض معه

السنّة هى ما جاء عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من قول أو فعل بسند صحيح ، وفى الحديث : «ألا وإنى قد أوتيت الكتاب ومثله معه. ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه ، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه» أخرجه أحمد وأبو داود

١٣٦

والترمذى ، والمعنى أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أوتى الكتاب وحيا يتلى ، وأوتى من البيان مثله ، أى أذن له أن يبيّن ما فى الكتاب ، فيعمّ ويخصّ ، ويزيد عليه ، ويشرع ما فى الكتاب. وقوله «يوشك رجل شبعان» الحديث ، يحذّر من مخالفة السنن ، مما ليس فى القرآن ، على ما ذهبت إليه الخوارج والشيعة والروافض والصوفية ، والمجتهدون من العقلانيين العلمانيين والليبراليين المعاصرين ، المقلّدين للثقافة الغربية اليهودية المسيحية ، فإنهم تعلقوا بظاهر القرآن وتركوا السنن : (ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (٦) (التغابن) ، وفى القرآن عن عمل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٤٤) (النحل) ، فنبّه إلى أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم المبيّن لما فى القرآن ، وقال تعالى : (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٦٣) (النور) أى أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فليست مخالفته من الدين ، وقال : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٧) (الحشر) ، فأوجب الطاعة له ، وقال : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (٣٦) (الأحزاب) ، فألزم المؤمنين والمؤمنات بما يختاره تعالى لهم ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فصار الكتاب والسنّة متلازمان ، وصارت السنّة هى الشارحة للكتاب ، والكتاب أصل للسنة ، ورغم تضعيف هذا الحديث : «إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله ، فإن وافقه فخذوه ، وإن لم يوافقه فردّوه» ، إلا أن العقل لا يردّ هذا الحديث ، لأنه يضع منهجا قويما لقبول أو رفض الأحاديث ، فما وافق منها الكتاب فهو فعلا عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وإن كان ضعيفا ، فالسنة بيان لمجمل الكتاب ، وفيها البيان الكامل للصلاة وأحكامها وطريقتها ، والزكاة ومقدارها ووقتها ، وبيان مناسك الحج ، والنكاح ، والمطعم والمشرب ، والشهادة ... إلخ. والقرآن عن حق لا يستغنى عن السنة ، وكذلك السنة لا بد فيها من مرجعية القرآن ، وليس صحيحا كما يقول القائلون : إن السنة قاضية على القرآن ، كيف؟ كما ليس من المعقول أن يستغنى الكتاب عن السنة.

* * *

١٧١. هل يتغنى بالقرآن؟

قول الله هو الأصدق ، وهو تعالى يقول : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٥١) (العنكبوت) ، وفى الحديث عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة : «لم يأذن الله لشىء ما أذن لنبىّ أن يتغنى بالقرآن».

١٣٧

وعن ابن شهاب : «من لم يتغن بالقرآن فليس منا» ، أو «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». والتلاوة خلاف التغنّى ، فالتلاوة تجويد. والتغنّى بالقرآن : هو أن تجوّده وتتلوه بصوت جهير حسن ، قيل يتحزّن به. وقيل : التغنى بالقرآن : هو أن تقوم عليه وتتشاغل وتتلذذ به وتستحلى له ، كما يلتذ أهل الطرب بالغناء ، وتجعله هجيراك ، أى دأبك وعادتك ، كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء. والعرب كانوا إذا ركبوا الإبل ، أو جلسوا فى أفنيتهم تغنّوا. فكأن التغنى هو الحثّ على ملازمة القرآن ، وقد يعنى التغنّى : الاستغناء بالقرآن ، بأن نصدّق بما فيه ونؤمن به ، ولا نصدق أو نؤمن بغيره. والتغنّى قد لا يستطيعه كل الناس ، وعندئذ يكون معناه أن نرتاح لقراءته ، ونسكن لسماعه من الآخرين يتغنون به. والتغنّى : أن نغتنى به نفسيا ونقنع. وكان الشافعى يحب أن يقرأ القرآن حدرا وتحزينا. وفى اللغة حدرت القراءة أدرجتها ولم أمططها ، والتحزين ترقيق الصوت وتصييره كصوت الحزين يرقّق القلوب. والشافعى على الرأى بأن التغنّى هو تحسين الصوت.

* * *

١٧٢. ما هو حسن الصوت فى القراءة؟ وما هو الترنّم بالقرآن؟

عند الطبرى عن ابن شهاب قال : «قد أذن للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالترنّم» ، والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسّنه القارئ وطرب له. وعند ابن ماجة والحاكم وابن حبان عن فضالة بن عبيد قال : «الله أشد أذنا ـ أى استماعا ـ للرجل الحسن الصوت بالقرآن ، من صاحب القينة إلى قينته» ، والقينة هى المغنية. وعند أبى داود ، من طريق ابن أبى مسجعة ، قال : كان عمر ابن الخطاب يقدّم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم».

وعند ابن أبى شيبة من حديث عقبة بن عامر ، قال : «تعلّموا القرآن ، وغنوا به وأفشوه» ، والتغنّى هو الترجيع بالصوت. وربما التغنى بمعنى تكلّف القرآن ، أى نطلبه ونحمل أنفسنا عليه ولو شق ذلك علينا. ويؤيد ذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى حديث سعد بن أبى وقاص عند ابن عوانة : «فإن لم تبكوا فتباكوا» ، وقيل من يقرأه ويرفع صوته فقد تغنى. وعن عبيد بن عمير قال : «كان داود عليه‌السلام يتغنّى ـ يعنى حين يقرأ ـ ويبكى ويبكى». وعن ابن عباس : أن داود كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا ، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم ، وكان إذا أراد أن يبكى نفسه ، لم تبق دابة فى بر ولا بحر إلا أنصتت له واستمعت وبكت» وفى الحديث : «إن أبا موسى أعطى مزمارا من مزامير داود». والحاصل أنه يمكن الجمع بين هذه التأويلات كلها ، وهو أن يحسّن صوته إذا قرأ ، جاهرا به ، مترنما على طريق التحزّن ، مستغنيا بالقراءة ، طالبا بها غنى النفس ، وراجيا غنى اليد. والنفس أكثر طلبا للقراءة

١٣٨

بالترنّم ، لأن للتطريب تأثيرا فى رقّة القلب وإجراء الدمع. والقراءة بالألحان جائزة إذا لم تكن بإخراج بعض الألفاظ عن مخارجها ، وكذلك التمطيط فى القراءة إذا لم يشوّش النظم.

* * *

١٧٣. وما ذا بشأن القارئ الذى لا يحسن الصوت؟

الأدلة على أن حسن الصوت بالقرآن مطلوب ، فإن لم يكن القارئ حسن الصوت فليحسّنه ما استطاع ، ومن ذلك مراعاة قوانين النغم ، والصوت يزداد حسنا بذلك ، وبمراعاتها ينجبر غير حسن الصوت ، ما لم يخرج عن الأداء المعتبر عند أهل القرآن ، فإن خرج عنه لم يعوّض تحسين صوته قبح أدائه.

* * *

١٧٤. النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يمدّ القراءة فكيف المدّ؟

عند البخارى عن قتادة : سئل أنس : كيف كانت قراءة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ فقال : كانت مدّا. ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ، يمدّ ببسم الله ، ويمدّ بالرحمن ، ويمدّ بالرحيم». وفى رواية أخرى قال : يمدّ باللام التى قبل الهاء من اسم الجلالة «الله» ، والميم التى قبل النون من الرحمن ، والحاء من الرحيم».

والمدّ فى القراءة نوعان : أصلى فيه إشباع الحرف الذى بعده ألف ، أو واو ، أو ياء ، فالمتصل : ما كان من نفس الكلمة ، والمنفصل : ما كان بكلمة أخرى ؛ وفى الأول : يؤتى بالألف والواو والياء ممكّنات من غير زيادة ؛ وفى الثانى : يزاد فى تمكين الألف والواو والياء ، زيادة على المدّ الذى لا يمكن النطق بها إلا به ، من غير إسراف. والأعدل أن يمدّ كلّ حرف منها ضعفى ما كان يمدّه أولا ، أو قد يزاد على ذلك قليلا ، والإفراط غير محمود. وقيل المدّ هو أن يمدّ الصوت مدّا ، ولا يكون إلا فى القراءة.

* * *

١٧٥. قالوا إنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يرجع فى القراءة ، فكيف الترجيع؟

الترجيع : أصله الترديد. وعند البخارى عن عبد الله بن مغفل قال : رأيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقرأ من سورة الفتح ، وهو على ناقته وهى تسير ، قراءة لينة ، يقرأ وهو يرجّع». وعند الترمذى عن أم هانئ ، قالت : كنت أسمع صوت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقرأ ، وأنا نائمة على فراشى ، يرجّع القرآن». والترجيع يزيد على الترتيل ، وكان ابن مسعود يرتّل القرآن ولا يرجّع. وقيل : ليس الترجيع هو الترديد وإنما هو تحسين التلاوة ، لأن القراءة بترجيع تنافى الخشوع الذى هو مقصود التلاوة.

* * *

١٣٩

١٧٦. هل من السنة عرض القرآن؟

عرض القرآن أى قراءته على الغير ، أو أن نستمع القرآن من غيرنا. وعن ابن مسعود فيما رواه البخارى قال : قال لى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اقرأ علىّ القرآن». قلت : عليك ، وعليك أنزل؟ قال : «إنى أحبّ أن أسمعه من غيرى». وسماع القرآن من الغير إنما لعرضه ، وقد يكون لتدبّره وتفهّمه ، لأن الذى يسمع يتفرّغ للسماع ، فيقوى على التدبّر ، وينشط لفهم ما يقرأ عليه ، ويخلى نفسه لعبره ، أكثر من القارى الذى اشتغاله بالقراءة وأحكامها.

* * *

١٧٧. هل يستحب البكاء مع قراءة القرآن؟

البكاء عند قراءة القرآن سنّة العارفين ، وشعار الصالحين ، وعن ابن مسعود أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سأله أن يقرأ عليه القرآن ، فقال له ابن مسعود : اقرأ عليك ، وعليك نزل؟ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنى اشتهى أن أسمعه من غيرى». وقال ابن مسعود ، فقرأت النساء حتى إذا بلغت : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) (٤١) ، قال لى : " كفّ" أو" أمسك" أو" حسبك الآن" ، فالتفت إليه ، فرأيت عينيه تذرفان». وفى القرآن : (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (١٠٩) (الإسراء) ، ويقول : (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) (٥٨) (مريم) ، والبكاء يستحب مع القراءة ، وعند القراءة ، والقارئ بوسعه تحصيله ، بأن يحضر قلبه الحزن والخوف ، بتأمل ما فى القرآن من تهديد ووعيد ، واستذكار ما يتضمنه من وثائق وعهود ، ثم ينظر تقصيره فى ذلك ، فإن لم يحضره الحزن ، فليبك على افتقاده ، وإذا افتقد المسلم التأمل والخوف والحزن ، فهذه مصيبة من أعظم المصائب. وفى رواية ابى حاتم والطبرانى من طريق ابن فضالة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما قرئت عليه الآية : (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً) (٤١) (النساء) بكى حتى ضرب لحييه ووجنتيه فقال : «يا ربّ! هذا على من أنا بين ظهريه ، فكيف بمن لم أره!».

ولم يكن بكاؤه إلا لأنه مثّل لنفسه أهوال يوم القيامة ، وشدّة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بالتصديق ، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف ، وهو أمر يحق له بسببه طول البكاء ، رحمة لأمته. والمسلم الجيد يبكى طلبا للرحمة لنفسه. ومع ذلك فليس كل أحد قادر على استحداث البكاء أو الانفعال به ، والناس فى الأحوال الانفعالية أصناف ، وهذا الذى ينفعل هو «الانفعالى» ، وهناك آخرون لا ينفعلون وهم «العقلانيون» ، وطريق هؤلاء

١٤٠

التفكير والتأمل والتحليل والشرح ، وربما كان الناس فى حاجة إلى هؤلاء أكثر من الأولين ، والمزاج الانفعالى أليق بالصوفية.

* * *

١٧٨. علامة أهل العلم إذا تلا القرآن

يقول تعالى : (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً) (١٠٨) (الإسراء) ، ويقول : (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (١٠٩) (الإسراء) ، وقوله : «إذا يتلى عليهم» يعنى القرآن ، وتسبيحهم ـ كما أثر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو أن يقولوا : «سبحانك اللهم وبحمدك. اللهم اغفر لى» ، وقوله : (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ) مبالغة فى صفتهم ، ومدح لهم ، فحقّ على كل متعلم أن يفعل نفس الشيء ، فيخشع عند استماع القرآن ، ويذل ، وفى الحديث : «من أوتى من العلم ما لم يبكه لخليق ألا يكون أوتى علما ، لأن الله تعالى نعت العلماء فقال : (الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ ..) (الآية). ومع ذلك ما نزال نرى أنه لا موجب للبكاء إلا للبكّائين ، وهذه طبقة مخصوصة عرفت بالبكاء ، كان منهم محمد بن واسع ، ويحيى البكّاء ، ومطرف بن طريف ، وكانوا يقولون على القارئ الذى يقرأ ويبكى إنه من قرّاء الرحمن ، تمييزا لهم عن قرّاء الدنيا.

* * *

انتهى باب القرآن والحمد لله

ونبدأ بإذن الله «باب النبوة والنبىّ فى القرآن».

* * *

١٤١
١٤٢

الباب الثانى

النبوّة والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى القرآن

مقدمة

* * *

١٧٩. النبوة هل هى ضرورة؟

هل من الممكن أن نؤمن بالله دون وساطة نبىّ؟ وهل يمكن لعقولنا أن تحيط علما بما أخبرنا به الأنبياء دون أن تكون لنا حاجة إليهم؟

والعقل فعلا يمكن أن يهدينا إلى وجود إله لهذا الكون ثم يتوقف عن التفكير فيما هو وراء ذلك ، والدين وحده ـ كعلم ـ هو الذى نعرف بواسطته عن الآخرة والحساب والجنة والنار ، والدين لا بد فيه من النبىّ أيا كان هذا الدين. وفى القرآن فى وظائف النبىّ وضرورته للناس قوله تعالى : أنه شاهد ومبشّر ونذير (الأحزاب ٤٥) ، وأنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير (فاطر ٢٤) ، ورسولنا أرسل بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله (التوبة ٣٣) ، ورسالات الأنبياء الكبار تضمنتها كتبهم ، ونبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنزل عليه الكتاب : (تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) (٨٩) (النحل) ، ليتلو عليهم آياته ، وليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور (الطلاق ١١) والرسول إذن ضرورة ، وإرساله منّة من الله ، ليزكّينا ، ويعلّمنا الحكمة وما لم نكن نعلم (البقرة ١٥١). ولأنه من أنفسنا يعزّ عليه أن نعنت ويحرص علينا (التوبة ١٢٨) ، ويرأف بنا ويرحمنا. ولو كان غليظ القلب لانفض الناس من حوله (آل عمران ١٥٩) ، ولكنه دائم العفو عنهم ، ويستغفر لهم ، ويشاورهم فى الأمر (آل عمران ١٥٩) ، ويأمرهم بالمعروف ، وينهاهم عن المنكر ، ويحلّ لهم الطيبات ، ويحرّم عليهم الخبائث ، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم (الأعراف ١٥٧). ولو كان رسولا ملكا لمّا اتّبعوه ، ولكنه كان بشرا مثلهم (الأنعام ٩) ، وهو لذلك قدوة لهم ، وما يستطيعه هو ، فبوسعهم فعله.

* * *

١٨٠. اتباع النبىّ ضرورة

فإذا كان لا بد من نبىّ معلّم ، كقوله تعالى : (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (٧) (الرعد) ، فإن طاعته تكون واجبة ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من أطاعنى فقد أطاع الله ، ومن عصانى فقد عصى الله» ، لأن النبىّ لا يقول إلا بما يعرفه ، ومعرفة الرسل ربانية ، وعلمهم علم ربّانى ، وكلامهم تبيان وتفصيل لما أمر به الله موجزا. وخلاصة تعليم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم «أوصيكم بتقوى الله» ، وأن يكونوا على سنته ، وأن يجتنبوا محدثات الأمور من البدع والضلالات ،

١٤٣

ومن كان على سنّته ، وأصبح وأمسى وليس فى قلبه غش لأحد ، فهو المسلم حقا ، ومن يحب سنّته ، فقد أحبه شخصيا وكان معه حيثما كان فى الآخرة. وإنه لمن قوانين الله أن تبدأ الأمة على الإيمان ومع الزمن تفسد ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «من تمسك بسنتى عند فساد أمتى فله أجر مائة شهيد». ويقول : «المستمسك بسنّتى عند اختلاف أمتى كالقابض على الجمر».

* * *

١٨١. فما المقصود بالمصطفى؟ وما هو الاصطفاء فى النبوة؟

ولعظم رسالة النبىّ كان لا بد له من مواصفات ينفرد بها ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما قال عن نفسه لم يخرج من سفاح ، وهو من خيار قريش ، وقريش كانوا خيار العرب. ومعنى أنه من الخيار أو الصفوة : أنه يؤدى شرط الله منه ، وعن ابن مسعود قال : إن الله نظر فى قلوب العباد فاختار محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فبعثه برسالته ، وانتخبه بعلمه». ولكن لما ذا اختاره أو اصطفاه؟ يقول ابن مسعود : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخّاب ، ولا فحّاش ، ولا عيّاب ، ولا مزّاح ، يتغافل عمّا لا يشتهى ، ولا تؤيس منه راجية. وكان لا يذمّ أحدا ، ولا يعيّره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه. وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا. لا يتنازعون عنده. يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة فى منطقه ومسألته ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه». وكلها صفات بشر ولكنه فيها فى القمة ، وهو المثال والقدوة.

وعن سكوته يقول ابن مسعود : كان سكوته على أربع : الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكّر ؛ فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس ؛ وأما تذكّره أو تفكّره ففيما يبقى ويفنى. وجمع له الحلم ، والصبر ، فكان لا يبغضه شىء ولا يستفزه ، وجمع له الحذر فى أربع : أخذهم بالحسنى ، والقيام لهم فيما جمع لهم الدنيا والآخرة. ـ وهذه صفات لا تجتمع لإنسان إلا إذا كان من صفوة الصفوة. وفى علم النفس التكاملى قد نجد صفة من هذه الصفات فى إنسان ويكون بها أميرا أو وزيرا أو قائدا أو زعيما ، وقلّ أن تجتمع كل الصفات فيه ، فذلك ما لا يكون إلا للأنبياء والرسل.

* * *

١٨٢. دعوة محمد ليست لدنيا يكسبها

فى الحديث عن ابن عباس : أن دعوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم مدارها أن يؤمن الناس بالله ـ يقول : «أريدهم على كلمة واحدة : لا إله إلا الله». وأخرج الطبرانى والبخارى عن عقيل بن

١٤٤

أبى طالب أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لعمه : «يا عم! لو وضعت الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فى طلبه». وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبى شيبة عن جابر : أن عتبة بن ربيعة قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أيها الرجل! إن كان إنما بك الحاجة ، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا ، وإن كان إنما بك الباءة ، فاختر أى نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا». وفى رواية البيهقى عن الحاكم زاد : وإن كنت إنما بك الرئاسة ، عقدنا ألويتنا لك ، فكنت رأسا ما بقيت». وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر أن عتبة قال له : يا ابن أخى : أراك أوسطنا بيتا ، وأفضلنا مكانا ، وقد أدخلت على قومك ما لم يدخل رجل على قومه مثله ، فإن كنت تطلب بهذا الحديث مالا فذلك لك على قومك ، أن يجمعوا لك حتى تكون أكثرنا مالا ؛ وإن كنت تطلب شرفا ، فنحن نشرّفك حتى لا يكون أحد من قومك أشرف منك ، ولا نقطع أمرا دونك ، وإن كان هذا عن ملم يصيبك فلا تقدر على النزوع منه ، بذلنا لك خزائننا حتى نعذر فى طلب الطب لذلك منك ، وإن كنت تريد ملكا ملّكناك». فبعد كل هذه العروض : المال ، والنساء ، والملك ، والرئاسة ، والشرف ، وأن يعالج من مرضه إن كان ما به بسبب مرض عضال ، ما ذا كان جواب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ : «أفرغت يا أبا الوليد»؟ ثم قرأ عليه اثنتى عشرة آية من سورة فصّلت : (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) (١٣). فارتج على عتبة ولم يستطع الاستمرار فى الاستماع ، وأمسك بفىّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وناشده الرحم أن يكف لمّا خاف الصاعقة ، وقال فى كلامه لما استعادته قريش الكلام : والله ما هو بسحر ـ يقصد القرآن ـ ولا بشعر ، ولا كهانة» وإذن فالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يقصد إلى أعراض الدنيا ، وكانت دعوته إلى الله ، وفى الأخبار عنه ، وعن أحواله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الدعوة ، أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم عاش ٢٣ سنة ينادى أن لا إله إلا الله ، وإلى أن توفاه الله لم يحدث أن شبع هو ولا أهله

١٤٥

خبزا ، وكان يمر عليهم الشهر والشهران لا يطهون طعاما ، ولا يجدون إلا التمر والماء ، وكان يخصف نعله ، ويرتق جلبابه ، وينام على فراش من اللباد. وليس أصدق للداعى من أن تكون هذه هى حياته مع الدعوة ، فعهدنا بالزعماء والقادة والرؤساء والملوك والأمراء أن تعود الرئاسة عليهم بالخير والأبهة والعزّ والجاه ، وما كان فى حياة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم شىء من ذلك. وفى الرواية عن ابن إسحاق أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لما فتح مكة ، نظر أبو سفيان إلى جموع المسلمين وقال للعباس : يا عباس! من هؤلاء؟ قال : هذا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المهاجرين والأنصار. قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل ، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! قال العباس : يا أبا سفيان! إنها النبوة!» وفى الحديث أن النبى خيّر بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا ، فالتفت إلى جبريل ، فأشار إليه أن تواضع ، فقال : «بل نبيا عبدا ، أشبع يوما ، وأجوع يوما». وهذه هى النبوة إذن ، وهؤلاء هم أصحاب الرسالات حقّا! وحسبنا الله!

* * *

١٨٣. الناس لا يحاسبون إلا إذا بعثت الرسل

قالت المعتزلة : إن العقل يقبّح ويحسّن ، ويبيح ويحظر ، ولا داعى للنبوة والأنبياء ، ولكن الله يقول : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (١٥) (الإسراء) ، وفى ذلك دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع. والله تعالى لا يهلك أمة إلا إذا أرسل إليهم وأنذرهم ، والذى عليه العقل أنه مع الإيمان بوجود خالق للكون ، ومع رسالة الرسل بالتوحيد ، وبثّ المعتقدات فى الناس عبر الأجيال ، ونصب الأدلة الدالة على الصانع ، ومع سلامة الفطرة وعدم فسادها ، يتوجب على كل أحد من العالمين الإيمان واتباع شريعة الله.

* * *

١٨٤. كل رسول نبىّ وليس كل نبىّ رسولا

الرسول بخلاف النبىّ : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍ) (٥٢) (الحج) ، وعند البعض فإن الأنبياء فيهم مرسلون وفيهم غير مرسلين ، وعند غيرهم أنه لا يجوز أن يقال نبىّ حتى يكون مرسلا ، ومعنى «نبىّ» أنه الذى ينبئ عن الله ، والإنباء هو الإرسال ، غير أن الرسول : يرسل إلى الخلق عيانا بإرسال جبريل ، بينما النبىّ تكون نبوته إلهاما أو مناما ، فكل رسول نبىّ ، وليس كل نبىّ رسولا.

* * *

١٤٦

١٨٥. عدد الأنبياء إجمالا لا يعلمه إلا الله

الرسل كثيرون ، بعضهم ذكره القرآن ، وبعضهم لم يذكره ، ومن لم يذكرهم لا نعلم عنهم ، ولا نعلم عن عدد الرسل إجمالا ، كقوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) (٧٨) (غافر) ، وقوله : (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) (١٦٤) (النساء) وفى الحديث عن أبى ذر أن عدد الأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أولهم آدم وآخرهم محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

١٨٦. أنبياء القرآن خمسة وعشرون نبيا

الأنبياء الذين ذكرهم القرآن هم : آدم ، وإدريس ، ونوح ، وصالح ، وهود ، وإبراهيم ، ولوط ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، ويوسف ، وأيوب ، وشعيب ، وموسى ، وهارون ، وذو الكفل ، وداود ، وسليمان ، وإلياس ، واليسع ، ويونس ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، ومحمد ، فهؤلاء عددهم خمسة وعشرون.

* * *

١٨٧. ما جعل الله الرسل إلا من الرجال

ثبت بالتواتر أن الرسل كانوا من البشر : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ) (٧) (الأنبياء) وهو ردّ على الذين قالوا معترضين أن يكون النبىّ بشرا : (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (٣) (الأنبياء) ، أى قبل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن الرسل إلا رجالا ، فليس للمنكرين أن يبدءوا إنكارهم بقولهم ينبغى أن يكون الرسول ملكا طالما هو قادم من طرف الله وببلاغ من السماء ، ولا يصحّ تفسير «رجال» بالملائكة ، لأن الرجل يقع على ما له الضد من لفظه ، فتقول رجل وامرأة ، ورجل وصبى ، فقوله «إلا رجالا» يعنى من البشر.

* * *

١٨٨. ما جعل الله الرسل جسدا لا يأكلون الطعام

الرسل قبل النبىّ لم يكونوا إلا بشرا ، لهم طباع البشر ، ولم يخرجوا عليها ، كقوله تعالى : (وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ) (٨) (الأنبياء) والنصارى أخطئوا الخطأ كله عند ما ادّعوا أن عيسى وهو الرسول ، كان ابن الله ، فأخرجوه عن البشرية ، ودليل بشرية عيسى : أنه لم يستغن عن الطعام والشراب ، ولا عن الغائط والتبوّل ، وكذلك كل الأنبياء. وقوله «جسدا» اسم جنس ، ولهذا لم يقل أجسادا ، وجعل الله تعالى الأنبياء أجسادا ، والجسد هو البدن ، تقول تجسّد من الجسد ، كما تقول تجسّم من الجسم. والجسد

١٤٧

هو المتجسّد الذى فيه الروح فيحتاج للطعام ، وأن يأكل ويشرب ، ويتغوّط ، وله حاجاته الفسيولوجية ، وأما الذى لا يأكل ولا يشرب فهو مجرد جسم ، فالجسم هو التمثال ، والجسد هو هذا التمثال قد دبّت فيه الحياة ، ويحتاج للطاقة ، وأن يحرق طعاما ليكون له سعرات معينة تعينه على الحركة والتفكير ... إلخ. والجسد على ذلك هو ما نسميه النفس. والآية تعنى أنه تعالى لم يحدث أن أرسل نبيا لا يأكل ، ولا يشرب ، ولا ينام ، فكلهم كذلك بلا استثناء ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم من هؤلاء.

* * *

١٨٩. كلامه تعالى للأنبياء

أغلب كلامه تعالى للأنبياء وحى ، والوحى : إعلام فى خفاء ، وأنواعه : الإشارة ، والكتابة ، والرسالة ، والإلهام ، والكلام الخفى. والوحى فى الطب النفسى : كل ما تلقيه على غيرك بغرض التأثير عليه. يقال : وحيت إليه الكلام ، وأوحيت ، ووحى وحيا. والوحى يكون للإنسان ولغيره ، يقول تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) (١٦٣) (النساء) ، ويقول : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) (٦٨) (النحل) ، ويقول : (وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها) (١٢) (فصلت). وفى قوله تعالى (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (٥١) (الشورى) ، أى ينفث الكلام فى قلبه فيكون إلهاما ، ومنه قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن روح القدس نفث فى روعى». والوحى للرسل ، إما من وراء حجاب ككلامه تعالى مع موسى ، وإما أن يرسل رسولا هو جبريل ، فيوحى الرسول بإذنه ما يشاء ، فيكون الوحى خطابا من الرسول إلى النبىّ يسمعه نطقا ، ويراه عيانا ، وكان جبريل ينزل بالوحى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلا يراه أحد. والأنبياء الذين كان الوحى إليهم رسولا أربعة : محمد ، وعيسى ، وموسى ، وزكريا ، فأما غيرهم فكان وحيا إلهاما فى المنام.

* * *

١٩٠. أوحى إليه روح

الوحى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان جبريل ، وفيه قال تعالى : (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (٤) (النجم) ، وسمّاه الله تعالى أيضا (بِرُوحِ الْقُدُسِ) (٨٧) (البقرة) ، و (الرُّوحُ الْأَمِينُ) (١٩٣) (الشعراء) ، وروح الله ، قال : (فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا) (٩١) (الأنبياء) ، وقال : (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) (٩) (السجدة) ، وقال : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) (٥٢) (الشورى) ، والروح من أمر الله هو جبريل.

* * *

١٤٨

١٩١. ما كان يدرى من قبل ما الكتاب ولا الإيمان

الأنبياء معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وبصفاته ، وبالتشكّك فى شىء من ذلك. والآثار والأخبار تتعاضد بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا. ونشأة كل الأنبياء على التوحيد والإيمان ، وإشراق نور المعارف ، ونفحات ألطاف اليقين. ومن يطالع سير الأنبياء منذ صباهم إلى مبعثهم يتحقق من ذلك ، وهو ما عرفناه من أحوال إبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ويحيى ، وسليمان ، فقال تعالى فى يحيى : (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (١٢) (مريم) ، أى أن يحيى أعطى العلم بالله منذ صباه ، ووصفه فقال : (مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ) (٣٩) (آل عمران) ، يعنى أنه صدّق بعيسى وهو ما يزال صبيا ؛ وقال تعالى فى عيسى أنه كلّم أمه لما ولد ، قال : (وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي) (٧) (القصص) ، وقال : (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) (٣٠) (مريم) ، وقال فى سليمان وكان صبيا : (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) (٧٩) (الأنبياء) ، وأما إبراهيم فقد ألقى فى النار وهو ابن ست عشرة سنة ، وإسماعيل ابتلى بالذبح وهو صبى يافع ؛ وكان استدلال إبراهيم بالكواكب والشمس والقمر وعمره خمس عشرة سنة ؛ وأوحى إلى يوسف وهو صبى.

غير أنه فى هذه الآية : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) (٥٣) (الشورى) قد يظن أن الله تعالى قد نفى أن يكون نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يدرى شيئا عمّا يكون معنى أن يتنزل كتاب من عند الله ، أو معنى الإيمان بالله ، فهل كان هذا صحيحا؟ وهل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحده بين الأنبياء الذى لم يكن يدرى ذلك؟ والمتأمل لسيرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يجد أن ذلك حق ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لمّا نشأت بغّضت إلىّ الأوثان ، وبغّض إلىّ الشعر ، ولم أهمّ بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين ، فعصمنى الله منهما ثم لم أعد». فلم يحدث فى كل ما رمته به قريش من تهم وأكاذيب ، أن قال واحد منهم أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلى معهم يوما إلى الأصنام ، ولو كان قد فعل ، لكانوا أول من يبادرون إلى إعلانه وتعييره به. فبما ذا كان يتعبّد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذن فى الجاهلية؟ والجواب من السيرة النبوية ، فلم ينسب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى واحد من الأنبياء كموسى وعيسى ، بحيث يكون من أمته ، ولا سجد لصنم ، ولا أشرك بالله ، ولا زنى ، ولا شرب الخمر ، ولا كانت له مع المشركين مسامرات وسهرات ، ولا حضر حلفا من أحلاف الجاهلية ، كحلف المطر ، وحلف المطيبين. فبما ذا إذن كان يؤمن قبل

١٤٩

الإسلام؟ نقول : إنه كان على ملة إبراهيم ، يعنى حنيفا لا يتابع أيا من الديانات ، فآمن بالله من غير شريعة ، وكثيرون كانوا مثله ، وعدم درايته بالإيمان ولا بالكتاب ، المقصود بهما الإيمان بطريقة اليهود والنصارى ، والمقصود بالكتاب التوراة والإنجيل ، وما كان يعرف مضمون ذلك ، ولا الشرائع ولا الفروض والأحكام ، فلما بعث رسولا عرف الإيمان بالله على طريقة الإسلام ، وتلا كتاب الله وهو القرآن ، وأحاط بالأحكام والفروض لمّا تنزّلت عليه تباعا. والإيمان الذى لم يعرفه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يافع هو الإسلام ، وعرفه بعد النبوة ، وكان من قبل ذلك أميّا ، والأميون ما كانوا يعرفون الإيمان ، ولا كان عندهم كتاب ، ومثله قوله : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) (٤٨) (العنكبوت) ، فلما عرف ، وتحصّلت له المعارف بالكتاب ، جعله الله نورا يهدى به الناس ، وإنه ليدعوهم ويرشدهم إلى الدين القويم ، وكان كتاب الله هو القرآن ، ودينه تعالى هو الإسلام ، ونسبتهما إليه تعالى لأنه ربّ كل ما فى السموات وما فى الأرض ، وإليه تصير الأمور. فهذا هو إيمان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بربّه وبدينه وكتابه ، وكان فى البداية إيمانا حدسيا ، وفطريا ، ثم صار من بعد الرسالة إيمانا حقيقيا واقعيا ، له مضمون ، ومضمونه هو رسالته ، فإن قال عنه تعالى قبل المبعث ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ، فهذا حقّ ، فما كان يدرى بذلك كله قبل المبعث ، فلما كان المبعث صار يدرى.

* * *

١٩٢. دعوة الرسل جميعا : لا إله إلا الله

تشهد أدلة العقل أنه لا إله إلا الله ، وثبت بالنقل عن جميع الأنبياء أنه تعالى موجود ، ودليل ذلك إما معقول وإما منقول ، ولم يرسل نبىّ إلا بالتوحيد ، كقوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (٢٥) (الأنبياء) ، فجميع ما جاء به الرسل من شرائع فى التوراة والإنجيل والقرآن ، على الإخلاص والتوحيد.

* * *

١٩٣. الرسل استهزئ بهم من قبل محمد

يقول الله تعالى لنبيّه : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (٤١) (الأنبياء) ، والآية لتسليته وتعزيته ، فلقد استهزئ بالرسل من قبله ، فليصبر كما صبروا ، ووعده النصر.

* * *

١٩٤. سمّوه ابن أبى كبشة استهزاء

كان العرب يعبدون كوكب الشّعرى ، ومن لم يكن يعبدها كان يعظّمها ، وقيل أول

١٥٠

من دعا إلى عبادتها رجل يقال له أبو كبشة ، وقيل : كان أبو كبشة أحد أجداد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من جهة الأمهات ، فلما أراد مشركو قريش أن يستهزءوا بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سمّوه «ابن أبى كبشة»! يذكّرونه بجدّه هذا الذى خرج على إجماع العرب ودعا إلى عبادة الشعرى ، مثلما فعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ودعا إلى الله من باب الآية : (قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) (٧٧) (يوسف) ، يعنى ليس هذا بجديد فى عائلته! وكانوا كلما يسألون عن أخبار النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجعلون سؤالهم تحقيرا وازدراء ، يقولون : ما لقينا من ابن أبى كبشة؟! ويوم فتح مكة قال أبو سفيان بينما عساكر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تمر عليه : لقد أمر أمر ابن أبى كبشة! ـ أى صارت له الإمارة! فلم يفهم أبو سفيان كدأبه ، فما كان ما أعطاه الله لابن أبى كبشة إمارة وإنما نبوة ، وشتّان بينهما ، الإمارة والنبوة! وحسبنا الله.

* * *

١٩٥. حجّة الكافرين ضد الرسل

يقولون إن الرسل بشر ، وما كان لبشر أن يدعو إلى الله : (قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١١) (إبراهيم). ودليل الرسل على الله : الفطرة السليمة ، فهى التى تشهد بوجوده ، وجبلت على الإقرار به ، والاعتراف به ضرورة لهذه الفطرة ، إلا أن الشك قد يعرض لها اضطرارا فتحتاج إلى النظر فى الدليل الموصّل إلى وجوده ، والرسل أرشدوا الأمم إلى هذا الدليل ، فهذا العالم الماثل أمامهم ، وهذه الأرض والسماء ، وشواهد الحدوث والخلق والتسخير التى لا أول لها ولا آخر فى الكون ، كلها تقضى بأن لا بد لهذا الكون من صانع ، وهو الله لا إله إلا هو ، دعا الناس إليه ليغفر لهم ، ولم يعجّل عذابهم. وكانت الحجة الثانية للمنكرين : أن الأنبياء بشر : أفبشر وتعرفون الله وهو من ليس ببشر؟ وطالبوهم ثالثا بالدليل : أن تكون لهم معجزة ، مع أن مطلبهم داحض ، بأنهم ليسوا سوى بشر مثلهم ، وليست لبشر معجزات إلا أن يأذن له الله بها. والرسل منهم أصحاب المعجزات ، ومنهم من يخاطبون الفطرة ، والمعجزات لا تلزم إلا من رآها رأى العين ، ودليل الإقناع أولى وأهم ، فكيف إن كان هذا الدليل مكتوبا فى كتاب ليقرأه الدانى والقاصى ، والمستقدم والمستأخر؟! وذلك هو القرآن ، وهو الدليل هنا.

* * *

١٥١

١٩٦. ما من نبىّ إلا وقد أخطأ أو همّ بخطيئة

كل الأنبياء إما أخطئوا أو هموا بخطيئة ، ومنهم موسى ، وعيسى ، ونبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل إن يحيى بن زكريا لم يخطئ ، إلا أن خطأه كان نقده الشديد لهيروديا وهيرودس بلا روية وباندفاع ، واتهامه لهيروديا بالزنا ، فتسبب ذلك فى قتله على النطع بالسيف ، وفصلوا رأسه عن جسده وقدموها لهيروديا فى طبق. (متى ١٤ / ٣ ـ ١١ ، لوقا ٣ / ١٩ ـ ٢٠ ، مرقس ٦ / ١٦ ـ ٢٨). ولأن الأنبياء كانوا جميعا من البشر ، بما فيهم عيسى ، وبدءا من آدم ، فكان عليهم أن يخطئوا ، وإلا ما كانوا بشرا ، ووصّف الله تعالى خطأ الأنبياء وهو يوصف خطأ آدم ، فقال : (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (١١٥) (طه) فأطاع إبليس وانصاع لهواه ، ومع أنه عاهد الله فلم يحفظ العهد ، فالسبب إذن فى خطأ الأنبياء أنه لم يكن لهم العزم ، أى القوة والمثابرة على الالتزام والوفاء بالعهد ، إلا أنه شتّان بين خطأ نبىّ وخطأ إنسان عادى ، وعلى العموم فإن آفة الإنسان تهافت العزم.

* * *

١٩٧. أخطأ كما يخطئ الناس

أخطأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهذه حقيقة ، وخطؤه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأنه بشر ، وهذا واقع ، والقرآن سجّل فى بعض آياته أخطاء للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ووجّه إليه بسببها العتاب ، فأحيانا يشتد العتاب ويقسو ، وأحيانا يلطف ويرق ، والعتاب فى القرآن للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دليل على أن القرآن ليس من عند محمد ، فلو كان هذا العتاب من كلامه لما عاتب نفسه ونشر خطأه على الناس يقرءون عنه فى كل وقت ، ويرتلونه فى المساجد وعلى الملأ. وكانت أخطاؤه من نوع أخطاء الأحكام ، كهذا الخطأ الذى تحكى عنه هذه الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١) (التحريم) ، قيل إنه حلف أن ماريا القبطية عليه حرام ، وأقسم أن لا يقربها ؛ وقيل حلف أن لا يشرب العسل عند زينب بنت جحش ولا عند غيرها ؛ وما كان له أن يحرّم على نفسه ما أحل الله له. وفى حكاية خولة بنت ثعلبة حرّم عليها زوجها أوس بن الصامت لما ظاهرها ، وقال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «حرمت عليه» ، فما زالت تراجعه ويراجعها وهو يقول : «هو ما قلت لك» ، فقالت : إلى الله أشكو لا إلى رسوله!. فنزلت الآية : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (١) (المجادلة). وأمثال هذين الخطأين من دلائل بشريته وعبوديته لله ، ورغم مقامه المحمود عند ربّه ، إلا أنه لم يخرج عن أن يكون عبدا لله ،

١٥٢

وكان يقول لأصحابه إذا أطروه : «لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله». رواه البخارى ، وقال : «إنما أنا بشر مثلكم ، وإن الظن يخطئ ويصيب ، ولكن ما قلت لكم قال الله ، فلن أكذب على الله» رواه أحمد وابن ماجة. وقال : «إنما أنا بشر تختصمون إلىّ ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن (يعنى أبلغ) بحجته من بعض ، فأحسب أنه صادق ، فأفضى له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعة من النار ، فليأخذها أو ليتركها». رواه مالك والشيخان وأصحاب السنن.

وليست أخطاؤه من النوع الفاحش ، ولا المبتذل ، ولا القبيح ، ولا المرذول ، ولا هى مخالفة لأوامر الله ، وإنما هى أخطاء ليس فيها نصّ قرآنى ، وأعمل فى أحداثها نظره فحكم بما وسعه ، ومن ذلك ما رواه الحسن البصرى قال : جاءت امرأة إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تشكو زوجها أنه لطمها ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «القصاص» ، فأنزل الله : (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً) (٣٤) (النساء) ، فأبطلت الآية حكم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فثبت أنه تعالى لا يقرّه على الخطأ ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يخضع فورا لحكم الله ويأخذ بالصحيح ، ويفرح به ويسرّ. ولما أذن لبعض المنافقين أن يتخلفوا عن غزوة تبوك حين استأذنوه فأعذرهم ، عاتبه الله شديد العتاب فقال : (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) (٤٣) (التوبة) وعلمه ان يتحرّى ويتثبت ولا ينخدع بظواهر ما يقولون ، فوراء أعذارهم مقاصد دنيّة بيّتوا لها.

وفى وقعة بدر استطاع المسلمون أن يأسروا سبعين من أشراف قريش ، وكان من رأى عمر أن يقتلوا ، فالحرب لم تضع أوزارها ، ورأى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يرضى منهم الفداء ، لعل المسلمين ينتفعون بالمال ، فنزلت الآية تعتب عليه بشدة إطلاقه سراح الأسرى ، وقال له ربّه يعلمه : (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٦٩) (الأنفال).

واشتهر عتاب سورة عبس ، وقوله تعالى له فيه : (كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ) (١١) فهذا أكبر تعنيف للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى القرآن كله ، وسبب ذلك أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم انشغل يوما مع جماعة من أشراف قريش يحاجيهم ويناقشهم ويحاورهم لعلهم يهتدون ، وجاءه عبد الله بن أم مكتوم ، وهو يجادلهم ، وكان أعمى يتلمس طريقه ، ودخل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بلا استئذان ، وقاطع

١٥٣

النقاش يريد أن يسأله فى دينه ، فلم يردّ عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واستمر فى كلامه ، وابن أم مكتوم من حين لآخر يأتيه من شماله ثم من يمينه ويقطع عليه كلامه ، ولا شىء على لسانه إلا عبارة «يا رسول الله ، علمنى مما علمك الله» ، وفى السورة يقول تعالى يصف الموقف : (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ) (١١) (عبس) ، فنفهم أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عبس فى وجهه ، وابن أم مكتوم أعمى ، ولن يرى العبوس ، فلا بد إذن أنه ظهر فى كلامه ، ونفهم أنه تولى عنه وانصرف لا يجيبه ، فكان هذا العتاب القاسى من الله تعالى لنبيّه ، لأنّه ما كان له أن يقبل على كفّار لدرجة أن يهمل المؤمن ، ولا أن يعرض عن هذا المؤمن الضعيف من أجل كفرة عتاة فى الكفر ، ولا أمل فى هدايتهم ، فكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلما التقى بابن أم مكتوم من بعد ، يقول له هاشا باشا : «أهلا بمن عاتبنى فيه ربّى» ، وكان من عتابه تعالى لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن أنزل عليه هذه الآية ، يعلمه أن لا يعرض أبدا عن مؤمن يطلبه للدين ، قال : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (٢٨) (الكهف).

* * *

١٩٨. أوذى كما أوذى موسى

موسى كثيرا ما أوذى ، وكذلك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقول تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً) (٦٩) (الأحزاب) ، وموسى اتهموه بأنه آدر (يعنى له خصية منتفخة) وأبرص ، وأنه تزوج حبشية وحلل حراما ، وأنه لم ينفّذ كلام ربّه فى ضرب الحجر ليخرج منه الماء ، وأنه شكّ فى قدرة الله على أن يؤكل بنى إسرائيل ، ولم يعظهم قبل نزول السلوى ، وأنه خاصم هارون ودعاه إلى الجبل ليقتله هناك. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم آذوه فكانوا يرفعون صوتهم على صوته ، كقوله تعالى : (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ) (٢) (الحجرات) ؛ وكانوا ينادون عليه باسمه ، كقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (٤) (الحجرات) ، ويدخلون بيته بلا استئذان ، كقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَ) (٥٣) (الأحزاب) ، وقالوا إذا مات محمد سنتزوج أزواجه ، فنزلت الآية : (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا

١٥٤

رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً) (٥٣) (الأحزاب) ، وقالوا إنه سمّاع للناس ، فرد تعالى عليهم يقول : (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٦١) (التوبة) ، ومن أذاهم قولهم فيه أنه «ساحر» ، و «شاعر» ، و «كاهن» ، و «مجنون» ، وشجّوا رباعيته ووجهه يوم أحد ، وألقوا السلى (خلاص الحيوانات بعد ذبحها) على ظهره فى مكة وهو ساجد ، وطعنوا عليه حين اتخذ صفية بنت حيى ، وفى تأميره لزيد بن حارثة ، ثم لأسامة بن زيد ، ونزلت فيمن يؤذونه فى زمنه أو مستقبلا ، الآية العظيمة : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (٥٧) (الأحزاب).

* * *

١٩٩. محمد لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا

ما كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلها ، وما تميّز عن الناس إلا بأنه رسول ، كقوله تعالى : (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (١٨٨) (الأعراف) ، وهو رسول بشر ، لا يملك أن يجلب إلى نفسه خيرا ، ولا يدفع عنها شرا ، إلا ما يشاء الله أن يملكه ويمكّنه.

* * *

٢٠٠. كل أمة همّت بنبيّها

فى القرآن أن كل الأمم سواء ، وأنهم جميعا أرسل إليها الرسل فحاولوا العدوان عليهم وألحقوا بهم الأذى ، كقوله تعالى : (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) (٥) (غافر) ، قيل : «الأخذ» هو السجن والتعذيب ، والعرب كانوا يسمون الأسير الأخيذ ، أخذوه لتعذيبه أو فدائه أو قتله. وقيل الأخذ : هو الإهلاك ، بمعنى القتل ، يعنى أن كل أمة حاولت قتل نبيّها ، ونبيّنا حاولوا قتله عشر مرات كما سيجىء لاحقا. و «أخذ كل أمة لرسولها» ، يكون إما فى أول الدعوة ، وإما عند نزول العذاب بهم.

* * *

٢٠١. مكروا به صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه

فى الآية : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (٣٠) (الأنفال) ، إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى دار الندوة ، فاجتمع رأيهم على قتله ، فبيّتوه ، ورصدوه على باب منزله طوال

١٥٥

ليلتهم ليقتلوه إذا خرج ، فأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم علىّ بن أبى طالب أن ينام على فراشه ، ودعا أن يعمى عليهم أثره ، فطمس على أبصارهم وغشى عليهم النوم ، فخرج ، فلما أصبحوا فتح لهم علىّ ، فعلموا منه أنه قد رحل ، والخبر مشهور فى السيرة ، ومعنى «ليثبّتوك» يقال أثبته إذا حبسه وسجنه ، و «المكر» التدبير فى الأمر خفية ، والمكر من الله هو إفشال مخططهم.

* * *

٢٠٢. ابن جحاش اليهودى يحاول قتله

هو عمرو بن جحّاش من بنى النضير ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد جاء بنى النضير يستعينهم فى دية فهمّوا بقتله ، وحاول ذلك ابن جحاش ، تقدّم واخترط سيف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أى اختطفه وجرّده منه ، وقال : من يعصمك منى يا محمد؟ فعصمه الله منه ، وقيل ضرب اليهودى من بعد برأسه فى ساق شجرة حتى مات.

* * *

٢٠٣. حاولوا قتله عشر مرات؟

المؤامرات على الإسلام قديمة وليست بنت اليوم ، وما يفعله اليهود والمسيحيون ، والإمبرياليون ، والمستشرقون ، والعلمانيون ، والملاحدة ، اليوم وغدا ، من التنكيل بالمسلمين ، وإيقاع الفتن بينهم ، والتأليب عليهم ، والغدر بهم ، إنما هو تكرار لما فعله أجدادهم بالأمس. فلما كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين المسلمين حاولوا قتله كرمز للإسلام ، وبلغ عدد محاولاتهم عشر مرات :

* ففي المرة الأولى لمّا عرفوا أن الإسلام انتشر اعتناقه ، وكثر أتباعه ، خافوا أن تصير للمسلمين منعة ، فأجمعوا على الكيد لهم ، وأن يحاربوهم نفسيا ، وسياسيا ، وعسكريا ، واقتصاديا ، فوضعوا أعينهم على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلو قتلوه لتفرّق أشياعه أيدى سبا ، وتحلّقوا لذلك فى دار كانت لقريش اسمها دار الندوة ، وهى دار قصىّ بن كلاب التى كانت اجتماعهم تعقد فيها ، وتشاوروا هناك فيما يصنعون فى أمر هذا الدعىّ ـ كما كانوا يسمونه ، وكان مجيئهم من كل حدب وصوب ، وكانوا جميعهم من الكبار ، منهم من بنى عبد شمس : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ؛ ومن بنى نوفل بن عبد مناف : طعيمة بن عدى ، وجبير بن مطعم ، والحارث بن عامر بن نوفل ؛ ومن بنى عبد الدار بن قصىّ : النضر بن الحارث بن كلدة ؛ ومن بنى أسد بن عبد العزى : أبو البخترى بن هشام ، وزمعة بن الأسود بن الحطاب ، وحكيم بن حرام ؛ ومن بنى مخزوم : أبو جهل بن هشام ؛ ومن بنى سهم ، : نبيه ومنبّه ابنا الحجاج ؛ ومن بنى جمح : أمية بن خلف ، وغيرهم كثير وإن

١٥٦

كانوا نكرات ، وبلغ عدد كبار المتآمرين أربعة عشر ، وتداولوا فيما بينهم ، وأشار عليهم أبو جهل أن يأخذوا من كل قبيلة فتى ، شابا ، جليدا ، نسيبا ، وسيطا ، ويعطون كلا منهم سيفا صارما ؛ فيعمدون إليه فيضربونه بها ضربة رجل واحد ، فيقتلوه ، فيستريحون منه ، فإن فعلوا ذلك تفرّق دمه بين القبائل جميعا فلم يقدر أهله بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا. واجتمع من اختاروهم على بابه يقودهم أبو جهل ، وخرج عليهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى يده حفنة من تراب ، فجعل ينثرها فى وجوههم ويتلو : (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) (٩) (يس) ، فلم يبق منهم من لم يصبه التراب ، وانسلّ هو من بينهم إلى حيث أراد ، وتطلّعوا حولهم وقد شاهت وجوههم وكساها التراب ، وتسلقوا الجدار يفتشون عنه بعيونهم ، فرأوا على بن أبى طالب ينام مكانه ، ويتسجّى ببرده. ونزل القرآن فى هذه المؤامرة التى أفشلها الله تعالى قال : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (٣٠) (الأنفال) ، وقال (أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) (٣١) (الطور). والبرد عباءة ويلتحف بها ، وتسجّى تغطّى ؛ وتربّص انتظر ؛ والمنون الموت ؛ وريب المنون ما يريب ويعرض منها.

* وكانت المحاولة الثانية أثناء خروجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة ، يصحبه أبو بكر ومولاه عامر بن فهيرة ، وكان المتربصون به قد جعلوا مائة ناقة جائزة لمن يردّه عليهم ، فخرج سراقة بن مالك بن جعشم على فرسه وراء ركب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد لبس لأمته ، واشتد فى أثرهم ، واستقسم بقداحه يقرأ طالعه ، فخرج السهم «لا يضرّه» ، وعثر به فرسه وأسقطه عنه ، وعاد إليه يشتد فى أثرهم ، واستقسم قداحه مرة ثانية فخرج السهم فى هذه المرة أيضا «لا يضره» ، وعثر الفرس من جديد وسقط سراقة ، ثم عاد إلى الركوب ، واستقسم قداحه فخرج السهم للمرة الثالثة «لا يضره» ، واشتد مع ذلك فى أثرهم ، فعثر الفرس ، وسقط سراقة عنه ، وتعجّب ، ولكنه أصر السعى خلف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إلى أن تراءى له ركبهم ، فعثر به فرسه وغاصت رجلاه فى الرمال ، وسقط هو على الأرض ، وقام يستنهض الفرس ، ونظر فرأى دخانا كالإعصار قد حال بينه والركب ، فنادى بأعلى صوته : أنه سراقة بن جعشم ، لا يريبهم ولا يأتيهم منه شىء يكرهونه ، وأنه يريد أن ينظروه ليكلّمهم ، وطلب أن يكتب له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كتابا يكون آية بينهم وبينه ، وكتب له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الكتاب على عظم أو فى رقعة ، أو خرقة ، وألقاه إليه ، فجعله سراقة فى كنانته ثم رجع. فلما كان فتح مكة ، ثم حنين والطائف ، خرج إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يلقاه فى الجعرانة ، وأسلم سراقة وحسن إسلامه.

١٥٧

* والمحاولة الثالثة لقتله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قام بها عمير بن وهب الجمحى ، وكان من شياطين قريش ، وممن آذوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أشد الأذى ، ولقى منه أصحابه من مكة أشد العنت ، وخطط لها معه صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر من قريش. وكان ابنه وهب بن عمير من أسارى بدر ، فقال لصفوان : لو لا دين علىّ ، له عندى قضاء ، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى ، لركبت إلى محمد حتى أقتله ، فإن لى قبلهم علّة : ابني أسير فى أيديهم! واغتنمها صفوان وقال : علىّ دينك أقضيه عنك! وعيالك مع عيالى أواسيهم ما بقوا ، لا يسعنى شىء ويعجز عنهم! فقال له عمير : فاكتم شأنى وشأنك! ـ وتمت المؤامرة. وشحذ عمير سيفه وسمّه وقدم المدينة ، فرآه عمر ينيخ على باب المسجد متوشحا السيف ، وللتو قال : هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب! والله ما جاء إلا لشر ، وهو الذى حرّش بيننا وحززنا للقوم يوم بدر! (يعنى أفسد بيننا وبينهم وحدد لهم عددنا تخمينا). وأسرع إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلنه بالأمر ، ولم يفعل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا أن قال له : «أدخله علىّ». وأقبل عمر على عمير ، وأخذ بحمالة سيفه فى عنقه فلبّبه بها ، وأمر بعض الأنصار أن يدخلوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويحيطوا به حذر هذا الخبيث ، ثم إنه أتى به إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وأمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمر أن يرسله ، وخاطب عمير قال : «ادن يا عمير» ، فدنا وقال له : انعموا صباحا! وهى تحية الجاهلية ، فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، بالسلام ـ تحية أهل الجنة. فما جاء بك يا عمير؟» قال : جئت لهذا الأسير فى أيديكم فأحسنوا فيه. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فما بال السيف فى عنقك؟» قال : قبّحها الله من سيوف! وهل أغنت عنا شيئا! قال : «أصدقنى ما الذى جئت له»؟ قال : ما جئت إلا لذلك. قال : «بل قعدت أنت وصفوان بن أمية فى الحجر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت : لو لا دين علىّ وعيال عندى ، لخرجت حتى أقتل محمدا ، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك ، على أن تقتلنى له ، والله حائل بينك وبين ذلك»! قال عمير : أشهد أنك رسول الله ، قد كنا نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحى ، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فو الله إنى لأعلم ما أتاك به إلا الله! فالحمد لله الذى هدانى للإسلام وساقنى هذا المساق ، ثم إنه شهد شهادة الحق ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فقّهوا أخاكم فى دينه ، وأقرئوه القرآن ، وأطلقوا له أسيره»! ففعلوا ، ثم إن عمير استأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقدم مكة يدعو الناس إلى الله لعلّهم يهتدون ، وإلّا آذاهم كما كان يؤذى أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى دينهم ، وأذن له ، فكان يدعو الناس بمكة إلى الإسلام ، ويؤذى من يخالفه أذى شديدا ، وأسلم على يديه ناس كثير.

١٥٨

* وجرت المحاولة الرابعة يوم أحد ، وقام بها ثلاثة : عتبة بن أبى وقّاص ، رمى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فكسر رباعيته اليمنى السفلى ، وهى السن التى بين الثنية والناب ، وجرح شفته السفلى ؛ وعبد الله بن شهاب الزهرى شجّه فى جبهته ؛ وعبد الله بن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر فى وجنته ؛ والمغفر درع من حديد يوضع عند الرأس ليحميه من ضرب السلاح فى الحرب. ووقع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى حفرة كانوا قد احتفروها ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون. واجتمع خمسة من الأنصار يزودون عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، رأسهم زياد بن السكن ، أو عمارة بن يزيد بن السكن ، وقتلوا دونه ، وقاتلت عنه أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية ، وكانت تذبّ بالسيف ، وترمى عن القوس ، حتى أصابها بن قمئة ، وكان قد أقبل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : دلّونى على محمد فلا نجوت إن نجا! فاعترضت له أم عمارة ومصعب بن عمير ، وأناس ممن ثبتوا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وضربها ابن القمئة وجرحها جرحا غائرا ، وترّس دون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبو دجانة ، ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يناوله النبل وهو يقول : إرم فداك أبى وأمى!» حتى كان يناوله السهم ما له نصل فيقول : «إرم به». ورمى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن قوسه حتى اندقّت ، وظن أنس بن النضر ، عم أنس بن مالك ، أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قتل ، وذهبت الإشاعة أنه قد قتل ، ورآه كعب بن مالك فأشار إليه ، وزعق يبشّر المسلمين ، واندفع رهط من المسلمين إلى حيث أشار ، ومنهم أبو بكر ، وعمر ، وعلىّ بن أبى طالب ، وطلحة بن عبيد الله ، ومالك بن سنان ، وأبو عبيدة الجرّاح ، والزبير بن العوام ، والحارث بن الصّمة ، وأسرع إليه علىّ بن أبى طالب يأخذ بيده ، وأنهضه طلحة ، ومسح مالك بن سنان الدم عن وجهه وكان يلعقه ويزدرده تبركا ، ونزع أبو عبيدة بثنيته إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فسقطت الثنية ، ثم نزع الحلقة الأخرى بثنيته الأخرى فسقطت هى أيضا ، فكان أبو عبيدة ساقط الثنيتين.

* وأما المحاولة الخامسة لقتل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد جرت فى الشّعب يوم أحد ، ذلك أن أبىّ بن خلف كان يقابل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أيام مكة فيقول له : يا محمد! إن عندى العوذ ، فرسا أعلفه كل يوم فرقا (والفرق مكيال) من ذرة ، أقتلك عليه! فيقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «بل أنا أقتلك إن شاء الله! فلما كان يوم أحد وما جرى فيه ، وتراجع المسلمون إلى الشّعب ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثخن بالجراح وقد أسندوه ، أدركه ابن خلف هذا وهو ينادى عليه : أى محمد! لا نجوت إن نجوت! فقال القوم : يا رسول الله! أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «دعوه» ـ فلما دنا تناول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الحربة من الحارث

١٥٩

بن الصّمة ، واستقبله بها وانتفض بشدة ثم طعنه فى عنقه ، وخدشته الطعنة ولم تقتله ، ودأدأته عن فرسه ، فلما كان فى طريق عودته إلى مكة مات من الجرح بسرف وهم قافلون إلى مكة.

* وجرت المحاولة السادسة لقتله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى العام الرابع الهجرى ، وقام بها بنو النضير من اليهود. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أرسل بعثة من أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين إلى أهل نجد يدعوهم إلى الإسلام ، فغدر بهم عامر ، بن الطفيل وقتلهم ، إلا عمرو بن أمية الضّمرى ورجلا من الأنصار ، وكان ابن طفيل قد حاول أن يستعين عليهم أولا ببنى عامر ، فرفضوا للعقد الذى بينهم وبين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلجأ إلى بنى سليم فقاموا معه وأجهزوا على البعثة. وصمم عمرو بن أمية على الانتقام ، وقد ظن أن بنى عامر هم الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ، والتقى قرب المدينة برجلين من بنى عامر نزلا فى ظل هو فيه فقتلهما ، وخرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بنى النضير يستعينهم فى دية القتيلين من بنى عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية ، فطبقا للجوار الذى كان قد عقده لبنى عامر يحقّ لهم الدية عن القتيلين. وكان بين بنى النضير وبنى عامر عقد وحلف ويحق له من ثم أن يستعينهم. فلما أتاهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعرض عليهم الأمر رضوا ، ثم إنهم خلوا إلى بعضهم البعض ، وكانت فرصة لهم أن يقتلوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عندهم وهو فى نفر من أصحابه قليل ، منهم أبو بكر وعمر وعلىّ ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قعد إلى جنب جدار من بيوتهم ، فائتمروا أن يعلو رجل البيت الذى يقعد تحته فيلقى عليه صخرة ، وانتدبوا لذلك عمرو بن جحّاش بن كعب أحدهم ، «ليريحهم منه» كما قالوا ، ولكن الله ألهم رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ينهض راجعا إلى المدينة ، وأعلمه بأمرهم ، فلما بلغ المدينة أخبر أصحابه وأمرهم بالتهيؤ لحرب بنى النضير جزاء وفاقا ، ثم سار بأصحابه لحصارهم ، وكان ذلك فى شهر ربيع الأول ، واستمر الحصار ست ليال ، وكانت جماعة من الخزرج ـ منهم عبد الله بن أبىّ بن سلول ، ووديعة ، ومالك بن أبى نوفل ، وسويد ، وداعس قد بعثوا إلى بنى النضير : أن اثبتوا وتمنّعوا فإنا لن نسلمكم. إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم» ، وأنزل الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ

١٦٠

بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٥) (الحشر) وهو ما حدث ، فقذف الله فى قلوبهم الرعب ، وسألوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يجليهم ويكفّ عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من الأموال إلا السلاح ، ففعل ، وكان قوله : (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (١٥) (الحشر) ، يعنى بنى قينقاع الذى كان الرسول قد أجلاهم قبل هذا. واحتمل بنو النضير من أموالهم ما استقلت الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته ويستولى على بابه يضعه على ظهر بعيره. وانطلقوا فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام.

* والمحاولة السابعة قام بها رجل من بنى محارب يقال له غورث ، قال لقومه من غطفان ومحارب : ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا : بلى ، وكيف تقتله؟ قال : أفتك به! ـ فأقبل إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو جالس وسيف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى حجره ، فقال : يا محمد! أنظر إلى سيفك هذا؟ قال : «نعم» ـ وكان محلّى بفضة ، فأخذه فاستلّه ، ثم جعل يهزّه ، ثم قال : يا محمد! أما تخافنى؟ قال : «لا ، وما أخاف منك» ، قال : أما تخافنى وفى يدى السيف؟ قال : «لا ، يمنعنى الله منك!» فكفّ الرجل وعمد إلى سيف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يردّه إليه ، وأنزل الله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١١) (المائدة) ، قيل وربما أنزلها الله فى عمرو بن جحّاش متآمر بنى النضير وما هم به ، والله أعلم.

* وكانت المحاولة الثامنة لقتله عام الفتح ، قام بها فضالة بن عمير ، أراد الفتك بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يطوف بالبيت ، فلما دنا منه قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أفضالة»؟ قال : نعم فضالة يا رسول الله ، قال : «ما ذا كنت تحدّث به نفسك»؟ قال : لا شىء! كنت أذكر الله! فضحك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال : «استغفر الله» ، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه ، فكان فضالة يقول : والله ، ما رفع يده عن صدرى حتى ما من خلق الله شىء أحبّ إلىّ منه!

* وكانت المحاولة التاسعة لقتله يوم حنين ، قام بها شيبة بن عثمان بن أبى طلحة ، أخو بنى عبد الدار ، وكان أبوه قد قتل يوم أحد ، فأراد أن يأخذ بثأره ، وكان أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد فرّوا أمام هوازن ، حتى لم يبق معه منهم إلا ثمانية ، وانحاز رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذات اليمين ، ثم قال : «أين أيها الناس؟ هلموا إلىّ! أنا رسول الله! أنا محمد بن عبد الله»! وعندئذ تقدّم شيبة يدور حول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأتاه من خلفه ، فلما همّ به التفت

١٦١

إليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعرف الذى أراده وتبسّم له ، ومسح صدره فذهب عنه الشك ، وفى رواية أخرى أن شيبة لما نظر إليه وانقبض فؤاده تغشّاه شىء ، ولم يطق أن يفتك بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقول : وعلمت أنه ممنوع منى!

* وأما المحاولة العاشرة لقتله فكانت من تدبير عامر بن الطّفيل عدو الله ، وزيد بن قيس ، وكانا ضمن وفد بنى عامر إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال عامر لأربد : إذا قدمنا على الرجل ـ يقصد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فإنى سأشغل عنك وجهه ، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف! فلما قدموا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال له : «يا عامر! إن الناس قد أسلموا فأسلم! فجعل يقول للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : خالنى ـ يعنى اتخذنى خليلا ، وجعل يكلّمه وينتظر من أربد ما كان أمره به ، فجعل أربد لا يحير شيئا. فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال : يا محمد! خالنى! قال : «لا ، حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له». وألحّ على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يأبى عليه ، فقال له : أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا. وولى عامر فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم اكفى عامر بن الطفيل». ثم إن عامرا التقى بأربد فعاتبه وقال : أين ما كنت أمرتك به؟ قال له : لا تعجل علىّ : ما هممت بالذى أمرتنى به من أمره إلا دخلت بينى وبين الرجل حتى ما أرى غيرك. أفأضربك بالسيف؟ ـ وخرجا راجعين إلى بلادهما ، فلما كانا ببعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون فى عنقه ، فقتله فى بيت امرأة من بنى سلول ، وهو يقول : أغدة كغدة الإبل ، وموتا فى بيت سلولية!! ـ وبعد موت ابن الطفيل توجه أربد إلى أرض بنى عامر وكذب على قومه عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال فى حقه : لوددت أنه عندى الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله! فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين ومعه جمل له يتبعه ، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. وأنزل الله تعالى فى ابن الطفيل وأربد : (سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ) (١١) (الرعد). وقيل إن الله أنزل فى أربد وابن الطفيل : (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ) (١٣) (الرعد) ، وأن ابن الطفيل وأربد لما قدما المدينة سألا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يجعل لهما نصف الأمر ، فأبى عليهما ، فقال له عامر : أما والله لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا. فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يأبى الله عليك ذلك وأبناء قيلة» يعنى الأنصار. ثم إنهما هما بالفتك برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فجعل أحدهما يخاطبه ، والآخر يستل

١٦٢

سيفه ليقتله من ورائه ، فحماه الله وعصمه ، فخرجا من المدينة ، فانطلقا فى أحياء العرب يجمعان الناس لحربه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته ، وأما ابن الطفيل فأرسل الله عليه الطاعون ومات.

* * *

٢٠٤. الردّ على من قال أن الأنبياء تعلم الغيب

كان هذا الردّ من طائر صغير الشأن ، كبير القدر ، هو الهدهد ، وكان هو قول الهدهد لسليمان : (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) (٢٢) (النمل) ، فأعلمه ما لم يكن يعلمه سليمان. وفى الآية دليل على أن العلم ليس احتكار العلماء ، ولا الأنبياء ، وأنه لا النبىّ ولا العالم يمكن أن يعلما الغيب إلا ما يأذن به الله.

* * *

٢٠٥. محمد لا يعلم الغيب

ما كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلم ما تخبئه المقادير ، ولا ما ذا يجرى له غدا ، ولو كان يعرف ما يراد منه من قبل أن يعرفه لفعله ، كقوله : (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) (١٨٨) (الأعراف) ، والقائد إذا تسنّى له أن يعرف الغيب انتصر فى الحروب ، وبعض الحروب خسرها النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والتاجر الذى يعرف الغيب يتاجر بثقة ويعرف متى يقبل على الاتجار ومتى ينكص ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما كان يجد قوت يومه ، وكان أصحابه يشكون الجوع فما يملك ما يسدّ به جوعهم ، إلا أن يطلب منهم أن يصبروا. ولو كان يعلم الغيب لكانت الساعة ضمن علمه ، ولاستكثر من عمل الصالحات. ولو كان علم الغيب من علومه لاستطاع أن يجيب على كل ما سألوه عنه ، ولما استطاع أحد أن يؤذيه أو يكيد له ، وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.

* * *

٢٠٦. محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشر

فى التراث الإسلامى أن إبليس رفض أن يسجد لبشر : (قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (٣٣) (الحجر) ، وورث الناس عن إبليس هذه الدعوى ، ورفضوا أن يكون الرسل من البشر : (قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ) (١٥) (يس) ، وشكّكوا فى رسالاتهم ، قالوا : (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا) (٦) (التغابن) ، واستكبروا أن يتّبعوا رسولا من البشر : (فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) (٢٤) (القمر) ، وقالوا عن كل نبىّ : (ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا) (٢٧)

١٦٣

(هود) ، وزادوا فقالوا : (ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ) (٢٤) (المؤمنون) ، وزادوا أكثر فقالوا : (ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) (٣٣) (المؤمنون) ، وأقرت الرسل ببشريتهم ولم يدّعوا خلاف ذلك : (قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (١١) (إبراهيم) ، وأكد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك عن نفسه فقال : (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) (١١٠) (الكهف) ، وقال أهل مكة عنه : (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (٣) (الأنبياء) ، يعنى أنه لا يتميز عنهم بشيء ، فما ينبغى أن يكون لهم نبيا ، وما علموا أن الله تعالى ما كان ليرسل إلى البشر إلا بشرا مثلهم ، ليفهموا عنهم ويعلّموهم ، ولو كان الناس ملائكة لأرسل إليهم ملكا ، ولكنهم بشر من بشر ، فكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وكل نبىّ ـ منهم وإليهم.

* * *

٢٠٧. النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أليس بشرا؟ فلما ذا هذه الصفات

ينسبها إليه البعض فتخرجه عن البشرية؟!

ذلك دأب العامة فى الديانات المختلفة ، وفى المذاهب المتباينة ، أن ينسبوا لأنبيائهم وكبرائهم وعظمائهم ، أفعالا وأقوالا وصفات تخرجهم عن البشرية ، ويطلق علماء النفس والطب النفسى على ذلك اسم «عبادة البطل» ، واليهود ألّهوا نبيّهم عزيز : (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) (٣٠) (التوبة) ، وكذلك فعل النصارى : (قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) (٣٠) (التوبة) ، و (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) (٣١) (التوبة) ، وإنما محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أكد على بشريته وقال : «أنما أنا بشر أضيق بما يضيق به البشر» رواه أحمد بطريق عائشة ، وفى رواية أخرى قال : «إنى بشر أغضب كما يغضب البشر». والله تعالى لم يرسل إلى الناس رسلا إلا من البشر ، يقول : (قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ) (إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (١١) (إبراهيم) ، وأمر الله تعالى نبيّه أن يقول : (إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ) (٦) (فصّلت) ، وقال له : (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (١٨٨) (الأعراف) ، وقال عنه : (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) (١٤٤) (آل عمران) ، فإذا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخبر أحيانا ببعض الغيوب ، فإنما يخبر بها بإعلام الله تعالى إياه ، لأنه تعالى يستقل بعلم ذلك ، كما وصف نفسه : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) (٢٧) (الجن). والمسلم الذكى هو الذى يتحرّج أن يقع فى الخطأ الذى وقع فيه اليهود والنصارى ،

١٦٤

وإنه لأمر جلل أن ننسب إلى رسولنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما ليس فيه ، ونحسب أننا بذلك نكرمه ، أو نجلّه ، أو ننزله المنزلة الواجبة ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من كل ذلك براء.

* * *

٢٠٨. محمد واحد من العرب وبشر مثلهم

عن عائشة رضى الله عنها أن قوله تعالى : (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (١٦٤) كان للعرب خاصة» ، وقال آخرون : الآية لكل المؤمنين أينما كانوا ، ينبّههم أن نبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أنفسهم ، أى واحد منهم ، وبشر مثلهم ، وإنما امتاز عليهم بالوحى ، وخصّ المؤمنين بالذكر لأنهم المنتفعون به ، فالمنّة عليهم أعظم.

* * *

٢٠٩. النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خليله الله تعالى

فى الحديث : «وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا» أخرجه مسلم. يعنى اصطفاه الله خليلا ، والخليل هو الذى يوالى فى الله ، ويعادى فى الله ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت هذه أبرز صفاته ، فلما اتخذه الله خليلا استحال عليه أن يشرك فى نفسه أحدا مع الله ، فقال : «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» أخرجه مسلم ، يعنى لم يكن له خليل إلا الله ، شأنه شأن إبراهيم الخليل : (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً) (١٢٥) (النساء).

* * *

٢١٠. الردّ على من قال إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أختص أحدا بشيء قبل مماته

الدليل عليه قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» أخرجه مسلم ، أى : لو كنت مختصا أحد بشيء ، لاختصصت أبا بكر ، وفى هذا ردّ على من زعم أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اختص بعض الصحابة ـ وبالتحديد عليا ـ بشيء من الدين.

* * *

٢١١. محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول من أسلم أمره لله من أمّته

لمّا أصرّوا على تكذيب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنزل الله تعالى عليه سورة الأنعام ، يسلّيه عن تكذيب من كذبه ، فصار خطابه له «بقل» تتكرر كل حين ، ومن ذلك : (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) (١٤) (الأنعام) ، يعنى الأول من هذه الأمة ، كقول موسى : (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (١٤٣) (الأعراف) ، والإسلام هو أن تسلم أمرك لله ، وأول المسلمين يعنى أول من يسلم أمره لله ، وزيد له الأمر وضوحا فقيل له أن يقول : (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا) (الأنعام

١٦٥

١٤) ، وأن يقول : (لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (١٦٣) (الأنعام) ، وانتقد المستشرقون هذه الآيات ، بأن إبراهيم والأنبياء قبله كانوا من المسلمين ، ومن الدعاة كذلك ، وكانوا تاريخيا قبل النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكيف يكون هو أولهم مع أنه آخرهم؟ والجواب : أن الآية من التعليم الإلهى له ، بأن يردّ على المكذّبين إذا جادلوه وكذّبوه ، بأنه آمن بالله لا شريك له ، وأنه أول المسلمين إعلانا وتأكيدا له ، ونشرا لعبادته وتوحيده ، فإن كان إبراهيم قد سبقه فلم تكن له جماعة سوى عشيرته ، وموسى اقتصر على بنى إسرائيل ، وعيسى قال عن نفسه : إنه ما جاء إلا لخراف بنى إسرائيل الضالة ، وكلّ نبىّ كان له قومه يدعوهم بدعوته ، إلا محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإنه أول من دعا إلى ربّ العالمين ، وأول من ينزل عليه كتاب مدوّن محفوظ ، وأمته من بعده خلفاء له ، وهى الأمة الشاهدة على الأمم ، وأمة البلاغ عنه ، والمسلمون فردا فردا ، ورثوا عنه الرسالة والتبليغ ، فكل من يقوم مقامه فى التبليغ فهو أول المسلمين مثله ـ أى فى المقام الأول من حيث الاعتبار بما قد كلّف به ، وما أدّاه منه. وفى الحديث عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لفاطمة ، أنه أمرها أن تقول ما خصّ به أن يقوله هو عن نفسه : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (١٦٣) (الأنعام) ، ولما سأله عمران عن هذه الآية : يا رسول الله! هذا لك ولأهل بيتك خاصة ، أم للمسلمين عامة؟ قال : «بل للمسلمين عامة» ، فكل من يؤمن به تعالى ، ويدعو إليه ، ويؤدى تكاليف الإيمان ، فهو من «أوائل المسلمين» ، وفى صفّهم. وفى الحديث عن أبى هريرة أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ، ونحن أول من يدخل الجنة» ، يعنى إن كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو آخر الأنبياء ، وأمته هى آخر الأمم ، فإنه وأمته إن شاء الله ، هم الأولون يوم القيامة وعند دخول الجنة ، بأعمالهم وصلاحهم ، وإخلاصهم ، وبرواية أبى حذيفة قال : «نحن الآخرون من أهل الدنيا ، والأولون يوم القيامة ، المقضى لهم قبل الخلائق» ، وبالتعبير القرآنى أنهم (السَّابِقُونَ) (١٠) (الواقعة) ، سبقوا الأمم بالإيمان ، وكانوا أول الناس رواحا للصلاة ، وجهادا بالنفس والمال ، وأخذا بالتوبة ، وعملا بالبر والإحسان ، فلما أسلموا لله كانوا من الأولين ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أولهم فى السبق ، لأنه نبىّ الأمة ورسوله تعالى.

* * *

٢١٢. محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول الخلق أجمع

قالوا فى قوله تعالى : (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (١٦٣) (الأنعام) ، أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول الخلق أجمع ، وفى نداء الفجر يقال : «يا أول خلق الله» ، والمقصود أنه فعلا أول الخلق

١٦٦

معنى ، كما قال : «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ، ونحن أول من يدخل الجنة» أخرجه مسلم ، و «نحن الآخرون من أهل الدنيا ، والأولون يوم القيامة المقضى لهم قبل الخلائق» أخرجه مسلم. وهو أول الخلق لتقدّمه على الخلق ، وأول المسلمين فى أمة الإسلام ، ولما سئل فى الآية : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (١٦٣) (الأنعام) ، هل هذه لك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال : «بل للمسلمين عامة» أخرجه الحاكم ، فالأولية جائزة لكل مسلم يقوم بفروض دينه وطاعة ربّه ونبيّه ، وهى أولية على الخلق وعلى سائر المسلمين الأقل منه التزاما بدينهم وبالطاعة لربّهم ، ولرسوله.

* * *

٢١٣. محمد أرسل بلسان قومه

النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عربىّ بعث باللسان العربى ، كقوله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (٤) (إبراهيم) ، يعنى أنه تعالى يرسل الرسل بلغات أقوامهم ، ليبيّنوا أمر دينهم ، ومع ذلك فلا حجة للأقوام الأخرى ، لأن كل من ترجم له ما جاء به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ترجمة يفهمها ، لزمته الحجة ، ولا تكون ملزمة إلا أن يسمعوا به وتبلغهم رسالته ، وقد قال تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (٢٨) (سبأ) ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أرسل كل نبىّ إلى أمته بلسانها ، وأرسلنى الله إلى كل أحمر وأسود من خلقه» ، وقال : «والذى نفسى بيده ، لا يسمع بى أحد من هذه الأمة ، يهودى ولا نصرانى ـ ثم لم يؤمن بالذى أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار» أخرجه مسلم ، يعنى رغم أنه أرسل باللسان العربى ، إلا أنه للكافة ، وفى ذلك دلالة على أن العربية ستصبح لغة دولية وقد صار لسانها ـ اللسان العربى ـ لسانا عالميا ، ولله الحمد والمنّة.

* * *

٢١٤. محمد رسول لكافة الناس

كل الرسل أرسلوا إلى أمم بعينها ولم يرسلوا لغيرها ، ولما أتت الكنعانية إلى عيسى ليشفى ابنتها ، رفض ولم يعرها التفاتا ، ثم قال : «لم أرسل إلا إلى الخراف الضالة من بنى إسرائيل» ، وقال : «ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويلقى للكلاب» (متّى ١٥ / ٢٤ ـ ٢٦) ، وكذلك كان نوح ، وإبراهيم ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، ويعقوب ، وموسى ، أرسلوا جميعا إلى أقوام لا يتعدّوهم ، إلا محمدا ، فإنه الوحيد الذى أرسل إلى العالمين ، يقول ربّنا : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (٢٨) (سبأ) ، أى إلى جميع الخلائق والأمم والشعوب ، كقوله تعالى : (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً)

١٦٧

(١٥٨) (الأعراف) ، ولما سئل ابن عباس : فيم فضل محمد عن الأنبياء؟ قال : إن الله تعالى ذكر الرسل ، فقال : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (٤) (إبراهيم) ، وقال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (٢٨) (سبأ). وفى الحديث ، قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنه أعطى خمسا ، لم يعطهن أحد من الأنبياء ، وذكر من بينها : «وكان النبىّ يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة» أخرجه البخارى ومسلم. وقال : «بعثت إلى الأسود والأحمر» ـ يعنى للناس عامة ، يجمعهم جميعا بالإنذار والإبلاغ ، ويكفّهم جميعا عمّا هم فيه من الكفر ، ويدعوهم جميعا إلى الإسلام.

* * *

٢١٥. النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاتم النبيين

فى الآية : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) (٤٠) (الأحزاب) نصّ على أنه لا نبىّ بعده صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى الحديث : «لا نبوة بعدى إلا ما شاء الله» زيدت «إلا ما شاء الله» وهى تناقض بداية الحديث ، لأن معناها أن بعده سيكون أنبياء والذين وضعوا هذه الزيادة كانوا يرجون بها أن يقنعوا الناس بأنه بعد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سيكون هناك أنبياء ، يقصدون بهم أئمة الشيعة والروافض. وفى الحديث الصحيح : «مثلى ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأتمها وأكملها ، إلا موضع لبنة ، فجعل الناس يدخلونها ويتعجّبون منها ويقولون : لو لا موضع اللبنة»! قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فأنا موضع اللبنة ، جئت فختمت الأنبياء» أخرجه مسلم. أو قال : «فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيّين».

* * *

٢١٦. كان خلقه القرآن

قالت عائشة عن خلقه : ما دعاه أحد من الصحابة ولا من أهل بيته إلا قال : «لبيك» ، وقالت : كان خلقه سورة «قد أفلح المؤمنون» إلى عشر آيات. وفى الحديث : إن الله بعثنى لأتمم مكارم الأخلاق». وشرح صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك فقال : «أدّبني ربى تأديبا حسنا إذ قال : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩) (الأعراف) ، فلما قبلت ذلك منه قال : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (٤) (القلم).

ومن تعليمه : «اتق الله حيثما كنت ، واتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن». وقال : «ما من شىء أثقل فى ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء». وسئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال : «تقوى الله ، وحسن الخلق». وسئل عن أكثر ما يدخل النار؟ فقال «الفم والفرج» ؛ وقال : «إنّ من أحبّكم

١٦٨

إلىّ وأقربكم منى مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا ، وإن أبغضكم إلىّ وأبعدكم منى مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدّقون والمتفيقهون» قالوا : يا رسول الله ، قد علمنا الثرثارون ، والمتشدّقون ، فما المتفيهقون؟ قال : «المتكبّرون». والثرثارون : هم المتكلمون فى الكلام خروجا عن الحق ؛ والمتشدّقون : هم المتوسّعون فى الكلام من غير احتراز ولا احتياط ، وهم المستهزءون بالناس يلوون أشداقهم ؛ والمتفيهقون : المدّعون العلم والحذق.

* * *

٢١٧. محمد رحمة للعالمين

فى الحديث : «إنما أنا رحمة مهداة» رواه أبو هريرة ، ومثله الحديث عند ابن عمر : «إن الله بعثنى رحمة مهداة. بعثت برفع قوم وخفض آخرين» ، وأصل ذلك فى القرآن الآية : (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (١٠٧) (الأنبياء) وقوله هذا بلاغ لقوم عابدين ، جعل من قوله : (الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) بلاغا عاما ، وقضية مسلّمة صحيحة ، فيها بشارة للصالحين ، والمبلّغ وهو محمد كان المبشّر ، ولأنه كذلك فقد كان رحمة لهم ، ثم قال تعالى : (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٠٨) (الأنبياء) ، فأصل الدعوة كلها أن لا إله إلا الله ، وهى مضمون الوحى إلى محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والإيمان بلا إله إلا الله هو التسليم بالوحى ومضمونه ، والبشارة أن يرث المؤمنون الأرض ، يعنى أن يئول إليهم الحكم وتصبح لهم الغلبة والسيادة. وإذن فالقول فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) هو من علم السياسة الإسلامية ، لأنه برحمة من الله بشّر المستضعفين ، وكما فى الحديث : «بعثت برفع قوم وخفض آخرين». والحديث : «إنى رحمة بعثنى الله ولا يتوفانى حتى يظهر الله دينه». ويظهره فى حياته وبعد مماته ، معناه من الناحية السياسية كقوله تعالى : (فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ) (٥٦) (المائدة) ، ومعناه من الناحية الأخلاقية : أن من آمن بالله كتب له الرحمة ، ومن لم يؤمن عوقب مما أصاب الأمم من الخسف والقذف. وفى هذه الناحية أيضا قال : «أيّما رجل سببته فى غضبى أو لعنته لعنة ، فإنما أنا رجل من ولد آدم ، أغضب كما تغضبون ، وإنما بعثنى الله رحمة للعاملين ، فأجعلها صلاة عليه يوم القيامة» ، يعنى سببا لأن تحط عنه بعض سيئاته. وفى ذلك رحمة وأى رحمة ؛ ولأنه رحمة قال : «وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر» ، يعنى من يؤمن به فإن إيمانه يكون له رحمة. والآية إذن : (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (١٠٧) (الأنبياء) تؤكد القول بأن الإسلام دين ودولة ، وأن ما فى القرآن ويخصّ السياسة هو من الدولة ، وما فيه يخصّ الأخلاق هو من الدين.

* * *

١٦٩

٢١٨. محمد أولى بالمؤمنين

فى الحديث : «إنما مثلى ومثل أمتى ، كمثل رجل استوقد نارا ، فجعلت الدواب والفراش يقع فيه ، وأنا آخذ بحجزكم ، وأنتم تقحمون فيه» ، ومعنى بحجزكم أى يمنعهم عنه ، وهذا مثل لاجتهاده صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى نجاة أمته ، وحرصه على تخليصهم من الهلكات ، فوصفه ربّه فقال : (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (٦) (الأحزاب) ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن توفى وعليه دين ، فعلىّ قضاؤه ، ومن ترك مالا فلورثته» ، فإن ترك المتوفى مالا يسلّم لورثته ، وإن ترك دينا قضاه عنه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهذه هى الولاية ـ من أولى المذكورة فى الآية بمعنى نصر ، وبتفسيره صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمعنى أدعى وأحفظ لهم من أنفسهم ، وفى الأمثال : لا عطر بعد عروس ، وهو أولى بهم من أنفسهم ، لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك وهو يدعوهم إلى النجاة ، وهذه هى ولاية النبوة ، وإن شئت فهى الأبوة الدينية.

* * *

٢١٩. النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أذن خيرا

قال المنافقون فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه أذن ، يعنى سماع لكل أحد ، وكانوا يبسطون ألسنتهم بالوقيعة فى أذيته ، فيقولون : إن عاتبنا حلفنا له فيصدّقنا ويقبل منّا ، فإنه أذن سامعة. والإنسان الأذن هو الذى يسمع كلام كل أحد ، وقد ردّ الله عليهم فقال : (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٦١) (التوبة) ، فأمّن الله تعالى على قولهم ، واستثنى فقال هو أذن خير لا أذن شر ، فيسمع الخير ولا يسمع الشر ، وهو يستمع للمؤمنين ولا يصدق الكافرين ، وسماعه للمؤمنين رحمة لهم.

* * *

٢٢٠. وعظه لهم بواحدة

الرسالة بلاغ ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أتم الحجّة على المشركين ، بقوله تعالى : (قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) (٤٦) (سبأ) ، والواحدة التى يعظهم بها ، وينصحهم أن يأتوها ، هى أن يتفكّروا ، سواء أكانوا وحدهم أم مع غيرهم ، هل جرّبوا على صاحبهم الذى يدعوهم إلى الإسلام ، كذبا ، أو رأوا فيه جنونا أو انحرافا ، أو شاهدوا عليه فسادا ، أو وجدوه يختلف إلى من يدّعون العلم بالسحر أو القصص ، أو عرفوا فيه الطمع إلى المال ، أو قدروا على معارضته ولو بسورة واحدة؟ فإذا تحققوا من صدق ما يقول ، فلما ذا العناد وهو ليس إلا نذيرا بما ينتظر الكافرين من العذاب الشديد؟ وقيل : لما نزلت : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ

١٧٠

الْأَقْرَبِينَ) (٢١٤) (الشعراء) خرج رسول الله حتى صعد الصفا فهتف : يا «صباحاه»!! (يقسم بالصباح تنبيها) فقالوا : من هذا الذى يهتف؟ قالوا : محمد. فاجتمعوا إليه فقال : «أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقىّ»؟ قالوا : نعم. ما جرّبنا عليك كذبا. قال : «فإنى نذير لكم بين يدىّ عذاب شديد».

* * *

٢٢١. أجره على الله

جعل البلاغ على الأنبياء بلا أجر لهم عند المشركين ، كقوله تعالى : (قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (٤٧) (سبأ) ، وإنما أجرهم عند ربّهم ، وقوله : (فَهُوَ لَكُمْ) يعنى لو كان له أجر عندهم فهو متنازل عنه لهم ، لأنه أصلا لا أجر له على المشركين.

* * *

٢٢٢. له المقام المحمود

يأتى مصطلح «المقام المحمود» فى القرآن مرة واحدة فى قوله تعالى : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (٧٩) (الإسراء) ، والخطاب فى الآية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقوله تعالى : (وَمِنَ اللَّيْلِ) ، من للتبعيض ؛ و «التهجد» من الهجود ، أى النوم ، وهو من الأضداد ، يقال هجد أى نام ، أو على الضد سهر. والتهجّد هو التيقّظ والصلاة بعد رقدة ، وهو القيام إلى الصلاة من النوم ، وأما القيام كل الليل فليس تهجدا ، والذى يقوم من النوم إلى الصلاة هو المتهجّد ؛ و «النافلة» هى الفريضة الزائدة ، اختص بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كرامة له فى قوله (لَكَ) ، وفى الحديث : «ثلاث علىّ فريضة ولأمتى تطوع : قيام الليل ، والوتر ، والسواك» ، وفى رواية أخرى : «ثلاث هن علىّ فريضة ، وهن لكم سنّة : الوتر ، والسواك ، وقيام الليل». وعلى ما جاء فى سورة المزمل : أن صلاة الليل كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يؤديها وطائفة من المسلمين على جهة الوجوب ، فأمر بالتنفّل على جهة الندب ، لأنه مغفور له ، فإذا تطوع بما ليس بواجب عليه ، كان ذلك زيادة فى الدرجات ، ولغيره كفاة وتدارك لما يمكن أن ينتقص من الفرض ، وعلى هذا كان قيام الليل بالنسبة له سببا لنيله المقام المحمود عند البعث. وقد يكون معنى يبعثه مقاما محمودا ، يبعثه من نومه عند يقظته ليؤدّى قيام الليل ، فلأنه عندئذ يكون دون الناس فى خلوة ومناجاة مع ربّه ، فقد أعطى بهما مقاما محمودا ، وفى مقام القرب منه تعالى يتفاضل الناس بحسب درجاتهم ، ونصيب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الدرجات العلى هو النصيب الأوفى ، وقيل إنه لذلك مقام الشفاعة ، فلا أحد يمكن أن يشفع لأحد يوم القيامة إلا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى الحديث : «المقام المحمود هو

١٧١

المقام الذى أشفع فيه لأمتى» ، فالمقام إذن هو الموضع الذى يقوم فيه الإنسان للأمور الجليلة ، كالمقامات بين يدىّ الملوك ، وليس أرفع من مقام الشفاعة يعطاه عبد من عباده تعالى. وعن ابن عمر فى صحيح البخارى ، قال : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا (أى جماعات) ، كل أمة تتبع نبيّها ، تقول : يا فلان اشفع ، حتى تنتهى الشفاعة إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. ـ وفى الحديث عن أنس أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حدّثهم ، قال : «إذا كان يوم القيامة ، ماج الناس بعضهم إلى بعض ، فيأتون آدم فيقولون له اشفع لذريتك ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بإبراهيم عليه‌السلام فإنه خليل الله ، فيأتون إبراهيم عليه‌السلام. فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بموسى كليم الله ؛ فيؤتى موسى فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بعيسى عليه‌السلام فإنه روح الله وكلمته ؛ فيؤتى عيسى فيقول : لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأوتى فأقول أنا لها» ، وفى الحديث عن أبى هريرة : أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم سئل فى قوله تعالى : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (٧٩) (الإسراء) فقال : «هى الشفاعة». وقيل إن للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاث شفاعات : واحدة عامة ؛ وشفاعة فى السبق إلى الجنة ؛ وشفاعة فى أهل الكبائر. وقيل له شفاعتان : واحدة عامة للأنبياء فى إخراج المذنبين من النار ، وأما الشفاعة الثانية فإنها له ، وللأنبياء ، والملائكة ، والعلماء. وقيل بل شفاعات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم القيامة خمس شفاعات : واحدة عامة ؛ والثانية فى إدخال قوم الجنة دون حساب ؛ والثالثة فى قوم من موحّدى أمته استوجبوا الناس بذنوبهم فيشفع فيهم ؛ والرابعة فيمن دخل النار من المذنبين فيشفع فيهم وغيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنون ؛ والخامسة فى زيادة الدرجات فى الجنة لأهلها. وفى الحديث برواية البخارى : «من قال حين يسمع النداء : اللهم ربّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته ، حلت له شفاعتى يوم القيامة». وبحسب هذه الأحاديث فإن المقام المحمود : مقام الشفاعة ، يؤتاه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دون الأنبياء جميعا ، ولا يتوافق ذلك مع الكثير من آيات القرآن ، ومع مقتضيات العقل ، فعلى أى أساس شرعى أو عقلى يشفع لمذنب يورده ذنبه النار؟ وما الشأن إذن مع الذنوب؟ وكيف تكون المساواة والعدل بين الناس؟ ولما ذا يكون الحساب إذن؟

وقال بعض المفسرين : إنهم يكرهون الشفاعة لأنها لا تعطى إلا للمذنبين ، وهم لا يحبون أن يكونوا منهم. واستنكر المعتزلة والخوارج الشفاعة على أساس قاعدة الاستحقاق العقلى المبنى على التحسين والتقبيح. وفى الآيات : (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) (٨٧) (مريم) ، فالذين لا يملكون الشفاعة ولا تجوز لهم هم العصاة ، وقوله : (إِلَّا مَنِ

١٧٢

اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً) فيه أن العهد هو الشفاعة ، وأنه تعالى قد وعد البعض أن يكونوا شفعاء للناس ، وهؤلاء هم الأنبياء والعلماء والمكرمون ، وفى الحديث : «لا أزال أشفع حتى أقول يا ربّ شفّعنى فيمن قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فيقول : يا محمد! إنها ليست لك ولكنها لى» ، أى أن الشفاعة لا تكون إلا لمن يأذن له الله ، كقوله تعالى : (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (٢٣) (سبأ) ، فمقام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم المحمود ـ بحسب ذلك ـ هو هذه الشفاعة المأذون بها له. وغالى بعض المفسرين فى معنى المقام المحمود ، حتى قالوا هو أن يجلس الله تعالى محمدا على كرسيه!!! وهذا أغرب التفاسير ، لأن إقعاد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على عرشه تعالى لا يوجب له ربوبية ولا ينزع عنه عبودية!!! والصحيح فى كل ما سبق : أن المقام المحمود هو الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة ، وليس العرش والجلوس عليه. ولا يعقل أن تكون صلاة الليل ، كما فى الآية السابقة على آية المقام المحمود ، سببا لأن يكون للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم المقام المحمود بمعنى الشفاعة. وأما الآية اللاحقة على آية المقام المحمود ، وهى : (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) (٨١) (الإسراء) فهى عبارة عن دعاء أن يميته الله إماتة صدق ، ويبعثه يوم القيامة مبعث صدق ، وبذلك يتصل المعنى بقوله تعالى : (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) (٧٩) (الإسراء) ، فلما وعده ذلك ، أمره أن يدعو لينجز له الوعد. والمدخل والمخرج الصدق هما أن يدخله فى المأمور ويخرجه من المنهى ، أو هو بالمعنى المادى التاريخى : خروجه من مكة يوم الهجرة ، ودخوله يوم الفتح آمنا ؛ وأصحّ من ذلك متوافقا مع معانى الآيتين : أن المقام المحمود هو أن يكرمه بإتمام النبوة عليه وذلك هو مدخل الصدق ، ويكرمه عند موته وبعثه يوم النشور ، وذلك هو مخرج الصدق ، على ذلك فالمعنى الإجمالى للمقام المحمود هو كقوله : (أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً) (٢٩) (المؤمنون). ومن المقام المحمود أن يجعل له نصيرا ، أى حجة ثابتة ، أو أن يؤتيه النصر والعزّ ، ولذا كان قوله بعدها مباشرة : (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) (٨١) (الإسراء). فذلك إذن هو المقام المحمود بحسب السياق القرآنى وليس من ذلك شىء عن الشفاعة.

* * *

٢٢٣. قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) (١١٢) (الأنبياء)

كان الأنبياء يقولون : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِ) (٨٩) (الأعراف) ، وأمر نبيّنا أن يقول (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) (١١٢) (الأنبياء) ، فكان إن لقى العدو يقول ـ وهو يعلم أنه على الحق وعدوه على الباطل (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) ـ أى اقض به.

* * *

١٧٣

٢٢٤. إن كان لله ولد فمحمد أول العابدين

ما كان لله ولد ؛ فإن كان له ولد على سبيل الافتراض فالناس جميعا له عابدون ، وفى الآية : (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (٨٢) (الزخرف) ، والخطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أن يقول لهم إن كان لله ولد ، فالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول من يعبد ولده ، لأن تعظيم الولد تعظيم للوالد ، ولكن يستحيل أن يكون له ولد ، ولا دليل على أن الله تعالى له ولد. وقوله : (فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ) مبالغة فى الاستبعاد ، أى لا سبيل إلى اعتقاده.

* * *

٢٢٥. أسماء ستة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى آية واحدة

هى الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً) (٤٦) (الأحزاب) ، وفيها ستة أسماء من أسمائه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهو النبىّ ، والشاهد ، والمبشّر ، والنذير ، والداعى إلى الله بإذنه ، والسراج المنير. والسراج المنير استعارة للنور الذى يتضمنه الشرع الذى جاء به.

* * *

٢٢٦. لو كان هو مؤلف القرآن لما امتن على نفسه

الآيات كثيرة فى القرآن تمتن على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذلك دليل على أنه لم يؤلف هذا الكتاب ، فلو كان هو المؤلف لما امتن على نفسه ، وكمثال على ذلك قوله تعالى : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (١١٣) (النساء) ، وقوله (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٥٢) (الشورى) ، وقوله : (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) (٨٦) (القصص) ، وقوله : (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً) (٨٧) (الإسراء) ، وقوله : (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً) ((٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) (٩٣) (الإسراء). فهل يعقل أن يكون هو مؤلف القرآن ويأتى فيه بعبارات يدين بها نفسه؟

* * *

١٧٤

٢٢٧. استتاره صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأربع آيات

قيل كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستتر من المشركين بأربع آيات : الآية التى فى سورة الكهف : (إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً) (٥٧) ؛ والآية التى فى سورة النحل : (أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) (١٠٨) ؛ والآية التى فى سورة الجاثية : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (٢٣) ؛ والآية التى فى أول سورة يس : (وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) (٩) ، وألزم الآيات الأربع للاستتارة هى آية سورة يس ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا قرأ هذه الآيات لم يمكّن الله المشركين من رؤيته ، ولمّا عزم الهجرة وخرج يقصد المدينة ، كان المشركون من حول بيته ، فجعل يتلو آية سورة يس ، وينثر التراب على رءوسهم ، ثم انصرف إلى حيث أراد الذهاب.

* * *

٢٢٨. ضربوا الأمثال للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم

عجب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من صنع أهل مكة ، فمرة يقولون هو ساحر ، ومرة يقولون هو مجنون ، وتارة يقولون هو كاهن ، وتارة يقولون هو شاعر ، فقال تعالى يخاطبه : (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) (٤٨) (الإسراء) ، فسمّوه الأسماء لا تصدق عليه ، حتى لم تعد لهم حيلة فيه يصدّون الناس بها عنه.

* * *

٢٢٩. ما أقسم الله بحياة أحد غير محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم

قال : (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (٧٢) (الحجر) ، ولعمرك تعنى و «حياتك» ، فأقسم تعالى بحياة محمد ، وهذا نهاية التعظيم ، وغاية البرّ والتشريف ، وما أقسم الله بحياة أحد غير محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه أكرم البرية عنده. ولقد أعطى الله تعالى لإبراهيم الخلّة ، ولموسى التكليم ، وأعطى هذا الشرف لمحمد فأقسم بحياته.

* * *

٢٣٠. أمر أن يقسم بربّه ثلاث مرات

فى القرآن أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر أن يقسم بربّه ثلاث مرات ـ ق سم إيجاب وتحقيق وتأكيد ، فى الأولى : سأله الذين كفروا عن البعث ، ووعد الله تعالى به : هل هو حقّ؟ فأعاد عليهم ـ تأكيدا ـ أنه حق ، وهو قوله تعالى : (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (٥٣) (يونس) ، فأقسم بقوله «إى وربّى» ؛ وفى الثانية : أنكروا أن تأتى

١٧٥

الساعة ، فأمره أن يقسم لهم أنها آتية لا ريب فيها ، وهو قوله تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) (سبأ) فأقسم بقوله : (بَلى وَرَبِّي) ؛ وفى المرة الثالثة : عادوا إلى إنكار البعث ، فأمره تعالى أن يقسم لهم أنه واقع وحق ، وهو قوله تعالى : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) (٧) (التغابن) ، فأقسم بقوله : «بلى وربّى» وكما ترى ، كان قسمه أن قال : «إى وربّى» ، و «بلى وربّى»

* * *

٢٣١. قولهم : الساحر الكذّاب

هذه الفرية قالها الكافرون أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويرددها النصارى الآن ويطبعونها فى كتيبات يوزعونها ، ويصفه بها المستشرقون ، وعند مكدونالد : أن العرب كانوا يخلطون بين أسماء النبىّ ، والكاهن ، والساحر ، ومكدونالد لم يعتبر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نبيا ، ولم يعدّه من الكهّان ، وتحدّث عنه كساحر كذّاب. ويحكى القرآن عن هذه التهمة التى ألصقه بها العرب أولا ، يقول تعالى : (وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) (٥) (ص) ، يقصدون بساحر أنه يجيء بكلام مموّه يخدع به الناس ، وقالوا «كذّاب» لأنه ادّعى النبوة ، ووجه العجب عندهم أنه وصف نفسه بأنه منذر وهو منهم يعرفونه ، وبشر من بشر ، والمنذرون طالما أنهم من السماء فلا أقل أن يكونوا ملائكة ، وردّ كل الآلهة إلى إله واحد وهذا لا يجوز ، فقوى الطبيعة متعارضة وغير متوافقة ، ولكل قوة إله يتحكم فيها ، وبقدر عدد قوى الطبيعة بقدر عدد الآلهة ، فأن يجعل محمد كل القوى واحدة ، وكل الآلهة إلها واحدا ، فهذا شىء عجيب يعجب منه فيقال عجب وعجاب ، ولما مرض أبو طالب ذهب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعوده والتقى هناك بكبراء قريش ، وقام إليه أبو جهل ، ومنعه أبو طالب ، وسأل أبو طالب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : ابن أخى ، ما تريد من قومك؟ قال : «يا عم ، إنما أريد منهم كلمة تذلّ لهم بها العرب ، وتؤدّى إليهم بها الجزية العجم» ، فقال : «وما هى؟ قال : «لا إله إلا الله» ، فقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ، فنزل بها القرآن ، وفيه : (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ) (٢) (ص). والحقّ أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يحدث أن قال يوما : أن لا إله إلا الله يذلّ بها العرب لقريش ، ويؤدى بسببها العجم الجزية لهم!! وهو كلام منحول يجعل للإسلام أهدافا أخرى سياسية بخلاف الدعوة ، ويجعل الدعوة وسيلة للأهداف السياسية ، وهذا قول المستشرقين! وما كانت الدعوة لقريش أو للعرب وإنما لله تعالى!

* * *

١٧٦

٢٣٢. قولهم : محمد الساحر المبين

يقول تعالى منكرا على تعجّب الكفار ـ والمستشرقين منهم : (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ) (٢) (يونس) ، فقد تعجبوا أن يكون الرسول بشرا ، كقول القرون الماضية : (ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (٦) (التغابن) ، وكقول هود وصالح لقومهما : (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٦٣) (الأعراف) ، وكذلك لما بعث الله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم رسولا ، أنكروا عليه أن يكون الرسول بشرا ، وقالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد! فنزلت الآية : (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ ..) ، وكأنهم كانوا يريدون أن يدعوا لمحمد دعوى النصارى لعيسى ، فيزعمون أنه الربّ ، وأنه ابن الله. ووصفوا دعوى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنها سحر ، لأنه ينتحل لنفسه مقاما ليس إلا للآلهة ، وهذا لا يفعله إلا السحرة ، وخصّوه بأنه ساحر مبين ، لأن البيان صنعته ، والقرآن بيانه ، والبيان فى اللغة ما يتبين به الشيء من الدلالة والفصاحة والمنطق المعبر ، وإن من البيان لسحرا ، ولذا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى اعتبارهم ساحرا مبينا.

* * *

٢٣٣. قالوا عنه : مجنون ، ومفتون ، وشاعر ، وساحر ، وكاهن

كان كفار مكة يزدرون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأعينهم ، ويؤذونه بألسنتهم ، وقالوا له : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٦) (الحجر) ، وقالوا : (أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) (٣٦) (الصافات) ؛ وقالوا (مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ) (١٤) (الدخان) أى علّمه بشر أو علّمه الكهنة والشياطين ، ووصفوه بالجنون وهو زوال العقل أو فساده ؛ ونفى الله تعالى أن يكون كما وصفوه ، فلا هو بشاعر ، ولا ساحر ، ولا مجنون ، ولا معلّم من تلاميذ الكهّان ، كقوله تعالى : (فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) (٣٠) (الطور) ، وقوله : (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) (٥١) (القلم) ؛ وفى نوح قال قومه مثل ذلك : (مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) (٩) (القمر) يعنى زجروه عن أن يدعو كنبىّ ؛ وفى موسى قال قوم فرعون : (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) (٢٧) (الشعراء) ، وقال تعالى فى فرعون : (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (٣٩) (الذاريات) ، وقال تعالى فى استقبال كل الشعوب لرسلهم : (كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) (٥٢) (الذاريات) ، وأما عن نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقد نفى الله عنه الجنون تماما ، فقال : (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) (٢٢) (التكوير).

* * *

١٧٧

٢٣٤. هل كان محمد نبيّا أميا؟

قيل إن الدليل على نبوّته صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ، ولم يكن بمكة أهل كتاب ليعلّموه ، وفى القرآن : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) (٤٨) (العنكبوت) ، أى ما كنت قبل القرآن تقرأ الكتب ، ولا تختلف إلى أهل الكتاب ، وإذن لارتاب المبطلون أنه تعلّمه منهم ومن الكتب. وقيل : إن النبى لم يمت حتى كتب ، وأنه قرأ صحيفة لعيينة بن حصن. وقيل إنه فى صلح الحديبية رفض علىّ أن يمحو أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم رسول الله ، فطلب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يريه مكانها ، فأراه فمحاها ، وكتب بدلا من «محمد رسول الله» : محمد بن عبد الله ، وقال بعضهم : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخذ الكتاب فكتب بيده ، وليس معنى قوله : «إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» ، أنه هو نفسه أمى لا يكتب ولا يحسب. وقيل. أجل ، كان يقرأ ويكتب ، وإنما كان ذلك بعد نزول القرآن ، ونفهم ذلك من ظاهر الآيات : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) (٤٨) (العنكبوت) ، وقوله : (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (٣) (العلق) ، وقوله : (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (١٠٦) (الإسراء) ، وقوله : (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٩٨) (النحل) ، وقوله : (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (٢) (الرحمن) ، وكلها تثبت إنه كان يقرأ ويكتب وإنما بعد القرآن. وقيل : كتب وقرأ من الله من غير تعلّم ولا تعاط لأسباب الكتابة والقراءة ، وإنما أجراهما الله على يده وقلمه ، فكان ذلك خارقا للعادة ، وليس فيه معجزة ، فنحن نصادفه فى الحياة العامة للموهوبين وخارقى الذكاء من الموصوفين بالعباقرة ؛ أو أنه تعلّمهما بمعجزة ، كتعلمه لعلم الأولين والآخرين من غير تعلّم ولا اكتساب. وليس الأمى فى الآية : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَ) (١٥٧) (الأعراف) أنه الذى لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، فالأمى فى السياق القرآنى فى هذه الآية وغيرها من الآيات ، يعنى أنه الرسول النبىّ «الأغيار» ، أى «من غير اليهود والنصارى» ، وليس بمعنى الذى لا يعرف القراءة والكتابة ، والثابت أنه كان يعرف القراءة والكتابة بعد نزول القرآن عليه ، ولا يعتد بالقول بأنه كان له الكتّاب يكتبون ما يمليه ، فذلك لا ينفى أنه كان يكتب ويقرأ ، ومع ذلك يكون له كتبة للوحى ، قيل : بلغ عددهم ستة وعشرين كاتبا. وكان معاوية منهم ، فكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمره فيقول : «أقم الباء ، وحرّف السين ، ولا تعوّر الميم ، وحسّن الله ، ومدّ الرحمن ، وجوّد الرحيم» ، فهل هذه وصايا أمى لا يعرف القراءة ولا الكتابة؟!! أم هى إرشادات عارف متعمّق المعرفة؟! ولما ذكر صلى‌الله‌عليه‌وسلم الدجّال قال : «مكتوب بين عينيه : ك ا ف ر» يعنى أنه تهجّى كلمة «كافر». فكيف لا يكون إذن كاتبا وقارئا؟!

* * *

١٧٨

٢٣٥. النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كيف تكون له كل هذه الأحاديث ،

وجميع ذلك العلم ، ويقال إنه أمىّ؟!

عند الكثير من المفسرين والمستشرقين أن كلمة أمىّ التى ترد فى وصفه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الآية : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (١٥٧) (الأعراف) ، والآية التى تليها : (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (١٥٨) (الأعراف) تعنى الجهل بالقراءة والكتابة ، فهل كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاهلا بالقراءة والكتابة؟ والحقّ أن منطق الحال يدحض هذا الزعم ، وقد قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن نفسه : «أنا أفصح العرب»!! وقال له أبو بكر : يا رسول الله! ما رأينا من هو أفصح منك! وقالت عنه عائشة : كان يتكلم بكلام بيّن فصل ، يحفظه من جلس إليه! وقالت عنه أم معبد : هو حلو المنطق. والمنطق لا يكون إلا للعارف بأصول الكلام ، كتابة وقراءة. ووصف القاضى عيّاض بلاغته ، فقال : أوتى جوامع الكلم ، وخصّ ببدائع الحكم ، وعلّم ألسنة العرب ، فكان يخاطب كل أمة منها بلسانها ، ويحاورها بلغتها ، ويباريها فى منزع بلاغتها ، ومن نماذج بلاغته قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى» ؛ و «الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبين ذلك أمور متشابهات» ؛ و «من يحم حول الحمى يوشك أن يقع فيه» ؛ و «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ؛ و «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ومن كان هذا هو حاله من البلاغة والحكمة فكيف يكون أميا؟!!

وما المقصود إذن من كلمة أمىّ فى الآيتين؟ والكلمة تفسرها ثلاث آيات أخرى من القرآن ، الأولى قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٢) (الجمعة) ؛ والثانية : (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) (٢٠) (آل عمران) ؛ والثالثة : (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥) (آل عمران). وفى الآيات الثلاث فإن الأميين هم المقابل لأهل الكتاب ، وهؤلاء الأخيرون هم اليهود والنصارى أصحاب التوراة والإنجيل وإذن فمعنى الأمى : أنه من كان من غير هؤلاء ، ويصف ذلك القرآن فيقول : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ

١٧٩

الْمُبْطِلُونَ) (٤٨) (العنكبوت) ، والكتاب فى الآية هو الكتاب المقدس ـ أى التوراة أو الإنجيل ، والآية تنفى أن يكون قد قرأ أيا من الكتابين ، أو نقل عنهما كتابة نصا من النصوص. وفى الآية : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (٧٨) (البقرة) يعنى من أهل الكتاب من هم كالأميّين ، لا يعلمون الكتاب ، وإن كان من المفروض أن يعلموه ، وعلمهم به مجرد دعوى وليس حقيقة ، وعن ابن عباس ، قوله : (إِلَّا أَمانِيَ) يعنى يقولونه بأفواههم كذبا. وقيل : هؤلاء جماعة من اليهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئا ـ أى أنهم والأميون أو الأغيار سواء ، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما فى كتاب الله ، ويقولون هو من الكتاب ، مجرد أمانى يتمنونها. والتمنّى هو التخلّق بالكذب وتخرّصه. أو أن قوله : (إِلَّا أَمانِيَ) يعنى كانوا يعرفون الكتاب تلاوة فقط من غير فهم للمعنى ولا عمل بمقتضاه كما فى الآية : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٥) (الجمعة) ، فتوعدهم الله فى الآية : (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (٧٩) (البقرة). وهذا إذن هو حال الأميين من أهل الكتاب ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن من أهل الكتاب ، وكان مع ذلك من الأميّين ـ واختير نبيا مرسلا للناس كافة ، ولو كان من أهل الكتاب لأرسل إليهم مكملا للتوراة والإنجيل عندهم ، وإنما هو من الأغيار ـ مفرده الغير ـ أو كما يقول اليهود من الأمم ، أو الجويم ، مفرده جوى ، وهم من ليسوا من الجنس العبرانى ، فالناس قسمان : عبرانيون وهم الصفوة ، وغير عبرانيين ، وهم «الأمم» ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الأمم ، ومرسل إلى الأمم ، وهو لذلك النبىّ الأمّى ، ومن ثم فقد جاء يبشّر بربّ العالمين ، يتوجه بدعوته إلى العالمين أو الأمم ، أو الأغيار ، يعنى للكافة ، كما فى الآية : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (٢٨) (سبأ) ، (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) (٧٩) (النساء) ، والناس يعنى الجميع كما فى الآية : (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (١٥٨) (الأعراف). والأمية إذن بالنسبة للرسول هى الأممية أو العالمية ، ويشرحها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيقول : «بعثت إلى الناس كافة ، الأحمر والأسود» ، ويقول : «والذى نفسى بيده لا يسمع بى أحد من هذه الأمة ـ يهودى أو نصرانى ـ ثم يموت ولا يؤمن بالذى أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار» رواه أحمد. واختصاصه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه أمى يشرحه فى الحديث عن جابر قال :

١٨٠

«وكان النبىّ يبعث إلى قومه ، وبعثت إلى الناس عامة». وقد أرسل الله الرسل قبل محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كلّا إلى قومه ، فنوح أرسله إلى قومه (قوم نوح ـ الأعراف ٦٩) ، وهود إلى عاد (هود ٦٠) ، ولوط ، وصالح ، ويونس ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، أرسلوا إلى أقوامهم ، إلا محمدا فكان نبىّ الكافة ، والجميع ، والناس كلهم ، ولذلك أرسل سنة ٦٢٨ ميلادية إلى ملوك العالم الأربعة ، وهم الذين كانوا على سدّة العالم فى زمنه : ١ ـ هرقل الثانى إمبراطور بيزنطة ، ٢ ـ وكسرى أنو شروان ملك فارس ، ٣ ـ والمقوقس حاكم مصر ، ٤ ـ وملوك الحبشة ، وعمان ، واليمامة ، والبحرين ، والشام ، واليمن ، وأوصى مبعوثيه إليهم فقال : «إن الله بعثنى رحمة وكافة».

والخلاصة : أن كلمة «أمى» تعنى «الأممى» أى «العالمى» ، وما كان الله الذى يدعو إليه محمد هو «ربّ اليهود» كما فى التوراة ، أو «ربّ عيسى» كما فى الإنجيل ، وإنما هو «ربّ العالمين».

* * *

٢٣٦. ما وجه الامتنان أنه كان أميا؟

فى الآية : (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٢) (الجمعة) ، والأمّيون هم العرب ، من كتب منهم ومن لم يكتب ، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ، وكانوا أغيارا ، أى غير يهود ، واسمهم فى التوراة أميون ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان عربيا خالصا ، لم يخالط دمه دم أممى ، وكان أميا لم يقرأ الكتاب أى التوراة والإنجيل ، فإن قيل : وما وجه الامتنان أن يبعث نبىّ أمى؟ والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : لموافقته ما تقدمت به بشارة الأنبياء ؛ والثانية : لمشاكلة حاله لأحوال العرب فيكون أقرب إلى موافقتهم ؛ والثالثة : لينتفى عنه سوء الظن بأنه تعلّم مما قرأ من الكتب السابقة على القرآن ، ووعى ما فيها من حكم وقصص وأخبار وأحكام. ومصطلح «أمى» إذن يعنى أنه كان من ثقافة مختلفة عن الثقافة اليهودية النصرانية. وهذا كله دليل معجزته وصدق نبوته : وأن القرآن لم يكن مسبوقا ، وأن محمدا لم يتلق علومه عن أحد سوى الله.

* * *

٢٣٧. هل افترى القرآن؟

البرهان العقلى على كذب هذا الادعاء تنبّه إليه الآية : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ

١٨١

الرَّحِيمُ) (٨) (الأحقاف) ، فإن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحده لا يقدر على افترائه ، فالمطلوب كتيبة من العلماء ، ومن أهل اللغات المختلفة ، ومكتبات كاملة من المراجع ، للقيام بالمطلوب ، وحتى لو تحقق لهم ذلك فلن يستطيعوه ، لأنه لن تكون به الوحدة التى هو عليها الآن ، ولن يكون على هذا النسق الواحد ، والقدر العالى من البيان ، فإذا كانت أمة العرب بأسرها قد عجزت أن تأتى بمثله ، ولو حتى بآية ، وكان هو وحده الذى استطاع أن يقوم به ، فإن ما فعله يكون معجزة لا شك فيها ، وشيئا خارقا للعادة. وإذا كان كاذبا وافتراه ، فكيف صدّقته غالبيتهم وكانوا من الحكماء ، وعهدنا بالحكماء أن لا يصدّقوا الكذّاب؟! ولو كان قد افتراه فما ذا عاد عليه؟ لا أصبح سلطانا ، ولا صارت له الأموال! وعاش فى ضنك وفى مسغبة وتعب لا ينتهى! وكيف يكذب عليهم وعلى نفسه وهو يؤمن بإله سيحاسب الكذّاب ، أفلا يخشى الحساب؟! وإذا كان يؤمن بإله ويؤمنون بآلهة ، فالله يشهد بينهما ، وهو الأعلم بما يقولون ، وبما يفيضون فيه ، وكفى بالله شهيدا.

* * *

٢٣٨. دعواهم بتقوّله

قالوا : إنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس بنبىّ ولا رسول : (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً) (٤٣) (الرعد) يقصدون أنه متقوّل.

* * *

٢٣٩. أليس طول انتظاره لنزول القرآن دليلا على أنه ليس كلامه؟

من دلائل نبوة محمد ، وأنه لم يؤلف القرآن ، وإنما القرآن منزّل عليه من عند الله ، أنهم كانوا يسألونه صلى‌الله‌عليه‌وسلم عما يريدون أن يعرفوه ، فيستأذنهم أن يسأل ربّه ، ويطول انتظارهم وقد أبطأ عليه الوحى ، فلو كان هو الذى يؤلف القرآن فلما ذا ينتظر؟ وما ذا ينتظر؟ وما الذى يجعله بقلق كل هذا القلق أثناء ذلك حتى ليستبطئ الوحى ، بينما الكفار يسخرون منه وقد أبطأ عليهم ، ويهزءون به ، وأصحابه قد استبدّ بهم القلق كذلك ، وبعضهم ذهبت به الظنون بعيدا ، وبدأت تساوره الشكوك فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأنه يوحى إليه فعلا؟ والانتظار شاق ، وخاصة إذا تعلق الأمر بالعقيدة.

وفى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، نزل قوله تعالى : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (١٤٤) ، وكان النبى يستقبل المشرق فى صلاته فى مكة ، وظل على ذلك بضعة عشر

١٨٢

شهرا ، وكان المأمول أن تؤمن اليهود فما آمنوا ، وكره أن يولى وجهه إلى بيت المقدس ، وطمع أن تكون قبلته عربية ، وتمنّى لو ولّى وجهه للبيت الحرام ، وكان يقلّب نظره فى السماء عسى ربّه يهديه إلى ما ينبغى ، وأضمر رجاءه أن يتوجه إلى الكعبة ، فكانت ضربة قاصمة لليهود ، ونزل قوله : (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) (١٤٤) (البقرة). وقيل : كان يحب قبلة إبراهيم ، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء ، وظل يصلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا ، ولكنه كان يتمنى لو يصلى إلى الكعبة ، فلما ذا انتظر إذن مدة سنة ونصف ليتحول إلى البيت الحرام لو كان التشريع بيده ، وكان القرآن من تأليفه؟ ولو فعل لكان قد نفّس عن رغباته المكبوتة ، وحقق ما يصبو إليه ويحبه العرب منه ، لاعتزازهم بالكعبة وافتخارهم بها. وهذا التأخير إذن يدل على أن القرآن من عند الله ، وأن محمدا ليس بيده شىء من الأمر.

وحادثة الإفك التى اتّهمت فيها زوجته : الحصان ، الطاهرة ، عائشة بنت أبى بكر ، وظلوا يتهمونها أربعين يوما ، وكانوا أثناءها يلوكون سيرتها ، ويهتكون عرضه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلو كان هو الذى يؤلف القرآن فما أحراه أن يسرع بآيات تنفى هذه الشبهة عن حليلته؟ وما كان الأمر بيده ، فلمّا نزل القرآن يبرئها فرح بما جاء به كفرحة عائشة ومن حولها ، وجاءت البراءة من القرآن بعد هذه المدة الطويلة ، يقول : (إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ

١٨٣

مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (٢٣) (النور). ولو كان محمد هو مؤلف هذا الكلام الشديد العنيف القاسى ، لكانت له مواقف مع عائشة ومع عصبة الإفك ، ولكن ما أثر عنه من أحاديث ، كان فيها شديد التحفظ ، ولما سئل عما يعلم من هذا الأمر قبل نزول البراءة قال : «إنى لا أعلم إلا خيرا» ، وقبل نزول هذه الآيات مباشرة سأل هو نفسه عائشة فى تؤدة : «يا عائشة ، أما إنه قد بلغنى كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله» فشتّان بين أسلوب الآيات وأسلوبه صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع عائشة ، وطريقة القرآن فى عرض الواقعة ، والجزاء المقترح ، وطريقته هو فى استقبال الحدث ، ويظهر جليا أن قائل القرآن بخلاف قائل هذه الأحاديث ، وأن القرآن ليس من تأليف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وسألوه عن أصحاب الكهف وذى القرنين ، والروح ، فقال لمن سأله : «ائتونى غدا أخبركم» ، ولم يقل «إن شاء الله» ، فأبطأ عليه الوحى حتى كذّبته قريش ، وشقّ على المؤمنين الأمر ، وقال المنكرون : قلاه ربّه ـ أى تركه ، فأنزل الله : (وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى) (٣) (الضحى) ، وجاء تعليمه تعالى : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) (٢٤) (الكهف). ولما نزل عليه جبريل بعد هذا الإبطاء عاتبه ، فأفهمه جبريل وقال بلسان القرآن : (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) (٦٤) (مريم) ، ومرة أخرى فلو كان هو مؤلف القرآن لأسرع بالردّ عليهم كما وعدهم ، ولما انتظر كل هذه المدة الطويلة ، فأحرج نفسه ومن معه ، ولما ردّ على نفسه هذا الردّ المفحم على لسان جبريل!

وفى سورة البقرة نزلت الآية : (لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٢٨٤) (البقرة) فذعر أصحابه أن يحاسبهم الله على ما فى ضمائرهم ، وما يكون من وساوسهم وهواجسهم ، وما يجول بخواطرهم ، فشكوا إليه أن الآية تكلّفهم من أمرهم عنتا ، ولا يطيقون تكاليفها ، فقال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم : سمعنا وعصينا ، بل قولوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». أخرجه مسلم ، فجعلوا يضرعون بها إلى الله حتى نزلت الآية من أواخر سورة البقرة : (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ

١٨٤

أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٢٨٦) (البقرة) ، فما قاله لهم النبىّ يختلف عمّا جاء فى الآية ، فلم يبين لهم هذا البيان ، ولو كان هو المؤلف لما كان هناك فرق بين الكلامين ، وهذا دليل آخر على أن القرآن ليس من لدن محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولو كان كل ما فى الآية فى باله وقتها لقاله وما كان يكتمه.

ونحن نعلم عن عبد الله بن أبى بن سلول أنه كان رأس النفاق فى المدينة ، فتوفى فكفنه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى قميصه ، وأراد أن يصلى عليه ويستغفر له ، فاعترضه عمر وقال : أتستغفر له وتصلى عليه وقد نهاك ربّك؟! فقال له : «إنما خيّرنى ربّى فقال : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) (٨٠) (التوبة) ، وسأزيده على السبعين» ، ثم صلى عليه ، فأنزل الله تعالى الآية يأمر فيها من بعد : (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ) (٨٤) (التوبة) ، فترك الصلاة عليهم. ولو كان محمد هو مؤلف هذا الكلام ، أكان من الممكن أن يدين نفسه به؟ ولقد فهم من الآية خلاف ما فهم عمر ، وثبت أن عمر كان فهمه هو الأدق والأضبط ، وجاءت الآية موافقة مع رأيه ، فهل كان عليه أن يذيع ذلك ويعرّف به الناس ، لو كان هو مؤلف القرآن؟ وهل كان ينتظر نزول الآية ليعرف الصواب من الخطأ وهو المؤلف؟!

ومن أجل ذلك ، وبالنظر إلى كل ما سبق ، فإن طول انتظار نزول القرآن ، لدليل على أن القرآن ليس من عند محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولكنه تنزيل من ربّ العالمين.

* * *

٢٤٠. النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يغلّ

الغلول هو الخيانة فى المغانم ، ويغلّ يعنى يخون ، وكان المنافقون قد دأبوا مع الكفار واليهود على أن يشنّعوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالوا إنه ساحر ، وقالوا إنه كاهن ، وشاعر ، ومجنون ، وبعد وقعة أحد جاء التشنيع عليه بأنه غلول ، يعنى يؤثر نفسه ببعض المغانم ويخفيها عن المسلمين ، فنزلت الآية : (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (١٦١) (آل عمران). فالغلول لا يناسب النبوة ، وفى الحديث : «لا إغلال ولا إسلال». أى لا خيانة ولا سرقة ، ويقال : ولا رشوة ، وقال : «ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن». والآية تردّ عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مزاعم الكفار ، وتنهى

١٨٥

المسلمين عن الغلول ، وتتوعدهم عليه. وكما لا يجوز أن يخون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لا يجوز أن يخونه غيره ، ولا يجوز أن تمارس الخيانة أصلا بين الناس جميعا. والآية تنفى بالكلية الغلول عن الأنبياء.

* * *

٢٤١. لم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بدعا من الرسل

قالوا عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه يدّعى أنه يوحى إليه ، ويدّعى العلم بالغيب ، والمعرفة بتواريخ الأمم البائدة ، والأنبياء السابقين ، فنزلت الآية : (قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (٩) (الدخان) ، تثبت أن ما ينسبونه إليه لم يكن فيه بدعا من الرسل ، فإنه يوحى إليه ، وما يوحى إليه يبلّغه ، ولا يعلم الغيب ، ولا يدرى شيئا إلا ما يوحى إليه ، ولا يقول شيئا من نفسه ويزعم أنه موحى إليه به ، وإنما هو رسول نذير مبين ، يشرح ويفسّر ما أمر بتبليغه والإنذار به.

* * *

٢٤٢. محاجة اليهود بشهادة يهودى فى نبوته

اليهودى هو عبد الله بن سلام ، نزلت فيه الآية : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠) (الأحقاف) ، قيل : أنه شهد على أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مذكور فى التوراة ، وأنه نبىّ من عند الله. وقال : أيها الناس ، كان اسمى فى الجاهلية فلان ، فسمانى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد الله ، ونزلت فىّ آيات من كتاب الله ـ فنزلت فىّ : (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠) (الاحقاف) ، ونزلت فىّ : (قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) (٤٣) (الرعد). والآيتان فى محاجة اليهود ، وهما مدنيتان. ووجه الحجة فى الآيتين أن ابن سلام لما جاء مسلما من قبل أن تعلم اليهود إسلامه ، قال : يا رسول الله ، اجعلنى حكما بينك وبين اليهود. فسألهم النبىّ أولا عن ابن سلام : «أى رجل هو فيكم؟» قالوا : سيدنا وعالمنا. ورضوا بحكم ابن سلام ، وقالوا : إن شهد لك آمنا بك. ـ فسئل ، فشهد ابن سلام ، وأسلم ، فقال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنه قد آمن بى» فأساءوا القول عندئذ فى ابن سلام!! فهذا هو وجه الحجة فى الآيتين.

* * *

٢٤٣. نزول القرآن متفرقا من أدلة نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم

أنزل القرآن متفرّقا ، وأراده كفّار قريش لو أنزل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دفعة واحدة :

١٨٦

(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً) (٣٢) (الفرقان) ، وبدأ نزوله فى ليلة القدر : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (١) (القدر) ، وكان من الأفضل أن ينزل منجما على عشرين سنة ، كقوله تعالى : (لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً) (٣٢) (الفرقان) ، فلو أنزله جملة واحدة ثم سألوه ، لم يكن عنده الجواب ، ولما تسنّى له أن يرسّله ترسيلا ، أى شيئا بعد شىء ، فيمكّنه ، ويمكّنهم ، أن يستوعبوه ويفهموه ويحفظوه ، فإذا سأل سائل فيه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، استطاع أن يجيب ، وذلك من علامات النبوة ، لأنهم ما كانوا يسألون عن شىء من الماضى أو الحاضر ، أو الغيب ، إلا أجيبوا عنه ، وهذا لا يجوز إلا من نبىّ ، فكان ذلك تثبيتا لفؤاده ولأفئدتهم ، بقوله تعالى : (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (٣٣) (الفرقان). ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل عليهم ، وكان نزوله مفرّقا زيادة لهم فى التنبيه ، ولو نزل جملة واحدة لزال التنبيه.

* * *

٢٤٤. آية المباهلة من أعلام نبوته

آية المباهلة هى الآية : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) (٦١) (آل عمران) ، و «الابتهال : هو الضراعة لله ، والاجتهاد فى الدعاء باللعن ؛ والمباهلة من ذلك وفعلها بهل أى لعن ، تقول : بهله الله يبهله ، أى يلعنه ، والذين دعاهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم للمباهلة هم أهل نجران ، والآية من أعلام نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه دعاهم للمباهلة فأبوا ورضوا بالجزية. ولم يرفضوا المباهلة إلا لأنهم فى أعماقهم لديهم الشك فى أنهم على حق ، وأن محمدا على باطل ، فلو كانوا متيقنين أنهم على الحق لسارعوا لقبول مباهلته ، ولكنهم نكصوا خوفا.

* * *

٢٤٥. قدر نبيّنا وشرفه

تذكره الآية : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (١٦٣) (النساء) ، فرتّب هؤلاء الأنبياء بحسب تكليفهم زمنيا إلا نبيّنا وعيسى ، وبدأ بنبيّنا فقدّمه فى الذكر على سائر أنبيائه ، فقال : (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) (٧) (الأحزاب) ، فقدّم عيسى على قوم كانوا قبله لأن الواو تقتضى الترتيب ، وأيضا فيه تخصيص عيسى ردا على

١٨٧

اليهود ، تحقيقا لنبوته ، لأنهم أنكروا نبوته ، وأنكروا أنه وجد أصلا شخص اسمه يسوع المسيح ، فقطع ما رأوه فيه ، ودفع اعتقادهم ، وعظّمه عندهم ، ونوّه باتساع دائرته.

* * *

٢٤٦. ما ضلّ أبدا وما تكلم بالباطل

يشهد الله تعالى للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه ما ضلّ عن الحق وما حاد عنه ، فقال : (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) (٢) (النجم) ، فأقسم بصدق ما يقول ، فأن تهوى وتسقط النجوم هو آية من آياته الكبرى ، وسقوطها هو غيابها ، أو هو انطفاؤها فى الدنيا أو يوم القيامة ، وانتهاؤها تماما وتلاشيها. والله تعالى يقسم بأن محمدا ما غوى ، والغى ضد الرشد ، وهو أن يتكلم بالباطل ، وهذا إخبار عن أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان دائما أبدا موحّدا سواء بعد بعثته كنبىّ أو قبلها.

* * *

٢٤٧. هل كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مزواجا كما يقول المستشرقون؟

النبىّ لم يتزوج للمرة الأولى إلا وهو فى الخامسة والعشرين ، وكانت زوجته خديجة بنت خويلد فى الأربعين ، فكانت تكبره بخمس عشرة سنة ، وهى التى خطبته من نفسه ، فقد تعاملت معه وأعجبتها أمانته وطهارته بشهادة الشهود ، فتوسطت لها عنده نفيسة بنت أمية التميمية ، وما كان لديه ما يتزوجها به ، فكفته ذلك ، وهى ذات المال والشرف والكفاية ، وبررت عرضها الزواج منه فقالت : قد رغبت فيك لقرابتك ، وسطتك فى قومك (يعنى فضلك) ، وحسن جمالك ، وصدق حديثك». وكانت خديجة نعم الزوجة له ، وساعدته بمالها وحسبها ونسبّها ، وآزرته بقوة نفسها ورجاجة عقلها ، وكان له منها الولد ، وتوفيت بمكة قبل الهجرة بثلاث سنوات ، وقد بلغت من العمر خمسا وستين سنة ، أى أنه ظل خمسا وعشرين سنة زوجا لها لم يعرف امرأة غيرها. ولما توفيت كان عمره خمسين سنة. ونعرف من علوم الطب النسائى والفسيولوجيا والطب النفسى : أن المرأة تبدأ شيخوختها أو إياسها فى الأربعين ، وخديجة كانت فى الأربعين يوم أن تزوجته ، ولم تكن قد أيست بعد ، وأنجبت منه الأولاد ، ومهما قيل عن جمالها فإنه بكل المقاييس جمال قد ذبل ، ولم تكن جميلة أصلا ، لأنها ظلت قبل زواجها منه عشرين سنة بلا زواج لا يتقدم إليها خاطب برغم ما قيل عن ثرائها ، ومهما قيل عن مالها فما ذا يغنى المال لو كان طالب الزواج ينشد الجمال أولا ويبحث عن المتعة الجسدية؟ وفى التحليل النفسى يقال : إن زواج شاب مثل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من كهلة مثل خديجة رضى الله عنها ، إنما لأن الزوجة فى هذه الحالة ، هى

١٨٨

فى واقع الأمر ، زوجة وأم ، والزوجة الأم هى مطلب أمثال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذين يحرمون من أمهاتهم فى سن التكوين ، أى بين الرابعة والثامنة من العمر ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم توفيت أمه وهو فى السادسة ، وتوفى أبوه وأمه حامل فيه ، أو وهو ابن شهرين ، وقيل ابن ثمان وعشرين شهرا ، أى فى السن التى يفتقد الطفل فيها أمه ، بشدة أكثر من افتقاده لأبيه ، ويظل به المنزع أن يتعامل مع كل امرأة كبيرة تبدى العطف عليه كأنها أمه. ومن ذلك أن الدكتور القوصى عالم التربية النفسى الكبير ، يقصّ عن نفسه أنه كان لا يدرى كلما دعى إلى اجتماع وكانت فيه سيدات ، يختار أن يجلس إلى جوار أكبرهن سنا ، التى تظهر احتشاما فى لبسها ، وتؤثر اللون الأسود فى ثيابها ، وتبين له مع استمرار تحليله لمواقفه ، أنه يفعل ذلك لأنه فى أعماق نفسه يرفض الإقرار بأن أمه قد ماتت ، وكانت كبيرة السن ، ومحتشمة ، وتؤثر السواد فى لباسها ، وكان موتها فى صغره ، فافتقدها ، وكأنه بجلوسه إلى جوار السيدات كبيرات السن ، المحتشمات ، المتّشحات بالسواد ، يطمئن نفسه بأن أمه ـ وإن كانت قد توفيت فى الواقع ـ فإنها فى الحقيقة تعيش فى وجدانه ، وفى ذهنه ، ولا تفارقه صورتها. وعلماء النفس يطلقون على ذلك اسم الحضور النفسى ، وشبيه به برهان يوسف الذى رآه لما همّ بامرأة فرعون وهمت به ، وبرهانه هو صورة أبيه يعقوب عليه‌السلام ، وكان يأخذه بالتربية المثلى ، ويتعهده بالتعليم الحىّ.

وكانت خديجة بمثابة الأم الرءوم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبها تعود أمه إلى الحياة ـ متمثلة فى هذه السيدة الفاضلة ، ولما تزوّجها وقصّ عليها قصته مع الوحى ، ورأته وقد ارتج عليه من الخوف ، وارتعدت فرائصه ، سارعت إليه وأدخلته بينها وبين درعها ، وأجلسته على فخذها ، وهدأت من روعه فقالت : الله يرعانا يا أبا القاسم! أبشر يا بن عم واثبت ، فالذى نفس خديجة بيده ، إنى لأرجو أن تكون نبىّ هذه الأمة ، والله لا يخزيك الله أبدا! إنك تصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ ، وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحق». وكانت أول من آمن به ، وبيتها أول بيت فى الإسلام ، وجزاء ذلك بشّرها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ببيت فى الجنة ، فعوّضها الله به عن بيتها ، على غرار الحديث : «من كسا مسلما على عرى كساه الله من حلل الجنة ، ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه الله على الرحيق» ، ويذكرها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد موتها ويردّ غيبتها فيقول : «والله ما أبدلنى الله خيرا منها! آمنت بى حين كذّبنى الناس ، وآنستنى بمالها حين حرمنى الناس ، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها». وتروى السيدة عائشة فى ذلك أنها لما اغتابت خديجة ، وسمعته يزجرها بهذه الحدّة ، أمسكت وهى تقول فى نفسها : «والله لا أذكرها بعد ذلك أبدا». وقال لها يومها : «إنها كانت وكانت ، وكان لى

١٨٩

منها الولد» ، وقال : «إنى قد رزقت حبّها» وقال : «إنى أحب حبيبها» أى كل من يمت لها بصلة أو بقربى. وتقول عائشة : ما غرت من امرأة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ما غرت من خديجة ، لما كنت أسمع من ذكره لها. وما تزوجنى إلا بعد موتها بثلاث سنين». وفى الصحيحين عن أبى موسى الأشعرى أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ، ومريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». والكمال ـ فى الطب النفسى ـ من المباحث الشريفة ، وهو مقصد ما يسمى علم النفس التكاملى ، وفيه أن من صفات الكامل أنه : معطاء ، كريم ، سخىّ ، يجود بما معه ولا ينتظر الردّ ، ولا يأخذ العوض ، وأنه مسامح ، غفور ، رحيم ، عطوف ، شفوق ، ليس فيه التجبّر ولا الاستبداد ، يستمع إلى الرأى الآخر ، ويأخذ به فى حالة الصواب ، ويثبت عليه ويمتدحه ، ويسعى إلى الحق ، ويستهدف العدل ، ويدعو إلى الخير ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ولا يفحش ، ولا يسبّ ، ولا يغضب ، ويحب الناس ، وليس للبغض سبيل إلى قلبه. وخديجة كانت كذلك ، ولم يعرف لها المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم نقيصة ، فوصفها بالكمال ، وقضى معها زهرة شبابه ، فلم يشك منها ، ولم يتأفف ، ولم يطلب الزواج عليها حتى بلغ من العمر عتيا ؛ وما كانت خديجة إلا وزير صدق له ، تشير عليه ، وتصدقه ، وتخفف عنه ، وتهوّن عليه ، مثلما تفعل الأمهات ، وليس ذلك من دأب الزوجات وإنما هو دأب الأمهات. ولم يثبت أن لخديجة ثروة طائلة كما قيل ، تبريرا لهذا الزواج بالماديات ، وإلّا فأين ذهبت هذه الثروة حين هاجر؟ ولم يحدث أن طالب بها حينما عاد إلى مكة فاتحا ، ولم يشهد شاهد ، ولا روى راو ، أنه باع من أملاك خديجة فى مكة شيئا ، ولم ترث بناته عنها شيئا ، اللهم إلا حلية ذكّرت زينب أباها بها عند ما أرادت أن تفتدى زوجها ابن العاص! وفى رواية لعائشة قالت يوما لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن خديجة : ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين هلكت فى الدهر؟ وقولها حمراء الشدقين ، يعنى أنها قد خلعت أسنانها ولم يبق فى فيها إلا اللثة بلونها الأحمر ، وقولها هلكت فى الدهر يعنى أنها كانت مسنّة ، وأن سنها كان باديا عليها. وعائشة لم ترها رأى العين ولكنها سمعت عنها ، وروت ما سمعته. وإذن تسقط دعوى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان مطلبه النساء ، أو أن يرتزق من ثروتهن ، ويبقى أنه كان ينشد طيب الصحبة ، وكريم العشرة ، وحسن الأحدوثة ، وأن يرضى من حوله ، حلا لكثير من المشاكل كما سنرى.

ولما ماتت خديجة تزوج بسودة بنت زمعة ، وكان قد سبق لها الزواج كخديجة ، وإنما خديجة تزوجت مرتين قبل أن يتزوجها المصطفى ، وسودة تزوجت مرة واحدة ، وكانت

١٩٠

سابقة وزوجها إلى الإسلام ، وتوفى عنها زوجها وهى كبيرة السن ، وكانت عاطلة من الجمال ، ضخمة الجثة ، ثبطة ، وبها حمق ، ولا مال لها ، فلما اقترحتها عليه خولة بنت حكيم ، زوجة بعد خديجة ، قبلها لعله يتعزّى بها عن خديجة. ولم يتزوجها إلا لأنها كانت أرملة وجاهدت فى الإسلام ، ولأن الناس قد عزفوا عن الزواج منها. ومن دأب العرب أن لا تترك النساء بلا زواج بعد وفاة أزواجهن ، والمصطفى طلب سودة للزواج أنيسا له ولابنته فاطمة التى كانت فى نحو الخامسة عشرة من عمرها ووقتذاك ، وكانت تستوحش أخواتها اللائى تزوجن وتركنها. ولسوف نرى أن التعلّات كانت دأبه مع من يتزوجهن ، وما كان بسودة حرص على الأزواج ، فقد بلغت الإياس من زمن ، وكان زواجها من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا عن رغبة فيه كزوج ، وإنما كرسول ، وأرادت أن تبعث يوم القيامة وهى من أزواجه ، ومع ذلك لم تحدّث عنه إلا حديثين أو ثلاثة ، فلم تكون موهوبة فتحدّث أو تعى قيمة ما يقوله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الإسلام ، وما كانت ترغب فيما يرغب فيه النساء من الأزواج ، وما كان الرسول يرغب فيها كأنثى ، ولذا كفّ عن معاشرتها ، ولم تعد زوجة له على الحقيقة حتى قيل أنه طلقها ، وما طلقها ، ولذا لنا أن نتسأل : هل سودة تحتسب عليه زوجة؟!

ولعل كلام المستشرقين وأهل الكتاب كثير فى عائشة ، بل هو أكثر ما يكون فيها عن غيرها ، فقيل خطبها وهى فى السادسة ، ودخل بها فى التاسعة ، وأى شىء يمكن أن يلفت الرسول إلى صبية فى هذه السن والنساء كثيرات ، على الأقل المسلمات منهن ، ويتمنين لو تزوجهن؟! وعائشة بالذات كانت ضعيفة البنية ، مهزولة ، ولكن المصطفى وقد اقترحتها عليه خولة بنت حكيم ـ ما كان له أن يرفضها وهى ابنة صاحبه فى الدعوة. ولم يحدث أن ذكرت عائشة شيئا عن الحيض جاءها وهى فى بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الأمر الذى يقطع بأنها قد حاضت قبل أن يبنى بها ، وأن زواجها منه ما كان فى التاسعة من عمرها كما هو مشهور وإنما بعد ذلك.

وفى حديث الإفك تعجّبت عائشة ممن اتهمها ، ومما اتهموها به ، وكان مصدر عجبها أنها ما كان بها شىء مما يشتهى الرجال فى النساء! وكان عمرها ووقتذاك خمسة عشرة عاما؟! ـ وتذكر فيما روته عن علاقتها بالمصطفى ، أنه ما كان يستكثر منها ، وكان كثير المرض ، وكثير الأسفار ، وتشغله أمور الدعوة ، وأن يحدّث الناس ويستمع إليهم ويعظهم ، ويقرؤهم القرآن ، ويجلس إلى العرب الوافدين عليه. ولم يكن يأكل فى اليوم إلا مرة واحدة ، وأغلب أيامه يعيش على الماء والتمر ، وإذا أكل خبزا لم يأكل تمرا ، ولم يعرف إلا خبز

١٩١

الشعير ، فمن أين تتهيأ له القوة على مباشرة النساء؟ أو يتوفر له الوقت على مسامرتهن؟! وإنما هى العشرة ، وأن تحتمى به من لا تجد زوجا ، وأن تأوى إليه من تترمل من المسلمات.

وتحكى عائشة أنها ما نظرت عورة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبدا ، وما نظر عورتها ، فالحياء صفته ، والتعفف مسلكه. وليس معنى أنه تزوج تسع زوجات أو أكثر أنه زير نساء ، أو مزواج ، وإنما هى طيبة القلب ، وصدق النية ، والمودة ، وطلب القربى ، والتراحم ، والتماس المعروف. ثم إنهن لم يكنّ تسعا على الحقيقة برغم مزاعم مؤلفى السيرة ، فالواقع أنهن كن أربعا لا غير كما سنرى من بعد. وزواجه من عائشة كأنما كان يعدّها لتكون داعية الإسلام فى حياته ومن بعده ، فكانت فى حياته تعظ النساء ، وتؤذّن للصلاة ، وتؤمّهن ، وتفسّر القرآن. وبعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان بيتها مثابة للناس وأمنا ، ومدرسة للدعوة ، وتلقّى عليها ما يزيد على الثلاثمائة والخمسين من الرجال والنساء ، وكانت مرجعا فى الدين يسألها مشايخ الصحابة ، ومصدرا وحيدا للكثير من التفاصيل عن حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وروت عنه نحو الستة آلاف من الأحاديث ، فكانت أكثر من روى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، سواء من الرجال أو من النساء ، وهذه هى الزوجة الحقيقة بلقب زوجة نبىّ ، فكانت وارثة علمه ، وأسهمت فى بناء الإسلام بما لم يقدر عليه أعنى الرجال ، وكانت كما قال فيها «حواريته» من النساء ، يعنى تلميذته وصاحبته ونائبته ، حتى ليمكن أن نقول إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يتزوج فى الحقيقة ـ وليس فى الواقع ـ إلا عائشة ، فكانت نعم الزوجة.

وأما زواجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من حفصة بنت عمر ، فما كان إلا رأفة بها ، وإرضاء لأبيها ، وكانت فى الثامنة عشرة من عمرها عند ما مات زوجها خنيس بن حذافة ، فعرضها أبوها ـ بعد انقضاء عدتّها ـ على أبى بكر وعثمان ، وبدا كما لو كانا قد رفضاها بأدب ، فتزوّجها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تطييبا لخاطر أبيها. غير أنه كان بحفصة حدّه فى الطبع ، وأفشت سرا ائتمنها عليه ، وفيها نزلت الآية : (إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (٣) (التحريم) ، وكانت تراجعه وتهجره اليوم بطوله إلى الليل ، حتى قيل أنه طلّقها مع من قيل أنه طلقهن من نسائه قبل نزول آيات التحريم ، وقيل فى ذلك روايات ، منها أن عمر لما سمع بطلاقها أول مرة ، كان يحثو التراب على رأسه حزنا وكمدا وغضبا! وما كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد طلّقها ، ولمّا سأله عمر نفى أن يكون قد طلقها أو طلق أيا من نسائه ، ولو كان من الممكن أن يطلقهن ، لكان زواجه منهم لأسباب مما يطلق لها الناس زوجاتهن ، وإنما كان زواجه بهن جميعا «من أجل الدعوة وتثبيت أركانها» ، فما تزوجهن ليطلقهن ، وكان إذا

١٩٢

استغضبنه يعظهن ويهجرهن. وكان لحفصة دورها المحفوظ فى الدعوة وإن كان صغيرا ، فقد جمع أبو بكر المصحف الشريف ، ولم يشأ أن يودع نسخته الخطية عند عائشة ابنته ، وآثر ـ بمشورة عمر ـ أن تحفظه حفصة ، فبقيت لها هذه المأثرة ، فلما ولى عثمان طلبه منها واستنسخه ، ووزّعه على الأمصار. ومع ذلك ، فهل كانت حفصة تقارن بعائشة؟ وهل كانت موافقها مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هى مواقف زوجة نبىّ؟ وهل تحتسب زوجة كعائشة؟ وما كان لها باع فى الدين ، ولا طاقة على الدعوة ، وما حدّثت وعلّمت كعائشة. فهل تحتسب زوجة؟!

وقيل تزوج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى السنة الثالثة للهجرة خامسة زوجاته : زينب بنت خزيمة بن الحارث ، وكانت أختا لميمونة بنت الحارث من الأم ، وميمونة تزوجها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى السنة السابعة ، واستشهد زوج زينب فى بدر. ولم تكن على شىء من الجمال ، وكبيرة السن ، ومريضة ، ولكنها كانت تحب المساكين وتعطف عليهم وتطعمهم ، فلقبوها منذ الجاهلية بأم المساكين. وكانت هى نفسها من المساكين ، فقد كانت ضعيفة مهزولة لا تقوى على شىء ، وما كان فيها مطمع لرجل ، ولكنها طيبة قلب المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أرامل شهداء الإسلام ، فآواها ، وحدب عليها ، ورعاها ، حتى توفيت فى ربيع الآخر سنة أربع ، بعد شهرين أو ثلاثة شهور من زواجها. فهل كان مزواجا أو شهوانيا بزواجه منها ، أم أنه كان يفعل الخير ، فآثر أن يضمها إلى أهل بيته ، فيرحمها من أن تدخل تجربة الترمّل وتعانى هوانها ، وأن تضطر إلى أن تتزوج من لا يصونها؟

وكانت السادسة من زوجاته هند بنت أمية بن المغيرة ، أول ظعينة دخلت المدينة ، وشهرتها أم سلمة ، فقد كانت متزوجة من الصحابى الجليل أبى سلمة ، ابن عمة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأخيه من الرضاع ، وكان من أصحاب الهجرتين ، وغزا مع الرسول فى ذى العشيرة ، وشهد بدرا ، ثم أحدا وفيها أصيب ، وبعثه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على رأس سرية إلى قطن ، وهو جبل بناحية فيد ، وانتكأ جرحه فى القتال ، وظل به حتى توفى بسببه ، وحضر موته المصطفى ، وسمعه يدعو لها : اللهم ارزق أم سلمة بعدى رجلا خيرا منى ، لا يحزنها ولا يؤذيها! وتسابق الصحابة يعرضون على أم سلمة الزواج ، وهمّهم أن يعولوا أبناء أبى سلمة : سلمة ، وعمر ، وزينب ، ودرّة ، وخطبها أبو بكر ، ثم عمر بن الخطاب ، ثم جاءها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت أم سلمة تعتذر بأنها مسنة ، وغيور ، وذات عيال ، فكان الصحابة ينصرفون عنها ، إلا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد أجابها : «أمّا أنك مسنة فأنا أكبر منك! وأما الغيرة فيذهبها الله عنك! وأما العيال فإلى الله ورسوله!» وتزوجها فى شوال سنة أربع. وكانت قوية

١٩٣

الشخصية ، وصاحبة مواقف كعائشة ، وفى بيتها نزل الوحى كما نزل فى بيت عائشة ، وهى التى أشارت عليه بعد صلح الحديبية أن يخرج وينحر ولا يكلم أحدا ، فلما فعل تبعه المسلمون ونحروا بعد أن كانوا يرفضون. وكان أزواج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حزبين ، حزب عائشة وحزب أم سلمة ، وكانت تؤلب على عائشة ، وتراجع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورأته مرة يتحدث إلى صفية فى يومها ـ أى يوم أم سلمة ـ فقالت له فى صلف : تتحدث مع ابنة اليهودى فى يومى وأنت رسول الله؟ وانضمت إلى شيعة علىّ حتى فى حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت ضد خلافة أبى بكر وعمر وتدعو لعلىّ ، وفى الفتنة الكبرى آزرت عليا وآله وتمنت لو تخرج تجاهد معه ، لو لا أنها تعصى الله لو فعلت ، وتستحى من الرسول فى الآخرة أن تهتك الحجاب الذى ضربه عليها ، وما كانت تستطيع لو فعلت ، فقد كانت مسنة. وحاولت أن تمنع عائشة ، وجاءت إلى علىّ تعتذر إليه عن عجزها عن الخروج معه وقدمت بدلا منها ابنها عمر ، وكان حبها لعلى وآله قويا ، فقيل إنها توفيت لدى سماعها نبأ موت الحسين. وكانت تقول إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن يستكثر منها وإنما من عائشة ، وكان عائشة هى الأخرى تقول إنه لم يكن يستكثر منها وإنما من أم سلمة ، ويبين الحق من الشهادتين أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما كان يستكثر من واحدة من نسائه ، فليس الاستكثار من النساء عمله ؛ وإنما عمله الدعوة ، ولم يكن جمعه لهذا العدد من النساء عن شهوة ، ولكن عن طيب طوية ، ورغبة فى عمل الخير ، وأن ينأى بالنساء عن الحاجة أو الذل أو أن يمتهنهن الأغمار. ولم تمت أم سلمة إلا سنة تسع وخمسين ، وكانت منذ وفاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى وفاتها ـ أى نحو تسع وأربعين سنة تشتغل بالدعوة ، وتروى عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت برواياتها مقلّة مع ذلك ، وبلغ ما روى عنها فى كتب الأحاديث ثلاثمائة وثمانين (أو سبعين) حديثا ، وكانت تعلّم النساء ، وتفتى فى الدين كعائشة ، وترسل إلى عائشة تسألها وتستفتيها ، ويدخل عليها الصحابة يسألونها عن سنّته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكانت لها المكانة العالية ، وإن كانت أقل مكانة من عائشة التى انفردت بلقب أم المؤمنين ، وكانت أمّا من الفضليات اللائى يستظل تاريخ الإسلام بذكرهن كمعلّمة وداعية. فهل كان اختيار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لها كزوجة لأنه يريدها شهوة فيها ، أم كان لأهداف أسمى وأكبر وأشرف وأسمق؟ وليست النتائج إلا البرهان على النيّة ، والعبرة بما حدث وليس بضمائر هؤلاء المستشرقين الخبثاء من أهل الكتاب ومن المسلمين على السواء ، ولا بأقوال عملاء المبشّرين أصحاب الدهاء.

وكانت السابعة من زوجاته زينب بنت جحش ، بنت عمة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أمرها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن تتزوج دعيّه ومعتوقه زيد بن حارثة ، أراد بذلك أن يقرّب بين طبقات المسلمين ،

١٩٤

ويرسّخ إمكان اختلاط الأدعياء بالأشراف مصاهرة ونسبا ، فأبت زينب هذا الزواج ، وأيّدها أخوها عبد الله ، وقال هو وزينب : إنما أردنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فزوّجنا عبده! فنزل حكم الله : (ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (٣٦) (الأحزاب) ، وحينئذ أطاعت زينب على مضض ، وتزوجها زيد فكانت تزدريه ، وتستصغر شأنه ، وتتعاظم عليه على زعم أنها خير منه حسبا ، واشتكى مرارا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان يجيبه : «أمسك عليك زوجك واتق الله» ، ثم طلقها زيد فتزوجها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ونزل القرآن : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) (٣٧) (الأحزاب). ومن رأى البعض فى تفسير (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) أن ما أخفاه رسول الله هو حبّه لزينب ، فبرواية الطبرى وهو ينقل عن الإسرائيليات ، أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاء يطلب زيدا ، فرفعت الريح الستارة عن الباب ، فانكشفت زينب فى حجرتها حاسرة ، فوقع إعجابها فى قلب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ودعته إلى الدخول فأبى وهو يهمهم ، «سبحان الله العظيم! سبحان الله مصرّف القلوب!» ، وكأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن يعرف زينب ابنة عمته! وكأنه لم يخترها لزيد عن دراية ؛ ولم يشترك من قبل فى أن يصلح بين الزوجين! ـ والرواية عجيبة حقا من مسلم كالطبرى ، فلم يعرف عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه يهوى النساء ، وما كانت له حكاية هوى فى شبابه حتى تكون له حكاية هوى فى كهولته!

ولقد طالعنا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى سن الخمسين لم يتزوج إلا العجوز خديجة ، ثم العجوز سودة بنت زمعة حتى الثالثة والخمسين ، أفبعد ذلك يقال أنه وقع فى الهوى وهو فى سن الثامنة والخمسين؟ ومن الغريب أن تنسخ هذه الرواية المتهافتة التفسير الصحيح لهذا الشطر من الآية : (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) ، فما كان يخفيه ليس هو الحب لزينب ، وإنما كان غضبه لإصرار زينب على رفضها لزيد ، وما كان يجدر أن يغصبها على الزواج ممن تكره وهو القائل : «البكر تستأمر فى نفسها» رواه ابن ماجة ، فبدعواها أن زيدا كان بالأمس عبدا ، فكيف تتزوجه وهى الشريفة المضرية؟ وقيل إن الآية : (ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (٣٦) (الأحزاب) نزلت فى زينب وأخيها الرافضين لهذا الزواج الذى اختاره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لزينب ، فلما نزلت الآية أذعنت زينب حينئذ

١٩٥

وتزوجته وهى رافضة. وقيل : بل الآية نزلت فى أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ، وكانت قد وهبت نفسها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فزوّجها من زيد بن حارثة ، فكرهت ذلك هى وأخوها. وسواء كانت الآية فى هذه أو تلك ، فإنها كانت لأسباب واحدة ، فقد قيل : أن النبىّ رأى بتزويج زينب من زيد : أن الكفاءة فى الزواج لا تعتبر بالأحساب ، وإنما تعتبر بالأديان ، ولذلك تزوج المقداد بن الأسود وهو من الموالى ـ ضباعة بنت الزبير ، وزوّج أبو حذيفة مولاه سالما من فاطمة بنت الوليد بن عتبة ، وتزوج بلال مولى أبى بكر من أخت عبد الرحمن بن عوف. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد رأى هذا الرأى تطويرا للنظام الاجتماعى الإسلامى ، وتسريعا للحراك الاجتماعى فى المدينة ، ورأت زينب وأخوها غير ذلك ، وأصرّت على رأيها حتى قالت : لا أتزوجه أبدا! والمستشرقون يقولون إن زينب لذلك ظلت بكرا حتى تزوّجها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما طلقها زيد لم يكن ثمة سبيل لإصلاح هذا الوضع الذى وضعت فيه زينب إلا أن يتزوجها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفسه ، والعرب ليس من عادتهم أن يتزوجوا مطلقات الموالى ، غير أن التقاليد تمنع كذلك زواج الأب من مطلقة ابنه ، وزيد هذا ابن محمد وإن كان ابنا بالتبنى. وما كان هناك ما يرفع هذا الحرج ويلغى هذا التفكير إلا أن ينزل تشريع بذلك من السماء ، فنزلت الآية : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) (٣٧) (الأحزاب) ، والآية (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (٤) (الأحزاب) ، احترازا من الابن الدعىّ ، وإباحة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الزواج من مطلقة دعيّه ، بقوله تعالى : (ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (٣٨) (الأحزاب) ، أى فيما أحلّ الله لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من تزوجه زينب التى طلقها دعيّه زيد بن حارثة. والمستشرقون غلطوا إذن عند ما ذهبوا إلى أن إباحة زواج الزوجة السابقة للابن الدعى إنما شرّعت فقط لأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يريد الزواج من زينب حليلة ابنه لأنه أحبها! ـ ولقد جاء النفى باتا من عند الله ، أن يكون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبا لزيد : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (٤٠) (الأحزاب) ، وبطل لذلك زعمهم أنه حلّل حراما لمصلحته. وما كانت له مصلحة وهو الشيخ الكبير ، وزينب لم تكن الجميلة التى تستحق كل هذا العناء ، فقد ظلت بلا زواج قبل زيد حتى أشفق عليها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وزوّجها منه رغم تضرّرها. ولما طلقها زيد كانت فى الخامسة والثلاثين ، وقيل كانت فى الثامنة والثلاثين ، وكانت بشهادة عائشة قصيرة ، وإذا

١٩٦

وقعت فى أحد استطالت ، وفعلت ذلك مع عائشة بحضرة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وانتصر لعائشة عليها ، ووصفتها عائشة بأن بها سورة من حدّة ، أى من شدة خلق ، وهو ما كان يشكوه فيها زيد بن حارثة والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعائشة تقول إنها وقعت بها أى سبّتها ، وفى رواية : أن زينب قالت للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : حسبك إذا برقت لك بنت أبى قحافة ذراعيها! اعدل بيننا وبينها». وفى حديث زينب عن خصام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لها بسبب صفية ، أنه تركها شهرين أو ثلاثة لا يأتيها ، قالت : حتى يئست منه وحوّلت سريرى!» وزينب هى صاحبة العسل فى الرواية المشهورة والتى قيل أنه بسببها نزلت الآية : (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (٣) (التحريم) ، وواضح من حكاية العسل هذه ، أن إفشاءها ما كان يشكّل جرما يستوجب نزول آيات من القرآن ، والأرجح أنها ملفقة كسبب للنزول. والصحيح : أن زينب ما كانت تستحق أن تكون زوجة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد كانت كثيرة المفاخرة ، والمفاخرة سلوك عدوانى ، فكانت تقول لزوجات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنى والله ما أنا كأحد من نساء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم! إنهن تزوّجهن بالمهور ، وزوجهن الأولياء ، وزوّجنى الله رسوله ، وأنزل فىّ الكتاب يقرأ به المسلمون ، لا يبدل ، ولا يغيّر قوله تعالى : (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها) (الأحزاب ٣٨) ، الآية! ولم تكن زينب داعية للإسلام ، ولا راوية للحديث ، ولم يذكر لها إلا أحد عشر حديثا لا غير. وإذن ، فكما سبق ، لم يكن زواجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم منها لمحبة يكنّها لها ، ولا لأنه اشتهاها فجأة ، وإنما كان زواجه منها كزواجه من سابقاتها ولاحقاتها ، لصالح الدعوة ولصالح المسلمين ، وبسببها نزلت آيات وتشريعات ، وظهر أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو القدوة ، فقد كان يمتثل لتشريع من السماء فيه الخير للناس ، وبه يرفع الكثير من الحرج عنهم فى أدعيائهم وفى حياتهم. وما كانت زينب تقارن بعائشة التى كانت الزوجة فعلا بكل المقاييس ، فهل تحتسب زينب زوجة له فى مستواها؟!

وكانت ثامنة الزوجات جويرية بنت الحارث ، تزوجها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى العام السادس الهجرى وهى ابنة عشرين سنة ، ولم تر فيها عائشة إلا أنها حلوة مليحة ، تأخذ بنفس كل من يراها ، ولم تكن الملاحة سببا لزواج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم منها ، وإنما لأن زوجها مسافع بن صفوان ، قتل يوم المريسيع ، وكان أبوها سيد قومه ، وسبيت جويرية ، وخرجت من نصيب ثابت بن قيس الأنصارى ، فكاتبها على مقدار من المال ليفك أسرها ، وكانت بها جرأة فدخلت على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تطلب أن يعينها ، فقال لها : «أؤدى عنك كتابك وأتزوجك»؟ فلما رأى المسلمون أن قومها بنى المصطلق صاروا أصهارا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعتقوا كل سبيهم ، فاعتنقوا

١٩٧

جميعا الإسلام ، فكانت جويرية عليهم وعلى الإسلام بركة ، إلا أنها ما كانت تقرأ ، ولم تشتغل بالدعوة كعائشة وأم سلمة ، ولم يذكر أنها روت سوى ستة أحاديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأتيها غالبا ، ولما توفى لم يعاملها أىّ من الخلفاء كأرملة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وظهر أن بركتها على الإسلام أن اعتنقه قومها ، وكان ذلك هو مقصوده صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الزواج بها وقد تحقق. فهل كان زوجا لشهوة؟ أو لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان مزواجا كما ادّعوا؟!! وهل ترقى جويرية لمستوى عائشة الزوجة عن حق للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لتحتسب هذه الزيجة من جويرية على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ وإنما كانت عائشة هى زوجته فى الدنيا والآخرة.

وأما تاسعة الأزواج فكانت صفية بنت حيى بن أخطب ، تزوجها سنة سبع هجرية ، وكانت فى السابعة عشرة من عمرها ، ومع ذلك سبق لها الزواج مرتين ، وكان قد قتل زوجها كنانة بن الربيع ، وسباها المسلمون فى خيبر ، ووقعت فى سهم دحية الكلبى ، وجىء بها إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأشفق عليها ، فقد كانت ابنة سيد قومها ، فخيّرها أن تعتنق الإسلام وتصبح حرة ، أو تبقى يهودية وهى سبيّة ، فقيل اختارت الإسلام ، فأعتقها وتزوجها ، لعل قومها يسلمون ، فما فعلوا ، ولقد طعن المسلمون عليه أن تزوجها ، وقال ابن عباس : إن الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (٥٧) (الأحزاب) نزلت فى هؤلاء ، وما كانت صفية على شىء من الجمال ، وإنما على هيئة قومها اليهود ، وكانت كما وصفتها عائشة : قصيرة يلفت قصرها النظر ، وما كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستكثر منها ، وكانت تتعلل اعتذارا عن ليلتها ، وكثيرا ما وهبتها لعائشة ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسرّ لذلك ، وما كان يقسم لها كعائشة ، ولما توفى أنكرت منها أمتها أشياء ، وأبلغت عمر بن الخطاب أنها على دين قومها وليست على الإسلام ، وأنها تحفظ السبت مثلهم ، وتصل أرحامها من يهود المدينة ، ولم يحدث أن حدّثت عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا ثلاثة أحاديث لا شىء فيها ، ولما قاربت الموت أوصت لابن عمها ـ وكان على دين اليهود ـ بثلث ما تركته ، ورفض أولو الأمر إعطاءه ميراثه لأنه يهودى وهى مسلمة ، ولا يرث الذمىّ مسلمة أو مسلما ، وتدخلت عائشة بدعوى أن ما تركته صفية هو وصية ، وأنه يجوز أن توصى المسلمة بجزء من تركتها لا يتجاوز الثلث لغير المسلم. ووجود أهلها وابن عمها فى المدينة فى عهد عمر دليل كذب الرواة الذين قالوا أن النبىّ قتل الذكور ، حتى الصبيان من اليهود فى خيبر! وقد نسأل : هل كانت صفية ما تزال على دين أهلها كريحانة ، وهى الأخرى كانت يهودية وسبيّة ، وادّعوا أنها أسلمت وتزوجها المصطفى؟ وفى عهد عمر فرض أعطية سنوية للجميع ستة آلاف ستة آلاف

١٩٨

، وفرضت لأزواج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عشرة آلاف عشرة آلاف ، وخصّ عائشة باثنى عشرة ألفا ، وهذا ما يجعلنا نفرد عائشة رضى الله عنها كزوجة وحيدة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وخصّ عمر صفية وجويرية بستة آلاف لكل. فهل كانت صفية تحتسب حقا زوجة للنبىّ؟ وهل تزوجها لتكون زوجة ، أو لشهوة ، أم أن زواجه منها أملته السياسة واقتضته الحكمة ، فربما يسلم قومها ، كقوم جويرية ، وقد تصنع المصاهرة ما لم تصنعه الحرب ، وتلك كانت طريقة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذلك منهجه مع خصومه. والمصاهرة هى وشيجة العرب لحلّ المنازعات وإنهاء الخصومات.

وكانت عاشرة الأزواج : رملة بنت أبى سفيان. وزواجه منها برهان ساطع على أن تلك الزيجات جميعها كانت من أجل نشر الإسلام ، ولعزة المسلمين ، وكان زواجه منها فى العام السابع الهجرى ، وكان يناديها أم حبيبة ، باسم ابنتها حبيبة من زوجها عبد الله بن جحش ، ابن عمة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الذى قد هاجرت معه إلى الحبشة فى الهجرة الأولى ، ولكن عبد الله تحوّل إلى النصرانية ، وترك الإسلام ، وتمسكت أم حبيبة بدينها ، ولا تدرى كيف تتصرف فى الغربة بعد أن صارت وحيدة وابنتها ، ولم تكن تجرؤ على العودة إلى مكة مخافة أبيها رأس الشرك وعدو الإسلام الأول ، فأرسل إليها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يطمئنها ويخطبها لنفسه ، لعله بذلك يستميل أبى سفيان إلى الإسلام ، وربما كان ذلك هو الحل الوحيد المتاح الذى يضمن لها المأوى والحياة الكريمة التى تليق بمثلها ، وما كان عند الرسول من حلّ سواه. وعادت إلى المدينة فى السنة السابعة من الهجرة زوجة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت فى نحو الأربعين أو أقل قليلا ، بينما الرسول فى نحو الستين ، ومع ذلك فلما بلغ أبا سفيان نبأ زواجهما قال : ذلك الفحل لا يجدع أنفه! ـ يسخر من كثرة زواج المصطفى وينبّه إلى ذكورته ، وهو كلام غير صحيح ، لأن أبا سفيان كان يعلم أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما كان يرغب فيها كامرأة ، ولا فى غيرها ، ونزلت الآية : (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٧) (الممتحنة) ، قال ابن عباس إنها نزلت فى أبى سفيان بن حرب ، عسى الله أن يؤدم بين الشتيتين ، ويوفّق بين الضدين ، فتكون المحبة بعد البغضة ، والمودة بعد النفرة ، والألفة بعد الفرقة ، وهذا هو السبب الحقيقى لزواج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من كل زوجاته ، وليس لشهوة ، ولا لحبّ كما يدّعون. وكان الزواج فى حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إما لأسباب اجتماعية كزواجه من سودة ، وحفصة ، وإما لأسباب سياسية كزواجه من صفية اليهودية ، وجويرية بنت الحارث ، وأم حبيبة. والآية حسمت هذه المسألة وبيّنت أن المودة المطلوبة هى المصاهرة. فلما علم أهل مكة أن المسلمين ينوون غزو مدينتهم ، أرادوا أن يرسلوا إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يكن هناك من يتوسط لهم لديه

١٩٩

إلا حماه أبو سفيان ، واختاره المشركون لهذه المهمة ، لعله يفلح أن يوسّط ابنته لدى زوجها ، ودخل أبو سفيان بيتها وتوجه ناحية سرير رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يريد أن يجلس عليه ، فطوته دونه ، فسألها : أرغبت يا بنية بهذا الفراش عنى ، أم رغبت بى عن الفراش؟ فما كان منها إلا أن أجابته : بل هو فراش رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنت امرؤ مشرك نجس فلم أشأ أن تجلس عليه! فأجابها الأب بغيظ : لقد أصابك يا بنية بعدى شرّ! ثم انصرف مغضبا. ولم يكن زواج ابنته من محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم شرا ، ولا كان الإسلام الذى اعتنقته ، ولكنهما كانا خيرا عاد على أبى سفيان والقرشيين جميعا ، وأهل مكة كلهم ، وما كانوا يعلمون. فلما دخل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مكة والتقى أبا سفيان وأهله مسالمين ، أكرمه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» (الحديث) ، ووقف أبو سفيان يستعرض كتائب المسلمين ويقول للعباس : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل ، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! وردّ عليه العباس : إنها النبوة يا أبا سفيان! ـ ولقد كانت النبوة هى دافعه صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى كل ما صنع ، وما تزوج من تزوج عن رغبة ، أو شهوة ، وإنما ترسيخ منه للإسلام ، واستمالة للقلوب ، وتأليف للقبائل ، واستتباب للأمن ، وإعزاز للمسلمين ، وذلك هو ردّنا على المستشرقين والعلمانيين وأهل الكتاب من أصحاب الجدل. وأما ما كان من أم حبيبة فما كان هناك شىء يرشحها زوجة لنبىّ ، فلم تحدّث عن النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا ثلاثة وعشرين حديثا ، وكانت تتعالى على زوجاته وخاصة عائشة ، يدفعها لذلك أنها ابنة أبى سفيان ، وكانت وراء عفو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أبيها ، وقرّبت أخاها معاوية كاتبا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

والحادية عشرة من زوجاته كانت ميمونة بنت الحارث ، وهذه أرغى أعداء الإسلام فيها وأزبدوا ، فقالوا إنها التى وهبت نفسها للنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والتى نزل فيها قول الله تعالى : (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ) (٥٠) (الأحزاب) ، وهو تفسير المرجفين ، فلما قيل لعمرة بنت عبد الرحمن. إن ميمونة وهبت نفسها لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أجابت : تزوجها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، على مهر خمسمائة درهم ، وولى نكاحه إياها العباس بن عبد المطلب».

والعباس هو زوج شقيقتها الكبرى أم الفضل ، أولى النساء إيمانا بعد خديجة ، وأخواتها من الأم : زينب بنت خزيمة زوجة رسول الله التى ماتت عنده ، وهى المشهورة بأم المساكين ، وأسماء بنت عميس التى تزوجت جعفر بن أبى طالب ، فلما مات عنها تزوجها أبو بكر ، فلما مات عنها تزوجها علىّ بن أبى طالب ، وسلمى بنت عميس زوج حمزة بن أبى طالب ، وكانت لها أختان أخريان ، والأخوات الخمس كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يطلق عليهن اسم «الأخوات المؤمنات». فما كان من المعقول أن تكون ميمونة إذن من اللاتى وهبن أنفسهن : وقد

٢٠٠

وصفت عائشة اللاتى وهبن أنفسهن فقالت : ألا تستحى المرأة أن تهب نفسها؟ وفى رواية قالت : أتهب المرأة نفسها؟ وعن ابن أبى حاتم قال : إن التى وهبت نفسها «خولة بنت حكيم». وعن عروة قال : كنا نتحدث أن خولة بنت حكيم كانت قد وهبت نفسها لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم». والحق أن اللاتى وهبن أنفسهن كثيرات ، وقد نفى ابن العباس أن يكون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قبل واحدة منهن ، وقال : لم يكن عنده امرأة واحدة وهبت نفسها له». وميمونة كانت من العابدات ، ومع ذلك حاول المرجفون مرة أخرى أن ينسبوا لها أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أخذ بها وهو محرم ، والثابت ـ قبّحهم الله ـ أنه خطبها حلالا ، وبنى بها بسرف حلالا. ثم حاولوا أن يطعنوا فى خلقها ، فقالوا إن النبىّ تأخر فى ليلة من الليالى فجاء إلى بيتها فى ليلتها ، فوجدها قد أغلقت الباب دونه! ورفضت أن تفتح له! فقال لها : «أقسمت إلا فتحته لى!» فقالت : تذهب إلى أزواجك فى ليلتى هذه؟! قال : ما فعلت ، ولكن وجدت حفنا من بولى!» ـ (أى حبسا فى البول) ، مع أن ميمونة هذه بعد وفاة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان عمرها تسعا وعشرين سنة ، ولم تعاشر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا ثلاث سنوات فقط ، أبت إلا أن تتبتل ، وحلقت رأسها! وحدّثت عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولها فى كتب الحديث نحو الخمسين حديثا ، وماتت وعمرها سبعون سنة ، فلما دفنوها كان رأسها مجمما! أى أملسا. وكانت أوصت ابن العباس أن يدفنها بسرف ، فى المكان الذى تزوجت فيه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إجلالا للمكان ، ولذكرى زواجها من المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فحملها ابن عباس من مكة إلى سرف ودفنها كوصيتها!

وبعد ... فلقد كانت هذه أخبار زوجات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الإحدى عشرة ، التى قيل إنهن كن زوجاته ، اثنتان توفيتا فى حياته ، ومات هو عن تسع كما قيل ، ولقد رأينا أنه من كل هؤلاء لم تكن له زوجة إلا خديجة التى توفيت ولم يتزوج عليها طيلة حياته ، ثم كانت عائشة ، وهذه هى الزوجة فعلا ، فقد تعلّمت عليه ، وأخذت عنه الفقه ، واشتغلت بالدعوة ، وجاهدت ، وغزت معه ، ونصبها حوارية له ، فكانت الداعية إلى الإسلام ، والمؤرّخة ، والمحدّثة والمفسّرة للقرآن ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعائشة أوحد الزوجة ، فإن توسّعنا فى معنى الزوجية ، فمن الممكن إدراج حفصة ، وأم سلمة ، وزينب بنت جحش مع عائشة ، فهؤلاء أربع طبقا للشرع ، وهؤلاء اللاتى آواهن ، وأما غيرهن فقد أرجاهن ، ولم يقسم لهن كغيرهن. وأما ريحانة اليهودية ومارية القبطية فكانتا ملك يمين. وأما من حطبهن ، مثل الكلابية ، والكندية ، وأم شريك ، وبنت الهذيل ، والجندعية ، والغفارية ، وبنت عامر ، وبنت بشامة ، وبنت الخطيم ، فهؤلاء لم يدخل عليهن. وأما خولة بنت حكيم فهذه وهبت له نفسها

٢٠١

فزوّجها عثمان بن مظعون. وما كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحب النساء كالحديث المزعوم عن أنس ، وما كان يهمه إلا الدعوة إلى الله ، وأن يدخل الناس فى الإسلام ، وأما المستشرقون ومزاعمهم فسيظل ذلك دأبهم ، ولن يتوقفوا عن اللغط فى سيرته صلى‌الله‌عليه‌وسلم وسيرة زوجاته ما داموا يستهدفون الإسلام ، وحسبنا الله!

* * *

٢٤٨. ردّ القرآن على فرية أنه مزواج

حسد اليهود العرب أن تكون فيهم نبوة ، وحسدوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على القرآن والحديث ، وحسدوه على ما أحلّ الله له من النساء ، فردّ عليهم الله حسدهم ، فقال : (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) (٥٥) (النساء) ، يعنى أن الملك والكتاب كانا فيهم فلم يحسدهم أحد ، وكان ملك داود وسليمان مضرب الأمثال ، وكانت لإبراهيم وداود ، وسليمان ، كثرة من النساء ، وبلغ عددهن عند سليمان : ألف امرأة : ثلاثمائة مهرية (يعنى بمهر) ، وسبعمائة سرّية ؛ وعند داود مائة امرأة ، وعند إبراهيم ثلاث ، وعند يعقوب أربع ، فهل فعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا ما فعل هؤلاء؟ وكان اليهود ، ومن بعدهم المستشرقون من اليهود والنصارى ، يعيبون على النبىّ زواجه من تسعة ، وحجّتهم : لو كان نبيا ، ما رغب فى كثرة النساء ، ولشغلته النبوة عن ذلك؟ وما يقدمونه من تبريرات لزواج داود وسليمان هى نفسها تبريرات زواجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولكنهم يقبلون مبررات زواج داود وسليمان وحتى إبراهيم ، ولا يقبلون نفس التبريرات للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. قالوا : إن هؤلاء ـ يقصدون إبراهيم وداود وسليمان ـ أرادوا بالزواج المصاهرة وكثرة العشيرة ، فكل امرأة يتزوجونها لها قبيلتان ، واحدة عن طريق الأب ، وواحدة عن طريق الأم ، فكلما تزوّج أىّ منهم امرأة توجهت قبائلها إليه ، وكانوا له عونا على أعدائه. فلما ذا يصحّ ذلك مع أنبيائهم ولا يصحّ مع نبيّنا؟! والذى حدث أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان فى بعض زيجاته يتألّف أعداءه ، وفى بعضها كان يأوى المسلمات المترملات باستشهاد أزواجهن وهم أصحابه. والآيتان السابقتان الآن لا تنصرف معانيهما إلا إلى ما تعظان به عموما من النهى عن الحسد.

* * *

٢٤٩. أغلب الرسل لهم أزواج وذرية

عاب اليهود على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الزواج بأكثر من واحدة ، وعيّروه بذلك ، وقالوا : ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح ، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء ، فأنزل الله

٢٠٢

الآية : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) (٣٨) (الرعد) ، أى أنه تعالى جعل رسله بشرا يقضون ما أحل الله ، وإنما الفرق بين الرسل والبشر أنه تعالى خصّ الرسل بالوحى. والآية ترغّب فى النكاح وتحضّ عليه ، وتنهى عن التبتل وهو ترك النكاح ، والسنّة واردة فى معنى الآية : قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «تزوجوا فإنى مكاثر بكم الأمم» ، وقال : «من تزوج فقد استكمل نصف الدين ، فليتق الله فى النصف الثانى» ، وقال : «تزوجوا الودود الولود فإنى مكاثر بكم الأمم».

* * *

٢٥٠. نساؤه هن أهل بيته ولسن كأحد من النساء

فى الآيات : (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً) (٣٤) (الأحزاب) تقرير بأن نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هن أهل بيت النبوة ، وهن زوجاته المقصودات بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وأهل بيتى ، أذكّركم الله فى أهل بيتى ، أذكّركم الله فى أهل بيتى» ، قاله مرتين ، يوصى بهن. وفى قوله تعالى : (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ) فيه إفراد لهن على النساء جميعا منزلة وشرفا وفضلا ، وقوله : (إِنِ اتَّقَيْتُنَ) ، ليس شرطا تتوقف عليه هذه الرفعة فى المنزلة والشرف والفضل ، فهن بالفعل لسن كأحد من النساء ، يعنى لا يشبههن أحد ، باعتبار تقواهن قولا وفعلا ، والتقوى هى التى تفاضل بين العربى والأعجمى ، فلا يتميز هذا عن ذاك إلا بها ، وكذلك فضل بيت النبوة ، لأنه البيت المؤسس على التقوى ، وأهله لهن الآداب المرعية والتعاليم المقضية ، فهن لا يخضعن فى القول بما يطمع فيهن من فى قلبه دغل ، ومن يتشوف الفجور ويتطلّع للفسق والغزل. وقوله (كَأَحَدٍ) فيه نفى من المذكر والمؤنث ، والواحد والجمع ، فهن بلا ضريب فى الآداب ، مما يجعلهن مثلا يحتذى ، وقدوة تقتدى ، فإذا تكلمن لا يقلن تهريفا ولا ينطقن هذرا ، وحديثهن هو الحديث الجزل ، وكلامهن هو الفصل ، لأن المرجعية فيه للسنّة ، ومداره الشروح على القرآن ، وحياتهن لذلك جدّ لا هزل فيه ، فواجباتهن جسام ؛ وكانت عائشة تؤم المسلمات ، وتؤذّن للصلاة ، وتفسّر القرآن وتعلّم الحديث ؛ وكذلك كانت أم سلمة ؛ وكانت زوجاته إما مصليات ، أو صائمات ، أو ذاكرات قانتات ، وفى قوله تعالى : (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى) تنبيه إلى أنه ما كان قبل الإسلام كان جاهلية ، وذلك معنى وصفها بالأولى ، أى السابقة على

٢٠٣

نزول القرآن ، والتبرّج هو أن تظهر المرأة زينتها للأجانب ، ويسمونه فى علم النفس الاستعراضية وحب الظهور ، والمرأة الاستعراضية هى المتبرجة ، تعرض محاسنها على المتطلّعين والمتنظّرين ، تلفت إليها انتباههم لحاجة مرضية فى نفسها ، ولذلك وعظ الله المؤمنات ونساءه صلى‌الله‌عليه‌وسلم خصوصا ، أن ينأين بأنفسهن عن ذلك ، والخروج للمرأة مشروط بالتستّر ، وأن لا يكون تبذّلا ، والنساء عفائف ، ونساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خصوصا عليهن واجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فهن المعلّمات المصلحات بما حباهن الله من مصاحبة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واستماع دائم لتلاوة القرآن ، وأقواله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الدين. ويذكر التاريخ أن عائشة أم المؤمنين كان بيتها مدرسة للعلم ، ومنتدى أدبيا تلقى فيه الحكمة ، ويتذاكر التاريخ ، ولما خرجت إلى العراق ، ما دفعها إلى ذلك إلا لتصلح بين الناس ، وتردّ الرعاع ، وتطالب بدم عثمان ممن قتلوه ، وكان أهل المظالم قد تعلّقوا بها ، وشكوا إليها ما صاروا إليه من فتنة عظمى ، وما آل إليه الحال من تهارج الخصماء ، ورجا الناس بركتها ، وطمعوا فى الاستحياء منها ، فخرجت مقتوية بقوله تعالى : (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (١١٤) (النساء) ، وبقوله تعالى (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما) (٩) (الحجرات) ، والأمر بالإصلاح مخاطب به الناس جميعا من ذكر وأنثى ، وعائشة ، بل وزوجاته جميعا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كن يجتهدن ويتأوّلن القرآن والسنّة ، وهو ما ينبغى على كل مسلمة ، وإنما الخروج من البيت لا يكون إلا برّا ، وتقوى ، وجهادا ، وسعيا وراء لقمة العيش ، وتحصيلا للعلم ، وأمرا بمعروف أو نهيا عن منكر ، وبمثل ذلك التحرّج فضلت نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على نساء العالمين ، فأذهب الله عنهن الرجس ـ وهو كل قول أو عمل قبيح ، وطهّرهن تطهيرا ، وكانت بيوتهن طاهرة بما يتلى فيها من آيات الله ، فذكّرهن بها مخاطبة ، فقال : (وَاذْكُرْنَ) على جهة الموعظة ، وتعديد النعمة بما يتلى فى بيوتهن من آيات الله ، وما يقال فيها من أحاديث رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهى المقصودة بالحكمة ، فكان عليهن أن يشكرن الله ويحمدنه ، وهو اللطيف الذى لطف بهن ، وخصّهن بكل هذا الفضل ، وكان خبيرا بهن ، فاختارهن لرسوله أزواجا ، واستحققن بذلك أن يقول فيهن كل مسلم وهو يسلّم فى صلاته : «اللهم صلّ وسلّم وبارك على محمد وعلى آل محمد» ، وآله هم أهل بيته ، وهم أزواجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

٢٥١. أهل بيت الرجل هن نساؤه

فى سورة هود حيّت الملائكة سارة زوجة إبراهيم ، فقالوا : (رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ

٢٠٤

أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (٧٣) (هود) فدلّت السورة على أن زوجة الرجل أو زوجاته هن أهل بيته ، كما دلت على أن أزواج الأنبياء هن أهل البيت ، ومن ثم كانت السيدة عائشة وغيرها من زوجات النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم هن أهل بيته ، ممن خاطبهن بقوله تعالى : (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (٣٢) (الأحزاب) وقوله (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (٣٣) (الأحزاب) إلى قوله (وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً) (٣٤) (الأحزاب) ، وكلها آيات تثبت : أن أهل البيت هم نساء النبىّ لا غير.

* * *

٢٥٢. هل تزوج خديجة قسرا عن أهلها وخداعا لهم؟

رواة الإسرائيليات ، الذين يتخرّصون على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى صارت تخرّصاتهم مؤلفات وكتبا ، روّجوا تشنيعات اليهود ومن لفّ لفّهم وادّعوا : أن خديجة بنت خويلد زوجة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تآمرت مع أختها على التدليس على عمها كى تتزوج من محمد الفقير المعدم ، الذى لا يكافئها يسارا ومكانة ، وأنها سقت أباها خمرا حتى فعلت فعلها فيه ، فجعلته يدعو محمدا وزوّجه منها ، وأن محمدا سنّ على الشيخ حلّة ، فلما صحا من سكره قال : ما هذه الحلّة؟ قالت خديجة وأختها : كساكها ختنك محمد (أى زوج ابنتك)! فغضب أبوها ، وأخذ السلاح ، وانتصر بنو هاشم لمحمد وأخذوا السلاح بدورهم ، وقالوا لآل خديجة : ما كانت لنا فيكم رغبة! ثم اصطلحوا بعد ذلك!!!

وهذه الرواية اخترعها أوباش مكة لما بدأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعوته فى السنة الثالثة عشر قبل الهجرة ، أى بعد زواجه من خديجة بخمس عشرة سنة! وروّج لها سفهاء المشركين ، وأشاعها يهود المدينة من بعد ، وبثّها المفسّرون والمؤرخون فى مؤلفاتهم!. وللأسف منهم الكثير من المسلمين! وقالوا فى رواية أخرى : إن خديجة سقت أباها الخمر حتى ثمل ، ونحرت بقرة ، وخلّقته بخلوق ، وألبسته حلّة حبرة (والخلوق هو الطيب ، والحبرة هى البردة الموشاة) ، فلما صحا قال : ما هذا العقير؟ وما هذا العبير؟ وما هذا الحبير؟ (والعقير : متاع البيت ، والعبير : الطّيب ، والحبير : الجديد من الملابس) فقالت خديجة : زوّجتنى محمدا! قال منزعجا ينفى ذلك بشدة : ما فعلت! أنا أفعل هذا وقد خطبك أكابر قريش فلم أفعل؟!

والروايتان محض افتراء وغلط وو هل ، والثابت المحفوظ عند أهل العلم : أن أباها خويلد بن أسد مات قبل حرب الفجّار!! وأن عمها عمرو بن أسد هو الذى زوجها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم!!!

٢٠٥

وإزاء بطلان هاتين الروايتين نزع الوشاة الحاقدون من أهل الكتاب والمشركين ، ومن بعدهم المستشرقون من اليهود والنصارى ، ومن المسلمين أنفسهم أصحاب الدعوات العلمانية الليبرالية ، إلى رواية يطعنون بها زواج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويصنعون منه ومن خديجة قصة ، أظهروا فيها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مخادعا يدبّر الزواج من أرملة ثرية ، وصوّروا خديجة امرأة تبحث عن المتعة لدى شاب يصغرها سنا. وقالوا : إن عمّ خديجة عمرو بن أسد الذى زوّجها ، كان يومئذ شيخا كبيرا لا يدرى ، ولم يكن له أولاد يدفعون عنه ، وأن خديجة ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم خدعاه ، وأحضراه العرس وهو لا يفهم ولا يعى!! ... هكذا!!!

فذلك ما افتأتوا به على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى خديجة فى زواجهما ، وردّده من قريب ذلك المستشرق اليهودى رودنسون ، وتقرر كتابه فى الجامعة الأمريكية باسم حرية البحث ، ووزّعت منشورات عن ذلك فى مصر يتقوّلون فيها نفس المقالة ، وما كانت سيرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا امتثال القرآن ، ولو فرضنا ما افترضوا أن القرآن من وضعه ، فلا بد أن يكون نتاج طبعه الجبلّى ، وقد تصوّره بسجيته وخلقه كما تعلمنا فى علم النفس وفى التحليل النفسى ، وليس فى القرآن إلا الحقّ والخير والجمال والعدل ، وهو حىّ يشهد له لا عليه ، وجميعه مواقف ، ومن دأبها أن تكشف عن باطن أصحابها ، ومكنون صدورهم ، والمكبوت من مشاعرهم وأحاسيسهم ، والدفين من مواجيدهم ، وما تكشّف من مواقف القرآن من شخصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الحياء الشديد وكريم المحتد ، والحلم والصفح ، والشجاعة ، وميله الغالب إلى المسالمة والسلام ، ويشهد له المحيطون به والذين عملوا معه ، فما قال لأنس بن مالك ، خلال عشر سنوات خدمه فيها : أفّ قط ؛ ولا قال لشىء فعله لم فعلته؟ ولا لشىء لم يفعله ألا تفعله؟ وشهدت زوجاته أنه ما شتم إحداهن يوما ، ولا لعنها ، ولا ضربها ، وما ضرب خادما ولا امرأة ، ولا ضرب بيده شيئا قطّ ، إلا أن يجاهد فى سبيل الله ، ولا خيّر بين شيئين إلا كان أحبّهما إليه أيسرهما ، إلا أن يكون إثما ، ولا انتقم من شىء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله.

وأما خديجة : فكانت امرأة حازمة ، وجلدة ، وشريفة ، فلما تزوجته كان اختيارها صائبا ، ودللت على رجاحة عقل ، ووعت عنه طبعه وميوله ، واكتشفت أنه ينشد الوحدة أحيانا ، ويروم التأمل ، فهيأت له أسباب ذلك ، وكانت تعدّه لرحلته إلى حراء يتحنّث فيه الليالى ، وكان نزول الوحى عليه حدثا وأى حدث ، فخشى أن يكون قد أصيب فى عقله وتشتتت نفسه ، فطمأنته ، لعلمها عنه ، وقالت مقالتها الشهيرة : إن الله لا يفعل بك ذلك يا ابن عبد الله! إنك تصدق الحديث ، وتؤدى الأمانة ، وتصل الرحم. ـ ولما اضطهده أهل مكة ،

٢٠٦

ما تركته يجاهد وحده ، وشاركته فيما يعانى ، وظلت وفية صادقة ، وكلما شهدته يتألم ، فيسألها وبه خشية أن يكون على غير الحق ، فتقول له ـ تستحثه وتشجعه وتصبّره : لم يكن الله ليفعل بك ذلك يا ابن عبد الله!

فهل مثل هذين يمكن أن يخادعا ويصانعا ويمكرا ويحتالا كما تقول الرواية الإسرائيلية؟ والعقول خلقها الله أجهزة أعدّها لنوعيات من الإنتاج يناسبها ، والعقلية والمزاج النفسى ونمط شخصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن منها المخادعة على ما رووا ، فمثل ذلك أليق بالعقلية اليهودية ، وفى سفر التكوين حكاية مشابهة يرويها عزرا كاتب التوراة فى الفصل العشرين ، عن ابنتى لوط ، فقد أسكرا أباهما وضاجعتاه ، فذلك الشيء إذن من التراث اليهودى وليس من التراث العربى ، وهو دليل أى دليل ، على أن مخترع القصة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يهودى ، يستحضر لا شعوره الجمعى ، ويكشفه هذا المكبوت فيه فيما يتقوّل ويختلق من قصص وروايات ، فيكاد المريب يقول خذونى!

* * *

٢٥٣. هل طلق زينب من زوجها ليتزوجها؟

وهل كانت بينه وبينها قصة حب؟!

كلام المستشرقين فى قصة زواج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من زينب كثير ، ومؤلفاتهم حول هذا الموضوع بالعشرات ، بدءا من القرن السادس عشر وحتى الآن! ولم يتفقوا فيما بينهم فى شىء بقدر اتفاقهم فى هذا الموضوع بالذات ، فكان زواجه من زينب تكأتهم فى الطعن على نبىّ الإسلام ، والاستدلال بذلك على كذب نبوّته ، فقد ورد فى القرآن فى آية تحريم المحارم من النسب والصهر والرضاع ، أن الأب يحرم عليه أن يتزوج مطلقة ابنه ، بقوله تعالى : (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (٢٣) (النساء) ، ولكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تزوج امرأة زيد بن حارثة ، المعروف بأنه ابنه ، واشتهر باسم زيد بن محمد ، ويقول عطاء فى تفسير الآية : كنا نحدّث أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما نكح امرأة زيد ، قال المشركون بمكة فى ذلك ، فأنزل الله عزوجل : (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) وكان يقال لزيد أنه «زيد بن محمد» ، والصحيح أن زيدا لم يكن ابنه على الحقيقة ، ولكنه بالتبنى ، فنزلت الآية : (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (٤) (الأحزاب) ، والآية : (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) (٣٧) (الأحزاب). والأدعياء جمع دعىّ ، وهو الملتحق بنسب غيره ، فاشترط للتحريم : أن يكون

٢٠٧

الابن من الصلب وليس بالتبنى ، وبذلك ينتفى ركن اتهامه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه انتهك التحريم ، ويتأكد هذا الانتفاء بالآية : (ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (٣٨) (الأحزاب). ومعنى (سُنَّةَ اللهِ) أى حكمه تعالى فيمن سبقه من الأنبياء ، فما كان الله تعالى يأمرهم بشيء وعليهم فى ذلك حرج ، وهو ردّ على من توهم من المنافقين نقصا فى تزويجه امرأة زيد ، مولاه ودعيّه الذى كان قد تبنّاه ، وفى ذلك يقول الله تعالى : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (٤٠) (الأحزاب) ، فنهى أن يقال بعد ذلك عن زيد أنه «زيد بن محمد» ، فهو ليس أباه وإن كان قد تبنّاه ، ولم يحدث أن عاش للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولد ذكر حتى بلغ الحلم ، فأولاده الذكور من خديجة ماتوا صغارا ، وابنه من مارية القبطية (أى المصرية) مات رضيعا. ولما حرم زيد من شرف أن يقال عليه ابن محمد عوّضه الله أن ذكر اسمه فى القرآن ، وصار يتلى اسمه فى المحاريب ، ونوّه به غاية التنويه ، فكان فى هذا تأنيس له. والإنعام الذى أنعم به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على زيد بن حارثة كما فى الآية هو أنه أعتقه من الرّق ، فعند ما كان زيد طفلا يفعة قد أوصف ، أغارت خيل لبنى القين بن جسر فى الجاهلية على أبيات بنى معن من طىء ، وكان زيد وأمه عندهم فى زيارة لقومها ، فاحتملوه ، ووافوا به سوق عكاظ ، فباعوه لحساب خديجة بنت خويلد ، فلما تزوّجها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهبته زيدا ، فنشأ فى كنف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان بينهما عشر سنوات ، وأحبه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما فيه من خصال طيبة ، حتى كان يكنيه «الحبّ» ، ويكنّى ابنه أسامة : «الحبّ ابن الحبّ» ، وقالت فيه عائشة : ما بعثه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى سرية إلا أمره عليهم ، ولو عاش بعده لاستخلفه.

وخطب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لزيد زينب بنت جحش ، ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب ، وكانت قد هاجرت مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المدينة ، وهنا يبدأ الاختلاف فى الروايات حول بعض الآيات ، وكلها روايات من الإسرائيليات التى دلّسها اليهود على رواة المسلمين الأوائل ، أو أن هؤلاء الرواة أخذوا هذه التفسيرات مباشرة من اليهود ، من أمثال كعب الأحبار ، وابن سلام ، وابن منبّه ، والذين نقلوا هذه الروايات عن السلف نقلوها من غير منهج ، وبلا تمحيص ولا مناقشة ، ويبدو أن طريقتهم كانت تعتمد أساسا على سرد كل الروايات ، وللقارئ أن يأخذ بها أو يرفضها ، غير أن بعضهم كانت تفسيراته منكرة ، وعرف عنه الكذب!!

وفى رواية ابن عباس عن الآية : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (٣٦) (الأحزاب) : أن

٢٠٨

رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خطب زينب لزيد بن حارثة فاستنكفت منه ، وقالت : أنا خير منه حسبا ، وكانت امرأة فيها حدّة ، فأنزل الله تعالى الآية ـ يعنى أنها رفضت الخطبة ، وبحدّة ، واستنكرتها.

ومع ذلك ففي تفسير الآية السابقة روايات أخرى تختلف تماما عن الرواية السابقة ، فعبد الرحمن بن أسلم قال فيها : نزلت الآية فى أم كلثوم بنت عقبة بن معيط ، وكانت أول من هاجر من النساء ، فوهبت نفسها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقبل ذلك منها ، وزوّجها لزيد بن حارثة بعد فراقه زينب ، فسخطت هى وأخوها ، وقالا : إنما أردنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فزوّجنا عبده!! فنزلت الآية.

وفى رواية أخرى عن أنس : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خطب امرأة لصحابىّ يقال له جلبيب ، فلم يردّ عليه أبوها ، وذهب يستشير زوجته وابنته ، فأما زوجته فعابت على هذا الاختيار ـ وقالت : ما وجد إلا جلبيبا وقد منعناها من فلان وفلان؟! والابنة فى خدرها تسمع ، وانطلق الأب يريد أن يخبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالت الابنة : أتريدون أن تردّوا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم توصيته بصاحبه؟ إن كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد رضى صاحبه لكم فأنكحوه. فنزلت هذه الآية.

وفى رواية أخرى : أن ابن عباس قال فى هذه الآية : إنها عامة فى جميع الأمور ، فإذا حكم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشيء ، فليس لأحد من مخالفته ، ولا اختيار لأحد هاهنا ، ولا رأى ولا قول.

وهذا الرأى الأخير فى أسباب نزول الآية هو الأصحّ ، والقول بغير ذلك طعن فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو الذى قضى بأن يؤخذ رأى المرأة فى زواجها ، وأن لا تكره على زواج لا ترضاه!؟

وأما الآية : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) (٣٧) (الأحزاب) فهى الأخرى تعرضت لمختلف التفاسير من الإسرائيليات ، مع أن المراد بها واضح تماما. وفى رواية ابن كثير : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم زوّج زيدا بابنة عمته زينب ، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهما ، وخمارا وملحفة ودرعا ، فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها ، ثم وقع بينهما ، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ، فجعل يقول له : «أمسك عليك زوجك واتق الله».

٢٠٩

وأما قوله تعالى (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) ، ففي رواية ابن أبى حاتم عن علىّ بن الحسين : أن الله تعالى قد أعلم نبيّه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها! فلما أتاه زيد يشكوها قال له : «أمسك عليك زوجك» ، ـ والرواية كما ترى ، أخفّ الروايات وطأة ، ومن الميثولوجيا الدينية. وعند ابن جرير أن الوطر فى الآية هو الحاجة وقيل هو الزواج ، وقيل هو الجماع ، والمعنى عموما أن زيدا لمّا تزوجها زيد وفشل زواجهما وفارقها ، أمرناك بالزواج منها بعد انقضاء عدّتها.

وفى رواية أنس غير ذلك ، فقد ذكر أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا طلقها زيد ، طلب منه أن يذهب إليها ويذكرها عليه ـ أى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد ولى زيد تزويجها منه! ويذكر أنس شيئا عجيبا ، يقول : إنه لما ذهب إليها كانت تخمّر عجينا ، فلما رآها عظمت فى صدره حتى ما يستطيع أن ينظر إليها! فولّاها ظهره ونكص على عقبيه ، وقال لها : يا زينب أبشرى ، أرسلنى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يذكرك. قالت زينب : ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤمر أو أوامر ربّى عزوجل (يعنى تصلى لله تستخيره فى هذا الزواج) ، فقامت إلى مسجدها ، ونزل القرآن. وأطعم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الخبز واللحم احتفالا لأول مرة بزواج له. ولما رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنسا يلازمه كظله ألقى الستر بينهما ، ونزلت آية الحجاب : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً) (٥٣) (الأحزاب) ، ووعظ الناس الذين ظلوا فى البيت بعد الوليمة بالآية (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ) (الأحزاب).

وفى رواية الزمخشرى قال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبصرها بعد ما أنكحها زيدا ، فوقعت فى نفسه ، فقال : «سبحان الله مقلب القلوب»!! ويبرر الزمخشرى قوله ذلك بأنه كان قبل ذلك يجفو عنها ولا يريدها! ويستطرد الزمخشرى : وسمعت زينب تسبيحته ـ أى قوله سبحان الله ـ فذكرتها لزيد ، ففطن وألقى الله فى نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله! وقال مثل ذلك الثعلبى ، والنسفى ، والجلال المحلى وغيرهم!

وروى القرطبى عن مقاتل : أن زينب تزوجت من زيد فمكثت عنده حينا ، ثم إنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أتى زيدا يوما يطلبه ، فأبصر زينب قائمة ، وكانت بيضاء ، جميلة ، جسيمة ، من أتم نساء قريش!! فهويها ، وقال : «سبحان الله مقلب القلوب»! فسمعت زينب التسبيحة ، فذكرتها لزيد ، ففطن

٢١٠

زيد ، فاستأذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى طلاقها ، وذكر أسباب ذلك فقال : إن فيها كبرا وتتعظّم علىّ ، وتؤذينى بلسانها ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أمسك عليك زوجك واتق الله. وقيل : إن الله بعث ريحا فرفعت الستر وزينب متفضّلة فى منزلها ـ (أى فى ملابس البيت)! فرأى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم زينب ، فوقعت فى نفسه! ووقع فى نفس زينب أنها وقعت فى نفس النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذلك لما جاء يطلب زيدا ، فلمّا جاء زيد أخبرته ، فوقع فى نفسه أن يطلقها. وإذن فقوله تعالى : (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) هو الحب لها!!

وفى رواية ابن سعد : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاء يطلب زيدا لأمر ، فجاء منزله فلم يجده ، وقامت إليه زينب عجلى فضلا (يعنى فى ملابس البيت) ، تريد أن تلبس لمّا قيل لها رسول الله ، وأعرض عنها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأجابت : أن زيدا ليس هنا وطلبت إليه أن يدخل ، ولكنه ولّى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه ، ربما كان : سبحان الله العظيم! سبحان مصرّف القلوب! فجاء زيد إلى منزله ، وأخبرته زوجته ، وسألها : ألا قلت له أن يدخل؟ قالت : أبى. وقالت سمعته حين ولّى يتكلم بكلام لا أفهمه ، يقول : سبحان الله العظيم! سبحان مصرّف القلوب! فذهب إليه زيد فقال : يا رسول الله! بلغنى أنك جئت منزلى ، فهلا دخلت؟ بأبى أنت وأمى يا رسول الله! لعل زينب أعجبتك فأفارقها؟ فقال له : أمسك عليك زوجك واتق الله. قيل : فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم (يعنى لم يقربها) ، واعتزلها ثم فارقها ، وحلّت (يعنى انقضت عدتها) ، وقيل : فبينما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتحدث مع عائشة ، أخذته غشية ، فلما سرى عنه ، ابتسم وقال : من يذهب إلى زينب يبشّرها أن الله زوّجنيها من السماء؟ وتلا الآية. فكانت زينب تفخر على سائر زوجاته بأن زواجها كان من السماء ، وقالوا : لما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ، ولا تجديد عقد ، ولا صداق ، وهذا من خصوصياته!! وكما ترى أن الرواية متهافتة ، ولا يمكن أن يحلل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حراما ، ولا ينقض القرآن بسلوكه.

وفى روايات لقتادة ، وابن عباس ومجاهد : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم خطب زينب بنت جحش ، وكانت بنت عمته ، فظنت أن الخطبة لنفسه ، فلما تبين أنه يريدها لزيد ، كرهت وأبت وامتنعت. فنزلت الآية : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (٣٦) (الأحزاب) ، فأذعنت وتزوجته ، وفى رواية : فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله ، لنسبها من قريش ، وقال : أن زيدا كان بالأمس عبدا ... إلى أن نزلت هذه الآية. ونسب المدّعون إلى عائشة أنها قالت : إن آية : (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) ليس أشدّ على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم منها»!!! يعنى أن

٢١١

الرواية التى يتقولونها صحيحة ، ونزلت قرآنا ، ولم يكتمه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالوا : إن زيدا لمّا سمع من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أوى إلى فراشه ، وقالت زينب : ولم يستطعنى زيد ـ يعنى أنه لم يستطع أن يأتيها بعد ما عرف من رغبة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيها!! وقالت : ما أمتنع منه غير ما منعه الله منى ، فلا يقدر علىّ. وفى بعض الروايات : أن زيدا تورم ذلك منه حين أراد أن يقربها ـ يعنى أغضبه أن يعجز عن إتيانها ، ولذلك فإنه توجّه من بعد إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يشكو إليه زينب تؤذيه بلسانها وتفعل وتفعل ، وأنه يريد طلاقها!!

وفى رواية القرطبى : أن قتادة وجماعة من المفسّرين ، ومنهم الطبرى وغيره ، ذهبوا إلى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقع منه استحسان لزينب وهى فى عصمة زيد ، وأنه حرص على أن يطلقها منه ويتزوجها ، وأنه أخفى الحرص على طلاق زيد إياها ، وهذا معنى (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) ؛ وقوله : (وَتَخْشَى النَّاسَ) أى تستحييهم ، وتخاف لائمة المسلمين ، فيقولون أمر أحد أصحابه أن يطلق امرأته ليتزوجها هو!!

وفى تفسير الزهرى وابن العربى : أن المراد بقوله : (وَتَخْشَى النَّاسَ) هو إرجاف المنافقين بأنه نهى الآباء عن الزواج من نساء الأبناء ، وتزوّج مع ذلك زوجة ابنه! وروى أيضا : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هوى زينب امرأة زيد ، وربما أطلق بعض المجان لفظ عشق. وليؤكد أنس الرواية قال : ما رأيت رسول الله أو لم على امرأة من نسائه ما أو لم على زينب ، فإنه ذبح شاة!! والغالب أن رواية أنس وغيرهم قد دسّت دسّا فى كتب المسلمين ، وكلها أراجيف ، وقيل : إن زينب كانت فى الخامسة والثلاثين ، وكانت ما تزال بكرا لم تتزوج ، يعنى أنها صارت من العوانس ، ومن عادة العرب أن تتزوج البنت صغيرة السن ، وربما تطلق فتزوّج بعد انقضاء عدّتها مباشرة. وأما زينب فلم تكن قد تزوجت قط ، ثم إنها اشتهرت بحدّة الطبع ، وسلاطة اللسان ، حتى كانوا يخافون بأسها ، ونالت من عائشة ومن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد زواجها منه ، وكثيرا ما كان يهجرها لذلك. وكشأن الضرائر ، فإن عائشة قالت إن النبىّ كان يستكثر منها وأم سلمة ـ ولا يمكن طبعا أن تقول عائشة مثل ذلك عنها وعن أم سلمة والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم! ومن أين لها أن تعرف أنه يستكثر أولا يستكثر من هذه أو تلك؟ وقيل ضمن رواية المؤرخين : وربما السبب من استكثاره من زينب وأم سلمة أنهما كانتا أقرب إليه عمرا ، فزينب تزوجها فى السنة الخامسة من الهجرة فى مرجعه من غزوة المريسيع أو بعدها بيسير ، وظلت معه ست سنوات ، وكان النبىّ وقت أن تزوجها فى السابعة والخمسين ، بينما زينب فى الخامسة والثلاثين ، وفى رأى فى الثامنة والثلاثين. وحتى عمر نسبوا لزينب أنها نالت منه ، ولم يكن يعجبها ما يرسله إليها من رواتب. وكانت

٢١٢

زينب من حزب أم سلمة ضد عائشة وحفصة ، وطالبت بحقها فى هدايا المسلمين للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. هكذا قالوا. وعند ابن سعد أنها توفيت وعمرها ٥٣ سنة ، يعنى تزوجته وكانت فى الثامنة والثلاثين كما قلنا. ولم تكن جميلة كما قالوا ، فقد كانت سمينة ، وقصيرة ، ولم يكن زيد مناسبا لها فعلا ، فرغم أن سنه كان متقاربا معها ، فقد كان فى السابعة والأربعين ، إلا أنه كان قصير القامة ، وآدم شديد الأدمة ـ يعنى شديد السّمرة ، وفى أنفه فطس ، ولهذا قالت زينب أنه كان بالأمس عبدا ، بينما كانت هى بتعبيرها أيّم قريش ـ يعنى أنها كانت الوحيدة من قريش التى لا زوج لها ولكنها موسرة تعول نفسها. وكان من رفض أخيها لهذا الزواج ، أنه ترك المدينة ، وكانت غاية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من هذا الزواج أن يسترها بزوج هو أعرف الناس بخلقه الطيب ، وأراد الرسول أن يكافئ زيدا بأن يزوجه ابنة عمته ، فكان كما قيل ، بعيد النظر ، وحسب أن زينب ستتلقى اقتراحه بالترحاب ، فلمّا غصبت على الزواج ، كانت تسبّ زيدا ، ويبدو أنه من كثرة تطاولها عليه أصيب بالعنّة النسبية معها فكان يعجز أن يأتيها ، وفى ذلك كانت تقول : لم يستطعنى ، وما امتنع منه غير ما منعه الله منى ، فلا يقدر علىّ!

وفى الرواية كما سبق نسبوا لزينب أنها قالت : تورّم زيد ذلك ـ يعنى غضب لما أراد أن يقربها فعجز. وقيل : ومع ذلك حاول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يصلح بينهما ، وافتروا وقالوا : إنه كان حريصا على أن يطلقها من زوجها : ونتساءل : فمن أين علموا ذلك ، وما جاءت كلمة الطلاق على لسانه؟! وقوله «سبحان الله ، سبحان مصرّف القلوب» إنما هو قول المتخرّصين ، قيل : إن زينب هى التى صرّحت به ، وهو كلام مرسل ومنقطع ، ولا يعنى سياقه إنه يتمنّاها ، وربما كان معنى مصرّف القلوب أنه صرف قلب زينب عن زوجها ، فلما ذا يكون المعنى صرف قلبه إليها؟ وكانت زينب تطالعه دوما بحكم القرابة ، وإنه لأعرف الناس بشكلها وسمتها ، فكيف يعجب بها فجأة وكأنه ما رآها من قبل؟! وطبيعى أن يؤرقه حال زينب إذا طلقت ، وهو يعلم أن أحدا لن يتزوجها بعد زيد ، لأنه عبد ، والعرب لا يتزوجون مطلقات العبيد ، وما كان هناك إلا حل واحد : هو أن يتزوجها هو ويضمها إلى حريمه ، فيحفظ عليها مكانتها ، وما كان يمنعه من تنفيذ ذلك فورا ، بعد شكوى زيد المستمرة واعتزاله امرأته وفراقها ، إلا أن يقول العرب إنه تزوج امرأة ابنه ، وليس من منقذ من هذه الورطة إلا أن ينزل حلها بالقرآن ، وهو الحل الذى تعنيه الآية : (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) ، وهو الذى ارتآه فورا ، وهو الزواج بها فيريح ويستريح ، وليس ثمة مبرر لافتراض أنه تزوّجها لأنه كان يحبها كما أشاعوا! وفى حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما ذكر

٢١٣

يوما الحب إلا مع عائشة ، فهى حبيبته وزوجته فى الدنيا وفى الآخرة. وإن قيل فلأى شىء قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أمسك عليك زوجك؟ قلنا إنه من أجل أن تبقى زينب متزوجة ، لأن البديل صعب وهو أن يتزوجها هو. وإن قيل وما معنى «فلما قضى زيد منها وطرا» أليس معناه أن زيدا دخل عليها وجامعها؟ قلنا إن المعنى هو : فلما استنفد زواج زيد من زينب كل أهدافه ، ليتنزّل بسببه تشريع جديد ، زوجناكها ، أى زوّجها له الله تعالى ، ليس زواجا من السماء كما قالوا ، وإنما بالآيات التى حللت له أن يتزوجها ، ففي ضوء التشريع الجديد صار له أن يتزوجها ولا تثريب عليه. ويكفى أن نقول : إن زينب ما كان يمكن أن يتزوّجها ويتحملها آخر بخلاف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بدليل ما كانت تقوله له مما لا ينبغى لها ، كقولها : إنى لأدلّ عليك بثلاث ، ما من نسائك امرأة تدلّ بهن : أن جدّى وجدّك واحد! وأن الله أنكحك إياى من السماء! ـ (يعنى أنزل التشريع الذى مكّن لك الزواج منى) ، وأن السفير فى ذلك جبريل! (لأن جبريل كان هو الوحى الذى ينزل إليه بالقرآن). وقوله تعالى : (سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ) (٣٨) (الأحزاب) يقصد بها تحليل الزواج للأنبياء ، فمحمد لم يأت نكرا ، ولا كان بدعا بين الرسل ، وإنما تزوج على سنة الله.

فهذه هى قصة زينب وزيد ، وما كان من ذلك مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وليس فيها أىّ ما يعيب على الثلاثة ، أو يطعن فى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما ادّعى الأولون والآخرون. وليس فى زواجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من زينب معجزة من السماء كما ادّعت زينب ، وما كان يشغل النبىّ أمر النساء وإنما كان شغله بالدعوة ، وقد قيل : ما أفلح من جعل وسادته أفخاذ النساء ، وهذا النبىّ كان بمنأى عن كل ذلك ، وكان سيد الأنبياء ، واهتماماته كانت أكبر من اهتمامات أى نبىّ ، وما كان عمله مجرد الهداية ، وإنما تكوين أمة ، وخلق مجتمع ، وإنشاء إنسان جديد ، وحسبنا الله.

* * *

٢٥٤. ما أحلّ له من النساء

ما حلله الله تعالى لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من النساء تتضمنه هذه الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٥٠) (الأحزاب) ، والمعنى أن الله تعالى أحلّ له هؤلاء النساء ويستطيع أن يتزوج منهن ، ومن يتزوجها عليه أن يمهرها ، وقد أمهر زوجاته جميعا ، باستثناء أم حبيبة ، قيل : أمهرها عنه النجاشى! لما ذا؟ ربما

٢١٤

لتتناسب الفرية مع مكانة أم حبيبة وأنها بنت أبى سفيان. وجويرية أصدقها بأن أدّى عنها كتابها إلى ثابت بن قيس بن شماس ، لما ذا وهى سبيّة ، وابن قيس أخذ سبيّة أخرى عوضا عنها؟ وصفية : أصدقها بإعتاقها ، لما ذا أيضا وهى سبيّة وملك يمين وليس لها صداق؟ وجميع من تزوج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إحدى عشرة ، توفيت منهن خديجة ، وزينب بنت خزيمة فى حياته ، وتوفى هو عن تسع زوجات كما قيل. وبالمقارنة فإن النبىّ داود كانت له بحبرون سبع زوجات بخلاف السرارى ، وفى أورشليم تزوج بأخريات واتخذ السرارى ، وكانت لسليمان : سبعمائة زوجة وثلاثمائة سرية! وفى الآية أبيح للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم التسرّى ممن أخذ من المغانم ، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما ، لما ذا؟ وملك ريحانة بنت شمعون النضرية ، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم وكانتا من السرارى ، ولا يوجد فى الإسلام ، ما يسمى سرارى الآن والحمد لله ولا ملك يمين. وفى قوله : (وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ) الآية ، أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم تكن تحته واحدة من بنات عمه ، ولا من بنات عمّاته ، ولا من بنات خاله ، ولا من بنات خالاته ، فثبت

أنه أحل له التزوج بهذا ابتداء ، قيل : لذلك خطب من بعد نزول هذه الآية أم هانئ ابنة عمه ، ولكنها اعتذرت إليه ، وقالت عن ذلك : فلم أكن أحلّ له ، فلم أكن ممن هاجرن معه ، وكنت من الطلقاء» ، وهو تفسيرها للآية (اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ) ، وهن قريباته ممن أسلمن وهاجرن ، وأمّ هانئ لم تكن قد أسلمت ولا هاجرت معه ، وكان إسلامها عام الفتح فكيف يخطبها وهى لم تكن معه فى المدينة؟ وكيف يخطب مشركة؟. وقولها أنها كانت من الطلقاء ، أى الذين أطلق سراحهم يوم فتح مكة ومنّ عليهم بقوله : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، وفى الآية بنات خاله وبنات خالاته ، ولم نجد مرجعا يذكر أن له بنات خال وبنات خالات! وربما الآية لأنها تحلل وتحرّم عموما وليس للنبىّ وحده صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وكان من زواج الأقارب عند النصارى أنهم لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدا ، بينما كان اليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته ، فتوسطت هذه الآية بين إفراط النصارى وتفريط اليهود ، وأباحت ما حظره النصارى وهو الزواج من بنت العم والعمّة ، وبنت الخال والخالة ، وحرّمت ما جرى عليه اليهود وهو الزواج من بنت الأخ والأخت. والإحلال فى الآية يقتضى أن يتقدمه الحظر ، مما يدل على أن ذلك كان محظورا فى السابق : وقوله (أَحْلَلْنا لَكَ) يعنى أزواجك ، لأنهن اخترنه زوجا فى الدنيا والآخرة ، ولو تزوج كان يشق عليهن ، فلما نزلت الآية وحرّمت عليه النساء إلا من سمى ، سررن بذلك. وفى قوله : (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ

٢١٥

يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ) (٥٠) (الأحزاب) أن من تفوّضه الزواج منها له إن شاء أن يتزوجها ، والوهب هو أن تتزوجه بلا مهر ، وذلك خصيصا له دون غيره ، ومع ذلك كما قال ابن عباس : لم يكن عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم امرأة وهبت نفسها له» ، وقال : لم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين ، فأما الهبة فلم يكن عنده منهن أحد». ولم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقبل واحدة ممن وهبن أنفسهن له وكن كثيرات ، منهن أم شريك غزية بنت جابر الدوسية ، وخولة بنت حكيم ، والمرأة التى حكى عنها أنس والتى جاءت إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا نبى الله! هل لك فىّ حاجة؟ وعلّقت ابنة أنس على قول أبيها : ما كان أقلّ حياءها! والمرأة التى روى عنها سهل بن سعد الساعدى : أنها جاءت إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالت : يا رسول الله! إنى وهبت نفسى لك» ، وظلت قائمة طويلا ، إلى أن طلب أحد الصحابة أن يتزوجها ، ولم يكن معه من مال ليمهرها فزوّجها له بما يحفظ من قرآن يعلّمه لها.

والخلاصة : أن هذه الآية لبيان من يحلّ أن يتزوجهن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهى مرتبطة بالآية التى بعدها والتى تقول : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً) (٥٢) (الأحزاب) ، وتؤكد أن من أحللن له هن زوجاته اللاتى فى عصمته وما ملكت يمينه ، وحرّم عليه ما سوى ذلك من النساء.

* * *

٢٥٥. زوجاته يخيّرن

مبدأ تخيير الزوجة بين أن يفارقها زوجها فتذهب إلى غيره ، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال ، من مبادئ الإسلام التى ينفرد بها عن بقية الأديان والأعراف الوضعية فى الزواج ، والرسول ـ وهو القدوة ـ نزل تخيير الله لأزواجه بين الاستمرار معه أو الطلاق فى الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً) (٣٠) (الأحزاب) ، وقد ثبت أن البكر تسأل عند الزواج ، وأن الثيّب لها أن تزوّج نفسها ، وفى هذه الآية يثبت أن المسلمة لها أن تبقى مع زوجها أو أن يطلقها إذا شاءت ، إذا كان فى استمرارها معه ضرر لها ، يعنى أن المرأة المسلمة مخيّرة فى الأول والآخر فى كل الأحوال.

ومناسبة هذه الآية أن نساءه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ قيل إن واحدة منهن سألته أن يصوغ لها حلقة من

٢١٦

ذهب ، فصاغ لها حلقة من فضة وطلاها بالذهب أو بالزعفران ، فأبت إلا أن تكون من الذهب : يعنى سألته شيئا من عرض الدنيا ، وقيل : سألنه زيادة فى النفقة ؛ وقيل : آذينه بغيرة بعضهن على بعض. وهذه الخلافات وأمثالها هى من الأمور العادية بين الأزواج ، وقد تكره المرأة زوجها لسوء معاملته ، ولكن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما أساء لزوجة ، ولا كرهته أىّ منهن ، وهو الذى قال : «خيركم خيركم لأهل بيته ، وأنا خيركم لأهل بيتى». ولم يحدث أن شتم زوجة أو ضربها ، وكان يعدل بينهن ، وأوصى بالنساء خيرا فقال : «واتقوا الله فى النساء فإنهن عندكم عوان» أى فى رعايتكم وكنفكم ، وكان يعطيهن كل ما يملك ، وما كان يملك من الدنيا شيئا ، وهو الذى خيّره ربّه بين أن يكون نبيا ملكا وبين أن يكون نبيا عبدا ، فاختار أن يكون نبيا عبدا ـ أو مسكينا. ولما أفاء الله عليه بعد خيبر ، كان يوزع عليهن الفيء فيعطيهن على السواء. وفى الحديث عند أحمد : أن عمر بن الخطاب ذكرت له امرأته أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تراجعه أزواجه ، فسأل فى ذلك ابنته حفصة ، قال : أتراجعين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ قالت : نعم. وسألها : وتهجره إحداكن؟ قالت : نعم. ـ ومعنى المراجعة المحاورة ، وأن تستعيده الرأى والنظر فيه. وفى قول حفصة : أن زوجاته كن يغاضبنه ، يعنى يهجرنه. وفى مناسبة هذه الآية عند أحمد برواية جابر ، أن أبا بكر وعمر أقبلا ، يستأذنان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد جلس حوله نساؤه وهو ساكت ، وقال عمر يضاحكه : لو رأيت ابنة زيد ـ امرأة عمر ـ سألتنى النفقة آنفا فوجأت عنقها! (أى كسرته يقول ذلك مداعبا) ، فضحك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «هن حولى يسألننى النفقة»! فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها ، وقام عمر إلى حفصة ، كلاهما يقولان : تسألان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما ليس عنده؟!! فنهاهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقلن ـ أى نساؤه : والله لا نسأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده! فأنزل الله عزوجل الخيار ، فبدأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعائشة ، يقول لها مترفقا : «إنى أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلى فيه حتى تستأمرى أبويك». قالت : وما هو؟ فتلا عليها : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ ..) الآية ، قالت عائشة : أفيك استأمر أبوى؟! بل اختار الله تعالى ورسوله! ـ وكذلك قالت كل نسائه.

وإذن فتخيير النساء فى البقاء على الزوجية أو الطلاق من آداب الزواج فى الإسلام ، فربما كانت الزوجة تكره المقام مع زوجها على الشدّة. ومشاورة المرأة لأبويها أو استئمارهما إذا اعتزمت الطلاق واجبة ، بحسب قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعائشة ، ومعنى المشاورة أو الاستثمار : أن لا تحمّل المرأة وحدها مسئولية فراق زوجها دون إعمال فكر ونظر بمساعدة من أهلها. وقوله تعالى (أُمَتِّعْكُنَ) يعنى أن تعوّض المرأة إذا طلّقت ، وتعويضها هو عمّا يلحقها أو يفوتها بالطلاق ، بحسب حال الزوج ، وعلى الموسع قدره ، وعلى المقتر قدره. والسراح الجميل فى

٢١٧

الآية : هو أن يعطى الرجل مطلقته حقوقها كاملة ؛ وقيل : هو أن يطلقها طلاقا بائنا من غير ضرار ولا منع واجب لها ؛ وقيل : هو التسريح البات ، أى الطلقة الثالثة ، والاختيار الموجب لذلك هو أن يقول الرجل لزوجته : اختارينى أو اختارى نفسك ، فإذا اختارت نفسها يقتضى ألا يكون عليها سبيل ، ولا يملك منها شيئا. وقوله تعالى : (فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) (٢٩) (الأحزاب) دليل على أن لزوجاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم مراتب متفاوتة ، أعلاها مرتبة الإحسان ، وفى الحديث عن أبى موسى الأشعرى وصف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم زوجته خديجة بالكمال ، وقال عن عائشة : «وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» ومن ثم فهاتان هما المقصودتان بالمحسنات اللاتى لهن الأجر العظيم.

* * *

٢٥٦. ما معنى (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) (٦) (الأحزاب)

بهذه الآية شرّف الله تعالى المؤمنين بأن نسبهم إلى أزواج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كأمهات ، وشرّف أزواجه بأن جعلهن أمهات المؤمنين ، ومثلما الشأن بين الأمهات والأبناء من وجوب التعظيم ، والبرّ ، والإجلال ، وحرمة النكاح ، فكذلك الحال بين المؤمنين وأزواجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم اللاتى صرن لهم كالأمهات ، فشفقة المؤمنين على أزواجه ينبغى أن تكون كشفقة الأبناء بأمهاتهم ، ويتوجب عليهم أن ينزلوهن منزلة الأمهات ، وهى أمومة أخرى خلاف الأمومة الرحمية أو الرضاعية ، أو أمومة التبنى ، ولكنها أمومة دين ، كقوله تعالى فى المؤمنين وعلاقاتهم ببعضهم البعض (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (١٠) (الحجرات).

وقيل فى قوله تعالى (أُمَّهاتُهُمْ) ، يعنى للرجال ، فهل هن أمهات الرجال فقط دون النساء؟ أم أنهن أمهات للجميع؟ وقيل : لمّا نادت امرأة عائشة أم المؤمنين وقالت لها : يا أمّه ، قالت عائشة : لست لك بأم ، إنما أنا أمّ رجالكم». والصحيح أن الآية عامة ، وكذلك حكمها ، واختصاص الحصر فى الإباحة للرجال دون النساء لا يفيد الرجال ولا أمهات المؤمنين ، والأكثر معقولية أنهن أمهات الجميع ، فإذا كن أمهات للرجال فلم لا يكنّ أمهات للنساء أيضا؟ وهل يمكن أن تكون عائشة أما لرجل ويناديها يا أمّه ، ولا تكون أمّا لشقيقة هذا الرجل ويحرّم عليها أن تناديها : يا أمّه؟ وأمومتهن إذن للجميع : شيوخا وولدانا ، رجالا ونساء ، وهو التعظيم لحقهن على الجميع ، وتدل عليه الآية : (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) (٦) (الأحزاب) ، فولاية النبىّ على الجميع ، ومثلها أمومة أزواجه للجميع ، وقرأ ذلك أبىّ بن كعب فقال : وأزواجه أمهاتهم وهو أبّ لهم» وهو تفسير ظنه البعض ضمن المتن ، ونسبوا لأبيّ بن كعب مصحفا به هذه العبارة كآية!! وكذلك قرأ ابن

٢١٨

عباس الآية : النبىّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم» ، فظنوه يتلو قرآنا ، وأن هذه القراءة من مصحف خاص به ، وهى روايات تصلح كتفاسير ولكنها ليست قرآنا. والدليل أن البعض لم يكن يرى أن يسمّى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبا لقوله تعالى : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (٤٠) (الأحزاب) ، ولكنه «مثل الأب» كما فى الحديث : «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد ...» أخرجه أبو داود ؛ وفى الآية نفى أن يكون محمد أبا لرجال المؤمنين بالنسب ، وفى الحديث هو أب لهم فى الدين ، كقول لوط فى الآية : (قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي) (٧٨) (هود) لم يقصد بناته على الحقيقة ، وإنما بناته جوازا يعنى المؤمنات ، يدعو الناس الذين اجتمعوا عليه وعلى الملائكة ضيوفه ، أن يتزوجوا من بعضهم البعض ، يعنى من البنات المؤمنات ، بدلا من ممارسة اللواط ، فاعتبر المؤمنات بنات له. وأيضا فإن البعض كان يقول عن معاوية إنه خال المؤمنين ، باعتباره أخا لأم حبيبة زوجة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقصدون بذلك أنه خال لهم فى الدين لا فى النسب. وبالمثل فى أمهات المؤمنين ، فهن أمهات فى الدين.

* * *

٢٥٧. ما معنى المشيئة مع زوجاته

نزلت الآية : (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً) (٥١) (الأحزاب) فى تعامل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع زوجاته ، وكان يقسم بينهن بالعدل ، لكل واحدة منهن يوم وليلة ، أو ليلة دون النهار ، ولا يسقط هذا الحق لهن فى مرض أىّ منهن ، ولا فى مرضه ، وكان يعدل فى المقام عندهن فى أى من أحواله ، ولا يجور على حق واحدة بدعوى أنها أمة أو كتابية ، وما كان يجمع بينهن فى منزل واحد إلا برضاهن ، وإذا دخل عند إحداهن فى يوم الأخريات وليلتها ، ذهب يساوى بينهن ويزورهن جميعا. وكان يعدل فى النفقة والكسوة. وفى مرضه الذى توفى فيه كان يطاف به محمولا على بيوت أزواجه إلى أن استأذنهن أن يقيم فى بيت عائشة ، لأنها الأقدر على تمريضه لصغر سنها ، ولأنه لم يعد يستطيع أن يحمل كل يوم إلى بيت من البيوت مع كل هذا الألم الذى يتألمه والأوجاع التى كانت تأتيه ، حتى كان يقول : «أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا؟ استبطاء ليوم عائشة. وكان هذا العدل كأنما هو مفروض عليه وليس نابعا من ذاته ، وكأنما لم تكن له المشيئة فيه. والتربية الإسلامية تتوجه إلى الضمير أولا ، وليس الخير ولا الحق ولا العدل بالقيم المفروضة دائما ، ولكنها مع الأخذ بالخلق المسلم تكون من مقوّمات الشخصية

٢١٩

الإسلامية ، وتنبّه الآية إلى ذلك ، وتجعل من حالة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قدوة للمسلمين. ولم يكن زواجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من زوجاته إلا لأسباب اجتماعية وسياسية شرحناها فى مكانها ، فلا أقل من أن ينبّه الله زوجاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أن ما يفرضه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على نفسه من الالتزامات والأدبيات إنما مرجعها إليه ولم يفرضها الله عليه. ومعنى ترجى فى الآية أى تؤخر ، وتئوى أى تضم إليك ، وممن ابتغيت ممن عزلت ، أى ممن طلبت من زوجاتك بعد أن عزلتهن عن القسمة ، فلك المشيئة أن ترفع عنهن العزلة وتقسم لهن كأخواتهن. وتنفى الآية أن المشيئة تعنى الجناح أو الميل ، وتؤكد على العدل الذى توخّاه مع زوجاته دائما ، فالعدل جزء من شخصيته ، ومن العدل أن يحطن علما بأن عدله فيهن مرجعه لمشيئته ، أى ضميره الخالص وخلقه ، ولم يفرض عليه ، وبذلك يصير العدل مع الزوجات هو بالتبعية من الخلق الذى يتميّز به الإسلام على الديانتين الكتابيتين الأخريين. وفى اليهودية لا يندب الرجل للعدل مع زوجاته حيث تعدد الزوجات معمول به ، ومن ثم يكون من الأفضل أن لا يستكثر الرجل من النساء لئلا يزيغ قلبه (تثنية الاشتراع ١٧ / ١٨) ، وفى المسيحية لا طلاق للمرأة مهما اشتكت (بولس الثانية ٧ / ١١) ، ويخضع النساء للرجال خضوعا كاملا (بولس الخامسة ٦ / ٢٣ ، والسادسة ٣ / ١٩). وفى الإسلام النموذج فى المعاملة الزوجية هو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع زوجاته ، وهذه الآية إنما نزلت لتقرّ بها أعينهن ، وللتأكيد على أن العدل لم يفرض عليه ولكنه مشيئته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا كان يعدل بينهن فلأنه عادل بطبعه وبخلقه المسلم ، ولأنه يدعو إلى العدل كركن من أركان الإسلام الاجتماعى. فإذا علمت زوجاته أن الله تعالى قد فوّض الأمر إليه فى أحوال أزواجه رضين ، لأنهن لو علمن أن لهن الحق فى هذا العدل لم يقنعن بما أوتين ، وتشتد غيرتهن عليه ، ويجد المشقة فى أن يعدل بينهن ، وأما المسألة قد تركها الله له ، فذلك أدعى إلى أن يقبلن بما يسمح لهن ولا تتعلق قلوبهن بما هو أكثر منه. ومن ناحية أخرى فإنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ يعلم أن المسألة صارت موكولة إليه فقد شدّد على نفسه فى رعاية التسوية بينهن ، تطييبا لقلوبهن ، ولذلك قال فيما أخرجه النسائى : «اللهم هذه قدرتى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك». وما يملكه صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو أن يحاول العدل ، وما يملكه الله تعالى هو قلبه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أى الحب والبغض ، والشعور الوجدانى بأنه مع هذه يستريح نفسيا ، ومع تلك لا يحسّ راحة نفسية ، وإلى ذلك أشارت الآية : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) (١٢٩) (النساء) ، والآية : (وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ) (الأحزاب) وفيها تذكير على علم الله من الميل إلى البعض من النساء دون البعض ، وهو سبحانه العالم بكل شىء ، كقوله : (إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا

٢٢٠

فِي السَّماءِ) (٥) (آل عمران) ، وقوله : (فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى) (٧) (طه) غير أن من الميل ما لا يكره ولا يستهجن ، ومنه المنفّر ، وميل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وإن كان هناك ميل إلى عائشة أو غيرها كما يدّعى البعض ، فهو من النوع الأول ، وأما الثانى فهو الذى يصفه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله فيما يرويه أبو داود عن أبى هريرة : «من كانت له امرأتان ، فمال إلى إحداهما ، جاء يوم القيامة وشقه مائل». والدليل على أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان عادلا كل العدل مع زوجاته ولم يكن يميل فى القسمة لهن ، قوله تعالى : (وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَ) ، أى أن عمله معهن كان فيه الرضا لجميع الزوجات بلا استثناء ، طالما أن محبة هذه أو تلك لا تمنع أن يعدل بينهن ، فالمحبة شىء من الله ، وأما العدل فهو من البشر. وقد سئل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمّن يحب من النساء فقال : عائشة. وليس صحيحا أن عائشة عند ما سمعت آية الإرجاء والإسواء هذه قالت كما أتى فى الصحيحين : والله ما أرى ربّك إلا يسارع فى هواك»! فعائشة تعرف حدودها معه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت معلّمة ، ومؤدّبة ، وداعية ، فكيف تقول ذلك وهى تعلم أن الله قال فيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) (٣) (النجم)؟ وكانت أعرف الناس بذلك ، والحديث على ذلك موضوع ، وهو من الأحاديث التى تعجب المستشرقين كثيرا ، وبه ينال الشيعة من عائشة وينقدونها بشدة.

والخلاصة : أن الآية تفيد أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كان مخيّرا فى أزواجه ، إن شاء أن يقسم قسم ، وإن شاء أن يترك القسم ترك ، فالأمر موكول إليه ، إلا أنه كان يقسم مع ذلك من قبل نفسه دون أن يفرض عليه ذلك ، تطييبا لنفوس زوجاته ، وصونا لهن عن أقوال الغيرة. وليس صحيحا ما يقوله رواة الإسرائيليات : أن القسم كان واجبا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم نسخ الوجوب عنه بهذه الآية فذلك لم يثبت؟! ومن الكذب البيّن أن يقال : أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم همّ بطلاق بعض نسائه فقلن له : أقسم لنا ما شئت؟! وافتروا عليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنه آوى عائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وزينب ، فكان يقسم لهن من نفسه وماله سواء بينهن ، وأنه أرجى سودة ، وجويرية ، وأم حبيبة ، وميمونة ، وصفية ، فكان يقسم لهن ما شاء؟! وكذلك ليس صحيحا أن المرجئات هن اللاتى وهبن أنفسهن له ، فتزوج منهن ، وترك منهن ، وما علمنا أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أرجأ أحدا من أزواجه ، بل آواهن كلهن ، ولا أنه تزوج من امرأة وهبت نفسها له حتى يقال فيه ما قيل.

* * *

٢٥٨. هل كان بوسعه أن يعدل بين زوجاته وهن كثيرات؟

فى الكتب فى التاريخ والسّير أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم توفى عن تسع زوجات ، واثنتين من

٢٢١

السرارى ، بينما الله تعالى يقول : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) (٣) (النساء) فحصر الزواج فى أربع نسوة ، ويقول : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (٣) (النساء) ، ويقول : (ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا) (٣) (النساء) ، ويقول : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) (١٢٩) (النساء) ، فنفى أن يكون العدل فى استطاعة من يتزوج بأكثر من واحدة. ومعنى (أَلَّا تَعُولُوا) ألا تجوروا ، فمن يخاف أن لا يعدل بين النساء فليقتصر على واحدة ، وقيل : استثنى الله تعالى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من قصر التعداد على أربع ، فقال (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ) (٥٠) (الأحزاب) فكان الجمع بين التسع بالإضافة إلى السرارى رخصة له. ونزلت الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) (٢٩) (الأحزاب) فخيّرهن بين أن يفارقنه فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها ، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال ولهن عند الله الثواب الجزيل ، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، فنزلت الآية : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً) (٥٢) (الأحزاب) مجازاة لهن على حسن صنيعهن فى الاختيار ، فقصره عليهن ، وحرّم عليه أن يتزوج بغيرهن ، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن ، وقيل : فلما حصلت لهن الطمأنينة والسكينة بعد هذه الآية أنزل الله : (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً) (٥١) (الأحزاب) ، يعنى أنه كان يقسم لهن عدلا ، فلم يعد القسم واجبا عليه ، وصار له أن يقدّم يوم هذه أو تلك بلا تثريب ، فيؤثر من يشاء منهن ، ويؤجل من يشاء ، ويؤخر من يشاء ، ويقسم لمن يشاء ، ويترك من يشاء ، ولكنه مع ذلك لم يفعل ، فإن اضطر يوما أن يغيّر يوم إحداهن ، كان يستأذنها بعد نزول هذه الآية ، والنتيجة أنهن وقد علمن أن الحرج قد وضع عنه ، وأن القسم لهن مستمر مع ذلك ، عن اختيار منه لهن ، إيثارا وحبا فيهن ، وعدلا منه لهن ، وتقوى لله فيهن ، قد أثلج ذلك صدورهن ، وأرضاهن ، وأفرحهن ، لإنصافه وعدله فيهن. وقيل : أنه مع حرصه على العدل فإنه كان يميل إلى بعضهن دون البعض ، وليس بوسعه دفع هذا الميل عنه تماما ، ولذلك كان يقول اعتذارا : «اللهم هذا فعلى فيما أملك ، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك» أخرجه أصحاب السنن ، يعنى بقوله : «فيما تملك ولا أملك» قلبه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أى أن عدله بينهن كان بقدر استطاعته ، وما كان

٢٢٢

يستطيع إلا العدل ، فعند ابن ماجة عن عائشة قالت : «كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقسم لكل امرأة من نسائه يومها وليلتها» ، يعنى كان لا يضيمهن. وعن أبى داود عن عائشة قالت : «قلّ يوم لا يطوف على نسائه جميعا ، فإذا جاء إلى التى هى يومها بات عندها». أو قالت : «ثبت عندها». ـ وعن عائشة أيضا قالت : «كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يفضّل بعضنا على بعض فى القسم» ، وقالت : «كان خلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أهله أحسن الخلق : لم يكن فاحشا ، ولا متفحّشا ، ولا صخّابا ، ولا يجزى السيئة مثلها ، ولكن يعفو ويصلح» رواه أحمد. وقالت : «كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا سافر أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه» رواه أبو داود ، والقرعة دليل أنه لا انحياز ولا محاباة معهن.

* * *

٢٥٩. لما ذا حرّم الزواج من نسائه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد وفاته؟

وهل بقين أزواجه أم زالت الزوجية بالموت؟

كثر كلام المستشرقين فى الآية : (وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً) (٥٣) (الأحزاب) ، واعتمدوا فى هجومهم بها على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، على الإسرائيليات المنتشرة فى كتب التفسير الإسلامية التى نقلها المفسرون عن الرواة من المنافقين بلا تمحيص ولا مناقشة ، من أمثال قتادة والسدى ومقاتل وغيرهم ، قالوا : إن رجلا قال : لو قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تزوجت عائشة ، فأنزل الله تعالى الآية : ونزلت كذلك : (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) (٦) (الأحزاب) ، وطالما هن أمهات المؤمنين ، فالزواج منهن محرّم بقوله تعالى : (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) (٢٣) (النساء). وقيل : إن الذى أشاع هذه الفرية هو مقاتل بن سليمان ونسبها لابن عباس ، مع أن ابن عباس كان وقتها ما يزال صبيا فلم يشهدها بنفسه ، ولم يقل لنا مصدرها ، وربما لم يقل ابن عباس هذا الكلام أصلا ونحل عليه ، وربما قاله فلم يكن يحب طلحة لخلافه مع علىّ ، غير أن مقاتل بن سليمان كان معروفا بالإسرائيليات ، وهو الذى جزم بأن قائل هذه العبارة هو طلحة بن عبيد الله ، ونسب إلى ابن عباس قوله : إن طلحة ندم على ما حدّث به نفسه ، فمشى إلى مكة على رجليه ، وحمل على عشرة أفراس فى سبيل الله (يعنى جاهد) ، واعتق رقيقا ، فكفّر الله عنه. ـ يريد مقاتل بهذا الكلام أن يثبت التهمة على ابن عباس وعلى طلحة. وفى رواية قيل : إن ابن عباس قال : إن الآية نزلت بسبب أن بعض الصحابة قال : «لو مات رسول الله لتزوجت عائشة» ، فبلغ ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتأذّى به. ـ فجعلت الرواية ابن عباس يكنّى عمّن قيل إنه قال ذلك ، ببعض الصحابة. ولم نسمع فى أى من هذه الروايات أن

٢٢٣

هذا الصحابى هو طلحة. وقيل : إنه واحد من السادات ومن العشرة ـ يعنى المبشّرين بالجنة» ، وبذلك تصادر البشارة على الإشاعة ، وتؤكد على نقدنا لهذه التهمة بأنها غير معقولة فى حق هذا الصحابى الجليل الذى أطلق عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اسم الفيّاض ـ يعنى يفيض كرما ، وقال فيه : «من سرّه أن ينظر إلى رجل يمشى على ظهر الأرض وقد قضى نحبه ، فلينظر إلى طلحة». وقد زاد طلحة عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم أحد ، ووقاه بيده حتى أصابته السيوف ، ثم احتمله بعيدا ، فكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلما التقى به يحييه ويقول : «أهلا بسلفى فى الدنيا وسلفى فى الآخرة». وكان طلحة سلفه فعلا. وفى الحديث قال : «احفظونى فى أصحابى» ، وقال : «عليكم بأصحابى». فأن يقول طلحة هذه المقالة أمر مستبعد. فإذا كانت هذه الفرية قد قيلت فلربما افتراها أحد المنافقين ، وفى رواية أخرى عن ابن عباس : أن الرجل الذى قال ذلك كان ابن عم لعائشة ، وأنه كلّمها ، فكره الرسول ذلك ، فقال الرجل : يمنعنى من كلام ابنة عمى؟! لأتزوجها من بعده!! فنزلت الآية. وعند ابن أبى حاتم قال : نزلت الآية فى طلحة بن عبيد الله ، قال : أيحجبنا محمد عن بنات عمّنا ويتزوّج نساءنا؟! لئن حدث به حدث لنتزوّجن نساءه بعده» ، فأنزل الله هذه الآية. وفى رواية أن أحدهم قال حين تزوج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أم سلمة بعد أبى سلمة ، وحفصة بعد خنس بن حذافة ، ما بال محمد يميت رجالنا فيتزوج نساءنا؟ والله لو قد مات لأجلنا السهام (يعنى تقارعنا) على نسائه! (يعنى لنتزوجهن مقارعة بيننا بعد وفاته). وفى الآية : (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً) ، يعنى خطيرا ، وليس ذلك فقط فهو أيضا دليل على حقارة وتدنّى نفسية القائل ، وعدوانيته تجاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورغبته الدفينة فى الانتقام ، فكيف يكون مسلما ، وهذه هى مشاعره المكبوتة تجاه نبيّه؟ فلا شك أنه من المنافقين ، وليس هو بكل تأكيد طلحة الذى افتدى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بنفسه.

والآية تحرّم نكاح زوجاته من بعده ، وفى الآية الأخرى جعل الله تعالى لهن حكم الأمهات ، تمييزا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لشرفه ، وتنبيها على مرتبته ، وهو أمر شائع عرفناه عن زوجات أنبياء بنى إسرائيل ، وأزواج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هن أزواجه فى الجنة كما كن فى الأرض ، ولذلك فزواجهن بآخرين محرّم ، والمرأة فى الجنة لآخر أزواجها. ومن يمكن أن يتزوجهن ليكون موضع مقارنة مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟

والسؤال الذى يثيره المستشرقون ، وكذلك الكثير من المسلمين : هل بقيت أزواجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد الموت أزواجا له؟ أم أن الموت فصم الزوجية؟ وإذا كانت الزوجية قد انتهت بالموت فهل على زوجاته عدّة أم لا؟

٢٢٤

والجواب كما نفهم من مضمون الآية : أن الموت لا ينهى الزوجية بالنسبة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن الزوجية تنتهى فقط فى حالته إذا تزوجت أىّ من نسائه بعد وفاته. وزوجاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما جاء على لسان سودة : أريد أن أبعث يوم القيامة زوجة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ولمّا خيّرهن بين أن يسرحهن إيثارا منهن للدنيا ، أو يبقيهن مع ضيق عيشه ، تفضيلا منهن لله ورسوله والدار الآخرة ، اخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، ووعدهن الله الأجر العظيم ، فهن إذن على موعد معه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الدار الآخرة ، ولم تنقطع الزوجية بموته ، فما زالت مستمرة فى الدنيا ، وستستمر كذلك فى الآخرة. وأمّا عن عدّتهن ، فإنهن بموته عليهن العدّة ، لأن العدّة فى حالتهن عبادة وليست مدة تربص انتظارا لإباحة الزواج. وقد أبقى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لهن النفقة والسكن طالما هن أحياء ، لأنهن لا يزلن فى عصمته ، وقال : ما تركت بعد ، نفقة عيالى» ، يعنى هو نفقة لزوجاته ، وكنّى عنهن بلفظة عيالى ، وروى أهلى ، وهذان اسمان للزوجية ، وهن إذن نساؤه أو أزواجه ، ومن ثم كنّ محرّمات على غيره ، وذلك معنى أن النكاح أو الزواج بهن ما زال قائما فى حقّه وحقّهن ، والموت بالنسبة له بمنزلة مغيب الزوج عن زوجاته ، وهذا يقين فى حق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وزوجاته بخلاف الناس جميعا ، فنحن لا نعلم إن كنا سنكون أو لا نكون مع زوجاتنا فى الآخرة ، فربما يكون أحد الزوجين فى الجنة والآخر فى النار ، فالسبب فى حقّ الخلق منقطع ، ولكنه فى حقّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وزوجاته باق ، وهو القائل : زوجاتى فى الدنيا هن زوجاتى فى الآخرة» ، وقال : «كل سبب ونسب ينقطع إلّا سببى ونسبى ، فإنه باق إلى يوم القيامة». وتأتى الآية (إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (٥٤) (الأحزاب) بعد الآية السابقة لتحسم المسألة فيمن قال ذلك ، سواء قاله علنا ، أو أسرّه فى نفسه فلم يعرف به أحد سواه ، أو أنه لم يكن هناك أصلا قائل افترى ذلك ، وإنما هو التشريع القرآنى يأتى تباعا عن زوجات النبىّ ، كأحكام وآداب تنتظم بها حياة الناس وعلاقاتهم بنبيّهم وزوجاته ، فشدّد الله على من يمكن أن يقول ذلك ، وأما من يخفيه فى نفسه ويضمره لوقته ، فالآية الأخيرة تنبّه إلى أن الله يعلم ما فى الضمائر ، وما تنطوى عليه السرائر ، وهو العليم بكل شىء : (يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ) (١٩) (غافر).

* * *

٢٦٠. آية تحريم الزواج على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ،

لو أن أزواجه توفين ، أما كان له أن يتزوج؟

آية التحريم هى : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ

٢٢٥

حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً) (٥٢) (الأحزاب) ، نزلت مكافأة لزوجات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد آية التخيير التى تقول : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً) (٢٩) (الأحزاب) ، فكن جميعا ، محسنات واخترن الله ورسوله والدار الآخرة لمّا خيّرهن ، فكان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن ، وحرّم عليه أن يتزوج بغيرهن ، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن. وليس صحيحا ما ذهب إليه البعض أن حديث عائشة عند أحمد والترمذى والنسائى : ما مات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى أحلّ له النساء» ، أو حديث أم سلمة عند ابن أبى حاتم : لم يمت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى أحلّ له أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم ، وذلك قول الله تعالى : (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَ) (الأحزاب) ، فقد جعلت أم سلمة هذه الآية ، أى آية الإرجاء ،

ناسخة للتى بعدها ، أى آية التحريم ، وم ٢٢٢٦ ، ل ذلك غلط ، ويغلط أكثر من يعترض بالآية : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢٤٠) (البقرة) ، بدعوى أنها ناسخة للآية قبلها التى تقول : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (٢٤٣) (البقرة) ، فليس صحيحا أن العدّة فى الآية الأولى سنّة ، وتنسخها العدة فى الآية الثانية أربعة أشهر وعشر ، لأن الكلام فى الأولى ليس على العدة وإنما على السكنى ، ويوصى الزوج فيها أن تستمر أرملته فى بيته بعد وفاته حولا كاملا ، وفى الآية الثانية العدة أربعة أشهر وعشر ، فإذا انقضت أو وضعت حملها ، فلها أن تختار الخروج والانتقال من بيت الزوجية إلى بيت أهلها ولا تمنع من ذلك ، فموضوع الآيتين مختلف إذن ، ولا يستشهد بآية سابقة على بطلان آية لاحقة ، وآية الإرجاء قبل آية التحريم فكيف تنسخها؟ والقرآن كالجملة الواحدة ، فهكذا نزل إلى السماء الدنيا فى شهر رمضان ، فمحال أن تنسخ آية الإرجاء الآية التى بعدها وهى التحريم.

والتحريم المقصود فى الآية شامل ، فليس صحيحا أنه على اليهوديات والنصرانيات دون المسلمات ، لأنه تأويل ليس فى الآية من يجيزه على الإطلاق. ومعنى (وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَ) يعنى لا تطلّق زوجة لتستبدل بها زوجة أخرى ، وليس صحيحا تفسير البعض أن التبديل هو أن ينزل عن زوجته لآخر ، لينزل له الآخر عن زوجته ، فهذا لم يعرف عن العرب ، وما كان البدل فى الجاهلية بهذا المعنى ، وافترى من شنّع على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أن

٢٢٦

عيينة بن حصن الفزارى دخل عليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعنده عائشة ، فسأله عنها ، وقال له : «هذه عائشة أم المؤمنين»؟ قال عيينة : أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟! قالوا : يعنى يتبادلون الزوجات ، فقال له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا عيينة! إن الله حرم ذلك» ، فما كان عرض عيينة تبديلا ، وما كان ذلك ما يريده على الحقيقة ، وإنما أراد أن يحقّر من عائشة ، لأنها لم تكن إلا صبية! ـ فالتفسير إذن بالبدل غالط ، والقول هو ما ذكرنا : أنه قد حرّم عليه أن يطلق إحداهن ليحلّ أخرى محلها ، فمنذ اخترنه لا يحلّ له أن يطلّق أيا منهن ، وهو ما حدث على الحقيقة ، فهو لم يتزوج ولم يطلّق. وقوله تعالى (وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ) يعنى مهما كان حسنهن ، فليس الحسن مبررا لأن يطلق واحدة ويتزوج الجميلة ، فمن أصول الشريعة كراهة مطالعة النساء حتى ولو كان للزواج ، والمطالعة هى إدامة النظر.

ونعود إلى السؤال : فلو أن أزواجه صلى‌الله‌عليه‌وسلم توفين ، أفما كان له أن يتزوج؟ والجواب : لا ، لأنه فى جميع الأحوال تحكمه الآية : (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ).

* * *

٢٦١. إذا كان نساؤه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد فرض عليهن الحجاب

فكيف يكلمهن آباؤهن أو إخوانهن؟ هل يكون ذلك من وراء حجاب أيضا؟

لمّا نزلت آية الحجاب فى حقّ زوجاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم تقول : (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) (٥٣) (الأحزاب) ، سأل الآباء والأبناء والأقارب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ونحن أيضا نكلمهن ـ أى زوجاته ـ من وراء حجاب؟ فنزلت الآية : (لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً) (٥٥) (الأحزاب) ، فبيّنت أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم ، كقوله تعالى فى سورة النور : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٣١) (النور) ، والآيتان الأولى والثانية تتكاملان ، والثانية فيها زيادة عن الأولى ، وبلغ عدد المحارم فى الآيتين ثلاثة عشر ، وهؤلاء يجوز للمرأة أن تظهر عليهم بزينتها من غير تبرّج ، فى الآية الأولى منهم سبعة ، وفى الثانية ستة علاوة على ما فى الأولى ، ومن ثم كانت الآية الأولى بعض الآية الثانية ، ولا تعارض

٢٢٧

البتة بين الآيتين. ومعنى : (وَلا نِسائِهِنَ) فى الآية الأولى : عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات. و (ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَ) هنّ الخادمات الإناث ؛ و (وَاتَّقِينَ اللهَ) أى فى الخلوة والعلانية ، لأنه الشهيد لا تخفى عليه خافية. وفى الآية الثانية : (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ) كالأجراء والشغّالين ، فهؤلاء لا همّة لهم إلى نساء أسيادهم ولا يشتهونهنّ ؛ (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ) ، لصغرهم فلا يفهمون عن أحوال النساء شيئا ؛ فهؤلاء الثلاثة عشر هم محارم زوجات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثلما عند سائر المؤمنات.

* * *

٢٦٢. الحجاب خاصّ بزوجات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ،

والجلابيب بزوجاته وبناته وسائر المؤمنات

تخصّ آية الحجاب نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتقول للمؤمنين : (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ) (٥٣) (الأحزاب) ، ورووا فى أسبابها عدة آراء ، فالأمر فيما دعا إليها ليس مؤكدا ولكنه على الاستحسان ، فقال أنس بن مالك وجماعة : أن سببها قعود بعض الثقلاء فى بيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما تزوج زينب بنت جحش ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد دعا الناس ، فلما طعموا جلس بعضهم يتسامرون ، بينما ولّت زينب وجهها إلى الحائط ، فثقلوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ولمّا خرجوا أخيرا أخبر أنس النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بخروجهم ، وكان أنس فى خدمته ، فانطلق النبىّ حتى دخل البيت ، وذهب أنس يدخل معه ، فحجزه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وألقى الستر بينهما ، ونزل الحجاب. وعند الثعلبى من أقوال عائشة : أن سبب آية الحجاب أن عمر بن الخطاب ، قال لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر ، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن؟ فنزلت الآية. وفى الصحيح عن ابن عمر : أن عمر وافق ربّه فى ثلاث (يعنى أنه طلب ذلك ولبّت السماء طلبه) : فى مقام إبراهيم ، وفى الحجاب ، وفى أسارى بدر. ويروى ابن مسعود رواية مختلفة ، فيقول : إن عمر أمر نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحجاب ، فقالت زينب له : يا ابن الخطاب! إنك تغار علينا والوحى ينزل فى بيوتنا! ـ يقول : فأنزل الله آية الحجاب!

ومن الروايات أيضا : أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يطعم ومعه بعض أصحابه ومعهم عائشة يأكلون ، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة ، فكره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك ، فنزلت آية الحجاب.

وهذه الروايات كما ترى واهية ، كالقول بأن عمر هو الذى أمر نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يحتجبن ، أو القول بأنه أمرهنّ بالحجاب وجادلته زينب فى ذلك ، (وهذا يعنى أن الحجاب نزل بعد عرس زينب) ، أو القول بأن عائشة وهى تأكل لامست يد رجل ، وقيل هو عمر نفسه. وأمثال هذه الروايات ضعيفة.

٢٢٨

والمؤكد أن : الآية نزلت فى صبيحة عرس رسول الله من زينب ، وكان ذلك فى ذى القعدة من السنة الخامسة من الهجرة. ويقول أنس : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دخل حجرته فمكث يسيرا ، وأنزل الله عليه القرآن ، فخرج يتلو هذه الآية وآيات أخرى.

وتشرح الآية نفسها فى السياق العام لما قبلها ولما بعدها ، وما قبلها كان قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ) ، وقوله : (وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) ، وقوله : (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) ، فنهاهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الدخول إلا لهذا السبب ، فإذا انتهوا فليستأذنوا ، فإن بقاءهم لأكثر من ذلك كان يشق عليه ويتأذّى به ، وكان يكره أن ينهاهم من شدة حيائه ، فلهذا نزل النهى. وكما نهاهم عن الدخول على نسائه ، نهاهم عن النظر إليهنّ ، فإن استوجب الأمر الحديث معهنّ لحاجة ، فليكن هذا الحديث دون التنظّر ، وليكن ذلك من وراء حجاب. ويذكر القرآن السبب فى الحجاب : (ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَ) ، فأمرهم بحفظ الأدب فى الاستئذان ، ومراعاة الوقت ، ووجوب الاحترام ، فإذا أذن لهم فليدخلوا على وجه الأدب ، وحفظ أحكام الحضرة ، فإذا طعموا فلينتشروا فإن حسن خلقه كان يجرّهم إلى المباسطة والتنظّر إلى نسائه ، ولذلك نزلت آية الحجاب ؛ والحجاب : هو الستر ، وهو أطهر للطرفين ، فالنفس أمّارة بالسوء ، ولهذا كان التشديد منه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بألّا يخلو رجل بامرأة ليس بينهما محرمة.

وما نريد أن ننبّه إليه هو : أن الحجاب هنا لا يعنى الخمار يغطى الرأس كما هو شائع عند العامة ، وليس هو النقاب ، ولكنه «الستر» يتكلّمن من خلفه. ثم إنه خاص بزوجات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأما ما يخصّهنّ ويخصّ زوجات المؤمنين وبناتهم فهو آية الجلابيب التى تقول : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٥٩) (الأحزاب) ، والخطاب لكل هؤلاء ، فهو عام ولا يخص فئة بعينها ، والجلباب : هو الرداء فوق الخمار ، يكون بمنزلة الإزار اليوم ؛ وزيادة التكاليف بالحجاب على نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إنما لزيادة المكانة والشرف من الدعوة ، فكلما زادت المكانة كلما زادت التكاليف ، فخصّ جميع النساء بآية الجلابيب ، وخصّ نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بآية الحجاب ، ولكل منهما أسبابه المطروحة فى الآية نفسها ، وهو ما نسميه بأسباب النزول. ولا يدخل فى آية الحجاب جميع النساء بالمعنى كما قيل ، فذلك تحميل للآية فوق ما تحتمل ، وإنما جميع النساء تخصّهنّ آية الجلابيب ، ولقد توفى نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اللاتى كانت الآية تشملهنّ ، وأما نساء المؤمنين فهنّ باقيات ما بقيت الدنيا ، وسبب نزول آية

٢٢٩

الجلابيب كما جاء هو أن يعرف أنهن من المسلمات المؤمنات ، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة.

* * *

٢٦٣. لما ذا مضاعفة العذاب أو الأجر لنساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دون سائر المؤمنات؟

فى الآية : (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً) (٣١) التحذير من أن تأتى زوجاته الفاحشة المبينة ، مع أن ذلك يستحيل عليهن لمّا عصمه الله وأهل بيته ، ومع ذلك فالآية تذكر عقاب هذا الفعل الشائن لبيان أن بيت النبوة ليس كسائر بيوت المؤمنين ، فنساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لهن شرف المنزلة ، وفضل الدرجة ، وهو شىء عادى ترفع إليه نساء أصحاب المراتب العليا ، والمقامات السنية فى كافة الديانات والحضارات ، وفى كل الأزمنة والأمصار ، وبيت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كسواه من بيوت الرسل والأنبياء. والآية تنبّه إلى تقدّم نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على سائر النساء ، وفى الإسلام فإنه كلما تضاعفت الحرمات فهتكت ، تضاعفت العقوبات ، ولذلك ضوعف حدّ الحر على العبد ، والثّيب على البكر. ولمّا كان أزواج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى مهبط الوحى ، وفى منزل أوامر الله ونواهيه ، شدّد فى الأمر عليهن ، ولزمنهن ذلك أكثر مما يلزم غيرهن ، فضوعف لهن الأجر ، وكذلك ضوعف العذاب ، فإذا أحسنّ عظم إحسانهن واستحققن ضعف الأجر ، وإذا أسأن عظم الضرر ، لأنهن يصرن سبّة فى جبين الإسلام ، وفى شرف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكانت العقوبة على قدر عظم الجريمة ، وهو مبدأ قانونى فى كل التشريعات الوضعية والسماوية على السواء. ولو قدّر الزنا من واحدة من نسائه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وقد أعاذهن الله من ذلك ـ لكانت تحدّ حدّين لعظيم قدرها ، كما يزاد حدّ الحرّة على الأمة. ومع ذلك فنساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يأتين بفاحشة توجب الحدّ ، وما بغت امرأة نبىّ قط ، وإنما كما قال ابن عباس : خانت فى الإيمان والطاعة. والفاحشة المبينة : هى كل المعاصى. ومعنى الضعفين هو المثلين ، سواء فى العذاب أو الأجر ، فعذاب أو أجر فى الدنيا ، وعذاب أو أجر فى الآخرة ، وهذا غاية العدل ، ومنتهى السموق فى التشريع ، فهل هناك تشريع وضعى أو سماوى فى الديانات أو القوانين كهذا التشريع العادل غاية العدل؟ وإن لم يكن ذلك قمة الحضارة فهل يجوز أن يقال بعد ذلك ، سواء من المستشرقين أو من الساسة من أهل الكتاب : أن الإسلام دين همجى أو بربرى ، وأن شرائعه متخلّفة؟!

* * *

٢٣٠

٢٦٤. النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هل كان إذا جاءه الوحى يتشنّج؟

أو هل كان مريضا بالهيستريا أو بالصرع؟

المشكلة فى هجوم المستشرقين على الإسلام ، أنهم يستشهدون بكتب السنّة ، وهذه تحفل بأخبار ومعلومات شائنة ليس منها شىء فى القرآن ، ومن ذلك ما كتبوه فى مسالة الوحى ، فابن إسحاق مثلا المتوفى سنة ٧٦٩ م يتناولها باستخفاف كأنها خرافة ، لا لشىء إلا لأنها من قصص الإسلام ، ولو كانت قصة من قصص النصارى ، كإحياء المسيح للموتى ، وإشفائه للعميان ، وقيامه من القبر بعد الموت ، لصدقها وتناولها باحترام ؛ ولو كانت من قصص اليهود ، كأن تتحول العصى إلى حيّة ، أو ينفلق البحر ، أو ينصدع الجبل ، لصدقها وكتبها بلا استهزاء. وابن إسحاق يحكى أن النبىّ ذهب إلى غار حراء فى شهر رمضان فى السنة التى بعث فيها ، ونسب إليه قوله : «ذات ليلة كنت نائما وأتانى جبريل بلوح عليه كتابة ، وقال (اقْرَأْ) ، فقلت : «ما أنا بقارئ» ، فضمّنى حتى خشيت أن أهلك ، ثم أرسلنى وقال : (اقْرَأْ) ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما أنا بقارئ» مرتين ، فخفف الملك من شدّته معه ، فسأله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وما ذا أقرأ»؟ فأجابه الملك : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) يقول الرسول : «فاستيقظت وكأن شيئا ما قد نقش فى قلبى ، فخرجت ، ولمّا أصبحت فى قلب الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : «يا محمد! أنت رسول الله ، وأنا جبريل» ، فرفعت بصرى نحو السماء لأراه ، فإذا جبريل على شكل رجل يجلس عند الأفق ورجلاه القرفصاء ، ويقول «أنت رسول الله وأنا جبريل». يقول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فوقفت ورأيته ، ولكن حيث تقدمت أو تأخرت أو قلّبت وجهى فى أى مكان فى السماء كنت أراه». والقصة كما يرويها ابن إسحاق لم يقدّمها كما ينبغى ، ومع ذلك فهى لا تتعارض مع القرآن ، وتتوافق تأكيدا مع سورة العلق ، تقول : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) ، ثم مع سورة النجم ، فى قوله تعالى : (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) (١٨). والذى رآه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى السورتين هو جبريل ، وهو الذى كان يوحى إليه ، ولكن هل كانت رؤيته للملك حقيقية أم كانت هلاوس بصرية وسمعية؟ وفى وصف الصحابة وعائشة لما كان ينتابه

٢٣١

إذا جاءه الوحى ، قال زيد بن ثابت : أنه سقط مرة على صدره ـ أى صدر زيد ـ بشكل عنيف ، وقال : كانت تصيبه حمى عنيفة حين ينزل عليه الوحى ويتصبب عرقا ، حبّاته مثل حبات اللؤلؤ». وقال عكرمة : كانت تصيبه نوبة لبرهة كما لو كان ثملا» وقال عبادة بن الصامت : كان يطأطئ رأسه حتى إذا ذهب الوحى رفع رأسه من جديد». وقال ابن عباس : كانت شفتاه تضطربان ، وكذلك لسانه ، وتضطرب حركاته» وقال : كان يكون فى حالة ترقب ويحرّك شفتيه ويتمتم حتى لا ينسى ، ولهذا أنزل الله عليه : (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) (١٦) (القيامة). وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم للحارث بن هشام عن كيفية استقباله للوحى : «إن الوحى يأتى أحيانا مثل صلصلة الجرس ، وكان يشق علىّ ، ثم تنتهى الصلصلة ، وأعيد ما قاله لى جبريل. وأحيانا أخرى يأتينى الملك ويكلمنى وأفهم ما يقول». وقالت عائشة : كان جبينه يتصبّب عرقا». وجميع ذلك أوصاف لما يسمى «حالة الوحى» ، وهى حالة فريدة يقدمها الإسلام للدرات النفسية ، وليست أعراضا من أعراض الفصام ، ولا هى أعراض ذهانية ، ولا تدرج ضمن الحالات المرضية النفسية. ومن أبرز المستشرقين تعريضا بالنبىّ : شبرنجر ، وقد شخص حالته بأنها «هستيريا عصبية» : ومن أعراضها النوبات التى تظهر على المريض فى شكل ترنّح ، وتشنّج ، وتضطرب شفتاه ولسانه كأنه يريد أن يلعق شيئا ، وتدور عيناه ، ويتحرك رأسه عشوائيا ، وقد يصلح أن يسيطر على الرعشة فى النوبات الخفيفة ، وقد يعانى فى النوبات الحادة آلاما فى الرأس ، وقد يتخشّب جسمه ويسقط على الأرض كالثمل ، ويحمر وجهه ، ويثقل تنفّسه ، ويغط مثل البعير. إلا أنه فى حالة محمد ما كان يفقد الوعى». ولقد شخّص البعض هذه الحالة بأنها صرع ، ومن قالوا إنها هيستريا ذكروا أنها كانت تأخذ شكل الحمّى ، وهو المرض السائد فى المدينة فى زمنه ، وقد يشحب وجهه ، وتشمله قشعريرة ، ويعرق مع نهاية الأزمة. ويقول شبرنجر : إن المصابين بالهيستريا ، وخاصة من النساء ، يستشعرون عقب النوبة بالشبق الجنسى ، وكان ذلك ما يستشعره النبىّ بعدها!! ولا أدرى ما مصدره العلمى إن كان له مصدر علمى ، فلم يعرف فى مرضى الهيستريا مثل ذلك ، بل على العكس فإنهم يصابون بالعجز الجنسى؟ ثم من أين تأتّى له العلم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كان يأتيه بعد النوبة شبق جنسى؟! مع أن الآيات فى سورتى المدثر والمزمل تثبت أنه بعدها يحتاج للنوم ، ويصيبه الخوف ، وليس هذا الشبق الجنسى الذى يقول به شبرنجر! والغريب أكثر من ذلك أنه ذهب إلى أن النبىّ كان يستمنى بيده بعد هذه النوبات!! وكان يداوم على العادة السرية ، يريد أن يقول أن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان مصابا بالغلمة. وقد رفض مستشرقون مثل تور أندريا تشخيص الحالة بالصرع ، وانتقد هذا المنهج العلمى فى الكشف عن حالة محمد ، واستنكر أن يتّهم

٢٣٢

بالصرع ، وخطّأ هذا التشخيص ، لأنه فى الصرع لا يكون المريض فى وعيه أثناء النوبات كما كان الحال مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ومن الجلىّ أن تشخيص شبرنجر للحالة كان هو نفسه تشخيص اليهود لها زمن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى ذلك قال القرآن : (ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى) (١٧) (النجم) ، وقال : (وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) (٢٥) (التكوير) فنفى أن يكون ما رآه محمد هو من زيغ البصر الذى يشاهد عليه مرضى الصرع ، أو أن يكون ذلك لأنه مجنون ، أو لأنه مسحور ، توحى إليه الشياطين ، ونتساءل : فهل من المعقول أن مريضا يعانى الصرع أو الجنون أو السحر يتكلم بمثل ما يتكلم به فى القرآن عن نفسه هكذا؟ وهل يمكنه أن يصف ما يحدث له أثناء النوبة بهذا الوضوح؟

فليس هكذا يكون المصروع ولا مريض الهيستريا ، وقد دفع ذلك مستشرقا مثل بول فرانتس أن يرفض هذه الأحكام ، وأن يصفها بأنها سطحية ومتعجّلة ، ويؤكد أنه لا المصروع ولا الهيستيرى يمكن أن يدمن العادة السرية ، ولا أن يتلو قرآنا بعد النوبة ، أو يتكلم بالأحاديث النبوية ، ولم يعرف عن محمد إلا الخلق القويم ، والشخصية المثالية! ولا مندوحة إذن أن نقر بأن هذه النوبات كانت نوبات وحى فعلا وليست نوبات مرض ، وأن نحذر روايات المؤرخين من المسلمين ، فلربما تكون لهم أغراض من رواياتهم المشينة كأغراض سلمان رشدى ، وربما كانوا من المنافقين ولم يكن إسلامهم حقيقيا ، ويبدو أن اتهام محمد بالصرع أو الهستيريا أو المرض النفسى عموما قد انتهى أمره بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يكن من المناسب أصلا أن يغالى الصحابة فى وصف أحوال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند نزول الوحى ، وقد ربطوا نزول جبريل ـ وهو حدث غير عادى ـ بظواهر غير عادية تأتيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، مع أن الأمر كان عاديا وطبيعيا ، فهل من غير الطبيعى أن ينضح العرق من جبينه فى اليوم البارد عند ما تنتابه هذه الحالة الانفعالية المصاحبة لظهور الوحى؟ وإنه لأمر طبيعى وعادى جدا أن يصحب انشغال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالوحى أن تضطرب للحدث جوانبه ، وأن يأتيه مثل صلصلة الجرس فى أذنيه ، وهى ظاهرة معروفة عند الأسوياء ، وتأتى الكثيرين منهم فى حالات الاهتمام الشديد. ومن الاصطلاحات المعروفة عند المشتغلين بالطب النفسى ما يعرف باسم تاريخ الحالة ، ولم يصلنا من أى من المورخين ، أن محمدا قبل البعثة كانت تأتيه نوبات هستيريا أو نوبات صرع ، وعلميا فإن هذه النوبات إذا كان لها أن تظهر فموعدها منذ الطفولة ، وتظهر جلية فى الشباب ، وليس موعدها السنوات بعد الأربعين حينما واتته البعثة!! ولا يصلح الهستيرى ولا المصروع البتة لقيادة جماعة ، ولا لإصدار الأحكام ، ولعل أهم سمة للهستيرى أنه استهوائى من السهل التأثير عليه ، وهو كثير الترديد للكلمات التى

٢٣٣

ينتهى بها حديث الآخرين له ، ويحاكى المتعاملين معه ، وينكص أن تكون له مبادأة ، أو أن يبدى امتعاضا أو عدم رضا ، أو أن يدخل فى نزاع أو جدال مع أىّ من كان ، وكذلك المصاب بالصرع. والشخصيتان ـ الهيستيرية والصرعية ـ تبديان الكثير من الجبن ، وعواطفهما متقلبة ، ومزاجهما سريع التغيّر ، ويتميزان بالأنانية المفرطة ، ويتصرفان طلبا للحماية ممن حولهما. وكل ذلك بعيد عن شخصية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم يكن من السهل استغضابه ، ولم يعرف عنه أنه يتابع أحدا ، وهو ـ كنبىّ ـ صاحب رسالة وديانة ، واشتهر برحابة صدره ، وقوة فهمه ، وسعة أفقه ، ومحبة من يعاشره ، ودماثة خلقه ، حتى وصفه عالم الاجتماع الأشهر «ماكس فيبر» بأنه شخصية كاريزمية نموذجية ، أى شخصية محبوبة ومطلوبة من الآخرين ، فقد كان حدبه وعطفه على الناس شديدين ، ونبّه إلى ذلك القرآن فجاء به : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (١٠٧) (الأنبياء) ، وقال : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) (٢٩) (الفتح) ، كما قال : (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ) (٥٤) (المائدة) ، وهذه صفة الإنسان الكامل لا الإنسان المريض : أن يكون شديدا على الكفار ، رحيما بالأخيار ، عبوسا فى وجه الكافر ، بشوشا فى وجه المؤمن ، كما قال القرآن : (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (١٢٣) (التوبة) ، وكما قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفسه : «مثل المؤمنين فى توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» ، وفى الصحيح : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه. فهل هذا سلوك أو كلام مريض بالهستيريا أو بالصرع؟! ولقد عهدنا فى هذين النوعين من الأمراض أن المصاب بأيهما يصاب كذلك بالعجز الجنسى ، ولم يحدث أن كان هناك مريض يشكو أيا من المرضين ويستشعر الغلمة ، أو يأتى النساء على طريقة الغليم ـ وهو المفرط فى الجنس أيّما إفراط ، فأيهما نصدّق : أنه غليم كما يقول شبرنجر ، أم أنه هستيرى أو مصروع وإذن مصاب بالعنّة أو العجز الجنسى كما يقضى بذلك العلم؟ وكانت الحياة الجنسية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عادية وطبيعية ، فلا هو المقلّ المقصّر ، ولا هو المفرط المكثر ، وإنما هو بين بين ، ولم تشك منه أىّ من زوجاته فى هذه المسألة بالذات ، ولم يصدق أبو سفيان عند ما وصفه بأنه فحل ، عند ما نما إليه الخبر أنه تزوج ابنته أم حبيبة التى كانت مهاجرة إلى الحبشة ، فكيف يكون فحلا وهو لم ير أم حبيبة ولا عاشرها وكانت فى الحبشة وهو فى المدينة؟!! وكذلك لم يصدق أنس بن مالك عند ما قال عنه إن له فى الجنس قوة ثلاثين رجلا!! والأول كان عدوه ، والثانى كان شابا لم يخبر الدنيا وظن أنه ينصف نبيّه لو ذكر عنه ذلك ، إعمالا لما نعرفه فى الطب النفسى باسم عبادة البطل ، وأما عائشة فكانت تقول إنه لم يكن يستكثر منها ، وقالت أم سلمة نفس الشيء ، فأين هو الإفراط أو التفريط؟!!

٢٣٤

وأيضا فإن الهستيرى دائم الكذب والتهويل ويضخّم الأمور ، ويميل إلى الدخول فى تفاصيل لا لزوم لها ، ويزعم أنها من الذاكرة ، ولا تسعفه ذاكرته ، لأن الوعى فيها منصرف عن الواقع ومشغول بأمور أخرى ، ولأن مخزون الذاكرة ليس فيه إلا التهيؤات والتهاويل والانطباعات الخاطئة والوقائع المشوّهة والمحرّفة ، ولذلك يلجأ الهستيرى إلى التأليف وتلفيق الذكريات ، فهل تصلح مثل هذه الشخصية لرواية القرآن ووعظ الناس وتذكيرهم بالحساب والآخرة؟!! وكذلك المصروع ، فإن نوبات الصرع إذا أتته تمحو ذاكرته ، وكلما زادت النوبة كلما كان تأثيرها الذهنى عليه شديدا حتى يبدو كأنه معتوه أو أبله ، ويفقد التركيز ، ويتشتت انتباهه ، ويصاب بسوء التوجّه ، وقد يؤذى نفسه أثناء النوبة ، وقد يبول على نفسه ، ولم يحدث أن ذكر أحد من أصحابه صلى‌الله‌عليه‌وسلم شيئا من ذلك عنه ، لا قبل نزول الوحى ولا بعده!

وأيضا فقد انتهى علماء التحليل النفسى من بحوثهم على شخصيات مثل دستويفسكى ، ونيتشه ، وبودلير ، وفان جوخ ، أن هناك نوعا من الجنون المبدع ، يبدى المرضى به عبقريات خاصة فى مجال من المجالات ، وهذا الكلام قد رفضه الطب النفسى التكاملى ، فليس صحيحا أن دستويفسكى كان يشكو الصرع ، أو به جنون ما ، وهؤلاء الذين اختارهم علماء الطب النفسى ليدللوا بهم على نظريتهم كانوا يشكون توترات عصبية هائلة ، وكان لظروف حياتهم وطأة شديدة على مسارهم الفكرى ، فليست عبقرياتهم لأنهم مجانين ، وجنونهم إذا كان بهم جنون هو حالة قد ألّمت بهم ، وكان يمكن أن تلم بأى إنسان آخر سوىّ ، والجنون لا يقدح العبقرية ولكنه يمنع ظهورها ويحدّ منها. وأما دراسات الطب النفسى التكاملى ، فقد أثبتت أن العباقرة كانت شخصياتهم نموذجية ومتكاملة ، واستمرارهم فى الإنتاج والإبداع هو النتيجة الطبيعية لتواصل توافقهم النفسى ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يندرج ضمن الشواذ وإنما ضمن الكاملين ، وكانت الدراسات عليه ، من الإسلاميين ومن غير الإسلاميين ، كشخصية متكاملة ، وأدت هذه الدراسات إلى صياغة مصطلح جديدة من مصطلح الفلسفة هو مصطلح «الإنسان الكامل» كصفة للنّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ودليل عليه. وتنفرد الدراسات الإسلامية بالبحث فى صفات «الإنسان الكامل» ، وبدأت هذه الدراسات قبل دراسات علم النفس التكاملى ، ومصطلح الإنسان الكامل من مصطلحات الفلسفة أو الثقافة الإسلامية النبوية ، وأوحت به حياة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصفاته.

* * *

٢٦٥. هل كانت حالته فيما ادّعى أنه يوحى إليه

كحالة چان دارك التى ادّعت أن السماء تكلّمها

هؤلاء المستشرقون المنكرون أرغو وأزبدوا فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واتهموه بالمرض النفسى ،

٢٣٥

فلو لا أنه مريض نفسيا ـ هكذا قالوا ـ لما ادّعى أنّ القرآن يأتيه من الغيب ، ولما أورد هذه الصور والمشاهد التى حفل بها القرآن عن الجنة والنار ، ويوم القيامة ، وجميعها من الغيب. ولم يثبت الغيب علميا ، وما كانت هناك تجارب علمية فيه تنفيه أو تثبته ، وبذلك لا يحق لأحد أن يؤمن بالقرآن المدّعى أنه من الغيب. وقالوا : إن حال محمد كحال الفتاة الفرنسية چان دارك التى عاشت فى القرن الخامس عشر ، وكانت منذ صغرها تدّعى أنها تسمع أصواتا تكلمها ، ولأن توجهاتها كانت دينية فلقد ادّعت أن هذه الأصوات إلهية تأتيها من الغيب ، ولمّا كانت بلادها واقعة تحت الاحتلال الإنجليزى ، وكرهت أن يعانى قومها ذلك ، فقد ادّعت أن السماء أوفدتها مبعوثة إلهية لإنقاذ بلادها وأهلها ، وأن تحضّ الناس على القتال ، وأن تخرج بهم لمحاربة الإنجليز وطردهم ، ولقد فعلت ذلك وصدّقها الناس ، وجرّدت الحملات وقادت الجيوش تنشد التحرير والخلاص ، إلا أنها لم تكن تتقن العسكرية ، فانكسر رجالها بعد لأى ، ودارت الدوائر عليها ، ووقعت أسيرة فى أيدى أعدائها ، وحاكموها بدعوى التجديف الدينى ، والزعم بمزاعم يلحقها بها الموت ، وقضوا أن تحرق حيّة ، فصلبوها وأضرموا فى جسمها النيران ، وماتت ميتة الأبطال ، حتى أنهم نادوا بها قدّيسة. وقدّم الدارسون من بعد مباحث فى حياتها ، أثبتوا فيها أنها كانت واسعة الخيال ، وأنها كانت تعيش أحلام يقظة دائمة ، تفصلها عن الواقع ، وتباعد بينها وبين الحقيقة ، وتأتيها منها تهيؤات بأنها ترى وتسمع ما لا يراه ولا يسمعه الآخرون ، وأن الأصوات تأمرها أن تكون المخلّصة كالمسيح ، فكان المسيح للخلاص الروحى ، وهى لخلاص بلادها من الاحتلال ، والاحتلال شرّ محض ، يصيب قومها منه الأمراض ، ويلحقهم به الفقر ، وما يستحدثه فى النفوس أنكى وأشدّ مما يستحدثه فى الجسوم. وكانت چان دارك لا تنام ، ولا يرقأ لها جفن ، وابتليت بالأرق والضّور (الجوع الشديد) ، وكانت تتهيج وتثور لأتفه الأسباب. فهل كان بمحمد مثل ذلك حتى تعقد مشابهته بچان دارك؟ وهل تصلح نتائج دراسة على چان دارك كتحليل لشخصية محمد؟! وما كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم شتّاما ، ولا لعّانا ، وكان مثالا للوقار والصلاح ، وإذا غضب الناس كان هادئا ، وإن أخطئوا عفا وغفر ، وكان واقعيا لا يتوهم أشياء ، ولا يتصوّر غير الواقع ، ويطلب الحق ، وينشد العدل ، ويريد الإصلاح بين الناس ، ويحتكم إلى العقل ، وما كان يزكّى نفسه على أحد ، ولم يكن بدعا من الرسل ، وكان يؤكد أنه بشر من بشر ، وابن امرأة تأكل القديد ، وما كان شاعرا كالشعراء يتبعه غاوون ، ولا يتلو إلا القرآن ، كله آيات محكمات ذكرى لأولى الألباب ، فأين ذلك من چان دارك؟ وما كان حديثها إلا عن توهّمات ، وانعكاسا لاضطراب عقلى ، وكانت تشكو

٢٣٦

حالات من تقلّب المزاج ، فمرة تثور ، ومرة تهدأ ، وما كانت تتصرف كامرأة ، وما كانت لها أشواق النساء ، وشتّان بين هذه الحال وبين ما كان عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهو يصوم ويأكل ، ويقوم الليل وينام ، وينكح النساء ، ويحيا حياة طبيعية مثالية ، فإن أكل لا يشبع ، وإن صام لم يسرد ، وإن ضاجع النساء فهو الوقور المحتشم ، فهل من كان هذا حاله يكون مريضا نفسيا؟ وهل يمكن أن يزعم أنه يتصل بالغيب ، ويعرف أخبار السماء ، ويوحى إليه؟

وهل يمكن أن تعد رواياته عن القيامة والحساب ، وأخبار بداية الخلق ، ونهاية الدنيا ، وأوصاف الله تعالى إلخ ، من قبيل الاضطرابات النفسية ، والتشوّش العقلى ، والهذاءات كالتى يشكو منها المرضى النفسيون؟!

* * *

٢٦٦. الجن : هل يقول الإسلام بوجودهم؟ وهل رآهم الرسول؟

نفهم من الآية : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً) (١) (الجن) أن الجن من عالم الغيب ، وكذلك نفهم أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم ير الجن ، ولم يبصر بجنىّ لقوله (اسْتَمَعَ) ، وقوله فى الآية الأخرى : (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) (٢٩) (الأحقاف) ، والمعنى : أنه لا قرأ عليهم ، ولا رآهم ، وأما قوله : (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) (١٩) فالمعنى أنهم حضروه دون أن يدرى بهم ، وتكأكئوا حوله يستمعون إليه ، ولا شىء أكثر من ذلك ، وفى الأول والآخر فإن الجن من الغيب ، والدلائل الفيزيائية تنبئ عن أن هذا الكون المدرك جزء بسيط جدا من الكون العام ، ومن المحتمل جدا أن توجد كائنات أخرى بأسماء معرّبة كالتى وردت فى القرآن ، أو غير معرّبة ، وهو احتمال فوق الظن ، ويرقى إلى اليقين ، وحينئذ يكون من المنطقى أن نؤمن بظاهرة كظاهرة الجن التى أخبرنا عنها القرآن ، ولا نكون مغالين ، أو أسطوريين ، أو نابذين للمنهج العلمى.

* * *

٢٦٧. هل انشق القمر بأمره صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟

المفسرون مختلفون حول الآية : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (١) (القمر) ، وقال عامتهم أنه قد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة ، باستدعاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حين طلب إليه حمزة بن عبد المطلب أن يريه آية يزداد بها يقينا فى إيمانه ، وكان أبو جهل قد انتقص منه ومن إيمانه ، وأظهر أنه لا يصدّق بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وليس هناك من سبب ليصدقه ، فأراد أن يستوثق من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه مبعوث من ربّه ، قيل فأراهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : انشقاق

٢٣٧

القمر إلى فلقتين! غير أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ، ومسخّران لأجل مسمّى ، كقوله : (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) (٢) (الرعد) ، يعنى سيظلان دائبين حتى يوم القيامة على ما هما عليه ، فأن يفلق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم القمر لبعض الوقت ، فذلك مستبعد ، لأن الكون كله يضطرب به. ومع ذلك فمثل الذى تقوّله المفسرون ، يأتى فى سفر يشوع من أسفار اليهود : أن يشوع بن نون كلّم الشمس والقمر فى حربه مع الأموريين ، وأمرهما فقال : يا شمس قفى على جبعون ، ويا قمر أثبت على وادى أيالون ، فوقفت الشمس وثبت القمر ، إلى أن انتقم الشعب من أعدائهم. فوقفت الشمس فى كبد السماء ولم تمل للمغيب مدة يوم كامل» (الفصل العاشر ١٢ / ١٣) ، فإذا كان ذلك مستبعد فى حالة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم هو غير مستبعد مع يشوع؟! أخيار وفقوس؟!!

وقى بعض الأقوال أن معنى الآية : أنه عند ما تقترب الساعة يكون من علاماتها أن ينشق القمر ، مثلما من علاماتها أن تتكوّر الشمس وتجمع إليها القمر ، وأن تتكدر النجوم وتنطمس ، وتنتثر الكواكب ، وتنشق السماء ، وبانشقاقها ينشق القمر. والذين قالوا بأن انشقاق القمر وقع وشاهده الناس وقتها فى غير مكة ، حتى أن بعضهم آمن ، وبعضهم كذّب ، يحتجّون بالآيات بعد آية الانشقاق : (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) (٣) (القمر) ، يعنى أن القمر ظل منشقا وفلقتاه ظلّتا متباعدتين عدة ساعات ، ثم التحمتا ، فقال الكفّار : لقد سحرنا محمد ، وأنه لا يتوقف عن السحر! وقال المؤمنون من أهل العلم : إن السحر لا يمكن أن يطول كل الناس ، فكيف اتفق كل الناس على أن ذلك ما حدث ، فقال الله تعالى : (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ) (٥) (القمر). ويستشهد أهل العلم الحديث بصدق آية الانشقاق كمعجزة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بما أكده رواد الفضاء من أن القمر قد انشق فى يوم من الأيام ثم التحم ، ففي التركيب الداخلى للقمر حزام من الصخور المتحوّلة ، يقطع القمر من سطحه إلى جوفه إلى سطحه ، ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا إذا كان قد انشق فعلا فى يوم من الأيام ثم التحم ، وبذلك يثبت العلم صدق ما أخبر به القرآن منذ نحو ألف سنة. ويقول غيرهم من أهل العلم أيضا : بأن الحضارة الهندية القديمة يؤرخ فى تاريخها القديم لحادثة انشقاق للقمر ، وما يؤرخ له كان قبل دعوى انشقاق القمر بأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكذلك ليس فى أقوال رواد الفضاء أن انشقاق القمر المقصود هو هذا الانشقاق على يد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمعقول أن هذا الانشقاق المنذر به فى القرآن هو من علامات الساعة ، ويرتبط بها ولا

٢٣٨

يحدث إلا مع النفخ فى النفير ، وهو انشقاق لا يكون فيه التحام ، ولكنه ينذر بنسف القمر وسقوطه من حالق قطعا كمركبة الفضاء مير. وأما الآيات التى كلما رآها الكفار أعرضوا عنها فقالوا سحر مستمر ، فهى المشاهد التى ما تزال بينهم وتراها عيونهم ، كمساكن هؤلاء الذين كذّبوا رسلهم ، أمثال عاد وثمود ، وهى مشاهد يمكن أن تكون زجرا للاحقين ، وفيها من الحكمة البالغة ما يغنى عن كل النذر ، ومع كل ما سبق فإن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد نفى البتة أن يكون لأحد سلطان على الشمس والقمر إلا الله تعالى ، وأنهما آيتان ستظلان حتى الساعة ، ولا يمكن لنبىّ ولا لغيره أن يكون له سلطان عليهما. ثم إن نبيّنا لا معجزة له إلا القرآن ، فهو المعجزة الباقية بعد عصره ولكل العصور.

* * *

٢٦٨. فى الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) (٥٧) (الأحزاب) ،

كيف يمكن أن يؤذى الله ورسوله؟!

قال ابن عباس فى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) (٥٧) (الأحزاب) : أن الآية نزلت فى الذين طعنوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى زواجه من صفية بنت حيى. وصفية كما نعرف ، كانت يهودية. فربما كان الأمر فى أسباب نزول الآية كما يقول ابن عباس ، إلا أن الواقعة لا ترقى إلى أن يلعن الله فى الدنيا والآخرة من يتعرّض لها بالنقد من قريب أو بعيد ، وأن يكون جزاؤه فى الآخرة العذاب المهين. وكذلك نستبعد أن المقصود بالآية المصوّرين الذين كانوا يرسمون اللوحات كما قال البعض ، فهذا وإن كان فى ذلك الوقت محرّما ، إلا أن العقاب لمن يمارسه بحسب الآية أكبر من الذنب. وأيضا فإن من يصرف معنى الآية إلى من يسبّون الدهر ، فقد أسرف وتجنّى ، وبحسب الحديث عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يقول الله عزوجل : يؤذينى ابن آدم : يسبّ الدهر ، وأنا الدهر ، أقلّب ليله ونهاره» ، وكان سبّ الدهر من عادة أهل الجاهلية ، فكانوا يقولون : يا خيبة الدهر! فعل بنا كذا وكذا ، فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر ويسبّونه ، مع أن الفاعل هو الله ، فنهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك ، وهذا حسن إلا أن الآية لا يمكن أن يكون ذلك هو المقصود بها ، فهى آية عامة ، والأذى فيها عام. وأذى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد يكون طعنا فيه شخصيا ، وقد يكون إساءة إلى نسائه وأصحابه ، أو تجريحا يتناوله فى مواقف بعينها ، وذلك هو كل ما جرى النقد فيه على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا بأس بالنقد البنّاء ، وهو غالبا نقد يتناول روايات بعينها ولا يتناول الرسول نفسه ، ومن ذلك الروايات من الإسرائيليات ومن الأحاديث الموضوعة ، فذلك مجال من العلم وليس من

٢٣٩

سوء الطوية ، وسياق السورة التى تتضمنها الآية حافل بالمواقف التى ينهى فيها المؤمن أن يسيء التصرف أو الظن أو القول بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وجاءت التوصية بذلك فى رفقة توصية أكبر ، بعدم الإساءة أو التعرّض للمؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ، فقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (٥٨) (الأحزاب) أى ينسبون إليهم ما هم برآء منه ولم يصدر عنهم لا قولا ولا فعلا. فهؤلاء هم الذين يحتملون البهتان والإثم المبين ، ومن ذلك ما يسمى البهت الكبير : وهو أن يحكى المرء أو ينقل عن المؤمن أو المؤمنة ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقّص لهم ، ومنهم الذين اشتهروا فى التاريخ الإسلامى باسم الرافضة ، الذين كانوا ينتقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برّأهم الله منه ، وكانوا يصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم ، وفى الحديث عن عائشة ، عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم» ، فذلك على الجملة حرام ، بينما أذى الرسول ـ كما قيل ـ من الكبائر ، وأما أذى الله فهو الكفر أعاذنا الله منه!

ولكن كيف يمكن أن يؤذى إنسان الله تعالى؟ والجواب بأن يكفر به ، أو ينسب له صاحبة أو ولدا أو شريكا ، أو يصفه بما لا يليق ، كقول اليهود : يد الله مغلولة ؛ وقول النصارى : المسيح ابن الله ؛ وقول المشركين : الملائكة بنات الله ؛ وقول الكفار : الأصنام زلفى إلى الله ، يعنى جعلوهم شركاء له ، وفى الحديث من ذلك قوله تعالى فى الحديث القدسى : كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمنى ولم يكن له ذلك».

ومن أمثلة الأذى للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قولهم عليه أنه ساحر ، وشاعر ، وكاهن ، ومجنون ، والإفك الذى شنّعوا به على نسائه ، وقيل وهذا هو الأذى بالقول ، وهناك الأذى بالفعل ، ففي مكة كانوا يهيلون على ظهره السلى ـ وهو ساجد ـ أى أحشاء الحيوانات ، وفى أحد كسروا رباعيته ، وشجّوا وجهه ، ثم إنهم حاولوا قتله عشر مرات!

* * *

٢٦٩. هل عاتب النبىّ ربّه لأنه كان يمالئ اليهود؟

فى الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) (١) (الأحزاب) ، أن تقوى الله ، وعدم طاعة الكافرين والمنافقين ينبغى أن يكونا من القواعد العامة اليومية فى سلوك المسلم والمسلمة ، وتقوى الله : هى أن نعمل بطاعته على نور منه ، ورجاء فى ثوابه ، وأن نترك المعصية على نور منه ، ومخافة عذابه. وعدم طاعة الكافرين والمنافقين هى البديل عن طاعة الله تعالى فى حالة الزيغ والضلال ، ومعنى أن لا

٢٤٠

يطيعهم : أن لا يسمع منهم ولا يستشيرهم ، والله هو العليم الحكيم ، أى الأحق بأن تتّبع أوامره ، لأنه العليم بعواقب الأمور ، والحكيم فيما يريد ، ولذا قال بعد ذلك : (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً) (٣) (الأحزاب). وهذا هو التفسير الصحيح لهذه الآيات ، إلا أن رواة الإسرائيليات ذهبوا بعيدا ، وربطوا نزول هذه الآيات بمناسبات ترجع القرآن إلى أسباب تتعلق باليهود خاصة ، وتهمّ اليهود أن تنتشر هذه الأسباب ليجعلوا مردّ آيات القرآن لأحداث ترتبط بهم ، فذكر أبو حيان فى البحر المحيط : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا هاجر إلى المدينة ، كان يحب إسلام اليهود : قريظة ، والنضير ، وبنى قينقاع ، وتابعه أناس منهم على النفاق ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يلين لهم جانبه ، ويكرم صغيرهم وكبيرهم! وإذا تحصّل منهم قبيح ، تجاوز عنه! وكان يسمع منهم! فنزلت هذه الآية تنهاه عن ذلك!! وكل ذلك غير صحيح ، والدليل عليه ، أن الروايات تباينت فى ذلك ، ففيما يذكر الواحدى ، والقشيرى ، والثعلبى ، والماوردى ، وغيرهم ، أن أبا سفيان بن حرب ، وعكرمة بن أبى جهل ، وأبا الأعور عمرو بن سفيان ، نزلوا المدينة بعد أحد ، على عبد الله بن أبى بن سلول رأس المنافقين ، وقد أعطاهم النبىّ الأمان على أن يكلّموه ـ أى يكلموا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالوا له وعنده عمر بن الخطاب : ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزّى ومناة ، وقل إن لها شفاعة ومنعة لمن عبدها ، وندعك وربّك!. (أنظر حكاية الغرانيق من سورة النجم) قيل : فشقّ على النبىّ ما قالوا. فقال عمر : ائذن لى يا رسول الله فى قتلهم ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنى قد أعطيتهم الأمان». فالتفت إليهم عمر مغضبا وقال : اخرجوا فى لعنة الله وغضبه. فأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يخرجوا من المدينة ، فنزلت الآية. وفى رواية أخرى يذكر الزمخشرى فى الكشاف : أن أبا سفيان بن حرب ، وعكرمة بن أبى جهل ، وأبا الأعور السلمى ، قدموا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الموادعة التى كانت بينه وبينهم ، وقام معهم عبد الله بن أبىّ ، ومعتب بن قشير ، والجد بن قيس ، فقالوا للرسول : ارفض ذكر آلهتنا ... القصة ، وأن الآية نزلت فى نقض العهد ونبذ الموادعة. وفى روايات أخرى يذكرها السيوطى فى الدرر ، وأبو حيان فى البحر : أن أهل مكة دعوه إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم ، ويزوّجه شيبة بن ربيعة بنته ، وخوّفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع ، فنزلت الآية. ومن الغريب أن بعض المفسرين يذكر : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يميل إليهم بدعوى أن يستدعيهم إلى الإسلام! ولذلك قالوا فى التفسير فى معنى قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً) (١) (الأحزاب) أنه تعالى لو علم أن ميله إليهم فيه منفعة لما نهاه عنهم. وفى رواية أخرى : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قدم عليه وفد من ثقيف ،

٢٤١

فطلبوا منه أن يمتّعهم باللات سنة ، وهى الطاغية التى كانت ثقيف تعبدها ، وقالوا : لتعلم قريش منزلتنا عندك ، فهمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بذلك!! فنزلت الآية.

وكل تلك الروايات تطعن فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهى من الإسرائيليات ، أى التفاسير التى ابتدعها اليهود والمنافقون ، وروّجوا لها حتى ردّدها أصحاب التفاسير وأدرجوها فى مؤلفاتهم ، والصحيح أن هذه الآيات من القواعد الأخلاقية التى يستنها الله تعالى للنّبيّ وللمسلمين من بعده ، والخطاب فيها للنّبى ولأفراد أمة الإسلام من بعده : ألّا يسمعوا لأعدائهم ، فالعدو لا يريد بنا سوى الهوان والخذلان ، وأن يكون سلوكنا مع أعدائنا بوحى كلام ربّنا ، نأخذ به ونتوكل على الله ، وهو يكفينا ما نخافه منهم ، ومن تعاليمه تعالى للمسلمين توعية وتحذيرا وإنذارا ، قوله : (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (١٢٠) (البقرة) وقوله : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) (٨٢) (المائدة) ، وقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٥١) (المائدة). ونشهد ان الله تعالى قد بلّغ ، وقد أعذر من أنذر.

* * *

٢٧٠. أذنب ذنبين

ذنب قديم وذنب أقدم جمعتهما الآية : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (٢) (الفتح) ، فما تقدّم كان يوم بدر ، وما تأخّر كان يوم حنين ، ففي يوم بدر جعل يدعو : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد فى الأرض أبدا» فأوحى الله إليه : من أين تعلم أنى لو أهلكت هذه العصابة لا أعبد أبدا؟ فكان هذا هو الذنب المتقدّم. ولمّا انهزم الناس قال لعمه العباس وابن عمه علىّ : «ناولانى كفا من حصباء الوادى» ، فناولاه ، فأخذه بيده ورمى به فى وجوه المشركين وقال : «شاهت الوجوه ، حم لا ينصرون» ، فانهزم القوم ولم يبق أحد إلا امتلأت عيناه رملا ، ثم نادى على أصحابه فرجعوا ، وقال لهم : «لو لم أرمهم لم يهزموا» فأنزل الله : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) (١٧) (الأنفال) ، فكان هذا هو الذنب المتأخّر.

* * *

٢٧١. قولهم : الذى له قلبان يعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد

من الإسرائيليات قول مجاهد : إن آية (ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (٤) (الأحزاب) نزلت فى رجل من قريش كان يدعى «ذا

٢٤٢

القلبين» من دهائه ، وكان يقول : إن لى فى جوفى قلبين ، أعقل بكل واحد منهما ، أفضل من عقل محمد» ، وكان الرجل من فهر. وفى رواية الواحدى والقشيرى وغيرهما سمّياه «ذا القلبين» ، وقالوا : نزلت الآية فى جميل بن معمر الفهرى ، وكان رجلا حافظا لما يسمع ، فيقال عنه : ما يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان ، وكان يقول عن نفسه معرّضا بالنّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لى قلبان أعقل بهما أفضل من عقل محمد!! فلما هزم المشركون يوم بدر ومعهم جميل هذا ، ورآه أبو سفيان فى العير وقد علّق إحدى نعليه فى يده ، والأخرى فى رجله ، قال له : ما حال الناس؟ قال : انهزموا. قال : فما بال إحدى نعليك فى يدك والأخرى فى رجلك؟ قال : ما شعرت إلا أنهما فى رجليّ! فعرفوا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسى نعله فى يده! وقيل : الرجل هو جميل بن معمر الجمحى ، وكان يدعى ذا القلبين ، فنزلت فيه الآية. وقال الزمخشرى : هو جميل بن أسد الفهرى. وقيل هو عبد الله بن خطل. ـ والقصة كما ترى مختلقة ، ولا أساس لها ، وجميل هذا أو عبد الله غير معروف واختلفوا فى اسمه ، ولكنهم ألّفوا القصة ليعرّضوا بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وفى رواية ابن عباس : أن المنافقين قالوا : إن محمدا له قلبان ـ يعنى نسبوا مسألة القلبين هذه المرة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيكون فى شىء فينزع إلى غيره ، ثم يعود إلى شأنه الأول! ـ يعنى كان مترددا لا يستقر على رأى ولا حال ، ولم يكن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من ذلك فى شىء ، فلو كان به هذا التردد لما تجمّع الناس حوله ، ولما نجحت الدعوة ، وللحقت به الهزيمة ، وإنما كان صاحب عزم ، ولذا قال له ربّه : (فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (١٥٩) (آل عمران) ، وقال : (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (١٨٦) (آل عمران) ، وقال : (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ) (٣٥) (الأحقاف) ، فلو لم يكن له عزم ما خاطبه الله به ، ولكنه كان موفور العزم ، على عكس آدم الذى قال الله تعالى فيه : (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (١١٥) (طه).

وللزهرى وابن حبّان تفسير آخر مرتبط ببقية الآية ، وبقصة زيد بن حارثة لمّا تبنّاه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكما لا يكون لرجل قلبان ، كذلك لا يكون ابن واحد لرجلين. ولكن الآية أكبر من أن تضرب كمثل لحالة زيد ، ففيها أيضا تكذيب للمظاهر لأمّه ، فكما لا يكون للرجل قلبان ، كذلك لا تكون للمظاهر لأمه أمّان ؛ وفى الآية أيضا تكذيب للمنافق ذى القلبين أو الوجهين. والصحيح أن الآية لا هى لهذا ولا لذاك ، ولكنها لتأكيد هذه الحقيقة : أنه لا يمكن أن يجتمع ضدان فى القلب الواحد ، كالكفر والإيمان ، والهدى والضلال ، والإنابة والإصرار ؛ وأن يدّعى أحدهم الإسلام ، وهو يضمر اليهودية أو النصرانية ، فإنما للإنسان قلب واحد ، فإما فيه إيمان أو فيه كفر ، ونفى الله تعالى التوسط بين الإيمان والكفر ، والنفاق من

٢٤٣

ذلك. والآية من خير ما يتمثل به المسلمون فى مثل هذه المواقف ، فيقولون لصاحب الاتجاهين والمتراوح بين الأمرين : ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه.

* * *

٢٧٢. هل كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أفاكا؟ وهل كتابه القرآن ليس سوى أساطير؟

كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم منذ بداية المبعث أفاكا عند اليهود العرب ، واتهمه أهل الكتاب فى أوروبا منذ بداية العصور الوسطى بالإفك ، وما يزال أفّاكا عند مفكرين من أمثال رودنسون اليهودى ، وقد تناول القرآن ذلك فى سورة الفرقان ، قال : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً) (٤) ، وكنا عند ما نقرأ هذه الآية نحسب أن ما يقولون به هو نفسه ما كان يظنه الأولون فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعجبنا أن يذهب إلى نفس المذهب رغم الفارق الزمنى ، المحدثون من الأوروبيين ، ورغم مقالة القرآن فيمن رأى رأيهم ، قال : (جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً). والإفك : هو الكذب ، والحديث الإفك : هو الذى لا أصل صحيحا له. وأول من قال ذلك فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : النضر بن الحرث ، ورغم أنه عربى وابن خالة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إلا أن ثقافته لم تكن عربية ، وكان يقرأ بالفارسية ، وقرأ تاريخهم فى الحيرة ، وكان أول من غنّى على العود بألحان فارس. ولمّا أظهر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الإسلام وتلا على الناس القرآن ، كان الشّرك الفارسى مستحكما فيه ، فبادر النصّ القرآنى بالعداء ، واختصمه ، وهزأ به ، وندّد بالقرآن ، وتزعّم معسكر المخالفين ، وكان صاحب لواء المشركين فى بدر ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا جلس مجلسا للتذكير بالله والتحذير من مثل ما لحق الأمم الخالية من نقمة الله تعالى ، جلس النضر بعده فحدّث بأخبار ملوك فارس ورستم وإسفنديار ، يقول : أنا أحسن من محمد حديثا ، وهو فى حديثه لا يأتيكم إلا بأساطير الأولين! ـ ونحن كثيرا ما نسمع اليوم مثل ذلك النقد للقرآن. وقيل إن المسلمين لما أسروا النضر ، قتلوه صبرا بعد انصرافهم من بدر ، فقالت ابنته قتيلة :

ما كان ضرّك لو منيت ، ربما

منّ الفتى وهو المغيظ المحنق

تريد بذلك لوم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على قتله ، وقال الجاحظ : إنها استوقفته وهو يطوف بالكعبة ، وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه ، وأنشدته أبياتها هذه ، فرقّ لها حتى دمعت عيناه ، وقال : لو بلغنى شعرها قبل أن أقتله لوهبته لها! ـ والجاحظ كاذب ، فلا وجود لقتيلة التى أطلق عليها اسم ليلى ابنة النضر ، ولا قتيلة هذه قالت شعرا فيه ، والقصيدة كلها ملفقة ، وشعرها مصنوع ، والنضر لم يقتل صبرا وإنما أصابته جراح ، وامتنع عن الطعام والشراب لا يتناوله من أيدى المسلمين ، فمات! ـ وقيل : إنما قتيلة كانت أخت النضر ، والنضر لم يكن

٢٤٤

وحده الذى يتهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا الاتهام ، سواء فى الماضى أو فى الحاضر ، فلقد كان هناك أبو جهل أيضا ، وهذا لقبه ، وكان اسمه عمرو بن هشام المخزومى ، ويكنونه «أبا الحكم» ، فدعاه المسلمون «أبا جهل» ، وكان من أشد الناس عداوة لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولمّا سأله الأخنس بن شريق الثقفى ـ وكان قد استمعا شيئا من القرآن : ما رأيك يا أبا الحكم فيما سمعت من محمد؟ قال : ما ذا سمعت؟! تنازعنا الشرف نحن وبنو عبد مناف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا. حتى إذا تحاذينا على الرّكب ، وكنا كفرسىّ رهان ، قالوا منا نبىّ يأتيه الوحى من السماء! فمتى ندرك هذه؟! والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه! ـ وشارك فى وقعة بدر وقتل. وهو الذى نسب إلى محمد أن جبرا مولى الحضرمى ، وعدّاسا غلام عتبة يمليان عليه!! ومن ثم كانت الآية : (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (٥) (الفرقان) ، يعنى أنه ينقل من كتب الأولين ويستنسخها فى أول النهار حتى آخره. وفى الأثر عن مجاهد فيما ذكر الماوردى ، ثم أبو حيان : أن اليهود هم الذين اتهموه هذه التهمة ، ولذا قال بعضهم لبعض فيما روته الآية : (قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٧٦) (البقرة). وقال ابن عباس : المراد «بالقوم الآخرين» فى الرابعة من سورة الفرقان : الذين أعانوه وأملوا عليه : أبو فكيهة مولى بن الحضرمى ، وعدّاس ، وجبر ، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب. ويقول القرطبى فى الآية : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (١٠٣) (النحل) أنهم اختلفوا فى اسم هذا البشر الذى يعلمه ، فقيل هو غلام «الفاكه بن المغيرة» واسمه جبر ، وكان نصرانيا وأسلم. وكانوا إذا سمعوا من النبىّ ما مضى وما هو آت ـ مع أنه أمى لم يقرأ ، قالوا إنما يعلمه جبر ـ وهو أعجمى ، فقال الله تعالى : (لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (١٠٣) (النحل) ، أى كيف يعلّمه جبر ـ وهو الأعجمى ، هذا الكلام الذى لم يستطع أحد أن يعارض منه ولو سورة واحدة؟ وقالوا : أن مولى جبر كان يضربه ويقول له : أنت تعلّم محمدا! فيقول : لا والله ، بل هو يعلمنى ويهدينى! ـ وقال ابن إسحاق : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فيما بلغنى ـ كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام نصرانى يقال له جبر ، عبد بنى الحضرمى ، وكان يقرأ الكتب ، فقال المشركون : والله ما يعلّم محمدا ما يأتى به ، إلا جبر النصرانى! وقال عكرمة : اسمه «يعيش» كان عبدا لبنى الحضرمى ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يلقنه القرآن. وذكر الثعلبى عن عكرمة وقتادة : أنه غلام لبنى المغيرة اسمه يعيش ، وكان يقرأ الكتب الأعجمية ، فقالت قريش : إنما يعلّمه بشر ، فنزلت الآية. وقال المهدوى عن عكرمة : هو

٢٤٥

غلام لبنى عامر بن لؤى ، واسمه يعيش». وقال عبد الله بن مسلم الحضرمى : كان لنا غلامان نصرانيان من أهل عين التمر ، اسم أحدهما يسار ، واسم الآخر جبر» ، وقال الثعلبى : يقال لأحدهما «نبت» ، ويكنى «أبا فكيهة» ، والآخر جبر ، وكانا صيقلين يعملان السيوف (يعنى يشحذانها) ، وكانا يقرءان كتابا لهما». قال الثعلبى : يقرءان التوراة والإنجيل». وقال الماوردى والمهدوى : يقرءان التوراة». فقالوا : كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يمر بهما ويسمع قراءتيهما. وقال المشركون : يتعلم منهما ـ فأنزل الله هذه الآية وأكذبهم. وقيل عنوا «سليمان الفارسى». ذكره الطبرى والبخارى وابن عطية والشوكانى وأبو حيان. وقال الضحاك : الذى يعلمه كان نصرانيا بمكة اسمه بلعام ، وكان غلاما يقرأ التوراة. وقال ابن عباس : وكان المشركون يرون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حين يدخل عليه ويخرج من عنده ، فقالوا : إنما يعلمه بلعام. وقال القتبى : كان بمكة رجل نصرانى يقال له أبو ميسرة يتكلم بالرومية ، فربما قعد إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فاتهمه به الكفار ، وقالوا : إنما يتعلم محمد منه ، فنزلت الآية. وفى رواية أنه عدّاس غلام عتبة بن ربيعة. وقيل هو : عابس غلام حويطب بن عبد العزّى ، ويسار ـ أبو فكيهة مولى ابن الحضرمى ، وكانا قد أسلما. والخلاصة أن رسول الله اتّهم بكل هؤلاء ، وربما يكون قد جلس إليهم ليعلّمهم مما علمه الله ، ويدعوهم بدعوته ، فقلبوا الأوضاع وقالوا إنه تعلّم منهم بدلا من أن يقولوا يعلّمهم ، وكأن الأدنى يمكن أن يعلّم الأعلى ، وكأن النصرانى المشرك يمكن أن يعلّم المسلم الموحّد!. ولا تناقض بين كل هذه الأقوال ، لأن المشركين متفرقون ، وكلّ اتهمه بواحد من هؤلاء فزعموا أنهم يعلّمونه ، ويسقط من ذلك قول القائلين بأنه سلمان ، لأن سلمان لم يلتق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا بالمدينة!! وكل ما سبق حدث بمكة! وهذه الآية : (لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ ..) مكية! فكيف يعلمه سلمان؟! ثم كان وقتنا هذا ، فشهد على كذب الأقدمين والمحدثين ، أمثال رينان ، الذى قال : لقد كتب المسيحيون تاريخا عجيبا ، ملؤه الحقد والبغض للإسلام ولمحمد! ـ فشهد شاهد من أهلها!

ومن هؤلاء المحدثين المؤرّخ البيزنطى ثيوفانس Theophanes (٧٥٢ ـ ٨١٨ م) قال : إن محمدا ارتحل إلى فلسطين وتحدّث إلى اليهود والنصارى ، وتعلّم منهم مما تحويه كتبهم. وساعد ثيوفانس على هذه الفرية ما هو موجود للأسف فى الكتب العربية ، ففي طبقات ابن سعد حكايات كالأساطير ، قال : لمّا بلغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم اثنتى عشرة سنة ، خرج به عمه أبو طالب إلى الشام فى العير التى خرج فيها للتجارة ونزلوا بالراهب بحيرا ، فقال لأبى طالب فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يبقى محمدا معه ، فرفض أبو طالب وردّ محمدا إلى مكة

٢٤٦

وفى رواية أخرى : أن أبا طالب فى مسيرته إلى الشام مرّ ببلدة بصرى ، وبها راهب يقال له بحيرا ، وكان كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم ، حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلا قريبا من صومعته كانوا ينزلونه كلما مروا ، التقوا به فدعاهم الى الغداء ، وصنع لهم طعاما ، وسبب ذلك أنه رأى فوقهم غمامة تظلل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من بين القوم ، إلى أن بلغوا الشجرة التى ينزلون تحتها ، ونظر بحيرا فرأى الشجرة تخضّلّ أغصانها عليه (أى تكثر) حتى أظلته ، فدعاه إليه وحادثه ، ثم قال لعمه : ارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر اليهود ، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ، ليبغنّه عنتا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده فى كتبنا وما روينا عن آبائنا! ـ وقال لأبى طالب : لا تخرجن بابن أخيك إلى ما هاهنا ، فإن اليهود أهل عداوة ، وهذا نبىّ هذه الأمة ، وهو من العرب ، واليهود تحسده ، تريد أن يكون من بنى إسرائيل ، فاحذر على ابن اخيك! ـ فهذا إذن ما كان من بحيرا بحسب رواية ابن سعد ؛ وأما رواية ثيوفانس عن بحيرا فقد نسب إليه أنه علّم محمدا ما تحويه الكتب المقدسة ، وما كان ثيوفانس من علماء المسيحية ، وكان شخصية مكروهة كمسيحى ، وكتابه Chronographis لا يعدّ أبدا كتابا علميا فى التاريخ بأى مقياس من المقاييس ، وكان ما أخذه على محمد إنكاره التثليث ، وتحريمه للصور والتماثيل ، وكان شغل ثيوفانس الشاغل أن يحارب أعداء الصور والتماثيل حتى من بين المسيحيين ، وشدّد على أن اليهود وهم أيضا أعداء للصور والتماثيل ـ سمموا أفكار محمد ، واشترك عشرة منهم فى تسميمه! والنصارى واليهود تلقفوا ما قال ثيوفانس عن بحيرا ، وظهرت سلسلة من مؤرخيهم وكتّابهم ، تحدّثوا جميعا عن أن «بحيرا» هو معلّم محمد ، وأن محمدا فى الحقيقة كان نصرانيا تلقّى النصرانية على بحيرا ، وترهّب ، ولكنهم طردوه ، فأراد أن ينتقم من المسيحية بالدعوة إلى ديانة جديدة تنافسها ، فكانت دعوته للإسلام ، فالإسلام فى حقيقته لا يصحّح المسيحية ولا اليهودية كما يدّعى محمد ، وإنما الإسلام هرطقة يهودية نصرانية!!! والإجماع بين هؤلاء المتخرّصين على أن بحيرا ـ واسمه الحقيقى سيرجيوس ، كان من النساطرة الهراطقة ، ولجأ لذلك إلى الهروب إلى بلاد العرب ، فالتقى بمحمد ولقنه هرطقته النسطورية الإسلامية ، وعلمه اللغات والأساطير ، وتعلم محمد منه تحريم الخمر ، وامتهن قطع الطرق على القوافل ، وصار تجمّع أصحابه على البغى والعدوان باسم الدعوة لله ، وعلّمه بحيرا السحر والشعوذة ، وأن يزعم ان الوحى يأتيه هديرا فى أذنه ، وزعم أنه يصاب من ذلك بحالة تخشّب كالصرع ، وتلقف ذلك علماء اليهود ، فأطلقوا على هذا النوع من الصرع!!! اسم «صرع الأنبياء» ، يقصدون به صرع محمد! والغريب أنهم استطاعوا أن يروّجوا لهذا الاسم ، وأن

٢٤٧

يبثوه فى المراجع العلمية فى الطب النفسى حتى أصبح من أصناف مرض الصرع ، مع أنه لم ترصد حالة واحدة يمكن أن ينطبق عليها ، ولم يكن لهم من مرجع إلا سرجيوس المزعوم ، وقالوا : أن بحيرا أو سرجيوس كان شهوانيا استباح النساء باسم تعدّد الزوجات ، وتابعه محمد وأصحابه حتى صار لمحمد ثمانى عشرة زوجة وسرية! وقال أحد مؤرخيهم واسمه باسكاسيو (١٢٢٨ ـ ١٣٠٠) : إن سيرجيوس كان من الموتورين ، فقد أراد أن يتقلد المناصب فى الكنيسة ولكنهم حرموه ، فذهب يثأر من المسيحية. وادّعى آخر هو «تاما سوتوسكا» (١٤٨٨) أن محمدا كان كاردنيالا مسيحيا يسمى نيقولا!! وكان عالما باللغات وبالكتب ، فأرسل إليه البابا ليخلفه ، فلما مثل أمامه لم يظهر الاحترام له ، فغضب عليه البابا ، وفرّ نيقولا أو محمد إلى بلاد العرب ، وألّف ديانة تنافس المسيحية ، إلا أن اليهود فى بلاد العرب قتلوه ـ أى قتلوا محمدا الذى هو نيقولا ، والقاتل واحد منهم يدعى مرزوقا (يقصدون سالم بن مشكم) ، وكان محمد يؤثر أصغر زوجاته وتدعى كاروفا (يقصدون عائشة) ، فقتل أصحاب محمد مرزوقا وكاروفا انتقاما لمحمد. وما قتل اليهود محمدا إلا لأنه أحب إحدى بناتهم (يقصدون زينب بنت الحارث) ، وكانت قد دعته إلى خدرها فقامت هى وأهلها بقتله. وراجت هذه الفرية وتطورت برواية الآخرين ، فقالوا إن السمّ الذى دسّته اليهودية لمحمد آتى أكله بعد سنوات حينما توفّى به ، وراجت هذه الفرية بين المسلمين بسبب مؤرخى المسلمين ووضّاع الأحاديث ، وفسّروا المعراج بأنه اختراع لمحمد قبل أن يموت ، جعل أصحابه يحملون جثته على سفينة محمولة على الهواء!! فكما ترى أن هؤلاء الناس بلغوا القمة فى كراهية الإسلام والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنهم ذهبوا يؤلّفون أى شىء ينتقص منهما ، وقد قيل إن المسلمين يهوون المخدرات ، وهذا الكلام الذى لفّقوه لأحطّ من أى كلام يمكن أن يلفقه مدمنو المخدرات ، ويبدو أن العقلية الأوروبية لهؤلاء المتخرّصين جعلتهم يقولون عن كل من يصف عيسى بأنه مجرد نبىّ وليس ابنا لله ، وأنه محال أن يكون لله ابن ، أنه محمدى النزعة ، وأطلقوا على بحيرا أو سرجيوس اسم ورقة بن نوفل!! وتعددت صفات محمد عندهم فقيل هو «الموحّد» ، و «المطاع» ، و «مناجى الأرواح» ، و «المنجّم» ، و «مريض الصرع» ، و «الساحر» ، و «حارس ذهب بنى قريظة» ولذلك تزوج أرملة أميرهم (يقصدون صفية) لعله يعرف منها مخبأ الذهب!!!

وهكذا استمر هذا السيل الجارف من الأكاذيب والخرافات حتى أن فرنسيس بيكون ـ وهو من نعتبره الفيلسوف الشهير ومؤسس المذهب التجريبى (١٥٦١ ـ ١٦٢٦) ، قال عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنه كذب على شعبه ، فادّعى أنه يستطيع أن ينادى على الجبل فيحضر الجبل ،

٢٤٨

ولما نادى ولم يمتثل الجبل لجأ إلى المغالطة فقال : إن لم يحضر الجبل إلى محمد فإن محمدا سيذهب إلى الجبل»! ـ وذهب هوجو دوجروت مؤلف الرسالة المشهورة «قانون الحرب والسلام» إلى أن محمدا كان قاطع طريق ، ومغتصب نساء ، وله فضائح ومهازل ، وزعم أنه ساحر ، وطبيب مزيف ، وادّعى أن حمامة تطير إلى أذنه وتهمس فيه أطلق عليها اسم الوحى ، وزعم أن البعير ركع له ، وأن الماء يفر من بين أصابعه ، وأنه أسرى به إلى أورشليم ، وعرّج به الى السماء ، وأن ديانته لم ترج إلا بالسيف ، وكان شديد التعطش إلى دماء مخالفيه ، وما كان يتيح لأتباعه أن يخالفوه أدنى مخالفة. وكان من بين الذين كتبوا عن القرآن ومحمد وقدحوا فيهما أشدّ القدح : هوتنجر (١٦٥١) ، وبالنجر (١٥٧٥) ، وبريدو (١٦٩٩) ، وأدريان رولاند (١٧١٨) ، وكيتانى ، وفلهوزون ، وجولد تسيهر ، وجريم ، وفوستفلد ، ورودنسون ، ووات ، وزويمر ، وبارت ، وباريز ، وتشامبر ، ونولدكه ، وعشرات غيرهم ، وأطلق هؤلاء عليه اسم المخادع ، والنصّاب ، والثرثار ، وهكذا ... وكما ترى أن كل هذه الصفات والترهات تطعن فى أصحابها وتشينهم ، وتكشف عن تعصّبهم المقيت ، وزيغهم عن الحق ، وبعدهم عن الموضوعية والعلمية ، وأن المغالطات هى دأبهم ، وأبرز مغالطاتهم أنهم تركوا الدعوة الإسلامية وما يتطرق إليه القرآن من موضوعات إلى الطعن فى محمد وخلقه ، والتشهير به فيما لا طائل منه ، وما لم تثبت صحته ، والتجافى عن الحق الصراح إلى الباطل الشائن ، يحاولون أن يظهروه على الحق ، والحقّ أبلج ، وفى القرآن : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٧١) (آل عمران) ، وسيظل هذا شأنهم ، يكتمون الحق ، ويكفرون بالإسلام ، وبالقرآن وبمحمد ، ويغلون فى دينهم ، ويتّبعون أهواءهم ، ويتكبّرون فى الأرض ، ويحكمون بالطاغوت ، ويجادلون فى الله ، ويبتغون الفتنة ، ويمترون ، والله بالغ أمره ، وسيقذف الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ، حتى يكون الدين لله.

* * *

٢٧٣. الفرق بين «يا أيها النبى» و «يا أيها الرسول»

فى القرآن صيغتان يخاطب بهما الله تعالى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الأولى : يا أيها النبىّ» ، ويتكرر ذلك ثلاث عشرة مرة ، ولم يحدث أن خاطبه ربّه باسمه مجردا مثلما خاطب إبراهيم ، ونوحا ، وموسى ، وعيسى ابن مريم ، فقال «يا إبراهيم» ، و «يا نوح» ، و «يا موسى» ، و «يا عيسى ابن مريم» وكل خطاب فيه «يا أيها النبىّ» : المقصود بالخطاب النبىّ ، وجماعة المؤمنين ، وأهل الإسلام جميعهم ؛ وكل خطاب فيه «يا أيها الرسول» : المقصود به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشخصه ، يخاطب باللفظ والمعنى جميعا ، ويتكرر ذلك فى القرآن مرتين.

* * *

٢٤٩

٢٧٤. (الكفّار لا يعذبون والنبىّ بينهم)

فى القرآن كله لم يحدث أن عذّب الله قوما إلا بعد أن يخرج النبىّ من بينهم والمؤمنون ، ويتوجهوا إلى حيث أمروا ، وذلك ما حدث مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأهل مكة ، قال تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (٣٣) (الأنفال) ، فلو لا أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم يساكنهم ، ومنهم من آمن أو سيؤمن ، وعندئذ سيستغفرون ، لأنزل بهم العذاب ، وقال : (وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٣٤) (الأنفال) ، يعنى أنهم استحقوا العذاب ، فقد صدوا المسلمين عن المسجد الحرام ، ولم يتّقوا الله فى أنفسهم ولا فى المؤمنين ، وفى تفسير الآية قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنزل الله علىّ أمانين لأمتى : (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (٣٣) (الأنفال). وقيل : كان رجل فى المدينة أيام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد أسرف على نفسه ، ولم يكن يتحرّج ، فلما أن توفى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، زهد وتاب ، وأظهر الدين والنّسك ، فقيل له : لو فعلت هذا والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حىّ لفرح بك! قال : كان لى أمانان ، فمضى واحد ، وبقى الآخر ، فقوله تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) (٣٣) (الأنفال) فهذا أمان ، ومضى بوفاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقوله (وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (٣٣) (الأنفال) أمان ثان ، وهو ما بقى للرجل ، فلزم أن يستغفر وإلا عذّب. وأما أهل مكة فإن الله عذّبهم بالسيف بعد خروج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

* * *

٢٧٥. لما ذا لم يحاكم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم المنافقين مع علمه بنفاقهم؟

أمسك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن قتل المنافقين ، رغم أذاهم الشديد له ، وعلمه بنفاقهم ، وفى سورة البقرة وحدها ثلاث عشرة آية فيهم ، والسبب فى عدم قتلهم أنه يقصد إلى تأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه ، قال : «معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى» أخرجه البخارى ومسلم ، وكان يعطى المؤلفة قلوبهم ما يتألف به قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم. وفى قوله تعالى : (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً) (٦١) (الأحزاب) أنهم يقتلون إذا أعلنوا النفاق ، والنفاق أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعادل أقوال المدّعين للعلمانية والتنوير اليوم ، وكفّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنهم ليبيّن لأمته أن القاضى لا يحكم بعلمه بدون شهادة الشهود ، ولم يشهد على عبد الله بن أبىّ إلا زيد بن أرقم ، ولا على الجلاس بن سويد إلا ربيبه عمير بن سعد ، والواجب أن يكون الشهود اثنين ، والذى يعلن

٢٥٠

الإيمان ويتبرأ من كل دين سوى الإسلام لا يعتبر منافقا ، وهذا هو ما منعه من إيذائهم : أنهم كانوا يظهرون الإسلام ، والأحكام بين الناس على الظاهر ، وليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر ، لأنه يكون حكما بالظنون.

* * *

٢٧٦. محمد حجة وبرهان من الله

فى الآية : (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (١٧٤) (النساء) أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو حجة الله على الناس كافة ، وهو معجزته تعالى ، سمّاه برهانا ، وأنزل عليه القرآن وسمّاه نورا ، لأنه به تتبين الأحكام ، ويهتدى من الضلالة ، فالقرآن نور مبين ، وأما محمد فهو برهان مبين.

* * *

٢٧٧. لا تقولوا «راعنا» للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم

كان من جهالات اليهود أن يقولوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «راعنا» كما فى قوله فى سورة النساء الآية ٤٦ : (وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) ، فنزلت الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ) (١٠٤) (البقرة) ، تنهى المسلمين عن تقليد اليهود ومخاطبة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذا الخطاب الدال على جفاء الطبع. وحقيقة «راعنا» فى اللغة : أرعنا سمعك ، والأمر فى الآية يتضمن أن يتخيّر المسلم من الألفاظ أحسنها ، ومن المعانى أرقّها إذا تناول اسم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى شىء. وكان اليهود يعتبرون «راعنا» سبّا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويسبونه جهرا ، وكان سعد بن معاذ يعرف لغتهم ، فنهاهم عنها ، ونهى المسلمين ، ونزلت الآية فى سورة البقرة فى ذلك.

* * *

٢٧٨. أهل الكتاب يؤمنون بعيسى رسولا قبل موتهم

فى الآخرة تتوقف الظنون ويكون اليقين ، وفى الآخرة يدرك اليهود أن عيسى كان رسولا من عند الله ولكنهم أنكروه وجحدوه ، ويدرك النصارى أنه رسول بشر ولكنهم ألّهوه ، وفى الآية : (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) (١٥٩) (النساء) أن ليس أحد من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، إذا حان الأجل ، إلا ليؤمن قبل أن يموت ، بعيسى بشرا رسولا ، وليس إلها كما قالت النصارى ، يعنى أن النصرانى يظل يكابر طالما هو حىّ ، فإذا جاء الموت ذهبت عنه المكابرة ، وينقشع الظن ، ولا يبقى إلا اليقين ، ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا ، يشهد على اليهود بأنهم كذّبوه ، وعلى النصارى بأنه دعوه ابن الله مرة ، والله مرة.

* * *

٢٥١

٢٧٩. مثل للكذب على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم

لما نزلت (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً) (٢) (النصر) ، قال جابر عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان يبكى ـ أى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الناس دخلوا فى دين الله أفواجا ، وسيخرجون من دين الله أفواجا» ، والذى نقل عن جابر كاذب ، فالإسلام يدخله كل يوم مؤمنون جدد ، وتتسع رقعة بلاده ، ويزيدون عددا حتى زادوا على المليار نسمة!!

* * *

٢٨٠. الكثير من أحاديثه نبوءات ،

فلم لم يكن بوسعه أن يعلمنا عن الساعة؟

النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن إلا عبدا رسولا ، وبشرا من بشر ، فلا نصدّق من يزعم أنه كان عنده علم الساعة ، وعائشة زوجته رضى الله عنها تقول فيما أخرجه الترمذى : من أخبرك أن محمدا يعلم الخمس التى قال الله تعالى : (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (٣٤) (لقمان) فقد أعظم الفرية»! وهذه الخمس أسماها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مفاتيح الغيب ، لا يعلمها إلا هو الله تعالى ، فالساعة لا يجلّيها لوقتها إلا هو ؛ وكذلك الغيب قد يتنبأ به متنبئ الطقس ، وقد يتوقع الأمطار الغزيرة ولكنه لا يعرف مقدارها ، وما ذا يكون من أمرها ؛ وكذلك ما فى الأرحام ، قد ييسر العلم للأطباء أن يروه ذكرا أو أنثى ، ولكنهم لا يعلمون إذا كان شقيا أم سعيدا ؛ وكذلك الكسب ، فقد تتوقع مكاسب الدنيا ، ولكن هل يمكن أن تجزم بذلك؟ ولا أن تحدد مقدارها؟ ولا أن تعرف ما ذا تكسب لآخرتك؟ وكذلك الموت ، فلا تدرى أتموت ببلادنا أو فى غيرها؟ وقد تحاول الانتحار ، أو تترقب الموت وتتنبأ به فى المرض ، وإنما يستحيل أن تحدد وقته ولا مجرياته. وروى مسروق عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : من حدّثك أنه ـ أى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ يعلم ما فى غد فقد كذب ، ثم قرأت : (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (لقمان ٣٤).

* * *

٢٨١. آية المباهلة من أعلام نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم

هى الآية : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) (٦١) (آل عمران) ، فإنه لمّا شابه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين عيسى وآدم من حيث الخلقة من غير أب بقوله تعالى : (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٥٩) (آل عمران) ، وجادله

٢٥٢

النصارى ، ذهب أبعد من المشابهة ودعا إلى المباهلة ، فأبوا منها ، ورفضوا المباهلة ، وهى الابتهال إلى الله والتضرع فى الدعاء له ، والرضا باللعن للمبتهل إن كان كاذبا.

* * *

٢٨٢. أشد وأشق آية على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم

هى الآية (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) (١١٢) (هود) والخطاب فيها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومعنى «استقم» يعنى اطلب الإقامة على الدين ، وامتثل لله. ولمّا سئل عن قول فى الإسلام لا يسأل عنه أحد بعده ، قال : «قل آمنت بالله ثم استقم» أخرجه مسلم ، ولذلك قال ابن عباس : ما نزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم آية هى أشدّ ولا أشقّ من هذه الآية عليه». ولذلك قال لأصحابه ـ أى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ حين قالوا له : لقد أسرع إليك الشيب! ـ قال : «شيّبتنى هود وأخواتها» ، وهذه الآية من سورة هود التى وصفها هذا الوصف.

* * *

٢٨٣. الكوثر : هل هو نهر وعد به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم

سورة الكوثر مكية ، وبعض القراء قالوا إنها مدنية كما سيأتى عن ذلك فى «باب سور القرآن». وقوله تعالى : (إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) (١) روى أنس وعائشة أن الكوثر نهر فى بطنان الجنة ، اختص الله به نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبطنان الجنة هو وسطها ، وحافتا النهر قصور اللؤلؤ والياقوت ، وترابه مسك ، وماؤه أبيض من اللبن ، وأحلى من العسل ، إلى غير ذلك من الأوصاف. وإنّا لنتساءل : وما ذا يفعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالنهر؟ وهل هو يحتاج إلى نهر بكامله ليشرب منه ويرتوى؟ ثم إن القول بذلك مادى بحت ، وحسّى للغاية ، وقد آن الأوان للمسلمين أن يفيقوا من أمثال هذه التفسيرات والأحاديث المتعلقة بها ، والحق أن الكوثر كما قال البخارى عن ابن عباس : هو الخير الذى أعطاه الله للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ولما قيل لسعيد بن جبير : فإن ناسا يزعمون أنه نهر فى الجنة؟ فقال سعيد : النهر الذى فى الجنة من الخير الذى أعطاه الله إياه. وروى سعيد عن ابن عباس قال : الكوثر الخير الكثير. وهذا التفسير لأن الكوثر من الكثرة وهى الخير الكثير. وقال مجاهد : الكوثر هو الخير الكثير فى الدنيا والآخرة. وقال عكرمة : الكوثر منه الكثرة ، وهى النبوة والقرآن وثواب الآخرة. وقال عطاء : الكوثر حوض فى الجنة ـ يقصد حوضا يرد عليه المسلمون يوم القيامة. والحق أن السورة كلها كما يرد فى سياقها نزلت فى العاص بن وائل ، وقيل فى عقبة بن معيط ، وقيل فى أبى لهب أو أبى جهل ، وذلك أنه لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من مارية ، ذهب أبو لهب إلى المشركين فقال : بتر محمد الليلة! فأنزل الله فى ذلك : (إِنَ

٢٥٣

شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (٣) أى مبغضك هو الأبتر ، والأبتر : منقطع الذرية ، فلا أحد من صلبه بعد مماته يذكّر به ، يتوهّم أبو لهب أنه بوفاة ابنه سيبتر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وينقطع ذكره ، قيل فعوّضه الله تعالى وأعطاه الكوثر ، أى الكثرة ـ وهى أمة الإسلام ، تمتد من الصين إلى القارة الأمريكية ، ومن أوروبا إلى إفريقيا ، فهى كثرة كاثرة ، كلما ذكر اسمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، جلّوه ، وعظّموه ، وصلّوا عليه ، وسلّموا تسليما ، فهؤلاء هم بنوه حقا وصدقا ، يذكرونه على رءوس الأشهاد ، ويوجبون شرعه على كافة العباد ، وبهم يظل اسمه خفّاقا كالعلم على دوام الآباد ، وإلى يوم الحشر والمعاد ، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد.

* * *

٢٨٤. أصرح دليل على عموم بعثه

من أصرح الدلالات على عموم بعثة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى جميع الخلق ، هذه الآية : (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) (١٥٨) (الأعراف) ، والآية : (تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) (١) (الفرقان) ، وفى الصحيحين ثبت أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق ، وطوائف بنى آدم ، من عرب وعجم ، سواء كانوا من أهل الكتاب أو من الأميين ، امتثالا لأمر الله تعالى ، وقال : «والذى نفسى بيده ، لا يسمع بى أحد من هذه الأمة ، يهودى ولا نصرانى ، ومات ولم يؤمن بالذى أرسلت به ، إلا كان من أهل النار» ، وقال : «بعثت إلى الأحمر والأسود» ، وقال : «كان النبىّ يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة».

* * *

٢٨٥. هل رأى ربّه؟

ينسب بعض المسلمين إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صفات تخرجه عن البشرية ، وهو القائل : «أنا بشر من بشر» ، ومن مزاعم أصحاب هذه الدعوى ، تفسيرهم للآيات من سورة النجم : (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) (١٤). ومن هؤلاء ابن عباس قال : وقد رأى ربّه مرتين» أخرجه الترمذى ، وقال : «إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى ، فكلم موسى مرتين ، ورآه محمد مرتين»!! ومن يقل ذلك فقد أغرب. والشيخ الشعراوى ذهب إلى ذلك. وعن عائشة زوجة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم برواية مسروق : أنه دخل عليها وسألها : هل رأى محمد ربّه؟ فقالت : لقد تكلمت بشيء وقف له شعرى! قال : قلت : رويدا ، ثم قرأت : (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) (١٨) (النجم) ، فقالت : أين يذهب بك؟! إنما هو جبريل!! من أخبرك

٢٥٤

أن محمدا رأى ربّه .. فقد أعظم على الله الفرية ، ولكنه رأى جبريل ، لم يره فى صورته إلّا مرتين : مرة عند سدرة المنتهى ، ومرة فى أجياد». ولقد وهم ابن عباس عند ما قال : «رأى محمد ربّه مرتين» ، ووهم عكرمة إذ يقول مؤكدا : قد رآه ، ثم قد رآه!! ـ وعائشة كذّبت ذلك ، وقالت الحق فيما أخرجه الشيخان عند ما سألها مسروق هذا السؤال : سبحان الله! لقد قفّ شعرى لما قلت! أين أنت من ثلاث ، من حدّثكهن فقد كذب؟ : من حدّثك أن محمدا أسرى به ببدنه وفى اليقظة فقد كذب ـ ثم قرأت : (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) (٦٠) (الإسراء) والرؤيا هى ما يتراءى فى المنام ، وتكون بالنفس وليس بالجسد ؛ ومن حدثك أن محمدا رأى ربّه فقد كذب ـ ثم قرأت : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (١٠٣) (الأنعام) ، و (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (٥١) (الشورى) ؛ ومن أخبرك أن محمدا قد كتم فقد كذب ، ثم قرأت (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (٦٧) (المائدة). ولكنه رأى جبريل فى صورته مرتين. وفيما أخرجه أحمد ، أن مسروقا قال لعائشة : «أليس الله يقول : (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) (٢٣) (التكوير) ، و (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى) (١٣) (النجم)؟ فقالت : أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنها فقال : «إنما ذاك جبريل» ، لم يره فى صورته التى خلق عليها إلا مرتين : رآه منهبطا من السماء إلى الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض» أخرجه الشيخان. وهو ما ينبغى أن يكون عليه اعتقادنا ، وإلا كنا نؤلّه نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما فعل النصارى مع عيسى عليه‌السلام! ثم إن عائشة أنكرت شرعا أن يرى محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ربّه رأى العين ، لأنه تعالى قال : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (٥١) (الشورى) وهو دليل ثان على نفى الرؤية عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إذ أنه تعالى حصر تكليمه للبشر فى ثلاثة أوجه : إما بالوحى ، أو الكلام من وراء حجاب ، أو يرسل إليه رسولا فيبلّغه عنه ، وفى جميع الأحوال يستلزم ذلك نفى الرؤية عنه حال التكليم ، ومن ثم نفى الرؤية مطلقا. ولا موجب من ثم أن يقول كعب الأحبار : إن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد ، فكلم موسى مرتين ، ورآه محمد مرتين!!

* * *

٢٨٦. كيف يكون نبيا بينما الشيعة يؤكدون أنه

كتم بعض ما أمر به ولم يطلع عليه أحدا سوى على؟

أيما رسول فهو مبلغ عن ربّه ، وفى القرآن : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ

٢٥٥

وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (٦٧) (المائدة) ، وأخرج البخارى عن عائشة فى تفسير هذه الآية : من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب. وفى الصحيحين عنها أيضا قالت : لو كان محمد كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية : (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) (٣٧) (الأحزاب). وقد نفى ابن عباس ذلك ـ فيما يرويه ابن أبى حاتم ـ لمّا جاءه الرجل فقال له : إن ناسا يأتون فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم للناس؟! فقال ابن عباس : ألم تعلم أن الله تعالى قال : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) (٦٧) (المائدة)؟

وفى صحيح البخارى عن وهب بن عبد الله قال : قلت لعلىّ بن أبى طالب : هل عندكم (يقصد الشيعة) شىء من الوحى مما ليس فى القرآن؟ قال : لا والذى فلق الحبّة وبرأ النسمة ، إلا فهما يعطيه رجلا فى القرآن! ـ يعنى أنه لا علىّ ولا فاطمة كان عندهما شىء من القرآن كتمه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واختصهما به كما يزعم بعض الشيعة. والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد منّ الله عليه بالرسالة ، وعليه البلاغ ، وعلينا التسليم. والأمة الإسلامية قد شهدت للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه أبلغ الرسالة وأدّى الأمانة ، وقد استنطقهم هو نفسه بذلك فى أعظم المحافل وهو خطبته يوم حجة الوداع ، وكان هناك من أصحابه نحو الأربعين ألفا. وكما ثبت فى صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قال فى خطبته تلك : «أيها الناس! إنكم مسئولون عنى ، فما أنتم قائلون»؟ قالوا : نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. فجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يرفع إصبعه إلى السماء وينكّسها إليهم ويقول : «اللهم هل بلّغت»؟

* * *

٢٨٧. هل على المسلم ، مهما علا فى العلم ، أن يمتثل أقوال النبىّ

فى القرآن : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٧) (الحشر) ، وقد ثبت أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». وأهل السنة على القول بوجوب الامتثال.

* * *

٢٨٨. ألا يمكن أن يستغنى المسلم بالقرآن عن السنة؟ هل للسنة ضرورة؟

تشرح السنّة القرآن وتفسّره ، ومن يطالب اليوم بالاستغناء عن السنّة بالقرآن ، فقد

٢٥٦

يدعو غدا إلى الاستغناء عن القرآن بالعقل والعلم والحضارة. ولا يعيب السنّة أن يكون ضمن أحاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عدد من الأحاديث الموضوعة والمنسوبة إليه ، والتى غايتها إحداث البلبلة ، وصرف الأمة الإسلامية عن دينها ومقصود هذا الدين فى الحياة ، وأن : تقسم المسلمين طوائف وشيعا وفرقا. وأحكام القرآن جامعة وعامة ، وحتى ما كان منها مفصّلا ، فإنه يحتاج أن يصرف إلى ما يناسب الأمصار والأحوال والأزمان ، والسنة هذه وظيفتها ، وذلك هو عمل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أن يشرح ، ويفسر ، ويبيّن ، ويبلّغ ، وينافح عن الدين. وفى القرآن يأتى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ) (٩٩) (المائدة) ، فأى بلاغ عليه؟ يقول تعالى : (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ) (٥٢) (إبراهيم) ، يعنى بالبلاغ القرآن ، ويقول : (إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) (٢٣) (الجن) يعنى ليس علىّ النبىّ إلا التبليغ عنه تعالى ، وإلا ما أوكله بإبلاغه. ويشرط هذا التبليغ بأن يكون مبينا ، كقوله تعالى : (أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (٩٢) (المائدة) ولم يختص النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالبيان دون الرسل كافة : (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (٣٥) (النحل) أى البلاغ الذى يفصح ويظهر ويوضح ، وأصل أبان : وضّح ، تقول : هذا الشيء بيّن : أى واضح ، والبيان : هو الكلام الذى يكشف عن حقائق الأمور ، والبيّنة : هى الحجة الواضحة ، فإذا قال الله تعالى : (وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) (٥٦) (الكهف) وقال لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (٨) (الفتح) فإن عليه أن يبيّن هذه الشهادة وتلك البشارة والنذارة ، وهو ما تناوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أحاديثه ، وفيما يقال له السنة النبوية ؛ والسنة : هى الطريقة والسيرة ؛ وسنة الله : هى فطرته التى خلق الخلق عليها ، وهى حكمه السارى فيهم ، وسنة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هى ما ينسب إليه من قول أو فعل أو تقرير ، وهى طريقته صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فى فهم نصوص القرآن ، وهى طريقة مرضية من غير افتراض ولا وجوب ، ونسبة السنّة إلى القرآن كنسبة القوانين إلى الدستور ، والسنّة تفصّل مجمل القرآن ، وتقيّد مطلقه ، وتوضّح متشابهه ، وتشرح ما فيه من تعاليم وما جاء به من حكم ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال عن نفسه : «بعثت معلما» ، وجاء عنه فى كتاب الله : (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى) (٥) (النجم) ، إعدادا له لرسالته التى يقول فيها : (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (١٥١) (البقرة) ، فأما آياته تعالى فهى القرآن ، وأما التزكية فهى تعاليمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الآداب التى مفادها اكتساب مكارم الأخلاق وتطهير النفوس من أدناسها ومن أفعال الجاهلية ، ويندرج ذلك تحت

٢٥٧

الحكمة : وهى السنة النبوية المطهرة ، ووصفنا لها بالمطهرة تنقية لها من الأحاديث الموضوعة ، وهى التى تخالف القرآن ، وتتخالف والعقل ، وينكرها القلب المؤمن. وقوله تعالى : (وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم وسّع مداركهم حتى صاروا أعمق الناس علما ، وأبرّهم قلوبا ، فكانت تعاليمه أو سنّته صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما قال : (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (١٦٤) (آل عمران). فكأن السنّة منّة من الله تعالى ، ومن لم يعرف قدر هذه النعمة فهو المذموم المدحور ، ويقول فيه الله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ) (٢٨) (إبراهيم) يعنى بنعمة الله محمدا المجسّد للسنة المطهّرة ، ولهذا ندب المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة وأن يقابلوها بالذّكر والشكر ، فقال (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (١٥٢) (البقرة) ـ ولما ذا؟ والجواب : (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ) (١٥١) (البقرة) ، يعنى كما فعلت ذلك فاذكرونى. والمسلم إذن عليه الأخذ بالسنّة فهذا من الإيمان بالله ، والرسول فى تعاليمه هو الأسوة لنا بنصّ القرآن : (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (٢١) (الأحزاب) ، والأنبياء عموما قدوة ، كقوله : (أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) (٨٩) (الأنعام) ، وقوله : (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) (٩٠) (الأنعام) ، والقدوة اتباع للهدى ، وهدى نبينا هو السنة ، ونبيّنا ليس عمله التبليغ فقط ، وإنما هو المقيم للإسلام ، وهو يجسّد القرآن ، وكانوا يسألون عائشة رضى الله عنها عن خلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فتقول : «هو القرآن» ، وكان المسلمون الأوائل يقولون : إنهم لا يقرءون القرآن قراءة وإنما يتدبرونه ويعايشون آياته ، كما كان يفعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد كان ربّانيا يعايش القرآن فى حياته وواقعه ، فيساوى بين النظرية والتطبيق ، ويحيل الآيات واقعا ممكنا.

والسنة نظرية وعملية ، وهى واقع فكرى واعتقادى ، وفلسفى ، وأخلاقى وجمالى ، واقتصادى واجتماعى ، وتربوى وقانونى ، وتشمل كل مجالات الحياة ونواحى الحضارة. والأخذ بها طاعة لله أولا ولرسوله ثانيا ، وقد ورد الأمر بطاعة الله ورسوله معا سبع مرات فى القرآن ، ووردت طاعة الله فقط خمس مرات ، وطاعة الرسول ست مرات ، وقرنت طاعته صلى‌الله‌عليه‌وسلم بتقوى الله إحدى عشرة مرة ، وجاء الأمر باتّباعه تعالى واتباع رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالإضافة إلى أولى الأمر مرة واحدة فى قوله : (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (٥٩) (النساء). وعدم الطاعة لله تعالى ولرسوله تؤذن بالتنازع والفشل (الأنفال ٤٦) ، والطاعة لهما على العكس مردودها الرحمة (آل عمران ١٣٢) ، وفيها الفوز العظيم

٢٥٨

(الأحزاب ٧١) ، وثوابها الجنة (الفتح ١٧) ، والذين يطيعون : هم الذين أنعم الله عليهم (النساء ٦٩) ، وعدم الطاعة مآلها العنت (الحجرات ٧) ، وطاعته صلى‌الله‌عليه‌وسلم من طاعة الله (النساء ٨٠) ، والأمر بها لأن الرسول هو الأمين على دعوة الله (النساء ١٢٦) ، والسمع والطاعة واجبة على الجميع (التغابن ٦) ، وهى على النساء كما على الرجال (الأحزاب ٣٣) ، ولم يكن إرسال الرسل إلا ليطيعهم الناس بإذن الله (النساء ٦٤) ، والرسل صادقون لأنهم لا يتقاضون أجرا على البلاغ ، وإنما أجرهم على ربّ العالمين (الشعراء ١١٠) ، وبرهان محبة الله اتّباعه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣١) (آل عمران) ، والسمع والطاعة والاتّباع لتعاليم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الأخذ بالسنّة ، فالسنة على ذلك هى لب الإسلام ، وجوهر الدين ، ومناط المسلم ، والاعتقاد فيها ، والعمل بمقتضاها ضرورة قرآنية ، وإنكارها أو إهدار العمل بها هو إنكار للإسلام ، وإهدار للقرآن نفسه ، وتضييع للدين ، وقانا الله شرّ ذلك ، وجعلنا من أوائل العاملين بها آمين.

* * *

٢٨٩. طاعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من طاعة الله

يقول تعالى : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (٨٠) (النساء) ، فاعلم يا أخى أن طاعة رسوله طاعة له تعالى ، وفى الحديث : «من أطاعنى فقد أطاع الله ، ومن عصانى فقد عصى الله».

* * *

٢٩٠. أحكامه وأحاديثه الصحيحة واجبة

من دلائل ضرورة السنّة الصحيحة ووجوب الأخذ بأقوال وأحكام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الآية : (وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ) (١٣٢) (آل عمران) فقرن طاعته تعالى بطاعة رسوله ؛ والآية : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ) (٦٤) (النساء) ، فقضى بطاعة كل الرسل ، وقال : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (٤) (إبراهيم) ، فحدد مهمة الرسول بأنها لبيان ما أنزله الله ، فال الله تعالى فرض الصلاة ، فطاعة الله أن يصلى الناس ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيّن لنا ماهية الصلاة ، وعدد الصلوات ، وكيفيتها ، وما يقال فيها ، والتجهيز لها ، وعدد ركعاتها ، وطاعة الله إذن تكملها طاعة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كما فى قوله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٦٥) (النساء) ، فشرط الإيمان بالرضا بأحكام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والتسليم بأقواله ، والمصادقة

٢٥٩

على ما حدّث به ، وكل من طعن فى حكم أو حديث صحيح للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهو ردّه ويستتاب. وكان نزول هذه الآية الأخيرة لنفى الادعاء بأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحكم على الناس من أجل قرابته ، وفى الآية : (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) (١٠٩) (النساء) كادت تقطع يد يهودى فى سرقة اتّهم بها ظلما ، فقضى الله تعالى بأن يحكم رسوله بما أراه الله ـ أى بقوانين الشرع ، وبالنصّ الموحى به ، أو بالنظر الجارى على سنن الوحى ، فاستنّ بذلك أصلا للقياس ، وهو دليل على أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا رأى رأيا وقضى بحكم أصاب ، لأنه الله تعالى أفهمه إياه ووعّاه به ، وضمن له العصمة كأنبيائه. وفى الآية إضمار ، وهو أن يمضى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على ما عرّفه ربّه من غير اغترار باستدلال الآخرين ، وفى ذلك دستور للقضاة من بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ليحكموا بين الناس بما أراهم الله ، وللمحامين فلا يجادلون عن الخائنين ، ولا يعاضدون أهل التّهم ويدافعون عنهم بالحجج ، وفى هذا دليل على أن النيابة عن المتهم فى الخصومة لا تجوز ، إلا إذا علم أنه محق. والمحامى الذى يدافع عن خصم خوّان ، يأثم أشد الإثم ، وكذلك شهود الزور الذين يبيّتون ما لا يرضى الله من القول ، والله يعلم بما يبيّتون.

* * *

٢٩١. الطاعة لله وللرسول وأولى الأمر

الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (٥٩) (النساء) دستور إسلامى ، وللأمم دساتير ترجع إليها فى أحكامها ، والدستور مبادئ عامة ، ودستور أمة الإسلام هو القرآن والسنّة ، ومن هذين يستنبط أولو الأمر ، وعلى هدى ما فيهما يقيسون ، وإلى نصوصهما يحتكمون ويقضون بما فهموه عقلا وموضوعا. والطاعة للحاكم إذن ، ولأية قوانين تصدرها المجالس النيابية ، واجبة فيما كان لله فيه طاعة ، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية. وأولو الأمر هم أهل الاختصاص الذين يدبّرون أمور الناس وسياسة الحكم ، ويصدرون القوانين وينفذونها ويقضون بين الناس ، ويفرقون بين الحق

٢٦٠

والباطل ، والصواب والخطأ ، ويهدون الناس ويعلّمونهم ويبصّرونهم ويوعّونهم. وفى الحديث : «لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق». وسؤال أهل العلم وأصحاب الحلّ والعقد واجبة ، وهم الأدرى بما فى كتاب الله وسنة نبيّه. والطاعة لله : أى لما فى كتاب الله ، وللرسول : أى لما أتت به السنّة الصحيحة المؤكّدة الموافقة لكتاب الله وللعقل السليم. والطاعة لأولى الأمر : أى لما يقضى به العلم والخبرة والحنكة والدراية والحكمة. والطاعة امتثال للأوامر ، والمعصية ضدها. ومعنى أن يطيع أن ينقاد ، والمعصية مأخوذة من عصى يعنى اشتدّ ؛ وأولو واحدهم «ذو» على غير قياس ؛ والتنازع فى الشيء من النزع أى الجذب ، والمنازعة مجاذبة الحجج ، والتنازع التجادل والاختلاف. وردّ الشيء إلى هؤلاء إن كان المنازع فى هذا الشيء يؤمن بالله والرسول أصلا ، ويثق فى أولى الأمر. والرجوع إلى الحق خير من التمادى فى الباطل ، ويقوم الاجتهاد والاستنباط على مصداقية هذه المراجع الثلاثة : «الله ، والرسول ، وأولو الأمر» ، كقوله : (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (٨٣) (النساء) ، وأما ما كان الله يستأثر بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ، فذلك الذى يفتى فيه بقول : «الله أعلم». وفى الرواية أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مدافعا عن السنة قال : «أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرّم شيئا إلا ما فى هذا القرآن ، ألا وإنى والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء ، إنها لمثل القرآن أو أكثر» أخرجه أبو داود والترمذى.

* * *

٢٩٢. دفاعا عن السّنة

من أقوال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن ، المغيّرات خلق الله» روى ذلك ابن مسعود ، فبلغ ذلك امرأة من بنى أسد يقال لها أم يعقوب ، فجاءت فقالت لابن مسعود : بلغنى أنك لعنت كيت وكيت! قال : وما لى لا ألعن ما لعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو فى كتاب الله؟! فقالت : لقد قرأت ما بين اللوحين (أى صفحتى غلاف المصحف) فما وجدت فيه ما تقول؟! فقال : لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه! أما قرأت : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٧) (الحشر). قالت : بلى. قال : فإنه قد نهى عنه. وكما ترى أنها سألته سؤالا فلم يجبها عمّا سألت ، فمن قال إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال هذا الحديث؟ والحديث يتعارض مع أحاديث أخرى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمر المرأة التى مدّت يدها لتسلّم عليه بأن تزيّنها حتى يعرف أنها يد امرأة وليست يد سبع ؛ وأحاديث لعائشة تأمر النساء أن يتزيّن

٢٦١

لأزواجهن حتى لو بلغ الأمر أن تقلع عينا من عينيها لتضع مكانها أخرى ، ونفت عائشة أن يكون الرسول قد قال هذا الحديث الذى ذكره ابن مسعود. وأمثال هذه الأحاديث الموضوعة تلبّس على معانى القرآن ولا تفسره. والمرأة أصابت وأخطأ ابن مسعود.

* * *

٢٩٣. ما معنى الصلاة على النبىّ؟!

فى التوراة اليهودية يأتى فى تثنية الاشتراع ، الفصل الثانى والثلاثين : أن الله يميت موسى غير راض عنه ، لأنه لم يقدّس الله بين بنى إسرائيل ؛ وفى الأناجيل ، يتخلى الله عن المسيح لأنه قال عن نفسه أنا ابن الله ، فيصرخ المسيح : إلهى إلهى ، لما ذا تركتنى؟!

وأما نبىّ الإسلام فقد شرّفه الله بالآية : (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٥٦) (الأحزاب) ، فأمر الله المؤمنين أن يصلوا على النبى تشريفا له ، لأنه بلّغ الرسالة ، وأدّى الأمانة ، وجاهد فى سبيل الله ، وعلّم فكان نعم المعلّم ، وأرشد فكان نعم المرشد.

وصلاة الله عليه : هى ثناؤه عليه ، مثل هذا الثناء الذى فى الآية : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (١٠٧) (الأنبياء ١٠٧) ؛ وصلاة الملائكة عليه : هى أن يدعوا له عند ربّهم ؛ وصلاة المؤمنين عليه : هى أن يذكروه دوما ويتأسّوا به. وليست الصلاة عليه تعبّدا له ، وتأليها وتقديسا ، كما فعل اليهود فى تأليههم وتقديسهم لشعبهم ، وكفعل النصارى مع نبيّهم فجعلوه ابن الله ، وإنما الصلاة عليه هى مكافأة ينالها كلّ عبد صالح بالدعاء لمن أرشده إلى الصلاح. والصلاة على النبىّ ليست وقفا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يكن النبى بدعا بين عباد الله ، والله تعالى يقول : (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) (٤٣) (الأحزاب) ، يعنى أنه تعالى يصلى كذلك على المؤمنين ، أى يذكرهم ، فوجب عليهم أن يذكروه ، وأن يشكروا له صلاته عليهم ، كقوله : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (١٥٢) (البقرة) ، وفى الحديث عن الله تعالى : «من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى ، ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه» ، والصلاة من الله هى هذا الذكر وذلك الثناء ، وهى منه تعالى على النبى وعلى المؤمنين سواء ، بمعنى الرحمة ، وهى من الملائكة : الدعاء والاستغفار للنبىّ أو للمؤمنين كما فى قوله تعالى : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ) (٧) (غافر). وقوله تعالى (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) (٤٣)

٢٦٢

(الأحزاب) أى بسبب رحمته بالمؤمنين وثنائه عليهم ، وبسبب دعاء الملائكة والناس لهم ، يكافئهم بأن يخرجهم من ظلمات الجهل والضلال ، والغى والهوى ، والظلم والطغيان والضياع ، إلى نور الهدى واليقين والعلم والعقل. وقوله تعالى فى الآية : (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (١٥٧) (البقرة) ، أى عليهم الثناء من الله وفى الحديث : «إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف». فالصلاة من الله تعالى على النبىّ أو على المؤمنين جائزة ، وهى على المؤمنين كما هى على نبيّهم ، بحسن الذكر له ، والأخذ عنه ، والدعوة إلى ما كان يدعو ، والتحلّى بما كان يتحلّى به ، والتزام سنته الصحيحة. والفرق بين الصلاة على النبىّ ، والصلاة على المؤمنين ، أن الصلاة على النبىّ من الله تعالى والملائكة والمؤمنين : بينما على المؤمنين من الله تعالى والملائكة والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولقد نعلم أن نطلب المغفرة للمؤمنين إن جاء ذكرهم ، والبعض قد يفرد بعض المؤمنين بالسلام ، وكثيرا ما يقال : علىّ عليه‌السلام ، وعادة يفرد الأنبياء بالسلام ، كقوله تعالى : (وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى) (٥٩) (النمل) ، فيقال نوح ، أو عيسى ، أو موسى ، عليه‌السلام ، كقوله تعالى : (سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ) (١٢٠) (الصافات) ، وأما محمد فيقال : صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيفرد بالصلاة والسلام ، كقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٥٦) (الأحزاب). وفى الأحاديث المتواترة أنه قيل له صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا رسول الله! أما السلام عليك فقد عرفناه ، فكيف الصلاة؟ قال : «قولوا ، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد» ـ يقصد بذلك الصلاة كما فى التحيات ، وأما السلام فهو ما تعلمناه عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى التشهّد ، نقول : السلام عليك أيها النبىّ ورحمة الله وبركاته».

ومن الروايات فى الصلاة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما هو صحيح ، ومنها ما هو سقيم يدخل فى حيز الكذب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقد يتزيّد البعض ، فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص ، وربما الخسران. ومع أن هذه الصلاة على النبىّ التى فى التحيّات من السنن والمستحبات ، إلا أنها غير واجبة التشهّد ، بدعوى ما كان عليه السلف ، فابن مسعود لم يكن يصلّى على النبىّ فى تشهده ، وابن عمر قال : إن أبا بكر ، كان يعلّمهم التشهد وهو على المنبر كما يعلّم الصبيان فى الكتّاب ، وليس فيه ذكر الصلاة على النبىّ ، ولم يكن عمر يعلّم الناس الصلاة على النبىّ فى التشهد.

وهذا كلام منكر ، وربما منحول. والصحيح أن الصلاة عليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكر له ، وإذا كان

٢٦٣

الله تعالى وملائكته يصلون عليه ، وقد دعانا تعالى للصلاة عليه ، أفلا يكون ذلك أدعى لأن نفعل ذلك؟ وعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «البخيل من ذكرت عنده ثم لم يصلّ علىّ» ، وقال : إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصلّ علىّ» ، أو قال : بحسب امرئ من البخل أن أذكر عنده فلا يصلّى علىّ». وذلك دليل على وجوب الصلاة عليه كلما ذكر نقول : اللهم صلّ وسلّم وبارك عليه» ، أو «صلى‌الله‌عليه‌وسلم». وهو مذهب طائفة من أهل العلم ، أو قد يصلّى عليه فى المجلس الواحد مرة واحدة ثم لا تجب فى بقية هذا المجلس بل تستحب. ولم يطلب الله من المؤمنين الصلاة على أحد إلا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب لولاته : إن ناسا من القصاص قد أحدثوا فى الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. فلتكن الصلاة على النبيين ، وليكن الدعاء للمسلمين عامة ، ويدعوا ما سوى ذلك» ، فنبّه إلى أن الصلاة لا تكون للحاكم ولا تكون للمؤمنين من المؤمنين ، وإنما هى خاصة الأنبياء ـ وحتى الأنبياء لم يطلب منا الله تعالى أن نصلّى عليهم ، وجعل الصلاة على النبىّ خصيصة له وحده ، وهى مكرمته عند الله تعالى ، وأما الأنبياء فكلما ذكرنا نبيا نقرن اسمه بقولنا «عليه‌السلام». وشرط البعض أن يجمع فى الصلاة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين الصلاة والتسليم ، فلا نقتصر على أحدهما ، ولا نقول صلى الله عليه فقط ، ولا عليه‌السلام فقط ، وذلك مفهوم الآية (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٥٦) (الأحزاب).

* * *

٢٩٤. أول غزوة غزاها

هى غزوة ودّان ، غزاها بنفسه فى صفر ، وذلك أنه وصل إلى المدينة لاثنتى عشرة ليلة من ربيع الأول ، وأقام بها بقية ربيع الأول وباقى العام كله إلى صفر من سنة اثنتين من الهجرة ، ثم خرج فى صفر واستعمل على المدينة سعد بن عبادة ، حتى بلغ ودّان ، فوادع (يعنى صالح) بنى ضمرة ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا ، وهى المسماة بغزوة الأبواء.

* * *

٢٩٥. بدر أول قتال قاتله

يقول تعالى : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١٢٣) (آل عمران) ، وبدر كانت يوم سبعة عشرة من رمضان ، يوم جمعة ، بعد الهجرة بسنة ونصف ، وهى ماء سمّى به الموضع ، وكان لرجل من جهينة اسمه بدر ، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أو أربعة عشر ، أو تسعة عشرة رجلا ، وكان عدوهم ما بين التسعمائة إلى

٢٦٤

الألف ، فنصرهم الله يوم بدر ، وقتل فيه صناديد المشركين ، وعلى ذلك اليوم ابتنى الإسلام ، وكان أول قتال قاتله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحضرته الملائكة ولم تقاتل ، لأنها لا تقاتل ، وكانوا ثلاثة آلاف ، ووعدهم ربّهم إن صبروا أن يكونوا خمسة آلاف ، وكانت الفائدة فى حضور الملائكة أن تسكن قلوب المؤمنين ، فذلك قوله : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (٩) (الأنفال) ، فقد استقبل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم القبلة ومدّ يديه وجعل يهتف بربّه : «اللهم انجز لى ما وعدتنى. اللهم آت ما وعدتنى. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض».

* * *

٢٩٦. كم غزوة قاتل فيها

غزا رسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سبعا وعشرين غزوة ، وكانت سراياه ستا وخمسين ، وقيل ستا وأربعين ، وقاتل فى تسع منها ، وقيل فى اثنتى عشرة ، وهى : بدر ، وأحد ، والمريسيع ، والخندق ، وخيبر ، وقريظة ، والفتح ، وحنين ، والطائف ، وقيل : قاتل أيضا فى بنى النضير ، وفى وادى القرى ، منصرفه من خيبر ، وفى الغابة ، وهى موضع قرب المدينة من ناحية الشام.

* * *

٢٩٧. نعيت إليه نفسه

كان نعيّه الآية : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (٣٠) (الزمر) ، والميّت بالتشديد الذى سيموت ، والميت بالتخفيف من فارقته الروح ، وقيل الآية لما نزلت نعت إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفسه ، ونعت إلى الناس أنفسهم ، يعنى الموت مقدر على الإنسان فى الدنيا ، سواء كان نبيا أو كان من عامة الناس وسوادهم ، وهدفها التحذير من الآخرة ، والحثّ على العمل فى الدنيا ، والتذكير توطئة للموت ، ولئلا يختلفوا فى موته كما اختلفت الأمم فى غيره ، حتى أن عمر بعد ذلك لمّا أنكر موته ، احتج عليه أبو بكر بهذه الآية ، فأمسك. ثم إن الآية تسوّى بين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والناس إزاء الموت ، ولا تجعل منه أسطورة كأسطورة النصارى عن موت عيسى وقيامه ، وإذا استشعر الناس أن لا تفاضل بينهم فى الموت ، كثرت فيه السلوة وقلت الحسرة.

* * *

٢٩٨. سورة الفتح نعته إلى نفسه

نزلت سورة الفتح بمنى فى حجّة الوداع ، فقرأها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على أصحابه ، ومنهم

٢٦٥

أبو بكر وعمر وسعد بن أبى وقاص ، ففرحوا واستبشروا ، وبكى العباس ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما يبكيك يا عمّ؟ قال : نعيت إليك نفسك. قال : «إنه كما تقول». فعاش بعدها ستين يوما. وقال ابن عمر : نزلت بعدها : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٣) (المائدة) ، فعاش بعدها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثمانين يوما ، ثم نزلت آية الكلالة : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ) (فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (١٧٦) (النساء) فعاش بعدها خمسين يوما ، ثم نزلت : (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١٢٨) (التوبة) فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما ، ثم نزلت : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٢٨١) (البقرة) فعاش بعدها واحدا وعشرين يوما.

* * *

تمّ الباب الثانى بحمد الله. ومنّته ، ويتلوه الباب الثالث فى

«الإيمان والإسلام فى القرآن».

* * *

٢٦٦

الباب الثالث

الإيمان والإسلام

أولا : الإيمان فى القرآن

* * *

٢٩٩. ماهية الإيمان

يأتى عن الإيمان فى القرآن خمسا وأربعين مرة ، وله فلسفة خاصة عند أهل الفكر من المسلمين استنبطوها من آيات القرآن. والإيمان قول وفعل ، واعتقاد بالقلب ، ونطق باللسان ، وعمل بالأركان ، ويغلط من يقول إنه اعتقاد ونطق فقط ، أو نطق فقط ، وإنما الإيمان هو العمل والنطق والاعتقاد جميعا ، والعمل شرط فى صحته وكماله. ويطلق البعض على الإيمان إقرار المقر ، فمجرد الإقرار إيمان ، فإذا نفوا الإيمان فبالنظر إلى كماله ، يعنى بالنظر إلى أنه ليس إيمانا كاملا ، ومن يطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه يفعل فعل الكافر ، وأهل الرأى ـ ومنهم المعتزلة ـ وسط ، وعندهم الفاسق لا مؤمن ولا كافر. والإيمان ـ كتصديق ـ يزيد وينقص بكثرة النظر ، كقوله تعالى : (لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ) (٤) (الفتح) ، وقوله : (وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً) (٣١) (المدثر) ، وقوله : (أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً) (١٢٤) (التوبة) ، وقوله : (فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً) (١٧٣) (آل عمران). ويزيد الإيمان بالطاعة ، وينقص بالمعصية. والحب والبغض فى الله من الإيمان ، وأفضل الأعمال الحبّ والبغض فى الله ، ولا يجد الواحد «صريح الإيمان» حتى يحب ويبغض لله.

وللإيمان فرائض وشرائع وحدود وسنن ، من يستكملها يستكمل الإيمان ، والفرائض هى الأعمال المفروضة ، والشرائع هى العقائد الدينية ، والحدود هى المنهيات ، والسنن هى المندوبات.

والإيمان يقين ، ولذا قال إبراهيم عليه‌السلام : (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (٢٦٠) (البقرة) ، يعنى ليزداد يقينى ، ويزداد إيمانى. وفيما يروى عن معاذ بن جبل قوله لصاحبه : اجلس بنا نؤمن ساعة» ، فيجلسان فيذكران الله ويحمدانه ، فالإيمان يزيد بذكر الله ، والذكر يجدّد الإيمان ، والمؤمن يؤمن أولا فرضا ، ثم يكون أبدا مجدّدا كلما نظر أو فكر ، وتجديد الإيمان إيمان. وفى الدعاء : اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها ، واليقين هو أصل الإيمان ، وإذا أيقن القلب انبعثت الجوارح للقاء الله بالأعمال الصالحة. وحجة القائلين أن الإيمان لا يستلزم العمل قوله تعالى : (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ) (٣١) (إبراهيم) ، فسمّاهم مؤمنين قبل إقامة الصلاة. وقيل الإيمان بمعنى التصديق لا يزيد ولا ينقص ، وحجة من قالوا ذلك

٢٦٧

وأنكروا أن يزيد وينقص ، أن التصديق لا يقبل الزيادة ولا النقصان ، لأنك فيه إما تصدّق أو لا تصدّق ، ولذلك يطلق عليه اسم «الإيمان المطلق» ، بعكس «مطلق الإيمان» ، حيث يطلق على الناقص والكامل من الإيمان ، ولهذا نفى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الإيمان المطلق عن الزانى وشارب الخمر والسارق ، ولم ينف عنهم مطلق الإيمان.

والإيمان بمعنى الإقرار يسمّى «الإيمان المجمل» ، لأنه يجعل الإيمان فى الشهادة ، والتصديق فيه بمعنى الحكم ، أى الإقرار. و «الإيمان الكامل» هو بلا خلاف القائم على التصديق والإقرار والعمل ، ويسمى «الإيمان المنجى» أيضا ، لأنه ينجى من دخول النار. والإيمان الإرادى : موضوعه مسائل الدين التى تتجاوز العقل وتخرج عن نطاق العلم ، ولا يكون الاعتقاد بها إلا بالإرادة التى يوجهها الله بهداه. والإيمان الواجب : إيمان اعتقادى حيث لا يمكن البرهنة على وجود الله ، ومع ذلك هناك مصادر الإيمان الضرورية التى يرتكز عليها اعتقادنا بوجود الآمر الخلقى وهو الله. والإيمان الفطرى : هو الذى لا أساس له ، وإنما تقتضى الحكمة أن نأخذ به ونعوّل عليه ، طالما أنه لا يوجد ما يمكن البرهنة به على وجود الله.

وعموما فالإيمان فى القرآن يمكن إجماله على خمسة أوجه : فإيمان مطبوع : هو إيمان الملائكة ؛ وإيمان معصوم : هو إيمان الأنبياء ؛ وإيمان مقبول : هو إيمان المؤمنين ؛ وإيمان موقوف : هو إيمان المبتدعين ؛ وإيمان مردود : هو إيمان المنافقين. والإيمانية : وجهة النظر التى تبنى الاعتقاد فى الدين على الإيمان وليس على الدليل والبرهان. والإنسان لا يبلغ حقيقة التقوى حتى يدع ما يحيك فى صدره ، ومعنى ذلك أن بعضنا يبلغ كنه الإيمان وحقيقته ، بينما بعضنا الآخر لا يبلغهما ، وفى الحديث : «لا يكون الرجل من المتّقين حتى يدع مما لا بأس به حذرا لما به البأس» ، وفى تفسيره أن التقوى التامة ـ وهى الوقاية عن الشرك وسيئ الأعمال ، والمواظبة على الصالح منها ـ هى أن نتّقى الله حتى أننا لنترك ما نرى أنه حلال خشية أن يكون حراما. وفى الآية : (ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ) (٧٧) (الفرقان) ، قيل معنى «دعاؤكم» إيمانكم ، والدعاء عمل ، ومن ثم يكون الإيمان عمل. وفى الحديث : «الإيمان بضع وستون شعبة ، والحياء شعبة من الإيمان» ـ وفى رواية «بضع وسبعون شعبة» ، والشعبة هى الخصلة ، و «الحياء» خصلة فهو شعبة من الإيمان كما سنرى من بعد ، لكونه باعثا على معنى الطاعة ، وحاجزا عن فعل المعصية. غير أنه فى المثل : ربّ حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير ؛ وهذا الحياء ليس هو الحياء الشرعى ، لأنه فى الحياء الشرعى ، يخاف الحيّى فضيحة الدنيا والآخرة ، فيأتمر وينزجر. وشعب الإيمان تتفرع عن

٢٦٨

أعمال القلب واللسان والبدن ؛ فأعمال القلب : هى المعتقدات والنيّات ، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة ، هى : الإيمان بالله ، وبذاته وصفاته ، وتوحيده ؛ والإيمان بملائكته ، وبكتبه وبرسله ؛ والإيمان بالقدر خيره وشرّه ؛ والإيمان باليوم الآخر ؛ وبالبعث والنشور ؛ وبالحساب والميزان ؛ وبالصراط ؛ والجنة والنار. ومن خصل الإيمان : محبة الله ومحبة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ ومنها الإخلاص بمعنى ترك الرياء والنفاق ؛ والتوبة ؛ والخوف ؛ والرجاء ؛ والشكر ؛ والوفاء ؛ والصبر ؛ والرضا بالقضاء ؛ والتوكل ؛ والرحمة ؛ والتواضع ؛ وترك الكبر والعجب ؛ وترك الحسد ؛ وترك الحقد ، وترك الغضب. فهذه أربع وعشرون خصلة. وأما أعمال اللسان : فتشتمل على سبع خصال ، هى : التلفظ بالتوحيد ؛ وتلاوة القرآن ؛ وتعلّم العلم ؛ وتعليمه ؛ والدعاء ؛ والذكر وفيه الاستغفار ؛ واجتناب اللغو. وأما أعمال البدن : فخصالها ثمان وثلاثون ؛ ما يختص منها بالأعيان خمس عشرة ، هى : التطهّر حسّا وحكما ، ومنه اجتناب النجاسات ؛ وستر العورة ؛ والصلاة فرضا ونقلا ؛ والزكاة ؛ والعتق ؛ والجود ـ ومنه إطعام الطعام وإكرام الضيف ؛ والصيام فرضا ونقلا ؛ والحج ؛ والعمرة ؛ والطواف ؛ والاعتكاف ؛ والتماس ليلة القدر ؛ والفرار بالدين والهجرة من دار الشرك ؛ والتحرّى فى الإيمان ؛ وأداء الكفّارات. وما يختص منها بالاتباع : ست خصال ، هى : التعفف بالزواج ؛ والقيام بحقوق العيال ؛ وبرّ الوالدين واجتناب العقوق ؛ وتربية الأولاد ؛ وصلة الرحم ؛ وطاعة الأكابر. وما يختص بالجماعة والدولة سبع عشرة خصلة ، هى : العدل بين الناس ؛ ومتابعة الجماعة ؛ وعدم الخروج على الحكومات ؛ والإصلاح بين الناس ؛ والمعاونة على البر والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ وإقامة الحدود ؛ والجهاد والمرابطة ؛ وأداء الأمانة ؛ وأداء الضرائب العامة ؛ والوفاء بالديون ، وإكرام الجار ؛ وحسن المعاملة ؛ وجمع المال من الحلال ، وإنفاقه فى الحلال ، وترك التبذير والإسراف ؛ وردّ السلام ؛ وتشميت العاطس ؛ واجتناب اللهو ؛ وإماطة الأذى عن الطريق.

فهذه تسع وستون خصلة ، وقد يضم بعضها إلى بعض أو يفرد بعضها دون البعض ، فتصبح تسعا وسبعين خصلة ، أو أقل من ذلك أو أكثر من ذلك. وأعلى هذه الخصال جميعها إقرارك بأن لا إله إلا الله ، فهذه هى كمال الخصال التى ينبّه إليها القرآن كما سنرى من بعد ، وأدناها إماطة الأذى من الطريق.

ومن الإيمان أن : يحب المرء للناس ما يحبه لنفسه ، وفى الحديث عن أنس : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» ، وفى رواية : «ما يحب لنفسه من الخير». والحديث يتناول حقيقة الإيمان ، أى الكمال ، فالذى يحب للناس ما يحبه لنفسه هو هذا الذى بلغ

٢٦٩

حقيقة الإيمان. والمحبة هى إرادة ما نعتقد أنه خير ، وميل إلى ما يوافق المحب ، وقد تكون المحبة بالحواس أو بالفعل ، أو بالإحسان كجلب نفع أو دفع ضرر. وظاهر الحديث طلب المساواة بين الناس ، والمساواة هدف من أهداف الإسلام ، وركن من أركان الإيمان ، وحقيقة المساواة تستلزم التفضيل ، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل فى جملة المفضولين. ومن مفهوم الحديث : أن من الإيمان كذلك : أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر.

ومن الإيمان فى الإسلام حب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى الحديث : «فو الذى نفسى بيده ، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده». وفى رواية عند أنس : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». ومقصوده صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو حب الاختيار وليس حبّ الطبع. ومن لا يجد من نفسه ذلك الحب للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يكمل إيمانه ، فلما قال له عمر : لأنت يا رسول الله أحبّ إلىّ من كل شىء إلا من نفسى! قال : «لا والذى نفسى بيده ، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك!» وهذا النمط من المحبة هو المحبة الراجحة ، أى التى ترجح على غيرها. وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار». رواه أنس. ومحبة الله على قسمين : فرض وندب ؛ فالفرض : المحبة التى تبعث على امتثال أوامره تعالى والانتهاء عن معاصيه ، والرضا بما قدّره ؛ والندب : أن يواظب على النوافل ، ويتجنّب الوقوع فى الشبهات. وكذلك محبة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على قسمين كما تقدم ، فلا يسلك إلا طريقته ـ أى طريقة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ويرضى بشريعته. ومن يجاهد نفسه على ذلك يجد حلاوة الإيمان. فهل للإيمان حلاوة؟ أجل : هى استلذاذ الإيمان ، فتحصل له من خلال الطاعة محبة الله ، وكذلك الرسول. وحقيقة الحب فى الله أن لا يزيد البر ولا ينقص بالجفاء.

والإيمان بالقول وحده لا يتم إلا بانضمام الاعتقاد إليه ، والاعتقاد فعل القلب. وفى الآية : (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢٢٥) (البقرة) أى بما استقر فيها ، فلا مؤاخذة إلا بما ينعقد به القلب ، والقلب مناط العلم ، والعقل للإدراك ، فما ندركه لا يدوم إلا إذا استقر فى القلب ، وباستقراره فيه يصبح علما ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا أمرهم من الأعمال بما يطيقون قالوا : إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله. إن الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فيغضب حتى يعرف الغضب فى وجهه ثم يقول : «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» ـ فيظهر من قوله أن العلم بالله درجات ، وأن البعض فيه أفضل من البعض ، وأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أعلى الدرجات ، وأن العلم بالله هو العلم بصفاته وأحكامه ومتعلقاتهما ، وهذا هو الإيمان حقا.

٢٧٠

ومعرفة الله واجبة. والقلب مناط المعرفة ، والإسلام على مذهب أن أفعال القلوب يؤاخذ بها إن استقرت ، ولا ينافى ذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الله تجاوز لأمتى عمّا حدّثت به أنفسها ، ما لم تكلم به أو تعمل» ـ يعنى ما لم يستقر فى القلب.

وغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الحديث الأسبق من جهة أن حصول الدرجات لا يوجب التقصير فى العمل ، بل يوجب الازدياد شكرا للمنعم ، على قدر الطاقة والوسع ، مما يسهّل عليهم الدوام عليه ، يقول : «أحبّ العمل إلى الله أدومه». وعلى ذلك فإذا كان العلم كما فى السابق يرقّى صاحبه ، فكذلك الأعمال الصالحة ترقي صاحبها إلى المراتب السنية ، وليس أدعى للإنسان إذا بلغ الغاية فى العبادة أن يواظب عليها استبقاء للنعمة ، واستزادة للشكر عليها ، وطلبا للكمال الإنسانى ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم له هذه الرتبة العلية ، فقد قال فى العلم «أعلمكم» ، وقال فى العمل «أتقاكم» ، وفى رواية قال : «وأعلمكم بالله لأنا» وقال «والله إنّ أبركم وأتقاكم أنا» قالهما تأكيدا.

ومن الإيمان : الحياء كما سبق ، وفى الآية : (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ) (٥٣) (الأحزاب) ، والحياء كالإيمان يمنع من ارتكاب القبائح فلما مرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الرجل يعظ أخاه فى الحياء ، قال : «دعه ، فإن الحياء من الإيمان» وفى رواية : «الحياء شعبة من الإيمان» فسمّاه إيمانا كما يسمى الشيء باسم ما يقوم مقامه ، فإن قلنا الحياء من الإيمان فهو مجاز ، وفى علم النفس الحياء من خصائص الإنسان دون الحيوان ، ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهى فلا يكون كالبهيمة ، وهو انقباض النفس خشية ارتكاب ما تكره. وهو إن كان فى محرم فهو واجب ، وإن كان فى مكروه فهو مندوب ، وإن كان فى مباح فهو العرفى. والحياء المباح هو الذى على وفق الشرع إثباتا ونية ، والمعاصى مذلة ، وتركها مروءة ، ومن اعتاد تركها صارت له ديانة. وفى الأمثال : خف الله على قدر قدرته عليك ، واستحى منه على قدر قربه منك ..

والبرّ اسم آخر للإيمان ، وفى الآية : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (١٧٧) (البقرة) ، أن التصديق وحده لا يكفى فى الإيمان ، ولكنه التصديق مع هذه الأعمال التى حددتها الآية ، وكلها تدخل فى الإيمان مع انضمامها للتصديق فى مسمى البرّ الذى هو الإيمان ، وكان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا

٢٧١

رسول الله ، ومات على ذلك ، وجبت له الجنة ، فأنزلت هذه الآية لتغيّر من هذا المفهوم. والصواب أن الآية نزلت فيمن شقّ عليه التحول من بيت المقدس إلى الكعبة فى الصلاة بعد أن نزل الأمر بذلك ، فأنزل الله بيان حكمته من هذا التغيير وكان اليهود والمسلمين يتوجهون إلى المغرب قبل بيت المقدس ، والنصارى يتجهون إلى المشرق ، وتكلم الثلاثة فى مسألة القبلة وتحويلها ، والمسلمون على القول بأن يظلوا على توجّههم لبيت المقدس ، فقيل لهم : ليس البرّ ما أنتم فيه ، ولكن البرّ من آمن بالله الآية ، والكلام فيها ليس فى القبلة وإنما فى الإيمان ، وحقيقة الإيمان العمل ، ويشمل الإيمان خمس خصال ، هى : الإيمان بالله ، وباليوم الآخر ، والملائكة ، والكتب المنزلة ، والنبيين. وأما العمل فيشمل : أولا : الإنفاق حبا فى الأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين ، ومساعدة المكاتبين قديما ممن لا يجدون ما يؤدونه ليتحرروا ، وحديثا مساعدة الطلبة ممن لا يجدون المال للتعلّم ؛ وثانيا : إقامة الصلاة ؛ وثالثا : إيتاء الزكاة. وفى الحديث : «فى المال حقّ سوى الزكاة» ، يعنى أن إيتاء المال حبا فى الفئات الست السابقة ليس من الزكاة ، فالزكاة بخلافه ؛ ورابعا : الموفون بالعهد ، ونقيضهم المنافقون ؛ وخامسا : الصابرون على الفقر وفى حال المرض وعند نزول الشدائد والحروب ، فالذين يعملون ذلك هم الكاملون كمسلمين ، صدقوا فى إيمانهم بالأقوال والأفعال ، وهم المتّقون ، ثبت الإيمان فى قلوبهم طاعة لله.

* * *

٣٠٠. موانع الإيمان

الإيمان فطرة فى الإنسان ، وإنما يعوق الفطرة شيئان أو مانعان ، كقوله : (وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً) (٥٥) (الكهف) ، وسنّة الأولين أن يهلكوا بأمر الله ، فما كانوا يصدّقون أن العذاب حاق بالأولين ، وقالوا : (إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (٨٣) (المؤمنون) ، وقالوا : (وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) (٣٦) (القصص) ؛ والمانع الثانى عن الإيمان كان تحدّيهم أن يتنزل عليهم العذاب فيعاينوه مواجهة ، فبهذا وحده يؤمنون ، وهو قوله تعالى : (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً) (٥٥) (الكهف) أى حالا ، كقولهم : (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣٢) (الأنفال).

* * *

٣٠١. لا إيمان بالإكراه

فى قوله تعالى : (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (٩٩) (يونس) دليل على أن الإسلام لا يجبر عليه الناس ؛ ومثل ذلك قوله

٢٧٢

تعالى لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) (٤) (الشعراء) فقد كان حريصا على إيمان جميع الناس ، فأخبره الله تعالى أن الإيمان ليس بالإكراه ولكن بالامتناع ، وليس قسرا ولكنه اختيار ؛ وباخع نفسك يعنى قاتل نفسك يا محمد لتركهم الإيمان ، ولو أراد الله للناس الإيمان إكراها لأنزل من السماء معجزة يذلّون بها ، ويلوون إليها أعناقهم إكبارا ورهبا ، وذلك هو إذلال الرقاب ، وإذا ذلت الرقاب ذلّوا.

* * *

٣٠٢. الإيمان : هل هو العمل؟

القائلون أن الإيمان هو العمل يدللون على قولهم بالآيات : (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٧٢) (الزخرف) ، (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (٩٢) (الحجر) ، (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) (٦١) (الصافات) ، وهذه آيات عامة فى الأعمال ، وفى الحديث لمّا سئل صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أى العمل أفضل؟ قال : «إيمان بالله ورسوله» فدلّ على أن الاعتقاد والنطق من جملة الأعمال. فإن قيل وكيف الجمع بين هذا الحديث وتلك الآيات. والحديث الآخر الذى يقول : «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله»؟ والجواب أن الثابت فى الآيات والحديث أن دخول الجنة بالعمل المتقبّل ، بينما فى الحديث الأخير نفى أن يكون دخولها بالعمل المجرّد عن القبول ، والقبول إذن شرط العمل فى الحالتين.

* * *

٢٠٣. حجة من قال : الإيمان قول باللسان

فى الآية : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (٨) (البقرة) ، فإن قوله تعالى (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) رد على من يقول : إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد بالقلب ونسمع ذلك من كثير من المهنيين والصحفيين والمتعلّلين بالنطق بالشهادتين ، وقديما كانت هناك فرق إسلامية كالكرامية قالت بذلك ، ويبدو أن أمثال أصحابنا الدكاترة فى الصحف المصرية من نسل هؤلاء الكرامية ، وأكرمونا من تعاليمهم وأقوالهم بالكثير ، مع أن فلسفات العمل في الفكر الأوروبى لا تحصى ولا تعد. ومن الكرامية قديما خرجت الطرائقة ، والإسحاقية ، والهيصمية ، والقائمة طويلة وتنتهى إلى أصحابنا اليوم ورأسهم المستشار إياه ، ويحتج من يعرف منهم القرآن ، كاحتجاج المستشرقين بالآية : (فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا) (٨٥) (المائدة) ، يعنى المسألة عندهم مسألة قول فقط ، وهذا قصور فى الوعى وأى قصور ، وجمود فى الفهم وأى جمود ، وإهمال لما أكده القرآن وجاءت به السنّة من العمل

٢٧٣

مع القول والاعتقاد ، وفى الحديث : «الإيمان معرفة بالقلب ، وقول باللسان ، وعمل بالأركان» أخرجه ابن ماجة ، وما قاله ابن كرام قديما ، وأصحابه التنويريون واللبيراليون والعلمانيون من صحفيى هذا الزمان ، هو النفاق وعين النفاق.

* * *

٣٠٤. الردّ على من قال إن الإيمان قول باللسان

الفرق التى قالت الإيمان قول باللسان كثيرة ، وما يزال البعض حتى اليوم يردد أقوالهم دون تمحيص. قالوا : «إن الإيمان قول باللسان وإن لم يعتقد القلب». ومن هؤلاء الفرقة التى كانت تدعى الكرامية ، وتتبع أبا عبد الله محمد بن كرام ، وكان من الزاهدين ، إلا أنه انحرف عن جادة الإسلام والإيمان ، واعتقد رأيه كثيرون وقالوا مقالته. وفى الآية : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) (٨) (البقرة) ردّ داحض عليهم ، والآية تنفى عنهم صفة الإيمان (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) ، وفى الحديث ردّ آخر عليهم ، قال : «الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان ، وعمل بالأركان». وبالطبع فإن الكرامية وأمثالهم كانت لهم دفوعهم ، واحتجوا بقوله تعالى : (فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا) (٨٥) (المائدة) ، ولم يقل «بما قالوا وعملوا» ، أو «بما قالوا وأضمروا من النية» ، فأسقط العمل واقتصر على القول ، كما احتجوا بالحديث : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم» أخرجه الأئمة الستة ، يعنى مجرد الشهادة تعصم دماءهم ، والشهادة قول. غير أن استشهاد هؤلاء بما استشهدوا به ، وبما خلصوا إليه ، فيه قصور وجحود ، وتجاوز لما فى القرآن ، وما فى السنّة ، من ربط العمل بالقول والاعتقاد كأساس للإيمان.

* * *

٣٠٥. الإيمان والإسلام والإحسان

يأتى عن الإيمان فى القرآن ٤٥ مرة ، وعن المؤمنين والمؤمنات ٢٠٧ مرة ، وعن الإسلام ١٠ مرات ، وعن المسلمين والمسلمات ٤١ مرة ، وعن الإحسان ١٣ مرة ، وعن المحسنين والمحسنات ٣٤ مرة ، وقوام كل ذلك بالإيمان. وفى الحديث عن الرجل الذى سأل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما الإيمان قال : «الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وبلقائه ، ورسله ، وتؤمن بالبعث» فسأله : ما الإسلام؟ قال : «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به ، وتقيم الصلاة ، وتؤدّى الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان» فسأله : ما الإحسان؟ قال : «أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم جعل الإسلام : اسما لما ظهر من الأعمال ، والإيمان : اسما لما بطن

٢٧٤

من الاعتقاد ؛ والإحسان : اسما لإتقان العبادة. والثلاثة : الإسلام ، والإيمان ، والإحسان قوام الدين ، والتفريق بينها تفصيل لجملة الدين ، وفى القرآن : (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٣) (المائدة) ، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (٨٥) (آل عمران) ، فالدين : أساسه التصديق الذى هو الإيمان ، وعمدته الأعمال التى هى الإسلام ، وحسن العبادة الذى هو الإحسان. وكان السؤال عن كلّ على حدة ، فكان عاما ، فردّ عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ردّا خاصا. والحديث من جوامع كلم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأصل عظيم من أصول الدين ، وقاعدة مهمة للمسلمين ، وهو مرجع الصدّيقين ، وكنز العارفين ، ودأب الصالحين. وحسن إسلام المرء من الإيمان ، وفى الحديث : «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه يكفّر الله عنه كل سيئة كان زلفها» ، وحسن الإسلام ـ وهو درجة الإحسان ، هو الإخلاص فى الدين والدخول فيه بالباطن والظاهر. وللإيمان حلاوة ، وإفشاء السلام ، والجهاد ، وصوم رمضان احتسابا ، والصلاة ، والزكاة ، واتباع الجنائز ، كل ذلك من الإيمان ، ومتّبعها هو المؤمن المحسن.

* * *

٣٠٦. الغيب من الإيمان

يأتى عن الغيب فى القرآن ٤٨ مرة ، والغيب فى كلام العرب كل ما غاب عنك ، ويقال أغابت المرأة فهى مغيبة إذا غاب عنها زوجها ، والغيبة والغيابة الهبطة من الأرض ، والغيابة الأجمة وهى جماع الشجر يغاب فيها. ويسمى المطمئن من الأرض الغيب لأنه غاب عن البصر. والغيب فيه عدة تفاسير ، منها أنه الله ، ومنها أنه القضاء والقدر ؛ والغيب كل ما أخبر به الرسول مما لا تهتدى إليه العقول ، من أشراط الساعة ، وعذاب القبر ، والحشر ، والنشر ، والصراط ، والميزان ، والجنة ، والنار ، (وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) (٢٤) (التكوير) أى ليس متهما وإنما مصدّق : والإيمان بالغيب هو الإيمان الشرعى كما فى حديث جبريل عن الإيمان قال : أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره. وقال عبد الله بن مسعود : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ، وقرأ : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (٣) (البقرة). وفى قوله تعالى : (وَما كُنَّا غائِبِينَ) (٧) (الأعراف) يعنى أنه تعالى وإن كان غائبا عن الأبصار ، وغير مرئى فى هذه الدنيا ، فهو غير غائب بالنظر والاستدلال ؛ والمتقون هم : (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) (٤٩) (الأنبياء) ، يعنى يخشونه فى سرائرهم وخلواتهم التى يغيبون فيها عن الناس ، لعلمهم باطلاعه عليهم ، أو أن خشيتهم له بالغيب أى بضمائرهم وقلوبهم :

وبالغيب آمنا وقد كان قومنا

يصلّون للأوثان قبل محمد

٢٧٥

والله وحده عالم الغيب فإذا اطّلع أحد على شىء منه فإنما بأمره : (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) (١٢٣) (هود) وهو تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ) (٩) (الرعد) ، و (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً) (٢٦) (الجن) ، وهو (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (١٠٩) (المائدة). وغيب السموات والأرض كل ما غاب عن العباد فيهما ، وقد ينصرف المعنى إلى علم ما غاب فيهما ، وعلمه تعالى بالغيب والشهادة أى بما غاب عن الخلق وبما شهدوه ، فلا يظهر علمه إلا لمن ارتضى من رسول ـ قيل الرسول هو جبريل ، أو أنه يظهره لأنبيائه بما يدعّم موقفهم ويقوّيهم على رسالاتهم ، كقول يوسف : (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) (٤٩) (آل عمران) ، فهذه آيات جعلها الله معجزة يوسف ودلالته على النبوة. وقوله علّام الغيوب أى كان وما يزال ولن يزال عالما بالغيوب. وليس المنجّم ، ولا من يضاهيه ، كالذى يضرب بالحصى ، وينظر فى الكتب ، ويزجر بالطير ، كمن ارتضاهم الله من رسول فيطلعه على الغيب ، بل المنجم كاذب فى حدسه وتخمينه ، وما كان للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم منجّم. والذى يصدّق المنجّم فى مسائل الغيب كمن يتخذ من دون الله ندا أو ضدا ، وعن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اللهم لا طير إلا طيرك ، ولا خير إلا خيرك». ومما قال علىّ بن أبى طالب : أيها الناس ، إياكم وتعلّم النجوم إلا ما تهتدون به فى ظلمات البر والبحر ، وإنما المنجّم كالساحر ، والساحر كالكافر ، والكافر فى النار ، وقال : يا أيها الناس ، توكلوا على الله وثقوا به فإنه يكفى مما سواه.

* * *

٣٠٧. الحياء من الإيمان

فى الحديث : «الحياء شعبة من الإيمان» ، أى أثر من آثار الإيمان. وحقيقة الحياء خوف الذمّ بنسبة الشر إلى صاحب الحياء. والحياء فى محرّم واجب ، وفى مكروه مندوب ، وفى المباح عرفى ، وفى الحديث : «الحياء لا يأتى إلا بخير» ، وفى الخبر قيل : رأيت المعاصى مذلة ، فتركتها مروءة ، فصارت ديانة. يعنى انغرست فى النفس وصارت فطرة فيها. والمؤمن الذى يتقلّب فى نعم الله يستحى أن يستعين بها على معصيته ، وفى المثل : خف الله على قدر قدرته عليك ، واستحى منه على قدر قربه منك. وفى التنزيل : (إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) (٢٦) (البقرة) ، أى لا يخشى ؛ وفى قوله : (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) (٣٧) (الأحزاب) ، بمعنى تستحى ؛ وعن أم سلمة أنها جاءت إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تقول : إن الله لا يستحى من الحق ـ يعنى لا يأمر بالحياء فى الحق ؛ وفى التنزيل : (إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِ) (٥٣) (الأحزاب) إثبات أن الاستحياء علّة فى البشر ، ولكنه ليس فى الله تعالى.

* * *

٢٧٦

٣٠٨. كيف يمكن الإيمان بالقرآن والتوراة والإنجيل مع تنافى أحكامها؟

لما نزلت : (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (٤) (البقرة) قال الناس : «كيف يمكن الإيمان بالقرآن والتوراة والإنجيل مع تنافى أحكامها؟

والجواب : أن الإيمان هو أنها جميعها نزلت من عند الله ، غير أن المسلمين لم يأمروا بالتعبّد بما تقدم من الشرائع ، وجعل إيمانهم بالتوراة والإنجيل فيما لا يختلف عمّا فى القرآن ، وفيما لم يحرّفوه منهما ويغيّروا فيه ، وما لم ينسخ منهما بالقرآن.

* * *

٣٠٩. الواهمون أن الجاهلية تعود

الناس عرفوا الله بالأنبياء ، ولمّا عرفوا أسلموا ، والجدال فى الله من بعد أن ترسّخ الإسلام وصار هناك مسلمون عبث ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (١٦) (الشورى) ، يعنى هؤلاء الذين يريدون الناس على الكفر من بعد ما أسلموا ، حجتهم باطلة ، ويتوهمون إمكان أن تعود الجاهلية ، فبعد الإسلام يستحيل أن تكون جاهلية ، ولذا فمن ذهبوا إلى أننا نعيش جاهلية ثانية غالطون.

* * *

٣١٠. الشرك نقيض الإيمان

لما نزلت : (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (٨٢) (الأنعام) ، شقّ ذلك على أبى بكر وعلىّ وسلمان وحذيفة فقالوا : أيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ليس هو كما تظنون. إنما هو كما قال لقمان لابنه : (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (١٣) (لقمان)». والذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم ، فئة وحدها أفردها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الحديث عن الرجل الذى سأله عن الإيمان ، فقال له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت» ، فقال الرجل : قد أقررت ، وبعد إقراره هوى من فوق ناقته فمات ، فقال فيه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هذا من الذين قال الله عزوجل فيهم : (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ) الآية.

ولقد فهم الصحابة من قوله تعالى «بظلم» عموم أنواع المعاصى ، ولم ينكر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فهمهم وبيّن لهم أن المراد أعظم أنواع الظلم وهو «الشرك» ، فدلّ على أن للظلم مراتب ، وأن الآية من العام الذى أريد به الخاص وهو : الشرك أعلى مراتب الظلم.

* * *

٢٧٧

٣١١. الكفر ضد الإيمان

كلما يذكر المؤمنون فى القرآن يذكر الكافرون ، والكفر ضد الإيمان ، يقول تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٦) (البقرة) ، فالكفر إذن هو المقابل للإيمان ، وقد يكون الكفر بمعنى جحود النعمة والإحسان ، ومنه قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى النساء : «ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم أفظع ، ورأيت أكثر أهلها النساء» ، قيل : بم يا رسول الله؟ قال «بكفرهن» ، قيل : أيكفرن بالله؟ قال : «يكفرن العشير ، ويكفرن الإحسان. لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط» أخرجه البخارى. وأصل الكفر فى كلام العرب الستر والتغطية.

* * *

٣١٢. الإيمان نصفان

الإيمان فى قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (٥) (إبراهيم) نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر. والصبّار : هو كثير الصبر على طاعة الله ؛ والشكور : هو كثير الشكر على نعم الله وآلائه.

* * *

٣١٣. كمال الإيمان

فى قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ) (١٨٥) (الأعراف) ، وقوله : (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها) (٦) (ق) ، فإن «أفلم ينظروا» و «أو لم ينظروا» أسلوب للنظر والاستدلال على وجود الله تعالى وقدرته وكمال علمه. والنظر والاستدلال هما أول طرق المعرفة لله ، لأنه تعالى لا يعلم ضرورة ، وإنما يعلم بالنظر والاستدلال ، أى بالأدلة التى نصبها لمعرفته. ومن لم يعلم الله نظرا واستدلالا فهو جاهل ، والجاهل بالله كافر. ومن أقوال البعض : أن الإيمان يصحّ باليقين المتحصّل بالتقليد والاعتبار بما قال الله ، والناس اصطلحوا على تسمية العامة المقلّدين «مؤمنين» ، ولو كان النظر والاستدلال لازمين للإيمان لما صحّ أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال. وعندنا أن الإيمان بالتقليد إيمان على حرف ، وإيمان منقوص ومعيب ، فحتى العامة لا يخلو الأمر عندهم من النظر أو الاستدلال ، وقولهم أنهم عرفوا الله بالبديهة هو نوع من الاستدلال لم يفصحوا عنه ولكنهم أحسّوه ، فقد عرفوا أن لكل محدث (بالفتح) لا بد من محدث (بالكسر) ، ولكل فعل لا بد من فاعل ، وأنه فى النهاية فلا فاعل ولا محدث ولا خالق إلا الله. ولكمال الإيمان أوصاف ، أجمع أهل العلم

٢٧٨

عليها ، كأن يقول المؤمن : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأن كل ما جاء به حق ، وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام ، فذلك هو المسلم ، فإن أظهر الكفر من بعد فهو مرتد : والناس على القول : أن أول الواجبات : الإيمان بالله ، وبرسوله ، وبجميع ما جاء به ، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله ، فيتقدم وجوب الإيمان على المعرفة بالله ، لأنه لو كانت المعرفة بالله مقدمة على الإيمان لأدّى ذلك إلى تكفير الناس ، فهل يعرف الله إلا القليل! فالنظر والاستدلال فى علم الإسلام ، ليس ما نقصد إليه فى علوم الفلسفة ، ولكنه نوع النظر والاستدلال اللازم للحياة ، ولقد عرف الأعرابى الله بالدليل والبرهان والحجة والبيان ، فقال : البعر تدل على البعير. ولمّا سأل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم المرأة العجوز السوداء : «أين الله» قالت : فى السماء ، فقال لها : «من أنا»؟ قالت : أنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. قال : «اعتقها فإنها مؤمنة» ، فكان هناك نظر واستدلال ولكنهما من النوع البسيط المعروف باسم الإدراك البسيطcommon sense أو الفطرة ، فإن كان النظر والاستدلال عند العامة بسيطان ، فإنهما أعلى بكثير مما عند سائر الحيوان ، وذلك هو ما يميز الأحمق والمجنون من الإنسان العاقل ، والله تعالى بأبسط مقاييس النظر والاستدلال موجود ، والإيمان به واجب وضرورة ، ومن لا يؤمن بالله فهو الجاهل حقا ، والمحروم صدقا.

* * *

٣١٤. الكامل الإيمان

الآية : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) (٢٢) (الزمر) ، يشرحها الحديث لمّا سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كيف ينشرح صدر المؤمن للإسلام؟ قال : «إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح» فسئل : يا رسول الله ، وما علامة ذلك؟ قال : «الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافى عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله» ، فذكر صلى‌الله‌عليه‌وسلم خصالا ثلاثة ، فمن كانت فيه فهو الكامل الإيمان ، لأن الإنابة : هى أعمال البرّ ، وما جعلت دار الخلود إلا جزاء لأعمال البر ، فإذا خمد حرصه عن الدنيا ، ولم يطلبها حثيثا ، وأقبل على ما يغنيه عنها فاكتفى وقنع ، فقد تجافى عن دار الغرور ، فإذا أحكم أموره بالتقوى ، وتأدّب فى كل شىء متثبتا حذرا ، يتورع عمّا يريبه إلى ما لا يريبه ، فقد استعد للموت. فهذه العلامات الثلاث هى علامات الإيمان الأكيد ، وما صار له هذا الإيمان إلا لمّا صار هكذا لرؤية الموت ، ورؤية الموت تدفع إلى الانصراف عن الدنيا ، والتعامل معها باعتبارها دار غرور ، وكل ذلك لا يصير إليه إلا بالنور الذى يلج قلبه إذا انشرح قلبه للإسلام.

* * *

٢٧٩

٣١٥. القضاء والقدر من الإيمان

القضاء : هو العلم بوجود الموجودات جملة ؛ والقدر : عبارة عن وجودها الوجود الخارجى مفصلة واحدا بعد واحد ؛ وأما العناية : فهى علم الله بالموجودات على أحسن النظام والترتيب. وفى قوله تعالى (وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) (٣٧) (الأحزاب) : أنّ القضاء هو الأصل المقصود ، والقدر يتبعه ، مثل الذى يقصد مدينة فينزل فى الطريق ليستريح فى قرية ، فلم يكن قصده القرية ، وإنما المدينة ، ولكنه دخل القرية ، وهو خير ، وكل ما فى العالم من خير فهو بقضاء ، وكل ما فيه من شر أو ضرر فهو بقدر ، مثل النار فهى مخلوقة للنفع ، فلما اجتمعت الأسباب لاحتراق بيت من البيوت كان ذلك بالنار ، وهو قدر. ومن قضائه تعالى : أن أى شىء يمكن أن يحترق بالنار فإن النار تحرقه لو مسّته ، وما يجرى منه تعالى على وجه يدركه العقل نقول إنه بقضاء ، وما يكون على وجه لا نفهمه لقصور عقولنا عنه نقول أنه بقدر. والقضاء من الله : وهو الأمر أولا ، والقدر : هو التفصيل بالإظهار والإيجاد. والقضاء : وجود كل الموجودات فى الكتاب المبين وفى اللوح المحفوظ على سبيل الإبداع ، فى شكل مشروع أو خطة ؛ والقدر : هو وجود الموجودات مفصّلة ومتعينة ومتحققة بعد توفر شرائط ذلك ؛ والمثل على الاثنين قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (٢١) (الحجر). والقضاء : هو ما فى علم الله ، والقدر : هو ما يتحقق من هذا العلم بالإرادة. وفى الآية : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٨٢) (يس) ، هناك إرادة وقول ، والإرادة قضاء ، والقول قدر. ثم القضاء قسمان : قضاء محكم ، وقضاء مبرم ، والأول : هو القضاء الذى لا تغيير فيه ولا تبديل ، والثانى : هو الذى يمكن فيه التغيير والتبديل ، كقوله تعالى : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) (٣٩) (الرعد) ، بخلاف القضاء المحكم : فإنه المشار إليه بقوله تعالى : (وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (٣٨) (الأحزاب). ومن موجبات الإيمان : ترك الاعتراض على الله تعالى ، والرضا بقدر الله المقدّر ، وبقضائه المبرم. انظر أيضا القضاء ضمن باب الاسماء والمصطلحات ، وكذلك القدر والقدرية).

* * *

٣١٦. حلاوة الإيمان

يستشعر المؤمن للإيمان حلاوة ، وغيره قد لا يجد فيه إلا المرارة ، وحالهما كحال الصحيح الذى يستطعم العسل ويتذوق حلاوته ، ومريض الصفراء الذى يجد للعسل مرارة ، وشبّه الله تعالى الإيمان بالشجرة الطبية : (أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ) (إبراهيم) ، فأصل الشجرة : هو الإيمان ، وأغصانها مستتبعاته ومطلوباته ،

٢٨٠

وورقها الطاعات ، وثمرها الثواب ، وحلاوة الثمر لمن كان الإيمان ملء حياته وقلبه وتفكيره ، فكلما زاد ذلك فيه كلما اشتدت حلاوة الإيمان. وفى الحديث : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ..» ومن هذه الثلاث : محبة الله ورسوله ، أخرجه البخارى والحديث يشبّه رغبة المؤمن فى الإيمان ، وطلبه له ، والشغف به ، بالرغبة فى الشيء الحلو ، يسعى إليه ، ويتكلّف له. وينقص الإيمان بنقص الصحة ، فكلما نقصت الصحة كلما نقصت قدرة المتذوّق على التذوّق ، وكذلك المؤمن لو نقص إيمانه ، ينقص تذوقه لحلاوة الإيمان. والاستعارة فى مجملها فى الآية والحديث تخيلية ، والتعبير بالمشاهد ، واللذائذ المحسوسة للإيمان ، إنما لتقريب المعنى. والمؤمن فى أول أمره قد يستثقل تكاليف الإيمان ، كالمريض قد تعاف نفسه الدواء ، ولكن عقله يفرض عليه تناوله ، فكذلك الإيمان يفرض أن يأخذ المؤمن بالأوامر والمنهيات فى الدين ، لأنهما لا يأمران ولا ينهيان إلا بما فيه الصلاح العاجل أو الخلاص الآجل ، والعقل يقتضى رجحان جانب يتمرس على الائتمار به ، فيصير هواه معه ، ويلتذ لذلك التذاذا عقليا ، وهو أن يدرك ما هو كمال وخير من حيث هما كذلك ويأمر بهما. وفى الآية والحديث إشارة إلى التحلّى بالفضائل والتخلّى عن الرذائل. ومحبة المؤمن كما فى الحديث ، شاملة لله تعالى ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فمن أحبهما كانت لإيمانه حلاوة يتذوقها ويعرفها ، ومحبة الله فرض وندب ، والفرض : المحبة التى تحمل على الطاعات ، والندب : المحبة للنوافل وتجنّب الشبهات. وكذلك محبة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فرض وندب ، والفرض أن لا يتلقى المؤمن شيئا إلا من مشكاته ، ولا يسلك إلا طريقته ، والندب أن لا ينهج إلا نهجه ، ولا يتبع إلا سيرته ، ومن يجاهد نفسه على ذلك يجد حلاوة الإيمان. والحديث كما ترى أصل من أصول الدين ، كقوله : (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) (١٠٨) (البقرة).

* * *

٣١٧. مذهب الإحباطية فى الإيمان

يأتى عن الإحباط فى القرآن ست عشرة مرة ، وحبط بمعنى ذهب سدى ، وأحبط عمله أبطله ، وفى الآية : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) (٥) (المائدة) فالكفر بالإيمان يحبط العمل ، والمؤمن لا يخشى شيئا بقدر خشيته أن يحبط عمله ، وكان أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرضون أقوالهم على أعمالهم خشية أن يكونوا مكذّبين أو منافقين فتحبط أعمالهم ، أى يحرمون ثوابها ، لأنه لا يثاب إلا من يخلص العمل. والإحباطية أو أصحاب مذهب الإحباط يذهبون إلى القول بأن الإحباط إحباطان ، أحدهما : إبطال الشيء للشيء ، وإذهابه

٢٨١

جملة ، كإحباط الإيمان للكفر ، وإحباط الكفر للإيمان ؛ وثانيهما : إحباط أن توازن بين الحسنات والسيئات ، بأن تجعل الحسنات فى كفّة والسيئات فى كفّة ، فمن رجحت حسناته نجا ، ومن رجحت سيئاته وقف فى المشيئة ، فإما أن يغفر له ، وإما أن يعذّب. والتوقيف إبطال ، لأن توقيف المنفعة فى وقت الحاجة إليها إبطال لها. وكذلك التعذيب إبطال أشدّ من التوقيف ، لأنه يستمر إلى حين الخروج من النار ، وفى كل منهما إذن إبطال نسبىّ ، أطلقوا عليه اسم الإحباط مجازا ، وليس هو إحباطا حقيقيا ، لأنه إذا خرج من النار وأدخل الجنة عاد إليه ثواب عمله. ويسوّى الإحباطية بين الإحباطين ، ويحكمون على العاصى بحكم الكافر ، وهؤلاء هم معظم القدرية.

* * *

٣١٨. حبّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الإيمان

محبة جميع الرسل من الإيمان ، لكن الأحبية يختص بها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى الحديث : «فو الذى نفسى بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». فاختار الولد والوالد لأنهما أدخل فى المعنى وأعزّ على العاقل من الأهل والمال. والمراد بالمحبة «المحبة عن اختيار» وليس «المحبة عن طبع». وفى الرواية أن عمر بن الخطاب قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لأنت يا رسول الله أحبّ إلىّ من كل شىء إلا من نفسى. فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «لا والذى نفسى بيده ، أكون أحب إليك من نفسك» ، فهذه هى المحبة الحقيقية : أن تؤثر محبوبك على نفسك ، وهذه المحبة هى جوهر الإيمان الحقّ. وعلامة حبّه الله حبّ القرآن ، وعلامة حبّ القرآن حبّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعلامة حبّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حبّ السنّة ، وعلامة حبّ الله ، وحبّ القرآن ، وحبّ النبىّ ، وحبّ السنّة ، حبّ الآخرة ، وعلامة حب الآخرة أن يحب نفسه ، وعلامة حبّه لنفسه أن يبغض الدنيا.

* * *

٣١٩. الخيرة ليست للإنسان

الإنسان مخيّر فيما يخصّ «افعل ولا تفعل» ، أى فى مجال التكاليف ، فإذا كلّف بأن لا يسرق ولا يزنى ، وسرق وزنى ، فإنه يكون قد اختار ذلك ومن ثم يكون مسئولا عما اختار ، لأنه كان حرا أن يختار ، وأن يفعل ، وفى غير التكاليف فالإنسان مسيّر ، يقول تعالى : (ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (٦٨) (القصص) ، والآية نفى عام أن يكون للعبد فيها شىء فى المقادير ، كالميلاد ، والجنسية ، والشكل ، والذكاء ، والقدرات ، والنسب إلخ ، فليس له شىء ، فمن منا يمكن أن يختار لنفسه شكلا معينا ، أو أبا أو أما بذاتهما ، أو أن تكون له قدرات خاصة دون قدرات؟ وما عدا ذلك فهو من اكتسابه ، وحتى ذلك فإن اكتسابه فى

٢٨٢

حدود ما خلقه الله به ، وما هيّأه له ، والله إذ يختار فإنه يختار ما يشاء ، والخيرة له فى أفعاله ، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيما يفعل ويخلق ويقسم ، وليس لأحد من خلقه أن يختار عليه ، كأمر النبوة مثلا ، فهو الذى يصطفى من عباده الأنبياء ولا أحد غيره. وهو يختار للهداية من خلقه من سبقت له السعادة فى علمه.

* * *

٣٢٠. القلب فى الإيمان والكفر

القلب للإنسان ولغيره. وخالص كل شىء وأشرفه قلبه ، وهو موضع الفكر ؛ وفى اللغة : القلب من قولنا : قلبت الشيء ، أقلبه قلبا ، إذا رددته على بداءته ؛ وقلبت الإناء رددته على وجهه ، ونقل اللفظ فسمّى به هذا العضو الذى هو أشرف ما فى الإنسان ، لسرعة الخواطر إليه ، ولترددها عليه ، وهو المنوط به ، بتعبير العصر ، الجهازان السمبثاوى والباراسمبثاوى ، والشاعر يقول :

ما سمّى القلب إلا من تقلّبه

فاحذر على القلب من قلب وتحويل

وفى الحديث عن تقلّب القلب : «مثل القلب مثل ريشة تقلّبها الرياح بفلاة» أخرجه ابن ماجة ، والفلاة هى الصحراء الواسعة ، وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «اللهم يا مثبّت القلوب ثبّت قلوبنا على طاعتك» أخرجه ابن ماجة ، وفى القرآن : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (٢٤) (الأنفال).

وقد يعبّر عن القلب فى القرآن بالفؤاد ، كقوله تعالى : (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) (٣٢) (الفرقان) ؛ وبالصدر ، كقوله : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (١) (الانشراح) ، وقد يعبّر به عن العقل ، كقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) (٣٧) (ق). وعند الكثيرين القلب يحلّ محل العقل ، وكذلك الفؤاد يحلّ محل القلب ، كما يحلّ الصدر محل الفؤاد. وفى الآية : (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) (٧) (البقرة) أن ختم القلب يمنعه من الإيمان. وقلوب الكفار موصوفة من ذلك بعشرة أوصاف : بالختم : كما فى الآية السابقة ؛ وبالطبع : كقوله : (عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٤) (المطففين) ؛ وبالضيق : كقوله : (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً) (١٢٥) (الأنعام) ؛ وبالمرض : ، كقوله : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (١٠) (البقرة) ؛ وبالرّين : كقوله : (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٤) (المطففين) ، أى ما يكسبون صدأ به القلب وتجمّع عليه فحصره وعزله ؛ وبالموت : كقوله : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) (١٢٢) (الأنعام) ؛ وبالقساوة : كقوله : (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) (٧٤) (البقرة) ؛ وبالانصراف : كقوله : (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) (١٢٧) (التوبة) ؛ وبالحمية :

٢٨٣

كقوله : (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ) (٢٦) (الفتح) ، والحمية هى الأنفة ، يقصد بها حمية الجاهلية ؛ وبالإنكار : كقوله : (قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ) (٢٢) (النحل).

والختم أو الطبع على القلوب يعنى عدم وعيها بأن للكون إلها ، ويخطئ من ينسب إلى الله تعالى أن الختم معنى يخلقه الله فى القلب ليمنعه من الإيمان به ، وإنما الختم يتأتى من معصية الله وتأثير ذلك على القلب ، وتتراكم التأثيرات حتى يكون القلب كأنما ختم أو طبع بها ، كقوله تعالى : (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) (٢٥) (الأنعام) ، يعنى مع طول كفرهم صنع الكفر للقلب مثل الكنّ ، أى الواقى ، فلم تعد المعانى تصل إلى القلب. وقوله تعالى : (نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ) (١٣) (الحجر) ، يعنى أن الكفر من شأنه إذا تسلل إلى القلب لم يعد القلب يؤمن ، فهكذا خلقه الله ، وهذه هى صفته ، وإذن فلا جبر ، بل اختيار ومسئولية. وأما هذه الأوصاف للقلب فهكذا خلقه الله ، أن يتأثر وينطبع ، ويضيق ، ويمرض ، ويقسو إلخ ، إذا سمح صاحبه للكفر أن يدخله ، وليست هذه الآيات إذن ردا على القدرية كما يدّعى البعض. والقلب كالكفّ ، يقبض منه بكل ذنب إصبع ثم يطبع ، وفى الحديث : «إن الرجل يصيب الذنب فيسوّد قلبه ، فإن هو تاب صقل قلبه» أخرجه الترمذى ، يعنى عاد لصلاحه ، فالسواد لم يكن قبل الذنب ولكنه بعد الذنب ، والله لم يصنع القلوب سوداء من البداية ، ولكنه جعل من صفاتها أنها تسوّد إذا أذنب صاحبها ، فالمسئولية على صاحبها وليست على الله ـ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (انظر الكفر والكافرون ضمن باب الأسماء والمصطلحات).

* * *

٣٢١. إيمان المفلحين

يقرن الله تعالى الإيمان بالركوع والسجود ، قال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٧٧) (الحج) ، فجعل للإيمان أربعة أوجه ربط بينها ، فالركوع والسجود المراد بهما الصلاة المفروضة ، وخصّ «الركوع والسجود» تشريفا للصلاة ؛ وأما «عبادة الله» فهى توحيده وتعظيمه وامتثال أوامره ونواهيه ؛ و «فعل الخير» هو العمل الصالح شرط الإيمان الصحيح ؛ «وتفلحون» تفوزون ، والمفلحون هم الفائزون الناجون ، وإيمان المفلحين هو الإيمان المنجّى ، يدركون به ما طلبوا ، وينجون من ما منه هربوا.

* * *

٣٢٢. المؤمنون إذا أصابتهم مصيبة

من دلائل الإيمان الصبر عند المصائب ، يقول تعالى : (الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا

٢٨٤

إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (١٥٧) (البقرة) ، والمصيبة : هى كل ما يؤذى ، وروى أن مصباح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم انطفأ ذات ليلة فقال : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون» فقيل له : أمصيبة هى يا رسول الله؟ قال : «نعم ، كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة» أخرجه مسلم. وقال : «ما يصيب المؤمن من وصب ، ولا نصب ، ولا سقم ، ولا حزن ، حتى الهمّ يهمّه ، إلا كفّر به من سيئاته» أخرجه مسلم. ومن أعظم المصائب المصيبة فى الدين ـ كالذى يحدث فى فلسطين الآن. وفى الحديث : «من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا» (أى قال إنّا لله وإنّا إليه راجعون) «وإن تقادم عهدها ، كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب» أخرجه ابن ماجة. وفى كلمات الاسترجاع ملجا لذوى المصائب ، وعصمة للممتحنين ، «فإنّا لله» توحيد وإقرار بالعبودية ، «وإنا إليه راجعون» : إقرار بالهلاك على أنفسنا ، والبعث من قبورنا ، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه. وقيل : إن «إنّا لله وإنّا إليه راجعون» لم تعط نبيا قبل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولو عرفها يعقوب لما قال : «يا أسفى على يوسف»! (يوسف ٨٤)! و «إنا لله وإنا إليه راجعون» تنبيه على قوله تعالى : (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (١٥٥) (البقرة) إما بالخلف تعويضا لهم ، وإما بالثواب الجزيل ، ومنه صلواته عليهم ورحمته بهم ، وهى نعم من الله على الصابرين المسترجعين. وصلاته عليهم أن يعفو عنهم ، ويبارك لهم ، ويثنى عليهم. والصلاة على الميت من ذلك لأنها ثناء عليه ودعاء له. والرحمة هى كشف الكربة وقضاء الحاجة. وفى ذلك قال عمر : نعم العدلان ونعم العلاوة» ، أراد بالعدلين : الصلاة والرحمة ، وبالعلاوة الاهتداء إلى استحقاق الثواب ، وإجزال الأجر ، وتسهيل المصائب ، وتخفيف الحزن.

* * *

٣٢٣. من صفات المؤمن المرور الكريم باللغو

يقول تعالى : (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) (٧٢) (الفرقان) ؛ واللغو مصدر لغا يلغو ويلغى ، ولغى يلغى لغيا ، إذا أتى بما لا يحتاج إليه فى الكلام ، أو بما لا خير فيه ، واليمين التى هى لغو هى قول الرجل فى كلامه : لا والله ، وبلى والله ، وفى ذلك يقول تعالى : (لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (٢٢٥) (البقرة) ، والأيمان جمع يمين وهى الحلف ؛ والكرام الذين لا يلغون لا يدخلون فى الباطل ، ولا يرضونه ، ولا يمالئون عليه ، وينكرونه ، ولا يجالسون أهله ، فلما سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن عبد الله بن مسعود يفعل ذلك ، قال : لقد صار ابن أم عبد كريما» يعنى لا يتوقف عند لغو ولا يرضاه. وفى القرآن فإن المؤمنين المفلحين : (عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (٣) (المؤمنون) ، أى ينأون بأنفسهم عنه ولا يقربونه.

* * *

٢٨٥

٣٢٤. الاستقامة على الدين

لمّا سئل النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم قولا فى الإسلام لا يسأل عنه أحد بعده ، قال : «قل آمنت بالله ثم استقم». وفى التنزيل : (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) (١١٢) (هود) ، وعن ابن عباس قال : عليك بتقوى الله والاستقامة. اتّبع ولا تبتدع. وقال : ما نزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم آية أشد ولا أشق من هذه الآية عليه ـ (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) (١١٢) (هود).

* * *

٣٢٥. دين القيّمة

هو الدين المستقيم ، أو دين الملّة المستقيمة ، أو دين الأمة القيمة بالحق ، أى القائمة بالحق. والقيّمة جمع القيّم ، والقيم والقائم واحد ، وإضافة الدين إلى القيمة بنعت الدين من باب إضافة الشيء إلى نفسه.

* * *

٣٢٦. الاتباع والتقليد غاية الفساد فى الالتزام

غاية الفساد فى الالتزام أن يقول الناس نتّبع آباءنا ولو كانوا لا يعقلون ، كقوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) (١٧٠) (البقرة). وقوة ألفاظ الآية تبطل الاتّباع والتقليد ، ونظيرها : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا) (١٠٤) (المائدة) ، وتعلّق الناس بالآيتين فى ذمّ التقليد ، لذمّ الله تعالى الناس باتباعهم لآياتهم فى الباطل ، واقتدائهم فى المعاصى. وأما التقليد فى الحق فهو أصل من أصول الدين ، وعصمة من عصم المسلمين ، وهو ملجأ المقصّر عن درك النظر والجاهل بأمور الدين.

والتقليد حقيقته قبول القول بلا حجة ، وعلى هذا فمن قبل تعاليم وشروح النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من غير نظر فى معجزته يكون مقلدا ، وأما من نظر فيها فلا يكون مقلدا. والتقليد مأخوذ من قلادة البعير ، فإن العرب تقول : قلّدت البعير إذا جعلت فى عنقه حبلا يقاد به ، فكأن المقلّد يجعل أمره كله لمن يقوده حيث شاء.

والتقليد ليس طريقا للعلم ، ولا يوصّل إليه ، لا فى الأصول ولا فى الفروع. والمفروض فى العامة من الناس الذين لا يشتغلون باستنباط الأحكام من أصولها ، أن يقصدوا من يعلمون فيسألونهم ، كقوله تعالى : (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٤٣) (النحل) ، والمسلمون على الإجماع بإبطال التقليد فى العقائد ، ولا تقليد فى التوحيد ، فكل مكلّف مفروض عليه أن يتعلم التوحيد والقطع به.

٢٨٦

وقيل : إن المتمسّكين بالكتاب والسنّة مقلّدون ، وهذا خطأ ، لأنه فرق بين من يقلّد من كان على الحق وبين من يقلّد من كان على الباطل ، وقد أثنى الله على يوسف لمّا قال : (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ) (٣٨) (يوسف) فهو مقلّد ولكنه فى الحق ، والحق أبلج ، والمخاصمة والجدال بالدليل والبرهان من طرق القرآن.

* * *

٣٢٧. الإرادة غير الرضا

لا يرضى ربّنا لعبادة المؤمنين الكفر ، قال : (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (٧) (الزمر) ، يخبر عن نفسه أنه الغنىّ عمّا سواه من المخلوقات ، كقوله تعالى فى الحديث : «يا عبادى ، لو أن

أوّلكم وآخركم ، وإنسكم وجنّكم ، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ، ما نقص ذلك من ملكى شيئا» أخرجه مسلم ، فهو لا يريد الكفر أصلا من أى إنسان ، ولا يرضاه له ، فإن كفر فهو بإرادة هذا الإنسان ، والله يريد أن يكون كفر هذا الإنسان بإرادة هذا الإنسان وإن كان لا يرضى له بالكفر ، فهو يريد ما لا يرضاه ، وقد أراد الله تعالى خلق إبليس وهو تعالى لا يرضاه ، فالإرادة غير الرضا ، وهذا مذهب أهل السنّة. وهو تعالى يرضى الشكر من الناس ، ورضاه يعنى أنه يثيب عليه ، والرضا : إما أنه ثوابه تعالى ، فيكون صفة فعل ، كقوله : (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (٧) (إبراهيم) ، وإما أنه ثناؤه تعالى على نفسه ، فهو صفة ذات.

* * *

٣٢٨. النفس والروح

الروح من أمر الله ، يقول تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (٨٥) (الإسراء) ، والإجابة كما ترى مبهمة ، لأن الروح شىء عظيم من شئونه تعالى ، ومن الغيب ، فكانت الإجابة مبهمة ليعرف الإنسان عجزه عن القطع عن علم حقيقة نفسه ، وحكمة ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة المخلوق الأقرب إليه وهو الروح ، دلالة على أنه عن إدراك خالقه أعجز. والمراد بقوله تعالى : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) هو العلم بالروح وما شابه ، سواء من الغيب أو عالم الشهادة.

وقال بعضهم الروح هى السّر الإلهى ، يقول تعالى : (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) (٩) (السجدة) ، فنسب الروح له ، وجعلها سرّه يودعه فى مخلوقاته فتكون لها به الحياة

٢٨٧

والفردية. وإذا قلنا إن الروح هى النفس يكون معنى الآية أنه بالنفخ تصبح لكل مخلوق ذاتية ، ـ وهى نفسه التى يحسّ بها ويستشعر ، ويتوهم ، ويتخيّل ، ويتصوّر. ويصبح الجسم وأعضاؤه وسائل للنفس ، وكذلك العقل ، فعند الوفاة يلحق الموت بالنفس ، لأن متعلق النفس بالجسد ، فإذا مات الجسد انتهى منه الإحساس ، وانتفى التعقل ، وكل نفس مقدّر عليها الموت ، كقوله : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) (١٨٥) (آل عمران). والنفس ـ كما نعرف ـ يجرى عليها القتل ، كقوله تعالى : (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ) (٣٢) (المائدة) ، والنفوس تتوالد ، كقوله : (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) (٩٨) (الأنعام) ، وتعمل وتكسب وتوفّى ما عملت ، وتجزى بما كسبت ، وتجادل عن نفسها ، ولها وسعها. وبعض النفوس مطمئنة (الفجر ٢٧) ، وبعضها لوّامة (القيامة ٢). وفى الفرق بين الموت والنوم يقول تعالى فى النفس : (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٤٢) (الزمر) ، ويتوفاها أى يقبضها عند فناء آجالها ، فتخرج الروح من الجسد وتموت النفس ، وأما فى النوم فإن الروح ما زالت فى الجسد ، فالجسد حىّ ، ولكن النفس مقبوضة عن العقل ، وفى الحالتين فإن الله هو الذى يقبض الأرواح حين الموت ، ويقبض النفوس حين النوم ، ويطلقها عند اليقظة. وفى النوم دليل على أن البعث حقيقة ، لأنه مثلما يبعث النائم ، فكذلك يبعث الميت ، وفى الحديث : «كما تنامون فكذلك تموتون ، وكما توقظون فكذلك تبعثون» ، غير أن : ما يجرى للنفس لا يجرى للروح ، لأن النفس مائتة ، والروح لا تموت ولا تفنى.

* * *

٣٢٩. الله ودلائل وبراهين وحجج وجوده

لا شأن لأسفار التوراة الخمسة وهى : التكوين ، والخروج ، والأحبار ، والعدد ، وتثنية الاشتراع ، بأية أدلة أو براهين على وجود الله ، وموضوع هذه الكتب تاريخ بنى إسرائيل ، وتمجيد هذا الشعب ، والتأكيد على أنه شعب الله المختار ، وتحفل التوراة لذلك بالحروب شنّها ملوك وقضاة إسرائيل على شعوب الجوار ، والفلسفة التى تصدر عنها : أن شعب إسرائيل لا يمكن أن يكون له ولغيره العلو والتمكين فى الأرض ، فإما أن تكون السيادة للأمم ، وإما أن تكون لشعب إسرائيل ، وهم الصفوة ، ومن ثم هم الأولى بالحكم ، وأن تنعقد لهم السيادة على العالم. وهذه العنصرية هى نفسها التى بشّر بها المسيح ، فعنده أن الإسرائيليين أبناء الله ، وغيرهم من الأجناس خنازير ؛ وعند بولس فإن المسيحية حررت أبناء الأمة ، أى الأمم ، ومن لم يؤمن بأن المسيح ابن الله فهو لا يزال ابن الأمة ولم يصبح بعد

٢٨٨

كأبناء الحرّة ، والأمة المقصودة هى هاجر ، والحرّة هى سارة ، ولا تحفل الأناجيل الأربعة ، ولا رسائل الرسل ، بإثبات وجود الله ، ولم يوجد كتاب ، سواء فى اليهودية أو فى النصرانية ، كان شغله الشاغل ، وهمّه المقيم إثبات وجود الله ، والبرهنة على وحدانيته ، إلا القرآن ، ويحفل لذلك بالأدلة والحجج على أنه تعالى الواحد الأحد الذى لا شريك له ، وكان شعار القرآن : «لا إله إلا الله» ، خلاصة لما دعا إليه ، وناقشته آياته ، وطرحته قضاياه. ويجمع هذه الأدلة والحجج ما يسمى «براهين وجود الله» ، ومنها : «برهان الخلق والإبداع» ، و «برهان القصد والنظام» ، «وبرهان الكمال أو الاستعلاء ، أو برهان المثل الأعلى ، وكلها براهين قرآنية محضة ؛ تسوقها آيات القرآن كى لا يكون للناس على الله حجة من بعد ، وكى لا يحاجّوا فى الله حججهم الداحضة.

فأما الآيات التى يقوم بها «دليل الخلق وبرهان الإبداع» ، فمنها ، كمثال ، قوله تعالى : (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) (٢٢) (الروم) ، وقوله : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً) (١٦) (النبأ) ، وقوله : (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٢١) (الروم) ، وعشرات الآيات غيرها ، وكلها براهين وأدلة وحجج على وجود الله ، وتزيد على المائتى آية ، وبعضها أدلة فيها التحدّى والسخرية من المكذّبين ، كقوله : (أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ) (٥٩) (الواقعة) ، وقوله : (أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ) (١٢٥) (الصافات) ، وقوله : (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) (١٦) (الرعد) ، وقوله : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (١٧) (النحل) ، وقوله : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (٦١) (العنكبوت).

ونخلص من القرآن إلى أن الله تعالى قد أبدع الإنسان والكون ، وكل مخترع (بفتح الراء) لا بد له من مخترع (بكسر الراء) من قبل غيره بالضرورة ، وكل مخترع له نظامه ونسقه وطريقة عمله وتشغيله ، والإنسان والكون كالمخترعات ، غير أن الحياة تدبّ فيهما ، وهى لذلك موجودات وليست مخترعات ، وكل موجود لا بد له من موجد (بكسر الجيم) ، كما أن كل محدث لا بد له من محدث ، وذلك هو دليل الاختراع أو الإيجاد ، والله تعالى لم يخلق ما خلق وتركه دون سند ، وإنما أضفى عليه من عنايته ، وتعهده ورعايته ، وذلك

٢٨٩

هو «دليل العناية». وتأتى آيات القرآن على ثلاثة أنواع ، فإما أنها «أدلة اختراع» ، وإما أنها «أدلة عناية» وإما أنها تجمع الأمرين معا ، فمن النوع الأول : قوله تعالى : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ) (٦) (الطارق) ، وقوله : (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) (١٧) (الغاشية) ؛ ومن النوع الثانى : قوله : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً) (٦) (النبأ) ، وقوله : (تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً) (٦١) (الفرقان) ؛ ومن النوع الثالث قوله : (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) (٣٢) (الأنبياء).

ونطلق على دليل القرآن من مثل قوله تعالى : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) (١٩) (الروم) وقوله : (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٧٨) (النحل) : «برهان ظهور الحياة فى المادة» ، وهو برهان يبطل قول القائلين بقيام الكون على المادة العمياء دون غيرها ، ونختصره باسم «برهان الحياة». ونطلق على الدليل من مثل قوله تعالى : (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً) (١١) (الشورى) ، وقوله : (وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (٧) (ق) : «برهان التناسل بين الأحياء لدوام البقاء» ، ونختصره باسم «برهان النسل».

وينبّه القرآن إلى صورة الإنسان نفسه ، وهى أكبر حجة لله على خلقه ، وأقرب وأوضح وأصحّ الأدلة. والقرآن على القول بأن طريق معرفة وجود الله عند الإنسان هو السمع والعقل معا ، فالإيمان يكفى فيه أن يتلقى الناس بالسمع عن صاحب الشرع ، وأن يؤمنوا به ، وأما من يشاقق فى الشرع فله طريق العقل ، وبالعقل عرف العرب قبل الإسلام أن الله موجود ، يقول تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (٢٥) (لقمان) ، وقولهم هذا نسميه «الدليل البديهى» ، فالله تعالى لا يحتاج إلى البرهنة على وجوده ، والإيمان به فطرة ، والعلم بوجوده علم بديهى ، والإنسان على العهد بأنه كلما أصابته مصيبة أظهرت عجزه ، فإنه ينطق تلقائيا بالدعوة إلى الله يتضرع إليه. والمؤمنون لا يعتمدون على العقل ولا النقل ليؤمنوا بالله ، فالإيمان بوجوده تعالى يلقى فى القلب ، ويعيه العقل عند ما يتجرّد الإنسان من عوارض الشهوة ، وفى القرآن أمثلة على ذلك كثيرة ، كقوله : (إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) (٢٩) (الأنفال) والمركوز فى الإنسان أنه لكى يصحّ اجتماعه فلا بد من الأخذ بالجزاء والعقاب ، والاعتقاد بالآخرة والبعث والحساب ، وذلك وازع لنفسه يكبحها عن الشر والفساد ، ويوجهها للصلاح ، ويحول بينها وبين العدوان ، وما لم يعتقد الإنسان بوجود الله فلن يكون اجتماع ولا حضارة ، ولن تكون مدنية ، ولن تستقيم المعاملات ، ولا تخلص النوايا بين الناس والشعوب ، ونسمى ذلك «البرهان

٢٩٠

الاجتماعى على وجود الله ،» ومنه فى القرآن قوله : (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا) (١٣) (الحجرات) ، وقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ) (١٧٨) (البقرة) ، وقوله : (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ) (١٧٩) (البقرة) ، وقوله : (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) (٦٠) (الرحمن). والإنسان بحكم تجاربه وخبراته بوجوده تعالى كموجود أعظم يقوم عليه وجود الكون ، قد نبّه إلى برهان آخر هو «برهان الوعى» ، قوامه هذا الوعى اليقينى بحقيقة الله الذاتية وبالحقيقة الكونية ، والوعى لا يتناقض مع العقل ، وهو أعمّ من العقل فى إدراكه ، لأنه مستمد من كيان الإنسان كله ، ومن ظاهره وباطنه ، وبتعبير القرآن : (وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ) (١٢) (الحاقة) ، والأذن الواعية هى الذاكرة ، والذاكرة أداتها العقل ، وهى أكبر من العقل ، والذاكرة الجماعية للإنسان ـ لنفسه ولغيره ـ إجمالية ، ويبقى التفصيل للعقل. والإنسان الواعى هو «الحرّ» (البقرة ١٧٨) ، والحرية انفكاك من قيود العبودية ، ومن العوارض والشهوات والعلائق ، والإنسان الذى يصير إلى ذلك هو «المحرّر» بتعبير القرآن (آل عمران ٣٥) أى الخالص لله ، و «برهان الحرية» على وجود الله يقوم على القول : بأن الإنسان إذا تحرر واستشعر أنه حرّ ، وأن له أن يعتقد أو لا يعتقد ، كقوله تعالى : (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) (٢٩) (الكهف) ، يأتيه اليقين بوجود الله ، فالحرية والاعتقاد بالله لا ينفصلان ، ولا اعتقاد بالله بلا حرية ، وكل حرية حقيقية فمآل صاحبها إلى الاعتقاد ، ويقين الحر أنه من حيث كونه حرا ، لا يوجد بواسطة ذاته ، ولكنه معطى لذاته ، وحريته من غيره ، من موجود أكبر وأعظم ـ حريته من ذاته. والإنسان لا يستخلص الحرية لنفسه بالقوة ، وإنما تتأتى الحرية له بالعلوّ ، وترتبط بالتحرر من العلائق الدنيوية والحاجات اليومية ، ومن يحقق لنفسه ذلك العلو يخلص بحريته لذاته ، فإذا استشعر أنه حر ، فعندئذ يعى أنه مخلوق لموجود هو الذى منحه الذات ، كقوله : (فَخَلَقَ فَسَوَّى) (٣٨) (القيامة) ، وقوله : (ثُمَّ سَوَّاكَ) (٣٧) (الكهف) ، وقوله : (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) (٩) (السجدة) أى أعطاه الذات ، فالمعطى هو الذات ، وهو معنى فسوّى ، والذى له ذات هو الكامل ، ولا يكون الإنسان كاملا إلا باكتماله بالذات ، والذات هى تمام كماله. وعند ما يكون الإنسان حرا لا توجهه الأهواء ولا الأضاليل ، يعى أنه مخلوق لموجود هو الذى منحه هذه الذات ، وهيأ له العلو ، وأوجد له المثال أن يصوغ نفسه على المنوال ، والمثال ـ كما يذكره القرآن ـ هو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذى خلقه القرآن ، فالإنسان الكامل محكوم عليه منذ البداية أن يكون ربّانيا ، وحريته تعنى أن الله موجود. وليس أدل على وجود الله من الوازع الخلقى فى الإنسان ، وهو النفس اللّوامة ، وهو الضمير ، والشعور بالواجب وبالمسئولية ، وبأن للإنسان

٢٩١

دون سائر المخلوقات مشيئة وإرادة ، وأنه حرّ أن يختار ، فمن أين عرف الإنسان الحق والعدل إن لم يكن فى الوجود قسطاس ومعيار لهذا الحق وذاك العدل ، يغرس فى نفسه معنى الحرية ، ويمنحه الوعى بالواجب والمسئولية ، وينمّى لديه الضمير يزعه خلقيا؟ ومن أين قرّ فى طبع الإنسان ، أن الواجب الكريه لديه ، أولى به من إطاعة الهوى المحبب إليه؟ وآيات القرآن كثيرة فى النهى عن الهوى ، كقوله : (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا) (١٣٥) (النساء) ، وقوله : (وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا) (٧٧) (المائدة). والوازع الخلقى أو النفس اللّوامة ، أو الضمير ، هو المقصود بالآية : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (٤) (القلم) ، والخلق هو الضمير ، أو علامة الواجب فى الإنسان ، والبرهان الخلقى فى القرآن يجزم بأن للخلق فى الإنسان حاسة تضاف إلى بقية حواسه ، وفقدان هذه الحاسة جنون خلقى ، فمثل ما المجنون عقلا هو من لا تمييز له ، فكذلك المجنون خلقا لا يصدر عن حق (المؤمنون ٧٠) ، واسمه فى علوم النفس والطب النفسى «السيكوباتى» ، وكان أبو جهل من المجانين خلقيا ، وسيكوباتيا من الطراز الأول ، فكان يلبس الحق بالباطل ، ويكتم الحق ، واليهود يعانون هذا الجنون الخلقى ، فقتلوا النبيين بغير حق ، وقتلوا الذين أمروا بالقسط من الناس ، وما يزال ذلك دأبهم ، وبوش الابن مثله مثل شارون وهتلر ، لا خلق له ولا ضمير ، ومثل ذلك الطغاة فى العالم قاطبة : شارون ، وبوش ، وبلير ، وبوتين. والخلق ، أو الضمير ، أو الوازع الخلقى ، أو النفس اللّوامة ، قبس من الله فى الإنسان ، ودليل على أن الإنسان أرقى الكائنات ، وما كان رقيّه إلا بالضمير الممثّل لله فى كل إنسان ، وفى ذلك قوله تعالى : (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (٢١) (الذاريات). والمسلم ذو خلق عال ، وترتيبه فى مدرج الرقى الحضارى فى الذرى ، وأقواله وأفعاله هى الحسنى (البقرة).

وشبيه بالبرهان الخلقى : «برهان الحق والجمال والخير» ، فالإنسان والطبيعة حافلان بمحاسن الجمال وأوجه الخير والحق ، وما أكثر الآيات عن ذلك فى القرآن ، والإنسان نفسه آية من آيات هذا الجمال والخير والحق ، وصدق الله العظيم حين قال : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (٤) (التين) ، وحين قال : (صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (٦٤) (غافر) ، وحين قال : (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) (١١٤) (آل عمران) ، وحين قال : (وَتَواصَوْا بِالْحَقِ) (٢) (العصر). وفى القرآن أن الإنسان يفاضل بين الخيرات ووجوه الجمال فيما يقول ويفعل ، وما كانت المفاضلة تتسنّى له لو لم يكن لديه قسطاس شامل يقيس إليه ما يعنّ له من المفاضلات بين أوجه الحق والخير والجمال ، وهى تتراتب صعودا إلى مصدرها الأصلى وهو الله ، وليس شرطا أن يكون كل شىء فى الكون خيّرا

٢٩٢

وجميلا لنبحث فيه عن ذلك القسطاس ، ويكفى أن يكون فى العالم أقل الحق والخير والجمال ، لنتحرى ونفتش ونبحث فى أذهاننا عن ذلك القسطاس ، الذى هو المرجع الأعلى لنا فى الحكم على الأشياء بالحقّية ، أو الخيريّة ، أو بالجمال ، والثلاثة وجوه لموجود واحد هو الله ، ولو لم يكن حبّ ذلك فى الإنسان مركوزا لما درى ما الحق ، وما الخير ، وما الجمال ، ولما عرف أن يقيس ، ولا أن يحكم ، ولا أن يفاضل ، وفى القرآن ثبت ذلك كله وأكثر منه. وقول الملحدين ، أو المنكرين ، أو اليهود ، أو الشيوعيين ، أو العلمانيين ، والتنويريين ، أو الليبراليين إلخ ، بأن الحق والباطل والخير ، والشر ، والجمال ، والقبح ، مسائل نستمدها من طبيعة الأشياء ، وأنه من طبيعة الأفعال أن الفعل السيئ يعود على صاحبه بالعقاب ، والفعل الخيّر يعود عليه بالخير ، وأنه لا شأن لوجود الله أو عدم وجوده بذلك ، هو ضحالة فى التفكير المادى المسرف ، وعجز عن القدرة على التجريد ، وقصور فى الوصول بالقضايا إلى أصولها ، فالطبيعة من حولنا ، وفى الأشياء ، لا تجازى من نفسها على الخير ، ولا تعاقب على الشر ، ولا تستحسن الجمال ، ولا تستهجن القبح ، ولا تبطل الباطل ، ولا تحقّ الحق ، ويكون من الضرورى إذن القول بأن فوق الطبيعة أو وراء الطبيعة ، لا بد من موجود عادل يجازى على الخير ، ويعاقب على الشر ، وينصر الحق ، ويصنع الجمال صنعا ، وأنه الذى يخلق فيبدع ، ويمايز بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والجمال والقبح ، وأن الشر ، والظلم والقبح جميعها عن نقص فى الأشياء وفى الأفهام ، ولو لا أن القبح والشر والباطل أشياء موجودة ، لما عرفنا وقدّرنا ، وطلبنا الخير والجمال والحق ، ولو لا ذلك لما علمنا عن العدل فى بحثنا عنه وسعينا إليه وطلبنا له ، وهذه القيم هى الميزان للوجود بأسره ، كقوله تعالى : (اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ) (١٧) (الشورى) ، وقوله : (وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (٢٥) (الحديد) ، وقوله : (وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) (٩) (الرحمن). وإذن ـ وطبقا للقرآن ، فلكى تكون هناك سعادة لا بد من وجود خير ، وفضيلة ، وحق ، وجمال ، وعدالة ، وإجمالا لا بد من القيم ، وجميعها تترابط ويستلزم بعضها البعض ، وتواجدها مترابطة ليس استنباطا تحليليا ، ولكنه تركيب متعال ، يقتضى وجود علّة عليا تتجاوز الماديات بالذهن والإرادة ، وتتطابق مع النية الأخلاقية ، ويكون لها العلم كله ، والقدرة كلها ، أى يقتضى وجود الله ، ولم توجد القيم إلا لأنها تستمد من قيمة عليا مطلقة ، والقيمة التى بالمعنى الأتمّ هى الله ، وليس المطلق فى القرآن إلا القيمة المطلقة ، ومن أجل ذلك كان الله واحدا لا شريك له ، فالقيمة المطلقة يجب أن تكون لها شخصية إلى

٢٩٣

أسمى درجة ، وطالما أننا نعدّ الشخصية هى القيمة العليا ، وهى بمثابة روح الروح أو الذات ، فإن المطلق ليس سوى الإله المتشخص ، والذى نعرفه باسم الله ، وهو ذات محض. وليس معنى المطلق أنه المستبدّ بلا معقولية ولا خيرية ، فالمطلق الذى هو الله ليس ضد الحرية ، ولا تعارض بين سلطته وبين الحرية ، وسلطته تعالى هى ما نسميه بالشريعة الإسلامية ، وهى شريعة لأن الله تعالى بخيريته شرعها واستنّها لتعزيز الحرية وخدمتها وضمانها. والحرية فى جوهرها أخلاقية ، وهى أن نفعل أو لا نفعل ، وكل فعل فى حدود الشريعة ـ يتوخاه الإنسان الحر ، صاحب الضمير الحرّ ، والمقدّر للمسئولية ، والذى لا يصدر عن هوى ، والذى يستلهم القيم ، ويعايش كل آية فى القرآن ؛ وهو الربّانى الذى اختار الطريق إلى الله ، ويتمثّله تعالى فيما أمر ونهى ، والله أو المثل الأعلى الإلهى ، يجب أن يكون فى وعى كل مسلم حرّ ، لأنه تعالى الموجود لذاته أو المطلق ، ونوره المشع الذى هو القرآن ، عند ما تستضيئه الضمائر الجزئية ، فإن حرية هذه الضمائر تظهر فى ممارساتها على موضوعاتها ، ويتبدّى نورها على أنفسها ، ونكون بذلك قد حذونا حذو الله ، أى نكون ربّانيين ، ونعيش الله فى أنفسنا ، وفى العالم المحيط بنا ، أى يكون الأنا الجزئى فينا صورة أو انعكاسا للأنا الإلهى الأعلى. والربّانيون لا يقضون إلا بما يقضى به الله ، وهم دليل وجوده تعالى ، لأنهم خلفاؤه (المائدة ٤٤) ، وما كانوا كذلك إلا لأنه تعالى موجود فكانوا خلفاءه ، والموجودات فى هذا العالم واحدة من ثلاثة : فإما أنها واجبة الوجود ، أى أن وجودها من ذاتها ، أو أنها ممكنة الوجود ، أى وجودها من غيرها ، فلا توجد إلا بسبب ، ولا تنعدم إلا بسبب ، أى أن وجودها يكون محدثا ، والمحدثات إذا كانت تحتاج لأسباب لوجودها ، فهى محتاجة أيضا لأسباب لبقائها ، وفى جميع الأحوال تحتاج لموجد لها ، سواء فى إيجادها الابتدائى ، أو فى حفظ بقائها بعد ذلك ، أو فى إعدامها. ووجود الممكن يقتضى بالضرورة وجود الواجب ، وهو الذى وجوده من ذاته ولذاته ، وبدون سبب ، وليس بعرض ، ولا علّة له ، ويتّصف بصفات الكمال كلّها ، وهو واحد لا يتعدد ، وهو الله ، لم يلد ، ولم يولد ، ولا شريك له ، ولم يكن له كفو ، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى. وكل الموجودات التى ذكرها القرآن أو لم يذكرها لها علل فاعلة ، والله هو الموجود الوحيد فى القرآن الذى هو علة نفسه وليس علّة لغيره ، وهو العلّة الأولى التى تنتهى إليها كل العلل ، فهو علّة العلل. وكل آيات الخلق فى القرآن تجزم بوجود الكون على نظام ، وأنه كله يشمله الانسجام ، وهو نسق من الوسائل والغايات ، فكيف حدث ذلك والمادة عاجزة عن تدبير نفسها بنفسها إن لم يكن الذى أحدثها هو الله علّة العلل ، والمحدث الأول؟ وتتحدث

٢٩٤

الآيات الكونية فى القرآن عن «دليل غائى» ، قوامه أن وراء هذا التناسق والتناغم والنظام لا بد من علّة عاقلة تتولى الخلق والتدبير والتنظيم. والإنسان وهو قمة الموجودات والمخلوقات ، كلما يتصور للأشياء علّة ، يذهب فى تصوره إلى ما هو أبعد منها وهكذا ، وكل ما هو عظيم فى لحظة يأتى على الإنسان أن يجد له الأعظم منه ، وما من شىء يظن به العقل الكمال إلا ويتطلع أن يجد ما هو أكمل منه ، إلى نهاية النهايات ، أى المطلق الكامل الذى لا شىء أكمل منه ، ولا مزيد على كماله ، ولا نقص فيه. وهذا التصوّر لهذا الموجود الأكمل والأعظم والأجمل هو واقع نأتيه فعلا ، وليس وجوده فى الحقيقة بأقل من وجوده فى التصور ، وهذا الموجود الأكمل هو الله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (١١) (الشورى) ، والبرهان على وجوده تعالى نسميه «برهان الكمال» ، لأننا به ننشد «الكمال» ولا نقنع بالأدنى ، وهو أيضا «برهان الاستكمال» ، لأننا به نستكمل النقص بما هو أكمل ، وهو كذلك «برهان الاستعلاء» ، لأننا به نستعلى على النقص ونصاعد علوا إلى الكامل الأمثل. وشبيه بذلك أن الفكرة قد تطرأ وتلح على عقولنا حتى نستكملها موضوعيا ، وحتى يصبح لها وجودها فى تصوّرنا ، فعندئذ نعرف أن هذا الوجود أو الكمال للفكرة لم يكن على جهة الصورة ، ولم نكن نحن علّته ، ويلزم بالضرورة أن نستشعر وندرك ونعى ، أننا لسنا فى العالم وحدنا ، وأن هناك موجود آخر أسمى هو علّة هذه الفكرة. وفكرة الله من ذلك ، فكلما نتأملها ونفكر فيما قيل فيها وعنها ، ندرك إدراكا قويا لا يخامره الشك ، أن هذه الفكرة لا يمكن أن تكون نحن وحدنا مصدرها ، ولا يمكن إلا أن يكون لها ما يقابلها فى عالم الواقع والحقيقة ، ولا بد إذن أن الله موجود ، وأنه واحد لا شريك له.

وهذه البراهين جميعها يحفل القرآن بالأمثلة لها ، بعضها مباشر وأوردنا نماذج له ، وبعضها غير مباشر نبّهنا إليه بإيراد السورة ورقم الآية ولم نوردها بألفاظها. وكل هذه الحجج والبراهين والأدلة لها هدف واحد ، هو إبطال حجة الناس أنهم ما بلغتهم رسالته تعالى ، أو أنهم لم يعثروا على ما يدحض جحودهم ويهديهم. ونحمد الله تعالى على القرآن الذى علّمنا ونوّرنا وهدانا ، فأين منه التوراة التى تشتتنا ، وتثير فينا النعرات ، وتضللنا عن الله؟ وأين منه الأناجيل التى تفترى على الله أعظم فرية ، وتضل الناس ، وتطفىء فيهم نور العقل ، وتدخلهم فى متاهات وتلفيقات ، لا هى من الفلسفة ، ولا من العلم ، ولا من الدين فى شىء؟! ، وحسبنا الله!

* * *

٣٣٠. برهان الخلق

الله يخلق ، وما دونه ، ومن دونه ، لا يخلقون ولكنهم مخلوقون ، وهذا هو الفرق.

٢٩٥

وعند ما نقول إن الإنسان خالق ، نعنى أنه مخترع ، لأنه لا يخلق من عدم ، ولم يخلق المادة التى صاغها ، ولا القوانين التى سار على نهجها. ويقول تعالى منكرا دعوى الخالقين المزعومين : (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (٢١) (النحل) ، يعنى بهم الأصنام لا روح فيها ، وحتى إن قيل كان عيسى يخلق ، نقول بإذن الله ، وإلا فأين هو عيسى؟ وأين خلقه؟ وإذا قيل إن علماء الاستنساخ وإنما الله خلقه مستمر وللأبد ، وما كان عيسى ولا علماء الاستنساخ يخلقون من عدم ، والله تعالى يخلق من عدم ، كقوله تعالى : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (١٧) (النحل) ، وقوله : (هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) (١١) (لقمان) ، وقوله : (أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) (٤٠) (فاطر).

* * *

٣٣١. خلق الإنسان دليل على البعث

فى قوله : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ) (٨) (الطارق) أن ابن آدم لو تأمل مما خلق لأدرك أن من قدر على ذلك قادر على أن يبعث الموتى ، فالإنسان قبل الخلق لم يكن شيئا مذكورا ، وما كان إلا ماء تدفق من بين صلب الرجل وترائب المرأة ، وهو بعد الموت لا يصبح شيئا مذكورا ، فهذه كتلك ، والقادر على الخلق من العدم فى الحالين هو الله ، وهو يقدر أن يعيد الموتى إلى الحياة بعد بعثهم فى الآخرة.

* * *

٣٣٢. برهان على البعث

هو قوله تعالى : (قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً) (٥١) (الإسراء) ، يعنى : قل لهم يا محمد ، كونوا على جهة التعجيز ، حجارة أو حديدا ، أو أى شىء مما هو كبير عندكم بدلا من أن تكونوا عظاما ، فلن تفوتوا الله إن أرادكم ، وسيبعثكم كما خلقكم أول مرة ، وسيلوون رءوسهم عجبا ، ويسألون مستهزئين : متى هذا البعث؟ فقل عسى أن يكون فى القريب. وعسى واجب ، يعنى أن البعث سيكون قصر الزمن أو طال.

وفى الآية : (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ) (١١) (الزخرف) ، يدلل على قدرته تعالى على بعث الموتى ، وشبّهت الآية الموتى بالأرض الميتة ، ينزل عليها المطر فتبعث الحياة فيها ، وتخضر وتخرج الزرع ، ومن يقدر على البعث الثانى

٢٩٦

يقدر على البعث الأول ، كقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (٥٧) (الأعراف) ، والرياح المبشّرة هى التى تبشّر بالمطر ، والبلد هو الموضع من الأرض ، تصفه الآية بأنه ميّت ، أى غير عامر لا يسكنه أحد ، فإذا سقط عليه المطر أخرجت أرضه الثمرات ، فيأتى الناس ويعمر بهم ، فمثل ذلك إحياء الموتى وإخراجهم من القبور. وروى أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سئل : كيف يعيد الله الخلق؟ وما آية ذلك فى خلقه؟ قال : «أما مررت بوادى قومك جدبا ، ثم مررت به يهتز خضرا»؟ قال : نعم. قال : «فتلك آية الله فى خلقه».

* * *

٣٣٣. دليل حدوث العالم وأن له صانعا

فى الآية : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) (١٩) (الانشقاق) دليل على أن العالم محدث ، فالطبق هو الطور ، والمخلوقات والكائنات جميعا تعيش وتتواجد فى الدنيا فى أطوار ، فالإنسان مثلا كان نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، وحيّا ، ثم ميتا ، ويكون سعيدا ثم شقيا ، ثم سعيدا ، وفى يسر ، ثم عسر ، ثم يسر ، وفى غنى ثم فقر ، ثم غنى ، والأيام والليالى تتعاقب ، فلا النهار يبقى إلى الأبد ، ولا الليل يستمر سرمديا ، ولا الشتاء ولا الصيف يدومان ، ولا الفصول كما هى ، ولا القمر ، ولا الشمس ، ولا البرد ، ولا الحرور ، ولا الشباب ، ولا الطفولة ، وفى الحديث : «إن قدّامكم أمرا عظيما فاستعينوا بالله العظيم» ، والأمور العظيمة هى التغيّرات والتقلّبات من حين يخلق إلى حين يبعث. وفى الحديث أيضا : «لتركبن سنن من قبلكم شبرا بشبر ، وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه» ، قالوا : يا رسول الله ، واليهود والنصارى؟ قال : «فمن»؟ يعنى أن ذلك مقدور على الجميع ، فالأطوار سنّة أو فطرة أو قانون للوجود :

كذلك المرء إن ينسأ له أجل

يركب على طبق من بعده طبق

والملاحظ أن الطور مدته عشرون عاما ، أى جيل ، تتغير فيها الأمور حتما عمّا كانت عليه ، منزلة بعد منزلة ، وطبقا بعد طبق ، وليس التغيير إطلاقا ولكنه مما يكون ، فكل شىء يجرى إلى شكله ، ومن كان على صلاح دعاه صلاح فوقه ، ومن كان على فساد استماله الفساد فوقه ، والناس فى النهاية تصير من طبق الدنيا إلى طبق الآخرة ، والعرب يقولون فى الأمر الشديد : «وقع فى بنات طبق» ، وسموا الداهية الشديدة «أم طبق» ، و «بنت طبق» ، وأصلها الحيّة ، واسمها أم طبق لتحوّيها ، وكل ذلك دليل على أن العالم محدث ، وأن له

٢٩٧

محدث ، فكل محدث لا بد له من محدث ، ومن كان اليوم فى طور ، وغدا فى طور ، فليعرف أن أمره ليس من نفسه ، وأن تدبيره ينظمه له سواه. وقيل لأحد الحكماء : ما الدليل على أن لهذا العالم صانعا؟ فقال : تحويل الحالات ، وعجز القوة ، وضعف الأركان ، وقهر النية ، ونسخ العزيمة.

* * *

٣٣٤. حجّتهم فى إنكار الصانع

الآية : (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (٥) (الرعد) فى إنكار البعث ، وتعنى أن العجب حقا هو إنكارهم أن يبعث الناس من جديد بعد ما يصيرون ترابا ، وإنكار البعث معناه إنكار الصانع الذى يصنع البعث ، فمع الأدلة الواضحة بأن كل متغيّر لا بد له من مغيّر ، فإنهم ينكرون أن يكون للخلق خالق ، وأن يكون فى استطاعته أن يعيد خلقهم كما بدأهم ، فهذا هو مصدر العجب حقا.

* * *

٣٣٥. دليل : المتغيّرات لا بد لها من مغيّر

تلفت الآية : (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (٩٩) (الأنعام) النظر إلى التغيرات من حول الإنسان ، فالماء الذى ينزل مطرا ، ويسقى الزرع ، وينبت النخل والأعناب والزيتون والرمان ، متشابها وغير متشابه ، يحثّ على النظر والتفكّر ، وهو نظر اعتبار لا نظر إبصار مجرّد عن التفكّر ، والناظر ينظر ببصره وقلبه معا ، والآية دليل على أن المتغيرات لا بد لها من مغيّر ، وهو فى النهاية الله ، وإلا كنا فى دور وتلاحق اللغة العربية بعبقريتها الفذة أطوار هذا الإثمار للنخل حتى يكون الثمر ، ففي البداية يكون طلعا ، ثم إغريضا إذا انشق عنه الطّلع ، والإغريض يسمى ضحكا أيضا ، ثم بلحا ، ثم سيابا ، ثم جدالا إذا اخضر واستدار قبل أن يشتد ، ثم بسرا ، ثم زهوا إذا أحمر ، فإن كان كذلك من جهة الذّنب فهو مذنّبة ، وهو التذنوب ، فإذا لان فهو ثغدة ، فإذا بلغ الإرطاب نصفه فهو مجزّعة ، فإذا بلغ ثلثيه فهو حلقانة ، فإذا عمّه الإرطاب فهو منسبتة ، فيقال رطب منسبت ، ثم ييبس فيصير تمرا ؛ فهذه الأحوال يلحظها من له دقة بصر وبصيرة ، وتغيّرها تنبيه للناس أن يروا فعل الله فيها ، فلا بد أن هناك محدث لكل هذه التغيرات ، وهو وحده الذى يمكن أن يوجدها ويرسم خطوطها ويستحدث أحوالها ، ولا يمكن أن

٢٩٨

يتيسر ذلك إلا لإله من صفاته أنه واحد ، وقادر وصانع وعالم ، والآية دليل على جواز البعث وأنه من الله تعالى.

وفى الآية : (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) (١٤١) (الأنعام) ، دليل على أن الله تعالى خلق الثمار مختلفة فى الطعوم ، وسمّاها أكلا لأنها تؤكل ، وقدّر فيها الاختلاف ، وبعضها يتشابه وبعضها لا يتشابه ، وفى ذلك اجتمعت الأدلة على طلاقة قدرته ووحدانيته ، لأن كل متغيرات لا بد لها من مغيّر ، والمحدثات لا بد لها من محدث ، ولقد خلقها غذاء لنا ، وكان بوسعه أن يخلقنا ولا يخلق لنا الغذاء ، وخلقه جميل المنظر ، طيب الطعم ، وسهل الجنى ، وما كان عليه أن يفعل ذلك ابتداء ، لأنه لا يجب عليه شىء ، وخلق له الماء والغذاء لينمو ويونع ، والمفروض أن الماء ينزل إلى أسفل ، فخلق خاصية صعوده فى النبات إلى أعلى حتى الفروع السامقة ، وجعل له الأوراق مختلفة الشكل ، وأنبت منه الثمر ، له الجرم الوافر ، واللون الزاهر ، والجنى الجديد ، والطعم اللذيذ ، فأين من قالوا أن الأشياء توجد بطبيعتها وأجناسها؟ وأين أصحاب الفلسفات الذين زادوا وعادوا وما قالوا شيئا إلا تحصيل الحاصل؟ وهل كان فى قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان ، أو ترتب هذا الترتيب العجيب؟! وما يفهم ذلك إلا عاقل ، يدرك أن الخلق لا يخلقه إلا خالق حىّ ، عالم ، قادر ، مريد ، فسبحان من له فى كل شىء آية ونهاية!

* * *

٣٣٦. حجة نفى الشريك

الآية : (قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) (٤٢) (الإسراء) متصلة بسابقتها : (وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) (٣٩) (الإسراء) ، والمعنى : أنه تعالى لو شاركته آلهة فى ملكه لطلبوا معه المنازعة والقتال كما تفعل ملوك الدنيا الشركاء فيما بينهم ، وإذن لطلبوا طريقة للوصول إليه لينزلوه عن عرشه طالما أنهم شركاء ، أو لا لتمسوا الزلفة عنده وابتغوا القربة وكانوا مثل بقية خلقه وليسوا شركاء.

* * *

٣٣٧. التكذيب أن لله شريكا وولدا

هو قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (٨٤) (الزخرف) ، يعنى هو واحد لا شريك له ، مستحق للعبادة فى السماء والأرض ، ويعبد واحدا فيهما.

* * *

٢٩٩

٣٣٨. حجّته البالغة تبيّن أنه الواحد

فى قوله تعالى : (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) (١٤٩) (الأنعام) أن الحجة البالغة هى التى تقطع عذر المحجوج ، وتزيل الشك عمّن نظر فيها ، وحجّته البالغة على ذلك تبيّن أنه الواحد ، وقد ذمّ الذين جعلوا شركهم عن مشيئته ، وتعلقهم بهذه المقولة باطل ، وقد ذمّهم على ترك اجتهادهم فى طلب الحق ، بدعوى أنه لو شاء ما أشركوا ، وأنه لو شاء لهداهم ، وما يقولونه حجة له عليهم ، لأنه جعل لهم أن يختاروا الهدى أو الضلال ، وأن تكون مسئوليتهم على اختيارهم ، وأرسل إليهم الرسل والأنبياء ، وأيدهم بالمعجزات ، ونبّههم إلى الآيات فى الكون وفى أنفسهم ، وألزم أمره كل مكلّف ، فذلك قوله له الحجة البالغة.

* * *

٣٣٩. ربّ الشّعرى

يقول تعالى : (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) (٤٩) (النجم) ينفى أن الشّعرى ربّ ، فالشعرى ليست سوى كوكب مضىء ، وهى مربوبة وليست بربّ ؛ وطلوعها بعد الجوزاء ، وكان العرب يعبّدونها ، وقيل عبدتها حمير وخزاعة ، ومن لم يكن يعبدها من العرب كان يعظّمها. والشعرى شعريان : العبور والغميصاء ، وفى خرافات العرب أن سهيلا والشعرى كانا زوجين ، فانحدر سهيل فصار يمانيا ، فاتبعته «الشعرى العبور» فعبرت المجرة فسميت العبور ، وأقامت الغميصاء ، فبكت لفقد سهيل حتى غمصت عيناها ، فسميت غميصاء لذلك ، والغميص هو المادة البيضاء تفرزها العين المريضة وتخرج من مجرى الدمع. وقيل : الذى دعا إلى عبادة الشعرى كان من يدعى أبا كبشة ، من أجداد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من جهة الأمهات ، ولمّا كانت المشابهة بينه وبين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حيث خرج أبو كبشة على إجماع العرب ودعا دعوته ، فكذلك خرج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على إجماع العرب ودعا إلى عبادة الله ، فسمّوه «ابن أبى كبشة» لهذا السبب ، وكانوا يقولونها استهزاء.

* * *

٣٤٠. بروج السماء من دلائل الوحدانية

البروج هى المنازل ، وفى الآية : (وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) (١٧) (الحجر) تنبيه إلى كمال قدرته تعالى ، ليستدل بها على وحدانيته ، والبروج فى السماء آية وإعجاز ، وهى منازل الشمس والقمر ، وهى : الحمل ، والثّور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، والدّلو ،

٣٠٠

والحوت ، فهذه اثنا عشر برجا تكوّن معا ما يسمى بالفلك. وأصل البروج الظهور ، ومنه تبرّج النساء ، وسميت بها المنازل لأنها تظهر فى السماء ، ومن منافعها معرفة مواقع النجوم وأبوابها من أجل العلوم. وتزيين السماء بالنجوم ، وهى مصابيح تسرّ الناظرين ، وذكرى للمعتبرين والمتفكرين ، وحفظا من الشياطين ، أن يسترقّوا السمع فيرجمون بالحجارة عقابا وصدّا لهم.

* * *

٣٤١. اسمه تعالى «الله» ليس له سمّى

فى الآية : (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (٦٥) (مريم) أنه تعالى ربّ كل شىء ومالكه ، لأنه خالق كل شىء ، فكما إليه تدبير الأزمان كذلك إليه تدبير الأعيان ، ولا يمكن صرف ذلك إلا إليه تعالى ، المتفرّد باسمه «الله» ، والمستحق للعبادة والصبر عليها ، فهل يعلم أيّنا أحدا سمّى باسم الله ، أو يقال له الله ، إلا هو؟

* * *

٣٤٢. الله هو اسمه تعالى الأعظم

الاسم «الله» هو رأس الأسماء الربّانية جميعها ، وهو علم على ذات الحق ، وجامع لكل صفات الجلال والكمال ، وهو اسمه الأعظم ، لأنه الذى استفتح به فقال : (بِسْمِ اللهِ) (الفاتحة ١ ، وهود ٤١ ، والنمل ٣٠) وذكر أنه إذا دعى به أجاب : (ادْعُوا اللهَ) (١١٠) (الإسراء) ، وإذا سئل أعطى ، كقوله : (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (٢٩) (الرحمن) ، ولم يوجد من سمّى به سواه ، كقوله : (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (٦٥) (مريم). وهو اسم يوصف بكل الصفات ولا توصف به الصفات ، فلا يقال مثلا : «الرحمن الرحيم الله» ، وإنما يقال : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ، وفى التنزيل : (هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) (٢٢) (الحشر) ، فأجرى الأسماء ـ التى هى صفاته ـ بعد اسمه الله كصفات له ، كما قال : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (٨) (طه) ، فالأسماء الحسنى تصفه ولا يصفها.

والاسم «الله» من الجوامد ، يعنى ليس له اشتقاق ، وقيل مشتق من : أله ، يأله ، ألوهة ، والجمع آلهة ، وإله. وقيل مشتق من ألهت إلى فلان ، أى سكنت إليه ، فهو الله لأن العقول لا تسكن إلا إلى ذكره تعالى ، فهى تأله إليه ، وهو لذلك الله ، كقوله تعالى : (أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (٢٨) (الرعد). أو أنه الله لأن له الإلهية ، ويستحق نعوت الجلال ، فإذا قلنا

٣٠١

«بسم الله» نقصد باسم من تفرّد بالقوة والقدرة ، فبسماعنا لاسمه تعالى «الله» ندرك معنى الإلهية ، فنستشعر الهيبة والاصطلام. وإذا تكلمنا فى اسمه تعالى ، فإنه تعالى ليس مجرد اسم ، وإنما هو موجود بذاته ، ونعرفه بأفعاله ، وبالعقل والمنطق عن أهل العلوم والحكمة ، وبالنقل عن الأنبياء ، وبالدلائل أو الحجج أو البراهين على وجوده وجودا عينيا وليس وجودا اسميا اصطلحنا على تسميتها باسم دلائل أو حجج أو براهين وجود الله ـ عن العلماء ؛ وهى علم قائم بذاته. واسمه الله يتردد فى القرآن ٢٦٩٧ مرة ، وأفعاله وآياته الدالة على وجوده عينيا لا تعد ولا تحصى. ومن صفات الاسم «الله» سهولته فى النطق وفى التذكّر ، وجرّبت ذلك بنفسى على طلّاب من الجامعات فى موسكو وفرانكفورت وباريس ولندن ونيويورك وروما ، فكان تذكّرهم للاسم ونطقهم له من أسهل الأمور عليهم ، وكان يعسر نطق الاسم التوراتى «ألوهيم» وهو المقابل العبرى لاسم الله العربى ، وفى ذلك بيان بفضل العربية على العبرية ، فكان اختياره تعالى للعربية لغة للقرآن لصفات فيها ليست فى العبرية ، ولهذا لم تتنزّل التوراة من الله مباشرة وإنما كتبها الكتبة ، وكذلك الأناجيل ، فأما القرآن فكان نزوله مباشرة من الله ، وكان حفظه منه تعالى ، لأنه كلامه المباشر ، ومن ثم فالدعوة فيه لله وليست لشعب اليهود كالتوراة ، وليست للمسيح كالأناجيل ، وهذا دليل ثبوتى على أن القرآن من عند الله. ولأن الله فيه يدعو لنفسه فكثر اسمه تعالى فى القرآن حتى بلغ هذا العدد الكبير الذى له فيه ، وبالمقارنة لم يزد عدد مرات المذكور من اسمه تعالى العبرى «ألوهيم» فى التوراة عن مائة وخمسين مرة أو نحو ذلك ، وتكاد الأناجيل يكون مدارها على اسم المسيح وقلما يذكر اسم الله ، والسبب أن التوراة ينصبّ فيها التأليه لشعب إسرائيل وليس لله ، وكذلك فإن الأناجيل لم تكن تحفل بذكر الله وإنما دعوتها للمسيح. وكذلك يرد فى التوراة اسم «يهوه» أكثر من اسم «ألوهيم» ، و «يهوه» ، يعنى «هو» يشيرون بها إلى الله تعالى بضمير الغائب ، وفى القرآن مثل ذلك كما فى قوله تعالى : (وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) (القصص ٧٠) ، و (هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) (٢٢) (الحشر) ، والفرق فى العبرية بين «ألوهيم» وبين «يهوه» ، أن «ألوهيم» تعنى «ربّ العالمين» أى ربّ الأمم أو ربّ الأغيار ، و «يهوه» ، تعنى «ربّ اليهود» ، تمييزا له عن ربّ الأمم أو ربّ العالمين. وكذلك يرد اسمه تعالى فى العبرية «أدوناى» بمعنى «ربّنا» أو «ربّى» ، فإن أردت أن تشير إليه باعتباره «ربّ الناس» قلت «ألوهيم» ، وإن أردت الإشارة إليه «كربّ بنى إسرائيل» فهو «يهوه» ، وإن أردت أن تدعو به لنفسك أو تدعوه به جماعة ، تقول «أدوناى». «وصوفية المسلمين» الذين هم على علم بهذه الأسماء العبرية : «ألوهيم» و «يهوه» و «أدوناى» يعظّمونها ، وعندهم «الهو»

٣٠٢

الغير ، وفى حق الله هو إشارة إلى الله ذاته ، ويقولون «هو بلا هو» يعنى أنه المتفرّد المتوحّد ، وكأنما الذى يكتب أو يقول : «هو» لا يقولها نطقا ولا يكتبها أحرفا ، بالهاء والواو ، وإنما يكتبها أو ينطقها إشارة ، يقصده تعالى بها بدون حاجة إلى التنبيه إليه باسم أو حرف ، ومن ذلك تشتق «الهوية» : ، وهى الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة فى الغيب المطلق. فشتّان إذن بين مفهوم اليهود من قولهم «هو» ، ومفهوم متصوّفة الإسلام ، وهوية الحق عند متصوفة المسلمين هى عينه التى لا يمكن ظهورها إلا باعتبار جملة الأسماء والصفات ، فكأنها إشارة إلى باطن الأحدية. وفى القرآن فإن الإشارة إلى اسم الله تعالى تأتى بضمير الغائب «هو» تعبيرا عن مضمون اسمه تعالى «الله» ، وعلى ذلك فقوله تعالى (هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) (٢٢) (الحشر) تنبيه إليه تعالى باعتبار اسمه «هو» مرة ، وباعتباره «الله» مرة ، فإن أردناه تعالى كهوية أو كمعنى باطن ، قلنا «هو» ، وإن أردناه كعلمية قلنا «الله» ، «فالله» هو الاسم المستحق لصفات الإلهية التى نعلمها ، وما لا نعلمه منها فاسمه «هو» ، ويقابل ذلك فى العبرية «ألوهيم» و «يهوه». واسم «الله» على ذلك من أسماء الأعلام ، لأنه مظهر الربوبية ، واسم «هو» باطن الربوبية. والاسم «الله» ينطق خماسيا ، مع أنه فى الكتابة رباعى ، والنطق حاكم على الكتابة ، ولذلك كانت بداية القرآن بقوله تعالى : «اقرأ» ، ولم يقل «اكتب» ، وكتابه المنزّل اسمه «القرآن» ، أى المخصوص للقراءة ، وهو اسمه الشائع وليس الاسم «الكتاب» ، واسم «القرآن» على ذلك حاكم على اسمه «الكتاب». واللطيفة فى الاسم العربى : أن الحرف الأول من اسمه تعالى «الله» المنطوق هو : «الألف الأولى» وتأويلها الواحد فى الحساب ، إشارة للأحدية ؛ والحرف الثانى هو : «اللام» الأولى تلتوى عن الألف فتعطيها جلالا ، والجلال أعلى تجليات الذات وأسبق من الجمال ، وفى الحديث : «العظمة إزارى والكبرياء ردائى» ، ولا أقرب من الرداء والإزار إلى الشخص ، فثبت أن صفات الجلال أسبق إليه تعالى من صفات الجمال ، والحرف الثالث : «اللام الثانية» : تأكيد للأولى ، وإظهار لما فى جلال اللام الأولى من الجمال ، والجمال الظاهر للخلق هو جمال الجلال ، كما أن الجلال الباطن هو جلال الجمال ، والاثنان الجلال والجمال متلازمان فى الاسم «الله» ؛ «والحرف الرابع» هو «الألف الثانية» التى تنطق قراءة وتنسى كتابة ، ولكنها ثابتة فى اللفظ الملفوظ باللسان ، وهى إذن ألف الكمال» ، لأن ثبوت الألف فى اللفظ إظهار للكمال فى ذاته تعالى. والحرف الخامس هو : «الهاء الأخيرة» إشارة إلى الهوية ، أو الهوهو فى قوله : «هو الله». والهوهو الباطن ، وهو الذات ، وهو عالم الغيب. وتستدير الهاء تحوط بالغيب عالم الخلق والشهادة ، إشارة إلى أنه تعالى هو الخالق ، والحافظ ،

٣٠٣

والرحمن ، والرحيم ، والولىّ ، والحميد إلخ ، فتجتمع فى الاسم «الله» كل صفات الألوهية أو الإلهية ، ولا يتحقق هذا الاجتماع إلا لذات واجبة الوجود. والخلاصة أن «الألف» فى الله» بها الابتداء ، و «الهاء» بها الانتهاء ، فهو تعالى «الأول والآخر» ، وقولنا ، «هو» كمقابل لاسمه «الله» ، مقابلة الباطن للظاهر ، فاسمه «الله» إشارة إلى ظاهر الذات ، واسمه «هو» إشارة إلى الذات نفسها ، فذلك تفسير قوله تعالى : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ) (٣) (الحديد). واعتقاد أهل السنّة فى الله : أنه تعالى واحد أحد ، قائم بنفسه ، ومستغن عن خلقه ، ليس له محل ، ولا مكان ، سميع ، بصير ، ليس كمثله شىء ، ولا يجوز عليه الحدّ ولا النهاية ، قديم ، ليس بجسيم ، ولا بجوهر ، ولا بعرض ، يستحيل عليه الولد والزوجة ، ولا يجوز له الشريك ، ولا الحركة والسكون ، ولا الذهاب والمجيء ، ولا الاجتماع والافتراق ، والقرب والبعد ، والاتصال والانفصال ، والحجم والجرم ، والجثة والصورة ، والحيّز والمقدار ، والنواحى والأقطار ، والجوانب والجهات ، ولا تجوز عليه الحوادث على ذاته ، ولا يجوز عليه النقص ، والآفة ، والكيفية ، والكمية ، والأينية ، وهو حىّ ، قادر ، عالم ، مديد ، وصفاته له ، وموجودة به ، وقائمة بذاته ، وعلمه بكل شىء ، وقدرته فى كل شىء ، وحكمته فى كل شىء. فهذا بعض ما نعرف عن الله ، وعرفناه بالقرآن ، وعايناه بالعقل ، والحمد لله على نعمة القرآن والإيمان والإسلام والعقل ، وعلى أن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان نبيّنا ورسوله تعالى إلينا ، وكان معلّمنا ومرشدنا وهادينا.

* * *

٣٤٣. الله والربّ والإله

فى القرآن : (رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (١٤) (الكهف) ، يعنى أنه تعالى المالك المتصرف ، والمدبّر لكل أمر فى السموات والأرض ، خلق كل شىء ، ويتعهده ويكفله ، وبنفس المعنى : (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) (١٢٦) (النساء) ، (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) (٨٤) (الزخرف). والفرق بين الله والربّ والإله : أن الله علم على الإله المعبود بحق ، وأصله أله ، دخلت عليه أل ، ثم حذفت همزته وأدغم اللامان. غير أن الله لا يجمع ، لأنه لا إله إلا هو ، بينما الجمع لإله هو آلهة ، والإله هو كل ما يتخذ معبودا ؛ وكذلك الربّ تجمع على أرباب وربوب ، من ربّ بمعنى تعهد ونمّى وحفظ وأصلح ، والربّ هو المالك ، والسيد ، والمربى ، والقيّم ، والمنعم ، والمدبّر والمصلح. واسم الله تعالى ينفرد به المسلمون ، وله ما يقابله فى العبرية وهو «ألوهيم» ، بينما الرّب فى العبرية «يهوه». وكان للمصريين آلهة أو أرباب بلغت نحو العشرين ، وفى قول نحو المائة ، ومن أشهرهم رع ،

٣٠٤

وآمون ، وأتون. وكان لليونانيين آلهتهم كذلك ، وكبيرهم ربّ الأرباب زيوس. وفى التوراة فإن آلهة إسرائيل بلغت الخمسين إلها ، ومنهم بعل ، وأدونيا أو أدونيس ، وعشتار. وأرباب النصارى ثلاثة ، ومن أربابهم قديسون ورهبان ، ومن أرباب اليهود أحبار ، والربّ هو الذى يحلّل ويحرّم ، فجعل الرهبان والأحبار لأنفسهم ما لله. وعند استخدام «الله» ـ فالمقصود به «ربّ العالمين» ، فلا ينسب لهذا أو ذاك من الناس أو الأقوام ، على عكس «الرّب» و «الإله» ، فيقال ربّى ، وربّكم ، وربّنا ، وربّ الناس ، وربّ الشعرى ، وربّ العرش العظيم ، وربّ المشارق والمغارب ، وربّ المشرقين ، وربّ المغربين ، كما يقال إلهى ، وإلهنا ، وإلههم. وفى الدعاء : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَ) (٢٨) (نوح) ، (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ) (١٠١) (يوسف). وفى اليونانية الله Theos ، والاعتقاد فى الله Theism ، والرّب Deos ، وفى اللاتينيةDeus ، والربوبيةDeism. وللربّ بمعنى الله كل صفات أو أسماء الجلالة. ومن الربّ تشتق الربّيون والربّانيون ، والفرق بين الاثنين هو أن الربّيين هم العلماء العبّاد المجاهدون ، كقوله : (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) (١٤٦) (آل عمران) ، والربّانيون هم العلماء الراسخون فى العلم كقوله تعالى : (لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ) (المائدة ٦٣) ، فالربّيون رسالتهم العلم ، وتحقيق التعليم ، والدعوة إلى القتال ؛ والربّانيون رسالتهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، لأنهم علماء الأمة ، والفرق بين الربّانى والحبر ، أن «الحبر» عالم متضلّع يعيش للعلم ، بينما «الربّانى» عالم متألّه ، سلوكه وفق علمه. والربوبية التى لله شاملة لكافة المجالات التى يكون بها المؤمن مؤمنا يترقّى فى الإيمان ، ليكون من المخلصين الصدّيقين المجاهدين فى سبيل إعلاء دينه وكلمته. وغاية الربوبية تعليمية ، وتربوية ، واجتماعية ، وسياسية ، واقتصادية ، وفكرية ، وعقلية ، ونفسية ، وروحية ، وتتوخى إصلاح البدن ، والعقل ، والقلب ، والنفس ، والروح ، والبيت ، والشارع ، والمصنع ، والحقل ، والمجتمع ، والدولة ، والعالم بأسره ، ويتهيأ بها الإنسان ليكون جديرا بخلافة الله فى الأرض. وربوبية الله فى قوله «ربّ العالمين» ، أنه تعالى هو السيد ، والعالمين جميع المخلوقات. واختصاص هذا الجمع بلفظ «العالمين» لاشتماله على العقلاء والجمادات ، فهو تعالى مالك الأعيان ومنشؤها ، وموجد الرسوم والديار بما فيها. واسم الربّ فيه تربية الخلق ، فهو تعالى مربّى نفوس العابدين بالتأييد ، ومربّى قلوب الطالبين بالتسديد ، ومربّى أرواح العارفين بالتوحيد ، ومربّى الأبدان بوجود النعم ، ومربّى الأرواح بشهود الكرم. والزاهدون يربّيهم بجميل رعايته ، والعابدون يريبهم بحسن كفايته ، والواجدون يربيهم بتقديم عنايته. وفى الدعاء ميّز الله تعالى أمة محمد بأن جعل دعاءهم منهم له مباشرة ،

٣٠٥

كقوله : (وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (٦٠) (غافر) ، بينما جعل دعاء بنى إسرائيل ، أنهم طلبوا من موسى أن يتوسط لهم عند ربّه ، فقالوا : (فَادْعُ لَنا رَبَّكَ) (٦٠) (البقرة) ، وفارق بين أمة لها التقريب وتدعو الله مباشرة ، وأمة بوعد بينها وبين ربّها فليس لها إلا الرجاء بالوساطة.

* * *

٣٤٤. الإله الحقّ لا يتعدّد

لا يتعدّد الإله الحق وكل إله يزعم أنه يتعدد فليس بإله ، وفى الآية : (وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) (٥١) (النحل) يقتصر النفى على وجود إلهين اثنين ، والمقصود نفى التعدد إطلاقا ، فإنما هو إله واحد ، والواحدية وصف لذاته المقدّسة. والدليل العقلى والشرعى على وحدانيته : هو عجائب صنعه ، فلا بد لها من فاعل أو صانع أو محدث أو خالق لا يشبهه شىء ، وفى قوله «هو إله واحد» إثبات للوحدانية ، على عكس «لا إله إلا الله» ففيها النفى والإثبات معا ، وأولها كفر ، بقوله : «لا إله» ؛ وآخرها إيمان ، بقوله : «إلا الله» ، بينما : «هو إله واحد» كلها إيمان.

* * *

٣٤٥. التوحيد

التوحيد مصدر وحّد يوحّد ، ومعنى «وحّدت الله» اعتقدته متفرّدا بذاته وصفاته ، لا نظير له ولا شبيه ، كقوله تعالى : (قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (١٩) (الأنعام) ، وقيل : معنى وحّدته : علمته واحدا ، كقوله : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) (١٦٣) (البقرة) ، وقيل : الواحدية تعنى أنه قد سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد فى ذاته لا انقسام له ، وفى صفاته لا شبيه لا فى إلهيته ولا شريك له فى ملكه وتدبيره ، ولا شريك له ، ولا ربّ سواه ، ولا خالق غيره ، كقوله : (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ) (٥٢) (إبراهيم).

* * *

٣٤٦. لا إله إلا الله

فى «لا إله إلا الله» : نفى قاطع بالألوهية لغير الله ، قيل فى الآية : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) (٨٩) : (النمل) أن الحسنة هى قول «لا إله إلا الله» يوم الفزع ، فمن قالها فقد أحسن. وسأل أبو ذر الرّسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : يا رسول الله : أمن الحسنات : «لا إله إلا الله»؟ قال : «من أفضل الحسنات» ، وفى رواية قال : «نعم ، هى أحسن الحسنات». وقيل الحسنة فى قوله تعالى «من جاء بالحسنة» وذلك يوم القيامة ـ هى الإخلاص والتوحيد. ولمّا اجتمع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأكابر قريش عند أبى طالب قرب موت أبى طالب ، قال

٣٠٦

لهم : «قولوا لا إله إلا الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم» ، فأبوا وأنفوا ، وفيهم أنزل الله تعالى : (إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ) (٣٥) (الصافات) ، وقال : (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها) (٢٦) (الفتح) ، وقيل «كلمة التقوى» هى : «لا إله إلا الله» استكبر عنها المشركون يوم الحديبية ، يوم كاتبهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الهدنة ، وأوصى الله تعالى بها نبيّه فقال : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) (١٩) (محمد) ، فأخبر أنه تعالى أعلم بها نبيّه لما علمها استدلالا أولا ، فأعلمه بها يقينا ثانيا. والعلم بها للمسلم أن يذكرها ، عبّر تعالى عن الذكر بالعلم ، لأن الذكر يترتب على العلم ، والذكر عمل ، فإذا علم المسلم وتيقن أنه «لا إله إلا الله» ، فعليه عندئذ بذكره تعالى ، أى بشكره على نعمه والثناء عليه ، وأن يتوجّه بالعبادة له ، ومن العبادة عمل الصالحات وإعمار الأرض. وكما أنه لا إيمان من غير عمل ، فكذلك لا عمل إلا من بعد معرفة وعلم. والكافر لو عرف الله لافتخر بعبوديته له ، ولما استكبر أن يقول «لا إله إلا الله» ، كقوله تعالى : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ) (النساء ١٧٣) ، ومن عرف الله لا لذة له إلا فى طاعته ، والانقطاع إليه عن الخلق ، كما كان نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم يفعل. ومن قال «لا إله إلا الله» بعلم ، فإنه يذكر معناها ، ويتحقق بحقيقتها ، وذلك هو الإخلاص ، فالعبد يعلم أولا ربّه بدليل وحجة ، وعلمه كسبى ، وهو أصل الأصول ، وينبنى عليه العلم الاستدلالي ، ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان والحجج.

* * *

٣٤٧. شهادة الحق لا إله إلا الله

لا يشهد بالحق إلا الملائكة والأنبياء والمؤمنون ، وهؤلاء هم الذين يعلمون ولذلك يشهدون ، وشهادتهم هى الحق ، كقوله تعالى : (وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٨٦) (الزخرف) ، وشهادة الحق هى قولهم : «لا إله إلا الله» ، يقولونها عن علم ، كقوله تعالى : (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) (٢٥) (النور) وعلمهم ب «لا إله إلا الله» هو علم بحقيقتها. وفقه ذلك : أن شرط سائر الشهادات فى الحقوق أن يكون الشاهد عالما بها.

* * *

٣٤٨. إله المسلمين إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم

قيل : إن كفّار قريش سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ينسب لهم ربّه ، فأنزل الله تعالى : (قُلْ هُوَ

٣٠٧

اللهُ أَحَدٌ) (١) (الإخلاص) ؛ وسأله مسلمو المدينة أن ينسب لهم ربّهم ، فنزلت الآية : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) (١٦٣) (البقرة) و «لا إله إلا هو» نفى وإثبات ، أولها كفر : «لا إله» ، وآخرها إيمان : «إلا الله» ، ومعناها : لا معبود إلا الله. وكان بعضهم يذكر الله فلا يقول : «لا إله» ، ويقول : «الله» ، ويبررون ذلك بقولهم : نخشى أن نقبض ونحن نقول كلمة الجحود : «لا إله» ولم نصل إلى كلمة الإقرار : «الله» ، وفى الحديث : «من كان آخر كلامه (يعنى فى الدنيا) لا إله إلا الله ، دخل الجنة» أخرجه مسلم ، ولذا أوصى أحمد بن حنبل ابنه أن يكون معه فى الحشرجة ، فإن نسى أن يقول «لا إله إلا الله» ذكّره واستصرخه أن يقولها. وقول «لا إله إلا الله» مقصوده القلب لا اللسان ، فلو قال المؤمن «لا إله» ومات ، ومعتقده وضميره الواحدية وما يجب لله تعالى من الصفات ، لدخل بها الجنة. وقوله تعالى للمسلمين «وإلهكم» ، غاية التشريف ، ولقد قيل : علامة من يعدّه الله من خاص الخواص أن يقول له «عبدى» ، فأما من قصدهم بإلهكم ، فإن «إلهكم» أتمّ من «عبدى» ، لأنه فى قوله «عبدى» أضاف العبد إليه ، بينما فى قوله «إلهكم» أضاف الإله إليهم. ، وهذا تشريف ما بعده تشريف. ووصفه بأنه «الواحد» يعنى أنه لا مثل له يدانيه ، ولا شكل يلاقيه ، ولا قسيم يجانسه ، ولا شريك يعاضده ، ولا معين يساعده ، ولا منازع يعانده ، فهو الأحدىّ الحق ، الصمدىّ العين ، الديمومى البقاء ، الأبدىّ العزّ ، الأزلىّ الذات. والآية فيها أنه : «الرحمن الرحيم» ، ألحقها بلا إله إلا هو ، والاسمان «الرحمن» و «الرحيم» من الرحمة ، والرحمن ، أبلغ وأشدّ ، وهو الرحمن بما أولى المسلمين من الإيمان ؛ وهو الرحيم بما أسدى إليهم من العرفان. والحمد لله.

* * *

٣٤٩. الكفر

الكفر خلاف الإيمان ، وهو إنكار وجود الله ، من كفر ضد آمن ، والكافر : الجاحد لنعم الله ، والكفّار فى جمع الكافر وهو المضاد للإيمان ، أكثر استعمالا فى القرآن ، والكفرة فى جمع كافر النعمة الأكثر استعمالا. وفى القرآن من ذلك كمثل على الكفر : (الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ) (البقرة ٢٥٨) فى قوله تعالى : (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) (البقرة ٢٥٨). والناس صنفان : إما مؤمنون وإما كفّار ، كقوله : (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) (٢٥٣) (البقرة) ، والنصارى من الكفّار بقوله تعالى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (٧٢) (المائدة) ، وبقوله : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) (٧٣) (المائدة). وفى القرآن عن الكافرين : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) (٥٥) (الأنفال) ، وتوعدهم الله تعالى

٣٠٨

فقال : (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً) (٤) (الإنسان). والكافرة مؤنث الكافر ، وجمعها كوافر ، كقوله : (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ) (١٠) (الممتحنة) ، والكفر عليه أغلب الناس ، كقوله : (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) (٥٠) (الفرقان) ، والكفور (بالضم) شدّة الكفر ، والإنسان عموما مطبوع على الكفر ، كقوله : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ) (١٥) (الزخرف) ، والكفور (بالفتح) شديد الكفر ، سمّى كذلك لأنه ولد من خطيئة ، هى عصيان آدم وحواء لربّهما. ومع كفره فإن جسم الكافر وعرقه طاهران ، ولو غمس يده فى الماء لا تزول طهورية الماء ، ما لم تكن على يده نجاسة. ولا يكلّف الكافر بالصلاة ؛ ولا يصحّ أن يغسّل المسلم ، ولو لم يوجد من يغسله من المسلمين ييمّم ؛ ولا يصح لمسلم أن يغسّل كافرا ولو كان قريبا ، فإذا خاف الضرر ببقائه ، أو أن يعيّر به ، فلا بأس أن يغسّله ويواريه التراب ، ولكن لا يصلّى عليه ، ولا على أطفاله لو ماتوا ؛ ولا يصلّى عموما على أهل الحرب من الكفار ، ولا يستغفر لهم. وإذا أسلم الكافر فى رمضان ، فعليه الصيام بقية الأيام ، ولا قضاء لما مضى قبل إسلامه. وكفّارته فى الظهار بالتصدّق بما يساوى عتقا أو بالإطعام ، ولا يجوز بالصيام. ولا تعطى زكاة الأموال لكافر والمسلمون فى حاجة إليها ، إلا أن يكون الكافر من المؤلفة قلوبهم وقد انتهى أمر هؤلاء. ويجوز استئجاره ليتولى حاجة للمسلمين ، كبناء مسجد أو قناطر ، إذا لم يوجد المسلم الصالح لذلك ، وإن أجّر مسلم نفسه من ذمىّ لعمل صحّ ، وإن استأجره لمدة صحّت الإجارة ؛ وإن وكل مسلم كافرا صحّ توكيله ، سواء كان ذميا ، أو مستأمنا ، أو حربيا ، أو مرتدا ؛ ويحرم نكاح المسلم للكافرة والمشركة ، والكافر والمشرك للمسلمة ، لقوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (٢٢١) (البقرة) ، والكفر والشرك يستويان. ويكره الارتضاع بلبن المشركة ، ولا حقّ لكافر فى حضانة مسلم. وللكافر أن ينظر إلى قريبته المسلمة ويحرم سفره معها ؛ وليس له ولاية تزويج مسلمة. وفى الدعاوى يصحّ الحكم للمدّعى عليه بيمينه إن كان كافرا ، فاليمين من الكافر صحيحة ، وإن حنث وجبت الكفّارة عليه. وتثبت له الشفعة ؛ ويحرم التوارث بين الكافر والمسلم ، ويقتصّ للكافر من المسلم ـ أى كافر كان ، ويقتل به ، كقوله تعالى : (أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) (٧٤) (الكهف) ، وقوله : (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِ) (٦٨) (الفرقان) ، وقوله : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) (٤٥) (المائدة) ، وقوله : (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (٣٢) (المائدة) فلم يفرّق بين كافر ومسلم فى القتل. ولا دية فى قتل الحربىّ الكافر ، وتجب الدية على الكافر

٣٠٩

سواء كان المقتول مسلما أو كافرا. ولقيط دار الإسلام محكوم بإسلامه ، فإن كان أهل البلد جميعا أهل ذمة حكم بكفره ، وإن كانت البلد أصلها للمسلمين وغلب عليها الكفّار فاللقيط مسلم. ويحرم صيد المشرك على المسلم ، لأنه ليس من أهل الزكاة. ويكفر المسلم إن ترك الصلاة أو أيا من مبانى الإسلام ، جاحدا لوجوبها ، وإن اعتقد حلّ شىء أجمع على تحريمه كلحم الخنزير ، والزنا ، والخمر ، وإن ادّعى النبوة أو صدّق من ادّعاها ، أو سبّ الله ، أو استهزأ بآياته ورسله وكتبه ، أو تعلم السحر ومارسه واعتقد إباحته. ويثبت إسلام الكافر بنطق الشهادتين ، والإقرار برسالة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والتبرؤ من كل دين يخالف دين الإسلام ؛ ولا يحكم بإسلامه بأداء الزكاة والحج وممارسة الصيام دون الشهادتين ؛ وكذلك المرتد ؛ وإن أكره الذمىّ أو المستأمن على الإسلام فأسلم ، لم يثبت له الإسلام ، حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعا. وأما المرتد والحربى إذا أسلما ، فإن إسلامهما ظاهرى. ومن أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافرا ، ومتى زال عنه الإكراه أمر بإظهار إسلامه وإلا فهو قد كفر حقا ، والأفضل لمن يكره على الكفر أن يصبر على الأذى.

* * *

٣٥٠. الشّرك

أصل الشرك : أن تعتقد أن لله شريكا فى ألوهيته ، وهذا هو الظلم العظيم أو الشرك العظيم فى الآية : (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (١٣) (لقمان) ، وهو الشرك الذى لا يغفره الله كقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) (١١٦) (النساء). والشرك مراتب ، وكان شرك الجاهلية الأولى من أعظم الشرك ، وكذا شرك الجاهلية الثانية فى عصر العولمة والأحكام الليبيرالية ، يليه فى الرتبة أن يعتقد المشرك أن لله شريكا له فى فعله ، من ثم يستحق العبادة مثله ، كشرك النصارى ، فقد عبدوا المسيح وجعلوه ندا لله ، وادّعوا أنه ابنه ، وقالوا إنه يخلق ويغفر ويقضى بين الناس مثل الله ، كقوله : (جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) (١٦) (الرعد) ، ويليه فى الرتبة الشرك الأفكارى أو الإيديولوجى ، وهو شرك اليهود ، فجعلوا أنفسهم أحباء لله وأبناء له ، وادّعوا أنهم شعب الله المختار ، وأنه اصطفاهم على العالمين ، واختصّهم بنعمه ، وحصر فيهم الجاه والسلطان والعقل والعلم ، وانتقاهم ليعبدوه إلها واحدا ، فجعلهم شعبه الأوحد ، والله تعالى نفى شرك النصارى وشرك اليهود ، فقال : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) (١١١) (الإسراء). ومن الشرك ما هو ظاهر وما هو باطن أو خفىّ ، كقوله تعالى فى الفواحش وهى من الشرك الظاهر : (ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) (١٥١) (الأنعام) ،

٣١٠

وفى الإثم : (وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ) (١٢٠) (الأنعام). والشرك الخفى : من مصطلحات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «الشرك الخفى أن يقوم الرجل يصلى فيزيّن صلاته لما يرى من نظر رجل» أخرجه ابن ماجة ، يقصد شرك المرائين والمنافقين ، ومنه عبادة أبطال التاريخ ، كتأليه الأتراك لكمال أتاترك ، وتأليه الرعاع للطغاة والحكّام المستبدّين ، كفرعون موسى. ودليل القرآن على نفى الشرك عن الله تعالى قوله : (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ) (٣٥) (يونس). ويقال لمن يعتقد الشرك «مشرك». والشرك نجس ، أى قذر ، وفى التنزيل قوله : (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (٢٨) (التوبة) ، وقوله : (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٣) (التوبة) ، والمشركون يحقّ قتالهم لو قاتلوا المسلمين ، كقوله : (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) (٣٦) (التوبة). والمسلم منهىّ عن الزواج من المشركة ، كقوله : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) (٢٢١) (البقرة) ، والمسلمة من المشرك كقوله : (وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) (٢٢١) (البقرة) ، ولا يقبل الزواج من المشرك أو المشركة إلا الزانية أو الزانى ، فمن لا يؤمن بالله يستوى عنده أن يزنى أو يتزوج من زانية ، أو أن تزنى أو تتزوج من زان ، كقوله تعالى : (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (٣) (النور).

* * *

٣٥١. البرهان على تزييف طريقة المشركين

الدليل على تفرّده تعالى بالخالقية واضح ، يقول تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (٣٨) (الزمر) ، وفى الآية البرهان الكافى على تزيف طريقة المشركين. فالعلم بوجوده تعالى لا نزاع فيه بين جمهور الخلائق سواء كانوا مشركين أو غير مشركين ، وفطرة العقل تشهد بصحة هذا العلم.

* * *

٣٥٢. برهان إبراهيم لمن حاجّه فى ربّه

يقول تعالى مخاطبا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تعليما بطريقة السؤال والجواب عند الجدل فى الدين : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٢٥٨) (البقرة) ، ومعنى «ألم تر» الألف للتوقيف ، والكلام للتعجب ، يقول هل رأيت الذى حاجّ إبراهيم ، يلفته إلى قصته ، وقيل

٣١١

إن الذى حاجّه هو النمرود وكان جبارا فى الأرض ، والناس يدخلون عليه ساجدين له ، ولم يفعل إبراهيم ، واعتلّ بأنه لا يسجد إلا لربّه ، فسأله عن ربّه ، فوصفه إبراهيم بأنه الذى يحيى ويميت ، قيل أتى النمرود برجلين فأمر بقتل أحدهما وأرسل الآخر ، وقال : وأنا أحيي وأميت ، فقد أحييت هذا وأمتّ هذا. وهذه مغالطة ، فاعتراضه لم يكن دحضا لقول إبراهيم ، ولا جوابا على ما قاله ، ولا هو فى معناه ، ولا يمنع من وجود الصانع ، ومع ذلك ضرب إبراهيم صفحا عن عوار الجواب ، وحمقه ، واعتبر النمرود لم يفهم ، فساق إليه دليلا ومثالا آخرين أوضح من الأولين ، وآثر أن يسوق دليلا مفحما لا يحتمل سوء فهم المعاند ، فكان دليل الشمس : أنها تأتى من المشرق فأت بها من المغرب. والدليل ـ كما ترى ـ مبهت ، أى قاطع للحجة ، فما كان بوسعه ولا بوسع أحد أن يأتى بالشمس من المغرب ، إلا أن النمرود كذلك لم يكن مجادلا ، لأنه كان بوسعه أن يطلب أن يسأله :

وهل يستطيع ربّك أن يأتى بها من المغرب؟ وأن يتحدّاه أن يطلب ذلك من ربّه ، وهكذا تستمر المناظرة بلا نهاية ، إلا أن الرجل اقتنع ، لأن ما لا يقدر أحد على استحداثه ، لا بد أن يكون له محدث يتولى إحداثه وحفظه ، فإن كان دأب الشمس أن تظهر من المشرق وتختفى فى المغرب ، فذلك لأن من صنعها جعلها على هذه الهيئة واستن لها هذا الناموس. والنمرود بوسعه أن يأمر بقتل إنسان أو يعفو عن آخر ولكنه ليس بوسعه أن يخلق من عدم ، والله وحده هو الخالق من عدم. والآية تدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة.

* * *

٣٥٣. الاحتجاج بدليل العقل على أن الجماد لا يخلق أحياء ولا أشياء

ينفى العقل أن يكون الله جمادا ، وأن يكون هناك إله دون الله ـ يقول تعالى : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٤) (الأحقاف) ، وقوله : «ما ذا خلقوا» هو احتجاج بدليل العقل : أن الصنم الحجر يصحّ أن يكون إلها من دون الله ، لأن الحجارة لا تضر ولا تنفع. و «الأثارة من علم» هى الأثر مما كان يعلمه الأقدمون ، مما يقال له العلم المأثور ، أو مأثور العلم. ودعاوى الألوهية لغير الله أو أنهم شركاؤه فى خلق السموات والأرض ، دعاوى متهافتة لأنه لم يحدث أن أيا مما يدعون آلهة خلقت شيئا ، فلا عيسى خلق ، ولا اليهود خلقوا ، ولا بوذا ، ولا كونفوشيوس خلق ، ولا أى مما يزعمون ، باستطاعته أن يخلق كائنا تدب فيه الحياة ويتكاثر ويصبح له نسل وذرية.

٣١٢

* * *

٣٥٤. بطلان الزعم بتعدد الآلهة

يثبت هذا البطلان شرعا وعقلا بقوله تعالى : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (٢٢) (الأنبياء) ، يقصد بذلك السموات والأرض ، فلو كان فيهما غير الله يعبد لفسد التدبير ، لأن أحدهما إن أراد شيئا والآخر ضده ، كان أحدهما عاجزا ، ويقع التنازع بالاختلاف بين الشركاء ، فسبحانه نزّه نفسه ، وأمر عباده أن ينزّهوه عن أن يكون له شريك أو ولد.

* * *

٣٥٥. دليل الألوهية أنه لا يسأل وهم يسألون

الله تعالى لا يسأله الخلق عن قضائه فى خلقه ، وهو يسأل الخلق عن أعمالهم : (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) (٢٣) (الأنبياء) ، وإذن فالمسيح والملائكة والأنبياء لا يصلحون للإلهية ، لأنهم مسئولون غدا.

* * *

٣٥٦. ضلّ من ظنّ أن الله من جنس النور المحسوس

معنى (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (٣٥) (النور) أنه الهادى لأهل السموات والأرض ، يدبّر الأمر فيهما ، نجومهما وشموسهما وأقمارهما. ونوره تعالى هدى ، فالذين يتوهمون أن الله تعالى من جنس النور والضياء المحسوس ضلّوا ، فهو متعال عن مشابهة المحسوسات ، وهو منوّر السموات والأرض ، يعنى أن كل نور منه تعالى خلقا وإنشاء.

* * *

٣٥٧. صفات الله عزوجل

وصف الشيء يعنى نعته بما فيه ؛ والصفة هى النعت ، وهى ما يقوم بالموصوف ، كالعلم والجمال. والصفة : هى الأمارة التى يعرف بها الموصوف ؛ والصفاتية : فرقة ينكرون أن لله صفات ، ولا يقرّون إلا بذات الألوهية. وإنكار صفات الله تعالى هو ما يسمى بالتعطيل ، والصفاتية هم المعطّلة. والصفات ليست بأجسام ولا أعراض ولا جواهر. والمسلمون على القول بأنه تعالى سميع بصير على الحقيقة ، ولكن ليس كسمع وبصر البشر ، وإثبات الصفات له لا يعنى أنه يحتاجها ، وأنه يفعل بها ، وإنما معناه نفى أضدادها ، وإثباتها فى نفسها له ، وأنها قائمة به. وما يتضمنه القرآن من الصفات لله تعالى على أربعة أقسام ، فقسم منها صفات جمال ، مثل : العليم ، والرحيم ، والسلام ، والمؤمن ، والبارئ ، والمصوّر ، والغفّار ، والوهّاب ، والرزّاق ، والوكيل ، والحميد ، والمبدئ ، والمعيد ، والمحيى ، والمميت ، والواجد ، والدائم ، والباقى ، والبرّ ، والمنعم ، والعفوّ ، والغفور ، والرءوف ،

٣١٣

والمغنى ، والمعطى ، والنافع ، والهادى ، والبديع ، والقريب ، والمجيب ، والكفيل ، والحنّان ، والمنّان ، والكامل ، والجميل ، ولم يلد ولم يولد ، والكافى ، والجواد ، وذو الطّول ، والشافى ، والمعافى ؛ وقسم منها صفات جلال ، مثل : الكبير ، والمتعال ، والعزيز ، والعظيم ، والجليل ، والقهّار ، والقادر ، والمقتدر ، والماجد ، والولىّ ، والجبّار ، والمتكبّر ، والقابض ، والخافض ، والمذلّ ، والرقيب ، والواسع ، والشهيد ، والقوى ، والمبين ، والمهيب ، والمعيد ، والمنتقم ، وذو الجلال والإكرام ، والمانع ، والضّار ، والوارث ، والصبور ، وذو البطش ، والبصير ، والديّان ، والمعذّب ، والمفضّل ، والمجيد ، ولم يكن له كفوا أحد ، وذو الحول ، والشديد ، والقاهر ، والقهّار ، والغيور ، وشديد العقاب ؛ وقسم منها صفات كمال وفيها من صفات الجمال والجلال معا ، مثل : الرحمن ، والملك ، والربّ ، والمهيمن ، والخالق ، والخلّاق ، والسميع ، والبصير ، والحكم ، والولىّ ، والقيوم ، والمقدّم ، والمؤخّر ، والأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن ، والوالي ، والمتعالى ، ومالك الملك ، والمقسط ، والجامع ، والغنىّ ، والذى ليس كمثله شىء ، والمحيط ، والمريد ، والمتكلّم. وتتعلق الصفات الجلالية بالقهر ، والعزة ، والعظمة ، والسعة ، بينما تتعلق الصفات الجمالية باللطف والرحمة. وأما الصفات الذاتية فيوصف بها ولا يوصف بضدها ، كالقدرة ، والعزة ، والعظمة ؛ ويجوز فى الصفات العقلية أن يوصف بها وبضدها ، كالرضا وضده السخط ، وفى القرآن الكثير منها ، مثل : (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) (١١٩) (المائدة) ، (وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) (٦) (الفتح) ، (وَلَعَنَهُمُ اللهُ) (٦٨) (التوبة) (يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ) (٧٤) (غافر) و (سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ) (٨٠) (المائدة) ، و (آسَفُونا) (٥٥) (الزخرف) (لَمَقْتُ اللهِ) (١٠) (غافر) ، وكلها أفعال يراد لازمها وليس ظاهرها ، وتتعلق بإرادته ومشيئته ، فأن يرضى معناه أن يريد الخير للعباد ، وأن يغضب ويسخط معناه أن يريد للمسيء العقاب. ومنها صفة المجيء فى مثل قوله : (وَجاءَ رَبُّكَ) (الفجر ٢٢) ، وصفة الإتيان فى مثل قوله : (يَأْتِيَهُمُ اللهُ) (٢١٠) (البقرة) ، وصفة الاستواء فى مثل قوله : (اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) (٥٤) (الأعراف) ، وصفة القول فى مثل قوله : (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) (٣٠) (البقرة) ، وصفة الكلام فى مثل قوله : (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) (١٤٣) (الأعراف) ، وصفة الإباء فى مثل قوله : (وَيَأْبَى اللهُ) (٣٢) (التوبة).

ومن صفاته تعالى ما يخص الأعضاء ، كصفة الوجه : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ) (٢٧) (الرحمن) ، وصفة اليد : (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) (٦٤) (المائدة) ، وصفة السمع والبصر : (اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (٦١) (الحج) ، وصفة المعية : (وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ) (١٢) (المائدة) وأهل السنّة على الاعتقاد بهذه الصفات جميعا كما جاءت بلا تأويل ، فهو تعالى كما

٣١٤

وصف نفسه فى القرآن ، وكما وصفه أنبياؤه ، فهو يجيء ، وينزل ، ويأتى ، ويستوى ، ويحب ، ويكره ، وله الوجه ، واليدان ، والبصر ، والسمع ، وإنما كل ذلك ليس مما نعرف منه لنا وللحيوان ، وليس من باب التشبيه ، ولا التجسيم ، فهو تعالى عند المسلمين ، وإن كانت له هذه الصفات ، إلا أنه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (١١) (الشورى) ، والمتشابهات فى القرآن : هى الآيات التى تعرضت لصفات الله ، كقوله تعالى : (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) (٧) (آل عمران) ، وهى التى يحاول الكثيرون أن يتعرضوا لها بالتأويل. والمسلمون على الاعتقاد بأن المحكم والمتشابه كلاهما من القرآن ، وجميعهما من الله : (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) (٧) (آل عمران). والأولى أن نعتقد أن التشبيه لله تعالى بأفعال أو أعضاء الإنسان هو من باب التمثيل بما نستطيع أن نفهمه ، وأحرى بمن يعقل : أن يفكر فى آلائه تعالى من أفعاله وصفاته المرئية والمشاهدة ، من أن يفكر فى ذاته تعالى ، أو أن يتساءل هل لله يد؟ وهل له مقعدة يستوى بها؟ وهل له عينان يرى بهما؟ وأذنان يسمع بهما؟ والتساؤل فى مثل ذلك مما ورد فى القرآن من نوع المتشابهات ، قد يؤدى إلى الشك ، وقد فعل ذلك بالكثيرين ، ومثله هذا الشك الإيجابى عند إبراهيم ، عند ما قال : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (٢٦٠) (البقرة) ، والشك السلبى عند الآخر فى قوله تعالى : (كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها) (٢٥٩) (البقرة) ، وعند موسى ، كقوله تعالى : (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) (١٤٣) (الأعراف) ، فمثل هذه الأسئلة عند هؤلاء الثلاثة ، ما كان من الممكن أن ترد أصلا على خواطرهم ، لأن الاستدلال على أن الله خالق ، ممكن من غير طريق البيان العملى ، وذلك باستخبار إبداعه فى الكون ، وما أكثر آيات الخلق فى القرآن ، وليس استجلاء هذه الآيات فى الكون أو فى القرآن هو عمل أهل العلم وحدهم ، بل إن الطفل الصغير ليعبر عن الدهشة إزاء ما يرى من إبداع فى الكون ، وقد يلجأ إلى الرسم ليصوره ، وإنما «الراسخون فى العلم» هم المنوط بهم استجلاء حقيقة هذه الآيات والتنويه بما فيها من إعجاز. فما ذا عن «العامة» وهم الناس البسطاء الذين ليست لهم عقول العلماء ولا أدواتهم؟ وتدبّر القرآن هو ما يناسبهم ، والقرآن فى آياته يكتفى بالإشارة إلى آيات الله المقروءة ، ويلفت إليها الأسماع والأنظار ، ويستثير بها التفكير. وآياته تعالى دليل صفاته ، وصفاته دليل وجوده وتصدير له ، ومن يعرف صفاته يعرفه تعالى ، فكأن الله تجلّى له ، تماما كبراهين «إبراهيم» و «موسى» و «الذى مرّ على القرية» مما عاينوه فعرفوا الله به. والناس عموما فى معرفته تعالى أصناف ، وهم إما أهل تقليد : يقلدون آباءهم ، فالنصرانى نصرانى

٣١٥

لأنه ولد هكذا ، وعرف النصرانية بالوراثة ، ومعرفته بالله خبرية ، كذلك اليهودى ، وكذلك المسلم ، وطالما أننا نتكلم عن الإسلام والقرآن ، فإن المسلم المقلّد دليله القرآن ، كقوله : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) (١٦٣) (البقرة) ، وقوله : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) (١) (الإخلاص) ، وقوله : (لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (٨) (طه) وغير ذلك من الإخبار عنه تعالى وعن صفاته وأسمائه وأفعاله. فمعرفته بالله تكون عن هذا الطريق ، ومن خلال التربية فى البيت والتلقى على الأبوين. وهناك صنف آخر هم أهل النظر ، وهؤلاء طريقهم مختلف ، ويستدلون بالصنعة على الصانع ومعرفتهم جدلية ، أو يستدلون بالصانع على الصنعة ومعرفتهم قياسية. وأهل النظر من المسلمين على الزعم بأن طريقتهم هى المثلى ، فما أكثر الآيات التى تحضّ على التفكّر والتدبّر فى القرآن ، كقوله : (أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ) (٥٠) (الأنعام) ، وقوله : (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (١٩١) (آل عمران) ، وقوله : (نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (٢٤) (يونس) ، وقوله : (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (١٧٦) (الأعراف). وبقدر ما يشاهد هؤلاء ويرون ويفهمون من عظمة الخلق ، بقدر ما يعقلون عن عظمة الخالق ، وبقدر ما يقدّرون الله بالقياس على مخلوقاته ، والله موجود لا شك فى ذلك ، فما كانت السموات والأرض وما بينهما ، والشمس والقمر ، والفلك والأنعام ، والذكر والأنثى ، والإنسان والبيان ، والموت والحياة ، والزروع والنبات ، والحيوان والطير ، والجبال والسحاب والمطر ، والماء والعيون ، والأنهار والبحار ، والليل والنهار ، إلى آخر ما نعرف ـ وما لم نعرف ـ ما كان كل ذلك باطلا ، ولم يوجد فى الكون عبثا ، وما كان هذا المخطّط الكبير للكون إلا ووراءه مخطّط ، وما كانت له كل هذه العمارة إلا لأنه مهندس كبير بتعبير العصر ، فالله موجود ، وهو واحد وإلا لاختلف الآلهة وتصارعوا ، ودلائل وجوده ووحدانيته وصفاته كلها فيما حولنا ، وما تحتنا ، وما فوقنا ، وما يحيط بنا من كل جانب ، فلا سبيل إلى إنكاره تعالى ، أو تجاهل صفاته ، فالذى خلق هو خالق ، والذى أوجد هو واجد ، والذى يرزق هو رازق وهكذا. وأهل النظر إذن : هم طبقة أرقى وأعلى وأسمى ، ومنهم من يبلغ تفكيرهم إلى الذرى ، فينزّهون الله عن كل اللواحق ، كقوله : (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) (٤) (الإخلاص) ، وهؤلاء صنف ثالث هم أهل التنزيه ، والنصارى ليسوا منهم لأن تفكيرهم أدنى من أن يتسامق بهم ، فهم ماديون يكتفون بما يشاهدون ثم يلجئون إلى التأويل ، ويتوهون فى الخرافات والخزعبلات والتلفيقات ، وكذلك اليهود ، هم أهل ماديات ، وليست عبادتهم للعجل إلا كرمز للمادة ؛ والمادة جعلوها مجالهم واختصاصهم ، فانتهوا إلى أن عبدوا أنفسهم واعتقدوا أنهم أولاد الله ، وشعبه المختار ،

٣١٦

وصفوة الخلق والبشرية. وأما المسلمون فهؤلاء أهل التنزيه عن حقّ ، كانوا كذلك ، منذ إبراهيم ، وكل الأنبياء دعوا إلى الإسلام ، والمسلمون عن حق هم الذين يقولون فى الله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (١١) (الشورى) ، ويتبرءون مما يقوله النصارى واليهود ، يقولون : (سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) (٩١) (المؤمنون) ، ويقولون : (سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا) (٣٢) (البقرة) ، ويقولون : (ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ) (١٦) (النور). وأهل العلم والدراية يسمون اليهود والنصارى أهل تشبيه ، وهؤلاء لا يرون أنهم يدركون الله إلا إذا شبّهوه ، ويقولون : فكما آثر يعقوب ابنه يوسف ، فكذلك آثر إبراهيم ابنه إسحاق دون إسماعيل ، وكذلك آثر الله إبراهيم دون الناس جميعا ، وكذلك آثر شعب إسرائيل ، فهو شعب الله سواء اتقى أو فسق ، وسواء عبد العليم أو عبد نفسه. وعندهم أن الله خلق آدم على صورته ، أى على صورة الله ، فكما الله كان آدم ، وآدم له صاحبة وولد ، وكذلك كان الله ، فاتخذ مريم صاحبة ، والمسيح ابنا ، وعبد النصارى الله فى الثالوث ، وقالوا المسيح ابن الله ، ودليل كل هؤلاء المشبّهين مادى ، فإن قال الله إن له يدا فله يد وتشبه أيدينا ، وإن قال له وجه فله وجه يماثل وجوهنا ، والمعرفة عندهم مادية تشبيهية ، أى تمثّل عيانا ما لا يمكن معرفته حسّا وعقلا. وهؤلاء نسميهم ، نحن المسلمون ، أهل العجز ، يعنى عجزوا عن معرفته تعالى عن بحث ونظر واستبصار ، وحجتهم أن الله قد أورد أن المعرفة به لا تكون إلا خبرية ، وأن الإيمان به تصديق ، وأن التفكير فيه إنما هو تفكير فى آلائه دون ذاته ، فذاته غيب ، والتفكير فى ذاته يثير الشكوك ، والعجز عن درك الإدراك هو إدراك. ولهذا صاروا أهل حلول واتحاد ، فلم يفرّقوا بين الله وخلقه ، فالله عند اليهود هو الكون قد حلّ فيه واتحد به ، فلا وجود لإله إن حلّ فى شىء ليجسّمه ويوجده فعلا ، ولا وجود مشخص لإله مفارق ، فالله هو مصنوعاته ، والعالم الذى يضجّ بالحياة هو من فيوضه ، ومتخارج منه وامتداد له ، وفلاسفتهم على أن معرفة الله من طريق معرفة العالم من حولنا ، فهو تعالى فيه ، وفيك أنت نفسك ، وفى قلبك ، وفلاسفة الوجودية منهم على هذا الاعتقاد ، ولكن أهل التحقيق من بين المسلمين ، يجمعون بين الخبر والنظر ، وبين النقل والعقل ، وبين الدين والفلسفة ، فالله تعالى هو كما يقول عن نفسه ، وكما أخبر عنه أنبياؤه فى القرآن ، وكما ينتهى إليه العقل والتفكير فى الخلق. والقرآن دون التوراة والأناجيل ، له خطاب ، والخطاب القرآنى يتوجه إلى أصحاب العقول ، وأولى الألباب والنهى ، الذين يتفكّرون ويتعقّلون. فإن أنت يا أخى المسلم ، فعلت فعل الفلاسفة المحض ولم تأخذ بالدين ، أو قلت كما يقول اليهود ، أو قلّدت النصارى ، وقلت مثل هؤلاء وهؤلاء : فأين

٣١٧

هذا الإله المشخص الذى يقول به القرآن؟ فإنك تكون قد طالبت القرآن ، أو طالبته تعالى ، بالأينية. وإن قلت مثلهم : فكيف؟ فقد طالبته تعالى بالكيفية. وإن قلت : فمتى كانت بداية العالم والخلق ، أو متى تكون الساعة؟ فقد زاحمته تعالى بالوقتية. وإن قلت : «ليس» ، فقد عطّلته عن الكونية. وإن قلت : «لو» ، فقد قابلته بالنقصية. وإن قلت : «لم»؟ فقد عارضته فى الملكوتية. وإذن فما ذا يقول المسلم؟ ..

المسلم يقول : سبحانه وتعالى ، هو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد. ستار للعيوب ، غفّار للذنوب ، قادر ، قدير ، مقتدر ، حكم ، عدل ، صادق ، متكلم ، لا خالق لكلامه ، تنزّه عن الزيف ، وتقدّس عن الحيف ، خلق خلقه فى أحسن فطرة ، ويميتهم ، ويعيدهم للحساب كما بدأهم أول مرة. فهذا ما أخبرنا به ، وما عقلناه مما نرى ونشهد ونسمع ونعقل ، وما تحصّل لنا بالبحث بالمناظير والتلسكوبات ، وبالعلوم والمنطق ، وكلما زدنا علما ، نزداد إيمانا به تعالى كما يخبرنا القرآن ، فالقرآن هو كتابنا ، ونصدقه فى كل ما يقول ، وله إشراقات بقدر عقل كلّ منا ، فهو الكتاب الذى يخاطبنا ويناسبنا جميعا ، لأنه من ربّ العزة إلى الناس كافة ، عربيّهم وأعجميّهم ، وشيوخهم وشبابهم ، ونسائهم ورجالهم ، ونحن نؤمن به تعالى كما قال عن نفسه فى القرآن ، وبما له من صفات وأفعال وأقوال طرحها وشرحها وفسّرها القرآن.

* * *

٣٥٨. النفس والوجه والعندية والمعية صفات لله

من يقرأ قوله تعالى : (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) (٣٠) (آل عمران) ، وقوله : (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) (١١٦) (المائدة) ، وقوله : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (٥٤) (الأنعام) ، وقوله : (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) (٤١) (طه) ، وقول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخاطب ربّه : «أنت كما أثنيت على نفسك» ، وقوله تعالى فى الحديث القدسى : «إنى حرّمت الظلم على نفسى» ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «سبحان الله رضا نفسه» ، قد يظن أن الله تعالى له نفس ـ وهو ـ المنزّه عن الاثنينية. والنفس فى اللغة الاصطلاحية على أوجه ، كقولك : «فى نفس الأمر» ، مع أن الأمر ليس له نفس. وقوله تعالى : (تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) (١١٦) معناه تعلم ما أسرّه ولا أعلم ما تسرّه عنى ، وذكر النفس للمقابلة والمشاكلة. وقوله : (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) (آل عمران ٣٠) يعنى يحذركم إياه. وإذن فالمراد بالنفس شىء آخر : وقد يكون المراد بها ذات الله ، وذاته ليست بأمر مزيد عليه بل هى هو. وبالمثل فى الحديث : «أنا عند ظن عبدى بى» : «العند» فى اللغة المكان ، ومع ذلك فالله منزّه عن الحلول

٣١٨

فى المواضع ، لأن الحلول عرض حادث ، والحادث لا يليق بالله. و «العند» يستعمل فى الاعتقاد ، تقول : عندى كذا ، أى فى رأيى ، أو ما اعتقده ؛ ويستعمل فى المرتبة ، ومنه : (أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (آل عمران ١٦٩) ، ومنه : (إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) (الأنفال ٣٢) فمعناه من حكمك. وإذن فالعندية كما نعرفها مستحيلة فى حق الله ، ولا بد لها معان أخرى. وكذلك المعية كما فى قوله : (يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) (١٠٨) (النساء) ، وقوله : (إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) (٤٦) (طه ٤٦) ، وهذه المعية أخصّ من المعية فى قوله : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) (المجادلة ٧) ـ إلى قوله : (إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) (المجادلة ٧) أى فى ذكرهم طالما ذكروه. ومثل ذلك الآية : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) ، (القصص ٨٨) ، والله تعالى ليس له وجه كالوجه المعروف ، فتعين التأويل أو التفويض. والآية : (وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) (٣٩) (طه) ، والآية : (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) (القمر ١٤) ، ليس المقصود عضو العين ، وإنما المعنى تجرى بحفظى ، والمراد نفى النقص عنه تعالى ، وجميع ذلك صفات من صفات ذاته تعالى.

* * *

٣٥٩. هل لله تعالى يدان؟

يقول تعالى : (ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) (٧٥) (ص) ، ويقول : (وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (الزمر ٦٧) ، وفى الحديث : «وبيده الأخرى الميزان» ، وفى ذلك إثبات «يدين» لله ، وهما صفتان من صفات ذاته وليستا بجارحتين.

* * *

٣٦٠. أسماء الله الحسنى

يأتى عن الله تعالى فى القرآن قوله : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (٨) (طه) ، وقوله : (هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (الحشر) ، وقوله : (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها) (١٨٠) (الأعراف) ، وقوله : (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (١١٠) (الإسراء). وحسن الأسماء يقتضى لها أفضل الأوصاف وأشرف المعانى ، ولكل اسم مسمى وتسمية يصدقان عليه. والأسماء جمع اسم ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لى خمسة أسماء ...» الحديث. والاسم من أسمائه تعالى هو المسمى ، ولو كان غيره لكانت أسماؤه تعالى لغيره كذلك. ويقال المراد بالاسم التسميات ، لأنه سبحانه واحد والأسماء جميع. والإجماع على أن الأسماء بمعنى التسميات ، وقوله : «له الأسماء الحسنى» يعنى التسميات الحسنى ، وهى «حسنى» لأنها حسنة فى الأسماع والقلوب ، ودالة على توحيده ،

٣١٩

وكرمه ، وجوده ، ورحمته ، وإفضاله. وعن أبى هريرة فى الحديث المشهور : «إن الله تسعا وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا» ، وقال : «هو الله الذى لا إله إلا هو ، الرحمن ، الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبّار ، المتكبّر ، الخالق ، البارئ ، المصوّر ، الغفّار ، القهّار ، الوهّاب ، الرزّاق ، الفتّاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعزّ ، المذلّ ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلىّ ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوى ، المتين ، الولىّ ، الحميد ، المحصى ، المبدئ ، المعيد ، المحيى ، المميت ، الحىّ ، القيّوم ، الواجد ، الماجد ، الواجد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدّم ، المؤخّر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الوالى ، المتعالى ، البرّ ، التواب ، المنتقم ، العفوّ ، الرءوف ، مالك الملك ، ذو الجلال والإكرام ، المقسط ، الجامع ، الغنى ، المغنى ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادى ، البديع ، الباقى ، الوارث ، الرشيد ، الصبور». وهذه الأسماء جميعها لها أصولها فى القرآن ، غير أن لله تعالى أسماء أخرى تتجاوز هذه الأسماء التسعة والتسعين ، وجمعها بعضهم فتجاوزت ألف اسم ، وكل اسم منها يدل عن كون الله تعالى على أوصاف شتّى ، ومنها ما يستحقه لنفسه ، ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به. وأسماؤه العائدة إلى نفسه هى هو ، وما تعلّق بصفة له هى أسماء له. ومن هذه الأسماء صفات لذاته ، ومنها صفات أفعال. والدعوة بها هى أن نطلب منه تعالى ما نتمنى من حوائج بهذه الأسماء ، ولكل اسم ما يليق به ، تقول : «يا رحيم ارحمنى ، ويا حكيم احكم لى ، ويا رزّاق ارزقنى ، ويا هادى اهدنى ، ويا فتّاح افتح لى ، ويا توّاب تب علىّ إلخ» فإن دعونا باسم عام قلنا : «يا مالك ارحمنى ، ويا عزيز احكم لى ، ويا لطيف ارزقنى». وإن دعونا بالأعمّ الأعظم قلنا : «يا الله» ، واسمه تعالى «الله» متضمن لكل اسم. ولا يصحّ أن نقول : يا رزّاق اهدنى ، إلا أن نريد : يا رزّاق ارزقنى».

ومن أسمائه تعالى بخلاف ما سبق : متمّ نوره ، وخير الوارثين ، وخير الماكرين ، ورابع ثلاثة ، وسادس خمسة ، والمعلّم ، ومن ذلك الكثير من الأسماء من القرآن ومن الحديث ، وفى الحديث القدسى : «وأنا الدهر بيدى الأمر ، أقلّب الليل والنهار» ، أن من أسمائه تعالى «الدهر» ، ومعنى : «أنا الدهر» : أنا مصرّف الدهر وخالقه ، وخالق الحوادث فيه ، وخالق أيامه ولياليه. وهو تعالى يحب ويحب ، كقوله : (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ) (٣١) (آل عمران). وأورد «مسلم اسم «الطيّب» ولم يرد فى التنزيل ولا فى السنّة. وعند الترمذى ورد اسم النظيف. وبعض الأسماء يجوز أن يسمى بها ويدعى ، وبعضها

٣٢٠

يجوز أن يسمى بها ولا يدعى ، وبعضها لا يجوز أن يسمى بها ولا يدعى. وفى سبب نزول الآية : (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (الأعراف ١٨٠) يروى ابن عباس أن بعضهم ادّعى أن اسم «اللات» مشتق من اسم «الله» تعالى ، وكذلك اسم «العزّى» مشتق من اسمه تعالى «العزيز» ، واللات والعزّى صنمان لقريش ، فجاء ردّ القرآن : (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ) (١٨٠) (الأعراف).

وفى التنزيل والسنّة من أسمائه وصفاته وأفعاله بخلاف ما سبق : الخلّاق ، أحسن الخالقين ، بديع السموات والأرض ، الجميل ، المجمّل ، الأبقى ، الأعلى ، ذو الرحمة ، أرحم الراحمين ، خير الراحمين ، الملك ، المليك ، الجليل ، ذو الحول والطول ، أحكم الحاكمين ، خير الحاكمين ، الدّيان ، التوّاب ، الغفور ، غافر الذنب ، قابل التوب ، خير الغافرين ، أهل المغفرة ، ذو المغفرة ، الحنّان ، المنّان ، القدير ، العالم ، العلّام ، المعلّم ، علّام الغيوب ، عالم الغيب والشهادة ، الرازق ، الرزّاق ، خير الرازقين ، الفاتح ، الفتّاح ، خير الفاتحين ، الفاعل ، الفعّال ، الفاصل ، خير الفاصلين ، الخيّر ، خير حافظا ، خير الماكرين ، خير المنزلين ، الخفىّ ، الحافظ ، الحفيظ ، الحسيب ، الحق ، السميع ، البصير ، الآمر ، الناهى ، الكريم ، الأكرم ، الأعلم ، الأعلى ، القريب ، الأقرب ، أهل التقوى ، الحليم ، الحميد ، القائم على كل نفس ، القائم بالقسط ، القاسط ، ذو الفضل ، ذو القوة ، المتين ، القوى ، ذو العرش ، ذو انتقام ، ذو العقاب الأليم ، ذو المعروف ، ذو المعارج ، ذو مرّة ، ذو الرحمة ، الإله ، إله العالمين ، ربّ العالمين ، ربّ العزة ، ربّ الفلق ، ربّ العرش ، ربّ المشارق والمغارب ، ربّ المشرقين ، ربّ المغربين ، ربّ الناس ، ربّى ، ربّنا ، ربّكم ، ربّهم ، ربّ الشّعرى ، ربّ السموات والأرض ، ربّ كل شىء ، الرشيد ، الرقيب ، السبّوح ، القدّوس ، سريع الحساب ، سريع العقاب ، رفيع الدرجات ، الشاهد ، الشاكر ، الشكور ، شديد العقاب ، شديد العذاب ، شديد المحال ، العاصم ، العاطى ، القاهر ، القهّار ، الغالب ، الفاطر ، فاطر السموات والأرض ، الفاصل ، المفصّل ، مولج الليل والنهار ، مخرج الحىّ من الميّت ، ومخرج الميّت من الحىّ ، فالق الإصباح ، فالق الحبّ والنوى ، القاضى بالحق ، الديّان ، الكافى ، الكريم ، الأكرم ، المكرم ، اللطيف ، المجيب ، المصطفى ، المحيط ، المحيي ، الطيب ، الشافى ، المعافى ، المثبت ، الرشيد ، المرشد ، المشيء ، مرجع الأمور ، ممحّص القلوب ، المبيّن ، المنبئ ، المؤيّد ، المتفضّل ، الواسع ، الموسّع ، مقلّب الليل والنهار ، المهلك ، المعذّب ، المرجئ ، المؤجر ، المعبود ، المنعّم ، المنجّى ، المولى ، مولى المؤمنين ، مخزى الكافرين ، محق الحق ، الموفّق ، المكرم ، الميسّر ، الممدّ ، محبّ المتّقين ، محبّ

٣٢١

المحسنين ، محبّ المقسطين ، محبّ المتطهرين ، المغيث ، الغيّاث ، المستعان ، المجزى ، ولى المؤمنين ، الواقى ، خير الوارثين ، الواهب ، الودود ، الهادى.

* * *

٣٦١. ولله المثل الأعلى

فى الآية : (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) (٦٠) (النحل) ، أن أعلى الأوصاف لا تكون إلا له ، وقيل أعلى وصف له هو (لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) (٣٥) (الصافات) ، فهذا هو معنى الآية.

* * *

٣٦٢. لا أمثال لله

الله تعالى وحده لا شريك له ولا مثيل ، ولا ند ، والعرب عبدوا ما دون الله وشبّهوها به ، فجاء القرآن ينهى عن ذلك قال : (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ) (٧٤) (النحل).

* * *

٣٦٣. ليس كمثله شىء

يأتى فى القرآن فى وصفه تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (١١) (الشورى) ، يعنى ليس كذاته ذات ، ولا كاسمه اسم ، ولا كفعله فعل ، ولا كصفته صفة ، ويستحيل أن تكون لذاته القديمة صفة حديثة ، ولا أن تكون للذات المحدثة صفة قديمة.

* * *

٣٦٤. معنى الاستواء فى حق الله

يأتى عن الله تعالى أنه (اسْتَوى إِلَى السَّماءِ) (٢٩) (البقرة) ، (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) (٥٩) (الفرقان) ، والناس مختلفون فى «الاستواء» ، لأن الاستواء يعنى الاستقرار وهو صفة للجسمية ، فهل لله تعالى جسم؟ والقرآن يحفل بأسماء وصفات لله لا يسع أحد ردّها ، وعلمها لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر ، والمؤمنون على إثبات الصفات وينفون عنه التشبيه كما نفاه عن نفسه ، فقال : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، ومذهب أهل السنّة فى تفسير : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) (٥) (طه) أن الاستواء بلا كيف ، والآية ليست تشبيها كما يقول المشبّهة ، وإنما يكون التشبيه لو قيل : يد كيد ، وسمع كسمع. وذات الله لا تشبه الذوات ، وصفاته لا تشبه الصفات ، لأن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته ، ولذا يخطئ أيضا من يفسّر «الاستواء» بما يفسّر به عند البشر فيقول إنه الاستيلاء ، ويقول عن «يد الله» إنها القدرة ونحو ذلك.

* * *

٣٢٢

٣٦٥. سمّى نفسه تعالى شيئا

يقول تعالى فى الآية : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ) (١٩) (الأنعام) ، فسمّى نفسه شيئا إثباتا لوجوده ونفيا للعدم عنه ، ولم يجعل لفظ «شىء» من أسمائه ، ودلّ على نفسه أنه «شىء» من باب : «ليس كمثله شىء» ، فأخرج نفسه وكلامه من الأشياء المخلوقة ، وإنما كل صفة له تسمى شيئا ، بمعنى أنها موجودة ، وهذا ردّ على كل من يزعم أنه لا يجوز أن يطلق على الله «شىء» ، وأن المعدوم «شىء» ، وأهل العلم على أن لفظ «شىء» يقتضى إثبات موجود ، وأن لفظ «لا شىء» تقتضى نفى موجود ، وأما قولهم «ليس بشيء» فإنه بطريق المجاز ويعنى الذمّ.

* * *

٣٦٦. الله لا تدركه الأبصار

قيل فى الآية : (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (٢٣) (القيامة) ، أن المؤمنين يوم القيامة ينظرون إلى ربّهم نظرا ، يعنى يرونه ؛ والناس فى ذلك مختلفون بين منكر للرؤية ومثبت لها. وقيل الحديث : «أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فهو يراك» فيه إشارة إلى انتفاء الرؤية ، والمثبتون يقولون بل الانتفاء فى الدنيا لأن الحديث عن الدنيا. وفى الآية عن المنافقين فى الآخرة : (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (١٥) (المطففين) دليل على أن المؤمنين يرونه فى الآخرة ، ويحجب عن ذلك المنافقون ، كما فى قوله تعالى : (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) (٧٧) (آل عمران) والنظر بمعنى الرؤية هو الذى يتعدى بإلى ، فيثبت أن ناظره بمعنى رائيه ، وطالما أن الله موجود فيصحّ أن يرى على سبيل التنزّل ، وإلا فصفات الخالق لا تقاس على صفات المخلوقين. ومن ينكر الرؤية يقول : إن من شرط المرئى أن يكون فى جهة ، والله منزّه عن الجهة ، فالرؤية لا تتحقق فى معناها. ومن يثبت الرؤية يقول : إن الرائى يحصل له العلم بالله برؤية العين ، كما فى المرئيات ، كما فى الحديث النبويّ فى الرؤية : «كما ترون القمر» ، إلا أنه تعالى منزه عن الجهة والكيفية. وقيل : المراد بالرؤية العلم بالله ، وهى حصول حالة فى الإنسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة كنسبة الإبصار إلى المرئيات. وقيل : رؤية المؤمن لله من نوع الكشف ، والكشف أوضح وأتم من العلم. ويذهب أهل السنة إلى جواز رؤية الله فى الآخرة ، وأنكر عليهم المنكرون بدعوى أن الرؤية توجب كون المرئى محدثا وحالا فى مكان ، وهذا محال على الله ، وهو تعالى القائل عن نفسه : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) (١٠٣) (الأنعام) ، وأخبر عن موسى لمّا قال : (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي) (١٤٣) (الأعراف). وردّ المثبتون هذه الحجة بأنه تعالى لا تدركه الأبصار فى الدنيا ، إلا أن نفى

٣٢٣

الإدراك لا يستلزم نفى الرؤية ، لإمكان رؤية الشيء من غير إدراكه ، أى من غير الإحاطة بحقيقته. وقوله لموسى «لن ترانى» يعنى فى الدنيا. وعاب المثبتون على المنكرين شروطهم العقلية للرؤية ، كالنظر المخصوص ، والمقابلة المخصوصة ، واتصال الأشعة ، وزوال الموانع كالبعد والحجب. ولا يشترط أهل السنة شيئا من ذلك سوى وجود المرئى ، ويقولون : إن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائى فيرى المرئى ، بدليل الأحاديث مثل : «ستعرضون على ربّكم فترونه» ، ومثل : «إنكم سترون ربّكم عيانا» ، ومثل : «وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلا رداء الكبرياء على وجهه». وأمثال هذه الأحاديث قالها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخاطب بها العرب بما تفهم ، ويخرج لها بها الأشياء المعنوية إلى الحسّ ، ليقرّب تناولهم لها ، فعبّر مثلا عن زوال الموانع عن الرؤية ورفعها عن الأبصار برفع الحجاب من على الوجه. والعرب كانوا يستعملون الاستعارة كثيرا ، وهى من أرفع أدواتهم فى الفصاحة والإيجاز ، ومخاطبة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم للناس بهذه الأحاديث من هذا المعنى ، ومن لم يفهم ذلك تاه ، ومن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم ، ومن لم يتضح له أن الله منزه عن الذى يقتضيه ظاهر الأحاديث ، إما أن يكذّب نقلتها ، وإما أن يؤوّلها ، كأن يقول عن رداء الكبرياء كحجاب ، أنه استعارة لضعف إدراك أبصار البشر عن رؤيته تعالى ، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته. والمراد بالوجه : الذات ، والمراد بالرداء : صفة من صفات الذات المنزّهة له تعالى عما يشبه المخلوقات. وقيل : تأويل الرداء أنه الآفة الموجودة لأبصار المؤمنين تمنعهم من رؤيته فيزيلها الله تعالى ، وإزالتها فعل من أفعاله يفعله فى محل رؤيتهم ، فطالما ذلك المانع موجود لا يرونه ، فإذا فعل الرؤية زال ذلك المانع.

* * *

٣٦٤. رؤية الله بالقلب أو بالإيمان؟

قال تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) (١٠٣) (الأنعام) والإدراك إحاطة ، وأساسه الرؤية ، والله تعالى لا يرى فى الدنيا ، لأنه تعالى باق ، والباقى لا يرى بالفانى ، فإذا كانت الآخرة ورزق المؤمنون أبصارا باقية رأوا الباقى بالباقى ، فذلك جائز عقلا ولذلك كانت الآية : (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (١٥) (المطففين) فالمراد الكفار يحجبون عن الله ، يعنى عن رؤيته ، بدليل قوله تعالى فى الآية الأخرى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (٢٣) (القيامة) ، وهؤلاء هم المؤمنون ينظرون الله فى الآخرة مكافأة لهم. واستحالة الرؤية لله تعالى فى الدنيا من حيث القدرة ، فإذا أقدر الله من شاء من عباده عليها فى الآخرة لم

٣٢٤

يمتنع. وفى الحديث عن أبى أمامة فى صحيح مسلم وأخرجه ابن خزيمة قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «واعلموا أنكم لن تروا ربّكم حتى تموتوا» ، وإذن فالرؤية لا تكون إلا فى الآخرة. وقد اختلف الصحابة فى رؤية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لله تعالى فى الدنيا ، فذهبت عائشة وابن مسعود إلى إنكارها ، وذهب ابن عباس وعكرمة إلى إثباتها ، وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه حلف أن محمدا رأى ربّه ، وجزم به كعب الأحبار ، والزهرى ، وهو قول الأشعرى وغالب أتباعه. والاختلاف حول الرؤية : أكانت بالعين أم بالفؤاد؟ وقال ابن عباس : رأى ربّه بفؤاده مرتين. وفى رواية أخرى قال : رآه بقلبه. وقال كذلك : لم يره بعينه ، وإنما رآه بقلبه. والرؤية بالقلب أو بالفؤاد جائزة لأنها رؤيا أو حلم ، وما نفته عائشة جزما هى الرؤية بالبصر ، ومحصلة الرأيين من العلم الصميم. وعند ما يؤمن الإنسان على الحقيقة فإنه يرى بنور الله ، ورؤيته كالعلم. ومراد ابن عباس بالقطع أن الرؤية بالقلب أو بالإيمان تخلق عند صاحبها انطباعا كالرؤية بالعين. ولما سأل أبو ذرّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هل رأى ربّه؟ قال : «نور أنّى أراه» ، أو قال : «رأيت نورا» ، ولابن خزيمة عنه قال : رآه بقلبه ولم يره بعينه ، والخلاصة : أن رؤيته تعالى سواء فى الدنيا أم فى الآخرة هى رؤية بالإيمان وليست بالبصر ، وقد نفى الله تعالى إمكان أن يراه إنسىّ بالبصر بقوله كما سبق : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) (١٠٣) (الأنعام) والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٣٦٥. الدليل على أن الله لا يرى يوم القيامة

قيل : الآية : (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (١٥) (المطففين) دليل على أن الكفّار لا يرونه عزوجل يوم القيامة ، ولكن ذلك لا يعنى أيضا أن المؤمنين يرونه ، ـ وقيل الآية : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (٢٣) (القيامة) دليل على أن المؤمنين ينظرون الله تعالى يوم القيامة ، ولكنهم لا يرونه ، والنظر بخلاف الرؤية ، والنظر تفكّر ، والرؤية مشاهدة. وقيل : إنه تعالى لمّا حجب أعداءه فلم يروه ، تجلّى لأوليائه حتى رأوه ، ولما حجب قوما بالسخط ، دلّ على أن قوما يرونه بالرضا ، ولمّا حجبهم فى الدنيا عن نور توحيده ، حجبهم فى الآخرة عن رؤيته ، بل عن رحمته ، فلا ينظر إليهم برحمته ، ولا يزكّيهم ، والآخرون وقد رضى عنهم فهم ناظرون نعمه ، وما أعدّ لهم من لطائفه. والخلاصة : أن النظر إليه يوم القيامة هو نظر إلى نعم الله وآلائه ، وليس نظرا إلى الله ، وهل الله ينظر ، سبحانه ، وإنما ما ينظر هو أفعاله وخلقه وآيات عظمته.

* * *

٣٢٥

٣٦٦. إشكال المشيئة والإرادة بالنسبة لله وللإنسان

وهل للإنسان مشيئة حيال مشيئة الله؟ وهل له إرادة؟

يأتى عن المشيئة فى القرآن ٢٣٦ مرة ، بمعنى : أن لله تعالى مشيئة وإرادة ، وكذلك للإنسان ، وفى مشيئته تعالى قوله : (إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ) (٥٤) (الإسراء) ، وقوله : (يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ) (٨) (الشورى) ، وقوله : (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ) (٢٦) (آل عمران) ، وقوله : (وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا) (١٠٧) (الأنعام) ، وفى مشيئة الإنسان : (وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) (٢٩) (الكهف) ، وقوله : (فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) (١٥) (الزمر) ، وهناك مع ذلك آيات تنفى المشيئة للإنسان وتثبتها لله وحده ، كقوله : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) (٣٠) (الإنسان) ، وقوله : (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) (٢٤) (الكهف). والمشيئة فى الأصل : إيجاد الشيء وإصابته ، والإيجاد من الله والإصابة من الناس ؛ والمشيئة تستعمل عرفا فى موضع الإرادة. وأهل السنّة على القول بأن الله شاء فخلق الطين تماثيل مثلا ، وأراد أن يخلق منه الخلق فكان. والإنسان شاء كذلك أن يخلق من الطين ، فكان له ما شاء وأراد. وما كان يمكن أن تكون للإنسان مشيئة ولا إرادة لو لم يخلقهما الله فيه ، ولو لم يخلق له الأدوات التى يحقق بها مشيئته وإرادته ، والله تعالى فى النهاية هو خالق كل شىء ، شاء ذلك وأراد ، وما من مخلوق يستطيع أن يخلق شيئا بدون مشيئته وإرادته تعالى ، فمشيئته وإرادته شرط فى الخلق ، ويستحيل ثبوت المشروط بدون شرطه ، والمشكلة فى الناس أنهم لا يفهمون أن الله بخلاف خلقه ، ويقيسونه وهو الخالق بمقاييس خلقه وهم المخلوقون ، وقياسهم لذلك باطل. والله تعالى لو عاقب من يطيعه لا يعدّ ظالما ، لأن الجميع ملكه ، فله الأمر كله ، يفعل ما يشاء ولا يسأل عمّا يفعل ، وكل أمر موقوف على مشيئته ، وأفعال العباد متعلقة بها. والمشكلة بين أهل السنّة وغيرهم ، أهل السنّة قالوا إن المشيئة والإرادة بمعنى واحد ، فإرادته صفة من صفات ذاته ، بينما غيرهم يرون أنها صفة من صفات فعله ، فيعنى ذلك أن إرادته محدّثة ، أى أنه يحدثها فى نفسه ، وهو تعالى ليس محلا للحوادث ، وإذا كانت لغيره إرادة بطل أن تكون لله الإرادة الكاملة ، وإذا كان للغير العلم بطل أن يكون هو العالم علما كاملا ، وحقيقة المريد أن تكون إرادته منه دون غيره ، فلا مندوحة من الإقرار بأن الله تعالى ـ كما يقول أهل السنة ـ مريد بإرادة قديمة هى صفة قائمة بذاته ، وأنه سبحانه خالق أفعال العباد ، وأنهم لا يفعلون إلا ما يشاء ، وقد دلّ على ذلك قوله : (وَلَوْ شاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) (٢٥٣) (البقرة) ، فثبت بهذه الآية أن كسب العباد بمشيئته تعالى وإرادته ، ولو لم يرد وقوعه ما وقع. وقال

٣٢٦

بعض أهل السنة : الإرادة قسمين : إرادة أمر وتشريع ، وإرادة قضاء وتقدير ، فالأولى : تتعلق بالطاعة والمعصية سواء وقعت أم لا ، كقوله : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (١٨٥) (البقرة) ، والثانية : شاملة لجميع الكائنات ، ومحيطة بجميع الكائنات الحادثات ، طاعة ومعصية ، كقوله : (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً) (١٢٥) (الأنعام).

* * *

٣٦٧. القرآن كلام الله

القرآن كلام الله : وكلام الله صفة من صفات ذاته ، وليس شىء من صفات ذاته مخلوقا ، ولا محدثا ، ولا حادثا ، وهو تعالى يقول : (إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٤٠) (النحل) ، فلو كان القرآن مخلوقا لكان مخلوقا بكن ، ويستحيل أن يكون قول الله لشىء بقول ، لأنه يوجب قولا ثانيا وثالثا ، فيتسلسل ويفسد. وفى قوله تعالى : (عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ) (٣) (الرحمن) فخصّ القرآن بالتعليم ، لأنه كلامه وصفته ، وخصّ الإنسان بالتخليق ، لأنه خلقه ومصنوعه ، ولو لا ذلك لقال : خلق القرآن والإنسان. وقد أنكر الله تعالى قول المشركين : (إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (٢٥) (المدثر) ، ولا يعترض بأنه قال : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) (٤٠) (الحاقة) لأن معناه قول تلقّاه رسول كريم عن الله ، كقوله : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) (٢) (الأنبياء) فالمراد أن تنزيله إلى الناس هو المحدث لا الذكر نفسه. وعن علىّ بن أبى طالب قال : القرآن كلام الله وليس بمخلوق. وفى الحديث : لمّا سألوه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ قال : «ليس كلامى ولا كلام صاحبى ، ولكنه كلام الله».

* * *

٣٦٨. أعظم الذنب أن جعل لله ندّا

سئل النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أىّ الذنب أعظم؟ قال : «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» ، وقرأ : (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٢٢) (البقرة). والندّ : هو نظير الشيء الذى يعارضه فى أموره ؛ وندّ الشيء من يشاركه فى جوهره ، وهو ضرب من المثل ، ولكن المثل يقال فى أى مشاركة ، على ذلك يكون كل ندّ مثل ، من غير عكس. وأما الضدّ : فهو أحد المتقابلين ـ وهما الشيئان المختلفان اللذان لا يجتمعان فى شىء واحد ، ففارق الند فى المشاركة ، ووافقه فى المعارضة. ونفى الندّية لله معناه أن لا ينسب شىء من الخلق لغير الله ، فيكون شريكا وندا ومساويا فى نسبة الفعل إليه.

* * *

٣٢٧

٣٦٩. كل يوم هو فى شأن

الله تعالى كما قال : (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (٢٩) (الرحمن) : ومن شأنه أن يغفر ذنبا ، ويفرّج كربا ، ويرفع قوما ، ويضع آخرين ، ويجيب داعيا ، ويحيى ويميت ، ويعزّ ويذل ، ويرزق ويمنع ، ويقرّ فى الأرحام ما شاء ، ويولج الليل فى النهار ، ويولج النهار فى الليل ، ويشفى سقيما ، ويسقم سليما ، ويبتلى معافى ، ويعافى مبتلى ، ويفقر غنيا ، ويغنى فقيرا. قيل : وكيف يكون كل يوم هو فى شأن ، والقلم جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة؟ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى؟ والجواب : أنه فى شأن بما جفّ به القلم ، وبما هو من سعى الإنسان ، فإنها شئون يبديها ولا يبتديها.

* * *

٣٧٠. لله الخلق والأمر

فى الآية : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) (٥٤) (الأعراف) : أنه تعالى الذى خلق ، فله الأمر : خلق المخلوقات وأمرهم بما أحب ، وأقامهم بأمره ، وأمره هو كلامه القديم الأزلى غير المخلوق ، ولو كان الله مخلوقا لما صحّ أن يخلق المخلوقات ، لأن الخلق لا يخلق بالمخلوق. وفى القرآن قوله : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا) (١٧١) (الصافات) ، وقوله : (وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي) (١٣) (السجدة) ، إشارة إلى السبق فى القول فى القدم ، وذلك يوجب لذاته وكلامه الأزل فى الوجود.

* * *

٣٧١. طاعة الله واجبة أبدا

الدين هو الطاعة ، من دان بمعنى أطاع. وفى قوله : (وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ) (٥٢) (النحل) أن واصبا يعنى واجبا ، من وصب الشيء يصب وصوبا ، أى دام ، ووصب على الأمر إذا واظب عليه ؛ وفى الآية : (وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ) (٩) (الصافات) أى دائم ، والآية على ذلك بمعنى : أن طاعة الله واجبة أبدا.

* * *

٣٧٢. حجّة من قال إن الله يريد العذاب للناس!

المستشرقون والملحدون على القول بأن الله كما جاء فى القرآن يريد عذاب الناس ويتفنن فيه ، وأنه نزّاع إلى العذاب ، وأن الجنة والنار أمور حسّية لا تناسبه كما ينبغى له ، والقرآن يردّ على هؤلاء ، يقول : (ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) (١٤٧) (النساء) والاستفهام فى الآية بمعنى التقرير ، وتقديره : أى منفعة له فى عذاب هؤلاء إن شكروا

٣٢٨

وآمنوا ، فنبّه تعالى إلى أنه لا يعذّب الشاكر المؤمن ، وأن تعذيبه لعباده لا يزيد فى ملكه ، وأن تركه عقوبتهم على كفرهم وإلحادهم لا ينقص من عظمته ، ولا يطعن فى هيبته ، ومن كانت له هذه الخصال الأربع فهو حبيب الله : الشكر له ، والإيمان به ، والدعاء إليه ، والاستغفار منه ـ يقول تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (٣٣) (الأنفال) ، ويقول : (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ) (٧٧) (الفرقان) ، ويقول : (ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) (١٤٧) (النساء).

* * *

٣٧٣. الله رازق حقيقة وابن آدم رازق تجوّزا

الرزق هو الغذاء ، والناس جميعا مرزوقون ، والله هو الرازق ، ولا رازق ولا رزّاق سواه ، يقول : (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) (فاطر) ، ويقول : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) (٦) (هود) ، فالله تعالى رازق حقيقة ، وهذا قاطع ، وابن آدم رازق تجوّزا ، لأنه يملك ملكا منتزعا ، وهو مرزوق حقيقة كالبهائم ، وما هو مأذون له فهو حلال حكما ، وما كان غير مأذون له تناوله فهو حرام حكما ، وجميع ذلك رزق ، وهو تعالى يرزق الناس جميعا ، ويوفر الرزق للناس جميعا ، فلو كانوا متساوين فيه لكفاهم جميعا ، ولكن بعضهم يحوز أرزاق العشرات والمئات والآلاف من الناس ويحرمهم حقّهم فيه ، وكذلك الدول الغنية تستأثر بعطايا الله دون الدول الفقيرة ، فيكون هذا التفاوت فى الأرزاق بين الأغنياء والفقراء ، من الأفراد والدول ، والإسلام اشتراكيته اشتراكية تكافل ، فالغنى يتكفل بالفقير ، والدولة الغنية تتكفل بالدولة الفقيرة ، كقوله تعالى : (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) (٣) (البقرة) يعنى مما أعطيناهم ، والإنفاق : هو الحقوق الواجبة العارضة فى الأموال ، سواء على الأفراد أو الدول أو الجماعات ، وبالإنفاق يكون شكره تعالى على نعمه ، كقوله تعالى : (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (١٥) (سبأ) ، فأيّما إنسان أو دولة لا تنفق فهى لا تشكر الله ، وهى ليست على الإيمان ، كقوله : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (٨٢) (الواقعة) أى شكركم التكذيب ، أى تكذيب رسالات الله إليكم ، وتكذيب نعمه عليكم.

* * *

٣٧٤. الله يعلم ما تخفي الصدور

يقول تعالى : (يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ) (١٩) (غافر) ، فمن صفاته تعالى علمه بهذه الدقائق ؛ وخائنة الأعين مسارقة النظر إلى ما نهى الله عنه ؛ ومن ذلك اللّمز

٣٢٩

بالعين ، والإشارة والرمز بها ، والتجسّس بالنظر ، والنظرة بعد النظرة ؛ وما تخفى الصدور هى السرائر ، وما تكنّه القلوب وتضمره ، وما يلم بالخاطر من الأفكار ، وعلى النفس من الخطرات ؛ وفى الحديث : «إن النبىّ لا تكون له خائنة أعين» أخرجه أبو داود والنسائى.

* * *

٣٧٥. حجّة البداءة الأولى

حجة البداءة الأولى هى إحدى الحجج التى يحج بها على الناس كافة إذا تشككوا فى الإعادة ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (٧) (الحج) ، وفى هذه الآيات يورد أن الخلق كان أولا من تراب ، وما يزال ما نأكله وننمو عليه أصله الزرع وهو من التراب ، وإذا متنا تحللنا إلى ستة عشر عنصرا هى نفسها عناصر التراب ، ولمّا تزاوجنا كنا نطفة من الدم ، ثم علقة أى الدم غير المتخلق ، ثم مضغة أى لحما ، وقوله «مخلّقة» يعنى ظهرت فيها الصورة والتخطيط ، أى صارت مخلوقا ، كقوله : (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ) (١٤) (المؤمنون) ، فإن لم تكن قد ظهرت الصورة فهى غير مخلّقة ، ونعرف ذلك من السقط ، فالمخلّقة لها الأعضاء كلها ، وغير المخلّقة هى الخديج الناقصة. وهذه الأطوار تتم فى أربعة أشهر ، ثم تنفخ الروح فى العشرة أيام بعد الأربعة أشهر ، وهذه نفسها هى عدة المتوفى عنها زوجها : بقوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (٢٣٤) (البقرة) ولاحظ المشابهة. فإذا قرّ الجنين فى الرحم وأكمل مدته ، خرج طفلا ، يقال على الولد والبنت ، وتكون مراحل النمو إلى البلوغ وكمال القوة والعقل ، وقد يعمر وينكّس فى الخلق ثم يموت ويستحيل ترابا كما هو فى الأصل. فذلك دليل الخلق من تراب ، وهناك الدليل الأقوى على البعث : وهو دليل إحياء الأرض بعد همود ويبوس وجفاف ، فبدون الماء ـ ماء الرجل وماء المطر ـ لا حياة ولا نبات ، فإذا نزل المطر وتشرّبته الأرض ، اهتزت وتحرّكت وانتفخت ، وأنبتت من كل زوج بهيج ، والبهجة هى الحسن ، وشبيه بذلك إحياء الموتى ، وهو القادر على ذلك ؛ فيثبت مما سبق أنه موجود ، وأن قدرته مطلقة ، وأنه حقيقة كل شىء ؛ وأنه المطلق الوجود ، الغنى بكلّيته ، وأن وجود كل ذى وجود عن وجوب وجوده.

٣٣٠

وهو الحق ، أى الموجود الثابت الذى لا يتغير ولا يزول ، وهو الحىّ الذى يحيى ويميت. ولقد كانت للعالم بداية وحتما ستكون له نهاية ، وهى التى تحين مع الساعة ، والساعة آتية لا ريب فيها ، ومعها يكون الإحياء الثانى ، والبعث من القبور ، ولا جدال فى ذلك.

* * *

٣٧٦. الله الخالق البارئ المصوّر

كذب من قال : أن الخالق البارئ المصور فى الآية : (هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ) (٢٤) (الحشر) ألفاظ ثلاثة مترادفة ، والصحيح أنها ألفاظ متباينة ، وأسماء موضوعية ، فكل اسم له معنى ، فالخالق : من الخلق وأصله التقدير ، ويطلق على الإبداع ، وهو إيجاد الشيء على غير مثال ، كقوله : (خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (التغابن ٣) ؛ وعلى التكوين كقوله : (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ) (٢) (العلق) ؛ والبارئ : من البرء ، وأصله خلوص الشيء عن غيره ، فنقول برأ فلان من مرضه أو من دينه. والبارئ : البرىء من التفاوت والتنافر وهما اللذان يخلّان بالنظام ؛ والمصوّر : مبدع الصور للمخترعات ، ومرتّبها بحسب مقتضى الحكمة ؛ والمعنى إذن أنه تعالى الخالق لكل شىء : بمعنى أنه موجود من الأصل ومن غير أصل ، وأنه القادر والعالم ، ومن ثم خلق الخلق والموجودات ؛ وهو البارئ لهذا الكون بما حوى واشتمل : بحسب ما اقتضته الحكمة من غير تفاوت ولا اختلال ؛ وهو مصوّره : فى صور تترتب عليها خواصه ويتم بها كماله. وقيل : الخالق : معناه الذى جعل المبدعات أصنافا ، وجعل لكل صنف منها قدرا ؛ والبارئ : معناه الموجد لما كان فى معلومه ؛ والمصوّر : هو المهيئ للأشياء على ما أراده من تشابه وتخالف.

* * *

٣٧٧. الإلّ هو الله بالعبرية

قيل ذلك فى تفسير الآية : (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) (٨) (التوبة) ، والآية : (لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ) (١٠) (التوبة) ، وهو تفسير من الإسرائيليات ، وروّجه المفسّرون الذين تلقوا على اليهود ، قالوا : الإلّ اسم عبرى من أسماء الله ، والصحيح أن الإل هو العهد والجوار والقرابة. والإل بالكسر ، وأما الأل بالفتح فهو من الأليل وهو البريق ، يقال : ألّ يؤلّ ألّا ، أى صفا ولمع ؛ أو أنه الحدّة فيقال للحربة الآلة ، ومنه أذن مؤلّله أى محدّدة. وقد يسمى العهد ألّا بالفتح لصفاء ظهوره.

* * *

٣٣١

٣٧٨. الله تعالى يكلّم البشر

فى القرآن : (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً) (١٦٤) (النساء) ، وكلّم الله تعالى أنبياء دون أنبياء بحسب مقاماتهم ، كقوله : (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ) (٢٥٣) (البقرة) ، وغالى السواد فتمنوا لو يكلمهم الله ليصدّقوا الأنبياء : (وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللهُ) (١١٨) (البقرة). وكلامه تعالى مع البشر حدّده تحديدا علميا يجيزه العقل ، وجعله لذلك مقامات ، فقال تعالى : (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ) (٥١) (الشورى) ، فتارة يقذف الله تعالى فى روع النّبى وحيا لا يتمارى فيه أنه منه تعالى ، كما قال نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإخراج ابن حبان : «إن روح القدس نفث فى روعى أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب». وقوله «نفث فى روعى» يعنى قذف فى قلبى. وقوله تعالى «أو من وراء حجاب» ، أى كما كلّم موسى عليه‌السلام ، فإنه لما سأل الرؤية بعد التكليم حجب عنها. وعن جابر أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما كلّم الله أحدا إلا من وراء حجاب». وقوله تعالى : (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ) (٥١) : (الشورى) أى كما كان جبريل وغيره من الملائكة إلى الأنبياء. فهذه هى المقامات الثلاثة تحديدا ولا شىء بعدها.

* * *

٣٧٩. دعواهم أن الجن شركاء الله

فى قوله تعالى : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ) (١٠٠) (الأنعام) أنهم ـ أى الكفّار ـ جعلوا الجن شركاء الله مع أنه الذى خلق الجن وخلق البشر ، فكأنهم جعلوا من خلقه أندادا وشركاء له يطيعونهم كطاعة الله. والآية نزلت فى الزنادقة ، قالوا : إن الله وإبليس أخوان ، فالله خالق الناس والدواب ، وإبليس خالق الجان والشرّ والأشرار فى الكون ، وقولهم كقول المجوس ، قالوا : للعالم صانعان ، الإله القديم ، وهو إله الخير والنور ، والآخر محدث ، وهو إله الشر والظلام.

* * *

٣٨٠. اختلاقهم البنين والبنات لله

يقول الله عزوجل مخبرا عن النصارى واليهود : (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ) (١٠٠) (الأنعام) ، فإنهم لمّا لم يستوعبوا التوحيد ، وفكرة أن الله لا شريك له ، افتعلوا له البنين والبنات ، فقال النصارى : (الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) (٣٠) (التوبة) ، وقال اليهود : (عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) (٣٠) (التوبة) وقال النصارى : من يؤمن بالمسيح ابنا لله على

٣٣٢

الحقيقة يصبح هو الآخر ابنا لله على المجاز ، والنصارى كلهم لذلك أبناء الله ، وكذلك اليهود قالوا مثلهم : (نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ) (١٨) (المائدة). ومثلما جعلوا لله الأبناء جعلوا له البنات ، كقوله تعالى : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) (٥٧) (النحل) ، فادّعوا أن الملائكة بنات الله ، وهؤلاء من العرب : «خزاعة ، وكنانة ، وجهينة ،. وبنو مليح ، وبنو سلمة ، وبنو عبد الدار ، وكانوا يقولون الملائكة مؤنث ، فهم بنات ، ويلحقن بالبنات ، فجعلوا لأنفسهم البنين ، واختاروا له البنات اللاتى يأنفون منهن ، كقوله تعالى : (وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) (٥٨) (النحل) ، يعنى إذا ولدت له أنثى تغيّر وجهه واغتمّ للخبر ، والعرب يقولون لمن يلقى مكروها : قد اسودّ وجهه ، ولهذا وبّخهم فقال : (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (١٥٤) (الصافات) ، وشبيه به قوله تعالى : (أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) (٣٩) (الطور) ، وقوله : (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ) (١٦) (الزخرف) ، والجزء هو الولد يولد منه ، سواء كان ذكرا أو أنثى ، وأمثال هذه الأقوال تدل على حمق أصحابها ، وضحالة تفكيرهم ، والشطط فى أفهامهم ، والضلال الذى يملأ حياتهم ، وفى كل هذه الآيات ، تسفيه بأحلام من ذهبوا هذا المذهب ، وتوبيخ لهم وتقريع ، سبحانه وتعالى عمّا يصفون.

* * *

٣٨١. قولهم الملائكة بنات الله

تجىء لفظة الملائكة فى القرآن فى صيغة المذكر مرات ، وفى صيغة المؤنث ، مرات ، كقوله تعالى : (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ) (آل عمران) ، فظنوا الملائكة إناثا لتأنيث «نادته» ، غير أن العرب تقول : قالت الرجال ، وتقول أيضا : قال الرجال. وكذا فى النساء. ومثلما قال تعالى : (قالَتِ الْمَلائِكَةُ) (٤٥) (آل عمران) ، قال : (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ) (٤) (المعارج) ، وقال : (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا) (٣٤) (البقرة) ، وقال : (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) (١٦٦) (النساء) ، وقال : (وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ) (٩٣) (الأنعام) ، وكما ترى فإن قوله : (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ) جائز على تأنيث الجماعة ، وقوله : (وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ) جائز على تذكير الجمع ، وعلى ذلك كان استنباطهم خطأ ، أو أنه كان مغرضا. وفى قوله : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ) (٥٧) (النحل) ، أى لهم الأولاد بينما له البنات ، فنزّه نفسه وعظّمها عما نسبوه إليه من اتخاذ الأولاد إطلاقا سواء البنات أم الصبيان.

* * *

٣٣٣

٣٨٢. الملائكة المعقبات

فى الآية : (لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) (١١) (الرعد) أن الملائكة أصناف ، ومنهم المعقبات ، يتعاقبون بالليل والنهار ، فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار. والملائكة ذكران ، فيقال فى المفرد ملك معقّب ، وفى الجمع ملائكة معقّبة ، وفى جمع الجمع ملائكة معقّبات. والتعقّب هو العود بعد البدء كقوله : (وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ) (١٠) (النمل) أى لم يرجع. وفى الحديث : «معقبات لا يخيب قائلهن» يقصد التسبيح والتحميد والتكبير. والملائكة المعقبات وظيفتهم : حفظ العباد إلا من القدر ، فإذا جاء القدر خلّوا بين المرء وبين قدره ؛ و «من أمر الله» ، أى بأمر الله.

* * *

٣٨٣. الملائكة لا يستكبرون عن عبادته تعالى

قال الكافرون : الملائكة بنات الله ، وقال الله تعالى : (وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ) (١٩) (الأنبياء) فالملائكة والخلق جميعا لله ، فلا يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه ، ولا يستكبر الملائكة ولا يأنفون عن عبادته ، ولا يستحسرون ويعيون ، من الحسير وهو المنقطع بالإغناء والتعب ، يقال حسر ويحسر حسورا يعنى أعيا وكلّ ، وأحسرته فهو حسير ، قيل : لا يملون ولا يستنكفون من عبادته ، ولا يفترون ولا يسأمون.

* * *

٣٨٤. الملائكة يسبحون الليل والنهار

يخبرنا الله تعالى أن الملائكة فى تسبيح دائم له : (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) (٢٠) (الأنبياء) وتسبيحهم إلهام ، يلهمونه كما يلهمون النّفس ، والتسبيح لهم بمنزلة النّفس : قالوا : (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (٣٠) (البقرة) ، والتسبيح تنزيه عمّا لا يليق على وجه التعظيم ، ويشتق من السّبح وهو الجرى والذهاب ، كقوله تعالى : (إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً) (٧) (المزمل) ، يعنى هم يجرون على التسبيح دوما ، وتسبيحهم رفع الصوت بالذكر ، يقولون : «سبحان الله» ، وفى الحديث أنه تعالى اصطفى لملائكته ولعباده أن يقولوا : «سبحان الله وبحمده» ، وفى ليلة الإسراء كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسمع تسبيحهم : «سبحان العلى الأعلى ، سبحانه وتعالى». والتسبيح ـ صنو الحمد والتقديس ، ويفيد التعظيم والتمجيد والتنزيه ، وهو صلاة : (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) (١٤٣) (الصافات) ، والمسبّحون هم المصلّون. وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى ركوعه وسجوده يقول : «سبّوح قدّوس

٣٣٤

ربّ الملائكة والروح» روته عائشة وأخرجه مسلم. والملائكة لا تمل التسبيح ولا تسأمه ، كقوله تعالى : (يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ) (٣٨) (فصلت) ، وقوله : (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) (٥) (الشورى) ، وقوله : (وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) (٧٥) (الزمر) ، وقوله : (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٩) (غافر) ، قيل حملة العرش هم أفضل الملائكة ، ومن فضلهم أن يستغفروا لبنى آدم ، فهم أفضل من كل بنى آدم ، قيل هم أنصح عباد الله لعباد الله ، وإبليس أغشى عباد الله لعباد الله ، ولو أن ملكا واحدا استغفر للمؤمنين لغفر لهم ، فكيف وجميع الملائكة يستغفرون لهم؟! فهذا هو تسبيح الملائكة : تنزيه وحمد وتقديس لله تعالى ، ودعاء للمسلمين.

* * *

٣٨٥. أيهما أفضل الملائكة أم البشر؟

الذين يقولون الملائكة أفضل ، حجّتهم قوله تعالى عنهم : (عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (٢٧) (الأنبياء) ، وقوله : (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) (٦) (التحريم) ، وقوله : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) (١٧٢) (النساء) ، وقوله : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) (٥٠) (الأنعام) ، وقوله فى الحديث : «من ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم» ، وذلك ملأ الملائكة.

والذين يقولون البشر أفضل حجّتهم قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) (٧) (البينة) ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن الملائكة لتضع أجنحتها رضى طالب العلم» ، والحديث فى أهل عرفات : وإنه ليدنو ثم يباهى بهم الملائكة (الأنبياء) ، وبهم هم المؤمنون ، وهم أفضل لأنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم. واحتج البعض مع ذلك إثباتا لاعتقادهم بأن والملائكة أفضل ، بقولهم لله تعالى : (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) (٣٠) (البقرة).

* * *

٣٣٥

٣٨٦. الغيب والشهادة

الغيب : كل ما غاب عنك ، يقال غابت الشمس تغيب ؛ وأغابت المرأة فهى مغيبة ، إذا غاب عنها زوجها ؛ ووقعنا فى غيبة وغيابة ، أى هبطة من الأرض ، والغيابة الأجمة ، وهى جماع الشجر يغاب فيها ؛ ويسمّى المطمئن من الأرض : الغيب ، لأنه غاب عن البصر. والغيب : الأمر الخفى الذى لا يدركه الحسّ ولا تقتضيه بديهة العقل ، وهو قسمان : قسم لا دليل عليه ، لا عقلى ولا سمعى ، وهذا هو المعنىّ بقوله تعالى : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) (الأنعام ٥٩) ؛ وقسم نصب عليه دليل عقلىّ أو سمعىّ ، كالصانع وصفاته ، واليوم الآخر وأحواله ، كما فى قوله : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة ٣) ، وفى الحديث : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله : لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ؛ ولا يعلم ما فى غد إلا الله ؛ ولا يعلم متى يأتى المطر إلا الله ؛ ولا تدرى نفس بأى أرض تموت إلا الله ؛ ولا يعلم متى تقوّم الساعة إلا الله» أخرجه البخارى. وفى صحيح مسلم قالت عائشة : من زعم أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخبر بما يكون فى غد فقد أعظم على الله الفرية ، والله تعالى يقول : (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ) (٦٥) (النمل) وأقول : وعلى ذلك فكل الأحاديث عن عمّار وعلىّ ، والحسن ، والحسين ، إلخ وما يجرى لهم ، باطلة. وقوله : (وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ) (١٧٩) (آل عمران) ، وكذلك قوله : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ) (٢٧) (الجن) ، المراد يطلعهم من الغيب ما يخصّ الرسالة كأوصاف الجنة والنار ، وأحوال الناس فيهما ، والحساب والثواب والعقاب ، وليس متى يموت عمّار ، ومن يقتله ، وأين يموت الحسين! وقيل فى مفاتح الغيب : أنها خزائن الرزق ، أو أنها الآجال ووقت انقضائها ، وعواقب الأعمار ، وخواتم الأعمال. والغيب الذى يراد منا الإيمان به هو الله ، فهو تعالى غيب ، وكلّ ما يختص به تعالى من أمور وشئون هو من الغيب ، فالقضاء والقدر غيب ، وكل ما أخبر به الرسل صلى‌الله‌عليه‌وسلم مما لا تهتدى إليه العقول ، كأشراط الساعة ، والحشر والنشر ، والصراط ، والميزان ، غيب. والإيمان بالغيب لذلك هو الإيمان الشرعى ، وفى الحديث أن الإيمان : «أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه». وقوله تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) (٩) (الرعد) فعالم بما غاب عن الخلق ، وعالم بما شهدوه. وفى قوله : (رَجْماً بِالْغَيْبِ) (٢٢) (الكهف) هو القول بالظن ، وهو غاية ما يقدر عليه الإنسان فى الغيب.

* * *

٣٣٦

٣٨٧. وصية إبراهيم لبنيه

قال الله تعالى : (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٣٢) (البقرة) ، ووصيته إلى بنيه هى قوله فى الآية السابقة على هذه الآية : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (١٣١) (البقرة) ، يعنى أن وصيته كانت بالإسلام ، وقبل ذلك قال تعالى فى إبراهيم : (وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا) (١٣٠) (البقرة) يعنى اصطفاه بأن قال له أسلم ، فأخلصه بالتوحيد وقول «لا إله إلا الله». والإسلام الذى أوصى به إبراهيم بنيه هو الإسلام الباطن ، أكمل الإسلام ، لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد لله ، وهو معنى الإيمان ، فوصية إبراهيم هى الإيمان ، والإيمان أو الإسلام الباطن هو ما اختاره الله دينا لإبراهيم ، فاختاره بدوره لبنيه ، والدين هو الإسلام ، وقوله : (فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٣٢) (البقرة) أوجز وأبلغ وصية. ومعنى قوله (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) (١٣٢) (البقرة) أن الوصية كانت من إبراهيم لبنيه ، وانتقلت من أبنائه إلى أولادهم ـ أى أحفاد إبراهيم ، وهم هنا يعقوب ، ثم انتقلت من يعقوب إلى أولاده وهكذا ، فوصية إبراهيم إذن هى وصيته للأجيال ولكل الناس بعامة.

* * *

٣٨٨. وصية يعقوب لبنيه

فى الآية : (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (١٣٢) (البقرة) أن الوصية صارت إلى يعقوب من أبيه إسحاق أو من جده إبراهيم مباشرة ، وهى نفسها وصية يعقوب لبنيه : (إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (١٣٣) (البقرة) ، فلمّا كان يعقوب فى النزع الأخير أوصى أولاده ـ وهم الأسباط الاثنى عشر ، وكانت وصيته تعليمية وليست وعظا كوصية إبراهيم ، والفارق هو فارق فى الأجيال ، وطريقة يعقوب عن طريق السؤال والجواب ، فسألهم : «ما تعبدون من بعدى؟» : أراد أن يتأكد أن تعليمه لهم قد أثمر ، فكانت إجابتهم هى نفس ما توقع ، وهى نفسها ما كان يريد أن يوصيهم به ، فقالوا : نعبد إلهك الذى هو إله الآباء ، وهو الإله الواحد ، فاعتقادنا هو التوحيد ، وديننا هو الإسلام.

* * *

٣٨٩. وصيته تعالى لقوم نوح ومحمد وإبراهيم وموسى وعيسى

فى الآية : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ

٣٣٧

وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (١٣) (الشورى) ، أن وصيته تعالى إلى هؤلاء فيما شرع لهم من الدين هو توحيده تعالى ، عبّر عنه بقوله : «أن أقيموا الدين» ، وإقامة الدين هى طاعته تعالى فيما شرع ، أى فيما نهج وأوضح وبيّن من المسالك ، وشدّد عليهم فقال : «ولا تتفرقوا فيه» ، أى لا تختلفوا فى غايته أو الطرق الموصلة إليها والمحققة لها ، فالدين واحد وإن اختلفت المسميات ، والأصول واحدة وإن تعددت المعانى ، والمصدر واحد وإن كثرت الفروع ، والأولى أن يقال لشرعة كلّ نبىّ : ملّة ، وأن يقصر اسم الدين على الأصل الذى ترجع إليه جميعها وهو الإسلام. والأصول الواحدة فى كل الملل هى : التوحيد ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، والتقرّب إلى الله بصالح الأعمال ، والزلف إليه بما يردّ القلب والجارحة إليه ، والصدق والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وتحريم الكفر والقتل والزنى والأذية للخلق ، وتحريم الاعتداء على الإنسان الحيوان ، واقتحام الدناءات ، وإسقاط المروءات ، فهذا كله مشروع فى كل الملل ، وهو الأساس للدين الواحد والملل المتحدة ، وقال به هؤلاء خصيصا : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، سلام الله عليهم أجمعين ، ولم يحدث أن أرسل الله نبيا قط إلا أوصاه بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والإقرار بطاعته تعالى ، وذلك هو الدين الذى شرعه لهم ، وهو وصيته تعالى لأقوام كل الأنبياء ، وموجزه : تحليل الحلال وتحريم الحرام.

* * *

٣٩٠. وصيته تعالى للمسيح

لما نطق المسيح فى المهد كان أول ما أخبر عنه ، هو عبوديته لله تعالى ، قال : (إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) (٣٣) (مريم) ، فوصيته تعالى خصوصا للمسيح ، وعموما للناس جميعهم : ١ ـ أن يلتزم الصلاة يؤديها فى وقتها وبفروضها عند ما يدركه التكليف ويمكنه القيام بها ؛ ٢ ـ وأن يفى بالزكاة إذا صارت له القدرة على الكسب ؛ ٣ ـ وأن يواظب عليهما : الصلاة والزكاة طالما هو حىّ يرزق ؛ ٤ ـ وأن يبرّ والدته ، ولم يقل والدىّ ، لأن ميلاده كان من الأم أمرا منه تعالى ولم يكن من والدين ؛ ٥ ـ وأن لا يكون جبّارا متعظما متكبّرا ، (والجبّار هو من لا يرى لأحد عليه حقا) ؛ ٦ ـ وأن لا يكون شقيا فاعلا للشرّ والأذى ، ومنقطعا عن الرحمة ، وعاقا عاصيا لربّه ، تاركا لأمره ، فإبليس كان تاركا لأمر الله ، فشقى الشقاء كله ، وهكذا بنو آدم ، فآدم مثل عيسى ، وآدم خلقه تعالى بلا أم ولا أب ، وعيسى خلقه من أم

٣٣٨

بلا أب ؛ فآلت إلى بنى آدم كل وصايا عيسى من ربّه للتماثل بين آدم وعيسى. ثم تأتى آخر وصية وهى السابعة : أن يسأل الله دوما السلام لنفسه وللناس ، وأن يسأل الناس الدعاء له بالسلام. فكما هو مطلوب منا أن نصلى ونسلم ونبارك على نبيّنا كلما ذكر اسمه ، كذلك يلزمنا أن نسأل للمسيح السلام ، فنقول : «عليه‌السلام» كلما ذكر اسمه ، فالسلام عليه من تعاليمه لأتباعه ، وللناس كافة من المؤمنين به رسولا نبيا. فهذه هى وصاياه تعالى للمسيح ، ووصايا المسيح لنا سبع وصايا مباركات.

* * *

٣٩١. الإيمان بالقدر

القدر من قدر ومقدرة ، تقول قدر على الشيء قوى عليه ، وقدر الله فلانا على كذا ، يعنى جعله قادرا عليه ، ومنه القادر والقدير وهما من أسماء الله الحسنى. وإذا ذكر القدر ذكر القضاء وهو الفصل ، من قضى يقضى أى حكم وفصل ، فإذا كان القضاء هو الحكم فإن القدر هو القدرة على تنفيذ الحكم ، وفى الآية : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (٤٩) (القمر) أى بقدرة ، وقوله : (وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (٣٨) (الأحزاب) يعنى نافذا لأنه يقدر عليه وهو القادر. وقيل : هاتان الآيتان نزلتا فى القدرية وكانوا يخاصمون الناس فى القدر ، ولا شىء فى الآيتين يمنع أن يكون الإنسان مخيّرا ومسئولا ، وفى «افعل ولا تفعل» فإن الإنسان مخيّر ومسئول ، ولمّا سأل أحدهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أيعرف أهل الجنة من أهل النار؟ قال : «نعم» ، قال : «فلم يعمل العاملون؟ قال : «كلّ يعمل لما خلق له ـ أو لما يسّر له» ، وفى هذا الحديث أن علم الله محيط وسابق ، وليس فيه أدنى تشكيك أن الإنسان مخيّر ومسئول. ومثل ذلك الحديث ، قيل : يا رسول الله ، فيم العمل؟ أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير؟ قال : «اعلم أن القلم جفّ بما هو كائن» ، والحديث كما ترى فى علم الله السابق ولا يتعارض مع القول بمسئولية الإنسان وبحريته : أن يختار ويفعل عن اختيار. ومثله الحديث : «جفّت الأقلام وطويت الصحف» ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كلّ يعمل لما خلق له أو لما يسّر له» ، جميعها دليل على أنه لا قسر على الإنسان ولا جبر ، إلا أن يعمل فى حدود إنسانيته ، وأن يفكر ويقارن ، ويستنبط ، ويستدل ، ويختار لنفسه ، وكلّ له اختياراته ، وله تفكيره وسلوكه ، وعمله أمارة ودليل وإشارة على ما سيئول إليه أمره ، وأن من أراد لنفسه النجاة فعليه أن يبذل جهده ، ويجاهد نفسه فى عمل الطاعات والصالحات ، كقوله تعالى : (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (٨) (الشمس) ، أى عرّفها طريقى الفجور والتقوى ، والطاعة والمعصية ، ولها أن تختار لنفسها أيهما ـ كما تشاء ، ثم قال بعد ذلك :

٣٣٩

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) (١٠) (الشمس) أى قد فاز من زكّى نفسه بالطاعات ، وخسر من دسّ نفسه فى المعاصى وأضلّها وأغواها ، فالإنسان هو المسئول ، وله الخيار ، والله قد هداه النجدين ، ولذا فإنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا سئل : ألا نتكل؟ قال : «لا ، اعملوا فكل ميسّر» : ثم قرأ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) (١٠) (الليل) أى أن الهداية ضربان : هداية دلالة ، فيدل الله بأنبيائه وكتبه على الحق والخير ، وهداية معونة ، فيعين من يريد السير فى طريق الحق وأن يتوخى الخير ، وهو معنى نيسّره لليسرى أو للعسرى بحسب اختياره. وهذا جميعه من قدر الله ، أى بتقديره ، والإيمان بالقدر هو أن نؤمن بكل ما سبق.

* * *

٣٩٢. من تفسيرات القدرية

قال الجبرية فى الآية : (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) (٥٦) (هود) : أن الأعمال قد نصّت وبرزت من غيب الغيب فصارت منصوصة فى المقادير ، وبصر الخالق قد نفذ فى جميع حركات الخلق ، فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التى نظر الله تعالى إليها قبل أن يخلقها ، والإنسان على ذلك مجبر ومقدور عليه قدره ، ولا قدرة له أصلا ، لا مؤثرة ، ولا كاسبة ، بل هو بمنزلة الجمادات! والصحيح أن الآية تعنى أن الله لا خلل فى تدبيره ، ولا تفاوت فى خلقه ، وأنه خلق الخلق ويقدر على كل شىء ، ومن قدرته تعالى أن جعل الاختيار فى التكاليف والأعمال للإنسان ، وهو حرّ ، وبناء عليه فهو مسئول ، ويتهافت على ذلك فهم القدرية وتفسيرهم للآية.

* * *

٣٩٣. الإنسان مخيّر فيما يفعله بإرادته ، ومسيّر فيما كان بإرادة الله

هو تفسير الآية : (قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا) (٥١) (التوبة) ، ونحن لا حيلة لنا ولا اختيار فى أبوينا ، وبلاد ميلادنا ، وأشكالنا التى نحن عليها ، وما لنا من قدرات وملكات ، ومن ذكاء وسمات ، فهذه جميعها من أفعال الله ، كتبها على عباده ولم يقدرهم على كسبها ، ودون ذلك مما يدخل فى التكاليف فهو من أفعال البشر ، وباكتسابهم لها مختارين. والقضاء الممضى يشمل هذه الأفعال الأولى ، وهو مضمون الآية.

* * *

٣٩٤. الدعوة إلى الله باللين

الدعوة إلى الله لا تكون إلا باللين ، بقوله تعالى لموسى وهارون : (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً

٣٤٠

لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) (٤٤) (طه) ، والآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإنما باللين ، واللين هو القول الذى لا خشونة فيه ؛ وإذا كان موسى قد أمر بالدعوة باللين ، فمن دونه أحرى بأن يقتدوا به ، كقوله تعالى : (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (٨٣) (البقرة) ، والحسن هو المعروف ، والصدق ، والطيّب من القول. والدعوة باللين من أصول السياسة ، ومن مكارم الأخلاق ، والقائم بالدعوة مهما يكن ليس بأفضل من موسى وهارون ؛ والملحد ، والعلمانى والليبرالى وأىّ من كان ليس بأخبث من فرعون.

* * *

٣٩٥. الأعمال بالخواتيم

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى قصة الرجل فى وقعة خيبر أصيب ولم يطق ألمه فانتحر : «لا يدخل الجنة إلا مؤمن» ، والله تعالى يقول : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (١٩٥) (البقرة) ، ويقول : (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (٢٩) (النساء). ومعنى الحديث أن من يقتل نفسه ليس مؤمنا ، فالإيمان والانتحار لا يلتقيان ، وذلك أن الرجل استعجل الموت فقتل نفسه ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار ، وإنما الأعمال بالخواتيم» ، وقال : «إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله : يوقفه لعمل صالح ثم يقبضه عليه» ، وقال : «لا تعجبوا لعمل عامل حتى تنظروا بم يختم له» ، يعنى أن المرء قد يفسد على نفسه إيمانه بارتكاب حماقات تدرجه ضمن ناقصى الإيمان ، والعبرة بخواتيم الأعمال ، أى نهاياتها ونتائجها وليس بما تبدو ظاهريا فى أول أمرها.

* * *

٣٩٦. هدم الكعبة

الأحاديث فى هدم الكعبة ضمن ما يسمى «أحاديث آخر الزمان» ، تعارضها الآية : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً) (٦٧) (العنكبوت) ، والآية : (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً) (٥٧) (القصص) ، ومن واقع التاريخ أنه تعالى حبس عن مكة الفيل ، ولم يمكّن أصحابه من تخريب الكعبة ، ولم تكن وقتها قبلة للمسلمين ، فكيف يسلّط عليها من يخربها بعد أن صارت قبلة للمسلمين؟ وفى الحديث : «يغزو جيش الكعبة فيخسف بهم» ، وربما يقال : إن الآيتين تحكيان عن وضع الحرم فى أيام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وليس فى المستقبل ، فأمّا فى آخر الزمان ، قرب قيام الساعة ، فالمفروض فعلا أن تخرب الكعبة ، وخرابها من علامات الساعة ، ووقتها لا يبقى فى الأرض أحد يقول الله الله ، كما ثبت فى صحيح مسلم : «لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض الله الله» ، وفى البخارى عن هدم الكعبة :

٣٤١

«يقلعها حجرا حجرا» ، وبرواية أخرى : «لا يعمر ـ أى المسجد الحرام ـ بعده أبدا» ، وقد فعل ذلك فعلا القرامطة بعد سنة ٣٠٠ ه‍ ، فقتلوا من المسلمين فى المطاف من لا يحصى كثرة ، وقلعوا الحجر الأسود فحوّلوه إلى بلادهم ، ثم أعادوه بعد مدة طويلة ، ثم غزى البيت الحرام مرارا من بعد ، ولا يتعارض ذلك مع قوله تعالى : (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً) ، لأن الغزو والتخريب إنما وقعا بأيدى المسلمين ، وهو مطابق لقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ولن يستحل هذا البيت إلا أهله» ، فوقع ما أخبر به النبىّ ، صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو دليل على نبوته ، ودليل على أن ما أنزل عليهم من القرآن صدق.

* * *

٣٩٧. الفتن وعذاب العامة بسبب منكرات الخاصة

الفتن جمع فتنة ، وأصلها إدخال الذهب فى النار لتظهر جودته من رداءته ، وتطلق الفتنة على العذاب ، كقوله : (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) (١٤) (الذاريات) ، وعلى الاختبار ، كقوله : (وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً) (٤٠) (طه) ، وعلى الابتلاء ، كقوله : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (٣٥) (الأنبياء). والفتنة كما تكون من الله تكون من البشر ، كقوله : (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) (١٠) (البروج) ، وأصل الفتنة إذن هو الاختبار ، ثم استعلمت فيما يؤدى إليه الاختبار من مكاره ، ثم أطلقت على كل مكروه. وفى الحديث : «اللهم إنا نعوذ بك أن نفتن» ، وفى التنزيل : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (٢٥) (الأنفال) ، والآية تأمر بأن لا يقر المسلمون المنكر بين أظهرهم فيعمّهم العذاب ، وفى الحديث : «إن الله لا يعذّب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك ـ أى لم ينكروه ـ عذّب الله الخاصة والعامة».

* * *

٣٩٨. التعارض بين الكثير من أحاديث الفتن والقرآن؟

الكثير من أحاديث الفتن يتعارض مع القرآن ، فالآية تقول : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) (١٩٣) (البقرة) ، والمعنى لا ينحصر فى مناسبة نزول الآية ، ولا يقتصر على مقاتلة الكفار وأهل الشرك ، وإنما قتال الظلمة والطغاة والمستبدين ، ومنازعة هؤلاء تفرضها آيات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وأحاديث النصح لأصحاب السلطة ، وقد سأل المسلمون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا رسول الله ، إن كان علينا أمراء يأخذون بالحق الذى علينا ، ويمنعونا الحق الذى لنا ، أنقاتلهم؟ قال : «لا ، عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم». وقال : «سيكون أمراء فيعرفون وينكرون ، فمن كره برىء ، ومن أنكر سلم ، ولكن من رضى وتابع ...» ، قالوا : أفلا نقاتلهم؟ قال : «لا ، ما أقاموا الصلاة»؟! وفى رواية قالوا : يا رسول الله ، أفلا ننابذهم عند

٣٤٢

ذلك؟ قال : «لا ، ما أقاموا الصلاة ، وقال : «وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ، ولا تنزعوا يدا من طاعة»؟!! فهل نطيع فى الظلم والشرّ والمفسدة؟! وفى الحديث : أن جبريل قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن أمتك مفتتنة من بعدك. فقال : «من أين»؟ قال : من قبل أمرائهم وقرّائهم (أى علمائهم). يمنع الأمراء الناس الحقوق ، فيطلبون حقوقهم فيفتنون ، ويتبع القرّاء هؤلاء الأمراء فيفتنون. قال : «فكيف يسلم من سلم منهم»؟ قال : بالكفّ والصبر. إن أعطوا الذى لهم أخذوه ، وإن منعوه تركوه» ـ وأقول : أليست تلك دعوة إلى السلبية؟ وأين تاريخ الأمم فى النضال؟ والتاريخ ليس إلا تاريخ منازعات المضطهدين والمظلومين لظالميهم من سائر المجتمعات والدول والأنظمة والحكّام؟! وفى حديث آخر قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنكم سترون بعدى أثرة وأمورا تنكرونها» ، قالوا : فما تأمرنا؟ قال : «أدّوا إليهم حقّهم وسلوا الله حقّكم» ، وأقول : فكيف نؤدى إليهم حقّهم ، وهم لا يكتفون بحقهم ، وإنما يستولون أيضا على حقنا؟! وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من كره من أميره شيئا فليصبر ، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية»!! وقال : «من خلع يدا من طاعة لقى الله ولا حجة له ، ومن مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» ، يعنى مات على ضلال وعاصيا ، وخلاصة هذه الأحاديث : وجوب طاعة الحاكم ، وترك الخروج عليه ، والكفّ عن استنكار أعماله ، ونبذ المصادمة مع الشرطة حقنا للدماء ، وقيل : مسالمة أمراء الجور إنما لتسكين الدهماء ـ وهذا هو تفسير الفقهاء ، فعامة الناس وجموع الشعب دهماء فى عرفهم! ولم يستثن هؤلاء من هذا الإذعان المشين إلا فى أحوال الكفر الصريح ، فلا تجوز فى الكفر طاعة الحاكم ونظامه وحكومته ، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها ، ولم يعرّف لنا الفقهاء الكفر الصريح فى بلاد المفروض أنها تدين بالإسلام ، ويجعل ذلك الكثيرين يتشككون فى أحاديث الفتن هذه ويرتابون أن قائلها هو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حقا ، حتى قيل إنه قال : «اسمع وأطع إلى أن يصل إليك حقك بغير خروج عن الطاعة!!» وزيد فى الحديث : «وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك»؟!! فهل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال ذلك فعلا؟ ومن ناحية أخرى هناك أحاديث تحقّ الحق وتوافق مطالب الناس وما يرجونه من الإسلام ، كما فى الرواية : «إلّا أن يكون معصية لله بواحا» ، والرواية : «ما لم يأمروك بإثم بواح» ، والرواية : «فلا طاعة لمن عصى الله». وقيل : إنه لا يجوز الخروج على الحكام الطغاة ، ما دام فعلهم يحتمل التأويل. وقيل : الشأن فى أمراء الجور أنه إن قدر الشعب على خلع الرئيس الجائر بغير فتنة وجب خلعه ، وإلا فالواجب الصبر. وقيل : إن عقد الرئاسة لطاغية مستبد لا يجوز ابتداء ، فإن أحدث جورا بعد أن كان عدلا فإنه لا جدال يجب الخروج عليه والدعوة لإسقاط حكمه ، لعموم مصلحة المسلمين. وفى الحديث : «هلاك أمتى على يد

٣٤٣

أغيلمة سفهاء» ، والأغيلمة تصغير أغلمة ، ومفردها غلام ، ويطلق على الرجل المستحكم القوة المستبد ، تشبيها له بالغلام فى قوته وتقلّب مزاجه. وقيل إنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم استعاذ من إمارة الصبيان ، فسألوه : وما إمارة الصبيان؟ قال : «إن أطعتموهم هلكتم ، وإن عصيتموهم أهلكوكم» ، فشبّه حكم الطاغية الظالم بحكم الصبى ، لأنه اعتبره غير ناضج فكريا ونفسيا ، ولذلك يلجأ إلى العنف ويميل إلى الأثرة ، والاستحواذ. وفى رواية أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لو أن الناس اعتزلوهم» ، والمراد باعتزالهم أن لا يداخلوهم ، ولا ينضموا للجيش ولا للشرطة ، ولا يسمعوا لهم ، ولا يقاتلوا عنهم ، ولا يتعاونوا معهم ، ولا يجتمعوا بهم ، ولا يحادثوهم ، والأفضل اللجوء إلى الهجرة ، وترك البلاد التى تكثر فيها المظالم والإشاعات والفتن والصراعات والمعاصى ، والمنكر عموما ، كقوله تعالى : (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) (٩٧) (النساء) ، وقوله : (وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً) (١٠٠) (النساء) ، والآية دليل على أنه ليس لأحد المقام بأرض فيها الظلم والاضطهاد ويعمل فيها بغير الحق.

* * *

٣٩٩. ظهور الفتن من علامات الساعة

للساعة علم لا يعرفه إلا الله ، كقوله : (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها) (٦١) (الزخرف) ، ولها علاماتها التى تسبقها ، والأحاديث فيها كثيرة ، منها قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يتقارب الزمان ، وينقص العمل ويلقى الشحّ ، وتظهر الفتن ويكثر الهرج» (أى القتل) ، وقوله : «إن بين يدىّ الساعة لأياما ينزل فيها الجهل ، ويرفع فيها العلم ، ويكثر فيها الهرج» ، وقوله : «لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والبخل ، ويخون الأمين ، ويؤتمن الخائن ، وتهلك الوعول وتظهر التحوت» ، قالوا : يا رسول الله ، وما التحوت والوعول؟ قال : «الوعول وجوه الناس وأشرافهم ، والتحوت الذين كانوا تحت أقدام الناس ليس يعلم بهم». وقيل فى قوله : «يتقارب الزمان» يعنى تقارب أحوال أهله فى قلة الدين حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ، لغلبة الفسق وظهور أهله. وجاء فى الحديث : «لا يزال الناس بخير ما تفاضلوا ، فإذا تساووا هلكوا» وهو حديث غريب يدعو إلى اللامساواة بين الناس ويحبّذها ، ويناقض تعاليم الإسلام والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل فى معناه : لا يزال الناس بخير ما كان فيهم أهل فضل وصلاح وخوف من الله ، يلجأ إليهم عند الشدائد ، ويستهدى بآرائهم ، ويتبرّك بدعائهم ، ويؤخذ بتقويمهم وآثارهم ، وإلا فإنهم إن تساووا فى الخسّة والدناءة ، هلكوا.

* * *

٣٤٤

٤٠٠. إذا اقتربت الساعة تنزع البركة من كل شىء

من حديثه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان ، فتكون السنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، والجمعة كاليوم ، ويكون اليوم كالساعة ، وتكون الساعة كاحتراق السعفة» ، أى كأنها لمحة ، والمراد نزع البركة من كل شىء حتى الزمان ، فتقصر الأيام ، وتمضى الشهور والسنون سراعا ، وهذا القصر معنوى ، وقال : «فإنه لا يأتى عليكم زمان إلا والذى بعده أشرّ منه» ، وقال : «ستكون فتن ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشى ، والماشى فيها خير من الساعى. من تشرّف لها تستشرفه ، فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذ به» ، ومعنى تستشرفه تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك. وهذه الأحاديث ينبغى أن نقابلها بالشك ، والصواب أن يقال : إن الفتنة أصلها الابتلاء ، وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه ، فمن أعان المحقّ أصاب ، ومن أعان المخطئ أخطأ.

* * *

٤٠١. الإسلام والقرآن فى آخر الزمان

فى الحديث أن الإسلام فى آخر الزمان : «يدرس كما يدرس وشى الثوب ، حتى لا يدرى ما صيام ، ولا صلاة ، ولا نسك ، ولا صدقة ، ويسرى على الكتاب ـ يعنى القرآن ـ فلا يبقى فى الأرض منه آية» ؛ والقرآن : «ينزع من بين الظهور ويسرى عليه ليلا فيذهب فى أجواف الرجال فلا يبقى فى الأرض منه شىء» ، «فمن أنكر برىء ، ومن كره سلم». ومن علامات الساعة : «أن الهداة فى آخر الزمان يهدون بغير هدى ، وتعرفون منهم وتنكرون» ، فإذا عاينا ذلك : «فلنلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، وإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ، فلنترك تلك الفرق كلها ، ولو أن نعض بأصل شجرة حتى يدركنا الموت ونحن على ذلك» ولزوم الجماعة : لأنه كما قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لم يكن الله ليجمع أمة محمد على ضلالة» والجماعة التى تلزمها ليست أى جماعة ، وإنما المقصود أنها الجماعة المستنيرة ، أو جماعة أهل العلم الرافضة للظلم ، والمطالبة بالإصلاح والتغيير وسئل صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فكيف إذا بقينا فى حثالة من الناس ، قد مرجت (أى فسدت) عهودهم وأماناتهم واختلفوا؟ قال : «عليك بخاصتك ودع عنك عوامهم». وسئل : فكيف تأمرنا؟ قال : «تأخذ بما تعرف وتدع ما تنكر ، وتقبل على خاصتك ، وتدع عوامهم» وكما ترى فالفتن فى آخر الزمان ابتلاء واختبار ، وفى الحديث : «لا تكرهوا الفتنة فى آخر الزمان ، فإنها تبير المنافقين» أى تهلكهم ، وربما كنا الآن فى زمن الفتنة التى تموج موج البحر ، والتى يصبح الناس فيها كالبهائم لا عقول لهم ، وفى زماننا هذا ذهبت عقول أكثر الساسة وأولى الأمر ، والمسلم لا تضرّه الفتنة ما عرف دينه ، والفتنة لا تقوم إلا إذا اشتبه الحق والباطل ، والذين

٣٤٥

يثيرونها هم أهل الباطل ، أهل النفاق. وقد تشتد الفتن وتزيد وطأتها ، وربما يتمنى الناس لو ماتوا ، وقد يغبطون أهل القبور ، فإذا عاينت ذلك أيها المسلم ، فربما ما تعاينه من علامات الساعة ، وأنه من الفتنة ، وأن الناس ما ملأها الخوف إلا أن يروا دينهم قد ذهب ، بغلبة الباطل وأهله ، وظهور المعاصى والمنكر فلا أقل حينئذ أن يتمنوا الموت.

* * *

٤٠٢. ذهاب الدين من علامات الساعة

يقول تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) (٣) (سبأ) قيل : إن أبا سفيان فى زمنه كان يقول : واللات والعزّى لا تأتينا الساعة أبدا ، ولا نبعث» ، ولذلك نزلت الآية ، وكل وقت وفيه مثل أبى سفيان ، والآية يردّ الله بها على من ادّعى بطلان الساعة عامة ، وأبو سفيان يحلف باللات والعزى ، وأهل الباطل يقسمون بالباطل ، وفى ذلك الحديث : «لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزّى» أى عند ما لا يكون القسم إلا بالباطل تقوم الساعة ، وكأن الباطل سينتصر ، وكأننا ما فعلنا شيئا ، وكأن من مات فى سبيل الله مات من أجل قضية خاسرة ، فالانتصار مرة أخرى وعلى المدى الطويل ، وفى نهاية الأمر ، للّات والعزّى ـ أى للباطل والضلالة! وفى القرآن غير ذلك ، لأن الله قد وعد المسلمين أهل الحق أن يكون النصر لهم ولدينهم ، فكيف يعود الناس لعبادة الضلال من جديد؟ والثابت فى القرآن أن أهل الحق مستخلفون فى الأرض كقوله تعالى : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) (٥٥) (النور) ، وقوله : (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) (١٧٢) (الصافات) ، وقوله : (فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ) (٥٦) (المائدة) ، فكيف إذن يعود الناس لعبادة اللات والعزّى؟ وقال الفقهاء : ربما المعنى أن الدين لا ينقطع بالكلية من جميع أقطار الأرض ، فيبقى منه شىء ، إلا أن ما يبقى يكون مع ذلك ضعيفا ، ويعود الإسلام غريبا كما بدأ. ويناقض ذلك الحديث الآخر : «لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم ...» ، والمغزى العام أن الإسلام يبقى إلى قيام الساعة ، وأن القرآن لا يمكن أن يضيع من السطور ، ولا أن ينمحى من الصدور. وهناك الحديث : «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ، هم شرّ من أهل الجاهلية» ، ولا يعنى الحديث أن كل الناس أشرار ، ويقابله الحديث : «لا تزال عصابة من أمتى يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك» ، وفى القرآن فى وصفهم : (أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَ

٣٤٦

حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٢٢). وفى الحديث : إذا حانت الساعة يبعث الله ريحا كأنها المسك ، ومسّها من حرير ، فلا تترك أحدا فى قلبه مثقال حبّة من إيمان إلا قبضته ، ثم يبقى شرار الناس ، فعليهم تقوم الساعة». فربما المراد بالحديث : «لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ، هم شرّ من أهل الجاهلية» يقصد إلى هذا المعنى ، وربما معنى حتى تأتيهم الساعة» هى ساعتهم هم ، وهى وقت موتهم. (انظر علامات الساعة ضمن باب «الموت والقيامة والساعة والحشر والجنة والنار».

* * *

٤٠٣. أحاديث الدّجّال من أحاديث آخر الزمان

الدّجال : من الدجل وهو التغطية ، وسمّى الكذّاب دجّالا لأنه يغطى الحق بباطله. وقيل : ظهور الدجّال من علامات الساعة ، والأحاديث فيه متخالفة فى عدة أمور ، منها تسميته ، وأصله ، ومتى يخرج ، ومن أين يخرج ، وما صفته ، وما الذى يدّعيه ، والخوارق المصاحبة لظهوره ، ومتى يهلك ، ومن يقتله؟ والاختلاف يصل إلى حدّ التضارب ، ويرد الدجّال عند اليهود كعلامة من علامات آخر الزمان ، والأحاديث النبوية أو بالأحرى المنسوبة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ تجعل المسحاء الدجّالين ثلاثين ، وربما أكثر ، وفى أسفار اليهود أن المسحاء الدجّالين كانوا أربعة وعشرين ، أشهرهم بار كوكبة الذى عاش فى أول القرن الثانى ، وادّعى أنه رئيس الأمة اليهودية وملكهم ، وتمرّد على الدولة الرومانية ، ومات فى هذه الفتنة خلق كثير بالآلاف. ويعتبر اليهود المسيح عيسى ابن مريم من المسحاء الدجّالين. وفى القرن الثانى عشر بعد المسيح ظهر نحو عشرة مسحاء دجّالين. وعقيدة المسيح الدجّال إذن عقيدة يهودية نصرانية ، يعنى غير إسلامية ، ومصدرها أنهم قالوا إن إيليا رفع إلى السماء ، ومن يرفع لا بد أن يعود ليموت ميتة البشر ، ومن ثم فإيليا هو المسيح العائد ، ولن يعدم الأمر أن يأتى أناس كذبة يدّعون أنهم هذا المسيح ، وميّزوهم باسم المسحاء الدجّالين أى الكذّابين. وكذلك قال النصارى ، فبما أن المسيح رفع فسيعود حتما ، وباسمه ، ومن بين النصارى ظهر مسحاء دجّالون كثيرون. وأحاديث الدجّال فى الإسلام لا تنسجم مع العقيدة الإسلامية ، ولذا لم يرد عن الدجال شىء فى القرآن ، ولو كان الدجّال حقيقة لكان الأولى أن يرد عنه فى القرآن. وقد حفل القرآن بوقائع من حياة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أقل أهمية من هذا الحدث الجلل ـ حدث الدجّال! والحكايات فيه كثيرة ترقى إلى الخرافات ، ومنها أنه كان موجودا فى العهد النبوى ، وأنه محبوس فى بعض الجزائر ، وأنه يخرج عند فتح القسطنطينية ، ويخرج من غضبة يغضبها ، وخروجه من قبل المشرق ، من أصبهان ـ يعنى

٣٤٧

من إيران ، ويدّعى أولا الإيمان والصلاح ، ثم النبوة ، ثم الإلهية ، وبعد ذلك ينزل عيسى فيقتله. ومن ذلك أشياء كثيرة كالتى اخترعوها عن المهدى المنتظر وكلها من الخرافات!

* * *

٤٠٤. لما ذا لم يذكر الدجّال فى القرآن؟

هذا سؤال مشهور ووجيه ، فمع شهرة الدجّال وما ذكر عنه من الشرّ وعظم الفتنة به ، والتحذير منه ، والأمر بالاستعاذة منه حتى فى الصلاة ، فلما ذا أهمل القرآن أمره؟ وقيل : إنه مذكور فى الآية : (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً) (١٥٨) (الأنعام) ، وفى ذلك أخرج الترمذى الحديث عن أبى هريرة : «ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل : الدجّال ، والدابة ، وطلوع الشمس من مغربها». وليس هناك سبب يمنع التنصيص عليه فى القرآن ، سوى أنهم قالوا إن من ذكرت أسماؤهم فى القرآن من المفسدين إنما هم ممن مضى وانقضى أمرهم ، وأما من لم يجيئوا بعد فلم يذكر منهم أحد. وقيل : إنما ترك ذكره احتقارا : ونقول : كيف ، والنتائج المترتبة عليه خطيرة غاية الخطورة؟! وقيل : الدجّال مذكور فى القرآن فى الآية : (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) (٥٧) (غافر) ، والمراد بالناس الدجّال ، من إطلاق الكل على البعض ، وعلى ذلك كان الدّجال من جملة ما تكفّل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتعريف به والتنبيه إليه! وهذا تبرير متهافت ، والصحيح أن قصة الدجال والأحاديث فيه من الإسرائيليات ، وتنافى العقيدة الإسلامية تماما ، ومنقولة عن أسفار اليهود والنصارى.

* * *

٤٠٥. أحاديث نزول عيسى من أحاديث آخر الزمان

أحاديث نزول عيسى عند ما تحين الساعة مثل أحاديث الدجّال ، كلها ملفّقة ، ونزول نبىّ مثل عيسى حدث لا يمكن أن يغفله القرآن لو كان حقيقيا. وقيل : بل أورده فى قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) (١٥٩) (النساء) ، وقوله : (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ) (٦١) (الزخرف) ، قيل فى معنى الآيتين : أنه ينزل فى آخر الزمان ، والأحرى بكم أن تتّبعوه وتؤمنوا به ، وفى الآية : (الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ) (١٥٧) (النساء) أن هذا الإيمان به ليس باعتباره ابن الله ، وإنما باعتباره نبيا لا غير ، ويرتبط الإيمان به بهذا الاعتبار بالقرآن وما جاء فيه عنه ، والآية إذن إخبار بأن النصارى فى آخر الزمان سيؤمنون بالقرآن وبما جاء به عن عيسى : (وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) (١٥٨) (النساء). وأما آية سورة الزخرف : (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا

٣٤٨

تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ) (٦١) فليس فيها أى دليل على نزول عيسى ، وقالوا الآية تقرأ : «وإنه لعلم للساعة» أى أمارة ، يعنى أنه من علامات يوم القيامة ، والذى قال ذلك هو الحبر ابن عباس ، وأما الجمهور فمع قراءة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «لعلم للساعة» (بالكسر) ، والمقصود أن القرآن هو علم الساعة ، لأنه الكتاب الذى أجاب عن الساعة الجواب القاطع ، ووصف أهوالها وأحوالها ، وما قاله فيها بمثابة العلم ـ علم الساعة وليس المقصود نزول عيسى. وقد اقتضى تفسير الآية بحسب معتقد النصارى ، أن كانت هناك أحاديث كثيرة تخالف القرآن وتجعل من عيسى النبىّ الخاتم وليس محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فبنزول عيسى يصبح هو آخر نبىّ يحكم فى الدنيا ، وتسود شريعته هو وتنتهى شريعة الإسلام. وأكثر من ذلك أن الأحاديث تجعل من عيسى قاتلا ، فيقتل الدجّال ، وتجعله محاربا يمسك بالسلاح ويقتل الأعداء ، وهى صورة مخالفة لطبيعة المسيح ، فهل يجوز أن تكون له الطبيعة التى نعرفها ثم يتغير هكذا تغيرا كليا إلى الضد؟ وفى الحديث : «أن عيسى أول نازل ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويقاتل الناس على الإسلام» ، وقيل : إنه يرفع التكليف!! مع أن البقاء فى الدنيا يقتضى ويحتّم التكليف! وفى الحديث : أن عيسى يؤم المسلمين بكتاب ربّهم وسنّة نبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبناء عليه قال الفقهاء ، إن الحديث نصّ على أن عيسى ينزل مجدّدا لدين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، للذى درس منه ، لا يشرّع مبتدأ ، والتكليف باق!! وهذا جميعه تلفيق من نوع الإسرائيليات. والصحيح أن العلم على الساعة ، أى الدليل والأمارة ، إما أنه القرآن باعتباره الكتاب الخاتم ، أو أنه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم باعتباره النبىّ الخاتم ، فالقرآن بشارة ونذارة بالقيامة ، وكذلك محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإن كان هناك كتاب يتحدث عن الساعة ، ونبىّ أقرب إلى الساعة ، فهو القرآن والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعلى ذلك فلا شىء فى القرآن ينبئ عن نزول عيسى أو يشير إلى ذلك من قريب أو بعيد! ويكذب من يقول بغير ذلك.

* * *

٤٠٦. ما اختصاص النبىّ بالتنبيه إلى الدّجال ونزوله؟

قيل : إن سبب تنبيه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الدجّال ونزوله ، مع أن ما تنزّل عليه من القرآن بهذا الخصوص ، لدليل أقوى دليل على تكذيب الدجّال ، بأنه إنما يخرج فى أمة محمد دون غيرها من الأمم. وقالوا : إن علم خروجه بهذه الأمة كان مطويا عنها كما طوى عنها علم الساعة ، فاختص النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بتنبيه أمته ، كما اختص بالجواب عليها فى السؤال عن علم الساعة. والأحاديث تترى تعرّف بالدجّال أنه أعور العين اليسرى ، وبعينه اليمنى عنبة ناتئة ، أو ظفرة غليظة ، ومكتوب بين عينيه كافر! ومن فتنته أن معه مثل الجنة والنار ،

٣٤٩

يمنّى بالجنة من يصدّقه ، ويتوعّد من يكذّبه بالنار ، والتى يقول إنها الجنة هى أيضا نار ، والمؤمنون يلقون منه شدّة ، وهو مختص ببلاد الإسلام ، ويدخلها جميعا إلا مكة والمدينة؟! وأخيرا يقتله المسيح فى بيت المقدس ويخلّص الناس منه ، وكل ذلك خرافات من الإسرائيليات.

* * *

٤٠٧. أحاديث يأجوج ومأجوج من أحاديث آخر الزمان

يأجوج ومأجوج اسمان أعجميان ، وقصتهما فى هذه الموسوعة ضمن باب القصص فى القرآن ، وفى الحديث أن سدّ يأجوج ومأجوج يفتح وحينئذ يكون الويل للعرب ، الصالحين والطالحين ، فالهلاك للجميع عند ما يكثر الخبث ، وهذا هو المعنى وليس كما يروّجون له من الإسرائيليات. ويأجوج ومأجوج كما فى التنزيل : (مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) (٩٤) (الكهف) وقصتهما مع ذى القرنين. ونبوءة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هى قوله : «ويل للعرب من شرّ قد اقترب» ، فخصّ العرب لأنهم كانوا حينئذ المسلمين ، إلا أن الحديث يعنى كل المسلمين ـ الأفغان والإندونيسيين والنيجيريين إلخ ، والمراد بالشر مثلما يقع الآن ، فإن الفتن تحاصرهم وتأخذ بتلابيبهم حتى يصيروا بين الأمم كالقصعة بين الأكلة ، لقوله : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها» ، فالأحاديث وآيات القرآن للتحذير ، وليست تنبؤات لأحوال المسلمين مستقبلا كما يقولون. وهى اختبار لإيمان المؤمنين ، ومن يصدّق مثل هذه الأحاديث من الإسرائيليات فلن يصمد فى الاختبار وسيفشل ، ومن يحذرها ولا ييأس فلن يحبط عمله وسيكون من الناجين ، والإيمان دائما منج.

* * *

ثانيا : الإسلام فى القرآن

٤٠٨. ما هو الإسلام

فى الآية : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (١٤) (الحجرات) ، أن الإيمان أخصّ من الإسلام ، ومن ذلك حديث جبريل حينما سئل عن الإسلام ، ثم عن الإيمان ، ثم عن الإحسان ، فترقى من الأعمّ إلى الأخصّ ، فكان الإسلام أولا ، ثم يكون الإيمان ، ثم يأتى الإحسان فى القمة. وكذلك فى الحديث ردا على سعد بن أبى وقّاص حينما قال : يا رسول الله! أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا شيئا وهو مؤمن؟ فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أو مسلم»؟ (يعني أو مسلم هو؟) فأعاد سعد السؤال ، وأعاد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الجواب : أو مسلم؟ ففرّق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بين المؤمن والمسلم ، فدلّ على أن الإيمان أخصّ من الإسلام ، وفي الآية اللاحقة على الآية السابقة يأتى تعريف الإيمان بتعريف المؤمنين ، يقول : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا

٣٥٠

وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (١٥) (الحجرات) ، فالأعراب أسلموا ولكنهم لم يصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد ، ثم فى الآية اللاحقة أن المؤمنين الكمّل هم الذين لم يتشككوا ، ولا تزلزلوا ، ولكنهم ثبتوا وصدّقوا ، ومقامهم مقام التصديق المحض ، ولذلك جاهدوا بالمال والأنفس فصدقوا أنهم مؤمنون ، ولم يتجاوزا الصدق عند ما قالوا إنهم مؤمنون. فكل من توقف عند الإسلام ولم يترقّ إلى الإيمان فهو من الأعراب ، وأما تاريخيا فهؤلاء كانوا رهطا من بنى أسد بن خزيمة ، قدموا إلى المدينة فى سنة جدبة ، وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين حقا ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا أسعارها ، وقالوا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أسلمنا وقاتلتك العرب ولم نقاتلك ، فقال : «إن فقههم قليل والشيطان ينطلق على ألسنتهم» أو قالوا : أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، فأعطنا من الصدقة ، وجعلوا يمنون عليه فأنزل الله هذه الآية والتى تليها ، قال : (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (١٧) (الحجرات). وسواء نزلت الآية فى هؤلاء من بنى أسد ، أو فى أعراب مزينة وجهينة وأسلم وغفار والدّيل وأشجع ، ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم ، فلما استنفروا تخلّفوا ، فإن هذه الآيات عامة يقصد بها المنافقون الذين يظهرون الإيمان ولم تؤمن قلوبهم ، فحقيقة الإيمان : التصديق بالقلب ؛ وأما الإسلام : فحقيقته قبول ما أتى به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وفى الحديث عند البخارى : «بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحجّ ، وصوم رمضان» والمراد بالشهادة تصديق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما جاء به. وصحة الإسلام لا تقوم إلا بالإقرار بالتوحيد. والإسلام لغة هو الطاعة والانقياد ، وفى الحديث فإن حاصل الإسلام شرعا هو الأعمال الظاهرة ، والتلفّظ بالشهادة ، والإتيان بالواجبات ، والانتهاء عن المنهيّات. والإسلام والإيمان متلازمان فى المفهوم ، سوى أن الإسلام علانية ، والإيمان فى القلب. أو أن الإسلام والإذعان مترادف ، لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد للأحكام ، أى قبولها والإيمان بها ، وذلك نفسه حقيقة التصديق ، ومن ثم فإن الإسلام والإيمان يترادفان ، وكلما أفرد أحدهما دخل فيه الآخر ، ودلّ انفراده على ما يدل عليه الآخر ، وإن قرن بينهما تغايرا.

وأصل الإسلام : أن المسلم هو الذى يحفظ الشيء سالما بتجديده وصيانته ، أى صيانة التوحيد ، وتجديد الإيمان بالله الواحد. وفى التصوف الإسلامى : المسلم هو المستسلم لله ، والمسلم نفسه لله.

والخلاصة : أن الإسلام هو خلوص العقيدة. غير أن مفهومه كان دائم التطور مع

٣٥١

الاستعمال ، فشمل القول بالإسلام الأصول الاعتقادية والفروع العملية. والأصول يقينيه ، والفروع ظنية ، والآراء فى المعتقدات تسمى مذاهب ، وكل أصحاب المذاهب وأتباعهم يعتقدون أنهم على صواب يحتمل الخطأ ، وغيرهم على خطأ يحتمل الصواب ، وقد يرى البعض أن الحقّ يتعدد فى المسائل الاجتهادية.

والإسلام يفرّق بين الجاهلية والعالمية ، فقبل الإسلام كان العرب فى بداوة جاهلية ، وبعده صاروا إلى حضارة عالمية.

* * *

٤٠٩. الدين واحد والفرق كثيرة

كان الناس أمة واحدة ، أى على دين واحد ، أو رأى واحد ، اجتمعوا عليه وأخذوا به : أنه لا إله إلا الله ، يقول تعالى : (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (٩٢) (الأنبياء) فاختلفوا وتفرّقوا ، لمّا تباين فهمهم ، وعند ما تشعبت مفاهيمهم ، فقال تعالى : (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ) (٩٣) (الأنبياء) ، يعنى تفرّقوا ، وادّعى كل منهم أنه على الحق وغيره على الباطل. وقوله «تقطّعوا» يعنى جعلوا ما كان واحدا قطعا صغيرة ، وقنع كل واحد بقطعة بعد أن كان معه الكل ، فالموحّد هو من معه الكل ، واليهودى والنصرانى ، أو المجوسى ، أو الصابئ ، إلخ ، كلّ منهم قد اجتزأ جزءا واعتقد أن معه كل الصواب ، بل أن النصارى مثلا اختلفوا فيما بينهم فصار منهم الأرثوذكسى ، والكاثوليكى ، والبروتستانتى إلخ ، وكفّر بعضهم البعض وكل هؤلاء مآلهم فى النهاية إلى الله فيقضى بينهم فيما فيه يختلفون. والآية عامة ، والحق ليس فى الدين وحده ولكنه فى كل شىء ، والتباين فيه قد يكون ظاهرة صحية ، وقد يجلّيه ، غير أن هناك اختلافا وليس تباينا ، وفيه يكون الصراع والحرب والمكيدة.

* * *

٤١٠. كان الناس أمّة واحدة

لمّا نزل آدم إلى الأرض عمرت بالبشر ، وكانوا أمة واحدة ، وقيل كان ذلك بعد نوح ، وكانوا على الإسلام لله ، ثم بعد وفاة نوح اختلفوا ، فبعث الله النبيين ، يقول تعالى : (كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) (البقرة ٢١٣) ؛ وقيل : كان الناس أمة واحدة فى خلّوهم من الشرائع ، وجهلهم بالحقائق ، لو لا أن منّ الله عليهم بالنبيين ؛ وقيل : كان النبيّون كثرا ، وقيل : جملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا ، ولا ندرى مصدرا لهذا العدد ؛

٣٥٢

وقيل : الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، وما من مصدر لهذا العدد أيضا ، والمذكورون فى القرآن بالاسم خمسة وعشرون ، أولهم آدم ، وقيل : نوح ، وقيل : إدريس ؛ وكان لكل رسول كتاب أو وصية ، واختلفت الأمم والشرائع بغيا بينهم ، إلا أمة محمد ، وذلك لأن كتابهم ظل بلا تغيير ، فى الوقت الذى حرّفت فيه الكتب الأخرى. وقيل إن الأمم كذّبت بعضها البعض ، إلا أمة محمد ، فإنها تصدّق بها جميعا. وقيل : إن الله هدى أمة محمد لمّا ضل الآخرون ، فاليهود قالوا : نحن أصفياء الله ؛ وصحّح ذلك مع أمة محمد ، فقال تعالى : إن أصفياءه هم المتقون ، ولا فرق بين أعجمى وعربى إلا بالتقوى ؛ والنصارى قالوا : المسيح ابن الله ، ولقد خلّصنا من كل خطايانا ، فلا أحد منا إلا ويدخل الجنة ، فصحّح الله تعالى ذلك مع أمة محمد فقال : إنه تعالى لا ولد له ولا زوجة ، وأنه لا يدخل الناس الجنة إلا أعمالهم ، وأن المسيح عبد من عباد الله آتاه النبوة ، فذلك هو الحق الذى أعطاه الله تعالى أمة محمد وهداهم إليه.

* * *

٤١١. الإسلام هو الخضوع والانقياد لله

فى قوله تعالى لإبراهيم : (أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (البقرة ١٣١) : أن الإسلام : هو إخلاص الدين لله بالتوحيد. «وأسلم» يعنى اخضع واخشع. وما جرى لإبراهيم فى إسلامه ينفرد به القرآن دون التوراة ، فليس من ذلك شىء فى التوراة. والإسلام فى كلام العرب : هو الاستسلام. وإسلام إبراهيم لذلك على أتم وجوهه ، لأنه استسلام لله. وليس كل إسلام إيمانا ، وليس كل إيمان إسلاما ، لأنه من يؤمن يستسلم لله ، ولكن ليس كل من يستسلم يؤمن ، فلربما يبدى الإسلام نفاقا ، أو لغرض كالزواج من مسلمة ، أو خوفا على حياته ، فلا يكون ذلك إيمانا. وفى الآية : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) (الحجرات ١٤) ، فأخبر أنه ليس كل من أسلم مؤمنا. ولما قال سعد بن أبى وقّاص للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أعط فلانا فإنه مؤمن. قال له : «أو مسلم؟» الحديث ، (يعني أو مسلم هو؟) فدلّ على أن الإيمان ليس الإسلام ، لأن الإيمان باطن ، والإسلام ظاهر. ومع ذلك فقد يطلق الإيمان بمعنى الإسلام ويراد به الإيمان ، للزوم أحدهما الآخر. وصدوره عنه ، كقوله تعالى : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ) (آل عمران ١٩).

* * *

٤١٢. أسلمت لربّ العالمين وصية إبراهيم

لما قال الله تعالى لإبراهيم : «أسلم» قال : (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (البقرة ١٣١) ، فكان

٣٥٣

الإسلام ميراثه لذريته ، كقوله تعالى : (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة ١٣٢) ، ووصيته كانت بقوله : (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) ، فوعظهم أن يقولوا «أسلمنا». وقوله وصّى فيه تكثير ، فظل يردد عليهم ذلك ويكثر من التوصية. وفى الآية أن يعقوب زاد على إبراهيم توصيفا لهذا الدين ، أنه الإسلام : الدين الصافى المصفّى ، أى الخالص من كل شائية ، والمستصفى ، أى المختار لصفاته من أى شرك. وقوله «فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون» إيجاز بليغ وفيه جماع الخير كله ، والمعنى : الزموا الإسلام ، وداوموا عليه ، ولا تفارقوه حتى الموت ، والخطاب توجيه يتضمن الوعظ والتذكير بالموت ، وأن تكون ملازمتهم للإسلام من وقت أن أمرهم به دائبا ، فلا يفاجئهم الموت إلا وهم مسلمون. وهذا الكلام عن إسلام إبراهيم ووصيته إلى بنيه لا شىء منها فى التوراة ، والاهتمام فى التوراة ليس بالدين وإنما بتاريخية شعب اليهود.

* * *

٤١٣. وصية يعقوب بالإسلام

وفى الآية : (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة ١٣٣). رصد دينى لمشهد موت يعقوب ، والاهتمام فيه بالملّة وليس بشيء آخر ، على عكس ما يرد من ذلك فى سفر التكوين ، الفصل التاسع والأربعين : أن يعقوب أوصى بنيه ، أن كل واحد منهم ، بحسب شخصيته يكون نصيبه من الدنيا ، وباركهم وأوصاهم أن يدفنوه فى القبر الذى دفن به إبراهيم وسارة وإسحاق فى مكفيلة من أرض كنعان : «فلما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه ضم رجليه على السرير وفاضت روحه وصار إلى قومه (تكوين ٤٩ / ٢٩) ، فالاهتمام بهم كجماعة وليس بالدين ، ولاحظ قوله «وصار إلى قومه» وليس «وصار إلى الله»؟! ولا نجد من مؤلف التوراة فى موقف الموت أى اهتمام بالديانة وماهيتها ، وأما فى القرآن فالقضية مختلفة تماما ، والاهتمام منصب على الدين دون غيره. والآية القرآنية ليست للتأريخ ليعقوب ، ولكنها لتصحيح الفكرة عن يعقوب كما يطرحها التوراة ، ثم إنّ أى قصة ترد فى القرآن إنما هى للوعظ والتفكّر والتدبّر ، والآية احتجاج على يهود المدينة : بأن يعقوب لما حضرته الوفاة ، قد ذكر قومه ولم يذكر الله ، ووصيته لا يمكن أن تكون وصية نبىّ. وكاتب التوراة نسى هذه الحقيقة ، ولم يذكر سوى أن يعقوب مؤسس أمة يقال لها بنو إسرائيل. فلما كانت بعثة محمد ذكر اليهود بالرسالة وهى التوحيد ، وفى الآية القرآنية خير تذكير ، والتوحيد هو فحوى شهادة الأنبياء ومضمون كلامهم. وقول أولاد

٣٥٤

يعقوب : «ونحن له مسلمون» تأكيد على أصل رسالة محمد ، وأنها الإسلام ، جعله الله الدين : (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٨٣) (آل عمران ٨٣) ، (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) (النساء ١٢٥) ، فكان الإسلام إذن ديانة إبراهيم ، ثم ديانة إسماعيل وإسحاق ويعقوب بوصية أبيهم إبراهيم ، ثم بوصية يعقوب. والتذكير لليهود فى المدينة ربما يفيد. ولم يدع محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا بالتوحيد ، فلما ذا ينكرونه؟ والشرائع قد تتباين ولكن الملة واحدة عند كل الأنبياء ، وهكذا كانت عند الآباء : إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، والأسباط ، وهى كذلك عند محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم إسماعيلىّ من نسل إسماعيل ، فهو من النسل الكريم ، والدعوة ما تزال فى سلالة إبراهيم الذى جاء فيه قوله تعالى : (أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) (الأنعام ١٤). وفى الحديث : «نحن معشر الأنبياء أولاد علّات ، ديننا واحد» ، وأولاد علّات : بنو أمهات شتى ، والعلّة هى الضّرّة ، والجمع علّات ، سميت كذلك لأنها تعل بعد صاحبتها ، والمقابل لأولاد أو بنى العلّات : أولاد أو بنو الأخياف ، أى أمهم واحدة والآباء شتى ، يقال : خيّفت المرأة بأولادها ـ أى جاءت بهم أخيافا ، من آباء شتى. وقول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الأنبياء أولاد علّات ودينهم واحد» هو قول موجز معجز ويلخص قضية الكلام فيها يطول. فلما ذكر القرآن ليهود المدينة أصل التوحيد ثنّى فقال تعالى : (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة ١٣٤) ، فنبّههم إلى أن انتسابهم لأسلافهم لن ينفعهم إذا لم يظهروا الإيمان ويفعلوا الصلاح ، فالأسلاف أمة ، ويهود المدينة أمة ، ولكل أمة أعمالها ، ولا يسألون عن أعمالهم ، فما جدوى أن ينسبوا أنفسهم لإبراهيم ويعقوب دون أن يظهروا بأعمالهم أنهم مؤمنون؟ وفى الأمثال : «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه». واليهودية والنصرانية ليستا فى الحقيقة ملّة ، كردّه تعالى عليهم فى الآية : (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة : ١٣٥) ، يعنى : يا أيها اليهود والنصارى : إن التعلّل باليهودية أو النصرانية كمنجاة لن يفيد ما لم تكونوا على الملّة الصحيحة : ملة إبراهيم وهى الحنيفية ، وما كان إبراهيم مشركا كشرككم. فهذه إذن وصية يعقوب من بعد إبراهيم ، وهى وصية محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم من بعد الآباء.

* * *

٤١٤. الحنيفية ملة إبراهيم هى الإسلام

لم تكن اليهودية ولا النصرانية ديانة إبراهيم كقوله تعالى : (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة ١٣٥) ، وكان اليهودى

٣٥٥

عبد الله بن صوريا يقول للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه ، فاتّبعنا يا محمد تهتد! وقالت النصارى مثل ذلك ، فأنزل الله الآية ، بطريقة الحوار الذى هو منهج القرآن فى التعليم والتعلّم ، على شكل سؤال وجواب ، والسؤال هو دعوتهم إلى اليهودية أو النصرانية ، والجواب : هو دعوة مضادة للعودة إلى دين الآباء الذى هو ملة إبراهيم ، سمّى حنيفا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام. والحنف : هو الميل ، ومنه رجل حنفاء ، ورجل أحنف ، وهو الذى تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. والحنف إذن : هو الاستقامة ، وسمّى المعوج الرجلين أحنف تفاؤلا بالاستقامة ، كما يقال للمهلكة : المفازة. وإبراهيم الحنيف لذلك : هو المائل عن دين الضلال إلى دين الحق ؛ والحنيفية : هى الديانة التى اشتهرت منسوبة إلى إبراهيم أبى الأنبياء ، وهى الإيمان بما جاء به ودعا إليه ومن سبقه وخلفه من الرسل ، من أولهم إلى آخرهم.

* * *

٤١٥. الحنيفية ديانة الفطرة

يقال للمؤمن : الحنيف ، والجمع حنفاء كقوله تعالى : (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ) (البينة ٥) ، أى مائلين عن الأديان كلها إلى الإسلام ، والتحنّف إلى الإسلام هو الميل إليه كقوله : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم ٣٠) ، والدين الحنيف : هو فطرة الله التى فطر الناس عليها ، وسميت الفطرة دينا لأن الناس خلقوا ليعبدوا الله ، كقوله : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات ٥٦) ، والعبادة ديانة ، وأنت لن تعبد إلا ما تعرف ، والعبادة معرفة أولا ، ومستحيل أن تعرف ذات الله ، أو تعرف الله ، ولكن يمكنك أن تعرف «عن» الله ، و «عن» أوصافه ، والمعرفة «عنه» تكون بتتبع مخلوقاته وإبداعاته ، وباستكناه أسبابه فى الكون.

«وإقامة الوجه للدين حنيفا» يعنى أن تتوجه بجميع حواسك إلى هذه المعرفة التى هى حق ، فالحنيفية ميل عن الضلال إلى الحق ، وهى ملّة المؤمنين.

* * *

٤١٦. صبغة الله الإسلام

وفى الآية : (صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ) (البقرة ١٣٨) سمّى الدين صبغة ، من حيث تظهر أعماله وسمته على المتديّن ، كما يظهر أثر الصبغ فى الثوب ، ومثلما يقال الدين فطرة الله ، فكذلك هو صبغة الله. وصبغة فى الآية منصوبة على تقدير «اتّبعوا» أو «الزموا» ، ولو قرئت بالرفع لجاز. واليهود والنصارى يولد لهم ، فيصبغون

٣٥٦

أبناءهم يهودا أو نصارى ، أى يطبّعونهم ، وأما «صبغة الله» فهى الإسلام ، لأنه دين الفطرة ، فكان ابتداء الخلق بالإسلام : يستسلمون لله. وأصل استخدام اصطلاح «صبغة» ، أن اليهود والنصارى كانوا يصبغون أولادهم فى الماء ، وهو ما يسمونه المعمودية بمختلف اللغات : Baptismus; baqtismos; baptism; baptisme; ، ثم آلت المعمودية للنصارى دون اليهود ، وكان هؤلاء وهؤلاء يقولون إن المعمودية تطهير للأبناء ، والنصارى يفعلون ذلك بعد سبعة أيام من الولادة ، بغمس الطفل فى الماء : ماء المعمودية ، فيطهّر به ، فإذا فعلوا ذلك صار الطفل نصرانيا حقا ، فردّ الله تعالى ذلك بأن الماء لا يطهّر طفلا فيجعله على دين معين ، وأن الإيمان بالدين يكون فى الرشد ، وجعل الإيمان فى الإسلام بنطق الشهادة لمن بلغ سن النضج ، فمن أراد الإسلام فليقل : «لا إله إلا الله» فهذه هى الصبغة ، وقوله لا يصح منه إلا إذا رشد وصارت له الإرادة ، وأصبح له الاختيار ، ومن ثم انتهت الآية بقوله : (وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ) (البقرة ١٣٨) ، حيث العبادة لا تكون إلا عن فهم ووعى ورشد ، وبعد النطق بالشهادة.

* * *

٤١٧. الله تعالى سمّى المسلمين

فى قوله تعالى : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج ٧٨) : أنه تعالى سمّى المسلمين بهذا الاسم ، وأجراه على لسان الأمم (الأعراف ٢١٦ ، والأنبياء ١٠٨ ، والمائدة ١١١ ، والجن ١٤) ، وحتى فرعون شهد بأنه من المسلمين (الأعراف ٩٠) ، ودعا إبراهيم وإسماعيل ربّهما أن يجعلهما مسلمين له ، ومن ذريتهما أمة مسلمة له (البقرة ١٢٨). غير أن سبق التسمية «بالمسلمين» كان لأمة محمد ، وكان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم «أول المسلمين» ، قال : (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام ١٦٣). ومعنى قوله تعالى : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (الحج ٧٨) : أنه أعطاهم هذا الاسم قبل أية أمم أخرى ، فلم يكن لأتباع أى نبىّ اسم إلا أتباع محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يذكر أى كتاب سماوى اسما لاتباع ديانة هذا الكتاب إلا القرآن ، وقبل القرآن لم يأت ذكر لاسم أية ديانة. وفى القرآن أيضا ورد لأول مرة اسم الإسلام : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ) (آل عمران ١٩).

* * *

٤١٨. الإسلام يعولم الديانة

الديانة العالمية هى دعوة المسلمين والإسلام ؛ وعالمية الإسلام توجزها الآية : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى

٣٥٧

وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة ١٣٦) ، والخطاب فيها لأمة الإسلام ، يعلّمهم ربّهم الإيمان ، وكما فى الشعار «الدين لله» ، فإن الإيمان هو التصديق بكل الأنبياء والرسل الداعين إليه تعالى ، وعن ابن عباس أنه جاء إلى النبىّ نفر من اليهود يسألونه عمن يؤمن به من الأنبياء ، فنزلت الآية تعولم الدين globalizing religion ، أى تجعله واحدا وعالمياuniversal ؛ قيل : البراهمة أتباع إبراهيم ؛ والسماعلة : أتباع إسماعيل ؛ والأساحقة : أتباع إسحق ؛ واليعاقبة أو الإسرائلية أتباع يعقوب أو إسرائيل ؛ والموسوية أتباع موسى ؛ والعيسوية أو النصارى أو المسيحيون : أتباع المسيح عيسى الناصرى ؛ فأما أتباع محمد : فهم الذين يؤمنون بالله ، وما أنزل إلى محمد ، وإلى إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، والأسباط ، وما أوتى موسى وعيسى وسائر النبيين ، لا يقدّمون أحدا منهم على أحد ، ولا يعلون أحدا منهم على أحد ، وهم المسلمون لله ، ودينهم لذلك جماع كل الديانات السابقة ، ويوجزها ويحيط بها ويختمها ، وهو الإسلام ، ونقول : إن الإسلام يعولم الديانات ، أى يجعلها ديانة واحدة ، عالمية ، وجامعة شاملة ، ويجعل إلهها واحدا.

* * *

٤١٩. أمة الإسلام شهداء على الناس

فى الآية : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة ١٤٣) أن أمة الإسلام تتوسط الأمم ، فهى بين اليهودية التى قصّرت ، وبين النصرانية التى فرّطت ، ولذا كانت هى الأمة التى يمكن أن تشهد فى الآخرة على غيرها من الأمم ، كما أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكون هو الشاهد على أمة الإسلام. وعن أنس أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مرّت به جنازة ، فأثنى الناس على صاحبها خيرا فقال النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «وجبت» ثلاث مرات ؛ ثم مرّت جنازة فأثنوا على صاحبها شرّا ، فقال : «وجبت» ثلاث مرات ، ثم قال : «أنتم شهداء الله فى الأرض» قالها ثلاثا : «من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ، ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار» ، وتلا قوله تعالى : (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة ١٤٣). وقال : «أعطيت أمتى ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء : كان الله إذا بعث نبيا قال ادعنى استجب لك ، وقال لهذه الأمة : ادعونى استجب لكم ؛ وكان الله إذا بعث نبيا قال له : ليس عليك فى الدّين من حرج ، وقال لهذه الأمة : وما جعل عليكم فى الدّين من حرج ؛ وكان الله إذا بعث نبيا جعله شهيدا على قومه ، وجعل هذه الأمة شهداء على الناس». أخرجه الترمذى. فإن كانت أمة الإسلام آخر الأمم فى المجيء إلا أنها أول الأمم فى الأفضلية ، وكما قال

٣٥٨

بلسانها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نحن الآخرون الأولون». والقول بشهادة هذه الأمة الوسط ، لأن وسطيتها تعنى عدولها ، ولا تكون الشهادة إلا للعدول من الناس ، أى المعروف عنهم العدل ، وبإجماعهم ، يعنى أن يشهد ثقات العصر ككل على من بعده من العصور ، فقول الصحابة حجّة على التابعين ، وقول التابعين حجّة على من بعدهم ، وهكذا.

* * *

٤٢٠. أركان الإسلام الخمس

فى الحديث عند البخارى عن ابن عمر : بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان» وهذه الخمس هى الأركان ، أو الأصول ، وتستفاد من الآيات المتناثرة فى القرآن ، كقوله تعالى : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) (آل عمران ١٨) ، وقوله : (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) (المنافقون ١) ، وقوله : (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ) (إبراهيم ٣١) ، وقوله : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) (البقرة ٤٣) ، وقوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) (البقرة ١٨٣) ، وقوله : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (آل عمران ٩٧). والركن الأول هو أهمها جميعا ، لأن الأربعة الأخرى سواه مبنية على الشهادة ، فلا يصحّ شىء منها إلا بعد الشهادة ، ومجموعها غير من حيث الانفراد ، وهى عين من حيث الجمع ، ومثال ذلك بيت الخيمة ، يجعل على خمسة أعمدة ، أحدها أوسط ، والبقية أركان ، وما دام الأوسط قائما فمسمى البيت موجود ولو سقط مهما سقط من الأركان ، فإذا سقط الأوسط سقط مسمى البيت ، فالبيت بالنظر إلى مجموعه شىء واحد ، وبالنظر إلى أفراده أشياء ، والأساس فيه يسمى الأسّ ، وغير الأساس هو الأركان ، وهى تبع وتكملة. والمراد بالشهادة : تصديق الرسل فيما جاءوا به ، فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات ، كالجهاد فى سبيل الله ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وعمل الصالحات ؛ واقتصاره على هذه الخمس من باب تسمية الشيء ببعضه ، كما تقول قرأت الحمد وتقصد الفاتحة ، أو تقول : شهدت بمحمد وتريد جميع ما ذكر. وإقامة الصلاة تعنى المداومة عليها ، أو مطلق الإتيان بها ؛ وإيتاء الزكاة إخراج جزء من المال على الوجه المخصوص لذلك ؛ والحج : قدّم فى الحديث على الصوم ، وعند مسلم قدّم الصوم على الحج ، ولما قال رجل لابن عمر : والحج وصيام رمضان ، قال له : لا ، «صيام رمضان والحج» ، هكذا سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

والخلاصة : أن الحديث يخصص عموم مفهوم السنّة بخصوص منطوق القرآن ، فمن يباشر ما عدّده الحديث فإسلامه صحيح ، ومن لم يباشره لم يصحّ إسلامه ، وهذا العموم

٣٥٩

مخصوص بقوله تعالى : (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ) (الطور ٢١) ، وبقوله : (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران ٣٤).

* * *

٤٢١. الإسلام : أيّه أفضل؟ وأيّه خير؟

فى الحديث عن ابن عمرو أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» رواه البخارى ، وقيل الألف واللام فى المسلم : للكمال ، كقولنا : «زيد الرجل» أى الكامل الرجولة. وفى الحديث : أن من يسلم الناس من لسانه ويده ـ مع مراعاة باقى أركان الإسلام ـ فهو من أفضل المسلمين ؛ أو أن من علامات المسلم التى يستدل بها على إسلامه أن يسلم الناس من لسانه ويده ؛ أو أن الحديث تنبيه إلى أن من يحسن التعامل مع الله فأولى به أن يحسن معاملة الناس. والحديث يخصّ المسلمين بهذه المعاملة الكريمة من المسلم ، لأنه وقت الرسول كان الكفار يؤذون المسلمين ولم يكفّوا عن إيذائهم ، فقصر القول على المسلمين دونهم ، وفى غير ذلك فإن الحديث عام ويشمل الناس جميعا ومنهم المسلمون. والإتيان بجمع التذكير فى الحديث لا ينفى شموله للمسلمات وللنساء جميعا ، وليس اقتصاره على جمع التذكير إلا للتغليب ، حيث الذكور أكثر من الإناث دائما. واختصاص اللسان بالذكر لأنه المعبّر عمّا فى النفس ، وكذلك اليد دون بقية الجوارح لأن أكثر الأفعال بها. واللسان يقول فى الماضين والموجودين والحادثين ؛ واليد تشارك اللسان بالكتابة ؛ وقد يضرب بها صاحبها دفاعا عن نفسه أو زودا عن حق ؛ وقد يخرج المرء لسانه دون القول استهزاء ؛ ومن معانى اليد المعنوية الاستيلاء على حق الغير. وفى معنى «المسلم المهاجر» أن الهجرة ضربان : ظاهرة وباطنة ، فالباطنة هى ترك ما تدعو إليه النفس الأمّارة بالسوء ، والظاهرة هى أن يفر المرء بدينه فرار المسلمين الذى هاجروا من مكة إلى المدينة ، أو فرارهم عموما بدينهم من الفتن أيا كانت. والحديث ينبّه إلى أن حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه. وفى رواية أخرى عند ابن حبان : «المهاجر من هجر السيئات ، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده» ، والمراد «بالناس» هنا كل الناس ، مسلمين وغيرهم ، وإن كان الإطلاق يحمل عادة على الكامل وهم المسلمون ، لأن الكمال فيهم ، والأولى أن يحمل المعنى على العموم.

وفى رواية أخرى للحديث عند البخارى ومسلم عن أبى موسى ، وعن أبى ذر عند ابن حبّان ، قال : قالوا : يا رسول الله ـ أىّ الإسلام أفضل؟ قال : «من سلم المسلمون من لسانه ويده» ، فبحسب الجواب فإن سؤالهم كان : أى المسلمين أفضل؟ لأنه فى الإسلام

٣٦٠

يتفاضل الناس ، وأعلاهم مرتبة من كان محسنا ، كقوله تعالى : (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) (النساء ١٢٥) ، و «دينا» يعنى إسلاما ، والجواب على هذه الآية يأتى فى الآية الأخرى ، تقول : (بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (البقرة ١١٢) ، و «الوجه» هو الذات ، وإسلامها هو درجة الإحسان بعينها ، وهى أرفع درجات الإسلام ، وصاحبها هو الأفضل ، ومن أولى خصاله : أن يسلم المسلمون من لسانه ويده.

وفى رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سئل : أى الإسلام خير؟ قال : «تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» ، وتلك خصال من خصال المسلم ، ويرتبط الحديثان : حديث سلامة اليد واللسان ، وحديث إطعام الطعام وإفشاء السلام ، فالطعام يستلزم سلامة اليد ، والسلام يستلزم سلامة اللسان. وكان السؤال عن الأفضل أو عن الخير بحسب موضوع السؤال ، فالفضل معناه كثرة الثواب فى مقابلة القلّة ، والخير بمعنى النفع فى مقابلة الشر ، والأول من الكمية ، والثانى من الكيفية ، ولذا اختلف السؤالان. ويدخل فى الإطعام الضيافة وغيرها.

* * *

٤٢٢. المسلم : من هو؟

الذين يقولون إن المسلم هو من يظهر الإسلام وإن لم يعلم باطنه يحتجّون بالآية : (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) (الحجرات ١٤) ، فلا يكون مؤمنا بمجرد أن ينطق الشهادتين ، لأنه لم تصدق عليه الحقيقة الشرعية ، لأن الأولى إطلاق اسم المسلم لا المؤمن على من لم يختبر حاله خبرة باطنة ، وما يعلم به الإسلام هو الظاهر وليس الباطن ، والمرء يحكم بإسلامه ويسمّى مسلما إذا تلفّظ بكلمة الشهادة ، ولا يسمّى مؤمنا إلا بالعمل ، والعمل يشمل عمل القلب واللسان والجوارح ، ولا يدل من كل ذلك على صدقه إلا عمل الجوارح لأنه العمل الظاهر.

والذين يقولون الإسلام قول وعمل ، يحتجون بالآية : (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت ٣٣) ، والدعوة إلى الله من العمل ، والمسلم داعية إلى الله ، ودعوته إليه بالدعوة إلى الإسلام : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ) (آل عمران ١٩) ، (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران ٨٥) ، والإسلام هو أن يسلم المرء ذاته لله : (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) (آل عمران ٢٠) ، وإسلام الوجه لأن الوجه تعبير عن سائر الذات ، ولأنه أشرف الأعضاء وأجمعها للحواس ،

٣٦١

والشاعر يقول :

أسلمت وجهى لمن أسلمت

له المزن تحمل عذبا زلالا

وكذلك إسلام الصدر ، كقوله : (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام ١٢٥) فدليل إسلام المسلم هو تلك الهداية تظهر على الوجه ، وذلك الانشراح يملأ الصدر. ولمّا سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : وهل ينشرح الصدر؟ قال : «نعم ، يدخل القلب نور» وهو معنى الآية : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) (الزمر ٢٢) ، ونقيض ذلك القاسية قلوبهم ، كقوله تعالى : (فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ) (الزمر ٢٢) ، وسأل ابن مسعود الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كيف ينشرح الصدر؟ قال : «إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح». فقال ابن مسعود : وما علامة ذلك؟ قال : «الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافى عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزوله» ، فهذه خصال ثلاث فى المسلم ، من كانت فيه فهو الكامل الإسلام. ومن لم ينشرح قلبه للإسلام فهو قاسى القلب من نوع أبى لهب ، وليس أعظم عقوبة للإنسان من أن يكون قاسى القلب! وما غضب الله على قوم كغضبه على اليهود إلا لأنهم نزعوا الرحمة من قلوبهم فراحوا يظلمون ويكذبون ، كقوله : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (الصف).

* * *

٤٢٣. حسن الإسلام

فى الحديث : «إذا أسلم العبد فحسن إسلامه ...» ، وحسن الإسلام يعنى حسن الاعتقاد وإخلاصه ، ودخول المسلم فيه بالباطن والظاهر ، وأن يستحضر عند عمله قرب ربّه منه واطّلاعه عليه ، لقوله تعالى : (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) (الإسراء ٧) أى نفع إسلامهم وحسنه يعود عليهم ، كقوله : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) (آل عمران ١٧٢) ، وقوله : (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة ٩٣) ، والإسلام مراتب ، ومرتبة المحسن هى الأفضل ، لأن المحسن يتميز بعمل الصالحات وتقوى الله ولذلك يفضّله الله بأجر الإحسان ، وفى الحديث «الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف».

* * *

٤٢٤. هل كلمة «مسلم» من «مسيلمة»؟

الغيرة من الإسلام ، والحقد على المسلمين ، هما أكثر ما يظهر من المستشرقين من الصفات

٣٦٢

النفسية ، ومن هؤلاء مرجليوث Margoliouth الإنجليزى ، وهو يهودى متنطّع يتمسح فى البروتستانتية ، وحقيقة اسمه دافيد صمويل مرجليوث ، وانطلى زيفه على العرب والمسلمين حتى أنهم عيّنوه عضوا بالمجمع العلمى العربى بدمشق ، وكان عضوا بالمجمع اللغوى البريطانى ، وجمعية المستشرقين الألمانية ، ومولده سنة ١٨٥٨ ووفاته سنة ١٩٤٠ ، وكان رئيسا لتحرير مجلة الجمعية الآسيوية الإنجليزية ، وأستاذا للعربية بجامعة أكسفورد ، ونشر بحوثا وكتبا بالإنجليزية والعربية عن الإسلام والمسلمين واللغة العربية استبان فيها تحامله على الإسلام وكراهيته للمسلمين وآدابهم ، وفضحه جهله ، ومن ذلك ادّعاؤه أن كلمة «مسلم» يرجع الفضل فيها لمسيلمة الكذّاب ، فلقد كان أتباع مسيلمة يسمون مسلمين! هذا هو ما يدّعيه ولم يسبقه إليه أحد قبله! ومسيلمة هذا قتله خالد بن الوليد سنة ١٢ ه‍ فى خلافة أبى بكر ، وكان متنبئا من المعمرين ، والعرب تتمثل به فى الكذب فتقول «أكذب من مسيلمة» ، ومرجليوث كان أكذب من مسيلمة! وكان مسيلمة يدّعى النبوة قبل الإسلام ، ولمّا بعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان مسيلمة يضاهئ القرآن ويضع أسجاعا على منواله ، والذى دعا مرجليوث إلى هذه الفرية أن مسيلمة كان هذا هو لقبه ، وكان اسمه مسلمة وصغّره المسلمون مسيلمة تحقيرا لشأنه ووضعا لحاله ، فقد كان ضئيل الجسم ، وقالوا فى وضعه : كان رويجلا ، أصيغر ، أخينس. والدليل على أن اسمه الحقيقى مسلمة أن عمارة بن عقيل أنشد فيه :

أكان مسلمة الكذّاب قال لكم

لن تدركوا المجد حتى تغضبوا مضرا

ومن كلمة «مسيلمة» أو بالأصح «مسلمة» ادّعى مرجليوث أن أتباعه اسمهم «المسلمون» ، والواحد «المسلم» ، ففضح جهله وعرّى نواياه ، لأن النسبة من مسيلمة هى مسيلمى ، ومن مسلمة مسلمى ، والجمع المسيلميون والمسلميون ، وليس المسلم ، والمسلمين! وهو شىء لا يمكن أن يخطئ فيه تلميذ يدرس النسبة من النحو العربى ، فما بالك بهذا العظيم من عظماء المستشرقين وهو يدلّس على العرب وعلى إخوانه من الدارسين ليوهمهم بأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم سرق الاسم من آخر كانت دعوته أسبق من دعوة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم! فهل كان تدليسه هذا عن جهل ، أو كان متعمدا يغالط به! وكلمة «مسلم» من الإسلام وليست من مسيلمة أو مسلمة ، وفى القرآن : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (الحج ٧٨) ، يعنى الله سمّاكم المسلمين ، «ومن قبل» ـ أى من وقت إبراهيم عليه‌السلام ، كقوله : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (البقرة ١٣١) ، وبناء عليه قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما أمره ربّه : (قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما

٣٦٣

كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام) ، فلخّص معنى الإسلام ، وفارق بين دعوة يدعو إليها مسيلمة الكذّاب ويوجزها فى كتاب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقول : «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، سلام عليك. أما بعد فإنى قد أشركت فى الأمر معك ، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشا قوم يعتدون» ، فرغم أنه يدّعى الإيمان بالله وأنه مرسل من لدنه ، إلا أنه يطالب بالشراكة مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الأمر ، وأن يقتسما فيما بينهما الأرض ، فيكون لمسيلمة نصفها ولمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم نصفها ، فهى إذن دعوة دنيا وملك وليست دعوة لله تعالى ، فانظر بما أجابه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب. السلام على من اتّبع الهدى. أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين» ، فكان ردّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن دعاه للإيمان ولله ، وشرط له السلام بأن يكون على الهدى ، وذكّره بأن الأرض يرثها الله تعالى ويعقبها للمتقين! فكان كما قال له ربّه فى القرآن : (قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (الأنعام ٧١) ، وإسلام المسلمين لربّ العالمين : بإخلاص العبادة له وحده لا شريك له. ودعوة إبراهيم ـ قبل مسيلمة الكذّاب ، وقبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) (البقرة : ١٣٨). وكلمة «الإسلام» تأتى فى القرآن ثمانى مرات ، وكلمة «مسلم» مرتين ، وكلمة «مسلمون» خمس عشرة مرة ، وكلمة «مسلمين» إحدى وعشرين مرة ، وكلمة «مسلمات» مرتين ، وإذن فهى من الكلمات الأصول ، ولم يخترعها لنا مسيلمة الكذّاب ولا مرجليوث اليهودى ، فتأمّل ذلك أيها المسلم واحفظه عن ربّك ، واسمنا هو «المسلمون» ، أسمّانا به الله تعالى وليس مسيلمة ولا مرجليوث اليهودى!!

* * *

٤٢٥. الإسلام ليس دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحده

يقول تعالى : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ) (آل عمران ١٩) ، فمن يظن أن الإسلام هو دين دعا إليه محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحده فهو مخطئ ، وفى هذه الآية يخبر الله تعالى : «أنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام ، وهو اتّباع الرسل جميعا فيما بعثهم الله به فى كل حين ، حتى ختموا بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والإسلام هو عنوان كل الرسالات منذ بدء الخليقة حتى اليوم ، فما يوجد إنسان يسلم وجهه لله إلا وسمّى مسلما ، وما اختلاف الديانات إلا كما قال تعالى : (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ) (آل عمران : ١٩) ، أى ما اختلفت الديانات إلا لمّا اختلفوا فى الحق وبغوا على بعضهم البعض ، فتحاسدوا

٣٦٤

وتباغضوا : (وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم ٣٢) ، وعندئذ قالت اليهود : (لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ) (البقرة ١١٣) ، يعنى كذّبوا بعضهم البعض وجاءوا بآيات من كتب بعضهم البعض يكذّب كل منهما الآخر ، فاليهود كفروا بعيسى مع أن عندهم التوراة وفيها البشارة بعيسى ، والنصارى كفروا بالتوراة مع أن الأناجيل فيها التصديق بها ، وكلاهما يعلم ما أتت به التوراة والأناجيل وأن لا تخالف بينها ، ومع ذلك تجاحدوا فيما بينهم ، عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد بالفاسد : (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة : ١٣٥) ، فالذى ينبغى أن يكون الأمر عليه هو الدعوة فقط للإسلام ، فلا يهودية ولا نصرانية ، فكلاهما فكر اليهود أو فكر النصارى ، والدعوة بخلاف الفكر ، فالدعوة لله ، والفكر للبشر ؛ ومضمون الدعوة أن لا إله إلا الله ، فهذا معنى الإسلام الذى كان ينبغى أن يدين الناس به ، وأن يقرّوا به جميعا منذ آدم وحتى إبراهيم وما بعده : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (البقرة ١٣١) ، فكانت وصيته الإسلام للكافة من بعده : (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة ١٣٢) ، و «بها» أى بكلمة «لا إله إلا الله» ، فما كان إبراهيم : (يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (آل عمران ٦٧). والحنيف المسلم : هو المتحنّف عن الشرك المستمسك بالإسلام ، كقوله تعالى : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (البقرة ١٣٠) ويسفّه نفسه أى يظلمها ، وملة إبراهيم هى قوله تعالى : (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (البقرة ١٣١) ، (وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ) (الزخرف ٢٨) أى إسلامه لله ، جعله شهادة دائمة فى ذريته ، واصطلاح الإسلام جاء من ذلك : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (الحج ٧٨) ، والضمير عائد إما على إبراهيم بقوله «أسلمت لرب العالمين» ، وإما إلى الله تعالى بأن أطلق على المؤمنين بهذا الدين اسم المسلمين. ومع ذلك لم يظهر الاسم جليا صريحا إلا فى دعوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان أول من نبّه إلى اسم الإسلام لمسمى الدين ، قال : (إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام) ، فكان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وليس غيره ، يدعو ويقول : «أصبحنا على ملة الإسلام وكلمة الإخلاص وملة أبينا إبراهيم وما كان من المشركين» فلما سألوه عن الإسلام الذى هو ملّة إبراهيم ، قال فى التعريف به : «الحنيفية السمحة». وكلمة الإخلاص فى الحديث هى «لا إله إلا الله» ، «والحنيفية السمحة» هى التحانف عن الشرك كما قلنا ، ووصف هذه الملّة بأنها

٣٦٥

سمحة ، يعنى لا تعصّب ولا تزمّت فيها كالذى عند اليهود والنصارى. والإسلام هو الوسطية ، وأمة الإسلام هى الأمة الوسط ، كقوله تعالى : (جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة ١٤٣) ، فهى الأمة السمحة التى تتوسط بين إفراط اليهودية وتفريط النصرانية ، والوسط فى الفلسفة هو الخيار والأجود ؛ وفى الشهادة الوسط هو العدل ، فلأن الإسلام هو هذه الحنيفية السمحة كان أهله هم أهل الشهادة على الأمم.

والخلاصة : أن الإسلام هو العنوان الكبير لكل الديانات التى تدعو إلى الله بالحقّ ، فمن كانت تلك دعوته فهو مسلم ، ولذا جاء فى القرآن عن التوراة قبل تحريفها : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ) (المائدة ٤٤) ، فقال فيها قولا حسنا ، وجاء كذلك عن الإنجيل قبل أن يعبث به الرواة والكاتبون : (الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ) (المائدة ٤٦) ، فساوى بين التوراة والإنجيل ، وجعل فيهما الهداية لليهود والنصارى ، وجعلهما نورا يستضيئون بهما ويمشون على هديهما ، ولكن المشكلة أنهما ما عملا بالتوراة والإنجيل ، ولذا قال لهم : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) (المائدة ٦٨) ، وقال : (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) (المائدة ٦٦) ، ولو لا ذلك ما أنزل القرآن ولا بعث محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلمّا بعثه قال فى الكتب الثلاثة : (وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ) (التوبة ١١١) فقرن بينها ؛ وساوى بين دعواتها ، فهى جميعا نسخا من أصل واحد هو الإسلام ، وهو الدين الذى يدعو إلى الله : (أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء ٢٥) ، وفى الحديث : «نحن معاشر الأنبياء أولاد علّات ، ديننا واحد» ، يعنى أن الدين عند جميع الأنبياء هو الإسلام ، وهو الدعوة إلى الله ، وإن اختلفت الشرائع وتنوعت المناهج» والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٤٢٦. الإسلام يئس منه أعداؤه

الآية : (يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ) (المائدة ٣) نزلت حين فتح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع أو ثمان ، ونادى فيها مناديه : «من قال لا إله إلا الله فهو آمن ؛ ومن وضع السلاح فهو آمن ؛ ومن أغلق بابه فهو آمن» ، وحينئذ استشعر أعداء الإسلام اليأس من أن يتحول المسلمون عن دينهم ، أو يداخلهم إزاءه الشك كما يتمنون ، ومنذ البداية كانت تلك أمنيتهم ، وذلك هدفهم ، فعملوا على أن لا يكون المسلمون على ثقة من أمرهم ، فى أىّ من شئون دينهم ، وما تزال تلك غايتهم من منافحاتهم المستمرة ، ومنازعاتهم الدائبة مع المسلمين ، وأخصّهم «المستشرقون» ، سواء من

٣٦٦

الأوروبيين وغيرهم من أهل الكتاب ، أو المستغربين من العرب والمسلمين من أهل النفاق ، الذين نهلوا من الثقافات الغربية ، وتركوا ثقافتهم وهويتهم العربية والإسلامية ومن هؤلاء أصحاب دعاوى العلمانية والعولمة والتنوير والعقلانية. وترتب يأس هؤلاء منذ عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، من إصرار المسلمين على طريقتهم. واليأس فيه لغتان ، تقول يئس وييأس يأسا ، كما تقول أيس ويأيس إياسا. وهم قد يأسوا أو أيسوا من أن يغروا المسلمين أن يرجعوا عن دينهم ، وأن يتركوا طريقتهم. وفى الحديث فى الصحيح : «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون فى جزيرة العرب ، ولكن بالتحريش بينهم» ، وخصّ المصلين لأن الصلاة هى خصيصة المسلمين الأولى وطريقتهم المثلى فى دينهم ، وقد عمّ الإسلام الجزيرة العربية ، أو بالأحرى المعمورة ، فحيثما كانت للصلاة قائمة كان يأس أعداء الإسلام أن يحوّلوا المسلمين عن دينهم ، فلم يبق لهم إلا أن يحرّشوا بينهم ، ويؤلّبوهم على بعضهم البعض ، يقال حرّش بين القوم ، يعنى أغرى بعضهم ببعض ، لهذا كان أمره تعالى للمؤمنين بالصبر والثبات ، وأن لا يداخلهم الخوف من أعداء الإسلام ، كقوله : «فلا تخشوهم واخشون» (المائدة ٣) ، أى لا تخافوهم فى مخالفتكم إياهم ، واخشونى انصركم عليهم ، وأؤيدكم ، وأظفركم بهم ، وأشف صدوركم منهم ، وأجعلكم فوقهم فى الدنيا والآخرة ، قال :

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) (القصص ٦) ، وقال : (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا) (الأعراف ١٣٧) ، وقال : (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها) (الأحزاب ٢٧).

* * *

٤٢٧. المسلم لا يكفّر إلا بالشرك

القرآن والحديث واضحان فى ذلك تمام الوضوح ، فالله تعالى يقول : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) (النساء ٤٨). وفى الرواية عند الطبرى : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تلا : (إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) (الزمر ٥٣) فقال له رجل : يا رسول الله! والشرك؟ فنزل : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) (النساء ٤٨) ، والآية من المحكم الذى لا اختلاف فيه ، والذنوب من أمور الجاهلية ، ولا يكفّر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك ، ومن ذلك قول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأبى ذرّ لمّا عيّر الرجل بأمه : «إنك امرؤ فيك جاهلية» ، لأن ما فعله ، من الذنوب ، والذنب يتأتّى : من ترك واجب أو القيام بفعل محرّم. والذنوب من أخلاق الجاهلية ، والشرك أكبر الذنوب ، ولهذا استثناه ، فقال : (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ

٣٦٧

يَشاءُ) فيجعل ما دون الشرك تحت إمكان المغفرة ، وفى مشيئة الله ـ إن شاء عفا عنه ذنبه ، وإن شاء عاقبه عليه. والشرك أخصّ من الكفر ، وقد ميّز الله تعالى بينهما فقال : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ) (البينة ١) ، ومن بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك لا يخرج عن الإيمان ، سواء كانت من الصغائر أم الكبائر. والمؤمن إذا ارتكب ذنبا لا يكفّر ، وقد أبقى الله عليه اسم المؤمن ، فقال : (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) (الحجرات : ٩) ، ثم قال : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات ١٠) وفى الحديث : «إذا التقى المسلمان بسيفيهما» فسمّاهما مسلمين وإن توعدهما بالنار. وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأبى ذرّ : «فيك جاهلية» ، أى خصلة جاهلية ، مع أن أبا ذر كان فى الإيمان فى الذروة ، ولكنه حذّره ، لأن وقوع ذلك من مثله يستعظم أكثر ممن هم دونه.

* * *

٤٢٨. المرتد عن الإسلام

الارتداد عن الإسلام : هو الرجوع عنه إلى غيره ، وأهل الرّدّة كانوا بعد موت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وآيات الردة فيها إعجاز ، لأنها أخبرت عن شىء لم يكن قد وقع بعد أثناء حياته ، فكان ذلك إخبارا عن غيب ، والذين ارتدوا قسمان : قسم نبذ الشريعة كلها وخرج عنها ، وقسم نبذ وجوب الزكاة وعمل بغيرها من أركان الإسلام ، وقالوا : نصوم ، ونصلى ، ونحج ، ولا نزكّى ، فقاتلهم أبو بكر جميعا ، وقيل لم يكن على أبى بكر أن يقاتلهم ، لأنه لا إكراه فى الدين. والمرتد ـ فى التحليل النفسى الإسلامى إنسان مضطرب الوجدان ، لا هو مع هؤلاء ولا مع هؤلاء ، ويتوجه همّ اليهود والنصارى إلى أن يردّوا عن المسلمين دينهم بالكلية. وقام التبشير الكاثوليكى بدءا من سنة ١٦٣٤ بأكبر عملية غزو فكرى لعقول المسلمين البسطاء ، بهدف أن ينبذ المسلمون شهادة : «لا إله إلا الله» ويقرّوا بدلا من ذلك بأن المسيح ابن الله ، وينشط اليهود ، وتحتال مخابرات الأطلنطى ومخابرات أمريكا إلى إلغاء دراسة الدين فى المدارس ، وإغلاق المعاهد الدينية ، والقرآن سبق إلى توصيف هذه الحالة بأنها اضطهاد دينى ، فقال : (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة ١٢٠) ، وقال : (وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (البقرة ٢١٧). والمرتد عن دينه بحسب الإسلام ، يحبط عمله أى يفسد ، لتشوّش تفكيره وعدم استقرار انفعالاته ، والحبط : هو الفساد يلحق بكل شىء حتى يقضى عليه ، والآية تحضّ المسلمين ليثبتوا على الإسلام ، وتهدد من ينتوى الرّدة. وقيل :

٣٦٨

المرتد يستتاب فإن لم يتب يقتل ، وليس فى الآية من ذلك شىء ، بل فيها أن يظل حيا إلى أن يحاسبه الله. وقيل : المرتد يعامل كالحربى وليس كواحد من أهل الذمة ، فإنما جعلت للذمى الذمة على الدين ، والمرتد لم يعد صاحب دين ، فلا هو صار يهوديا حقا ، ولا نصرانيا صحيحا ، ولا مسلما مؤمنا. والمرتدة : تعامل نفس المعاملة. ومن قال إن المرتد يقتل لم يقل وتقتل المرتدة. والنساء والصبيان منهىّ عن قتلهم أصلا فى الإسلام ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ...» الحديث ، لا يعنى أن قتله لارتداده وإنما لأنه صار من الأعداء ، فطالما هو كافر سيكيد للمسلمين ، وسيحاول أن يوقع بهم. وقد يرتد المسلم ، ثم يعود إلى الإسلام. وقوله تعالى : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (الزمر ٥٦) خطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمراد أمّته ، لأنه يستحيل منه الردة شرعا. والآية فيها تغليظ على الأمّة وبيان أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على شرف منزلته ، لو أشرك لحبط عمله ، فكيف بقية الناس؟! وفى هؤلاء قال : (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ) (محمد ٢٥) ، والمقصود بهم المنافقون ، فلا يحبط عمله إلا المنافق ، ولا يرتد عن دينه إلا منافق ، وهؤلاء زيّنت لهم نفوسهم المريضة أن يناقضوا أنفسهم ، ومدّ لهم الشيطان فى الأمل. وتمنّى جماعات التبشير من يرتد من المسلمين فى بنجلاديش وفى أفغانستان ، وفى مثل ذلك كانت الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة ٥٤) ، فكأن الآية إرهاص وبشارة بما حدث من بعد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا ارتدّ المرتدّون ، فقد جىء بقوم آخرين أسلموا خير إسلام ، قيل هم أهل اليمن والأشعريون ، فجاهدوا وفتحوا الفتوح ، ووصفتهم الآية أنهم أذلة على المؤمنين وأعزّة على الكافرين ، يرأفون بالمؤمنين ويرحمونهم ويلينون لهم ؛ ويغلظون على الكافرين ويعادونهم ،. وما من مرة ارتدّ فيها مرتدّون عن الإسلام إلا ودخل الإسلام آخرون كانوا أفضل وأحسن ، وصفهم ربّهم فقال : (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) (الفتح ٢٩) ، وأبرز ما يسمهم هو حبّهم للجهاد وحرصهم عليه ، لا يخافون فيه لومة لائم ، بخلاف المرتد المنافق الذى يخاف الدوائر ويطمع فى الدنيا.

* * *

٤٢٩. الإسلام يهدم ما قبله

الحديث : «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله»؟ رواه مسلم ، يفسّر الآية : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ

٣٦٩

وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) (الأنفال ٣٨) ، وفيها يأمر الله تعالى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقول للكفّار هذا المعنى بذات العبارة أو بغيرها ، ليكون ذلك أقرب إلى دخولهم فى الدين ، وأدعى إلى قبولهم لكلمة الإسلام. ولو علموا أنهم يؤاخذون على ما كان منهم فى وقت كفرهم لما تابوا ولا أسلموا. والقرآن على التيسير لمصلحة الناس ، ومقولة الله تعالى : أن التنفير مفسدة للخليقة. ولمّا جاء إلى ابن عباس رجل لم يحدثه أنه قتل أحدا ، ولكنه سأله : هل لقاتل من توبه؟ فقال له : «لا توبه له» ـ يخوّفه تحذيرا : فلمّا جاءه من قتل نفسا وسأله : هل لقاتل من توبة؟ قال له ابن عباس : أجل لك توبة ، قال ذلك تيسيرا وتأليفا.

* * *

٤٣٠. أول من أظهر الإسلام سبعة

ومعنى «أظهروا الإسلام» جاهروا به وأعلنوه. والمسلمون كثر ، وتجاوزوا الآن المليار ، ولكل شىء بداية ، وفى بداية الإسلام كان عدد الذين أضمروا الإسلام قليلا جدا ، ومع ذلك فإنهم كانوا أكثر ممن آمنوا بموسى أو بعيسى فى بداية الدعوة ، ويذكر التاريخ أن المسلمين الأوائل ممن جمعوا بين الإيمان والإسلام كانوا سبعة ، هم : رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأبو بكر ، وبلال ، وخبّاب ، وصهيب ، وعمّار ، وسميّة أم عمّار ، فهؤلاء هم الأوائل المؤسسون ، وكانوا مؤمنين ومسلمين.

* * *

انتهى الباب الثالث بحمد الله ومنّته ، ويليه الباب الرابع «الإسرائيليات»

* * *

٣٧٠

الباب الرابع

٤٣١. الإسرائيليات والشبهات والإشكالات

* * *

الإسرائيليات : ما المقصود بها؟ ومن هم واضعوها؟ وهل أضرّت بالإسلام أم أنها أثرته؟ وهل هى مباحة ومسموح بها؟

والإسرائيليات مفردها إسرائيلية ، وهى الخبر يروى عن مصدر إسرائيلى ، والنسبة إلى «إسرائيل» المشهور باسم «يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» ، والإسرائيليون ينسبون إليه ، وتنسب إليه مختلف الأقوال التى أدخلها المسلمون وغير المسلمين فى الإسلام ، عن مصادر أو مزاعم يهودية أو نصرانية ، حيث أن كتب «العهد القديم» هى المرجع لكل ما استدخله اليهود والنصارى على السواء. واشتهر عند الغيورين من الإسلاميين أن يطلقوا على جميع ما يستدخل من أفكار أو حوادث أو روايات يدسّها اليهود أو النصارى اسم الإسرائيليات ، ودأبت الكتب التى تناقش الإسرائيليات على أن تمايز بين ما كان منها صحيح فى إسناده ومتنه ، وما كان ضعيفا. ولكننا وقد تعلمنا اللغات ومنها العبرية ، وصارت لها كليات يتخرّج منها المئات من الطلبة والطالبات سنويا ، قد رجعنا إلى كتب التوراة والأناجيل فما وجدنا مما ينسب إليها أنه صحيح الإسناد أو المتن ، أنه صحيح فعلا ، ومن ذلك الكتب الثقات كالبخارى ، وفيه مثلا عن الآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (٤٥) (الأحزاب ٤٥) أنها فى التوراة : «يا أيها النبىّ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين. أنت عبدى ورسولى ، سمّيتك المتوكل ، ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب بالأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا لا إله إلا الله ، فيفتح به أعينا عميا ، وآذانا صمّا ، وقلوبا غلفا» ـ ولا يوجد من ذلك شىء البتة فى التوراة!! وحتى ما ذكر فى أشعياء (٤٢ / ٤٠٠١) بعيد كل البعد! والحديث من الإسرائيليات ، لأنه يحيل إلى التوراة حتى لو كانت إحالته زائفة.

ومثال آخر عن الإسرائيليات ضعيفة الإسناد أو المتن ، هذا الحديث ، رواه ابن كثير عن كعب الأحبار وأبدى موافقته عليه : أن الملائكة اختاروا منهم اثنين ليهبطا إلى الأرض يرصدان ما يأتى البشر من الذنوب ، فاختاروا «هاروت وماروت» ، وحذّروهما أن لا يزنيا ولا يشربا الخمر ولا يشركا بالله. فما أمسيا من يومهما الذى أهبطا فيه حتى كانا قد ارتكبا كل ذلك! ـ وانتقد الكثيرون الإسرائيليات لمخالفتها للعقل ، وما كان أحرى بالمسلمين أن يعرضوا كل ما يقال على العقل أولا ، بدلا من الاكتفاء بتوثيقه عن طريق العنعنة والنقل عن الرواة الموثوقين.

٣٧١

وبعض هذه الإسرائيليات يتوافق مع الشريعة ولكنه مع ذلك منحول وليس من التوراة فى شىء ، وبعضها مخالف للشريعة كالحديث عن الزانى والزانية ، وما قال به عبد الله بن سلام ، وتأكيده على آية الرجم ، مما ترتب عليه أن وضعت أحاديث فى الرجم ، والرجم يخلو منه القرآن ، وليس من الإسلام فى شىء. وما كان من المعقول أن يرد عن جلد الزانى والزانية فى القرآن ولا يرد الرجم ، فالأولى والأهم أن يأتى عن الرجم لا عن الجلد!

وبعض هذه الإسرائيليات فيه تنطّع ولا فائدة منه إطلاقا ، كالقول فى أسماء أهل الكهف ، وعددهم ، واسم كلبهم ، أو القول فى اسم الذى حاجّ إبراهيم فى ربّه ، والادّعاء بأن الله عاقبه ، بأن أدخل بعوضة فى منخرة ثم خياشيمه ودماغه ، فصارت ترف بأجنحتها فيه فيتعذّب أشد العذاب!

وإنما نحن فى زماننا هذا ومنذ ابن حزم وغيره ، لدينا ما يسمى «علم المقارنة بين الأديان» ، فنعرض النصوص عندنا وعندهم لنرى أيهما الأفضل أو الأولى بالاتّباع وما تحصّل من تطور فى الفكر والتطبيق. وليس ذلك ضمن ما اصطلحوا عليه باسم الإسرائيليات التى هى مستدخلات فى الإسلام ، عن طريق يهود أو نصارى أو زنادقة أو رواه مدلّسين ، أسلموا أو لم يسلموا ، وأذاعها عنهم مسلمون ، كما كان الصوفية يفعلون ، وهؤلاء نشروا عن أنبياء اليهود والنصارى وأحبارهما حكايات ، يمكن الموافقة عليها والقبول بها ، لو كانت ضمن باب الحكم والأمثال ، والتربية الأخلاقية ، أو غير ذلك من الموضوعات ، مما يوسّع الأفق ويزيد المعارف ؛ أما إن كانت تفسيرا للقرآن ، أو أن تنسب إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهذا هو المرفوض ، فلم تكن الإسرائيليات مرجعيات دينية ولا تاريخية ولا علمية ، ولكنها مدلّسات وخرافات ، بعضها كتب اليهود ، وبعضها لا أصل له سوى شروح اليهود على كتبهم ثم استدخلت فى الإسلام. ومما نسب إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو الصحابة ، أحاديث أو خرافات الدجّال الأعور ، ورجوع المسيح ، والمعركة الوهمية التى سيقودها ، وحكومته العادلة ، وألفيّته الموعودة ، فذلك تراث يهودى ونصرانى محض وليست له أصول إسلامية من العقيدة ، ولم يتنزّل به القرآن ، ولو كان صحيحا لكان الأولى أن يتنزّل به بدلا من كثير من القصص الأقل أهمية فى القرآن.

وساعد على نشر الإسرائيليات أن المجتمع العربى أو الإسلامى كان قريب العهد بالإسلام ، والأقرب إلى ذهنه أن يتقبّل ما يروى له مما يعرف من سالف عقائده باعتباره من عقائد الإسلام. وقد كانت العرب أمّة أميّة ، ولم تؤخذ بالتربية الناقدة التى تتعلم منها أن تمايز بين الأشياء ، وتمحّص الوقائع ، وتختبر الكلام ، وتنحّى الزائف المنتحل منه ، فذلك ما

٣٧٢

روّج للإسرائيليات ، وبعض الذنب يقع على العرب والمسلمين ، وكل الذنب يقع على المغرضين من أصحاب هاتين الديانتين اليهودية والنصرانية الذين غرروا بالمسلمين.

ولقد آن الأوان أن يشمّر المسلمون عن سواعدهم ويغربلوا كتب التراث ويستبعدوا من طبعاتها اللاحقة كل هذا الوسخ من الإسرائيليات. وإن المرء ليحار : لما ذا لم يتعهد بذلك الأزهر حتى الآن؟ ولما ذا لم تتوجه رسالات الماچستير والدكتوراة فيه إلى تنقية وتطهير التراث مما يشينه من هذا العار؟؟ .. هذا سؤال يحتاج إلى الجواب!

ويبدو أن البعض قد حلّ الإشكال بأن استمسك بأحاديث تجيز أن يستعين بالإسرائيليات وأن يستشهد بها ، ويحضّ على القراءة فى كتب اليهود والنصارى ، ومنها أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد حكى عن تميم الدارى ـ وكان نصرانيا ـ أنه حدّثه حديثا يوافق ما كان يتحدّث به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن المسيح الدجّال ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : بلّغوا عنى ولو آية ، وحدّثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. ونحن نشك فى الجملة الاعتراضية «حدّثوا عن بنى إسرائيل» ، لأنها زائدة على النصّ ، ولا تتوافق مع بدايته ونهايته ، فكأنما هى محشورة قصدا ، وموضوعة عمدا. وجواز اللجوء إلى الإسرائيليات شرطه أن تكون هذه الإسرائيليات صحيحة ومن كتب اليهود فعلا ، ولا تكون تلفيقات وتهاويم وخرافات. وإيراد الإسرائيليات يحكمه أن يتحصّل من روايتها فائدة ، وأن يكون الحال يستدعيها. والاطّلاع على كتب الديانات الأخرى لا بد أن يكون مباحا وميسرا ، والنهى عنه مضاد للعلم ، والسماح به يوسّع المدارك ويزيد المعرفة ويعمّق الفهم. وقد وردت أحاديث تحذّر من الإسرائيليات كالحديث الذى رواه أحمد والبزار ، يقول : «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيئ فإنهم لن يهدوكم وقد ضلّوا ، وأنكم إما أن تكذّبوا بحق أو تصدّقوا بباطل» ، وفى البخارى عن أبى هريرة قال : لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا : (آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا ....) (الآية ـ البقرة ١٣٦).

والأحسن فى باب النظر أن يقرأ المسلمون فى اليهودية والنصرانية فيعرفوا بأنفسهم أوجه النقص فيها وما يكتنفها من معايب ، وفى الجدل مع أهل الكتاب ليس من سبيل إلا أن نعرف عنهم من مصادرهم ومراجعهم فنرد عليهم بما يعتقدون صحته ، ونلزمهم الحجة بعباراتهم. وإن المرء ليتشكك فى حديث كهذا الحديث عن الرجل الذى جاء إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول له : إنى قرأت القرآن والتوراة. فقال له : اقرأ هذا ليلة وهذا ليلة! ومثل ذلك لا يقال لآحاد الناس وإنما للثقاة ، ثم إنه قد ثبت موضوعيا وعلميا تحريف التوراة والأناجيل فلا يستوى القرآن بهما. وربما الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحضّه على القراءة فى التوراة ليعلم المحرّف

٣٧٣

فيها مقارنة بالقرآن ، ويتبصّر فيما تقوم به الحجة على اليهودية من عباراتها ، وليزداد علما بمجادلتهم من معتقدهم. والعلم أفضل من الجهل. وإذا كان الحديث الذى يقول : و «حدّثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج» صحيحا فمعناه حتما : حدّثوا عنهم بما تعلمون صدقه ، وبما يوافق القرآن والسنّة الصحيحة. ولا يمكن أن يكون المعنى حدّثوا عنهم بكل حديث حق أو باطل. وأما قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم» فذلك حتما فيما لا يتناقض مع الإسلام ، وليس من سماعه ضرر ولا نفع. وقيل إن النهى عن الرجوع إلى كتب اليهود والنصارى كان فى أول الإسلام ، فلما رسخ الناس فى علوم الشريعة وتمكنوا من معرفة أصولها ، وصار لديهم من قوة النظر ما يؤهّلهم للتمييز بين الحق والباطل ، وتتنامى به لديهم المناعة ضد الخطأ ، أبيح لهم الأخذ عنهم ومطالعة كتبهم. ولا شك أن النهى كان للتنزيه لا للتحريم. وما كان الرجوع إلى كتبهم المحرّفة وفيها ما فيها من الزيادة والنقص ، إلا سيحدث البلبلة ويؤدى إلى كثير من الفساد.

وفى الحديث : «لا تسألوا أهل الكتاب عن شىء ، فيخبروكم بحقّ فتكذّبوا به ، أو بباطل فتصدّقوا به» ، أن الخشية من أن يكذّب المسلم بحق ، أو يصدّق بباطل ، إلا لو كان عالما ، فهذا هو الذى بمأمن من ذلك. والجائز الرواية عنهم فيه هو المحمول على ما يمكن أن يكون صحيحا ؛ وما يعلم أو يظن بطلانه لمخالفته الحق ، هو المتروك المردود عليه ، أو الذى لا يعرّج عليه. والنهى عن سؤالهم هو نهىّ عن الاهتداء بهم لتحريفهم بعض ما عندهم ، ونسيانهم بعض ما أنزل عليهم. وقد نهى عمر كعب الأحبار عن رواية الإسرائيليات ، لأنه خشى على سواء الناس إن سمعوا أحاديث كعب ، أن لا يميزوا فيها بين الحق والباطل ، فتتشوّش عقيدتهم ويهتز إيمانهم.

ويروى ابن تيمية أن ترديد الإسرائيليات إنما للاستشهاد لا للاعتقاد ، فما نعلم صحته مما بأيدينا ويشهد له بالصدق فهو صحيح ، وما نعلم كذبه بما عندنا مما يخالفه فهو متروك مردود. وما لا ضرر منه ولا نفع ، نسكت عنه فلا نؤمن به ولا نكذّبه ولا ننقله ، وإن كنا نسمعه. ويذهب ابن كثير إلى نفس الرأى كأستاذه ابن تيمية ، ويبيح النقل من الإسرائيليات فى حدود ما أذن الشارع فى نقله مما لا يخالف الكتاب والسنّة. والإمام البقاعى لا يحظر النقل طالما المقصود الاستئناس لا الاعتماد ، والأسلم هو أن نقرأ وأن نلم بمعتقد اليهود والنصارى ولا ننقل البتة ، وإنما نقارن ونوازن. والمعروف عن اليهود أنهم أدخلوا الإسرائيليات فى الإسلام للهيمنة على هذا الدين الجديد بعد أن عجزوا عن دحره بالقوة المادية. وأدخلوها عن طريق مسلمين كبار ينكر الكثيرون أنهم قالوا بها أو ذكروها ، ومن

٣٧٤

المتهمين بالإسرائيليات ابن عباس ، قيل أنه كان يرجع إلى كعب الأحبار وعبد الله بن سلام اليهوديين ، ويسألهم فى معانى ألفاظ القرآن ، ومع ذلك فإن ابن عباس أثر عنه ـ برواية البخارى ـ أنه حذّر من الأخذ عن اليهود ، فقال : كيف تسألون أهل الكتاب ، وكتابكم الذى أنزل على نبيّكم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيه أحدث الأخبار بالله تقرءونها عن كثب ، وقد حدّثكم الله أن أهل الكتاب بدّلوا ما كتبه الله ، وغيروا بأيديهم الكتاب ، وقالوا إنه من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟ أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم. ولا والله ما رأينا منهم رجلا قط يسألكم عن الذى أنزل عليكم؟!

وفى الحديث كما فى القرآن تسرّبت الإسرائيليات ، مثل الحديث : «عمر الدنيا سبعة آلاف سنة» ، والحديث : «بين كل أرض والتى تليها خمسمائة عام ، والعليا منها على ظهر حوت» ، والحديث : «فى الجنة شجرة يخرج منها خيل بلق» ، والحديث : «من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه مرجان»!

وقيل : إن مدخل الإسرائيليات فى الأحاديث هم الزنادقة ، وكانوا يدسّون الأحاديث المستشنعة ، فمثلا يقولون أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم سئل : ممّ ربّنا؟ قال : «من ماء ممرور ، لا من أرض ولا سماء ، خلق خيلا فأجراها فعرقت ، فخلق نفسه من ذلك العرق»!!!

وكذلك فإن القصّاصين أدخلوا على الإسلام حكايات نسبوها إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يستميلون بها العامة ، ويستدرّون ما عندهم بالمناكير والغريب والأكاذيب.

وأيضا فإن بعض علماء المسلمين كانوا يتورطون فى مثل ذلك دون أن يدروا ، برفع الموقوف على الصحابة والتابعين إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولقد كان الصحابى أو التابعى ينقل ما مصدره الإسرائيليات من غير بيان ، فيغتر بعض الناس ، فيظنون أنه لا بد أن يكون الحديث له أصل مرفوع إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيعدّون الحديث من الموقوف الذى له حكم المرفوع ، حتى لقد قال بشر بن سعيد وقد استشنع ما يسمع : اتقوا الله وتحفّظوا من الحديث ، فو الله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة ، فيحدّث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويحدّثنا عن كعب الأحبار ، ثم يقوم ، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن كعب ، وحديث كعب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاتقوا الله وتحفّظوا فى الحديث!

وفى تفسير القرآن من أمثلة ذلك تفسير الآيتين : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (١٩٠) (الأعراف) ومعناهما : أن الله يجعل الانجذاب بين الاثنين ـ

٣٧٥

الذكر والأنثى ـ بمثابة النفس الواحدة ، وهو تعالى خلق النفس الواحدة ويشقّها إلى اثنين ، فجعل الأول زوجها ، والأصل الذكورة ومنها الأنوثة ، وسكينة الذكورة بالأنوثة ، والسكينة تصنع المحبة ، فإذا كانت المحبة كانت التغشية ، فيكون الحمل الخفيف ، وتمر به الأنثى ، ثم يثقل ، فيدعوان الله أن يكون طفلهما سويا ، فإذا خرج كذلك كان الأولى أن يشكرا الله ، ولكنهما أشركا فى طفلهما غير الله ، بتعليم مناف لتعليم الله. وعند الإمام أحمد عن الحسن عن سمرة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لما ولدت حواء طاف بها ـ إبليس وكان لا يعيش لها ولد ـ فقال : سميّه عبد الحارث فإنه يعيش ، فسمّته عبد الحارث فعاش ، وكان ذلك من وحى الشيطان وأمره» ، فنسب الحديث إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأورده الإمام أحمد طالما أن إسناده إلى الحسن. والحديث من الإسرائيليات ، وهو موقوف على صاحبه سمرة ، فرفعه الإمام أحمد إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والحديث يطعن فى آدم وحواء مع أن الآية لا تقول ذلك ، والمقصود بها أن الناس عموما صار هذا دأبهم : أن يشركوا بالله برغم ما يأتيهم من النّعم. وقال ابن كثير عن مثل ذلك الحديث : هذه الآثار يظهر عليها أنها من آثار أهل الكتاب!!

وهذه الإسرائيليات أو هذا الانتحال ، والتفسير بمنهج الإسرائيليات ، انتشر حتى عمّ وطمّ ، ولمسناه فى كتب التاريخ وفى السّير ، وتساهل الأخباريون والمؤرّخون فيما تناقلوه من روايات إسرائيلية مكذوبة ، حتى أن الإمام أحمد علّق على ذلك فقال : «ثلاثة كتب ليس لها أصل : التفسير ، والملاحم ، والمغازى ـ يقصد أن مصادرها غير مدقّقة ، وخاصّة فيما قيل من أحاديث وتفاسير عن بدء الخلق ، وأسرار الوجود ، وأحوال الأمم السابقة ، والملاحم ، والفتن المنتظرة. وما أكثر الأحاديث حول الجنة والنار ، والساعة ، والدجّال ، وآخر الزمان ، ونهاية الإسلام ، وكلها من تأليف أهل الكتاب أو بوحيهم ، ومن ذلك أيضا قصة زينب بنت جحش ، وحديث الغرانيق ، واستدانة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من اليهودى ، وبشارة اليهودى بمولده ، ورؤية اليهودى لقدومه إلى المدينة ، وقصة السحر له ، وقصة وضع السمّ له ، وقصة زواجه من صفيه ودخوله بها. فيا أخى احذر الإسرائيليات ، ولتكن لديك حاسة سادسة خاصة بها ، تعرفها بها بحسّك المسلم وإيمانك الموحّد ، وأعانك الله!

* * *

٤٣٢. الإسرائيليات اشترك فيها اليهود والنصارى

المروّجون للإسرائيليات من اليهود : عبد الله بن سلام ، ووهب بن منبه ، وكعب الأحبار ، والأخيران من التابعين ، والتابعون الذين رووا الإسرائيليات كثيرون وكانوا تلاميذ لهؤلاء ، منهم : قتادة ، ومسروق ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، والضحّاك ، وسعيد بن جبير ، وزيد بن أسلم وعطاء ، وطاوس ، وغيرهم ، وكعب الأحبار هو رئيس المدلّسين ، وخفى كذبه على كثير من المحدّثين وأخذوا عنه ، ووهب بن منبه كان دعيا كاذبا وليس من شىء يقوله بصادق أبدا.

٣٧٦

ومن أتباع التابعين اشتهر بالإسرائيليات ابن جريج وكان نصرانيا روميا ، وكان قبيح التدليس ولا يدلّس إلا فيما يسمعه من المجروح.

والكلبى والسدى كلاهما كذّاب ساقط ، وعرفا فى الكوفة بهذه الصفة ، وكان الطبرى يتجنب النقل عن الكلبى ومقاتل بن سليمان لأنهما متهمان. وكان ابن إسحاق (المتوفى سنة ١٥١ ه‍) يدلّس مع كونه عمدة فى المغازى ووثّقه فيها قوم ووهّاه آخرون ، وقيل فيه إنه ليس بحجّة وتضعه روايته عن أهل الكتاب ، وكان مرجعه أمثال وهب بن منبه ، واعتاد أن يقدّم تفاسيره بهذا العبارة : و «عن بعض أهل العلم من أهل الكتاب» ، أو «يزعم أهل التوراة». وبلغ من استشراء النفوذ الإسرائيلى فى الإسلام ، والغزو الفكرى اليهودى للعقلية المسلمة ، أن أحمد بن عبد الله بن سلام ترجم التوراة ليجعلها فى متناول الناس ، فتركوا القرآن إليها ، فكانت ترجمته طامة كبرى ، وأضيفت كمصدر مباشر للإسرائيليات يطلبها المغرمون بالتفيهق وإظهار العلم بما هو غير مطلوب ولا لازم. وحتى صهيب الرومى ـ بحكم ثقافته غير العربية ـ شارك فى التفسير بالإسرائيليات ، ونسب القول بها إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، منها : قصة الملك والساحر والراهب ، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى ، وحديث جريج العابد ، والثلاثة الذين التجئوا إلى الغار ، ولربما يمكن تقبّل هذه القصص لما فيها من مواعظ وعبر توافق آداب الإسلام ، والمشكلة فيما دسّ من القصص التى لا هدف لها ورفعت بعد ذلك إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم!!

* * *

٤٣٣. ابن مقاتل وكتابه «التفسير الكبير»

هو : مقاتل بن سليمان ، المتوفى سنة ١٥٠ ه‍ (٧٦٦ م) ، وله كتاب «التفسير الكبير» ، مملوء بالإسرائيليات ، كأنما قد استمدّ مقاتل علمه بالقرآن من اليهود والنصارى ، وكان ينسب ما يقول إلى وهب بن منبّه اليهودى الذى أسلم ، فقال مثلا فى تفسير الكرسى فى قوله تعالى : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) (البقرة ٢٥٥) : أن الكرسى يحمله أربعة ملائكة ، لكل واحد منهم أربعة وجوه ، وأقدامهم تحت الصخرة التى تحت الأرض السفلى مسيرة خمسمائة عام ، وما بين كل أرض مسيرة خمسمائة عام ، وأحد الملائكة وجهه على صورة إنسان يسأل الله الرزق للبشر ، والثانى وجهه كالثور سيد الأنعام ، يسأل الله الرزق للبهائم ، والثالث وجهه كوجه النسر سيد الطيور ، يسأل الله الرزق للطيور ، والرابع وجهه كوجه سيد السباع ، يسأل الله الرزق للسباع!!

وكما ترى ـ فإن التفسير غارق فى الخرافات والأباطيل ، وكلها بتأثير اليهود عن وهب

٣٧٧

ابن منبه كما أسلفنا ، وأقواله فيها لا فائدة منها ولا دليل عليها من قرآن أو سنّة ، وإنما هى من الموضوعات الإسرائيلية.

ومن أسوأ ما تطرّق إليه مقاتل تفسيره لآيات زواج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من زينب بنت جحش ، فى قوله تعالى : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً) (٣٧) (الأحزاب) قال : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أتى زيدا يوما يطلبه ، فأبصر زينب بيضاء جميلة جسيمة! وقال إن الهواء رفع سترها ، وكانت زينب متفضّلة (يعنى تلبس ملابس البيت) فى منزلها ، فرآها فوقعت فى نفسه! ـ وهذا الكلام ظل المستشرقون يردّدونه عنه ، وردّده اليهود والنصارى ، والعلمانيون والتنويريون ، وأصحاب الملل والنحل ، وأعداء الإسلام جميعا ، وذلك لأن تفسير مقاتل هو أقدم تفسير معروف ، فكان له هذا التأثير المدمّر ، وتناقل المبغضون للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلامه ونشروه وشنّعوا به ، مع أنه فرية أعظموها عليه ، وليس لها سند واحد من حقيقة ، كما سيجىء من بعد عند مناقشة هذه التشنيعة عن الإسلام. وإنى لأعجب كيف يقول الإمام الشافعى من بعد عن مقاتل : الناس عيال فى التفسير على مقاتل!!؟ وكيف يمتدحه عبد الله بن المبارك فيقول عن علمه : يا له من علم لو كان له إسناد!! ويقول : ما أحسن تفسيره لو كان ثقة!!

وأقول : ما هو العلم فيما يقول؟ وما الحسن فيما يفترى ويكذب وينقل من الإسرائيليات؟ ولقد ورد عنه أنه مجسّم ومشبّه ، وكذّاب ، ووضّاع ، ولا ثقة فيه!

* * *

٤٣٤. الطبرى وكتابه «جامع البيان فى تفسير القرآن»

هو : أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبرى ، نسبة إلى طبرستان ، حيث ولد بآمل سنة ٢٢٤ ه‍ ، وتوفى ببغداد سنة ٣١٠ ه‍ ، وكان مؤرّخا ومفسّرا وفقيها جامعا لأشتات العلوم ؛ قيل : كان كالقارئ الذى لا يعرف إلا القرآن ، وكالمحدّث الذى لا يعرف إلا الحديث ، وكالفقيه الذى لا يعرف إلا الفقه ، وكالنحوى الذى لا يعرف إلا النحو ، وأشهر ما اشتهر به : الفقه والتفسير والحديث والقراءات. وتفسيره من أقدم التفاسير ، وهو مرجع المفسرين النقليين والعقليين على السواء ؛ ومن أقوال النووى : أن كتابه «جامع البيان» قد أجمعت الأمة أنه لم يؤلّف مثله ، وهو أصحّ التفاسير ، ودائرة معارف ، ومع ذلك فلم يخل من الإسرائيليات ، بل إنه يكثر منها ، ولكنه يسندها إلى أصحابها ، وقد يناقشها أحيانا. وعدّ

٣٧٨

النقاد من عيوبه الإغراق فى الإسرائيليات ، فللأسف فإن التأثير اليهودى متمكن من تفكيره الإسلامى. وابن جرير الطبرى بعد أن يذكر إسناده ، كأن يقول حدّثنى موسى بن هارون ، عن أسباط ، عن السدى ، فى خبر ذكره عن أبى مالك ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، أو عن ابن مسعود ، وعن آخرين من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنه كان رجلان ... إلخ ، ثم يعقّب : فإن كان ذلك صحيحا ـ ولست أعلمه صحيحا ، إذا كنت بإسناده مرتابا ، فإن القول الذى روى عنهما هو القول ، وإن كان غير صحيح فأولى بتأويل الآية ما قلنا! ـ أو يسوق الطبرى كل الروايات الواردة ، ويعقّب عليها فيقول : إن مثل هذه المرويات لم يرد فيها نص صريح من كتاب أو سنّة ، ففي خبر البقرة التى ضرب ببعضها القتيل فى سورة البقرة الآية ٧٣ ، ذكر أن بعضهم قال إنهم ضربوه بفخذها ، وبعضهم قال بذنبها ، وبعضهم قال بالبضعة بين الكتفين ، ولا شىء تقوم به الحجة على أى أبعاضها أمروا أن يضربوا القتيل به ، وكل أبعاضها جائز ، ولا يضر الجهل بأى ذلك ضربوا القتيل ولا ينفع العلم به. وكذلك فى سورة يوسف الآية ٢٠ يقول : لا خبر عن مبلغ المال الذى شروه به ، وليس فى العلم به نفع ، ولا الجهل به فى ضرر ، ولكن الإيمان بظاهر التنزيل فرض. وأيضا فى الكلمات التى ابتلى بها إبراهيم فى الآية ١٢٤ من سورة البقرة ، يقول : لا يجوز أن ينوّه بكلمات بعينها دون كلمات. وبالمثل فى الآية ٢٤ من سورة يوسف ، فبعد أن يورد الطبرى مختلف الروايات فيها ، ينبّه إلى أن أولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : إن كلا منهما همّ بصاحبه لو لا أن رأى يوسف برهان ربّه ، فيصحّ أنه صورة يعقوب ، أو صورة الملك ، أو آيات الوعيد عن الزنا ، والأصح أن يقال ما قاله الله فى ذلك وترك ما عداه. ومنهج الطبرى ، سواء فى التفسير أو فى التاريخ ـ وكلاهما يتصل بالآخر بأوثق الروابط ، هو الاعتماد على النقل والرواية ، ولا يهمه نقد الرواية وإنما عمله هو أن يؤدّى الرواية كما نقلت إليه ، وذلك هو سبب تردّيه فى حمقة الإكثار من الإسرائيليات ، مع ما فى الكثير منها من الغرائب والخرافات ، ولم يعقب عليها. وهناك روايات عن الأنبياء تتنافى مع عصمتهم ولم يناقشها. كما كانت هناك حكايات لا يقبلها عقل ، كقوله عن وهب بن منبه : إن ثعبان موسى حمل على الناس فمات منهم ٢٥ ألفا! وهو كثير الإسناد للأخبار الكاذبة لابن عباس الذى قال عنه إنه يتلقى عن أهل الكتاب. ومن فرط سذاجة الروايات عن ابن عباس ذهبت الظنون بأصحاب العقول من النقاد إلى أن أهل الكتاب كانوا يضحكون على ابن عباس ويكذبون عليه ، وكان الأحرى بالطبرى وهو المؤرّخ المدقق أن يتحرّى الصواب

٣٧٩

فيما يروى وينقل ، وخاصة إذا تعلّق الأمر بهؤلاء الدهاقين من رواة الإسرائيليات ومروّجيها ، كابن عباس ، وابن إسحاق ، والسدىّ ، والضحّاك ، وكعب الأحبار ، ووهب بن منبّه ، وعبد الله بن سلام وغيرهم.

* * *

٤٣٥. الثعلبى من المكثرين فى الإسرائيليات

من أكثر كتب التفسير إيرادا للإسرائيليات كتاب الثعلبى النيسابورى ، أحمد بن محمد بن إبراهيم ، أبى إسحاق ، المعروف باسم «الكشف والبيان عن تفسير القرآن» ، قال ابن خلكان يمتدح صاحبه دون تمحيص : كان أوحد زمانه فى علم التفسير ، وصنّف التفسير الكبير الذى فاق غيره من التفاسير. وقال ابن تيمية ينقده عن حق : كان الثعلبى حاطب ليل ينقل ما يوجد فى كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع. وتلميذه الواحدى له التفسير البسيط ، والوسيط ، والوجيز ، وفيه غث وكثير من المنقولات الباطلة. ـ وكانت وفاة الثعلبى سنة أربعمائة وسبع وعشرين. وفى تفسيره للآية : (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) (يوسف ٨٠) ، قال : إن إخوة يوسف لما يئسوا من أن يجيبهم يوسف إلى ردّ أخيهم ، قال بعضهم لبعض : تعلمون أن أبانا قد أخذ علينا ميثاقا غليظا ، وقد عجزنا عن الإتيان به من جهة المسالمة ، فلا بد أن ندخل على الملك ، فإما أن يردّ علينا أخانا ، وإما أن نقاتل بالقوة التى ركّبها الله فينا ، وذلك أن بنى يعقوب كانوا من القوة بحيث إذا غضب واحد منهم اقشعر جلده ، وانتفخ جسده ، وظهرت شعرات ظهره من تحت الثوب حتى يقطّر من كل شعرة قطرة دم. وإن ضرب الأرض برجليه تزلزلت وتهدّم البنيان ، وإن صاح لم تسمعه حامل من الإنس والبهائم والطير إلا وضعت ما فى بطنها ، فلا يهدأ غضبه إلا أن يسفك دما أو تمسكه يد من نسل يعقوب! فإذا مسّته يد من نسل يعقوب سكن غضبه ، وذهبت قوته ، وصار كرجل من الناس. قال : وقال يهوذا لهم ـ وكان أشدّ إخوته غضبا : إما أن تكفونى الملك ومن معه فأكفيكم أهل مصر ، وإما أن تكفونى أهل مصر! فبعث واحدا من إخوته ، فعدّوا أسواق مصر ، فوجدوا فيها تسعة أسواق ، فأخذ كل واحد منهم سوقا. ثم إن يهوذا دخل على يوسف وقال : يأيها العزيز ، إن رددت علىّ أخى حمدناك وشكرناك ، وإن لم تردّه بالحسنى صحت صيحة لا تبقى بحضرتك حامل إلا وضعت ما فى بطنها ، ورأيت منا ما تكره! ـ وأغضبه يوسف وأسمعه كلمة فظيعة ، فغضب يهوذا واشتد غضبه ، وانتفخ جسده ، وصار من الحمية والانتفاخ بحيث لا يشبه الناس ، فلما علم يوسف أن غضبه قد تمّ ، قال لابن له صبى : يا بنىّ ، اذهب إلى ذلك الرجل القائم فأتنى به ؛ فلما

٣٨٠

أخذ الغلام بيد يهوذا سكنت نفسه ، وذهب غضبه ، فالتفت يمينا وشمالا لعله يرى أحدا من إخوته فلم ير ، فخرج مسرعا إلى إخوته ، فقال لهم : هل حضرنى أحد منكم؟ قالوا : لا. قال : فأين ذهب شمعون؟ قالوا : ذهب إلى الجبل. فخرج ، فلقيه وقد احتمل صخرة عظيمة. قال : ما تصنع بهذه؟ قال : أذهب إلى السوق الذى وقع فيه نصيبى أشدخ بها رءوس كل مار فيه. قال : فارجع فردّها أو ألقها فى البحر ، فو الذى اتخذ إبراهيم خليلا ، لقد مسّتنى كفّ من نسل يعقوب! ـ ثم دخلوا على يوسف ، وكان يوسف أشد منهم بطشا ، فقال : يا معشر العبرانيين ، أتظنون أنه ليس أحد أشد منكم قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا!

* * *

٤٣٦. البغوى تلميذ الثعلبى فى الإسرائيليات

يقال عن البغوى أنه محيّى السنّة ، وركن الدين ، وأنه الإمام الجليل ، والمحدّث المفسّر الجامع بين العلم والعمل ، واسمه الحسين بن مسعود بن محمد ، أبو محمد ، وشهرته القرّاء ، والبغوى ، ووفاته سنة خمسمائة وعشر هجرية ، وكتابه فى التفسير «معالم التنزيل» مختصر من الثعلبى ، ومن ينقل عنهم فيه ، منهم : مجاهد ، وعكرمة ، وقتادة ، والكلبي ، والضحاك

٣٨١

وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟!

وهذه الخرافات وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا!

٣٨٢

وعن كعب الأحبار نقل البغوى عن الآية : (إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) (الكهف ٩٤) : أن يأجوج ومأجوج هم نادرة ولد آدم ، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب ، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج ، فهم يتصلون بنا من جهة الأب دون الأم!! ـ وهذا أغرب كلام ، فلم يبين لنا كيف امتزجت النطفة بالتراب؟ هل احتلم وألقى بها وهو يحتلم على الأرض؟ ولما ذا خلق الله من هذه النطفة بالذات يأجوج ومأجوج؟ وهل كان فى حاجة إلى مثل هذه النطفة ليخلقهما؟ ـ وقال البغوى نقلا عن مجاهد فى الآية : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ) (يوسف ٢٤) ، قال : حلّ سراويله وجعل يعالج ثيابه! ـ وعن الضحّاك قال : ضرب الشيطان فيما بينهما. فضرب بإحدى يديه إلى جيد يوسف ، وباليد الأخرى إلى جيد المرأة ، حتى جمع بينهما! ـ ونقل عن السدىّ : أن المرأة ظلت به تراوده وتزيّن له اللذة ، وهو شاب ويجد من شبق الشباب ما يجده الرجل ، وهى امرأة حسناء جميلة ، حتى لان لها مما يرى من كلفها به ، وهمّ بها ، لو لا أن تداركه ربّه بالبرهان! ـ وقال قتادة فى البرهان : رأى صورة يعقوب يلومه. ـ وقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك : انفرج سقف البيت فرأى صورة يعقوب عاضا على إصبعه ، فضرب بيده على صدره ، فخرجت شهوته من أنامله! ـ وعن ابن عباس قال : إن يوسف حلّ الهيمان (يعنى السراويل) ، وقعد منها مقعد الرجل من امرأته ، فإذا بكفّ قد بدت بينهما بلا معصم ولا عضد ، مكتوب عليها : (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) (١٢) (الانفطار) ، فقام هاربا ، وقامت ، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد ، فظهرت تلك الكفّ مكتوبا عليها : (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً) (٣٢) (الإسراء) ، فقام هاربا وقامت ، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد ، فظهرت تلك الكفّ مكتوبا عليها : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) (البقرة ٢٨١) ، فقام هاربا وقامت. فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد ، فقال الله عزوجل لجبريل : «أدرك عبدى قبل أن يصيب الخطيئة»! فانحط جبريل عاضا على إصبعه يقول : «يا يوسف! أنت تعمل عمل السفهاء ، وأنت مكتوب عند الله من الأنبياء». ومسحه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله!!!

فهذا النوع من الكتابات فى تفسير القرآن هو الذى يسمونه الإسرائيليات ، باعتبار صاحبه يتوخى ثقافة أخرى بخلاف الثقافة الإسلامية ، وهى الثقافة الإسرائيلية ، نتيجة قراءاته الكثيرة فى تفاسير اليهود للتوراة ، وهى تفاسير تتبع نفس المنهج ، وليست لها مرجعية من القرآن ولا السنّة ، وكثير منها ينافى العقل والشرع ، وتجافى الطبع العربى ، وأصحابها يقال

٣٨٣

لهم الوضّاعون. والتفسير المعقول للآية والمتوافق مع الدين أنه : لو لا أن يوسف رأى برهان ربّه لكان همّ بها. ويؤوّل جعفر الصادق البرهان بأنه النبوّة التى اختصه بها الله ، فهى التى حالت بينه وأن يخطئ. غير أن البغوى لم يدرك ذلك ، فما ذا يمكن أن نفعل والكثير من الشطح يرتكبه أمثاله ويشيع عنه بين العامة فتكون جهالة بالإسلام تستوى والجهل؟ والبغوى هو المسئول عن شيوع هذا التفسير للآية : (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (٥٥) (المائدة) ، قال : نزلت الآية فى علىّ حين مرّ به سائل وهو فى الصلاة فطرح له الحين عن نظره ، وحينئذ أمر بردّها ، وهذا هو قوله تعالى (رُدُّوها عَلَيَ) ، فلما عادت طفق يمسح سوقها وأعناقها. ولم يرجّح الخازن أيا من الروايات السابقة الصحيحة والباطلة.

وكذلك فعل فى تفسير : (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ) (٣٤) وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد

الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟!

٣٨٤

وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟!

وهذه الخرافات وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا!

٣٨٥

وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟!

وهذه الخرافات وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا!

٣٨٦

وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟!

وهذه الخرافات وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا!

٣٨٧

وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟!

وهذه الخرافات وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا!

٣٨٨

وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟!

وهذه الخرافات وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا!

٣٨٩

وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟!

وهذه الخرافات وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا!

٣٩٠

وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟!

وهذه الخرافات وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا!

٣٩١

وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟! ولنحذر إذن أمثال هذه التفاسير ، وفى علم النفس يقال فى تشخيص ذلك أنه «التعيّن بالعدو» ، بمعنى أن الثعلبى قد تعيّن باليهود حتى لكأنه قد صار منهم. وكثير منا حاليا يفعل نفس الشيء فيما يسمى «عقدة الخواجة» ، فيقلّد الأجانب والمستشرقين فيما يفعلون ، ويردّد أفكارهم حتى لو كانت تزرى بنا وبلغتنا وديننا وهويتنا! قوة؟! ثم عمد إلى حجر عظيم من حجارة الطاحونة فركله برجله ، ثم أمسك يهوذا بإحدى يديه فصرعه ، وقال بعض خدمه : هات الحدّادين حتى أقطع أيديهم وأرجلهم وأضرب أعناقهم. ثم صعد على سريره ـ سرير الملك ـ وجلس على فراشه ، وأمر بصواعه ، فوضع بين يديه ، فنقره نقرة فخرج طنينه ، فالتفت إليهم وقال : أتدرون ما يقول؟ قالوا : لا. قال : فإنه يقول : إنه ليس على قلب أبيهم همّ ولا غمّ ولا كرب إلا بسببهم ... إلخ. ـ ومثل هذا الكلام يعدّ من المصادر الكبرى للإسرائيليات فى التفاسير القرآنية. والثعلبى ينقل عن وهب بن منبه اليهودى الذى قيل إنه أسلم ، ووهب ـ كما رأينا ـ شطح بعيدا فى تفسير الآية ، وذهب مذاهب عجيبة ، ومن الواضح أنه يقصد إلى أن يبثّ الرعب من اليهود فى نفوس المسلمين ، ويجعل من الإسرائيلى شخصية بطولية خرافية ينسب إليها الخوارق كأبطال السينما الأمريكية. وقد يكون لوهب عذره بالنظر إلى أنه يهودى ، ولكن ما عذر الثعلبى فى أن يروى عن وهب بلا تمحيص ولا مناقشة ولا تكذيب ، وكأنه عميل إسرائيلى قد أجرى له غسيل مخ ، فراح يردد كالإنسان الآلى ما يملى عليه؟!

وهذه الخرافات وهذه الخرافات يسميها البغوى تفسيرا ويسوّد بها الصفحات ليقرأها الناس ويتثقّفوا بها ، ولا شىء مما قاله فى كتابنا «القرآن» ، فعلى أى شىء اعتمد فى روايته؟ ولما ذا لم يناقشها وهو المحدّث المعتاد على منهج البحث فى الأحاديث وإسنادها؟ ومن غرائب ما قال فى الآية : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، نقلا عن ابن عباس كما يدّعى : أن اللّوح من درّة بيضاء ، طوله ما بين السماء والأرض ، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب ، وحافتاه الدّر والياقوت ، ودفتاه ياقوتة حمراء ، وقلمه نور ، وكلامه قديم ، وكل شىء به مستور ، وأعلاه معقود بالعرش ، وأصله فى حجر ملك!!! ـ فهل من ذلك شىء فى القرآن؟!!! والبغوى لم يبحث ولا محّص ، ولا ناقش ، ولا فنّد ، وإنما سرد علينا هذا الغثاء سردا!

٣٩٢

(ص) فذكر قصة وهب بن منبه وأقوال المحققين النافية لتسلّط الشياطين عليه. وفى قصة يوسف فى قوله تعالى : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها) (يوسف ٢٤) نقل أقوال السلف القبيحة ، وأقوال المحققين المنزّهة. وفى مسألة بلقيس ذكر أن أمرها انتهى عند إسلامها ولا علم لنا بما جرى بعد ذلك ، وأن بعضهم قال إن سليمان تزوجها ، وكره شعر ساقيها ، وأشار عليها البعض بالموسى لإزالته ، وأنها كرهت ذلك ، وسأل الشياطين فنصحوا بالنّورة والحمّام ، فكانت النورة والحمامات من يومئذ ، وأن سليمان تزوّجها بعد ذلك وأحبّها حبا شديدا. فكان مذهب الخازن أن يأتى بالتفاسير وضدها ولا يرجّح أيا منها. وربما كان الخازن لذلك أفضل من غيره الذين اكتفوا بالروايات الفاسدة وتركوا الصحيحة فأضلوا الناس.

* * *

٤٤٣. ابن كثير و «تفسير القرآن العظيم» وأقواله عن أهل الكتاب

لعل تفسير ابن كثير هو الأكثر شيوعا بين الناس ، حتى لا يكاد يخلو بيت مسلم منه فى مصر مثلا ، وفى غير ذلك من بلاد الإسلام ، والكتاب متداول بين المطابع فى العالم الإسلامى كله ، وضعه الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير ، القرشى ، الدمشقى ، الشافعى ، تلميذ ابن تيمية ، وكان مولده سنة سبعمائة أو بعدها ، وتوفى سنة سبعمائة وأربع وسبعين هجرية ، وقبره بمدافن الصوفية خارج باب النصر من دمشق ، وكتابه «تفسير القرآن العظيم» من أجود كتب التفسير بعد تفسير القرطبى ، ومنهجه فيه : تفسير القرآن بالقرآن أولا ، ثم بالسّنّة الصحيحة ، ثم بأقوال السلف ، وهو غالبا ما يسند أحاديثه ويكتفى بالصحيح منها دون الضعيف. ويهتم بالإسرائيليات ويحذّر منها ، وينبّه إلى بطلانها ويعرض عن إيرادها لما تشتمل عليه من أكاذيب ومضيعة للوقت ، إلا أنه كثيرا ما يسرد بعضها ، ولكنه يعقّب عليها بما يفيد بطلانها ، أو لا يعقّب عليها ، ففي الواقع أن كل المفسرين القدامى سواء فيما يخصّ الإسرائيليات ، إلا أن بعضهم قد يورد اللامعقول والخرافى ، والبعض كابن كثير قد يورد ما لا ضرر منه ، فمثلا فى قوله تعالى : (وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى) (٢٠) (يس) ، قال عن ابن إسحاق ، فيما بلغه عن ابن عباس ، وكعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، قالوا : إن الرجل الذى جاء من أقصى المدينة يسعى كان اسمه «حبيب» ، وكان يعمل الحرير ، وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام ، وكان كثير الصدقة يتصدّق بنصف كسبه ، مستقيم الفطرة. وعن مجاهد عن ابن عباس قال : صاحب يس هو حبيب ؛ وعن الثورى عن ابن مجلز : اسمه حبيب بن مرّى ، وعن عكرمة عن ابن عباس : اسم صاحب يس حبيب النجّار ، وكان قصّارا وقتله قومه. وعن عمر بن الحكم : كان إسكافا.

٣٩٣

وفى الآية : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ) (١٣) (يس) ، عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه ، قال عن القرية : أنها مدينة أنطاكية ، وكان بها ملك يقال له أنطيخس بن انطيخس بن انطيخس ، وكان يعبد الأصنام ، فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل هم : صادق ، وصدوق ، وشلوم. وعن وهب بن منبه : كان اسم الرسولين الأولين شمعون ويوحنا ، واسم الثالث بولس ، والقرية أنطاكية.

وأمثال ذلك كان يرويه ابن كثير عن أهل الكتاب وأشباههم ، وكان ينهى كلامه بمثل ما يقول : وهذا الأثر والله أعلم إنما هو مما تلقى من علماء أهل الكتاب ، وهى وقف لا يصدّق منه إلا ما وافق الحق ، ولا يكذّب منه إلا ما خالف الحق ، والباقى لا يصدّق ولا يكذّب. ـ أو كان يقول : وما قصّه كثير من المفسرين وغيرهم فعامتها أحاديث بنى إسرائيل ، فما وافق الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح ، وما خالف شيئا من ذلك رددناه ، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة ، لا نصدقه ولا نكذبه ، بل نجعله وقفا. وما كان من الضرب منها فقد رخّص كثير من السلف فى روايته ، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه ولا حاصل له مما ينتفع به فى الدين ، ولو كانت فائدته تعود على المكلّفين فى دينهم لبيّنته هذه الشريعة الكاملة الشاملة.

* * *

٤٤٤. السيوطى وتفسيره «الدر المنثور»

قيل فى السيوطى : إنه أعلم زمانه بعلم الحديث وفنونه ؛ وقال عن نفسه أنه يحفظ مائتى ألف حديث! وقال : ولو وجدت أكثر لحفظت ، فسمّى الحافظ جلال الدين أبو الفضل ؛ وهو السيوطى لأنه من أسيوط أصلا ، وإن كان قد ولد سنة ٨٤٩ ه‍ بالقاهرة ، واسمه عبد الرحمن بن أبى بكر بن محمد ، وكان شافعيا ، وتوفى أبوه وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر ، وختم القرآن وهو ابن ثمانى سنين ، وصارت له من المؤلفات ما يزيد على الخمسمائة مؤلف ، وتوفى سنة ٩١١ ه‍ ، وله من العمر ٦٢ سنة. وكان قد وضع كتابا سمّاه «ترجمان القرآن» ، جمع فيه تفاسير النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عبارة عن بضع عشر ألف حديث ، ما بين مرفوع وموقوف ، فى أربع مجلدات ، فرأى اختصاره ورفع الأسانيد ، والاقتصار على المتون ، وسمّاه «الدر المنثور فى التفسير المأثور».

ومع جلال قدر السيوطى فإنه لم يتحرّ الصحة فيما جمع ، ورصد من الروايات ما ليس بصحيح ، وتطرّق إلى موضوعات قضى فيها ببطلانها. والكتاب جامع فقط يروى تفاسير السلف ، وينقلها من البخارى ، ومسلم ، والنسائى ، والترمذى ، وأحمد ، وأبى داود ، وابن جرير ، وابن أبى حاتم ، وعبد بن حميد ، وابن أبى الدنيا وغيرهم ، ولا يستنكف السيوطى أن يورد

٣٩٤

الإسرائيليات ، فلا يفحصها ويدقق فيها ، ويروى الصحيح منها والباطل ، ولا يميز بينهما ، فمثلا فى الآية : (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٣٠) (المائدة) ، قال عن ابن جرير وابن عساكر عن سالم بن أبى الجعد : أن آدم لمّا قتل أحد ابنيه الآخر ، مكث مائة عام لا يضحك حزنا عليه ، حتى كان رأس المائة فبشّروه بغلام ، فعند ذلك ضحك. وروى عن ابن جرير منسوبا إلى علىّ بن أبى طالب : لمّا قتل ابن آدم أخاه ، بكى آدم وقال :

تغيّرت البلاد ومن عليها

فلون الأرض مغبر قبيح

تغيّر كلّ ذى لون وطعم

وقلّ بشاشة الوجه المليح

فأجيب بهذه الأبيات :

أبا هابيل قد قتلا جميعا

وصار الحىّ كالميت الذبيح

وجاء بشرّة قد كان منها

على خوف فجاء بها يصيح

والسيوطى لم يراجع هذا الكلام ، ولم يطعن فيه ، وهو كلام مطعون فيه حقا ، لأن آدم لا يعرف الشعر العربى ، وشكّك فى الرواية أحمد والجوزجانى والبخارى ، ونقد الشعر الزمخشرى والقرطبى والآلوسي ورشيد رضا ، وقالوا الشعر منحول ملحون ، وقال ابن كثير : هذا الشعر فيه نظر ، فقد يكون آدم قد قال كلاما يتحزّن به فألّفه بعضهم شعرا. وقال القرطبى : آدم ما قال الشعر ، وقال الآلوسي عن ابن عباس : من قال إن آدم قد قال شعرا فقد كذب. ـ ولم ير السيوطى بأسا أن يذكر هذه الروايات المكذوبة ، وأن يسرد من الإسرائيليات الباطلة فى قصص أيوب وداود ما جعله موضع نقد شديد ، وإن كان قد نبّه فى تخريج الأحاديث إلى أنها إسرائيليات عن أهل الكتاب.

وفى قصة يأجوج ومأجوج ، يورد السيوطى حديثا لحذيفة قيل هو عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أن يأجوج أمّة ، ومأجوج أمّة ، وكل أمة أربعة ألف أمة ، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه ، كلّ قد حمل السلاح. قال : قلت يا رسول الله : صفهم لنا. قال : هم ثلاثة أصناف : صنف منهم أمثال الأرز. قلت : وما الأرز؟ قال : شجر بالشام ، طول الشجرة عشرون ومائة ذراع فى السماء. وصنف منهم عرضه وطوله سواء ، عشرون ومائة ذراع. قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : وهؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل ولا حديد. وصنف منهم يفترش إحدى أذنيه ويلتحف الأخرى ، لا يمرون بفيل ، ولا وحش ، ولا جمل ، ولا خنزير ، إلا أكلوه ، ومن مات منهم أكلوه ، مقدمتهم بالشام ، وساقتهم بخراسان ، يشربون أنهار المشرق فى بحيرة طبرية!! وأمثال ذلك كثير من الأحاديث الموضوعة عند السيوطى ولا ينبّه إليها ، ولا يحذّر منها ، والحذر واجب من كتب التفسير من أمثال «الدر المنثور».

٣٩٥

٤٤٥. الآلوسي وتفسيره «روح المعانى»

الآلوسي ، شهاب الدين السيد محمود بن عبد الله الحسينى ، وينسب إلى جزيرة آلوس فى وسط نهر الفرات على مقربة من بغداد ، فرّ إليها جدّ هذه الأسرة من وجه هولاكو التترى عند ما هاجم بغداد ، وكان ميلاده سنة ١٢١٧ ه‍ ببغداد ، وتوفى بها سنة ١٢٧٠ ه‍ عن عمر يناهز الثالثة والخمسين ، وكان علّامة ، محققا ، واشتغل بالإفتاء ، واشتهر كشيخ لعلماء العراق ، وله مصنفات ، أبرزها كتابه «روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم» ، قيل إنه من أجلّ التفاسير وأوسعها وأجمعها ، وله مفاهيم بطريق العبارة والإشارة ، وكان فيه على نهج السلف ، واهتم بتفنيد دعاوى المعتزلة والشيعة والمذاهب الأخرى ، وقيل لو جمعنا ردوده عليها لاجتمع لنا منها الشيء الكثير ، وردّ على النصارى من أقوالهم ، وفنّد عقائدهم ، وهو ينقل عن التفاسير السابقة وبخاصة البيضاوى ، وابن عطية ، وأبى حيان ، والكشّاف ، وأبى سعود ، والفخر الرازى وغير ذلك ، وغالبا ما يرفض الإسرائيليات ويمحّص الروايات ، ليخليها من أية أباطيل ، فلا تشتمل إلا على حقائق ودقائق ، يجمع بين المنقول والمعقول. ويسمّى رواة الإسرائيليات باسم «أرباب الأحبار» ، وقد يرصد الرواية ولكنه ينقدها فيقول : ويا ليت كتب الإسلام لم تشتمل على هذه الخرافات التى لا يصدقها العاقل لأنها أضغاث أحلام. وفى تفسيره مثلا للآية : (وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) (١٠٢) (البقرة) ، ينقل مما أخرجه ابن جرير وابن أبى حاتم والحاكم والبيهقى ، عن عائشة أنها قالت : قدمت علىّ امرأة من أهل دومة الجندل تبتغى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد موته ، تسأله عن شىء فيه أمر السحر ولم تعمل به. قالت : كان لى زوج غاب عنى ، فدخلت علىّ عجوز فشكوت إليها ، فقالت : إن فعلت ما آمرك أجعله يأتيك. فلما كان الليل جاءتنى بكلبين أسودين فركبت أحدهما ، وركبت هى الآخر ، فلم يكن كشىء حتى وقفنا ببابل ، فإذا أنا برجلين معلّقين بأرجلهما ، فقالا : ما جاء بك؟ فقلت : أتعلّم السحر. فقالا : إنما نحن فتنة فلا تكفرى وارجعى. فأبيت وقلت لا. قالا : فاذهبى إلى ذلك التنوّر فبولى به ... إلى أن قالت : فذهبت فبلت فيه ، فرأيت فارسا مقنّعا بحديد خرج منى ، حتى ذهب إلى السماء ، وغاب عنى حتى ما أراه ، فجئتهما وذكرت لهما ، فقالا : صدقت ، ذلك إيمانك خرج منك! وينبّه الآلوسي فيقول : إن اتهام هذه المرأة أولى من اتهام العقل فى قبول هذه الحكاية التى لم يصحّ منها شىء عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

ولكن الآلوسي مع ذلك قد يعمد إلى إنكار التفسير لظاهر الآية ثم يفسّرها تفسيرا إشاريا ـ يعنى صوفيا ، وفى الآية السابقة ينقل قصة إسرائيلية فى معنى الآية السابقة فقال :

٣٩٦

إن الملائكة لمّا تعجبت من مخالفة بنى آدم وقالوا لو كانوا مكانهم ما عصوا الله ، فأمرهم ربّهم أن يختاروا اثنين منهم فيهبطان إلى الأرض ويحكمان فى الناس ، فاختاروا هاروت وماروت ، وجاءا الأرض ، فعرضت لهما امرأة يقال لها زهرة ، فطلباها فامتنعت ، إلا أن يعبدا صنما ، أو يشربا خمرا ، أو يقتلا نفسا ، ففعلا. ثم تعلّمت منهما كلمات صعدت بها إلى السماء ، فمسخت إلى نجم الزهرة جزاء صعودها. وأما الملكان فخيّرا بين عذاب الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدنيا ، فهما الآن يعذّبان فيها. ولم ينكر الآلوسي القصة ولكنه اختار لها معنى إشاريا ، وقال إن المراد بهاروت وماروت العقلين : العملى والنظرى ، وهما من عالم القدس ، وأما المرأة المسماة زهرة فهى النفس الناطقة. ولو لم تكن نزعة التصوف عند الآلوسي ما انحرف ذلك الانحراف عمّا كان عليه من إنكار الإسرائيليات ، وإيراده لهذه القصة كما يقول : إنما للمعنى الإشارى أو الصوفى بها ، ولو لا ذلك لما تعرّض للقصة أصلا. وقريبا من ذلك إيراده لقصة عن كعب الأحبار وقيس بن خرسة ، فقد مرّا على مكان بالعراق قرب صفّين قبل أن تجرى الوقعة فيها بين علىّ ومعاوية ، وتوقف كعب وقال متنبئا : ليهراقن هنا من دماء المسلمين شىء لا يهراق ببقعة من الأرض! فقال له قيس : ما يدريك ، فإن هذا من الغيب الذى استأثر به الله؟! فقال كعب : ما من الأرض شبر إلا مكتوب فى التوراة الذى أنزل الله على موسى : ما يكون عليه ، وما يخرج منه إلى يوم القيامة؟!! ولم يرفض الآلوسي القصة ، ولم يسخر منها كعادته ، ولكنه تعلّل لها وقال : لعلّ ذلك من باب الرمز كما ندّعيه فى القرآن!!! ـ فأولا : قال ندّعيه ، ونحن لا ندّعى مثل هذا التفسير ، وثانيا أنه فى القرآن لا يمكن أن يقال فيه ما قاله كعب فى التوراة ، أنه ليس فى العالم ولا فى الأرض شبر إلا قد كتب فيه ـ أى القرآن ـ ما يقع فيه ، وما يخرج منه ، فكيف يصدّق ذلك عن التوراة ويسكت عليه؟!! وشبيه به سكوته عن ماهية ألواح موسى : كم عددها ، ومن أى خشب كانت؟ وبيّن أنهم اختلفوا فى عددها بين اثنين وسبعة وعشرة ، وأنها كانت من الزمرد أو الزبرجد ، أو من ياقوتة ، وروى الحديث الذى ينسبونه إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الألواح التى نزلت على موسى كانت من سدر الجنة ، وكان طول اللوح اثنى عشر ذراعا» ـ ونقول : وهل كان موسى يقدر أن يحملها إذن؟ وقالوا : إن الألواح كانت من صخرة صماء ، ليّنها الله له ، وقطّعها بيده ، وكتب عليها ـ أى الله ـ بأصابعه! كل ذلك من الأباطيل كما ترى ، ولو لا أمثال كعب الأحبار ووهب بن منبه ، ما عرفها الصحابة البسطاء ، ولأنهم كانوا بسطاء صدّقوا ، ولم يمحّصها الرواة من أمثال الآلوسي. ومن ذلك ما ذكره أهل الكتاب عن عصا موسى التى ضربت الحجر فانفجرت

٣٩٧

منه اثنتا عشرة عينا ، وقالوا إن العصا من آس الجنة ، وطولها عشرة أذرع هى طول موسى ، ولها شعبتان تتقدان فى الظلمة ، وأنه ورثها عن شعيب الذى ورثها عن آبائه ، وليس من ذلك شىء فى القرآن ولا فى الحديث ، ولكن الآلوسي أورد الرواية ولم يكذّبها ولا ناقشها ، الأمر الذى يجعلنا نتشكك فى قدرته كمفسّر ، على الوفاء بوعده الذى بذله فى أول الكتاب ، بأنه لن يورد الإسرائيليات لأنها من الخرافات ، ويبدو أن كل المفسرين ليس بوسعهم أن يمتنعوا عن إشباع محبة الناس للأخبار ، ومن ثم فقد يبذل المفسّر الوعود بأنه سيتخلّص من الأخبار ، ولكنه ينسى وعده ، وينخرط فى النقل لها ، لأنه يحب ذلك هو نفسه. ويقرّ الآلوسي بذلك فى تفسير الآية : (وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) (٨٢) (النمل) فبعد أن يذكر صفات الدابة بحسب الإسرائيليات ، يعتذر قائلا : وإنما نقلت بعض ذلك دفعا لشهوة من يحب الاطّلاع على شىء من أخبارها صدقا كان أو كذبا!!

* * *

٤٤٦. ابن عباس ترجمان القرآن وحبر الأمة؟!

اشتهر ابن عباس بأنه من المدخلين للإسرائيليات فى تفسير القرآن ، وهو العمدة فى ذلك ورأس الرواة للإسرائيليات ، فهل كان كذلك حقا ، أم أن الوضّاعين نسبوا إليه ما لم يقله ، لأنه من بيت النبوة أولا ، فلو نسبوا إليه أى شىء فلن يكذّبهم أحد ، ثم إنه من العباسيين ، والوضّاعون كانوا يتقرّبون إليهم بأن ينسبوا الأحاديث لعميدهم ، وكذلك فإن ابن عباس كان كثير الرواية حتى لتختلط الأمور على الناس : هل قال ذلك حقا أم لم يقله؟

وابن عباس اسمه بالكامل : عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، فهو ابن عمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولد والنبىّ بمكة ، ولمّا توفى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كان لابن عباس ثلاث عشرة سنة ، وتوفى بالطائف سنة ٦٨ ه‍. والروايات حوله كثيرة لا حدود لها ، ومن ذلك الحديث الذى نسبوه للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عنه : «اللهمّ فقّهه فى الدين وعلّمه التأويل» ، فكأنما كان الرسول يستقرئ الغيب ، مع أن الله تعالى يقول على لسان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) (٥٠) (الأنعام) ، ويقول : (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ) (١٨٨) (الأعراف) ، وما كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلم من الغيب إلا ما يفيد الرسالة ، كقوله تعالى : (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ) (الجن) ، وكذلك قال : (ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) (٤٢) (آل عمران) ، والتنبؤ بمستقبل ابن

٣٩٨

عباس ليس من الرسالة فى شىء ، والكثير من هذه الأحاديث قيل فى عدد هائل من الصحابة يروّج لهم أتباعهم وأصحاب المصلحة ، وحديث : «اللهم فقّهه فى الدين وعلّمه التأويل» من ذلك ، وأى تأويل أو دين هذا الذى تعلّمه ابن عباس برواية الإسرائيليات ، وإفساد تفسير القرآن على المسلمين؟! ومع ذلك قد كانت هناك محاولات لتبرئته ، فأحصوا له ١٦٦٠ حديثا من روايته. منها ٢٣٤ أخرجها الشيخان ، واتفقا منها على ٧٥ ، وكان نصيب البخارى وحده من أحاديثه ١١٠ ، ولمسلم منها ٤٩ ، وعرفت له الكثير من الروايات ، ونسب إليه تفسير للقرآن باسم : «تنوير المقباس من تفسير ابن عباس» ذكره القيروزآبادي ، صاحب قاموس المحيط ، فى أربعمائة صفحة من القطع الكبير ، وإذا كان صحيحا ما يقوله الشافعى نفيا لذلك ، فإنه لم يثبت له إلّا نحو مائة حديث ، ومع ذلك أذاعوا أن عمر بن الخطاب قال فيه : «إن ابن عباس فتى الكهول ، له لسان قئول ، وقلب عقول»؟ وكان ابن عباس وقت أن توفى عمر فى الخامسة والعشرين من عمره ، ووقت أن توفى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الثالثة عشرة! وربما كانت لابن عباس موهبة النقل منذ صغره ، وقد يشتهر لذلك بالتفسير فعلا ويعلو ذكره فيه ، وربما لذلك قال فيه شيخ كبير مثل ابن تيمية : «إن أهل مكة أعلم بالتفسير لأنهم أصحاب ابن عباس»! ويبدو أن واقع الحال يثبت ذلك فقد كانت له مدرسته واتباعه ، وروى عنه كثيرون مثل : علىّ بن أبى طلحة ، وسعيد بن جبير ، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، والضحّاك بن مزاحم ، وعطية العوفى ، وابن صالح ، وابن مالك ، والكلبى. وعن أهل الكتاب أمثال عبد الله بن سلام ، وكعب الأحبار وغيرهما أخذ ابن عباس علمه بالتفسير ، وقيل : كان رجوعه إليهم لاتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل فى كثير من المواضع!! وهؤلاء كانوا يعلمون من الأدب الشعبى الدينى ما يزيد على التوراة والأناجيل ، وإلا كان ابن عباس قد اكتفى بالرجوع إلى هذه الكتب دون هؤلاء الناس ، فأحاديث سليمان مع بلقيس والجن ، والروايات حول داود ويوسف وأهل الكهف وموسى وغير ذلك ، مكانها الأدب الشعبى الدينى (الفولكلور الدينى) وليس التوراة ، وكانت أكثر الكتب اليهودية فيه ووقتذاك ، مثلما نجده الآن عن الجنة والنار وعذاب القبر ... إلخ ، من الكتب الذائعة عند سواد الناس عن الإسلام ، وليس شىء منها فى القرآن ولا فى الحديث الصحيح. وتنسب لابن عباس روايات من الإسرائيليات فى غاية السذاجة ، حتى أن بعض النقاذ قالوا إن أهل الكتاب كان يضحكون على ابن عباس ويكذبون عليه ، وكان يصدّقهم وينقل عنهم! ومصطلح الإسرائيليات لم يكن أصلا عن الاجتهادات فى تفسير آيات القرآن القريبة من الروايات فى التوراة ، ولكنه كان عن القصص الشعبى الإسرائيلى القريب من هذا

٣٩٩

القصص الموجود فى القرآن ، وأكثره كان يؤلف خصيصا لتفسير القرآن. والذين رووا الإسرائيليات كروايات للتفسير ، احتجوا بأن القرآن نفسه ملىء بالقصص الإسرائيلى ، وأطلقوا على رواياتهم اسم الإسرائيليات ، وادّعوا أن نشأة الاسم كانت بسبب الحكايات والمسائل اليهودية فى القرآن ، ثم واصلها هؤلاء. وكان ابن عباس يرى أن القرآن لا يحوى فقط قصصا إسرائيليا ولكنه يتضمن كذلك مصطلحات إسرائيلية ، وقد تكون أصولها عبرانية محضة! ولذلك لم يكن يرى ـ كما يقول جولدتسيهر ـ أية غضاضة فى الرجوع إلى اليهود وخاصة كعب الأحبار وعبد الله بن سلام يسألهما فى ذلك ، ومن هذه الكلمات مثلا : جبريل ، وميكال ، وإسرافيل ، واليمّ ، وأم الكتاب ... إلخ ، وهناك مسائل أخذ فيها ابن عباس موقف أهل الكتاب باعتبار أنهم الأحسن فهما للمعانى الدينية ، والأدرى بالأصول ، كما فى مسألة ذبيح إبراهيم : هل هو إسماعيل أم إسحاق؟ وروى ابن عباس أحاديث عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مفادها أنه إسحق! وكان من رأيه الشخصى أنه إسحق! وفى روايات أخرى قال إنه إسماعيل وأن اليهود تكذب إذ تقول إنه إسحاق!

ومن الروايات الشائنة المنسوبة لابن عباس أنه الذى اذاع التفسير القبيح للآية : (تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ) (٣٧) (الأحزاب) وقال : إن الذى أخفاه هو حبّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لزينب وهى فى عصمة زيد. وهذا التفسير أخذه عنه قتادة ، وتلقفه منهما يوحنا الدمشقى ، وعنه أذاعه المستشرقون. وابن عباس توفى سنة ٦٨٨ م ، وقتادة سنة ٧٣٦ م ، بينما الدمشقى توفى سنة ٧٤٩ م ، والكثيرون يلقون باللوم على الدمشقى ، بينما اللوم يقع على ابن عباس فى الأساس ، وما كان ابن عباس قد رأى الواقعة أصلا ، لأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم تزوج زينب بنت جحش فى السنة الخامسة للهجرة ، وكان ابن عباس آنذاك فى السابعة من عمره!

وتكثر الروايات المتناقضة عن تفسير ابن عباس للآية الواحدة من القرآن ، وبالقطع فإن السبب فى ذلك هم أصحاب التفاسير الذين ملئوا كتبهم بروايات الوضّاعين والإسرائيليين ، وقد يحدو ذلك بالبعض إلى طرح كل تفاسير ابن عباس ، والأولى أن لا نحفل منها بما يتضمن إحالات للتراث الدينى اليهودى ، وما يشتمل على أخبار ما كان يتسنى لابن عباس أو غيره أن يعرف بها ، وأن نكتفى من تفاسيره بما يقتصر على آيات القرآن لا غير بدون زيادة.

* * *

٤٤٧. هل كان أبو هريرة تلميذا للإسرائيليين؟!

أبو هريرة ، عبد الرحمن بن صخر ، أكثر الصحابة حديثا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكنيته

٤٠٠

أبو هريرة ، لأنه تعهد قطيطة عثر عليها وهو طفل فكنّوه هكذا لهذا السبب. والذى يثير التساؤلات حول أبى هريرة هو : أنه لم يسلم إلا فى السنة السابعة من الهجرة؟! وقيل إنه أكثر من رواية الحديث لأنه لازم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من وقت إسلامه فى السنة السابعة حتى وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى السنة الحادية عشرة ، وكانت له ذاكرة حافظة ، وبينما كان الناس ينصرفون عن الرسول ليأكلوا أو ليشتروا ويبيعوا ، فإن أبا هريرة لم يكن يبارحه ، وخلال الأربع سنوات التى لازمه فيها ، وعى عنه الكثير من الحديث ، جاء منها فى مسند أحمد ٣٨٤٨ حديثا ، وفيها المكرر الكثير باللفظ أو المعنى ؛ وفى مسند بقى بن مخلد ٥٣٧٤ حديثا ، وفى الصحيحين ٣٢٥ حديثا فقط ، منها ٦٣ عند البخارى ، و ١٨٩ عند مسلم. ومات أبو هريرة سنة ٥٧ ه‍ ، يعنى ظل يروى بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ٤٦ سنة! وليست المشكلة فى كثرة رواياته ، وإنما المشكلة أنه كان من تلاميذ كعب الأحبار الذى ادّعى الإسلام ودسّ الإسرائيليات فى تفاسير القرآن ، وكان من تلاميذه كذلك ابن عباس ، ومن خلال هذين تمت ـ فى رأى كثير من المستنيرين ـ أكبر حركة تغلغل للفكر اليهودى فى التفاسير الإسلامية ، سواء للقرآن أو للحديث ، من نوع التفسير بالأخبار ، وهو ما تحب العامة والسواد أن يسمعوه من المفسرين والمحدّثين. وكان أبو هريرة إذا حدّث كعب الأخبار ، عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يتجاوب معه كعب الأحبار وإنما يحدّثه عن التوراة ، حتى صار أبو هريرة يحفظ عن التوراة كأنما قد قرأه ، فكان كعب الأحبار يقول فيه : ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبى هريرة!!!

وكان أبو هريرة من فقراء الصفّة ، وبسيط التفكير للغاية ، ولا طموحات له ، وفيه غفلة وغرّة استغلهما كعب الأحبار أسواء استغلال ، وما كانت سذاجة أبى هريرة تستطيع شيئا إلى جوار دهاء كعب. وقد تنبّه أهل العلم من المسلمين من قديم لمؤامرة كعب ضد الإسلام من خلال شخصيات مثل أبى هريرة ، ومن هؤلاء : النظّام ، والمريسى ، والبلخى ؛ ومن المحدثين رشيد رضا ، وأحمد أمين ، وعبد الحسين العاملي ، ومحمود أبو رية ، ومصطفى محمود. ويبدو أن أول من انخدع من الصحابة فى كعب هو أبو هريرة ، فوثق فيه ، وروى عنه وعن اليهود الآخرين الذين أعلنوا الإسلام تقيّة. وإنه لأمر غاية فى العجب أن يعلّم أبو هريرة التوراة وهو لم يقرأها ، وذلك دليل الصحبة الشديدة ، والملازمة العتيدة لكعب الأحبار ، ولم يكن كعب بالحمق فيعارض أبا هريرة فى الصغيرة والكبيرة ، فإذا وجد من أبى هريرة رفضا لكلامه سايره فيما يذهب إليه تألّفا له ، ومن ذلك ما رواه البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكر يوم الجمعة فقال : فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو

٤٠١

قائم يصلى ، يسأل الله تعالى شيئا ، إلا أعطاه إياه». واختلف السلف فى تعيين هذه الساعة ، وهل هى باقية أم أنها رفعت؟ وإذا كانت باقية فهل هى فى جمعة واحدة فى السنة أو فى كل جمعة منها؟ وسأل أبو هريرة كعبا عن ذلك ، فأجابه بأنها فى جمعة واحدة من السنة ، فردّ عليه أبو هريرة قوله ، وبيّن له أنها فى كل جمعة. وهنا رجع كعب ... كما قال ـ إلى التوراة ، فرأى أن الصواب مع أبى هريرة!! والحقيقة أنه ليس شىء من ذلك البتة فى التوراة ، وأن الحديث أصلا من إيحاء كعب وجعله الرواة على لسان أبى هريرة ، وأذاع كعب هذه الحكاية عن الحديث ليوثقه ، وليصدّقه الناس ، وفى ذلك يقول بشير بن سعيد : اتقوا الله وتحفّظوا من الحديث ، فو الله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدّث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويحدّثنا عن كعب الأحبار ، ثم يقوم ، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب ، ويجعل حديث كعب عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ومن ذلك الحديث عن أبى هريرة ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيما زعم أنه قال : إن فى الجنة لشجرة يسير الراكب فى ظلها مائة عام ، اقرءوا إن شئتم وظل ممدود» ، إشارة إلى الآية من سورة الواقعة : (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) (٣٠) ، فقال كعب : والذى أنزل التوراة على موسى والفرقان على محمد ... إلخ ، يعنى أنه وافقه. والقول فى أوصاف شجر الجنة من الغيب ولا يعلمه إلا الله ، ولا نعلم عن ذلك إلا ما جاءنا به القرآن ، وما أوحى إلى محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم من العلم الذى يخدم إبلاغ الرسالة ، كقوله : (فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) (٢٨) (الجن).

والرأى إذن أن نتحفظ فى كل ما نسمع من الحديث أو التفسير ، وخاصة عند ما يتعلق الأمر بأمثال كعب الأحبار ، وعبد الله بن سلام ، ووهب بن منبه ، من اليهود السابقين الذين دخلوا الإسلام ، وظهر جليا أنهم إنما فعلوا ذلك تقية ، أو بمن تلقى على هؤلاء وكان به ولع بالثقافة العبرية وعرف عنه تأثره بها ، أمثال ابن عباس ، وأبى هريرة وغيرهما.

* * *

٤٤٨. هل عبد الله بن عمرو بن العاص إسرائيلى الميول؟!

أسلم عبد الله قبل أبيه ، وروى عنه كثيرون ، منهم سعيد بن المسيب ، وعروة ، وأبو سلمة وحميد ابنا عبد الرحمن ، ومسروق وغيرهم ، وتوفى غالبا بمصر سنة ٦٣ ه‍.

وعند البخارى عن أبى هريرة قال : ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم منى ، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب» ، يعنى كانت لابن عمرو صحيفة يكتب فيها كل ما يسمعه بخلاف أبى هريرة ، وعابوا على عبد الله أن يكتب عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «كل شىء» ، لأنه قد يغضب وقد يرضى ، فلا يصحّ أن يكتب كل ما يسمع ،

٤٠٢

وقال عمرو إنه نقل ذلك إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأومأ بإصبعه إلى فيه ، وقال : «أكتب فو الذى نفسى بيده ما خرج منه إلا الحق». والحديث يتناول ما يقوله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ربّه وليس أى كلام يقوله ، مثلما أوضح فى حديثه عن تأبير النخل ، فليس كل ما يقوله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يمكن إذن كتابته. ومع ذلك فليس هناك ما يشير إلى أن ابن عمرو كان يكتب «كل شىء» ، إلا أنه كان يسمى صحيفته «الصادقة» ، ويقول فيها : «هذه الصادقة ، فيها ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس بينى وبينه فيها أحد». ومعنى ذلك أنه لا يوجد من يشهد على صدق ما يروى!! وقيل : إنه تعلم السريانية بعد فتوحات الشام ، وأنه أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب يوم اليرموك ، وأنه كان يحدّث الناس بما فيها ، ولا يوجد ما يدل على صدقه فيما كان يقول ، ولم يوجد من يختبره فى علمه هذا ، وكان كلما تحدّث ينسب ما يقول إلى أهل الكتاب فملّه الناس وزهدوا فى أحاديثه! وفى مسند أحمد أن أحد سامعيه قال له : حدّثنى ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ودعنى وما وجدت فى وسقيك يوم اليرموك (يعنى الزاملتين أو الحافظتين)! وقال له آخر : حدّثنى ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا تحدثنى عن التوراة والإنجيل!! وعن ابن حزم أن ما رواه ابن عمرو عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بلغ سبعمائة حديث ، الأمر الذى يعنى أن أبا هريرة قد بالغ عند ما قال إن ابن عمرو أكثر رواية منه عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأن أحاديث أبى هريرة بلغت فى تقدير الكثيرين ٥٣٧٤ حديثا. فأين ذهبت هذه الأحاديث؟ وعابوا على ابن عمرو : أن الناس كانت تجلس إليه ليحدّثهم عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلا يحدثهم إلا عن التوراة والإنجيل ، وفى ذلك قال معاوية بن أبى سفيان : بلغنى أن رجالا منكم يتحدّثون أحاديث ليست فى كتاب الله! ثم وجّه الحديث لابن عمرو واستطرد : ولا تؤثر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم»!! ثم إن ابن عمرو هذا صاحب حديث : «عمّار تقتله الفئة الباغية» ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذا الحديث يتنبأ مع أنه لا يعلم الغيب إلا ما كان من أمر الدعوة ، ونحسب أن أمر عمّار ليس من الدعوة فى شىء! ولهذا وأمثاله قال ابن عمرو : قد نهينا عن الحديث. يعنى أن معاوية نهاه عن الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ومما كان يحدّث به : مكتوب فى التوراة : من تجر فجر ، ومن حفر حفرة سوء لصاحبه وقع فيها. والجزء الثانى من هذا الحديث فى المزامير وليس فى التوراة كما يدّعى!!

على أن أعظم فرية قالها ابن عمرو ، حديثه عن صفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم التى جاء عنها فى القرآن فى الآية : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ) (١٥٧) (الأعراف) ، والآية : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) (٤٥) (الأحزاب) ، فقد قال : أجل والله ، إنه لموصوف فى التوراة ببعض صفته فى القرآن ،

٤٠٣

وقال : فى التوراة : يا أيها النبىّ إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين ، أنت عبدى ورسولى ، سمّيتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخّاب بالأسواق ، ولا يدفع السيئة بالسيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا لا إله إلا الله ، فيفتح بها أعينا عميا ، وأذانا صما ، وقلوبا غلفا». وكلامه جانبه الصواب ، لأنه ليس فى التوراة التى هى كتب موسى الخمسة مثل هذا الكلام البتة ، غير أنه قد ورد كلام يقرب فى المعنى من ذلك فى سفر أشعياء ، الفصل الثانى والأربعين ، ونصّه : هو ذا عبدى الذى أعضده ، مختارى الذى سرّت به نفسى ، قد جعلت روحى عليه ، فهو يبدى الحكم للأمم ، لا يصيح ولا يجلّب ، ولا يسمع صوته فى الشوارع ، قصبة مرضوضة لا ينكسر ، وكتّانا مدخّنا لا يطفئ ، يبرز الحكم بحسب الحق ؛ لا ينى ولا ينكسر ، إلى أن يجعل الحكم فى الأرض ، فلشريعته تنتظر الأمم. هكذا قال الربّ» (١ / ٥) ، فإن كان ابن عمرو يشير إلى هذه العبارات فقد تجاوز فى النقل عنها ، وقد أخطأ إذ يذكر أنها من التوراة. وأشعياء ليس سوى متنبئ ، ونبوءته يفسّرها النصارى بأنها عن المسيح! وفسّرها ابن عمرو أنها عن محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم! تفسيرا لما جاء فى القرآن ، وهذا خطأ لأن حديث القرآن عمّا يرد عن مجىء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى التوراة وليس فى نبوءة لأشعيا! ولقد جاء نحو حديث ابن عمرو عن كعب الأحبار ، وعن عبد الله بن سلام ، وهما يهوديان قبل إسلامهما ، وثقافتهما إسرائيلية ، وتنسب إليهما الكثير من الإسرائيليات ، وكان كعب يرعى ابن عمرو ، وكان يقرّظه كلما يسمعه يرجع إلى التوراة فيما يقول ، فكلما تكلم بفتوى أثنى عليه وقال : أنت أفقه العرب! إنها لمكتوبة فى التوراة كما قلت»! وقد نسب إلى ابن عمرو أنه قال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يحدثنا عن بنى إسرائيل حتى يصبح ، ما يقوم إلا على عظم صلاة»!! والثابت غير ذلك تماما ، وحديث «بلّغوا عنى ولو آية ، وحدّثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج» ، لا يعنى جواز الدعوة إلى اليهودية! ناهيك عن أن الحديث أوله لا علاقة له بآخره ، ثم إنه يناقض الحديث الآخر : «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم ، وقولوا آمنا بالله ورسله ، فإن كان باطلا لم تصدّقوه ، وإن كان حقا لم تكذّبوه» ، ولا تعنى الآية : (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ) (٩٤) (يونس) أن التوراة تهيمن على القرآن وأنها الأصل ، وإلا ما ذكر الله تعالى أنها حرّفت ، وإنما تفسير هذه الآية يكون بالذى قبلها ، والذى قبلها كان عن قصة موسى مع فرعون وما وافق ذلك من أحداث ، وما ذكرت التوراة من القصة متوافق مع ما ذكره القرآن ، وإن زاد القرآن هذه الأحداث تفصيلا ، ولو سئل أهل الكتاب عمّا جاء منها فى القرآن لأمنّوا عليه وما خالفوه ، فذلك معنى الأمر : (فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ) (يونس ٩٤) : غير أن ابن عمرو لم يكن يفسّر

٤٠٤

القرآن بالتوراة ولكنه كان يفسّره بالإسرائيليات ، ولذا قال الثقاة فيه : إن عبد الله بن عمرو كان قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب ، وكان يرويها للناس ، فتجنّب الأخذ عنه كثير من أئمة التابعين ، وكان يقال له : لا تحدّثنا عن الزاملتين.

فيا أخى ، إن رأيت حديثا به ما يخالف القرآن فلا تصدّقه مهما كانت مكانة صاحبه. وابن عمرو هو صاحب الحديث : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يترك عالما ، اتخذ الناس رؤساء جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلّوا وأضلّوا» ، وكما ترى الحديث به الكثير من العور ، لأن الله تعالى لا يقبض العلم ، ومع كرّ السنين يزداد وعى الناس ، وتطوّر الروح الذى قال به الفلاسفة هو تطور فى الوعى الإنسانى ، وما وجد بلد قطّ إلا والله تعالى يقيّض له علماء ، والثقافات تتلاقح ، والعلم ينتقل من البلد الأكثر علما إلى البلد الأقل علما. ويكفى فى هذا الحديث أن عائشة استنكرته أشد الاستنكار!!

ومثل ذلك الحديث عن ابن عمرو : «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة وقى فتنة القبر» ، فلا سبب يدعو لأن يوقى هذه الفتنة ، ثم إن فتنة القبر هذه لم يرد عنها شىء فى القرآن. وأيضا حديث : «لا يقتل مؤمن بكافر» ، فلما ذا؟ والقرآن عكس ذلك تماما ، يقول : (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (٣٢) (المائدة) ، فساوى الله تعالى بين نفس المؤمن ونفس الكافر ، ونهى عن القتل كلية ، ولم يفرّق القرآن بين الكافر والمؤمن ، طالما أن الكافر لم يقاتل المؤمنين ، ولم يخرجهم من ديارهم ، فقال : (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ) (٤٥) (المائدة) فلم يمايز بين المؤمن والكافر فى العقاب على الجرم. ومن أحاديث ابن عمرو المعتبرة من الإسرائيليات ادعاؤه بأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : يخرج الدجّال فى أمتى فيلبث فيها أربعين ، لا أدرى أربعين يوما أو شهرا أو سنة ، فيبعث الله عيسى ابن مريم فيظهر فيهلكه ، ثم لا يلبث الناس بعده سنين سبعا ، ليس بين اثنين عداوة ، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام ، فلا يبقى أحد فى قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضه ، حتى لو أن أحدهم كان فى كبد جبل. ويبقى شرار الناس ، فى خفة الطير وأحلام السباع ، لا يعرفون معروفا ، ولا ينكرون منكرا ، فيتمثّل لهم الشيطان فيقول : ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها ، وهم فى ذلك دارّة أرزاقهم ، حسن عيشهم. ثم ينفخ فى الصور ، فلا يسمعه أحد إلا أصغى له ، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه ، فيصعق ، ثم لا يبقى أحد إلا صعق ، ثم يرسل الله قطرا كأنه الطّل أو الظّل ، نعمان الشاكّ ، فتنبت منه أجساد الناس ، ثم ينفخ فيه أخرى ، فإذا هم قيام ينظرون ، ثم يقال : يا أيها الناس ، هلموا إلى ربّكم ، وقفوهم إنهم مسئولون. ثم يقال : أخرجوا

٤٠٥

بعث النار ، فيقال كم؟ فيقال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، فيومئذ يبعث الولدان شيبا ، ويومئذ يكشف عن ساق»! ـ فمثل هذا الحديث غريب فى بابه وصوره ، ولا نشك أنه من الإسرائيليات ، ومع ذلك فقد تجرّأ عبد الله بن عمرو ونسبه إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم!

* * *

٤٤٩. عبد الله بن سلام؟ هل تقبل رواياته؟!

ابن سلام إسرائيلى وقيل إنه أسلم ، وكان اسمه قبل الإسلام «الحصين» ، وسمّاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد إسلامه «عبد الله» ، وتوفى فى المدينة سنة ٤٣ ه‍. وقيل فى مكانته عند اليهود إنه كان من الأحبار ، ولا شىء مؤكد من ذلك ، وفيه نزلت الآية : (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ) (١٠) (الأحقاف) ، وروى عنه كثيرون ، منهم : أبو هريرة ، وأبو بردة ، وعطاء بن يسار ، وغيرهم ، واتّهم بأنه من مؤلّفى الإسرائيليات ومروّجيها بين المسلمين ، كحديثه الذى نسبه إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «خلق الله آدم يوم الجمعة ، وأهبط إلى الأرض يوم الجمعة ، وقبضه يوم الجمعة ، وفيه تقوم الساعة فهى آخر ساعة»! وفى قول آخر قال : «هى فيما بين العصر والمغرب»! وكل ذلك من الغيب ، ولا يعلم الغيب ولا الساعة إلا الله!

* * *

٤٥٠. وما الشأن مع تميم الدارىّ النصرانى؟

كان تميم من نصارى اليمن ، وأسلم سنة تسع هجرية ، وروى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وروى عنه ابن عمرو ، وابن عباس ، وأبو هريرة ، وعبد الله بن وهب ، وشهر بن حوشب ، وعطاء بن يزيد ، وروح بن زنباع ، وجميعهم متهمون بالإسرائيليات ، وكذلك تميم ، ويبدو أن المسلمين الأوائل كانوا مغرمين بالتهويل ، فقالوا عنه إنه كان يختم القرآن فى الركعة!! وقالوا هو أول من أسرج السراج فى المسجد؟! وأول من قصّ ، وكان ذلك فى عهد عمر ، ومن ذلك الفرية الكبرى التى اشتهرت باسم قصة الجسّاسة والدجّال ، والتى قيل أنه هو الذى رواها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ووافقه عليها. واسم الإسرائيليات يسرى على المستدخلات من الخرافات على الإسلام من أحاديث أو تفسير ، سواء من بنى إسرائيل أو من النصارى ، وقال المفسّرون : إن حديث الجسّاسة يفسّر آية القرآن عن دابة الأرض ، وإن خروج هذه الدابة لمن علامات الساعة ، كقوله تعالى : (وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) (٨٢) (النمل) ، وقد وردت فى ذكر دابة الأرض أحاديث كثيرة ، جميعها موضوعة ، وسميت الدابة باسم الجسّاسة ، لتجسّسها الأخبار للدجّال ، وقيل : هى دابة أهلب ـ أى كثيرة الشعر ،

٤٠٦

فلا تدرى ما قبلها من دبرها من كثرة الشعر! والقصة برمتها كأنها من ألف ليلة وليست من الدين ، ولا تخبر عن شىء من عقيدة الإسلام ، وواضح أن أهل الكتاب وعلى رأسهم تميم الدارىّ هذا أرادوا بغرس قصة الجسّاسة ضمن البناء الدينى الإسلامى ، أن يحيدوا بالإسلام إلى الأساطير والخرافة ، ويطمسوا فيه الصفة العقلانية الواضحة ، حتى ليكاد القرآن يكون كتابا فى العلم وليس فى الدين ، الأمر الذى يؤكد أن أمثال هذه الأحاديث مدسوسة ، ولم يكن تميم فى حديث الجسّاسة إلا قصّاصا مدلّسا وليس محدّثا كالمحدّثين. فلتحذر يا أخى أشباه تميم ، وأمثال قصتي الجسّاسة والدجّال!

* * *

٤٥١. شبهة أن يكون للقرآن أسلوبان ،

فالسّور المكية لها أسلوب ، والسّور المدنية لها أسلوب؟

الذين ادّعوا ذلك فسّروا ادّعاءهم بأن المناخ النفسى العام فى مكة لم يكن هو نفسه مناخ المدينة ، وكذلك ثقافة مكة ليست كثقافة المدينة ، والتكوين السكانى لأهل مكة ليس هو التكوين السكانى لأهل المدينة ، ومن ثم اختلف تفكير الاثنين ، وكان لا بد أن تأتى آيات القرآن وقد طبعها ذلك التباين ، ولذلك كانت الآيات المكية فيها العذاب والقسوة ، والشدّة والعنف والحدّة ، والوعيد ، والتهديد ، من أمثال قوله تعالى : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) (١) (المسد) ، وقوله : (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ) (١٣) (الفجر) ، والمقصود بذلك أن يثبتوا أن مؤلف القرآن هو محمد ، وأنه تأثر بطريقة استقبال الناس له ، وانعكس ذلك على كلامه معهم ، والصحيح أن القرآن فى مكة هو القرآن فى المدينة ، فما قالوا إنه قسوة وشدة فى الآيات فى مكة ، إنما مثله فى المدينة ، ففي سورة البقرة وهى مدنية يجيء أيضا قوله تعالى : (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) (البقرة ٢٤) ، والشبه قائم بينها وبين الآيات المكّية والأسلوب واحد ، سواء فى مكة أو فى المدينة ، ولكن الموضوعات اختلفت ، لأنه فى مكة كان الانشغال بالدعوة وتقرير مبادئ الإسلام ، وأما فى المدينة فالاهتمام بالتشريع ، وفى الحالتين كان لا بد من مراعاة أحوال المخاطبين أو حاجاتهم. ورغم قولهم أن الآيات المكية فيها قسوة فإنها تخلو من الحضّ على القتال ، وتأمر بالتسامح والعفو والصبر الجميل ، وبردّ الإساءة بالحسنة ، والقول بالأحسن ، بينما فى الآيات المدنية شرّع القتال ، واستنفر المسلمون للجهاد ، ومن ثم تتهافت هذه الشبهة كتهافت غيرها.

* * *

٤٥٢. شبهة أن السّور المكية أقل استنارة من السور المدنية؟

قالوا فى الطعن على القرآن : أن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أميا فى مكة وبين أمّيين ، فكانت

٤٠٧

مخاطباته للناس قصيرة موجزة تناسب أفهامهم ، لأن ثقافتهم كانت ثقافة بدوية ، وحضارتهم كانت حضارة وثنية متخلّفة ، بينما كان الناس فى المدينة أهل كتاب غالبا ، ولهم دراية بالتوحيد ، وأصحاب تشريعات وفلسفة ، وثقافتهم ثقافة عبرانية غالبا ، فكان على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يرتقى إلى مستواهم ، وأن يخاطبهم بما ينبغى لهم ، فهذا هو سبب اختلاف أسلوب السور المدنية عن السور المكية. وهذا غير صحيح ، فهناك سور طويلة مكية مثل سورة : الأنعام والأعراف والكهف ، فليست كل السور المكية قصيرة ، وكذلك ليست كل السور المدنية طويلة ، فالنصر مثلا مدنية ، وقيل إنها آخر سورة مدنية ، وآياتها ثلاث آيات فقط! وبعض السور المكية فيها من الروح العامة من السور المدنية ، وأيضا فإن الروح المكية تنضح فى بعض السور المدنية ، لأن الصلة معقودة بين السور هنا وهناك ، والتناسب كذلك مطلوب فيهما ، فكل سورة لها مقاصدها وما يناسبها من الأسلوب ، بحسب موضوعاتها ، والمهم أن القرآن على طوله ، عبارة عن سلسلة متصلة الحلقات من الآيات والسور المحكمة ، كالعقد ، حبّاته هنا أو هناك تكون أصغر أو أكبر لتكوّن معا فى النهاية نظما متكاملا متناسقا رضيا. ثم إن القصر فى السور ليس دليل انحطاط ثقافى ، وإنما مظهر إيجاز لا يتوفر إلا لقوم يمتازون بالذكاء والفهم ، كما أن التطويل مظهر إطناب لا يقصد به إلا أن يفهم الذين يتأبّون على الفهم ويستعصى عليهم الإدراك بسرعة. واليهود فى التوراة يميلون إلى التطويل ، واشتكى أنبياؤهم من شدّة غبائهم وعنادهم وجحودهم ، وحاجتهم إلى الشرح الكثير ، والتفسير المطنب ، ولو كان أهل المدينة أذكى من أهل مكة ، فلما ذا لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل سورة من القرآن أو حتى آية ، وقد أعيا ذلك أهل مكة منحطّى الثقافة؟!

* * *

٤٥٣. شبهة أن الشريعة كانت فى المدينة بسبب اليهود

من أكاذيب المستشرقين أنه لو لا وجود اليهود فى المدينة لما كانت التشريعات التى حفلت بها السّور المدنية. ولو كان هذا صحيحا ، وكان لليهود هذا الأثر الإيجابى الإنشائى على الإسلام ، فلما ذا لم يكن لهم هذا الأثر على عرب المدينة ، وعلى عرب الجزيرة كلها قبل الإسلام؟ ثم إن القرآن لم يأخذ منهم ، وإنما جاء لإصلاح ما هو قائم وفاسد عندهم ، سواء فى العقيدة ، أو فى التحليل والتحريم ، فكيف يستدين المصيب من المخطئ؟ وكيف يرجع من هو على صواب إلى من هو على خطأ؟ والأصل فى الحضارات أنها تكون فى بدايتها بسيطة وتؤكد على الكليات ، ثم تتفرع منها إلى الجزئيات والتفاصيل ، وهكذا كان الإسلام فى مكة يهتم بالعقيدة ، ثم فى المدينة استكمل التشريع ؛ وحتى وهو فى مكة لم

٤٠٨

ينس التشريع ، كما فى قوله تعالى : (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ) (١٥١) (الأنعام). وعند ما يبدأ معلم فى التعليم ، فإنه أول ما يعطى تلاميذه المبادى ، فكلما تقدّموا وزاد استعدادهم للتلقّى والاستيعاب ، زادت مقرراتهم ، وهذا ما جرى فى مكة أولا ، ثم فى المدينة ثانيا ، مرحلة بعد مرحلة ، ولكل مرحلة ما يناسب وسع الناس.

* * *

٤٥٤. شبهة الانحطاط الثقافى فى القسم بالحسيّات

قال المستشرقون : إن السّور المكية فيها القسم بالحسيّات ، مثل قوله : (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (١) (سورة التين) ، و (الضُّحى) (١) (الضحى) ، وقوله : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى) (٢) (الليل) إلخ ، وهو دليل على أن المخاطبين بهذه الحسيّات هم حسيّون ، ومداركهم حسيّة ، على عكس الناس فى المدينة فإنهم أميل إلى المجرّدات ، واختلاف السور المكية عن السور المدنية دليل على أن محمدا هو مؤلف القرآن ، لأنه تأثر بالمناخ الحسّى فى مكة ، ثم بالمناخ التجريدى فى المدينة؟ والجواب : أنه لكى يفهم أهل مكة معنى التوحيد ، لا بد أولا أن يعرفوا عن الله ، وأنه خالق الكون وبديع السماوات والأرض ، فكانت السور المكية حسّية كونية لهذا السبب ، ثم لما ذا الإقلال من شأن الحسّيات وهى أشياء بها من الأسرار والخبايا العلمية والإبداعية ما يحيّر ويذهل كل عاقل لبيب ، فالحسّيات عند التأمل تؤدّى إلى مسائل تجريدية وفكرية هائلة!

ولم يكن اعتباطا اختيار هذه الحسيّات دون غيرها فى هذه السورة أو تلك ، فقسمه تعالى بالتين والزيتون وطور سينين له دلالته التأويلية ، فالتين كانت به بداية الخلق ، ويذكّر بورق التين الذى خصف آدم نفسه به ليخفى عريه لمّا عصى ؛ والزيتون إشارة إلى بداية الحياة مع نوح بعد الطوفان فكانت أغصان الزيتون هى أول ما عثر عليه نوح من نباتات الأرض ، وسيناء كان بها نزول شريعة موسى كأول شريعة مكتوبة ، فهذه مراحل ثلاث من تاريخ الإنسانية كانت علامات كبرى فيها ، ولم يكن القسم بالتين والزيتون وطور سينين لمجرد أنها حسيّات!

* * *

٤٥٥. شبهة أن تكون الحروف المقطعة وضعها كتبة اليهود

قالوا : إن القسم فى القرآن بالحروف المقطّعة فى أوائل السور ، مثل قوله تعالى : «كهيعص» : (مريم) ، ليس فيه بيان ولا هدى للناس ، فحتى الراسخون فى العلم لا يعرفون ما ذا تعنى هذه الحروف ، والخطاب بها كالخطاب بالمهمل ، وادّعوا أنه كان للنّبىّ كتبة من

٤٠٩

اليهود ، وهؤلاء وضعوا هذه الحروف المقطّعة تنبيها إلى بداية السورة ، ولها معناها عندهم ، فقد يكون المعنى : قال محمد ، أو يزعم محمد ، أو بداية كلام ، أو فى المبتدأ ، وهكذا ، فظن العرب أنها من القرآن وثبّتوها فيه!! وقالوا : ربما قصد محمد بها إلى التهويل على القارئ وإرهابه ، أو التعمية عليه!!

والجواب على ذلك : أن النبىّ لم يستعن بأى كاتب يهودى ، وكذلك فإن هذه الحروف المقطّعة لا معنى لها فى أى لغة ، ولا فى العبرية ، وإنما هذه الحروف للتنبيه إلى أن القرآن كتاب من نفس هذه الحروف العربية المقطّعة ومع ذلك كان معجزا ، ولم يستطيعوا محاكاته ولو بسورة مع أنهم ملوك البيان ، وكانت السور تبدأ بهذه الحروف ، ثم بعدها تأتى الآيات تنوّه بالقرآن ، أو تذكّر بآيات الله الكونية ، فكأن الإشارة بهذه الحروف المقطّعة إلى آيات الله المقروءة أولا ، ثم المنظورة ثانيا ، فاشتمال القرآن على هذه الحروف ليس إذن من لغو الكلام كما قال المستشرقون.

* * *

٤٥٦. شبهة أن يكون القرآن قد أسقط بعضه أثناء الجمع

قالوا : إن بعض الآيات فى القرآن تدل على أنه قد أسقط منه شىء ، أو أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنسى بعض آياته ، بدليل ما جاء فى سورة الأعلى عن ذلك ، وهو قوله تعالى : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) (٦) (الأعلى) ؛ أو أن الصحابة حذفوا منه شيئا ، رأوا مصلحة فى حذفه ، ومن ذلك المتعة التى أسقطها علىّ وكان يضرب من يقرأها ـ هكذا قالوا ، ونسبوا إلى عائشة أنها قالت عن علىّ : أنه يجلد على قراءة القرآن ، وينهى عنه ، وقد بدّله وحرّفه ؛ وقيل إن الصحابة الذين كانوا يحفظونه قتل الكثير منهم فى حروب الخلفاء الأولين ، وأن العظام التى كان القرآن مكتوبا عليها ، لم تكن منظّمة ولا مرتّبة ولا مضبوطة وضاع بعضها ؛ وأنه لمّا قام الحجّاج ينصر بنى أمية ، جمع المصاحف وأسقط منها أشياء نزلت فيهم ، وكتب نسخا أخرى وزّعها بدلا من الأولى!!؟

والجواب على ذلك : أن الصحابة كان منهم العدد الكافى الذى يضمن صحة النقل عنهم بالتواتر ، وأن الآية : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) (٦) (الأعلى) لا تعنى أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم نسى ، وإنما المعنى أن ما سيوحى إليه لن ينساه ، وأن النسيان منفىّ عنه قصدا. وأما أن الصحابة حذفوا ما رأوا المصلحة فى حذفه فهذا باطل ، لأن التواتر يمنعه ، والشروط التى كان لا بد أن تتوفر فى الحافظ ، تجعل من المستحيل أن يتصرّف أى صحابى فى شىء ائتمن عليه. وأما آية المتعة فلم يثبت أبدا أنها من القرآن ؛ وما رووه من كلمات قيل إنها من القرآن ونسبوها إلى أبىّ بن كعب ، ثم حذفت مع ذلك ، لم تقم الحجة على أنها كانت من القرآن ، بل إن أسلوبها

٤١٠

الذى صيغت به لا يدل على أنها من القرآن البتة. وكان بعض الصحابة يكتبون لأنفسهم ما يظنون أنه من القرآن ، فإذا راجعوه على أصحابهم تبيّنوا خطأهم وأسقطوه من كتاباتهم. وأما ترتيب الآيات فلم يكن اعتباطا ، وإنما تم توقيفيا ، وأمر به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحفظه عنه الصحابة وكتبوه ، ولم يكن تصريحهم بأن آية منه فقدت ووجدوها عند خزيمة بن ثابت ، يعنى إمكان أن تضيع آية! فذلك كان مستحيلا ، لأن اعتمادهم أولا وأخيرا على الحفظ ، ولو لم يكن هذا الحفظ ما عرفوا أن إحدى الآيات مفقودة ، وما سعوا إلى البحث عنها. ولم يكن بسبب ضياع بعض الآيات أن قال بعض الصحابة بالنسخ ، فالنسخ مسألة أخرى مختلفة تماما ، وباب مستقل ضمن هذا الكتاب ، فليرجع إليه القارئ. وأما الأقوال عن الحجّاج ، فهى تخرّصات لا أصل لها ولا دليل عليها ، وكيف يتسنّى للحجّاج أن يجمع المصاحف وهو مجرد عامل من عمّال الخليفة على بعض الأقطار؟ وإذا استطاع الحجّاج أن يجمع المصاحف ويغيّر فيها ، فما ذا عن الحفّاظ ، وكيف يفعل بهم ويغيّر ما حفظوه وكانوا يعلّمونه للناس؟ وما ذا يفعل الحجّاج وحده إزاء جموع الحفّاظ فى كل أقطار الإسلام؟

* * *

٤٥٧. شبهة أن يكون القرآن قد زيد فيه عند الجمع؟

قالوا : إن القرآن زيد فيه لمّا جمعه الصحابة ، والدليل على ذلك ، أن ابن مسعود لم يضمّن المعوذتين والفاتحة مصحفه ، فكأنها زيدت عليه ، وهذا الزعم باطل وليس صحيحا ، وقال فيه ابن حزم : هذا كذب على ابن مسعود وموضوع. ولم يقل أحد أن ابن مسعود أنكر الفاتحة ، وكيف ينكرها وهى أم القرآن؟ وهى السبع المثانى التى تثنّى وتكرّر فى كل ركعة من الصلاة؟ ولو أنكرها ابن مسعود فما ذا يضرّ فى ذلك ، وهو واحد ، وشرط صحة ما يدّعيه التواتر والإجماع؟

وقالوا : إن الآية : (وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) (١٤٤) (آل عمران) من كلام أبى بكر!! ولذلك لمّا قالها أبو بكر عند إعلان وفاة النبىّ قال الراوى : لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت ، حتى تلاها أبو بكر يومئذ ، فأخذها الناس من أبى بكر! والآية ليست من كلام أبى بكر وإنما هى من القرآن ، وكان نزولها فى واقعة أحد ، يعاتب بها الله المؤمنين الذين أصابهم اليأس ، وقد ظنوا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد قتل ، فكادوا ينصرفون عن القتال. والآية بصياغتها هذه لا يمكن أن تكون من كلام أبى بكر بل من القرآن.

وقالوا كدليل على أن الآية السابقة لأبى بكر ، وأنه من الممكن أن يؤلّف كلاما كالقرآن ويضاف إليه ، أن عمر بن الخطاب أيضا له من العبارات ما صار قرآنا وعدّ من

٤١١

القرآن ، كالآية : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (١٢٥) (البقرة) قالوا : هى من وضعه ، والثابت أن عمر اقترح على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم اقتراحا وقال له : ما ذا لو صلينا فى مقام إبراهيم؟ فنزلت الآية : (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) توافق رأى عمر ، ومع ذلك فهناك فرق بين كلمة عمر التى كانت سببا فى نزول الآية ، وبين عبارة القرآن التى نزلت بها الآية ، ومنذ البداية كانت الآية موجودة فلم تضف. ومن ذلك ترى أنه لا زيادة فى القرآن ، كما لم يكن هناك نقص فيه كما ادّعوا.

* * *

٤٥٨. شبهات غلاة الشيعة فى القرآن

هؤلاء قالوا : إن عثمان وأبا بكر وعمر حرّفوا القرآن ، وأسقطوا بعضه ، وأن ما نزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم منه كان سبعة عشر ألف آية ؛ وأن سورة البيّنة كانت تحوى أسماء سبعين رجلا من قريش فحذفت الأسماء ؛ وأن الآية : (أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) (٩٢) (النحل) حرّفت وكانت «أئمة هم أذكى من أئمتكم» ؛ يقصدون بالأئمة الأذكى أئمة الشيعة ؛ وأن القرآن كانت فيه سورة تسمى «سورة الولاية» أسقطت بكاملها ؛ كما أسقط أكثر سورة الأحزاب ، وكانت فى طولها كسورة الأنعام ، فأسقطوا فضائل أهل البيت ؛ وأن الآية : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) (٢٤) (الصافات) كانت فى الأصل «وقفوهم إنهم مسئولون عن ولاية علىّ» فحذفوا «ولاية علىّ» ؛ وأسقطوا لفظ «ويلك» من الآية : (لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) (٤٠) (التوبة) ، أى أن الآية كانت هكذا : «ويلك لا تحزن إن الله معنا» ، وأسقطت منها «ويلك» ؛ وأن الآية : (وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ) (٢٥) (الأحزاب) كانت فى الأصل : و «كفى الله المؤمنين القتال بعلىّ بن أبى طالب ، فأسقطوا «بعلىّ بن أبى طالب» ؛ وأن الآية : (سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا) (٢٢٧) (الشعراء) كانت فى الأصل : «سيعلم الذين ظلموا آل محمد» ، فأسقطوا «آل محمد» إلخ. واتهامات هؤلاء مجردة من الدليل ، والمستشرقون والنصارى واليهود ، والتنويريون حاليا ، يرددونها ، مع أن إجماع الأمة على أنه لا زيادة ولا نقصان ولا تحريف فى القرآن ؛ وكذلك التواتر شككوا فيه ، وفيما جمع أبو بكر وعمر وعثمان من القرآن بالتواتر ، مع أن عليا نفسه قد أثنى على أبى بكر لأنه جمع القرآن ، وقال إنه لو كان هو الوالى أيام عثمان ، لفعل مثلما فعل عثمان ، فلم يحدث إذن أن طعن علىّ فى جمع القرآن ، ولا فى مصحف عثمان ؛ ولمّا ولى علىّ الخلافة وكانت لديه الفرصة أن يظهر القرآن الحقيقى الذى تزعم الشيعة أنه فى حوزته ، لم ينشر شيئا من ذلك ، وولى بعده ابنه فلم يذع عن ذلك ، فبطلت دعاوى الشيعة مثلما بطلت دعاوى غيرهم فى القرآن.

* * *

٤١٢

٤٥٩. شبهة أن يكون القرآن متواترا وكانت بعض آياته مفقودة؟

لمّا عهد عثمان إلى زيد بن ثابت أن يجمع القرآن ، تتبعه من الرقاع والأكتاف وسعف النخل وصدور الرجال ، حتى وجد عند خزيمة بن ثابت الأنصارى آيتين من سورة التوبة لم يجدهما عند غيره ، هما : (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (١٢٩) (التوبة) ، فكيف يكون القرآن متواترا مع قول زيد بأنه لم يجد هاتين الآيتين إلا عند خزيمة؟ وكذلك لم يجد الآية : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ) (٢٣) (الأحزاب) إلا عنده وعند خزيمة؟ والجواب : أن قوله هذا لا يعنى أنه لم يجد هذه الآيات مكتوبة ، ولكنها كانت محفوظة ، بدليل أنه كان يبحث عنها ، فكيف يبحث عنها ولا أحد يعلم بأمرها؟ وإذن التواتر متوفر ، لأن القرآن محفوظ فى صدور الرجال وإن لم يكن بعضه مكتوبا.

* * *

٤٦٠. شبهة أن القرآن الحالى هو ما نزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم

قالوا : إذا كان القرآن قد كتب على الحجارة وسعف النخل والعظام ، فلا بد أنه ضاع منه الكثير واندثر؟ والجواب : أنهم ظنوا أن الحجارة لم تكن مصقولة ، والصحيح أنهم كانوا يكشطونها حتى كانت كالصحائف ، وكانت الكتابة عليها سهلة كالكتابة على الجصّ الآن ، وأما سعف النخل والعظام فكان يكشط ويصنع منه ما يشبه الورق السميك ، فلما ذا إذن تضيع الكتابة عليه؟ ثم إن الكتابة لم يكن يقوم بها واحد ولكن جمعا كبيرا ، كل واحد يكتب وحده وهذا أحرى أن يحفظ المكتوب. وقولهم أنه لا بد أن يكون قد انمحى شىء منها ، يحتاج إلى سند ودليل ، ولا سند ولا دليل على أن شيئا من هذه الكتابة ضاع أو انمحى ، لأنهم بدءوها فى حياة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان يراجعها عليهم ، وجمعها أبو بكر ثم عمر ، وأتمّها وأكملها عثمان ، فمن أين يأتى القصور والفساد؟

* * *

٤٦١. شبهة أن لا يكون ترتيب القرآن كله بتوقيف

قالوا عن خزيمة بن ثابت أنه أتى بالآيتين : (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (١٢٩) (التوبة) وقال : أشهد أنى سمعتهما من رسول الله ووعيتهما فقال عمر : وأنا أشهد لقد سمعتهما. وقال عمر : فانظروا آخر سورة من القرآن

٤١٣

فألحقوهما فى آخرها». قالوا : هذا الحديث يدل على أن ترتيب القرآن كله لم يكن بتوقيف ، وإنما كان بحسب رأى الصحابة وعن تصرّف من بعضهم لمن له الأمر؟

والجواب : الخبر لم يجمع عليه ، ومعارضه لذلك ساقط عن الاعتبار ، والذى أورده أبو داود ، وأخرج ما يعارضه عن أبىّ ، قال : فلما كانت سورة التوبة وقفوا عند الآية ١٢٧ ، وظنوا أنها آخر ما نزل منها ، قال أبىّ : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أقرأني بعدها آيتين ـ ١٢٨ و ١٢٩» ، وعلى ذلك فالترتيب مضبوط ، وكذلك السياق متوافق تماما ، والآيتان متوافقتان مع ما قبلهما ما من الآيات ، ويترتّبان عليها ، ويختمانها خير ختام ، وهذا دليل على كذب المتقوّلين بما تقوّلوا ، لعنهم الله.

* * *

٤٦٢. الانتقاص من القرآن بين الزعم والحقيقة

توفى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فلم يترك إلا القرآن والسنة ، وعن محمد بن الحنفية : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما ترك إلّا ما بين الدفتين» ، أى ما ورّث إلا ما فى المصحف. وفى رواية عن ابن عباس : «لم يترك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا ما بين الدفتين». وليس المراد أنه ترك القرآن مجموعا بين الدفتين ، لأن ذلك يخالف أن أبا بكر ، ثم عثمان ، قاما بجمع القرآن ، وإنما زعم كثير من المنافقين والشيعة ـ وكذلك الكثير من المستشرقين والعلمانيين ، أن الكثير من القرآن ذهب بذهاب حملته ، واختلقوا هذه الفرية تمشيا مع اعتقادهم ، بأن ما جرى على التوراة والإنجيل جرى على القرآن ؛ وقال الشيعة إنه كان ثابتا فى القرآن استخلاف علىّ بن أبى طالب ، وكتم الصحابة هذه النصوص. وبرواية الإسماعيلي قال : «لم يدع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا ما فى هذا المصحف» ، أى لم يدع من القرآن ما يتلى إلا ما هو داخل المصحف الموجود.

* * *

٤٦٣. إذن فما هى صحة ما زعمه بعض الصحابة من ذلك؟

عن علىّ قال : «ما عندنا إلّا كتاب الله وما فى هذه الصحيفة» ، أراد بالصحيفة الأحكام التى كتبها عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يقل أن لديه «قرآنا آخر» خلاف القرآن الذى نعرفه. وأيضا فللصحابة أقوال عن آيات من القرآن نزلت فنسخت تلاوتها مثل الحديث المنسوب إلى عمر : «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» ، والحديث المنسوب إلى أبىّ بن كعب : كانت الأحزاب ـ أى سورة الأحزاب ـ قدر البقرة» ، والحديث المنسوب إلى حذيفة : «ما يقرءون ربعها» ، يعنى سورة براءة. وكل هذه الأحاديث مدسوسة ولا أصل لها ، لا فى العقل ولا فى النقل! ونسب إلى ابن عمر أنه كان يكره أن يقول الرجل قرأت القرآن كله ،

٤١٤

ويقول : إن منه قرآنا قد رفع ـ وهذا غير صحيح فالمسلمون على الإجماع أن القرآن ما انتقص منه شىء ، وما نسخ منه شىء ، وما رفع منه شىء ، وأن الموجود منه هو ما أراده الله للمسلمين أن يبقى!

* * *

٤٦٤. كذب من قال إن عثمان قصد جمع الناس على تأليف المصحف

عثمان هو الذى جمع الناس على مصحفه ، وسبقه أبو بكر ، ولم يقصد أن «يؤلف» مصحفا خاصا به ، وإنما أرسل إلى حفصة بنت عمر يسألها المصحف الذى جمعه أبو بكر واعتمده أبوها ، وبرر ذلك بأنه يريد أن ينسخه ثم يردّه إليها ، وكان الناس قد اختلفوا فى قراءاتهم للقرآن بسبب تفرّقهم فى الأمصار ، حتى أنهم لما اجتمع نفر منهم فى غزوة أرمينية ، ظهر اختلافهم ، وتنازعوا أمرهم ، وكفّروا بعضهم البعض ، وتلاعنوا ، وتبرأ بعضهم من بعض ، فأشفق حذيفة مما رأى ، وحذّر عثمان ، وقال له : أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك! ورأى عثمان أن يكون اجتماع الأمة على قراءة واحدة ، وقيل إنه أمر أربعة : زيد بن ثابت ، وعبد الله بن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أن ينسخوا المصحف ، فإذا اختلفوا فى شىء فليكتبوه بلسان قريش ، فإنما نزل القرآن بلسانهم. فلمّا انتهوا ردّ المصحف إلى حفصة ، وأرسل إلى كل مصر بمصحف ، وأحرق ما سوى ذلك ، فأطلق عليه الحاقدون اسم «حرّاق المصاحف» ، وكان رأيه مع ذلك سديدا. ولم يختر لجمع المصحف عبد الله بن مسعود ، وآثر عليه زيد بن ثابت ، لأن زيدا كان الأحفظ للقرآن ، ووعاه كله ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حىّ ، وأما عبد الله بن مسعود فلم يكن حتى وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد حفظ القرآن ، ولم يكمل حفظه إلا بعد وفاته. وقيل إن نسخ عثمان من المصحف كانت سبعا ، وقيل أربعا ـ وهو الأصح ، وأنه أرسل بثلاث منها إلى العراق ، والشام ، ومصر ، فاتخذها القرّاء فيها مراجع لهم ، إلا من حروف قد يزيدونها أو ينقصونها فى قراءاتهم فاعتبرت قراءات جائزة. ورحم الله عثمان ، وأجزل له العطاء على ما أسدى للإسلام.

* * *

٤٦٥. شبهة اختلاف ترتيب مصاحف الصحابة عن مصحف عثمان

قالوا : لو كان ترتيب سور القرآن توقيفيا عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم كانت مصاحف بعض الصحابة مختلفة الترتيب؟ وقيل : إن مصحف أبىّ بن كعب كان يبدأ بالفاتحة ، ثم البقرة ، ثم النساء ، ثم آل عمران ، ثم الأنعام. وقيل : إن مصحف ابن مسعود كان يبدأ بالبقرة ، ثم النساء ، ثم آل عمران إلخ. وقيل : إن مصحف علىّ كان مرتبا على النزول ، فأوله «اقرأ» ، ثم «المدثر» ، ثم «ق» ، ثم «المزمل» ، ثم «تبّت» ، ثم «التكوير» ، وهكذا.

٤١٥

والجواب على ذلك : أن جمع الآيات فى السور وترتيبها كان بتوقيف من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما أوحى إليه ، وأما تقسيم السور إلى طوال ، ومئين ، ومثانى ، ومفصّل ، فهذا تولته الصحابة. وأما اختلاف مصاحف الصحابة عن مصحف عثمان فى ترتيب السور ، فقد فعلوا ذلك قبل علمهم بالتوقيف. وأما عن السبب الذى من أجله جعل عثمان فصل سورة التوبة عن سورة الأنفال ، وجعل التوبة فى المصحف بعد الأنفال ، مع أن التوبة من المئين وليست من الطوال ، ولم يضع أمام سورة التوبة : «بسم الله الرحمن الرحيم» ، فذلك لأن الأنفال ، من أوائل ما نزل من السور بالمدينة ، بينما التوبة من أواخر ما نزل ، فالتوبة ليست جزءا من الأنفال ، إلا أن عثمان شابه بين قصتيهما ، ولمّا لم يجد الرسول قد أشار على الصحابة بشيء بشأن التوبة ، قرن عثمان بين السورتين باجتهاد منه ، ولا يعدّ ما فعله موضعا لاتهام فهو معروف ، ويمكن لعلماء المسلمين فى أى وقت أن يعدّلوا فيه ، ولا نرى مضرة أن يترك الأمر كما هو والكل يعرف هذا عن السورتين. ولمّا سئل الصحابة كيف يحزّبون القرآن؟ قالوا : نحزبه ثلاث سور ، وخمس سور ، وسبع سور ، وتسع سور ، وإحدى عشرة سورة ، وثلاث عشرة ، وحزب المفصّل من ق إلى آخر القرآن. وهذا يدل على أن هذا الترتيب كان فى عهد النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم كذلك ، وكان هو الذى أمر به ، وعلى هذا ترك الصحابة ترتيبهم فى مصاحفهم وأخذوا بترتيب عثمان ، لأنه الأصحّ ، وكان ذلك بالإجماع ، والإجماع حجة. ولا ينبغى أن يستدل بقراءة سور قبل سور ، على أن ترتيبها كان كذلك ، فليس صحيحا أن النساء تسبق آل عمران ، لأن ترتيب السور فى القراءة ليس بواجب ، ولكنه فى المصاحف لازم.

* * *

٤٦٦. شبهة الخطأ فى كتابه القرآن ورسمه اللحن فى القرآن

قيل : إنه بعد تمام كتابة المصحف ، عثر عثمان على أخطاء فى الكتابة ، إلا أنه تركها لقلّتها وقال : إن فى القرآن لحنا ، وستقيمه العرب بألسنتها. وهناك شكوى عامة من هذه الأخطاء ، وقيل إن عكرمة نبّه إليها ، واستعرض رأى عثمان فيها. والبعض يرى أنه من غير المعقول أن يتبينها عثمان ويتركها للظروف والأيام واجتهادات الناس. ومن ذلك أن سعد بن جبير لم يعجبه نصب كلمة «والمقيمين» فى الآية : (لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (١٦٢) (النساء) ، فكان ينبغى أن تكون «والمقيمون» ، لأنها

٤١٦

هكذا خطأ نحوى ، وقد رأى جماعة أن يصحّحوا الخطأ ، وقرءوها على ذلك بالواو ، والذين خافوا أن يغيّروا فيها استمروا فى قراءتها بالياء ، وقالوا مع سيبويه إنها منصوبة بالاختصاص ، وكأن «والمقيمون الصلاة» اعتراضية ، ومعناها. وأخصّ المقيمين الصلاة ـ ثم يستأنف الكلام. فهذا الرأى جائز وذاك الرأى جائز ، ومع ذلك فنحن مع التصحيح كما تنبّه إليه عثمان. وقد شكا كثيرون من لحن آخر فى الآية : «إن هذان لساحران (٦٣)» (طه) ، وعرضوا الأمر على عائشة ، وعرضوا عليها قوله تعالى : (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ) (١٦٢) (النساء) ، وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ) (٦٩) (المائدة) حيث أنه كان ينبغى أن يقال «إن هذين لساحران» بدلا من «هذان» ، و «المقيمون» بدلا من «والمقيمين» ، «والصابئين» بدلا من «الصابئون» ، فقالت عائشة لمن سألها : هذا من عمل الكتّاب فقد أخطئوا فى الكتابة ـ يعنى : أقرّت بأنها أخطاء فى الكتابة بسبب الكتّاب قيل : إن عثمان نفسه قرأ : «إن هذين لساحران» ، وقرأها كذلك غفير من الصحابة ، وقرأها البعض بتخفيف إن ، فتجنبّت القراءة مخالفة المصحف وفساد الإعراب ، ويكون معناها ما هذان إلا ساحران. وأما «الصابئون» فقيل : إن الرفع محمول على التقديم والتأخير ، فيكون المعنى : «إن الذين آمنوا والذين هادوا ، من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ، فلا خوف عليهم ، والصابئون والنصارى لا خوف عليهم كذلك».

وقيل : إن عائشة سئلت أيضا عن الآية : (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا) (٦٠) (المؤمنون) ، كيف كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقرؤها؟ هل كان يقرأها «آتوا» أم «أتوا» وهناك فرق كبير فى المعنى؟ وقال لها السائل : أنه يرجّح أنها «ما أتوا» وليس «ما آتوا» فأقرّته على ما قال ، وقيل : إنها قالت : أشهد أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كذلك كان يقرؤها ، وكذلك أنزلت ، ولكن الهجاء حرّف»!! وقال ابن عباس مقالة عائشة : أشهد أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأها كذلك : «والذين يأتون ما أتوا» من الإتيان ، أى يعملون ما عملوا : ويستنكر العرب أن يقال «ما آتوا» ، بدلا من «ما أتوا». وكان ابن عباس من أكثر الناس نقدا للحن فى القرآن ، وروى عنه أنه لم يصدّق أن الآية : (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا) (٢٧) (النور) نزلت هكذا ، وقال : إن كانت الآية لا بد قد أخطأ ، وأن الصحيح أن يقال «حتى تستأذنوا» فذلك مقتضى الآية وليس «تستأنسوا». وابن عباس لم يفعل شيئا ، فإنّ «تستأنسوا» معناها «تستأذنوا» ، فأن يستأنسوا من صاحب البيت لا يعنى إلا أن يستأذنوه. ولم ير قارئو القرآن أن ابن عباس قد صحّح شيئا ، أو أضاف شيئا ، ولذلك لم يأخذوا بكلامه ولم يجدوا فرقا فى المعنى ، ولا موجبا للتغيير والتبديل. وكذلك أخذ ابن عباس على الآية : (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ

٤١٧

جَمِيعاً) (٣١) (الرعد) ، استخدامها لكلمة «ييأس» ، وقال إنها لا تصح فى السياق ، وتعطى غير المعنى المراد ، ثم قال أغرب كلام ، قال : ويبدو أن الكاتب كتبها وهو ناعس! وأن الصواب أن يقال : «أفلم يتبين» بدلا من «أفلم ييأس». ـ غير أن ابن عباس أخطأ ، لأن معنى «أفلم ييأس» هو «أفلم يعلم» ، يعنى أن «ييأس» معناها أن «يعلم» ، وهذه لغة هوازن ، ومن ذلك فى الشعر :

أقول لهم بالشّغب إذ يأسروننى

ألم تيأسوا أنى ابن فارس زهدم

وقوله إذن : «ألم تيأسوا» ، تعنى «ألم تعلموا» ، وإذن فكاتب القرآن لم يخطئ كما ادّعى ، والآية هكذا أنزلت ، ولا محل للمؤاخذة.

وعاب ابن عباس على كتبة المصاحف أنهم أخطئوا فى الآية : (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) (٣٣) (الإسراء) ، وكان أحرى بهم أن تكون الآية : «ووصّى ربّك ..» ، إلا أنهم فيما يبدو كتبوا «ووصّى» فلزقوا الواو الثانية بالصاد ، فقرأ الناس الكلمة «وقضى». غير أن الإجماع على أن الكلمة «وقضى» معناها «ووصّى» «وأمر» ، وإذن لا موجب لردّ الكلمة المتواترة.

وقال ابن عباس : وثمة خطأ آخر فى الآية : (لَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) (٤٨) (الأنبياء) ، فإن الواو فى كلمة «وضياء» زائدة ، وكان المفروض أن تكتب الآية : «ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء وذكرا للمتقين». غير أن كلمة «وضياء» ، مثلها مثل كلمة «وحفظا» فى الآية : (إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظاً) (٧) (الصافات) ، وعلى ذلك لا يكون ثمة خطأ ـ واللّبس عند ابن عباس أنه فسّر كلمة «الفرقان» فى الآية بأنه التوراة ، وإنما «الفرقان» فى الآية هو «النصر» مثل قوله تعالى : (ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ) (٤١) (الأنفال) ، فيوم الفرقان هو يوم بدر ، وهو يوم النصر ، والفرقان هو النصر ، فيكون معنى الآية أنه تعالى أنزل على موسى وهارون النصر ، وعلى ذلك تكون كلمة «ضياء» بمعنى التوراة أو الشريعة ، وتكون الواو للتغاير.

وأيضا عاب ابن عباس الآية : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ) (٣٥) (النور) ، وقال إنها خطأ من الكاتب ، فالله تعالى أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة ، وإنما المقصود بالضمير فى «نوره» المؤمن ، فمثّل نور المؤمن بالمشكاة ، وعلى ذلك ذهب ابن عباس بعيدا ، لأن الآية تتحدث عن نور الله وليس نور المؤمن ، ولا نور النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا نور القرآن ، وليس فى الآية مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثّل به ، ولكنها تمثّل نور الله الذى هو هداه ، بأنه كالنور الذى نعرفه نحن بصفاته ، وهى أبلغ صفات عندنا عن النور عند الإنسان ، وبذلك كملت الصورة ولم يكن فى الآية أى عيب!

٤١٨

وقيل : أنهم نبّهوا زيد بن ثابت إلى الخطأ فى كتابته للقرآن فى الآية : (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) (٣٩) (القيامة) وقالوا لزيد : يا أبا سعيد ، أوهمت! إنما هى ثمانية أزواج : من الضأن اثنين اثنين ، ومن المعز اثنين اثنين ، والإبل اثنين اثنين ، ومن البقر اثنين اثنين. يعنى أن الزوج اثنان ، ولكنك كتبت فى القرآن أن الاثنين زوجان ، فقال زيد : لا ، إن الله تعالى يقول : (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى) (القيامة ٣٩) ، يعنى هما زوجان ، وكل واحد منهما زوج ، وليس أنهما الاثنين معا زوج. وقال الغالطون : إن كتابة زيد لهذه الآية بشكلها يدل على أن النسّاخ كانوا يتصرّفون باختيارهم ، وبما شاءوا أن يكتبوه ، وهذا منهم خطأ فاحش ، لأن الزوج يقال للرجل ، ويقال للمرأة أيضا زوج ، فهما زوجان ، والقرآن هو الصحيح ، والغالطون على غير الحق.

وقالوا : خطأ آخر هو كتابة «مالك يوم الدين» من سورة الفاتحة هكذا : «ملك يوم الدين» ، فالنّسّاخ فعلوا ذلك من أنفسهم» ، وهذا خطأ ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأها «مالك» و «ملك» ، بالألف وبدونها ، وكذلك فعل الصحابة. ومن قواعد رسم المصحف الحذف ، و «مالك» يصحّ فيها حذف الألف فى الرسم.

وبعد فهذه جملة ما أخذ على كتابة المصحف من اللحن ، وقد رددنا عليها جميعا.

* * *

٤٦٧. شبهة أن يكون إعجاز القرآن بسبب الصّرفة

الصّرفة : يعنى أن العرب صرفوا أن يعارضوا القرآن ، فلذلك بدا كما لو كان معجزا ، وإنما من اليسير معارضته ، وقال المستشرقون وكثير من المسلمين بالصرفة لمّا عجزوا عن تفسير قصورهم عن معارضته بالأسباب المعروفة ، فادّعوا أن العرب لم يكترثوا بهذه المعارضة ، فلم يحاولوها ، وينقض ذلك أن القرآن تحدّاهم غير مرة ، والعرب معروفون بشدة الحمية لمن يتحدّاهم ، وكانت صناعتهم البيان ، وأسواقهم الأدبية كثيرة ، ليظهروا فيها براعتهم ، ويعلنوا عن تفوّقهم ، فلم لم يعبئوا بالتحدّى إلا إذا كانوا عاجزين عن المعارضة؟ وكان الأحرى بهم أن يولوا ذلك عنايتهم ، لأن القرآن سفّه أحلامهم ، واستهزأ بعقائدهم وعوائدهم ، وقد اتفقوا جميعا على مناهضته ، ومحاربة الإسلام ، وقتال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وألّبوا كل القبائل عليه ، وأجبروه على الهجرة هو وأصحابه ، واستولوا على أموالهم ، وقبل ذلك قاطعوهم وسبّوهم ، وساوموه أن يترك دينه فيجمعوا له الأموال ، وينصبّوه ملكا عليهم ، ويزوّجوه من بناتهم ، واتّهموه مرة بالسحر ، ومرة بالكهانة ، ومرة أنه شاعر ، ومرة نسبوا إليه أنه مجنون ، وتآمروا عليه ، وحاولوا عشر مرات أن يقتلوه ، وأهانوه فى عرضه ، وتقوّلوا عليه ، ثم قامت الحرب بينه وبينهم فجيّشوا له الجيوش ، فهل بعد ذلك يقال أنهم

٤١٩

صرفوا همّتهم عن معارضة القرآن؟ ولما ذا إذن كان القتال لو كانوا غير مهتمين؟ وربما يقال : إنهم لم يعادوا القرآن ولكنهم كانوا يعادون محمدا؟ والواقع يقول إن علاقتهم بمحمد لم تنقطع ، وإنما كان غضبهم من القرآن ، وثورتهم عليه ، فكان الأحرى بهم أن يعارضوه. وربما يقال : أن ما غاظهم من القرآن هو مخالفته لعقيدتهم بقطع النظر عن إعجازه؟ والجواب : أنه كان بينهم النصارى واليهود على غير دينهم فلم يهمهم ذلك ، وإذن فالسبب حقيقة هو القرآن نفسه ، وليس مخالفته لدينهم ، ولقد حاولوا أن يعارضوه وفشلوا ، لأن القرآن ليس بيانا فقط ، ولكنه علوم وفنون ، وتاريخ وأدب وقصص ، وتشريع وقانون ، وفيه من كل مثل ، فكيف يعارضونه؟! ولقد حاول المستشرقون أن يردّوا المعلومات فى القرآن إلى مختلف اللغات والحضارات ، فاستوجب ذلك أن يكون محمد قد أحاط بكل اللغات القديمة ، وقرأ كل المعارف والمؤلفات ، ووعى كل العلوم والآداب! وثبت لهم من ذلك أن القرآن يحتاج إلى مؤسسة علمية كبرى ، فيها من كل التخصصات ، وينتظم فى سلكها مئات من الخبراء ليكتبوا كتابا مثله. والقول بالصرفة إذن ـ أى بأنهم صرفوا همّتهم عن معارضة القرآن ، ولم يحفلوا بذلك ، عجز بواح لا شك فيه ، من نوع ما يقول به علماء النفس من «تبرير العجز» بأسباب واهية وغير علمية ، كلما أعوزهم السبب الحقيقى.

* * *

٤٦٨. البدعة والضلالة

فى القرآن أن الرهبانية ابتدعها النصارى ، كقوله تعالى : (رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ) (٢٧) (الحديد) ، أى كانت لهم بدعة ، والبدعة : لا تصدر إلا من البشر ، غير أنه لا بد أن يكون لها أصل فى الشرع أولا ، والرهبانية من ذلك ، فالاعتزال كان فى الدين ، فطوّروه إلى نظام الرهبانية ، فإذا كانت البدعة تحت عموم ما ندب الله إليه ، فهى فى حيّز المدح ، ويعضد هذا قول عمر : نعمت البدعة هذه! يقصد قيام رمضان ، لمّا كانت من الأفعال الحسنة وداخلة فى حيز المدح. وإن كانت البدعة خلاف ما أمر الله به فهى فى حيز الذّم والإنكار ، وفى الحديث : «وشرّ الأمور محدثاتها ، وكلّ بدعة ضلالة» أخرجه البخارى ، «فالبدعة الضلالة» : هى ما يخالف الكتاب ، أو السنّة ، أو عمل الصحابة ، وفى الحديث : «من سنّ فى الإسلام سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أجورهم شىء. ومن سنّ فى الإسلام سنّة سيئة ، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شىء» أخرجه مسلم.

* * *

٤٢٠

٤٦٩. «المحكم» و «المتشابه» فى القرآن ، ما هما؟

المستشرقون كثيرا ما يلغطون على القرآن ويسخرون من اضطراب معانى الآيات فيه ، ومن ذلك أنه قد ورد عن القرآن أنه : (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) (١) (هود) ، وجاء عكس ذلك أيضا : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً) (٢٣) (الزمر) ، ثم ذكر فى القرآن الضّدان معا : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) (٧) (آل عمران) ، فقالوا : إن الآيات الثلاث متعارضة ، مع أنه لا تعارض هناك البتة ولكنه نقص معرفتهم باللغة : فالمحكم فى اللغة من الإحكام ، وهو المنع ، يقولون أحكم الأمر ، أى منعه أن يفسد ، وأحكمه عن الأمر أى منعه منه ، وحكم نفسه وحكم الناس ـ أى منع نفسه ومنعهم عمّا لا ينبغى ، وأحكم الفرس أى جعل له حكمة تشكمه وتمنعه أن يتهيّج ، وأتاه الله الحكمة ، أى المنعة أن يأتى السوء ؛ والمتشابه : هو المشاكل والمماثل المؤدّى إلى الالتباس ، تقول : تشابها ، واشتبها ، وأشبه كل منهما الآخر حتى التبسا ، وأمور مشتبهة ، ومشبّهة أى مشكلة ، والشبهة الالتباس ، وشبّه عليه لبّس عليه.

والقرآن فى الآيات الثلاث ، فيه المحكم ، وفيه المتشابه ، فالآية الأولى تدل على أنه كله محكم ، والآية الثانية أنه كله متشابه ، والثالثة أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، والمعنى فى الآيات الثلاث واحد ، إلا أنه مرة يؤكد على جانب منه ، ومرة على جانب آخر وهكذا ؛ والإحكام يعنى أنه لا يأتيه باطل ولا خلل كالبناء المحكم المتين الرصين ؛ والتشابه يعنى أنه يشبه بعضه بعضا فى الإحكام ، فلا يفضل بعضه على بعض وإن خفى هذا الإحكام على الناس ، فلما كان بعضه ظاهر الإحكام ، وبعضه خفيا إحكامه إلا على المدقّق ، فلهذا كان بعضه محكم وبعضه متشابه.

والمحكم اصطلاحا يكون بهذا المعنى السابق الذى يقابله المتشابه ، وهو اصطلاحا أيضا يقابله المنسوخ. وسواء بهذا المعنى أو بغيره فالمحكم هو المنيع الذى لا يتطرّق إليه النسخ ، والذى ليس فيه التباس ، ومعناه واضح لا خفاء فيه ، ولا يحتمل إلا تأويلا واحدا ، ولا يتطرق إليه إشكال ، وترجح دلالته ، والمتشابه بخلاف كل ذلك ، وهو المقابل له.

* * *

٤٧٠. فإن كان «المحكم» هو الأفضل والأوضح فلما ذا «المتشابه» ، وما الحكمة فيه؟

نعلم أن المتشابه ما خفى مراد الشارع منه ، وقد يكون لفظا ، أو يكون معنى ، أو يكون لفظا ومعنى. والخفاء فى اللفظ مثل قوله تعالى : (وَفاكِهَةً وَأَبًّا) (٣١) (عبس) فما هو الأبّ؟ واللفظة كما نرى مفردة ، ومعنى الأبّ ما ترعاه البهائم ، وقد عرفنا ذلك من بقية الآية :

٤٢١

(مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) (٣٢) (عبس) ، وبذلك يرتفع التشابه أو اللبس. ومثل ذلك فى التشابه فى المركّب ، كقوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) (٣) (النساء) فالتحرّج من الزواج من اليتامى لم يذكر سببه ، فتولد اللبس عن ذلك ، وكان ذلك لأنهم كانوا يتحرّجون من ولاية اليتامى ولا يتحرّجون من الزنى ، فأنزل الله الآية : فإن خفتم أن تجوروا على اليتامى فأقلعتم عن الزواج منهن ، فخافوا الزنى أيضا ، وتبدّلوا به الزواج الذى وسع الله عليكم فجعله مثنى وثلاث ورباع. وأما التشابه الراجع إلى الخفاء فى المعنى فقط ، فمثاله ما جاء فى القرآن وصفا لله ، أو للساعة ، أو للجنة أو النار ، فهذه أشياء لا يتسنى أن نحصل عنها على جواب محكم ندركه إدراكنا للمحسوسات. وأما ما كان التشابه فيه لخفاء فى اللفظ والمعنى معا ، فمثاله الآية : (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) (١٨٩) (البقرة) فقد كانت عادة العرب إذا أحرموا أن لا يدخلوا ولا يخرجوا من الأبواب ، وإنما ينقبون نقبا فى ظهر البيت يدخلون ويخرجون منه ، فنزلت الآية أن ذلك ليس البرّ ، وإنما البرّ أن تتقوا الله. والخفاء فى الآية مصدره اللفظ والمعنى معا. والمتشابهات عموما إما أنها كذلك لأنها داخلة فيما لا يمكن العلم به كالساعة والقيامة ، وإما أن العلم بها يتطلب إعمال الفكر والبحث كما فى الآية : (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ) (١٠٢) (آل عمران) ، وإما أنها تشتبه على العامة ولا تشتبه على الخاصة الراسخين فى العلم.

فإذا كانت المتشابهات هى الألفاظ الخفية المعنى والمعانى البعيدة والغامضة ، فلما ذا يأتى بها الله ، والقرآن ينبغى أن ينبسط للجميع عامة وخاصة؟ والجواب : أن الله تعالى قد أتى بها لأن الناس ليسوا سواء فى الذكاء والإدراك والمعرفة ، فمثلا صفاته تعالى كيف يدركها العامة؟ فكان لا بد أن يكون الكلام فيها من باب المتشابهات. والناس ليسوا سواء فى الإيمان ، فمن صادفه متشابه وآمن به إيمانه بالمحكم فقد وعى الحقّ من ربّه ، ومن اتّبع المتشابه وأرغى فيه وأزبد فهذا الذى يبتغى الفتنة ، وإذن فالإتيان بالمتشابه مع المحكم إنما هو اختبار منه تعالى لإيمان المدّعين ، وهو ابتلاء للمؤمنين ، ثم إنه يناسب عقلية العوام وما تتخيله أو تتوهمه عن الله تعالى ، فى حين أن المحكم هو ما يناسب الخواص ، وهم الراسخون فى العلم ، يؤوّلونه التأويل الصحيح. ولو كان القرآن محكما كله أو متشابها كله لكان المقصود به جماعة واحدة من الناس ، والمتشابه أدعى لإعمال الفكر فيكون المزيد من الثواب للباحثين ، وتحصيل المزيد من العلوم ، وبذلك يكون الخروج عن التقليد ، ويكون الاجتهاد فى التفسير ، فله الحمد تعالى على ما أنعم وهدى ، وله المنّة وكل الشكر.

* * *

٤٢٢

٤٧١. الناس أتوا فى المتشابهات بكلام يحتمل الكفر والإيمان؟

أكثر الناس فى موضوع المتشابه من القرآن ، من أمثال : (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) (٥) (طه) ، فالاستواء من المتشابهات فى الصفات ، أى التى يصف الله تعالى بها نفسه ، وآيات أو متشابهات الصفات كثيرة فى القرآن ، وتحفل أسفار موسى الخمسة بها ، ومنها الكثير أيضا فى الأناجيل ، واليهود والنصارى مع الرأى الذى يقول بحمل المتشابهات على ظواهرها ، مع بقائها على ما هى عليه مما هو فى واقع الناس ، وبهذا الرأى أيضا قال المجسّمة والمشبّهة ، غير أن المعوّل عليه فى الإسلام فى أمور العقيدة : أن يكون الدليل على المعنى قطعى ، والله تعالى فى التصوّر الإسلامى ليس جسما ، ولا يتحيّز ، ولا يتجزى ، ولا يتركّب ، وليس ناقصا يكمله شىء أو أحد ، ولا يحتاج إلى مكان ولا إلى زمان. ومن المتفق عليه عند المسلمين أن الاستواء على العرش ـ بمعنى الجلوس عليه ، من التمكّن والتحيّز ـ مستحيل فى حقّ الله ، لأنه تعالى لا يشبه خلقه ، كقوله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (١١) (الشورى). ولقد تصوّر البعض أن فى الإمكان حلّ هذا الإشكال بتفويض الله تعالى فى تحديد معنى الاستواء الذى وصف به نفسه ، وهو تعالى الأعلم بنفسه ، وهؤلاء هم المسمون المفوّضة. وفيهم آخرون ذهبوا إلى أن الآية إثبات صفة الاستواء لله بدون تعيين ، ومن عيّن منهم قال إن استواءه تعالى على العرش يعنى أنه سخّره وقهره لإرادته ، والعرش هو الوجود كله ، والقول بهذه التأويلات فيه إثبات للملزوم ونفى اللازمة ، وهو تناقض صريح ، فما من عاقل يمكن إن يقول إن الاستواء هو الاستواء ، أى الجلوس المعروف الذى يستلزم أن يكون لله تعالى جسم ، وأن يتحيّز فى المكان! وأيضا فإن القول بأن الاستواء مع ذلك ليس كما نعرف ، نفى للقول الأول وتناقض معه ، وكأننا به نقول مرة أنه لا يمكن أن يستوى كاستواء الأجسام المتحيّزة ، ومرة نقول إن هذا الاستواء ليس ما نعرف من الاستواء ، فنثبت الصفة المتشابهة مرة وننفيها أخرى ، فنقول شيئا وننقضه. ولو قلنا إن الاستواء على ما يعلمه الله ولا نعلمه نحن ، وهو من الغيب لأنه متعلق به تعالى ، وصفاته كلها غيب ، فما كان غيبا لا نقاش فيه ولا جدال ، لأرحنا واسترحنا ، وأقنعنا واقتنعنا ، لأن المتشابه من الصفات من المجاز وليس من الحقيقة ، ولأنه كذلك فلا بد أن يصرف عن ظاهره ، طالما هناك قرينة تمنع من إرادة معناه الأصلى. ويفسد أن نقيس غائب بشاهد ، وأن نتصوّر لله ما ندركه فى البشر بحواسنا وعقولنا ، والله تعالى مجرّد ، وتصوّر المجرّد ماديا لا يجوز ، وطالما أن الله تعالى كذلك فهو ليس بجسم ، ولا مكان له ولا جهة ، ولا يعنى القول بذلك أنه تعالى غير موجود ، فهو لا يشبهنا والحكم عليه ليس كالحكم علينا ،

٤٢٣

وامتناع التحيّز عنه لا يمتنع مع وجوده ، والقول بصفات متقابلة عن الله تعالى لا يفيد التناقض ، فلصفاته تعالى مظهران : الأول يظهر لنا فى عباده ، والثانى هو المنسوب إليه تعالى. وفى القرآن الآية : (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ) (١٤) (التوبة) ، فالتعذيب منسوب لله من خلال أيدى العباد ، والآية : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ) (١٠) (الفتح) تعنى أن البيعة وإن كانت فى ظاهرها للنبىّ فإنها فى الحقيقة لله الذى يدعو إليه النبىّ ، والآية : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) (١٧) (الأنفال) تنسب فعل الجوارح إليه تعالى وإن كان الفاعل هو النبىّ صاحب الجوارح ، وليس فى ذلك تشبيه لله ولا تجسيم له ، وإنما جاء التعبير القرآنى تأنيسا للقلوب ، وتقريبا للأفهام. ومع ذلك يطعن الملاحدة فى القرآن لاشتماله على هذه المتشابهات ، وكانت فرصة هيأت لكل صاحب مذهب أن ينسب مذهبه إلى القرآن ويستشهد به ، فالجبرى يتمسك بآية مثل : (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً) (٢٥) (الأنعام) ، والقدرى يتمسك بالآية : (وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ) (٥) (فصلت) ، والآية : (وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ) (٨٨) (البقرة) ، بمعنى أن الكفر لم يفرضه الله عليهم وإنما اختاروه لأنفسهم ؛ وكذلك يتمسك منكرو الرؤية بالآية : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) (١٠٣) (الأنعام) ، بينما المثبت للرؤية يتمسّك بالآية : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) (٢٣) (القيامة) ، ومثبت الجهة يدفع عن نفسه بالآية : (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) (٥٠) (النحل) ، ورافض الجهة حجته مطلق الآية : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (١١) (الشورى) وكل واحد من هؤلاء لديه ما يحتج به من القرآن ، وكان من المفروض أن هؤلاء جميعا يردّون المتشابه إلى المحكم على القواعد اللغوية ، وعلى ما تواضع العرب عليه ، وعلى ما كان يفهمه الصحابة والتابعون من القرآن والسنة. والمحكم هو أم الكتاب ، والمتشابه مردود إليه ، ولا تنافى بينهما ، وكلّ له حكمه وله مزاياه ، ومزية المحكم أنه أم الكتاب وترد إليه المتشابهات ، ومزية المتشابه أنه اختبار لمدّعى الإيمان وابتلاء للمؤمن ، وشحذ لهمة العالم ليقدح ذهنه ، ويوسّع فهمه ، ويعمل اجتهاده. واللجوء لتأويل المتشابه ليس منطقيا وليس سليما موضوعيا ، وفى القرآن يأتى وصف التأويليين بأنهم : (فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) (٧) (آل عمران) ، يعنى أنهم يحكمون بالهوى فى تفسير القرآن ، وذلك الضرب من التأويل هو المنهى عنه ، وأما التأويل السليم فهو الذى يقوم على البرهان والحجّة ، وعلى الهداية والرشد. وكان الظاهرية تأويليين يصرفون ألفاظ المتشابه عن ظاهرها الموهم للتشبيه أو المحال ، وكذلك فعل الإسماعيلية والباطنية ، فقد اتّبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وضلّوا عن الصواب والحجّة والبرهان فأضلوا. نسأل الله الهداية وللمسلمين سواء السبيل.

* * *

٤٢٤

٤٧٢. كيف يقال للكفار «وأنتم تعلمون» مع وصفهم

بالختم والطبع على القلوب وبالصمم والبكم والعمى؟

هذا كلام المستشرقين وأهل الكتاب ، قالوا : القرآن وصف المنكرين له بأن الله ختم على قلوبهم وسمعهم (الجاثية ٢٣) ، وعلى أفواههم (يس ٦٥) ، وطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم (النحل ١٠٨) ، فهم صم بكم عمى ، لا يرجعون الى علم ولا عقل (البقرة ١٨) مع ملاحظة أن قوله تعالى : «وأنتم تعلمون» تأتى فى القرآن ٥٦ مرة خطابا ، فكيف يستقيم ذلك؟ أليس القرآن يعارض بعضه بعضا؟ وكيف يكون لديهم العلم مع أنهم صمّ بكم عمى؟ والجواب من وجهين ، أحدهما : أن «وأنتم تعلمون» يشير بها إلى العلم العام عند البسطاء ، فهم يعلمون أنه تعالى خلق الخلق ، وأنزل الماء ، وأنبت الرزق ، ولكنهم لا يعبدونه كمنعم ليس له كفء ولا ند ، فهم يقولون بطريقة عفوية تقليدية نحمد الله ، لمّا حاروا ولم يدروا جوابا ، وعموا عنه كمعبود أوحد ، فلم يعملوا العقل ، وأخذوا بالتقليد ، وأشركوا كآبائهم ، وعبدوا الأصنام والأوثان ، كفعل المشركين والنصارى الذين قالوا بثلاثة آلهة ، وكفعل اليهود الذين ألّهوا أسلافهم ، ورفعوا شعبهم مكانا عاليا ، حتى صاروا يتعبّدونه دون الله. والثانى : أن علمهم بالله هو علم بالإمكان ، أى لو استخدموا عقولهم وتدبّروا ونظروا ولم يقلّدوا ، لأمكنهم أن يعلموا ، وفى ذلك أمر باستعمال حجج العقول وبإبطال التقليد. فهؤلاء وأولئك قد يوصفون بالختم والطبع على القلوب إلخ وإن كانوا يعلمون ، فعلمهم هو علم السذّج ، أو علم التقليد الذى مضمونه الشرك أو الإلحاد والكفر ، وهو علم لا يفيدهم ويضرّهم أكثر مما ينفعهم.

* * *

٤٧٣. هل تتعارض بعض آيات القرآن؟

مثل الآية : (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) (٢٤) (فاطر) ، والآية : (لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ) (٦) (يس). فالأولى : تثبت النذير لكل أمة ؛ والثانية : تقرّ بأن هؤلاء القوم ما أنذروا من قبل ، يعنى لم يكن لهم نذير ، والآيتان من ثم تتعارضان؟ فهل القرآن تتعارض آياته؟ والجواب : أنه لا تعارض البتة بين الآيتين ، فالأولى : تتحدث عن الأمم ، وأن لكل أمة نذير ، كقوله : (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (٧) (الرعد) ، وقوله : (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً) (٣٦) (النحل) ، والآيات فى هذا كثيرة ؛ والثانية : الخطاب فيها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والإخبار فيها عن آبائه صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أمثال أبى جهل ، فما من نذير قد جاءهم من قبل ، وبقية الآيات بعد هذه الآية تروى عنهم ، وأنه لا فائدة من إنذارهم ، وإنما الإنذار

٤٢٥

منك لمن يخشى الله فيتبعك ؛ وبقوله : (لِتُنْذِرَ قَوْماً) تتحقق فيهم الآية الأولى : أن لكل أمة ، أو لكل قوم نذيرا. وأما أنهم كأمة جاءتهم النذر من قبل ، فهذا صحيح ، والنذير الأول لأمة العرب كان إبراهيم وإسماعيل ، وهذا فى «الزمن البعيد» ، وأما فى «الزمن القريب» وهو المتضمن لقوله تعالى «آباؤهم» فما كان لهم من نذير قبل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولذا قال له : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (٢١٤) (الشعراء) ، وقال : (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها) (٩٢) (الأنعام) أى مكة وأرباضها حيث آباؤه الأقربون ، وفى تفسير هؤلاء الأقربين من أهله أو عشيرته قال ابن عباس : لما نزلت : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (٢١٤) (الشعراء) أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الصفا ، فصعد عليه ثم نادى : «يا صباحاه» فاجتمع الناس إليه ، بين رجل يجيء إليه وبين رجل يبعث رسوله ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا بنى عبد المطلب ، يا بنى فهر ، يا بنى لؤى! أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم ، صدّقتمونى»؟ قالوا : نعم. قال : «فإنى نذير لكم بين يدي عذاب شديد». وفى رواية أخرى عند أحمد عن عائشة قالت : لمّا نزلت : (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (٢١٤) (الشعراء) ، قام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : «يا فاطمة ابنة محمد! يا صفية ابنة عبد المطلب! يا بنى عبد المطلب! لا أملك لكم من الله شيئا! سلونى من مالى ما شئتم». وفى رواية أبى هريرة قال : دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قريشا فعمّ وخصّ ، فقال : «يا معشر قريش ، انقذوا أنفسكم من النار! يا معشر بنى كعب انقذوا أنفسكم من النار! يا معشر بنى هاشم ، انقذوا أنفسكم من النار! يا معشر بنى عبد المطلب ، اشتروا أنفسكم من الله! يا صفية (عمة رسول الله) ، وفاطمة (بنت رسول الله) ، اشتريا أنفسكما من الله ، فإنى لا أغنى عنكما من الله شيئا! سلانى من مالى ما شئتما». وفى رواية أخرى عن أبى هريرة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يا بنى قصّى! يا بنى هاشم! يا بنى عبد مناف! أنا النذير ، والموت المغير ، والساعة الموعد». فهذا إذن هو معنى قوله تعالى : لتنذر يا محمد قوما لم ينذر آباؤهم ، فهؤلاء القوم هم من عدّدهم فى ندائه حيث عمّ قريشا ، وبنى قصى ، وبنى كعب ، وبنى هاشم ، وبنى عبد مناف ، وبنى فهر ، وبنى لؤى ، وبنى عبد المطلب ، وخصّ : فاطمة ابنته ، وصفية عمّته. والخلاصة : أنه لا تعارض بين الآيتين ولو ظاهريا. والحمد لله.

* * *

٤٧٤. القول بتشابه خاتمة سورة هود وخاتمة التوراة

اشتهر كعب الأحبار بالإسرائيليات ، وكان يهوديا وقيل أنه أسلم. ومما ادّعاه من الإسرائيليات ودلّسه على المسلمين وخاصة أهل التفسير : أن خاتمة سورة هود ، وهى قوله :

٤٢٦

(وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (١٢٣) هى خاتمة التوراة ، وربما يقصد خلاصة التوراة ، باعتبار الآية تتضمن الإخبار عن الله : أن له غيب السموات والأرض وشهادتهما ، وأنه لا أمر لمخلوق إلا بإذنه ، وأنه يجازى كلا بعمله ، فإذا عبدت فلا تعبد إلا الله. وإلا فالتوراة ليست لها هذه الخاتمة! وكعب الأحبار كاذب فى دعواه ، وسيّئ النية ، فأولا : لا وجود لكتاب اسمه التوراة عند اليهود ، وقالوا : التوراة هى كتب موسى الخمسة : التكوين ، والخروج ، والأحبار ، والعدد ، وتثنية الاشتراع ، وذلك غير حقيقى ، فما أوتى موسى هو الألواح ، وعددها لوحان ، حملهما موسى على يديه نزولا من الجبل ، وعليهما كتابات الشريعة والوصية ، حفرت على الحجارة بطريقة المصريين فى تسجيلاتهم على الحجر ، فكيف صار اللوحان خمسة كتب أو أسفار؟ وهل معقول أن يكتب موسى يقول فى هذه التوراة المدّعاة : «ثم ذهب موسى»؟ ويقول : «ومات موسى وبكاه الشعب»؟! وثانيا : فأى كتاب من هذه الكتب الخمسة جاءت خاتمته مشابهة لخاتمة سورة هود ، علما بأن الكتب الخمسة ليست فيها خاتمة كخاتمة هود ، لا من قريب ولا من بعيد؟ وكعب الأحبار خبيث ، أراد أن يقول : إن القرآن يأخذ من التوراة ويعتمد عليه ، وأن التوراة هى الكتاب الأم ، وهذا نفسه قال به المستشرقون افتراء من بعد : أن القرآن يسطو على التوراة فى كثير من الأحيان!! فاحذر يا أخى كلّ ما يقوله كعب الأحبار هذا ، وخاصة أن الطبرى وابن كثير ، كثيرا ما ينقلان عنه بلا تمحيص ، وحسبنا الله!

* * *

٤٧٥. هل معنى «من قبل أن نطمس وجوها (٤٧)» (النساء)

أنه تعالى يجعل الوجه كالقفا على الحقيقة؟

الخطاب فى الآية لليهود ، وكان منهم عبد الله بن صوريا ، وكعب بن أسد ، فقال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا معشر يهود! اتقوا الله وأسلموا ، فو الله إنكم لتعلمون أن الذى جئتكم به الحق». قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد! وجحدوا ما عرفوا ، وأصرّوا على الكفر ، فأنزل الله فيهم : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) (٤٧) (النساء) ، وطمس الوجه يعنى محوه ، وليس المعنى أنه تعالى يطمس وجوه المكذّبين حقيقة فيجعلها كالقفا ، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين ، وإنما هو تعبير عن الضلالة فى قلوبهم ، وقد سلبوا التوفيق ؛ وربما المعنى من قبل أن تصل بكم الضلالة أن لا تهتدوا أبدا ؛ أو أن الآية تمثيل ، فإن لم يؤمنوا يفعل ذلك بهم عقوبة لهم ، وهناك من يفسّر الآية بأن الله تعالى يذهب أنوفهم وشفاههم وأعينهم وحواجبهم ،

٤٢٧

فلا تكون وجوههم معروفة ، ويصبحون نكرات ؛ وقوله : (فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها) (٤٧) (النساء) يقوّى هذا المعنى فعلا ، فتزال الأعين خاصة بالطمس ، وتردّ فى القفا ، فيكون ذلك ردّا على الدبر ، فيمشون القهقرى بدلا من أن يمشوا للأمام. وقيل إن كعب الأحبار اليهودى كان يمشى بالليل فمر برجل يقرأ : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا ...) (٤٧) (النساء) الآية ، فوضع كفّيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته ، وقال : خفت ألا أبلغ بيتى حتى يطمس وجهى! ـ وكلام كعب غير موثوق به وربما له خبئ. ويروّج اليهود أيضا أن عبد الله بن سلام وكان يهوديا كذلك ـ جاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يبدى خوفه أن يحوّل وجهه فى قفاه. والمستشرقون يعتبرون الآية زلة فى القرآن! فالله ـ كما يقولون ـ يهدد أهل الكتاب بالطمس إن لم يؤمنوا ، وهم لم يؤمنوا ، ولم يفعل بهم ذلك! ـ واليهود والمستشرقون من ملّتهم على هذا القول ، لأنهم ماديون ، والآية تمثيل ، والطمس كقوله تعالى : (وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ) (٦٦) (يس) يعنى أنهم وإن كانوا يرون ، وأداة إبصارهم سليمة ، إلا أن وظيفتها معطلة ، فلم يعودوا يدركون الحق ، مثل قوله تعالى : (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها) (١٧٩) (الأعراف) ، فهذا هو المعنى المراد ، وأخطأ من قال فى التفسير أن من آمن منهم رفع الوعيد عن الباقين ؛ ومن قال لا بد من طمس ومسخ فى اليهود قبل يوم القيامة.

* * *

٤٧٦. هل كان الإسلام ناقصا قبل آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (٣) (المائدة)؟

وهل كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبلها يدعو إلى دين ناقص؟

يقول تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٣) (المائدة) ، فالإسلام أكبر نعمه تعالى على هذه الأمة ، فلما اكتمل لم يعودوا يحتاجون إلى دين غير الإسلام ، ولا إلى نبىّ غير محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقبله كانت الأنبياء تترى يكملون بعضهم البعض ، إلا الإسلام ، فكان هو الدين الحاكم ، ونبيّه النبىّ الخاتم ، ولمّا كان بمكة لم تكن إلا فريضة الصلاة وحدها ، فلما قدم المدينة ، أنزل الله الحلال والحرام ، إلى أن حجّ ، فكمل الدين ، فلا حلال إلا ما أحلّه ، ولا حرام إلا ما حرّمه ، وكل ما أخبر به هو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف ، كقوله تعالى : (تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً) (١١٥) (الأنعام) ، وباكتمال الدين تمت على المسلمين النعمة ، وفى الخبر عن ابن عباس قال : «اليوم أكملت لكم دينكم» أى الإسلام ، أخبر الله نبيه والمسلمين أنه قد كمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة ، وأتمه بلا نقصان ، ورضيه فلا يسخطه. وكان نزول الآية يوم عرفة ، فى يوم جمعة ، وبعدها لم ينزل لا حلال ولا حرام ، وتوفى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعدها

٤٢٨

بواحد وثمانين يوما. وقيل : كان نزول هذه الآية يوم الحج الأكبر ، فبكى عمر ، وسأله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما يبكيك»؟ قال : أبكانى أنّا كنا فى زيادة من ديننا ، فأمّا إذا كمل فإنه لم يكمل الشيء إلا نقص. فقال : «صدقت»! ـ وفى خلافة عمر جاءه كعب الأحبار يقول : إنكم تقرءون آية فى كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت ، لاتخذنا ذلك اليوم عيدا! قال : وأى آية؟ قال : قوله : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٣) (المائدة) فقال عمر : قد علمت اليوم الذى أنزلت فيه ، والمكان الذى أنزلت فيه : فى يوم الجمعة ، ويوم عرفة ، وكلاهما بحمد الله لنا عيد! وعند النسائى ، قال : أنزلت ليلة جمعة. وعن علىّ بن أبى طالب قال : نزلت على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو قائم عشية عرفة. والقول الصحيح : أن الآية نزلت فى يوم جمعة ، وكان يوم عرفة بعد العصر ، فى حجّة الوداع ، سنة عشر ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم واقف بعرفة على ناقته العضباء (أى مشقوقة الأذن). قيل : كاد عضد الناقة ينقدّ (أى ينفتل وينهدّ) من ثقل معانى الآية ، حتى أن الناقة بركت! فالآية إعلان بتمام وكمال الإسلام ، والدين الذى كمل هو الشرائع التى تتابعت بها الآيات نجوما ، فكان آخر ما تنزّل منها هذه الآية : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...) (٣) (المائدة) ، ولم ينزل بعدها حكم. وقيل المراد «بالدين» معظم الفرائض والتحليل والتحريم ، أمّا أنه نزل بعدها قرآن أو لم ينزل ، فقد نزل بعدها قرآن كثير ، ونزلت آية الربا ، وآية الكلالة ، إلى غير ذلك ، وإنما كمل معظم الدين ، وكمل أمر الحج ، ولم يكن يطوف مع المسلمين فى هذه السنة مشرك ، ولا عريان ، ووقف المسلمون معظمهم بعرفة ، فقيل لهم : (أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (٣) (المائدة) ، يعنى أظهرته لكم على سائر الأديان ، وقد دخلتم مكة وصرتم إلى بيت الله ـ ويتبقّى وجه لنقد الآية روّج له المستشرقون ، وشنّعوا به على الإسلام ، فالآية تعنى عندهم : أن الدين كان قبل نزولها ناقصا ، ولم يكن قد اكتمل ، وأن الله لم يكن قد رضى به دينا بعد ، وأن نعمته على المسلمين ما كانت قد تمّت. فهل من مات من المهاجرين والأنصار ، ومن شهدوا بدرا والحديبية ، ومن بايعوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم البيعتين جميعا ، وبذلوا أنفسهم لله ، مع كلّ ما حلّ بهم من المحن ، وحاق بهم من البلايا ، ماتوا على دين ناقص؟ وأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يدعوهم إلى دين ناقص؟ والنقص عيب ، ودين الله قيّم ، فهل كان الإسلام قبل هذه الآية معيبا ولم يكن دينا قيما؟

والجواب : أن النقص ليس بعيب ، فالشهر ينقص ، والعمر ينقص ، وصلاة المسافر تنقص ، وأيام الحيض قد تنقص ، وأيام الحمل ، والمال قد ينقص ، فما يقال إن ذلك عيب ، فلم يكون عيبا فى الإسلام؟ ثم إن الشرائع فى الدين الواحد تتوالى وتتزايد

٤٢٩

كالبنيان ، فلا تعاب بذلك ، فإن كان بها نقصان فهو النقصان المقيّد ، يعنى أن كل تشريع فى كل ديانة يلحقه آخر وينضم إليه ، فلا يقال أن الديانة كانت قبل التشريع الآخر ناقصة ، كالإنسان يبلغ المائة ، فيقال إن الله أكمل عمره ، ولا يقال أنه وقت أن كان فى الستين من عمره كان ناقصا نقص قصور وخلل ، وإنما قد يقال كان ناقصا نقصا مقيّدا ، يعنى كان ناقصا عمّا كان الله قد أعدّ له من العمر. وقد جعل الله تعالى صلاة الظهر أربعا ، وكذلك العصر والعشاء ، فهل تعتبر صلاة الصبح ناقصة نقص قصور وخلل ، لأنها ركعتان وليست أربعا؟ ولو قيل كانت ناقصة وحدها كصلاة دون أن تضم إليها سائر الصلوات ، لكان صحيحا ، وهكذا شرائع الإسلام ، فلقد أنزلها الله تعالى شيئا فشيئا إلى المنتهى الذى أصبح الدين عنده كاملا.

وقد يكون معنى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) (٣) (المائدة) أنه تعالى وفّقهم للحج الذى لم يتبق غيره عليهم من أركان الدين ، فلما حجّوا تحقق لهم أداء كافة الأركان ، وفى الحديث : «بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان» ، فلما كانوا قد سبق لهم التشهّد ، وصلّوا ، وزكّوا ، وصاموا ، وجاهدوا ، واعتمروا ، ولم يكونوا قد حجّوا ، فلما حجّوا ذلك اليوم مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنزل الله تعالى وهم بالموقف عشية عرفة : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (٣) (المائدة) ، يريد أنه قد اكتملت لهم أركان الدين ، وبها يقوم الإسلام ، ومن ثم أعلمهم برضاه بما تحقق لهم منه فقال : (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (٣) (المائدة) ، فى ذلك اليوم ، وفى أى يوم ، فلا يزال رضاه به علينا قائما ، ولا يزال الإسلام برضاه عنا باقيا بكماله. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٤٧٧. الوصية وحكمة تقديمها على الدّين فى آية المواريث

المعقول فى الآية : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) (١١) (النساء) أن يأتى ذكر الدّين قبل ذكر الوصية ، والنّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم قضى بالدين قبل الوصية ، وقال : «الدّين قبل الوصية» أخرجه الدارقطنى ، إلا أن القرآن يأتى بالوصية قبل الدين من وجوه : أنه لا يعرف الدّين إلا من الوصية ، فالوصية أشمل والدّين أخصّ ، وفى الوصية ينصّ على الدين ، ثم إن الوصية ألزم للميت ، وليس كل ميّت له أو عليه دين ، فالدّين شذوذ ، وقد يكون أو لا يكون ، فبدئ بذكر ما لا بد منه ، وعطف بالذى قد يقع أحيانا ، فكان العاطف بأو وليس بالواو ، ولو كان الدّين راتبا لعطفه بالواو. والوصية حظ أهل الميت من الوالدين والأقربين ، وهم

٤٣٠

الضعفاء ، فقدّموا ، وأخّر الدّين ، لأنه حظ الأقوياء الأغنياء ، والدائن صاحب قوة وسلطان ومعه القانون ، والوارث مسكين وأمره متروك للوصية. وأيضا فإن كتابة الوصية مكلف بها الموصى ، وهو ينشئها من قبل نفسه ، فلذلك قدّمت ، وأما الدّين فثابت وسيؤدّى حتما فأخّر.

* * *

٤٧٨. الزعم بأن بعض الفروض كانت على النبىّ خاصة وغير ملزمة بعده

قالوا فى قوله تعالى : (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) (١٠٢) (النساء) أن المقصود بالآية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فليس عليهم بعده صلى‌الله‌عليه‌وسلم «صلاة الخوف» ، لأن الخطاب فى الآية كان خاصا به وحده ، بقوله تعالى (وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ) ، و (مَعَكَ) ، فإذا لم يكن فيهم ومعهم لم يكن لهم ذلك ، لأنه لا أحد مثله منهم ، وكانوا جميعا يتمنون أن يأتمّوا به ويصلّوا خلفه ، وليس أحد يقوم فى الفضل مقامه بعده.

والردّ على هؤلاء : أن الخطاب صحيح للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولكنه يتناول الأئمة بعده إلى يوم القيامة ، ومثله قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) (١٠٣) (التوبة) ، فهل تسقط الصدقة بعده؟ أو أن المكلّف بها بعده هم أولو الأمر؟ وكذلك هذه الصلاة وسائر العبادات التى كان الخطاب فيها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لا تسقط بوفاته. وقد أمرنا باتباعه والتأسّى به ، فقال تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) (٦٣) (النور) ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «صلوا كما رأيتمونى أصلى» أخرجه البخارى ، فلزم اتّباعه. ولو كان ما قالوه دليلا على الخصوص ، للزم قصر الخطابات على من توجهت له ، وحينئذ كان يلزم أن تقتصر الشريعة على من خوطب بها ، وفى قوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) (١٠٣) لا توجب الاقتصار على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وحده ، فكان من بعده من قام مقامه.

* * *

٤٧٩. فى معنى قوله تعالى : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها (٦)) (هود)

ظاهر الآية العموم ، ومعناها الخصوص ، والكثير من الدواب تهلك قبل أن ترزق ، إلا أن الرزق أشمل وأعمّ من أن يقتصر على كل دابة لا ترزق ما تتعيش به ، فقد رزقنا الأعضاء ، والفطرة ، والحيلة التى يمكن بها أن نتحصل الرزق ، فعلى العصفور أن يطير إلى الجرن ليجد رزقه فيه ، وإلا فسيموت فى عشّه ، والله تعالى أعدّ للجميع أرزاقهم. والدابة هى كل حيوان يدبّ ، والرزق حقيقته ما يتغذى به الحىّ ويكون فيه بقاؤه ونماؤه. وقد قيل

٤٣١

لبعض الفلاسفة : من أين تأكل؟ فقال : الذى خلق الرّحى يأتيها بالطحين ، والذى شدّق الأشداق (يعنى جوانب الفم) هو خالق الأرزاق ـ وقيل لبعض العارفين : من أين تأكل؟ فقال : سبحان الله والله أكبر. إن الله يرزق الكلب ، أفلا يرزقنى؟! ـ وقيل للصوفى الكبير حاتم الأصم : من أين تأكل؟ فقال : من عند الله. فقيل له : الله ينزل لك دنانير ودراهم من السماء؟ فقال : كأن الله ليس له إلا السماء؟! يا هذا ـ الأرض له ، والسماء له ، فإن لم يؤتنى رزقى من السماء ساقه لى من الأرض ، وأنشد :

وكيف أخاف الفقر والله رازقى

ورازق هذا الخلق فى العسر واليسر

تكفّل بالأرزاق للخلق كلهم

وللضّب فى البيداء والحوت فى البحر

والمشكلة أن الإنسان يسرق رزق أخيه الإنسان ، وأن الرأسمالى يحصل على رزقه ويستولى على أرزاق الآلاف غيره ، يسرقهم بخسف الأجور ، وتسرقهم الدولة المستبدة بترسيخ سوء توزيع الثروة الاجتماعية ، وعلى العكس تتدخل الحكومات الديموقراطية بالتشريعات لحماية الحقوق وتقريب الفوارق فى الدخول ، وإلا اختل الميزان الاجتماعى ، ومال العدل عن القصد ، وساد الجور والظلم ، وعمّ الفساد ، والله يقول : (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ) (٩) (الرحمن) ، أى : اجعلوا «العدل أساس الملك ، وأساس علاقاتكم الاجتماعية ، وأتوا الناس ما يستحقونه وجعله الله لهم رزقا ، ولا تبخسوهم منه شيئا ، وزنوا بالقسطاس المستقيم».

* * *

٤٨٠. فى معنى قوله تعالى (يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ (٣١))

يكثر المستشرقون من نقد القرآن من خلال آيات كهذه الآية : (يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) (٣١) (المدثر) ، وتتكرر فى القرآن سبع عشرة مرة ، ويقوم نقدهم على أن القرآن متناقض فهو ينسب الضلالة والهدى لله ، ومع ذلك يخيّر الناس أن يضلوا أو يهتدوا. والآية لا تعنى أن الله يضل أو يضلّل الناس عن هداه ، ويهديهم عن هواه ، أو أنه تعالى يجبر من يضلّ أو يضلّل ، على الضلال ، ويقسر من يهدى على الهدى ، أو أنه يكره الناس على سلوك سبيل الخير أو الشر ، فالإكراه من هذا القبيل ينافى العدل الإلهى ، ويناقض حكمة التشريع السماوى ، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة القاطعة ، ومؤدّاها أن كل الناس لهم حق الاختيار ، وأنهم يملكون إرادتهم ، ولهم مشيئتهم ، والإرادة والمشيئة مناط التكليف والمؤاخذة ، وفى ذلك يروى أن رجلا سأل على بن أبى طالب : أكان سيرك إلى الشام ـ يعنى لقتال أهلها ـ بقضاء الله وقدره؟ فقال له علىّ : ويحك! لعلك ظننت قضاء لازما ،

٤٣٢

وقدرا حاتما؟ ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد! إن الله سبحانه أمر عباده تخييرا ، ونهاهم تحذيرا ، وكلّف يسيرا ، ولم يكلف عسيرا ، ولم ينزّل الكتاب للناس عبثا ، ولا خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا! ذلك ظنّ الذين كفروا ، فويل للذين كفروا من النار!

* * *

٤٨١. تحريف التوراة ، وحقيقة اتهام القرآن لليهود؟

لم يتنزل القرآن إلا لأن التوراة حرّفها اليهود ، ويأتى اتهام القرآن بتحريف اليهود للتوراة فى سور : البقرة ، والنساء ، والمائدة ، بحسب ترتيب النزول ؛ فمن ذلك فى سورة البقرة : (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥) ، يعنى لا تطمعوا أيها المسلمون أن يؤمن اليهود بالإسلام وينقادوا للقرآن ، لأن التحريف من طبعهم ، يقصدون إليه لخدمة مصالحهم ، فلا أسهل عندهم من أن يغيّروا فى كلام الله ويتأوّلونه على غير معناه ، ويفسّرونه بغير مراد الله قصدا. وفى سورة النساء : (مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) (٤٦) ؛ ومنه فى سورة المائدة : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) (١٣) ، وقوله : (وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) (٤١) ، يعنى أن هؤلاء اليهود ـ بما هم كذلك ـ قد فسدت فهومهم ، وساء تصرفهم ، وتأوّلوا ما أنزل الله على غير ما أنزله ، وحملوه على غير مراده ، وقالوا فيه ما لم يقله الله ، وتركوا العمل به رغبة عنه ، وأهملوا عرى دينهم وما اختصّهم الله به ، واختصّوا أنفسهم بغيره حتى قال الله فيهم : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) (٥) (الجمعة) ، فذمّهم بأقسى ما يمكن أن يذمّ به شعب من الشعوب ، وأمّة من الأمم ، فلقد منحوا التوراة لعلّهم يهتدون بها وينصلح حالهم ، فأولوها ظهورهم ولم يعملوا بها ، كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدرى ما فيها ، فهو يحملها حملا حسّيا ولا يدرى ما عليه ، وما قيمته ، وما الهدف منه ، فكانوا أسوأ من الحمار ، لأن الحمار لا فهم له ، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ، كما قال : (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) (١٧٩) (الأعراف). ويقول المستشرقون : إن القرآن يتناقض مع نفسه عند ما يتّهم اليهود بتحريف التوراة ، ثم يقول عنها أنها : (هُدىً وَنُورٌ) (٤٤) (المائدة) ، (وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) (١٨٤) (آل عمران ، وفاطر ٢٥) ، و (الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ) (١١٧) (الصافات) ، وكانت : (إِماماً وَرَحْمَةً) (١٢) (الأحقاف ، وهود ١٧) ، وبلغ المديح القمة فى قوله تعالى : (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي

٤٣٣

أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) (١٥٤) (الأنعام) ، وفى قوله : (أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ) (٩١) (الأنعام). فما حكاية هذا التناقض؟ ولما ذا يهجو اليهود ومع ذلك يعلو بكتابهم التوراة إلى السماكين؟

* * *

٤٨٢. التوراة والقرآن والتناقض بينهما

يقول الله تعالى عن القرآن واعتباره للتوراة : (مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ) (٨٩) (البقرة) ، و (مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) (٩٢) (الأنعام) ، و (مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ) (٤١) (البقرة) ، و (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ) (٤٨) ، يعنى أنه ـ أى القرآن ـ يصادق على كل ما سبقه من الكتب السابقة عليه وهى التوراة والإنجيل ، ومصادقته على ما كان منها قد أوحى به الله تعالى ، وأما غير ذلك فيصادمه ولا يصادقه ، ومن ذلك قوله تعالى : (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) (١٥) (المائدة) يعنى أنه قد جاء يبين ما بدّلوه وحرّفوه وأوّلوه وافتروا على الله فيه ، ويسكت عن كثير مما غيّروه ولا فائدة فى بيانه. فتلك واحدة ؛ والثانية : أنه جاء مصادقا للتوراة (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) (٤٨) (المائدة) ، يعنى أن القرآن أمين على مضمون التوراة ومؤتمن عليه ، فما وافق القرآن من التوراة أو الأناجيل فهو حق ، وما خالفه فهو باطل ، فالقرآن حاكم على هذين الكتابين ، لأنه أى القرآن ـ آخر الكتب ، وخاتمها ، وأشملها ، وأكملها ، فجمع الله فيه محاسن ما قبله ، وزاده من الكمالات ما ليس فى غيره ، ولهذا جعله مهيمنا ، أى شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها ؛ والثالثة : أن القرآن نزل ليصحّح غلو اليهود والنصارى ، يقول : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ) (١٧١) (النساء) ، فاليهود غلوا فى دينهم بأن جعلوه خاصتهم ، وزعموا أن الله اصطفاهم فى الأول ، وسيظل هذا الاصطفاء لهم حتى لو ضلوا ، وأنهم لذلك فى الجنة وإن أفسدوا ؛ (وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) (التوبة ٣٠) ، و (قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) (المائدة ٧٣) ، وقال القرآن : (إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) (١٧١) (النساء) ، فلفت إلى كفرهم وحاجاهم ، وقال : (لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) (٧٠) (آل عمران) وقال : (لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ) (٧١) (آل عمران) ، وقال فى اليهود. (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥) (آل عمران) ، وقال فيهم وفى النصارى : (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ

٤٣٤

اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٨) (آل عمران) ، فحذّر من غشّهم وخداعهم ، ومعاييرهم الأخلاقية المزدوجة double bind ـ وهى التى نعانى منها ونعاينها فى حياتنا المعاصرة ، ولذلك حرّفوا الكلم عن مواضعه ، وكانوا أساتذة فى هذا العلم المقيت ، وبدّلوا كلام الله وأزالوه عن المراد له ، ليوهموا أن ما زيّفوه واخترعوه هو من كلام الله ، ونسبوه إليه تعالى ، وفضحهم كذبهم ، سواء فى كتب العهد القديم أو فى كتب العهد الجديد ، ومن أجل ذلك اختلفت التوراة والأناجيل عن القرآن ، وما ورد عنهما فى القرآن ليس مقصودا به هذه التوراة ولا هذه الأناجيل ، والمقصود بالتوراة فى القرآن شريعة موسى وتعاليمه التى أنزلها ربّ العالمين عليه ، ودوّنها الله كما يقولون ، أو دوّنها موسى ـ كما نعتقد ـ فى اللوحين ، ومن أجلها بقى فوق الجبل أربعين يوما. والتوراة إذن تعنى الشريعة أو التعاليم ، وهى ما اصطلح عليه باسم الوصايا العشر ، وهى فى الحق أكثر من هذا العدد. غير أن اليهود ينسبون إلى موسى أسفارا ـ جمع سفر ـ وهو الكتاب ، عددها خمسة أسفار ، وواضح من سياقها أن موسى لم يكتبها ، ولم تتنزل عليه ، ولم توح إليه ، ولم يلهمها ، لأن موسى لا يمكن أن يقول عن نفسه أثناء روايته «إن موسى كيت وكيت» ، أو «فعل موسى كذا وكذا» ، وبعض ما أوردته هذه الأسفار عن وقائع توردها بأسماء كانت لها فى زمان لاحق على موسى ، ولم يشهد موسى من هذه الوقائع شيئا ، ولم يعرف من هذه الأسماء اسما. واليهود عادة عند ما يتحدثون عن التوراة لا يقصرون الحديث فيها على الأسفار الخمسة ، والتى عرفت فى اليونانية باسم البانتاتيوكس ، وظل ذلك اسمها عند اللاتين ثم عند الأوروبيين ، فهناك غير هذه الكتب اثنان وأربعون كتابا يؤلفون مع الكتب الخمسة ما يسمى بالعهد العتيق ، واليهود يؤمنون بها جميعا إلا السامريين منهم ، فلا يقرون إلا بسبعة كتب منها لا غير ، هى الكتب الخمسة المنسوبة إلى موسى ، بالإضافة إلى كتاب يوشع بن نون ، وكتاب القضاة : والسامريون يختلفون مع اليهود حتى فى التوراة نفسها ، ولهم نسختهم الخاصة التى تختلف عن نسخة اليهود. وكذلك يخالف المسيحيون اليهود فى اعتبار أسفار أستير ، وباروخ ، ودانيال ، وطوبيا ، ويهوديت ، والحكمة ، والجامعة ، والمقابيين أول وثان من الكتاب المقدس ، وكانوا حتى سنة ٣٢٥ م يرفضونها بالإجماع ، ثم لمّا انعقد مجلس كبرائهم لذلك فى تلك السنة أوجبوا التسليم بسفر يهوديت ، وأبقوا الشك فى الكتب الثمانية الأخرى ، ثم اجتمعوا مرة أخرى سنة ٣٦٤ م ، فأوجبوا التسليم مرة أخرى بسفر يهوديت ، واجتمعوا للمرة الثالثة سنة ٣٩٧ م فأقرّوا أيضا أسفار الحكمة ، وطوبيا ، وباروخ ، والجامعة ، والمقابيين الأول والثانى. وظل الحال على هذا الوضع إلى أن ظهر

٤٣٥

البروتستانت فردّوا هذه الكتب ، ووصفوها بأنها مؤلفات محرّفة ، سيما كتاب المقابيين الأول والثانى. والمهم أن هناك اختلافا بشأنها ، ومنازعات حول صدق أحكام السلف ، فإما أنهم على صواب بشأن هذه الكتب وأسلافهم على خطأ ، وإما أنهم على خطأ وأسلافهم على صواب ، والحق أن أسفار التوراة كلها ، وأسفار العهد القديم برمتها ، مؤلفة ، وتباين مؤلفوها فتباينت الروايات فيها ، وقيل إن عزرا بن سرايا المشهور بالكاتب ، قد بدأ تدوين التوراة ، بإعادة صياغتها ، وتنظيم عباراتها ، بالأحرف الآرامية المربعة المعروفة بالخط الأشورى ، وذلك بعد عودته من السبى ، فى السنة السابعة من حكم ملك الفرس أرتحششتا نحو سنة ٤٥٨ ق. م. ، وكان كلما كتب شيئا قرأه على الأحبار وفسّره لهم ، فيعدّلون عليه ، أو يصلحون من شأن ما يكتب ، ويوجّهونه ، فبان أن أكثر من واحد هو الذى قام بوضع هذه التوراة ، ومع ذلك نسب هذا الجهد لعزرا ، وبجّلوه لذلك ، وأنزلوه من أنفسهم منزلة عالية ، واعتبروه فى المنزلة بعد موسى ، فإن كان موسى قد شرّع لهم لأول مرة ، فعزرا هو الذى حفظ الشريعة ، وأحيا مواتها ، وجلّاها ، وذكره القرآن فقال الله تعالى : (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) (٣٠) (التوبة) ، أى كان الأحرى بهؤلاء وهؤلاء أن يتحرّوا الصدق فيما نسبوه لموسى أو للمسيح ، فحرّفوا كلامهما ، وزادوا على شريعتيهما ، وأنقصوا فيهما ، وشابهوا عزيز أو المسيح بالله ، وضاهئوهما به تعالى ، وليس كذلك الإسلام ولا القرآن ، فلما التقى عدى بن حاتم وكان نصرانيا ، بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قرأ عليه الآية : (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) (٣١) (التوبة) فقال عدىّ : إنهم لم يعبدوهم! فردّ عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «بلى ، إنهم حرّموا عليهم الحلال ، وأحلّوا لهم الحرام ، فاتّبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم». وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يا عدىّ ، ما تقول؟ أيضرّك أن يقال الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ أيضرّك أن يقال لا إله إلا الله؟ فهل تعلم إلها غير الله؟». ـ فهذا ما ينتقده الإسلام فى اليهودية : أن عزرا كتب التوراة ، وكتبها معه الأحبار ، فحللوا وحرّموا ، واستعلوا وتكبّروا ، وأخفضوا من قدر الناس وبثّوا الكره لهم. وما حرّفوه وبدّلوه وزيّفوه وشرّعوه هو ما نعانى منه الآن ، وسبق أن عانت منه البشرية وكل الأمم عبر تاريخ تواجد اليهود بين شعوبها ، ولقد ترك اليهود الدعوة إلى الحق والعدل والمساواة بين الناس ، وأن يعبدوا الله ، وبشروا بأنهم يحكمون العالم ، وأنهم صفوة الخلق ، والمصطفون من الله ، وقد أخذ العهد على نفسه بذلك ، ونسبوا إلى الله تعالى أنه أعطاهم أرضا ليست لهم ، وأموالا ليست من حقّهم ، وذهبوا يعيثون فى الأرض فسادا ، بالجنس والمخدرات والتآمر ، وسيطرت المافيا اليهودية على أسواق المال ، وعلى تجارات العالم ومصارفها ، وصار اليهود سدنة التجسّس والوشاية والإيقاع

٤٣٦

بين الشعوب ، فذلك ما يأخذه الإسلام عليهم ، وكان سبب ذلك كله «عزرا وأعوانه» وما شرّعوه من دون الله ، فشاركوا الله فى التشريع وتأوّلوا عليه ، تعالى الله عن ذلك وتقدّس ، وتنزّه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد ، لا إله إلا هو ، ولا ربّ سواه.

واليهود لا يسندهم فى دعواهم بربّانية التوراة والكتاب المقدس شىء ، وتسقط دعواهم أن هذه الكتب ملهمة ، فحتى لو سلّمنا بإلهام عزرا وغيره ، يبقى على اليهود أن يثبتوا بالدليل القاطع أن كتابهم أو كتبهم هذه إنما كتبها بحق النبىّ الفلانى وليس أشخاصا مجهولين ، وأن يصل إلينا ما كتبه النبىّ بالسند المتصل بلا تغيير ولا تبديل مثلما حدث مع القرآن. والقول بأن التوراة أو غيرها إنما كتبها شخص ملهم بمجرد الظن والوهم أنه كذلك ، لا يكفى فى إثبات أن التوراة أو غيرها (وسنرى نفس الشيء فى الأناجيل عند النصارى) من تصنيف هذا النبىّ أو ذاك. وكذلك مجرد الادعاء أن الذى اشترك فى الصياغة ربّانيون وأحبار تعاقبوا على هذا العمل وتوافروا عليه لا يكفى أيضا. والسامريون يكذّبون الربّانيين من اليهود فى صحة نسبة هذه الكتب للأنبياء ، وكذلك يكذّبهم البروتستانت من النصارى. والربّانيون والكاثوليك والأرثوذكس يكذّبون السامريين والبروتستنت ، وإذا كان الأمر كذلك فلا نعتقد أن مجرد إسناد هذا الكتاب أو ذاك إلى نبىّ أو ولى أو صدّيق ، يقضى بأن هذا الكتاب أو ذاك ملهم أو موحى به ، وأنه واجب التسليم والإقرار به. ومجرد ادعاء اليهود أو غيرهم لا يكفى بل يحتاج إلى دليل. وهم يعتذرون عن انقطاع السند بالنسبة إلى التوراة وكتب العهد القديم كلها بحجة ما عانوا من اضطهاد ومصادرات طوال تاريخهم كله ، وفى مختلف بلدان العالم. وتتبقى الحقيقة الدامغة : أنه لا سند حقيقى من الواقع يمكن أن يجزم بصحة نسبة التوراة الحالية إلى موسى ؛ وأن هذه التوراة قد انقطع تواترها من قبل زمان يوشيا بن أمنون ، والنسخة التى عثر عليها بعد ثمانى عشرة سنة من تولية يوشيا ، لم تكن كذلك نسخة معتمدة موثقة ، ومع ذلك فقد ضاعت هذه النسخة قبل حادثة بختنصر ، وفى هذه الحادثة لم يعد للتوراة وجود ، وانتفت سائر كتب العهد العتيق من الوجود تماما. وحتى لمّا أعاد عزرا كتابة التوراة على زعمهم ، اعتمادا على ما حفظته ذاكرة الأحبار ، ضاعت كذلك نسخة عزرا فى حادثة أنتيوكس الذى حكم سوريا من سنة ١٧٤ إلى ١٦٤ ق. م ، واضطهد اليهود وذبحهم!!

ومن الأمور المردود عليها أن اليهود يدّعون أن السفرين الأول والثانى من «أخبار الأيام» كتبهما عزرا بمعاونة حجىّ وزكريا الرسولين ، ومع ذلك تناقض كلامهم فى البابين السابع والثامن من السفر الأول فى بيان عدد أولاد بنيامين وأسمائهم ، وخالفوا فى ذلك التوراة ، وجاء فى الباب السابع أن أبناء بنيامين ثلاثة ، وفى الباب الثامن جاء أنهم خمسة ، وجاء فى

٤٣٧

التوراة أنهم عشرة ، واتفق علماء اليهود أن ما جاء فى «سفر أخبار الأيام» خطأ ، وبيّنوا سبب هذا الخطأ : أن عزرا ما حصل له التمييز بين الأبناء وأبناء الأبناء ، وان مراجعه فى النسب التى نقل عنها كانت ناقصة ، وعزرا وحجىّ وزكريا رسل ، وما كان يمكن فى الحقيقة أن يخطئوا لو أنهم وجدوا التوراة الحقيقية وتابعوها بدلا من المراجع المنتقصة التى لجأوا إليها وظنّوها صحيحة! ولو كانت هذه التوراة التى بأيدينا هى توراة موسى حقّا ، لما خالفوها ، ولما وقعوا فى الخطأ ، ولما أمكن لهم أن يتركوها ويلجئوا إلى ما يخالفها. وكذلك لو كانت التوراة التى كتبها عزرا واعتمد فيها على الإلهام والوحى من الله على زعم أحبار اليهود ، هى نفسها هذه التوراة التى بين أيدينا ، لما خالفوها ، والخلاصة : أن التوراة الحقيقية التى أنزلت على موسى ليست هذه التوراة التى بين أيدينا ، وليست هى التى كتبها عزرا ، والحق أن ما بأيدينا اليوم ليس سوى حكايات وروايات كان اليهود يتداولونها فيما بينهم ، ووعاها عنهم الأحبار ، وكأى شىء يختزن فى الذاكرة فإن النسيان يلحق ببعضه ، والتحريف يلحق بالبعض الآخر ، وهو ما تعلّمناه من دراساتنا فى علم النفس وفى الطب النفسى ، ولم يكن الأحبار يدققون فيما يقال لهم ، وكان الغرض والهوى يتحكم فيما نقلوه من هذه الروايات ، فنسبوا إلى الله أنه عاهدهم بلا مقابل ، ونسبوا إلى إبراهيم أن الله وعده أرض فلسطين ، وجوّزوا القتل والنهب والسلب والفساد فى الأرض ، واختلفت رواياتهم وتناقضت ، فعلمنا من هذه التناقضات والمخالفات أن هؤلاء الأنبياء الثلاثة : عزرا ، وحجّى ، وزكريا ـ حتى مع تصديق نبوتهم كما يزعم اليهود فيهم ـ ليسوا بمعصومين فى التحرير والتبليغ!

ويهمنا هنا أن ننبه إلى بعض أخطاء كتب اليهود المقدّسة المسماة بالعهد العتيق ، فالباب الخامس والأربعين ، والسادس والأربعين من كتاب حزقيال يتخالف فى الأحكام صراحة مع الباب الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من سفر العدد من أسفار التوراة. وحزقيال اتّبع التوراة فى زمانه ، فلو كانت تلك التوراة التى اتّبعها هى نفسها التوراة التى نعرفها الآن والتى بين أيدينا لما حدثت المخالفة. وكذلك وقع فى التوراة التى بين أيدينا فى مواضع عديدة أن الأبناء يؤخذون بذنوب الآباء إلى ثلاثة أجيال ، بينما فى العبارة العشرين من الباب الثامن عشر من كتاب حزقيال : «إن النفس التى تخطئ فهى تموت ، والابن لا يحمل إثم الأب ، والأب لا يحمل إثم الابن ، وبرّ البار عليه يعود» ، ونفاق المنافق عليه يعود ، فعلمنا من هذه العبارة أن أحدا لا يؤخذ بذنب غيره ، وهو الحقّ كما فى قوله تعالى فى القرآن : (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (الأنعام ١٦٤ ، وفاطر ١٨ ، والزمر ٧ ، والإسراء ١٥).

ونعلم من ذلك أن هذه التوراة التى بين أيدينا ليست هى التوراة الحقّة ، ولو كانت هذه التوراة منزّلة ، ولو كانت من تصنيف موسى ، لكان الأمر مختلفا بشأن عباراتها.

٤٣٨

والمتّبع فى هذه التوراة التى بين أيدينا ، أن مؤلفها فيما يزعمه منسوبا إلى الله ، يذكره مسبوقا ب «قال الله» ، وما يزعمه منسوبا إلى موسى يذكره مسبوقا ب «قال موسى» ، فعبّر عن الله وعن موسى بصيغة الغائب ، ولو كانت التوراة من تصنيف موسى لكان عبّر عن نفسه بصيغة المتكلم ، والذى يشهد عليه الظاهر أن هذه التوراة لا هى من وحى الله ولا بإلهامه ، ولا هى من تصنيف موسى ، وإنما من وضع الوضّاعين ، ودليلنا ما فيها من تعارض وتخالف ، وما حوته من أقوال عن الله لا تصدر عن الله ، وما نسب منها إلى موسى ولا يمكن أن يصدر عن موسى ، لما فى ذلك من معارف ومعلومات وأسماء وأماكن لم يعلمها موسى ، وما كانت قد حدثت فى زمنه بعد! وعلى عكس ذلك القرآن فالمعارف والمعلومات والقضايا والمسائل والأسماء والأماكن فيه ، كلها تناسب وقتها ، ولا تعارض أبدا ما سيكشف عنها فيما يلحق من الأزمان. وما ينسب إلى الله فى القرآن ، هو أليق وأنسب إليه تعالى وليس محل نقد. وما ينسب من نقد إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ما كان يمكن أن يتنزّل ويعلن على المسلمين فى نفس الوقت ليبقى على مرّ العصور ويتلى بينهم ، لو كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو واضع القرآن. والقصص فى القرآن منه الكثير فى التوراة ، وما فى التوراة فيه كلام يسيئ إلى الأنبياء ويظهرهم كعامة الناس وأنهم ضد الفضائل ، وليس فى القصص فى التوراة أية مواعظ أو دروس فى الأخلاق ، والأمر بخلاف ذلك تماما فى القرآن ، فالقصص القرآنى مقاصده عالية وراقية وسامية ، ولم يأت اعتباطا وإنما لأن له إحالات إلى الواقع فى حياة المسلمين أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والقصص والأحكام فى التوراة ، من الواضح أن مؤلفها لا يمكن أن يكون قبل زمن داود ، ولا بعد زمن حزقيال ، وأنها كتبت فى كنعان أو أورشليم ، وليس فى الصحراء بتصنيف موسى. ومن المعوّل عليه فى التأليف أيا كان ، أن المؤلف لو كان يكتب عن حالات ، وعن مواقف وأحوال تخصّه ، أو عاينها بنفسه ، فإنه يكتبها بحيث يظهر أنه هو نفسه الكاتب وليس غيره. وموسى فى هذه التوراة التى بين أيدينا يظهر بجلاء أنه ليس كاتبها ، وإنما آخرين يكتبون عنه ، ولو كانت عبارة واحدة قد صدرت عن موسى بصيغة المتكلم لكانت للتوراة اعتبارات أخرى ، وإنما كل ما جاء بها عن موسى تسبقه هذه العبارة : قال موسى. ويزعم علماء اليهود أن الذى كتب ذلك عن موسى هو نبىّ مثله يروى عنه ، وأنه يلحق بكلام موسى كلاما من عنده ، أى من عند هذا النبىّ ، وذلك ادعاء لا يسنده برهان ، لأنه ما كتب نبىّ أنه ألحق هذه الفقرة أو تلك بالباب الفلانى ، ولا كتب أن غيره كتب ذلك ، ولم يثبت ذلك بالدليل. وأسلوب الكلام فى التوراة وفى غيرها من الكتب واحد ، ولا فرق بينها فى ذلك ، وكان الأحرى أن يكون هناك فرق فى الأسلوب بحسب الفرق فى الزمن ، وقد يبلغ

٤٣٩

هذا الفرق نحو تسعمائة سنة! وعلماء اليهود أنفسهم يجزمون بأن تأليف التوراة لا بد قد حدث فى عهد سليمان ، أى قبل ألف سنة من ميلاد المسيح ، وفى الزمن الذى كان فيه هومر ، ولدينا دليل من دراسة الإنجليزية اليوم ، ودراستها من ألف سنة ، أن هناك فرقا فى الأسلوب ومعانى الكلمات فى الزمانين ، والفرق فعلا كبير جدا ، وكان مثله سيظهر حتما فى التوراة وسائر الكتب ، ولكنه لم يظهر شىء من ذلك. وفى هذه التوراة التى بين أيدينا جاء فى سفر تثنية الاشتراع ، فى الباب السابع والعشرين ، العبارات الخامسة حتى الثامنة : «وتبنون هناك مذبحا للربّ إلهكم من الحجارة غير المنحوتة ، وتكتبون على الحجارة جميع كلام هذه التوراة كتابة واضحة» ، فنعلم أن حجم التوراة كان بحيث لو كتب على حجارة المذبح لكان المذبح يسع ذلك ، فلو كانت التوراة هى هذه الأسفار الخمسة التى تستنفد من كتاب العهد العتيق ثلاثمائة وخمسين صفحة ، لما أمكن ذلك ، ثم بأى خط كتب موسى؟ أبهذا الخط العبرانى الحالى؟ أبدا ، فلم يعرف أنه كان للعبرانيين خط خاص بهم ، وإذن فكيف كتب موسى هذه التوراة؟ ومن أين تأتّى له الخط؟ وأين هى النسخة بهذا الخط غير المعروف؟ وحتما فإن هذه النسخة الحالية من التوراة ليست هى توراة موسى. ولو كانت هى توراته التى كتبها ما وقع موسى وهو النبىّ كليم الله ـ فى هذه الأخطاء الحافلة بها التوراة ، كالخطإ فى العبارة الخامسة عشرة ، من الباب السادس والأربعين من سفر التكوين والتى تقول : «هؤلاء بنو ليّة الذين ولدتهم ليعقوب فى فدان أرام مع دينة ابنته : جميع نفوس بنيه وبناته ثلاثة وثلاثون» ، والصحيح أنهم أربعة وثلاثون نفسا ، فلو عددنا الأسماء مع دينة صاروا أربعة وثلاثين ، ودينة ابنته ، لا بد من عدّها! ومثل آخر لهذه الأخطاء فى التوراة ، هو الخطأ فى العبارة الثانية من الباب الثالث والعشرين من التوراة سفر تثنية الاشتراع التى تقول : «من كان ولد زانية لا يدخل جماعة الربّ ولو فى الجيل العاشر ، لا يدخل منه أحد فى جماعة الربّ» ، فطبقا لذلك لا يلزم أن يدخل داود ولا آباؤه إلى فارص بن يهوذا فى جماعة الربّ ، لأن فارص ولد زنا ، فقد زنا أبوه يهوذا بأرملة ابنه وأنجبه منها ، وداود هو الجيل العاشر من فارص كما جاء فى إنجيل متّى عن بيت المسيح فى الفصل الأول ، فى العبارات من العبارة الثانية حتى الخامسة ، فهل يعقل ذلك؟ وهل من المقبول أن يكون المسيح من بيت داود كما جاء فى الفصل الثانى من إنجيل لوقا العبارة الرابعة ، وداود نفسه يقال عنه إنه ولد زنا؟ هل هذا معقول؟ ولا بد أن هذه العبارة من التوراة قد وردت خطأ لأنها شديدة التجافى مع قدسية هؤلاء الأنبياء ، وموسى لا يمكن أن يخطئ فى التشريع ، والله تعالى لا يمكن أن يوافقه على تشريع يعلم سلفا أنه سينطبق على داود ، وأن المسيح سيكون من نسل داود ، وإذن فهذه التوراة التى بين أيدينا ليست من تصنيف موسى ، وليست من وحى الله ولا إلهامه.

٤٤٠

ومثل آخر من الأخطاء فى التوراة : الخطأ فى سفر العدد ، الفصل الأول ، العبارات من ٤٦ حتى ٤٩ التى تقول : «هؤلاء المعدودون الذين عدّهم موسى من ابن عشرين سنة فصاعدا ، المؤهلون لحمل السلاح فى الحرب مع الإسرائيليين ، كان جميع المعدودين ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين ، وأما اللاويون فلم يعدّوا ، إذ كان الربّ قد كلم موسى قائلا : أما سبط لاوى فلا تعدّهم ، ولا تحص جملتهم من بين بنى إسرائيل». ونعلم من هذه العبارات أن عدد الشبان فى سن التجنيد عند الخروج من مصر ، وفى صحراء سيناء ، كان أكثر من ستمائة ألف ليس منهم اللاويون الذكور والأناث ، وكذلك إناث كل البيوت من غيرهم من الإسرائليين ، وكذا ذكورهم الذين لم يبلغوا العشرين ، ولا الشيوخ ، فيكون الكل تقديرا نحو مليونين وخمسمائة ألف ، وهذا كذب! ـ لما ذا؟ لأنه مذكور فى التوراة فى سفر التكوين ، الباب ٤٦ ، العبارة ٧ ، وفى سفر الخروج ، الباب الأول ، العبارة الخامسة ، وفى سفر تثنية الاشتراع ، الباب العاشر ، العبارة ٢٢ : أن الإسرائيليين الذكور من أولاد يعقوب بما فيهم يوسف وولداه كانوا سبعين فقط!! فهل هؤلاء السبعون أنجبوا مليونين وخمسمائة ألف من الذكور عند الخروج؟ وفى سفر الخروج أيضا العبارة ٢٢ يجيء : إن فرعون مصر أمر جميع شعبه أن كل ذكر يولد للإسرائيليين يغرقونه فى النهر» ، ونجا موسى من هذا المصير ، وجرى له ما جرى ، وعاد ينذر فرعون وموسى فى الثمانين ، أى أن هذا التقتيل لذكور بنى إسرائيل كان يجرى قبل مجىء موسى بثمانين سنة واستمر خلال ذلك ، ورغم هذا التقتيل لكل الذكور مدة ثمانين سنة ، كان هناك هذا العدد من الشباب دون العشرين؟!! فإما أن خبر هذا التقتيل كان فرية ، وإما أن هذا العدد غلط كله من أوله لآخره!!! ثم نأتى إلى عدد سنين إقامتهم فى مصر ، منذ مجىء يعقوب إلى الخروج ، ففي سفر الخروج أيضا ، الباب الثانى عشر ، العبارة ٤٠ : «وكان مقام بنى إسرائيل الذى أقاموه بمصر أربعمائة وثلاثين سنة» ، ولكن فى الباب السادس من سفر الملوك الأول ، العبارة الأولى : «أن سليمان فى السنة الرابعة من حكمه وبعد مرور ٤٨٠ سنة من الخروج من مصر بنى بيت الربّ» ، فهل يعقل أنه قد مضى من موسى حتى سليمان خمسون سنة فقط؟! وموسى هو ابن يوكابد بنت لاوى ، وابن عمران بن قهات بن لاوى. وقهات جدّ موسى ولد قبل مجىء بنى إسرائيل إلى مصر كما جاء فى العبارة ١١ من الباب السادس والأربعين من سفر التكوين ، فلا يمكن أن ينقضى من مجىء الجد إلى خروج الحفيد ٤٣٠ سنة!؟ والمعقول لذلك أن تكون مدة البقاء فى مصر هى ٢١٥ سنة ، وهى المدة التى يقرّها مؤرخو اليهود ومفسرو التوراة عن النسختين السامرية واليونانية من التوراة ، وفيهما صححت عبارة التوراة عن الأربعمائة وثلاثين سنة التى

٤٤١

سكنها الإسرائيليون فى مصر إلى أنها مدة بقاء العبرانيين وآبائهم وأجدادهم فى أرض كنعان لا فى أرض مصر ، وربما ذلك صحيح لأن مدة بقاء إبراهيم منذ دخل كنعان إلى ولادة إسحاق ٢٥ سنة ، وإسحاق كان ابن ستين سنة لما ولد له يعقوب ، ويعقوب دخل مصر وكان ابن مائة وثلاثين سنة ، فالمجموع ٢١٥ ، سنة ، ومدة بقاء العبرانين فى مصر ٢١٥ فيكون المجموع ٤٣٠ سنة ، وعلى ذلك تكون عبارة سكن العبرانيون مصر ٤٣٠ سنة خطأ ، ويكون رقم الشباب الحامل للسلاح خطأ كذلك ، لأن عدد هؤلاء الشباب مرتبط بعدد سكناهم مصر.

ومن أمثلة الخطأ كذلك أن يأتى فى التوراة فى سفر الخروج ، الباب السادس ، العبارة ٢٠ : «فاتخذ عمرام يوكابد عمّته زوجة له ، فولدت له هارون وموسى» ، ثم يكون هناك التشريع فى سفر الأحبار ، الباب الثامن عشر ، العبارة ١٢ : «سوأة أخت أبيك لا تكشفها إنها ذات قرابة لأبيك» ، فكأنه بهذا الحكم قد جرّم القول السابق بأن أباه تزوّج عمّته التى هى أم موسى ، ومع أن الشريعة الجديدة قد حرّمت ذلك إلا أنه ينبقى أن موسى وهارون ولدا من حرام ، وإن كان هذا الحرام قد جلّى من بعد. وكذلك سبق فى التوراة أن داود من نسل فارص ولد يهوذا من تامار زوجة ابنه ، فكأنه ولد زنا بحسب الشريعة اليهودية التى تمد التحريم إلى الجيل العاشر ، مع التنبيه إلى أن المسيح من نسل داود كذلك ، وهى أمور منفّرة وغير مقبولة ، بالمقارنة بما ثبت عن نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد روى ابن سعد ، بطريق محمد بن علىّ بن الحسين عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنه قال : «إنما خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم ، ولم يصبنى من سفاح أهل الجاهلية شىء ، ولم أخرج إلا من طهر» ؛ وعن عائشة ، عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «خرجت من نكاح غير سفاح» ؛ وعن هشام بن محمد بن السائب الكلبى ، عن أبيه ، قال : «كتبت للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خمسمائة أم ، فما وجدت فيهن سفاحا ، ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية».

ومن أمثلة الخطأ كذلك فى سفر التكوين ، الباب الرابع ، العبارة الثامنة من النسخة العبرانية ، يأتى : «وقال قابيل لهابيل أخيه لنخرج إلى «الصحراء» ، فلما كانا فى «الصحراء» وثب قابيل على هابيل أخيه فقتله» ، وفى النسخ السامرية واليونانية واللاتينية يأتى «فى الحقل» بدلا من «فى الصحراء»!

ومن الأخطاء أيضا : العبارة السابعة عشرة من الباب السابع ، من سفر التكوين من النسخة العبرانية ، وفيها يأتى : «وكان الطوفان أربعين يوما على الأرض» ، وفى النسختين اللاتينية واليونانية يأتى «أربعين يوما وليلة على الأرض» ، وفارق بين العبارتين!

٤٤٢

وأيضا العبارة التاسعة عشرة من الباب السادس من سفر صموئيل الأول ، وفيها يأتى : «وأهلك الرّب أهل بيت الشمس لأنهم فتحوا صندوق الرّب ورأوه ، فأهلك منهم خمسين ألفا وسبعين إنسانا» ، والتحريف واضح فى العبارة ، فإما قد سقطت منها بعض الألفاظ ، وإما زيد فيها خمسون ألفا ، جهلا أو قصدا! لأنه لا يعلم أن يكون أهل تلك القرية الصغيرة بهذا المقدار! ومن السخف أن يصحّح محررو الترجمة هذا الخطأ كالآتى : «وقتل من الشعب سبعون رجلا وكانوا خمسين ألف رجل»!! وهو شىء يعدم الثقة تماما فى نسخ التوراة جميعها ، قديمها وحديثها ، والاختلافات فيها فى هذه العبارة متباينة.

ومن أغرب الخطأ أن ترد العبارة ٢٢ فى سفر التكوين فى الباب الخامس والثلاثين كالآتى : «وحدث أن كان إسرائيل ساكنا فى تلك الأرض ، أن رأوبين ذهب فضاجع بلهة سرية أبيه ، فسمع بذلك إسرائيل» ، ورأوبين هو ابن إسرائيل البكر ، وبلهة أنجب منها أبوه ولدين هما دان ونفتالى!! ورأوبين إذن ضاجع امرأة أبيه ، فهل تكون هذه العبارة صحيحة؟ وهل أولاد الأنبياء ونساؤهم زناة؟ إننا نعجب أن يشيع الزنا فى بيوت أنبياء إسرائيل بهذا

الشكل السافر والمستشرى : فى لوط ، وموسى ، وإسرائيل ، وداود ، وسليمان ، وزكريا ، ويحيى ، ومريم ، وعيسى!!!

* * *

٤٨٣. اليهود أنكروا القرآن لأنه ينسخ التوراة ،

وأنكروا النسخ لما تحوّل المسلمون بقبلتهم من بيت المقدس إلى الكعبة

كان كفر اليهود منذ البداية حول هذه المقولة : أن نزول القرآن ينسخ التوراة ، وهم لا يمكن أن يكفروا بالتوراة ، ومن ثم كفروا بالقرآن وألغوا فيه ، وجحدوا أحكامه ، لقولهم أنها تناقض أحكام التوراة ، ولم يقرّوا بنبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبنبوة عيسى عليه‌السلام من قبله لنفس السبب ، لأنهما نقضا الناموس ـ أى الشرع الموسوى ، فأنزل الله تعالى : (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (١٠٧) (البقرة). ومعنى أن ينسخ الآية أن يبدلها ، أو ينقل حكمها إلى غيرها. والنسخ : فى الأمر والنهى ، والحظر والإطلاق ، والمنع والإباحة ، فأما الأخبار فلا نسخ فيها ولا منسوخ. وأصل النسخ أن نقول نسخ الكتاب : أى نقله ، فكذلك نسخ الحكم هو تحويله ، والآية إذا نسخت ، سواء فى حكمها أو خطّها فهى فى الحالتين منسوخة. والنسخ عند علماء الأصول : هو رفع الحكم بدليل شرعى متأخر ، ويندرج فى ذلك نسخ الأخف بالأثقل وعكسه ، والنسخ بدون بدل. وقوله «ننسها» فيه القراءة بالنون المضمومة أو بالنون المفتوحة ، وفيه أيضا «ننسأها» فمن يقرأها بفتح النون فمعناها نؤخّرها ، ومن يقرأها «ننسأها» فمعناها نثبت خطّها ونبدّل حكمها ،

٤٤٣

وكان عمر يقرأها «ننسأها» ويقول أى نؤخّرها ، فأما القراءة بضم النون ، فكان قتادة يقول ادعاء : كان الله ينسى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما يشاء ، وينسخ ما يشاء»! ـ وقال الطبرانى زاعما : قرأ رجلان سورة أقرأها لهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكانا يقرءان بها ، فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف ، فأصبحا غاديين على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فذكرا ذلك له ، فقال : «إنها مما نسخ وأنسى فالهوا عنها»! وفى قول الزاعمين أن قوله تعالى : «نأت بخير منها أو مثلها» تعنى فى الحكم لمصلحة المكلّفين ، فما كان أصلح فى الحكم لهم قضى به الله تعالى ونسخ ما قبله ، والله تعالى ـ كما يقول ابن عباس ـ يحكم لنا بما فيه خير ومنفعة وبما هو أرفق بنا. وقوله تعالى : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (١٠٧) (البقرة) ، يعلّمنا بأنه تعالى المتصرّف وله الخلق والأمر ، يحلّ ما يشاء ويحرّم ما يشاء ، كقوله تعالى : (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) (٢٣) (الأنبياء). والنسخ فى الإسلام يا أخى المسلم الذكى المقصود بها ـ بمعنى أن بعضه ينسخ بعضه ـ غير موجود ، وآية النسخ أن الإسلام ينسخ ما قبله من الديانات ، أى اليهودية والنصرانية ، واليهود أنكروا النسخ كما قلنا لهذا السبب ، فأخبرهم الله بأنه تعالى له أن يقرر وأن ينهى ، وأن يمحو وأن يثبت.

وما يزال اليهود حتى اليوم يحملون على النسخ ، ويقلّدهم المسيحيون ، والعلمانيون حاليا ، واليهود لهم مصلحة وهى إنكار أن تنسخ النصرانية شريعتهم ، والنصارى لهم مصلحة وهى إنكار أن ينسخ الإسلام ديانتهم ، والعلمانيون دعاة للتنوير والهيمنة الأوروبية والعولمة الأمريكية ، ويدعون إلى إبطال الأديان والأخذ بالمنهج العلمى وإلغاء القيم كلية ، وكلهم معاند شديد العناد ، والرّد عليهم ـ أخى المسلم الذكى ـ إنما بتذكيرهم أن العقل لا يرفض النسخ فى الأحكام بما فيه المصلحة ، وفى القديم كان الله قد أحلّ أن يتزوج الأخ بأخته كما فعل إبراهيم ، ثم نسخ ذلك ؛ وأحلّ لنوح أن يطعم لحم أى حيوان ، ثم نسخ الحل ببعضها وحرّمه ؛ وكان نكاح العمة مباحا كما فعل أبو موسى ، وحرّمته شريعة التوراة ؛ وأمر إبراهيم بذبح ولده ثم نسخ الأمر ، والأمثلة كثيرة فى ذلك يطول سردها. وكان أكثر ما يضايق اليهود من النسخ تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، فذلك ما أغاظهم فى الإسلام وأضجّهم منه ، فأخذوا يلغون فى النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويهزءون بالإسلام ، فأنزل الله تعالى : (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٤٢) (البقرة) والسفهاء هم اليهود ، قالوا : ما لهؤلاء المسلمين يستقبلون تارة بيت المقدس ، وتارة يستقبلون الكعبة؟ فكان جواب

٤٤٤

الله تعالى : عليهم : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) يتضمن نفس الرّد السالف على النسخ : أنه تعالى المتصرّف وله الأمر كله ، وقال : (لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها) (البقرة ١٤٨) ، والوجهة هى القبلة ، شرحها أكثر فقال : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) (٤٨) (المائدة) ، يعنى يا أيها اليهود لكم قبلتكم التى ترضونها ، وللمسلمين قبلتهم التى ارتضاها الله لهم ، وللنصارى قبلتهم التى تابعوا اليهود عليها ، وكل ملّة لها شرعة ومنهاج ، أى سنن وطرائق ، والله تعالى جعل الناس شعوبا وقبائل (الحجرات ١٣) ، (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً) (المائدة ٤٨) ، (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً) (النحل ٣٦) ، وجعل لكل منها منسكا هم ناسكوه (الحج ٦٧) ، وهذا هو الإقرار «بالتباين» فى الإسلام ، و «احترام الغير أو الآخر ، والقول بالديموقراطية الدينية!!

وكل ذلك أخى المسلم الذكى ـ يقوم عليه الإسلام ولا شىء منه فى اليهودية ، ولا فى النصرانية ، وأهيب بك ـ يا أخى المسلم الذكى ـ أن يكون ذلك منطلق حوارك مع الآخر ، وأساس بلاغك له عن الإسلام ، ودعوتك إليه أن يقرّ بالحق ، وأن يقول الصدق ، وأن يقدّر الملل أقدارها. ولله الحمد والمنة.

* * *

٤٨٤. آمين : هل هى مأخوذة من اليهودية والمسيحية؟

لا توجد «آمين» فى النصوص اليهودية القديمة ، وفى المزامير أضاف المرتلون «آمين» من عندهم ، يثنّون بها مرتين على المجموعة الثامنة من المزمور ٣١ حتى المزمور ٧٢ ، ثم يقولون : تمت صلوات داود بن يسى. ولخلو شعائرهم من «آمين» ، قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «حسدتكم اليهود على آمين». والنصارى ينهون الصلاة بآمين ، ويختمون الدعاء فى سفر متّى ، الفصل السابع ، «بآمين».

وفى الإسلام «آمين» جزء ركين من الفاتحة ، وهى سنّة ، وتقال عقب قراءة الفاتحة سواء فى الصلاة أو فى غيرها ، والفارق بين الحالتين أنها فى الصلاة تقال بعد أن يدعو بها الإمام ، وفى غير ذلك تقال عقب الفاتحة مباشرة. وفى الحديث : «إذا أمّن الإمام فأمّنوا». وآمين تقال عقب كل دعاء سوى الفاتحة ، وهى كالخاتم على الكتاب ، يقول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «آمين خاتم ربّ العالمين» ، أى هى الطابع على الدعاء ، ومعناها : اللهمّ استجب ، أو فليكن كما دعونا ، أو ربّنا افعل ما دعونا. وقول «آمين» عقب الدعاء له تأثيره النفسى ، فهى تعطى الدعاء قوة ، ويشعر الداعى أنه يستنزل بها البركة. وقيل : إن آمين اسم من أسماء الله ، والنطق بها كقولنا «يا ربّ». ومن الخطأ تشديد الميم عند النطق بها ، لأن الميم ، المشددة تعنى شيئا آخر مثل قوله تعالى : (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ) (٢) (المائدة) ، فآمين المشددة فيها الميم

٤٤٥

تعنى «قاصدون إليك». والإمام يجهر بآمين ، وفى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان إذا قرأ «ولا الضالين» قال : آمين ـ يرفع بها صوته ليسمعها أهل الصف الأول ، فيقولها بعده كل من فى المسجد ، فيرتج بها المكان ارتجاجا. والجهر بآمين إشهار لها كشعار يندب العباد إلى إظهاره.

وفى الحديث أن الله أعطى أمّة الإسلام ثلاثا ، منها «آمين» ، اختصّ بها المسلمين دون غيرهم ، وفى الحديث عن عائشة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما حسدتكم اليهود على شىء ، ما حسدتكم على آمين ، فأكثروا من قول آمين». وموجب الحسد الذى لم يستوعبه المستشرقون : أن الفاتحة التى لا مثيل لها عندهم ، أولها الحمد لله والثناء عليه ، ثم الإقرار بعظمته وطلب الاستعانة به ، ثم الدعاء بالهداية إلى الصراط المستقيم ، وأن لا نكون من الضالين ولا من المغضوب عليهم. فآمين إذن تذكر قصدا ، ولها فلسفة ومرجعية تاريخية ، وليس الأمر كذلك عند النصارى خصوصا وهم الذين يقولون آمين ، ولا هو كذلك عند اليهود الذين لا يعرفون التأمين أصلا. ولهذا يتّهم المسلمون بأنهم سرقوا آمين من النصارى ، وشتّان بين آمين عند النصارى الذين لا يقولونها إلا لماما ، وبينها عند المسلمين الذين تشكل بالنسبة لهم ركنا من أركان العقيدة ويلهجون بها دوما وأبدا ، وليس قول النصارى ، بسرقة المسلمين لآمين إلا من باب الحسد والغيرة والحقد والاستعلاء. وحسبنا الله.

* * *

٤٨٥. أكاذيب اليهود فى مناسبة الآية : «ويوم يعضّ الظّالم على يديه»

الآية : (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ) (الفرقان ٢٧) صارت مثلا سائرا ، والظالم تاريخيا هو عقبة من معيط ، وخدنه أميّة بن خلف الجمحى ، أو أنه أبىّ بن خلف أخو أميّة ، وكان عقبة واقعا تحت قهر أمية لسبب ما ، ربما يفسره قولهم إنهما كانا خدنين يعنى متحابين ، فربما أحدهما مأبون والآخر لوطى ، ولما كان عقبة قد اضطر أن يعلن إسلامه كى يحضر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وليمة له أقامها لأشراف قريش ، وكان أمية غائبا ، فقد أجبره أمية بعد ذلك أن يرتد ففعل ، فأنزل الله : (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً) (٢٩) (الفرقان).

وشنّع اليهود بتفسيرات أخذ بها بعض المفسرين من المسلمين للأسف ، فقالوا : إن عقبة وأمية أخذا أسيرين يوم بدر ، وأن عقبة قتله علىّ بن أبى طالب ، وأن أمية قتله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بنفسه!!! ومعروف أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يحدث أن قتل أحدا ، لا فى معركة ولا فى غيرها ، وما أمر بقتل أسير قط!!! وفى تشنيعة أخرى قالوا إن عقبة قتل صبرا فى بدر ، وذلك أيضا لم

٤٤٦

يأمر به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما كان يفعل ذلك مطلقا! والصحيح أن عقبة قتل فى وقعة بدر ، وأن أمية قتل فى أحد! ومن أكاذيب اليهود فى مسألة عقبة هذا ، أن أمية لما علم أن خدنه أسلم ، قاطعه إلا أن يذهب إلى محمد ويبصق فى وجهه ويطأ عنقه ويسبّه قائلا كيت وكيت ، وأن عدو الله فعل ما أمره خليله!!! فهل هذا يصدّق؟ أن يتركه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يفعل فيه كل ذلك؟ وأن يترك الصحابة رسولهم يكيل له هذا المأبون كل هذه الإهانات؟!! وللأسف فإن هذا ما ورد عند الواحدى فى أسباب النزول! وفى تفسير الطبرى! وفى الدر المنثور!!! والظالم فى هذه الآيات عام فى كل ظالم ، والشيطان عام فى كل محرّض على الإثم ، وهو كل من يطيعه آخر فى المعصية ، ويصدق فيه الحديث عن «جليس السوء والجليس الصالح» ، فلما سألوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أى الجلساء خير؟ قال فى الجليس الصالح : «من ذكّرتكم بالله رؤيته ، وزاد فى علمكم منطقه ، وذكّركم بالآخرة عمله» أخرجه العسكرى فى الأمثال ، والشاعر يقول :

وصاحب خيار الناس تنج مسلّما

وصاحب شرار الناس يوما فتندما

* * *

٤٨٦. كذب اليهود أن محمدا أمر بصيام عاشوراء اقتداء بهم

الكلام فى قوله تعالى : (وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ) (٥٠) (البقرة) لبنى إسرائيل ، قالوا : إن نجاتهم كانت فى عاشوراء ، وأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سألهم : «ما هذا اليوم الذى تصومونه»؟ فقالوا : هذا يوم عظيم ، أنجى الله فيه موسى وقومه ، وأغرق فرعون وقومه ، فصامه موسى شكرا ، فنحن نصومه ، فقال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فنحن أحق وأولى بموسى منكم» ، فصامه وأمر بصيامه. وهذا كذب وافتراء ، يريد اليهود بأحاديث من مثل ذلك ، الزعم بأن دينهم هو الدين المهيمن على الإسلام ، والحقيقة كما قالت عائشة : كان يوم عاشوراء تصومه قريش فى الجاهلية ، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصومه فى الجاهلية ، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه ، فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء ، فمن شاء صامه ، ومن شاء تركه». فمن غير المعقول أن يحاكى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اليهود فيه ، وهو الحريص أن يخالفهم فى كل شىء ، فلمّا وجد اليهود تصوم اليوم العاشر مصادفة مع المسلمين ـ يقول ابن عباس : أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الناس فقال : صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود» ، ثم إن التقويم اليهودى لا يتوافق مع التقويم الهجرى! فيا أخى المسلم ، أذكر ذلك وادفع عن دينك ، فهؤلاء الناس هم شرّ البرية ، وأكذب خلق الله ، وحسبنا الله فيهم!

* * *

٤٤٧

٤٨٧. «الغرانيق فى سورة النجم بحسب الإسرائيليات»

الغرنوق أو الغرنيق من طيور الماء الجميلة الشكل ، ولذا قد يقال للشاب المليح أنه غرنوق من باب المدح ، والجمع غرانيق ، ويقال للأنثى أنها غرنوق وغرنوقة أيضا ، والجمع غرانيق أيضا وغرنوقات. وينهج المفسّرون للقرآن بالإسرائيليات على نهج يهود المدينة ، ونهج اليهود بعامة ، فالإسرائيليات لم يختص بها الإسلام ، فقد فسّر اليهود بها الفلسفة اليونانية ، واتهموا فلاسفة اليونانية بسرقة الأفكار من التوراة ؛ واتهموا الحضارة المصرية القديمة بأنها عبرانية ونسبها المصريون لأنفسهم ؛ وفى حربهم مع المسلمين حاليا ادّعوا أنه لا وجود لحضارة إسلامية ، ولا لحضارة عربية ، وأن الحضارة هى فقط الحضارة الغربية وأساسها يهودى وهو التوراة ، وأن ما يسمى بحضارة إسلامية أو عربية منقولة عن العبرانية. وقديما اختلفوا فى تفسيرهم للقرآن ، ومن قبل ذلك وحتى الآن فى تفسيرهم للتوراة ، ويذهبون إلى اختلاق الروايات المتناقضة مع القرآن ، مما يوافق هواهم وأمزجتهم ونواياهم الخبيثة ، ومن ذلك ما ذكروه فى تفسير بعض آيات من سورة النجم ، رووا فى تفسيراتهم عنها حكاية غريبة عرفت من بعد برواية الغرانيق ، وكان أول من قال بها الحبر الأكبر عبد الله بن عباس ، ونقلها عنه وروّج لها تلميذه سعيد بن جبير ، ثم شاعت عنه إلى أن تداولها المستشرقون ، ووجدوا فيها المناسبة المرتجاة للطعن فى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى القرآن ، وفى الإسلام عموما.

ومؤدّى الحكاية كما يروونها : أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما أنزلت عليه سورة النجم قرأها على من حوله ، فلما بلغ الآيات : (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى) (٢٤) ، تلبّسه الشيطان ، ودلّس عليه آيتين إضافيتين تصفان اللات والعزى ومناة ، فتصير الآيات المتضمنة لها هكذا : «أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، تلك الغرانق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى». فكأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ طبقا لهذه الرواية ـ يمكن أن يتلبّسه الشيطان ويدلّس عليه فى رواية القرآن ، ولو كان ذلك صحيحا ، فهل يمكن أن يوثق فيه إذن فى الرواية عن الله عموما ، وفى أى شىء آخر يتعلق بالدين ، طالما أنه عرضة للتأثير عليه فى أهم أدوات الدين وهو كتاب الله؟ فهذه هى خطورة الرواية ، وخطورة الاتهام الذى تتضمنه.

ونلاحظ ان ابن عباس لم يحضر نزول السورة ، لأنه وقت وفاة النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان فى

٤٤٨

الثالثة عشرة من عمره ، وكذلك ابن جبير ، فإنه من مواليد سنة ٤٥ ه‍. أى بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم باثنتين وثلاثين سنة! ومع ذلك فقد اعتمد روايته السيوطى من بعد ، ونشرها فى كتابه «الدر» ، وكذلك كتب عنها ابن جرير ، وابن المنذر وابن أبى حاتم ، وابن مردوية ، وفيما رووا أن ابن جبير قال عن ابن عباس : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ بمكة سورة النجم ، فلما بلغ : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) (٢٠) ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى». وقال : عندئذ سجد الرسول ، وسجد المشركون أيضا ، وقالوا : لقد ذكر آلهتنا بخير ولم يكن قد فعل ذلك من قبل. وانتشرت الحكاية عن طريق من سمعها من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ممن كانوا حوله. ثم إن جبريل لمّا جاء بعد ذلك يسأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعرض عليه ما جاءه به من قرآن ، قرأ عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما عنده ، فلما بلغ : «تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى» ، قال : لم آتك بهذا! هذا من الشيطان! ـ قال سعيد : فأنزل الله : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٥٢) (الحج)! والزيادة التى قال بها ابن جبير ذكر قتادة أنها : «وأنهنّ لهنّ الغرانيق العلى». وفى رواية الواقدى قال : سجد المشركون كلهم ـ أى عند ما قرئت هذه الزيادة ـ إلا الوليد بن المغيرة ، وكان شيخا كبيرا ، فإنه أخذ ترابا من الأرض فرفعه إلى جبهته وسجد عليه (أى أنه لكبره لم يستطع السجود) ، وقيل إن الذى فعل ذلك أخاه سعيد بن العاص. وقال قتادة : حتى نزل جبريل فقرأ عليه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال جبريل : ما جئتك به! ـ وأنزل الله : (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) (٧٤) (الإسراء).

فهذه حكاية الغرانيق التى يزعمونها والتى تصيّدها المستشرقون ، وأنكروا بها على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعلى القرآن والإسلام. والحكاية إما أنها حقيقية ، وإما إنها ملفقة قال بها رواة غير موثوق بهم ، لم يتحرّجوا أن ينقلوا الكفر ، ولم يكلّفوا أنفسهم عناء مناقشة هذه الروايات ، كشأن المؤرخين الباحثين. ولقد جاءت رواياتهم مضطربة غير متوافقة مع بعضها ، فقائل يقول : إن النبىّ أخطأ وكان يقرأ فى الصلاة ؛ وآخر يقول : إنه أصابته سنة (أى غفوة) وهو يقرأ ؛ وقال آخر : إنه سها ؛ وقال آخر : ارتصده الشيطان فى سكتة من السكتات ، فنطق بتلك الكلمات ، محاكيا نغمة كلام الآيات من قبلها ، حتى أن من سمعه من المقربين ، ظنوا أن ما قاله هو من القرآن فأشاعه! وكل هذه الروايات مرسلة ومنقطعة ولا يحتج بها ، وطرقها ضعيفة ومتهافتة ومنكرة ، ولم يحفل بها البخارى ومسلم لهذا السبب. والمنكرون لهذه الروايات قالوا إن معنى «ألقى الشيطان» : أن الشيطان نطق بألفاظ سمعها

٤٤٩

الكفار عند قول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) (٢٠) فالتبس الأمر على من سمعها ممن كانوا بالقرب من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فظنوا أنه قائلها وليس الشيطان ، فكان عذرهم أقبح من ذنب الآخرين! والقرآن ينكر تماما أن يكون للشيطان تأثير على المؤمن ، ناهيك أن يكون هذا المؤمن هو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم! كقول ربّ العزة مخاطبا الشيطان : (إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ) (٤٢) (الحجر) ، وقوله عنه : (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (٩٩) (النحل) ، وقوله عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (٤) (النجم) ، ويقول بلسان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ) (١٥) (يونس) ، وقوله عن عقوبة أن يتقوّل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الله : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ) (٤٦) (الحاقة). وإذن فحكاية الغرانيق لا تثبت من جهة النقل ، فالقرآن لا يمكن أن يناقض بعضه ، كما لا يمكن أن يطعن فيه من طريق أحاديث فى التفسير من المراسيل والمنقطعات ـ وهى التى دخل أكثر البلاء على الإسلام من خلالها.

ثم إن القصة من جهة السياق لا تستقيم مع ما قبلها ، فاللات والعزى ومناة بحسب السياق هى مجرد أسماء سمّاها المشركون وآباؤهم ثم عبدوها ، و «الأسمائية» مدرسة فى الفكر تقول : أنه طالما أن هناك اسما فإنه لا بد أن يكون لشىء موجود فى الواقع وإن لم يكن مرئيا ولا مسموعا ؛ ونقيضها «الوضعية المنطقية» التى تقول : «أن الاسم إن لم يكن موجودا فى الواقع فهو فارغ المعنى» ، وأسماء اللات والعزى ومناة «فارغة المعنى» ، لأنها ليست من الواقع فى شىء. فإن قال قائل : إن الله تعالى ـ بالمثل ـ غير مرئى ولا مسموع ، يعنى أنه غير واقع ثم فارغ المعنى ، فنقول : إنه تعالى مدرك بما له من أفعال نراها بالبصر ، ونسمعها بالأذن ، ونحيط بها بالعقل ، فيما حولنا من مظاهر الكون ، ما ظهر منها وما خفى ، فالله تعالى اسم كالأسماء ، ولكنه على مسمّى متعيّن ندركه بالحواس والعقول والأفهام. وأما اللات والعزى ومناة ـ فكما جاء فى الآيات ـ هى أسماء فقط ما أنزل الله بها من سلطان ، أى ليس لها واقع ، والمعرفة بها معرفة ظنية ، يعنى إن سئل الكفار عنها يقولون عنها أشياء بالظن ولا يوصفون واقعا ، وظنهم بحسب هواهم ، أى وفق أمزجتهم ورغباتهم. والآيات إذن تذم هذه الآلهة أو بالأحرى الإلاهات ، لأنهم إناث وليسوا ذكورا ، والقرآن يعيب على الكفار أنهم جعلوا الآلهة شركاء الله إناثا ولم يجعلوهم ذكورا ، مع أنهم لا يحبون أن تكون لهم الإناث ويؤثرون عليهن الذكور ، فلما ذا يجعلون لله ما

٤٥٠

يكرهون لأنفسهم؟ ويصف القرآن ذلك بأنه ليس عدلا منهم ، فهل بعد هذا الذم يأتى الله تعالى بمدح لهذه الإلاهات يناقض الذم السابق ، فيصفها تعالى بأنها غرانيق علا ترتجى شفاعتهن؟!! ومن جهة أخرى فلو أمعنا العقل فى هاتين العبارتين المضافتين «تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتهن لترتجى» فقد لا نرى أن المعنى فيهما متعارض مع السياق ، فالعبارتان تقالان من باب السخرية والازدراء لأسماء اللات والعزى ومناة ، فيكون المعنى : اللات والعزى وهذه المناة الأخرى ، اللاتى يقولون إن شفاعتهن ترتجى!! وهى طريقة فى الكلام نسمعها كثيرا فى العامية كلما أراد المتحدث التهوين من شأن شىء ما ، وتكون العبارتان إذن ذما شكلا وموضوعا ، وليس بهن أى مدح ولو أقل القليل.

وهذه الفرية أو التشنيعة التى شارك فيها الأقدمون والمحدثون ، أحزنت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى وقتها لما أثارته من الشبهات ، وما سببته من الفتن. وقد ربط البعض لذلك بين هذه الحادثة وبين آيتين ، الأولى : (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) (٧٥) (الإسراء) ؛ والثانية : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٥٢) (الحج) ، والآيتان نزلتا فى أمور أخرى وليست لهما صلة بهذه الحادثة ، فلا يحتج بهما على أن حادثة الغرانيق هذه قد جرت فعلا ، وسنتناول الآيتين بعد الانتهاء من حكاية الغرانيق ، وسياقهما مختلف تماما ، وقوله تعالى فى الأولى : (كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) ليس معناها أنهم قاربوا أن يحققوا لأنفسهم ذلك ، وإنما أنهم حاولوا من خلال إنصاته لهم ، ولم يفلحوا أن يفتنوه لأنه معصوم ومثبّت من الله. فكما ترى الآية تحكى عن شىء آخر ، ومع ذلك فهى بإزاء الحكاية التى نحن بصددها تؤكد استحالة وقوعها ، لأنه مع العصمة والثبات لا يمكن أن يلقى شيطان على لسانه صلى‌الله‌عليه‌وسلم شيئا مخالفا لمطلوبه تعالى. وكذلك فإن الآية الثانية تؤكد أن محاولات شياطين الإنس والجن لم تتوقف عن التشويش على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى رسالته ، ومعنى : (إِلَّا إِذا تَمَنَّى) أى حدّث ، ومعنى : (أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) أى فى حديثه ، (فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أى يبطله. والآية موضوعها ليس الغرانيق ، إلا أنها كذلك تؤكد أن حادثة الغرانيق هذه ما كان يمكن أن تحدث للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالطريقة التى رووا عنها ، ولذلك فقد حاول آخرون روايتها بطريقة مختلفة ، فذكر الكلبى أن النبىّ لمّا بلغ : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) (٢٠) لبّس عليه الشيطان أن يضيف «والغرانقة العلا وإن شفاعتهن لترتجى» ، وفسّر الغرانقة بالملائكة. ولم ير القشيرى هذا

٤٥١

التفسير ، لأن الله يقول (فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) أى يبطله ، وشفاعة الملائكة غير باطلة.

ومن كل هذا التضارب كما ترى يتأكد أن حكاية الغرانيق من أراجيف رواة الإسرائيليات ، وتلقّفها المستشرقون للتشنيع على الإسلام ، أو أنها لو كانت قد جرت ، فإنها لم تكن تعدو إشاعة أو تشنيعة ، وفى علم نفس الإشاعات توصف أمثال هذه الإشاعة بأنها مستبشعة ، ومن دأب العدو الذى يروّج لها أن يهوّل منها ، فكلما زاد التهويل كلما كان للإشاعة مردود على الجماهير ، ولو ببعض التأثير ، ولن تكون عديمة التأثير أبدا ، ومن تهويلهم فى شأن حكاية الغرانيق ـ أنهم قالوا إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا عرف ما قال ، ندم عليه وقال : افتريت على الله وقلت ما لم يقل!

* * *

٤٨٨. آية الفتنة من سورة الإسراء مثل آخر كالغرانيق

قال المستشرقون إذا كانت قصة الغرانيق فى سورة النجم غير صحيحة ، فلما ذا كانت «آية الفتنة» إذن التى تقول : (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) (٧٥) (الإسراء) ، أليس ذلك لأن قصة الغرانيق صحيحة ، وتثبتها آية الفتنة؟

ويقول راوى الإسرائيليات سعيد بن جبير ، المولود سنة ٤٥ ه‍ ، والذى لم يحضر أيا من أسباب نزول القرآن : كاد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يستلم الحجر الأسود فى طوافه ، فمنعته قريش ، وقالوا : لا ندعك تستلم حتى تلمّ بآلهتنا (أى تزورها). فحدّث نفسه (أى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم) ، وقال : ما علىّ أن ألمّ بها بعد أن يدعونى أستلم الحجر ، والله يعلم أنى لها كاره؟ فأبى الله تعالى ذلك وأنزل عليه هذه الآية! ـ فهذه رواية ابن جبير تطعن فى أخلاقه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويريد منا هذا الملعون أن نصدقه فيها! والمستشرقون يصدقونه ويروّجون لمثل أقواله. ورواية سعيد جاء مثلها : عند الطبرى فى «جامع البيان» ، والماوردى فى تفسيره ، وابن عطية فى «المجرد الوجيز». وجاء عند الطبرى والماوردى عن مجاهد وقتادة ، وفى رواية أخرى ، نقلا عن ابن عباس ، والثلاثة من صناع الإسرائيليات ورواتها : أن هذه الآية نزلت فى وفد ثقيف لمّا أتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فسألوه شططا ، فقالوا : متّعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها ، فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا ، فهمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعطيهم ذلك ، فنزلت هذه الآية. وقوله «همّ الرسول» هو تأكيد للمرة الثانية للصفة الزرية التى ينسبونها للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنه كان من

٤٥٢

الممكن أن يمالئ هذا أو ذاك ، ولو لا السماء لفعل ذلك! وفى رواية أخرى : أن أكابر قريش قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : اطرد عنا هؤلاء السقّاط الموالى ، حتى نجلس معك ونسمع منك ، فهمّ بذلك حتى نهى عنه. وفسّر ذلك قتادة فقال : ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذات ليلة إلى الصبح ، يكلّمونه ، ويفخّمونه ، ويسوّدونه ، ويقاربونه ، فقالوا : إنك تأتى بشيء لا يأتى به أحد من الناس ، وأنت سيدنا. وما زالوا به حتى كاد يقاربهم فى بعض ما يريدون ، ثم عصمه الله من ذلك ، وأنزل هذه الآية! والرواية هنا أكثر نكرا ، لأنهم يظهرونه فيها كما لو أنه ينطلى عليه تفخيمهم له وتسييدهم ، حتى ليكاد يرضخ لهم! ومما يرويه قتادة أكثر من ذلك : أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما نزلت هذه الآية قال : اللهم لا تكلنى إلى نفسى طرفة عين» رواه الطبرى وأبو حبان ، وذلك بسبب قوله تعالى : (لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) أى تميل إلى أقوالهم ، لو لا أن الله ثبّته على الحق ، وعصمه من موافقتهم ، وحال بينه وبينهم ، ومنعه من أن يرضخ لهم ولرغباتهم وينقلب على أصحابه ومبادئه إرضاء لهم!! وهذه الأقوال كلها باطلة ، ولا تستقيم مع السياق ولا مع القرآن وتضاده تماما ، فظاهر الخطاب فى الآية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وباطنه إخبار عن أهل ثقيف الذين كانوا موضوع الآية ، وكانوا يمتدحونه ، ويستميلونه إليهم ، ولو لا فضل الله عليه بالاصطفاء والنبوة والعصمة ، لكان منه ميل إلى موافقتهم ، ولو فعل لأذاقه الله تعالى مثلىّ عذاب الدنيا والآخرة ، فكلما كانت الدرجة أعلى كلما كان العذاب عند المخالفة أشدّ وأنكى ، كما جاء عن نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ) (٣٠) (الأحزاب). ومن ثم فلا صلة بين آية الفتنة وقصة الغرانيق التى تناولناها قبلا ، والتى ذهب فى تفسيرها رواة الإسرائيليات ، مذاهب تحطّ من شأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتظهره بمظهر مشين ، وللأسف فإن رواياتها قد صدرت أولا عن منافقين مدلّسين كانوا مسلمين اسما ، وقالوا بهذه التفسيرات ، فلم يكن عجيبا أن يحتج بها المستشرقون وأعداء الإسلام من بعد للطعن فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم طالما أن مروّجيها كانوا مسلمين ولو اسما!

* * *

٤٨٩. الإسرائيليات فى آية الاستفزاز

يقول الله تعالى : (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً) (٧٦) (الإسراء). وكدأب ابن عباس غالبا عند ما ينقل عن اليهود أسبابا لنزول القرآن ، أو لتفسيره ، من شأنها أن تهزّ صورة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند المسلمين وتجعله يبدو كما لو كان اليهود يتلاعبون به ، قال : حسدت اليهود مقام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة ، فقالوا :

٤٥٣

إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام ، فإن كنت نبيا فالحق بها (أى بالشام) ، فإنك إن خرجت إليها صدّقناك وآمنا بك. يقول ابن عباس : فوقع ذلك فى قلب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما يحب من إسلامهم! فرحل من المدينة على مرحلة (أى مسافة) ، فأنزل الله هذه الآية وتسمى آية الاستفزاز. وقيل : إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم غزا تبوك لا يريد إلا الشام ، فلما نزل تبوك نزلت الآية ، فكان ذلك أمرا له بالرجوع. ومعنى «يستفزونك» يستخفونك ويزعجونك ويخرجونك من المدينة ، فقد غاظهم استقراره بها ، فلعله إن خرج تخلو المدينة لهم ويستتب لهم الأمر!

وابن عباس غلط ، لأنه جعل الآية مدنية بينما سورة الإسراء مكية ، وقال غير واحد من المفسرين أنها نزلت لما همّ أهل مكة أن يخرجوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولكن الله أمره بالهجرة. ثم إن هذه الآية قد أتت الآيات قبلها عن أهل مكة ، ولم يكن فيها ذكر لليهود ، وليس قوله تعالى «من الأرض» إلّا لأنه أراد بها أرض مكة ، وجماع الكفار بأرض مكة ، ولذا قال تعالى : (وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً) ، وفى قراءة «لا يلبّسون» بالباء المشددة ، أى لا يدعهم الله على حالهم فى مكة إلا لزمن قليل بعده ، يقصد بالقليل المدة التى لبثوها بعده بعد إخراجهم له ، واندحارهم يوم بدر.

ومن هذا ترى تهافت التفسيرات بالإسرائيليات ، وغلط من قالوا بها ، الأمر الذى يتحتم معه اطّراحها وتنزيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكتاب الله مما يروّجون ضدهما من أراجيف ، يريدون بها إظهار النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكأنما كل ما يفعله لا يعدو ردود أفعال وليس مبادرات موحى بها ، فاليهود يوعزون إليه ويؤلّبونه ويستثيرونه ، وهو يرضخ لهم فى مسألة مصيرية كهذه ، وابن عباس تنطلى عليه تفسيراتهم التى قالوا بها ، حتى ليقول فيها : فوقع ذلك فى قلب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما يحب من إسلامهم ، فرحل من المدينة! وإنى لأعجب كيف عرف أنه وقع فى قلبه ، وأنه يحب إسلامهم ، وكان فى ذلك الوقت طفلا غريرا بعد؟

* * *

٤٩٠. أيام الله : هل هو مصطلح إسلامى أم مسروق من التوراة؟

المستشرق اليهودى يوسف هوورفيتس من أشد أعداء الإسلام ، ولا يألو جهدا أن يذيع عن الإسلام الأكاذيب لعله يهزّ عقيدة المسلمين وينفّر الأوروبيين من اتّباع الإسلام ، وتلك أمانى المستشرقين والمبشرين ، والله تعالى يأبى إلا أن يتم نوره ويذيع الإسلام بنقدهم الذى ينتقدونه. وهوروفيتس يقول إن «أيام الله» فى القرآن فى الآية : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (٥)

٤٥٤

(إبراهيم) ، والآية : (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٤) (الجاثية) ، مأخوذة من التوراة ، سفر العدد ، الفصل الواحد والعشرين ، العبارة ١٤ ، من قوله «كتاب حروب الرّب» ، ويقصد به مجموعة الحروب التى دخلها اليهود فى فلسطين ، ومنها حربهم مع الأموريين واجتياحهم لأراضيهم. وهذا إذن هو نصّ المصطلح ، والسياق الذى ذكر فيه ، فأى عاقل يمكن أن يقول إن هذا المصطلح هو نفسه المصطلح القرآنى «أيام الربّ»؟ وفى الآية الأولى التى ورد بها المصطلح فإن فى الحديث المرفوع عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى قوله : «وذكّرهم بأيام الربّ» قال معناها ذكّرهم : «بنعم الله» ، وهو نفس المعنى فى الآية الثانية لقوله : (لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ) ، حيث المعنى فيه إحالة إلى الآية الأخرى من سورة البقرة : (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) (٤٠) ، وكان ذلك فى الزمن الغابر طالما كانوا يتقون الله ، فلما ضلّوا وأضلّوا ونقضوا العهد ، صرفت عنهم النّعم ، ولذلك يذكّرهم الله بأيامه معهم التى كان فيها راضيا عنهم ، وكانت له أياد عليهم ؛ وقيل هى أربع عشرة نعمة أحصاها القرآن ، فأى صلة بين «حروب الربّ» التى فى سفر العدد ، وبين «أيام الله» التى وردت فى القرآن؟ ثم إن «حروب الربّ» ليست اصطلاحا من الاصطلاحات بالمعنى المتعارف عليه ، ولكن «أيام الله» اصطلاح أكيد ، وعند العرب مثله ، فهم يقولون عن النسّابين أنهم الأعلم «بأيام العرب» ، يعنى بتواريخهم القديمة التى فيها أمجادهم. فكأن هذا المستشرق اليهودى الموتور هوروفيتس ، أراد أن يستخرج شيئا من لا شىء ، ولم يفعل إلا أن أبان عن حقده وتعصّبه وجهله ، وما أكثر ما يجهله هؤلاء المستشرقون!!

* * *

٤٩١. هل أخذ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن بولس؟

يقول المستشرقون : إن محمدا فسّر الآية : (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٧) (السجدة) بالحديث عن ربّه فقال : قال الله عزوجل : «أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر» ... ثم قرأ هذه الآية : (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٧) (السجدة) خرّجه الصحيح من حديث سهيل بن سعد الساعدى. ورغم أن المفسرين يستشهدون بهذا الحديث كثيرا ، إلا أن البعض اعتبروه من الإسرائيليات التى استدخلت فى تفسيرات القرآن الكريم ونسبت للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن ثم فلا يعتدّ به ، وجاء عنه برواية ابن مسعود : فى التوراة مكتوب : على

٤٥٥

الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ـ ولم ينسبه ابن مسعود لبولس وردّه إلى التوراة ، وهو غلط. والمستشرقون على القول بأن : حديث محمد أخذه عن بولس ، عن الترجمة العربية لرسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتس ، يقول فيها : «ولكن كما كتب : ما لم تره عين ولا سمعت به أذن ولا خطر على قلب بشر ، ما أعدّه الله للذين يحبونه» (٢ / ٩). وكلام بولس ليس عن نفسه ، وإنما عن مصدر آخر ، قال «كما كتب». والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم ينسب الحديث لنفسه ، وإنما نسبه لربّ العزة ، فهذا كلامه تعالى ، فى حين كلام بولس مجهّل ، وحديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن جزاء العباد الصالحين ، وحديث بولس عن جزاء من يحب المسيح ، ومع ذلك فالذى تسبّب فى اعتقاد أخذ الرسول عن بولس هو مترجم الرسائل ، فقد كان خبيثا غاية الخبث ، وأخذ حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بكلماته ـ إن كان الحديث للرسول أصلا ـ وترجم به كلام بولس ، ليوحى إلى القارئ أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نسب إلى نفسه كلام بولس ، وليجعله يشبه كلام بولس ليوهم بسرقته. ولنراجع معا الحديث الأصلى باللغة الإنجليزية مثلا لنرى الفرق بين الحديث فى الإنجليزية والترجمة العربية ، والسرقة المفضوحة التى ارتكبها مترجم الرسائل العربية ، تقول النسخة الإنجليزية :

love him" into the heart of man, the things which God has prepares for them that" But as it, Eye has not seen, nor ear heard, neither have entered

وترجمة ذلك كالآتى : ولكن كما قيل : لم تر عين ، ولا سمعت أذن ، ولا استوعبها قلب إنسان ، الأشياء التى أعدّها الله للذين يحبونه» ، فأين هذا الكلام من الحديث النبويّ؟ ولما ذا ترجم المترجم هذا الكلام بنصّ الحديث النبوى إن لم يكن بنيّة إيهام القارئ بأن محمدا أخذ عن بولس؟! ولما ذا لا يكون كلام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسبق من الترجمة العربية ، وتكون الترجمة تقليد لكلام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ ومع ذلك فالحديث المنسوب إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أحاديث الآحاد ومشكوك فى راويه ، وقيل إنه من الإسرائيليات ، ثم إن رسائل بولس لم تكن قد ترجمت إلى العربية ليعرف بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم!

* * *

٤٩٢. هل يحتاج الله إلى ملائكة لينصر المؤمنين؟

هكذا يقول المستشرقون تشكيكا فى الإسلام ، فنزول الملائكة فى قوله : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (٩) (الأنفال) ، وقوله : (إِذْ تَقُولُ

٤٥٦

لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ) (١٢٤) (آل عمران) ، وقوله : (بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) (١٢٥) (آل عمران) ، كان سببا فى انتصار المسلمين ، ولكن الله تعالى ليس فى حاجة إلى سبب للنصر ، وإنما يحتاج إليه المخلوق فيطمئن ويثق ، فالله فى ذاته هو الناصر بسبب وبغير سبب ، والمخلوق لا يطمئن إلا إذا رأى السبب. ولا يقدح نزول الملائكة فى التوكل ، ولا يقوّى زعم القائلين بأن الملائكة لا تتنزل إلا لنصرة الضعفاء دون الأقوياء ، والله تعالى يسخّر ما يشاء عند ما يشاء ، وقد يسخّر الطبيعة ، أو يسخر الملائكة ، والمهم أن يؤمن المؤمن بأن الله ينصر المستحق للنصر بطريقته.

* * *

٤٩٣. سورة الأحزاب هل كانت كسورة البقرة فى الطول ، وهل كانت فيها آية الرجم؟

سورة الأحزاب هى السورة الثالثة والثلاثون من سور المصحف ، والرابعة فيما أنزل من سور القرآن فى المدينة ، وكان نزولها بعد آل عمران ، وآياتها ثلاث وسبعون آية ، ونزلت فى المنافقين وإيذائهم للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وطعنهم عليه ، وعلى زواجه ، وغير ذلك قيل : وكانت هذه السورة تعدل سورة البقرة ، وكانت فيها آية الرجم ، تقول : «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ، والله عزيز حكيم» ، وهو قول غريب ذكره كثير من المفسرين ولم يمحّصوه بحثا وتحقيقا ، فإذا كانت الأحاديث الموضوعة ، والأحاديث على اختلاف الروايات فى الحديث الواحد ، وكل المرويات فى التاريخ ، قد حفظت رغم ما فيها من أغاليط وتحريف وتشويه ، واختلافات وافتراءات ، فلما ذا لو كانت سورة الأحزاب تعدل فى طولها سورة البقرة ـ لم يحفظ لنا شىء من هذا الذى رفع منها ، فيما عدا هذه العبارة الهزيلة التى قيل إنها فى الرجم؟ والأدهى والأمر أن يقال أن سورة الأحزاب كانت تعدل على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مائتى آية ، فلمّا كتب المصحف لم يقدر منها (يعنى لم يجدوا منها) إلا ما هى عليه الآن! فمن حذف الباقى؟ وهل يمكن أن ترفع منها ١٢٧ آية ، دون أن يخلّ بالمعانى؟ وكيف رضى المسلمون بذلك؟ وإذا كانت سورة واحدة حذفت منها ١٢٧ آية ، فمعنى ذلك أن القرآن لا يصدق عليه قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) (٩) (الحجر) ، يعنى يحفظه الله من التغيير والتبديل والإنقاص والزيادة! والصحيح أن كل هذه الأراجيف من تشنيع المتخرّصين من المنافقين والمتعالمين ، ومن الملاحدة والروافض وأهل الكذب وخاصة اليهود ، وإنه لشىء يتجاوز حدود المعقول ، أن يقال أن هذه الآيات المحذوفة كانت فى صحيفة فى بيت عائشة ، فأكلتها الداجن!!! ـ أى الطيور والحيوانات المستأنسة؟!!

٤٥٧

والسورة إذن هى كما نزلت : ثلاث وسبعون آية لا غير ، وصدق الله تعالى أن أنزل فى أولها : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ) (١) (الأحزاب). والخطاب كان للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن بعده للمسلمين كافة ، فكأنه الردّ على من قالوا مثل تلك التقولات السابقة ، فلا تسمعوا أيها المسلمون لمن يطعن فى كتابكم بالنقص أو التحريف أو غير ذلك مما سنرد عليه فى مكانه.

* * *

٤٩٤. إشكالية الآية : (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (البقرة ٣٦)

قالوا : كيف قال الله تعالى فى هذه الآية : «عدو» ولم يقل «أعداء»؟

والجواب : أن «بعضا» «وكلا» يخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى ، كقوله تعالى : (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) (٩٥) (مريم) وقوله : (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) (٨٧) (النمل). وكذلك فإن عدوا يفرد فى موضع الجمع ، كقوله تعالى : (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) (٥٠) (الكهف) ، وقوله : (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ) (٤) (المنافقون) ، بمعنى أعداء.

* * *

٤٩٥. إشكال الآية : (وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة ١١٧)

قيل : فى أى حال يقول له كن فيكون؟ أفى حال عدمه؟ أم فى حال وجوده؟ فإن كان فى حال عدمه ، استحال أن يأمر إلا مأمورا ، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر. وإن كان فى حال وجوده ، فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث ، لأنه موجود حادث؟

والجواب : الآية خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره فى خلقه الموجود ، يعنى أن هذا الأمر لشىء موجود على حال أو هيئة ، ثم يأمر أن يوجد على حال آخر أو هيئة أخرى ؛ أو أن هذا هو قضاؤه فى الأشياء ، فإذا أراد ، فإرادته قضاء. وأيضا : فإنه تعالى يعلم بما هو كائن قبل كونه ، فيأمر به أن يكون ، فيكون بحسب ما يعلم ، ويخرج الشيء من حال العدم إلى حال الوجود.

* * *

٤٩٦. الإشكال فى الآية : («إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ

ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) (٩٠)» (آل عمران ٩٠)

الإشكال أنه تعالى قال فى هذه الآية «لن تقبل توبتهم» ، وقال فى آيات أخرى : (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ) (٢٥) (الشورى) ، فإذا كان المعنى لن

٤٥٨

تقبل توبتهم إذا جاءهم الموت ، كقوله تعالى : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (١٨) (النساء) فلا إشكال هناك ، والإشكال عموما ينتفى إذا عرفنا سبب نزول الآية ، وكان نزولها فى قوم من أهل مكة قالوا : نتربص بمحمد ريب المنون ، فإن بدا لنا الرجعة ، رجعنا إلى قومنا ، فأنزل الله الآية : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) (آل عمران ٩٠) ، أى لن تقبل توبتهم وهم مقيمون على الكفر ، فسمّاها توبة غير مقبولة ، لأنهم لم يصحّ منهم عزم ، والله لا يقبل التوبة إلا إذا صحّ العزم.

* * *

٤٩٧. إشكال الآية : (إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والصّابئون والنّصارى

من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٦٩)) (المائدة ٦٩)

قيل : «الصابئون» فى الآية كان ينبغى أن تكون منصوبة باعتبارها اسم إنّ ، فيكون الصواب : «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى» بدلا من «الصابئون» ، غير أن المعنى فى هذه الحالة يختلف عن المعنى والآية كما هى ، والمعنى الجديد هو أن هؤلاء المذكورين : الذين آمنوا ، والذين هادوا ، والصابئين ، والنصارى ، لا خوف عليهم ؛ وأما فى المعنى الحالى للآية كما هى ، فإنه كالآتى : «إن الّذين آمنوا والّذين هادوا» ، وهؤلاء هم الأصل ، حيث المؤمنون هم المسلمون ويقابلهم اليهود ، فأما النصارى والصابئون فهؤلاء ليسوا من الفرق الأصلية ، فالنصارى يقولون إنهم فرقة يهودية ، وكتابهم هو العهد القديم والعهد الجديد ، والصابئة فرقة ثانوية ، وديانتهم ديانة ثانوية ، فيكون معنى الآية كما هى :

إن الذين آمنوا والذين هادوا ـ وكذلك الصابئون والنصارى ... ، فذكر الصابئون والنصارى كتكملة ، ومن ثم كانت الآية صحيحة عربيا ولا إشكال هناك كما يدّعى المستشرقون.

* * *

٤٩٨. إشكال الألف فى بعض آيات القرآن

فى الآيات مثل قوله : (وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا) (١٠) (الأحزاب) ، وقوله : (وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) (٦٦) (الأحزاب) ، وقوله : (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (٦٧) (الأحزاب) ، ثبتت ألفاتها فى الوقف ، والعرب تفعل ذلك ، مثل :

نحن جلبنا القرح القوافلا

تستنفر الأواخر الأوائلا

فالألف أنزلت منزلة الفتحة ووجب الوقف بعدها ، لأنها تقع فى الفواصل.

٤٥٩

٤٩٩. إشكال الآية : (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (البقرة ٦١)

قال المستشرقون : فى قوله تعالى عن اليهود أنهم يقتلون النبيين بغير الحق ، دليل على أنه قد يصحّ أن يقتلوا بالحق؟ فهل ذلك جائز شرعا فى الإسلام؟ أليس الأنبياء معصومين من أن يصدر منهم ما يقتلون بسببه؟

والجواب : لا إشكال فى الآية ، والمعنى فيها أن قتل النبيين ـ إن حدث ـ يكون ظلما وليس بحق ، واستخدام «بحق» بدلا من «ظلما» تعظيم للشنعة على اليهود ، لأنهم الذين قتلوا النبيين ، ولم تعرف أمة قتلت أنبياءها إلا اليهود ، ومعلوم أنه لا يقتل نبىّ بحق ، ولكن يقتل «على الحق» ، مثل زكريا ، ويحيى ، فقد قتلا على الحق وليس بحق ، ولذا جاء التعبير فى الآية «بغير الحق» للتشنيع على الذنب ، ولم يحدث فى تاريخ النبوّات أن أتى نبىّ قطّ بشيء يوجب قتله ، فإن فتل فإنما يقتل بغيا وعدوانا ، وهو قوله تعالى «بغير الحق». وقول النصارى إن عيسى قتل ، أن القتل تمّ على يد اليهود لاعتقادهم أنه خرج على الناموس ، والخروج على الناموس يوجب القتل ، وهو لم يخرج على الناموس ، ولكنه جاء ليصحّح ما حرّفوه وبدّلوه منه ، وليبشّر بشريعة جديدة ، لأن لكل نبىّ شريعته ، وقد تخالف شريعته من قبله ، ولكنها مخالفة لا تستوجب قتله ، فإن قتل فهذا هو القتل بغير حق ، ومن ثم فلا إشكال فى الآية.

* * *

٥٠٠. المستشرقون والآية : (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (البقرة ٢٣٤)

قال المستشرقون كان الأصح أن تقول الآية أربعة أشهر وعشرة لأن العشرة تعود على الأيام وهى مذكر ، ولا يجوز أن نقول «وعشرا» لأنها أنّثت الأيام. والصحيح أن العشر مقصود بها «الليالى» وليس الأيام ، واليوم يبدأ من الليلة ، وكذلك الشهر ، فتغلب الليالى على الأيام إذا اجتمعت فى التواريخ ، نقول : صمنا خمسا من الشهر ، فتغلب الليالى وإن كان الصوم بالنهار. والمراد إذن «الأيام والليالى» ، فلو عقد عاقد النكاح على المرأة وقد مضت أربعة أشهر «وعشر ليال» ، كان نكاحه باطلا حتى يمضى «اليوم العاشر».

* * *

٥٠١. إشكال الآية : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) (البقرة ٢٥٣)

الآية مشكلة لأن الأحاديث ثابتة بأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لا تخيّروا بين الأنبياء» ، وقال : «لا تفضّلوا بين أنبياء الله» رواهما الأئمة الثقات : مسلم ، والبخارى ، وأبو داود ، وأحمد ، والمعنى لا تقولوا هذا النبىّ خير من هذا النبىّ ، ولا هذا النبىّ أفضل من هذا

٤٦٠

النبىّ. وقيل فى ذلك أن هذه الأحاديث ربما صدرت قبل أن تتنزل الآية ، وربما قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنا سيد ولد آدم» لأنه كذلك يوم القيامة بوصفه الشافع يومئذ ، وله لواء الحمد والحوض ، وكان قوله : «لا تخيّرونى على موسى» على طريق التواضع ، وكذلك قوله : «لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متّى» على معنى التواضع ، حيث الآية : (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ) (٤٨) (القلم) وهو يونس بن متى ، فيها أنه أفضل منه فعلا ، لأن الله تعالى قال له : ولا تكن مثله ، وإذن فهو خير منه ، فدلّ على أن قوله : «لا تفضّلونى عليه» من طريق التواضع ، ويجوز أن تكون الأفضلية من طريق العمل فلعله أفضل منه فى العمل ، ولا يعلم ذلك إلا الله ، ولعله أفضل فى البلوى والامتحان فإنه أعظم محنة منه. وربما قد نهى عن المقارنة بينه وبين الأنبياء ، لأنه فى المقارنة قد يذكر عنهم ما لا ينبغى أن يذكر ، ويقل احترام الناس لهم عند المماراة ، فلا يقال لذلك : النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أفضل من الأنبياء كلهم ، لما قد يتوهّم من النقص فى المفضول ، لأن النهى يقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد المعنى ، فإن الله تعالى أخبر فى الآية أن الرسل متفاضلون ، إلا أننا انصياعا لأمر نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يحسن منا أن نقول أنه خير من الأنبياء ، أو أفضل من فلان ، تأدّبا بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعملا باعتقاد ما تضمنه القرآن من حجب أى الأنبياء أفضل ، وعلى ذلك يكون الجواب على السؤال : هل نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الأفضل؟ أن القرآن اكتفى بأن الأنبياء متفاضلون ولم يذكر أسماء.

والأنبياء منهم الرسل ، ومنهم أولو العزم ، ومنهم الأخلّاء ، ومنهم من كلّم الله ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، وآتى بعضهم الكتاب ، وبعضهم العلم ، ونبيّنا فضّله فقال له : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (٢) (الفتح) ، وقال : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) (٢٨) (سبأ) ، فلو لا أنه الأفضل لما فتح عليه بكل هذا الفتح ، ولما غفر له كل ذنوبه السابقة واللاحقة ، ولما أرسله لكل شعوب الأرض ، الأبيض والأحمر والأسود والأصفر. والحمد لله والمنّة.

* * *

٥٠٢. مشكلة «ما» و «من» فى بعض الآيات

المستشرقون يقولون مثلا فى قوله تعالى : (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) (٣) (النساء) : كيف جاءت «ما» للآدميين فى الآية بينما أصلها لما لا يعقل؟ ومن قالوا ذلك لا يعرفون العربية ، لأن «ما» و «من» قد يتعاقبان ، كقوله تعالى : (وَالسَّماءِ وَما بَناها) (٥) (الشمس) أى ومن بناها ، وقوله : (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ) (٤٥) (النور). وفى الآية : (ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) ، «ما» لمن يعقل ، يعنى «من طاب». وقد تكون «ما» للنعوت لما لا يعقل ، فيكون المعنى «فانكحوا

٤٦١

الطيّب من النساء» أى «من الحلال» ، ومثل ذلك قوله تعالى : (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) (٢٣) (الشعراء) ، فأجابه موسى وفق ما سأل. وإذن فلا إشكال.

* * *

٥٠٣. لا إشكال فى الآية : (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ

أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) (آل عمران ٧٣)

قال المستشرقون إن الآية فيها اضطراب فى المعنى ، والتقديم والتأخير فى بعض عباراتها أخلّ بالمفهوم ، والصحيح أن الآية لا إشكال فيها ، فهى من أقوال اليهود يعظون قومهم بمعنى : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، ولا تؤمنوا أن يحاجيكم المسلمون بما يعرفون عن دينكم منكم ، لأنهم لا حجة لهم فأنتم أصحّ منهم دينا. ـ وأما : (قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ) فهى جملة اعتراضية تنتقد ما يقولون. ـ وربما المعنى : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، لأنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم. ـ أو أن المعنى : لا تصدّقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم. ثم يقال لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ). ويحتمل أن الآية كلها خطاب للمسلمين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم ، والتشحيذ لبصائرهم ، ويكون المعنى : لا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم ، ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين ، ولا تصدّقوا أن يحاجيكم فى دينكم عند ربّكم من خالفكم ، أو يقدر على ذلك ، فإن الهدى هدى الله ، والفضل بيده تعالى. ـ وفى الخبر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن اليهود والنصارى يحاجّونا عند ربّنا ، فيقولون أعطيتنا أجرا واحدا وأعطيتهم أجرين ، فيقول : هل ظلمتكم من حقوقكم شيئا؟ قالوا : لا ، قال : فإن ذلك فضلى أوتيه من أشاء».

* * *

٥٠٤. إشكال الآيتين : (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) و (هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ)

قال المستشرقون : إن الآية : (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) (٩٠) (آل عمران) مشكل ، لقوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ) (٢٥) (الشورى) فكيف ذلك؟

والجواب : أنه لا إشكال وقد سبق الجواب فى رقم ١٦٩ ، ففي قوله : (لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) ، المقصود عند الموت ، كما فى قوله تعالى : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (١٨) (النساء) ، وفى الحديث : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» أخرجه الترمذى. والتوبة ما لم تكن بنية صحيحة فهى توبة غير مقبولة ، لأنه لم يصحّ عزم أصحابها ، وهو تعالى يقبل التوبة إذا صحّ العزم.

* * *

٤٦٢

٥٠٥. إشكال الآية : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ») (التوبة ١١١)

قيل : إن الآية دليل على جواز أن يبيع المرء نفسه لمن يدفع له ثمن نفسه ، ومقصد الآية ليس فيه هذا المعنى ، فالكلام عن مبايعة المؤمنين لله وليس مبايعتهم للناس ، ولذا لا إشكال فى الآية ، ولزم التنويه.

* * *

٥٠٦. أشكلوا الآية : (مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا

فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ) (التوبة ١٢٢)

قال المستشرقون : إن «طائفة» مفرد ومؤنث ، وخبرها «ليتفقهوا ولينذروا» جماعة مذكر ، وهذا خطأ لا يجوز ، والصحيح أن معنى الطائفة هو القوم أو الجماعة من الناس ، ومن ثم يكون الخبر بواو الجماعة. ومثل ذلك (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) (٩) (الحجرات) ، فطائفتان مثنى مؤنث ، واقتتلوا بضمير الجماعة المذكر بحسب معنى الطائفة وهى الجماعة من الناس أو القوم ، ومن ثم فلا إشكال.

* * *

٥٠٧. إشكال : (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ

لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً) (الرعد ٣١)

قيل : ييأس بمعنى يعلم ، فيكون المعنى : أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله ، والالتباس تسبّب فيه المفسّرون من المسلمين ، فقيل إن ابن عباس قرأ : «أفلم يتبيّن الذين آمنوا» ، فقيل له : ولكن المكتوب «أفلم ييئس»؟ قال : أظن الكاتب كتبها وهو ناعس!!! ذكر ذلك الطبرى. وقال آخرون : رواية ابن عباس هى الأصح فى التلاوة. وهذا غلط وتصحيح مستقبح من ابن عباس وغيره.

* * *

٥٠٨. إشكال : (يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ

أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ) (النحل ٥٩)

الكلام فى المولودة الأنثى فكان يجب أن يقول : «أيمسكها أم يدسّها فى التراب» ، والصحيح ما ذكر فى الآية لأن الضمير يعود على «ما».

* * *

٥٠٩. إشكال : (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) (النحل ٦٦)

قيل : كان يجب أن يقول «مما فى بطونها» تعود على الأنعام ، غير أن العرب تخبر عن

٤٦٣

الأنعام بخبر الواحد ، وعلى ذلك يجوز أن نقول «بطونه» باعتبار الأنعام جميعها متماثلة وفى مقام الواحد.

* * *

٥١٠. التعارض بين قوله : (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) (النحل ٦٠) ،

وقوله : (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ) (النحل ٧٢)

لا تعارض بين الآيتين ، لأنه فى قوله : «فلا تضربوا لله الأمثال» نهىّ عن الأمثال التى توجب الأشباه والنقائص ، بمعنى : فلا تضربوا لله مثلا يقتضى نقصا وتشبيها بالخلق. والمثل الأعلى وصفه بما لا شبيه له ولا نظير.

* * *

٥١١. إشكال الآية : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ

رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ؟») (النحل ٧٥)

لم يقل يستويان ، غير أنه مع «من» يجوز يستوون ، لأن «من» اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث.

* * *

٥١٢. إشكال الآية : (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (الأنبياء ٩٥)

قيل : الآية مشكلة ، والصحيح أنه لا إشكال ؛ وقيل ينبغى اعتبار «لا» زائدة حتى يستقيم المعنى ، والصحيح أن المعنى مستقيم ، فمن يهلكهم الله يحرم عليهم أن يرجعوا إلى الدنيا ، فإذا كانت «يرجعون» بمعنى يتوبون ، فإن من يهلكهم الله يحرم عليهم أن يتوبوا ، لأنه لا توبة لهم بعد إذ أهلكهم.

* * *

٥١٣. إشكال الآية : («وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (٢١٤)» (الشعراء ٢١٤)

قيل : إن أصل الآية : «وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين» ، وقالوا إن الآية هكذا كانت قرآنا يتلى ثم نسخت فكان الإشكال ، لأنه كان يلزم عليه أن لا ينذر إلا من آمن من عشيرته ، وهؤلاء هم المؤمنون الذين يوصفون بالإخلاص ، وهذا غير صحيح ، فلم تثبت هذه الرواية فيما تواتر إلينا من روايات القرآن ، ولا أدرج ضمن المصحف ؛ وفيما أورده من الزيادة لا يوصف مشرك مهما كانت قرابته بأنه مخلص ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا عشيرته كلها سواء من آمن ومن كفر ، ومن ثم فلا صحة للقول برواية أخرى للآية.

* * *

٤٦٤

٥١٤. هل اليوم عند الله ألف سنة أم خمسون ألف سنة؟

وهل القرآن يعارض بعضه بعضا؟

المستشرقون على القول بأن القرآن يعارض بعضه بعضا ، فمرة يقول بأن اليوم عند الله مقداره ألف سنة من أيام الأرض : (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (٥) (السجدة) ، ومرة يقول : (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (٤) (المعارج) فأيهما نصدّق؟ وقوله الأول مشكل مع قوله الثانى ، وهذه الأرقام لتصوير طول المدة ، والعرب قد تعبّر عن المدة باليوم ، وتصف أيام الحزن بالطول ، وأيام السرور بالقصر ، والزمن فى القرآن هو الزمن النفسى النسبى وليس الزمن القياسى الكمى ، وفى الآية الأولى فإن «الأمر» هو القضاء والقدر ، أو هو جبريل الذى وكل بالسماء والأرض ، يقطع المسافة بين العرش مكان التدبير إلى الأرض مكان التصريف فى يوم من أيام الله ، بمقدار ألف سنة من أيام الأرض ، والألف سنة للتمثيل على سبيل المجاز ، ويأتى ذلك كثيرا فى القرآن ، كقوله تعالى : (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (٣) (القدر) ، وقوله : (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) (١٤) (العنكبوت) ، وقوله : (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ) (٦٦) (الأنفال) ، وقوله : (يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ) (١٢٤) (آل عمران) ، وقوله (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ) (١٢٥) (آل عمران) ، وكلها تعبيرات عن الكثرة أو طول المدة من باب التمثيل ، وقد يقول قائل : هل يمدّهم بثلاثة آلاف ملك أو بخمسة آلاف؟ أيهما الرقم الصحيح؟ والتباين فى هذه الآيات ظاهرىّ ، حيث المهم أن تأتى الأعداد فردية وتدل على الكثرة ، فمرة يكون الرقم ألفا ، أو خمسين ألف ، أو ثلاثة آلاف ، أو خمسة آلاف ، فجميعها أعداد مفردة ، والأعداد المفردة فى القرآن كثيرة ، والله فرد ، والزمن هنا هو الزمن النفسى النسبى ، والتكاليف على الملائكة وجبريل متباينة فتتباين أزمانها بحسب أوقاتها المختلفة ، ومواقفها المتعددة ، وكل موقف وتكليف له وقته وزمنه ، فلا تعارض بين الآيات وبين أن يكون «يوم الله» ألف سنة أو خمسين ألف سنة ، ولا إشكال كما ترى.

* * *

٥١٥. إشكال الآية : (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ

إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى) (الإسراء ٤٧)

قالوا الآية مشكلة ، و «الباء» فى قوله «به» زائدة ، والصحيح أن يقال : نحن أعلم ما يستمعونه إليك. وكانوا يستمعون من النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى القرآن ثم ينفرون ، فيقولون هو ساحر ومسحور ، ويتناجون فى أمره. والصواب أن الباء ليست زائدة ، فليس فى كلام الله حرف زائد ، وكلام الله منزّه عن مثل هذا النقد ، وعلى ذلك يكون المعنى : نحن أعلم بالذى

٤٦٥

يستمعون به إليك وإلى قراءتك وكلامك. إنما يستمعون لسقطك وتتبّع عيبك ، والتماس ما يطعنون به عليك.

* * *

٥١٦. الإشكال فى الآية : (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ

حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السجدة ١٣)

قالت المعتزلة فى تفسير هذه الآية : لو شاء الله لأكره الناس على الهداية ، بإظهار الآيات الهائلة ، ولكن ذلك لم يحسن منه ، لأنه ينقض الغرض من التكليف ، وهو الثواب الذى لا يستحق إلا بما يفعله المكلّف باختياره.

وقالت الإمامية من الفرق الإسلامية : يجوز أن المعنى أن الله يريد أن يهدى الناس جميعا فى الآخرة إلى طريق الجنة ، إلا أن القول حقّ منه أن يملأن منهم جهنم ، فلم يعد عليه هداية الكل إلى الجنة ، ولكنه يهدى الصالحين ، ومن كانت عليه ذنوب تكون هدايته لهم إلى النار جزاء ما فعلوا.

وقالت الجبرية : إنه تعالى يهدى الناس على طريق الإلجاء والإجبار والإكراه. وقال آخرون : إن الله تعالى يهدى المؤمنين إلى الإيمان والطاعة ، على طريق الاختيار ، حتى يصحّ التكليف ، فمن شاء آمن وأطاع اختيارا لا جبرا ، وهؤلاء أصحاب مذهب الاختيار ، وفيهم قال تعالى : (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (٢٨) (التكوير) ، وقال : (فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) (٢٩) (الإنسان) ، فوقع إيمان المؤمنين بمشيئتهم.

ومما سبق فإن المجبرة تكون قد فرطت لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان متوقفة على مشيئة الله ، ولذلك قالوا : الخلق مجبرون فى طاعتهم كلها ، التفاتا إلى قوله تعالى : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) (٢٩) (التكوير) : وكذلك فإن القدرية يكونون قد فرّطوا لما رأوا أن هدايتهم إلى الإيمان متوقفة على مشيئة العباد ، فقالوا : الخلق خالقون لأفعالهم ، التفاتا منهم إلى قوله تعالى : (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (٢٨) (التكوير). والقرآن فى مجمله لا يقول بأى من تلك المذاهب ، وإنما قوله هو القول الوسط ، بين كافة المذاهب ، وخير الأمور أوساطها ، والاقتصاد فى الاعتقاد من أصول الإسلام ، وأهل الحق يفرّقون بين ما يضطرون إليه وبين ما يختارونه ، ويدركون الفرق بين حركة الرئتين ، أو القلب ، أو ارتعاش اليدين عند مريض الشلل الرعّاش ، وكلها حركات لا إرادية ، أو نضطر إليها ، وبين ما يختاره المرء لنفسه ، بتحريك يده حركة مماثلة لحركة الارتعاش. وأنا لم أختر أن أولد فى هذا التاريخ المعين ، ولا أن يكون والداى هما هذين ، ولا أن أكون مصريا ، ولا أن يكون طولى كذا ،

٤٦٦

وإبصارى كذا إلخ ، فهذه محدّدات كما يقول أهل الفلسفة ، لا اختيار لى فيها ، ولكن : أن أسرق ، أو أزنى أو أكذب إلخ فهذه أفعال يمكننى أن امتنع عن إتيانها ، ويمكننى أن أمارسها باختيارى الحر ، وكذلك ارتعاش يدى فى المرض لا ذنب لى فيه ، ولكن أن تمتد يدى بالسرقة فالذنب هو ذنبى قطعا. والله تعالى هدانا بأن وهبنا العقل ، والتمييز بين الحق والباطل ، والصواب والخطأ ، والحرام والحلال ، وأرسل إلينا الرسل ، وأنزل علينا الكتب ، وعلّمنا لنتبصّر ونعى ونعرف ونحكم بالحق ، فهذا هو هداه ، تماما كما رزقنا نعمة الإبصار ، ثم أنا حر أن استخدمها فى الحلال أو الحرام ، فكذلك هداه تعالى ، آتاه كل نفس ولها أن تختار طريقها بعد ذلك ، كقوله : (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) (١٠) (البلد).

وكثير من الناس سيكون مصيرهم جهنم لأنهم تنكبوا هداه ، والكسب هو ما يعود على كل نفس من الذنوب أو الحسنات ، كقوله تعالى : (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) (٢٨٦) (البقرة). والكسب هو الذى يدخلنا الجنة أو النار ، وهو اختيار محض ويصدر عن شعور بالحرية ، وإحساس بالمسئولية. والإسلام دين حرية ، واختيار ، ومسئولية.

* * *

٥١٧. التعارض والإشكال بشأن ملك الموت

يزعم المستشرقون أن الآيات : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) (١١) (السجدة) ، و (وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ) (٥٠) (الأنفال) ، و (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) (٦١) (الأنعام) ، و (اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها) (٤٢) (الزمر) تتعارض مع بعضها البعض ، فمرة ملك الموت هو الموكول إليه الموت ، ومرة هى الملائكة تتولى ذلك ، ومرة هى رسل الله يبعث بهم لقبض الأرواح ، ومرة هو «الله» يقضى بالموت على الخلق ، ولا تعارض البتة بين هذه الآيات : فملك الموت الذى هو عزرائيل هو المنوط به التوفّى ؛ والملائكة تتولى التنفيذ ؛ والرسل تمهد للموت وتيسّره ؛ و «الله» يقضى به ويصدر أمره ، وهو تعالى خلف ذلك كله ، وهو الفاعل الحقيقى لما سبق مع كل من سبق ، وهو تعالى (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) (٢) (الملك) ، (يُحْيِي وَيُمِيتُ) (١٥٦) ؛ وعزرائيل يتولى ذلك بالوساطة ؛ والملائكة والرسل تتولاه بالمباشرة ، فلا تعارض ولا إشكال.

* * *

٥١٨. الإشكال فى الآية : (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) (السجدة ١٨)

قالوا : المقارنة فى الآية بين المؤمن والفاسق وكلاهما مفرد مذكر ، فكان الأصح أن يقال «لا يستويان» ، فلما ذا قال «لا يستوون»؟ والجواب : أن لفظ «من» للواحد والجمع ، ولهذا قال : «لا يستوون».

٤٦٧

٥١٩. إشكال الآية : «وترى الفلك مواخر فيه»

يقول تعالى : (وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ ..) (١٢) (فاطر) ثم يقول (وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ) (النحل ١٤) ، قيل كان الأصحّ أن يقول : وترى الفلك مواخر «فيهما» تعود على البحرين ، غير أنه لا إشكال فى الآية مع ذلك ، لأن الفلك هى السفن ، وتمخر يعنى تشق ، والسفن لا تكون فى مياه الأنهار ، وإنما فى الأنهار المراكب ، كما أن المراكب لا تمخر البحار ، وإنما السفن هى التى تمخر البحار ، والمراد إذن هو البحر لا النهر ، والبحر مفرد ، ومن ثم قال «فيه» مفردا.

* * *

٥٢٠. إشكال الفلك فى التذكير والتأنيث

فى الآية : (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) (٤١) (يس) تجىء الفلك مذكرا ، وفى الآية : (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) (١٦٤) (البقرة) تجىء مؤنثة ، والمستشرقون يشككون فى القرآن بحسب ذلك ، وليس ثمة إشكال كما يدّعون ، فالكلمة تحتمل الواحد والجمع. وفى الآية : (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) (٢٢) (يونس) الفلك : جمع مؤنث ، والواحدة الفلك أيضا ، مثل أسد وأسد ، وخشب وخشب. وأصل الفلك من الدوران ، وفلك السماء الذى تدور عليه النجوم ، وفلكت البنت أى استدار ثدياها ، ومنه فلكة المغزل ، وفلكة الشيخ ، وسميت السفينة فلكا لأنها تدور بالماء.

* * *

٥٢١. إشكال الآية : (قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي

ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الأحقاف ٩)

قالوا : كيف يكون النبى نبيا ولا يدرى ما يفعل به ولا بمن يتبعه؟! ومعنى الآية لا ينصرف إلى هذا المعنى ، لأن العبارة مشروطة بأنه لا يتّبع إلا ما يوحى إليه ، ومع ذلك فالروايات التى تثير الشك فى الآية كثيرة ومحاولات الردّ عليها منحولة ، فقالوا : الآية فيما يخصّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم نسخها قوله : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (٢) (الفتح) ، وفيما يخصّ من يتّبعه من المسلمين نسختها الآية : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) (٥) (الفتح) ، وهذا غير صحيح ، فلا نسخ هناك ، ولا تعارض بين الآيتين اللاحقتين والآية موضوع الإشكال. وقوله تعالى : (وَما أَدْرِي) المقصود به ما رموه به من تهمة افتراء القرآن ، ومعنى الآية : أنا لا أدرى أنى أفترى القرآن ، وإنما أنا يوحى إلىّ به ، وما أنا إلا نذير مبين. فأين الإشكال؟ وواضح أن اليهود كانوا ينزعون الآية من السياق ، ثم يقيمون عليها اعتراض وهمى ، كأن ينتزع أحدهم : (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ) (النساء ٤٣) ، من

٤٦٨

سياقها ، وينفى بها أن تكون الصلاة مقررة. وكانوا يقولون : أنتّبع نبيا دعيّا وهو لا يدرى ما يفعل به ولا بأصحابه؟ وقالوا : هو إذن لا يفضلنا بشيء ، فكلنا سواء لا ندرى! واستدلوا من ذلك على أنه مؤلف القرآن ، وأن القرآن لم ينزل من عند الله. ومن المؤسف أن بعض المفسرين طاوعوهم على قولهم ، وحصروا المعنى فى الآية دون السياق ، حتى ذهب بعضهم إلى تصحيح نصّ الآية بأنه «وما أدرى ما يفعل بهم» وأنكروا أن يكون فيها «بى» و «بكم» ، وقالوا : الخطاب فيما قبلها للمشركين فيجب أن تكون الآية على ما أوردوا به تصحيحها المزعوم. وأنكروا إمكان أن يقول النبىّ للمشركين : «ما أدرى ما يفعل بى ولا بكم» ، لأنه من بداية البعثة حتى مماته ما زال يخبرهم : أن من مات على الكفر مخلّد فى النار ، ومن مات على الإيمان واتّبعه وأطاعه فهو فى الجنة ، ولا يجوز أن يقول لهم «ما أدرى» حتى لا يكون جوابهم : وكيف نتّبعك وأنت لا تدرى! وقال آخرون مصححين الآية : أنها لا بد أن تكون : ما أدرى ما يفعل بى ولا بكم فى الدنيا»؟ وقال آخرون إن المقصود بالآية : ما أدرى أأخرج إلى الموضع الذى أريته فى الرؤيا أم لا؟ وكان قد رأى فى المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء ، فقصّها على أصحابه واستعجلوه الهجرة ، فسكت. وقال آخرون : ربما المعنى لا أدرى ما يفعل بى فى الدنيا ، أأخرج كما أخرجت الأنبياء قبلى ، أو أقتل كما قتل الأنبياء قبلى؟ ولا أدرى ما يفعل بكم ، أتكونون أمّتى المصّدقة أم المكذّبة ، أم أمّتى المرمية بالحجارة من السماء ، أو المخسوف بها خسفا؟! وقال آخرون : إنه أمر أن يقول للمؤمنين ما أدرى ما يفعل بى ولا بكم يوم القيامة؟ ثم بيّنت الآيات اللاحقة أنه مغفور له وللمؤمنين ، كما فى قوله : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (٢) (الفتح) ، وقوله : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) (٥) (الفتح) ، فكأن هاتين الآيتين نسختا الآية موضوع الإشكال.

والصحيح أن ذلك كله لا لزوم له ، لأن الآية يحدد معناها السياق ، ولا شىء مما قالوه فى السياق كما سبق ، والآية محكمة كما أن الآيتين الأخريين محكمتان.

* * *

٥٢٢. إشكال الآية (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما) (الحجرات ٩)

قال المستشرقون : أخطأ القرآن لمّا قال «اقتتلوا» بالجمع فى حين أنها ترجع إلى طائفتين وهى فى المثنى ، وعلى ذلك كان ينبغى أن يقال «اقتتلتا» على لفظ الطائفتين ؛ والصحيح أن طائفتين فى معنى القوم أو الناس ، فتكون «اقتتلوا» صحيحة. ومثل ذلك فى قوله تعالى : (مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ) (١٢٢) (التوبة) ، قيل : إن الطائفة مفرد

٤٦٩

ومؤنث ، فكيف يعبّر عنها بقوله «ليتفقهوا ولينذروا» بضمير الجماعة المذكر؟ والصحيح أنه برغم أن «الطائفة» واحدة ، إلا أن خبرها يرجع إلى معناها وهو أنها الجماعة من الناس أو القوم ، فيعبّر عنها بواو الجماعة.

* * *

٥٢٣. لما ذا التناقض فى آيات الكلام عن يوم القيامة؟

يقول أهل الإلحاد فى يوم القيامة : إن بعض آيات القرآن تقول إن الناس فيه لا يتكلمون إلا لمن أذن له الله : (يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (١٠٥) (هود) ، أى لا تتكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه ، فلم قال فى موضع آخر : (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) (٣٦) (المرسلات) ، وفى موضع آخر : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) (٢٧) (الصافات) ، وفى موضع آخر (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها) (١١١) (النحل) ، وفى موضع آخر (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) (٢٤) (الصافات) ، وقال : (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ) (٣٩) (الرحمن). وكأن الآيات تتناقض مع بعضها البعض؟ والجواب : إنهم لا ينطقون بحجة تجب لهم ، وإنما يتكلمون بالإقرار بذنوبهم ، ولوم بعضهم بعضا ، وطرح بعضهم الذنوب على بعض. ولا يؤذن لهم بالتكلم أو بالنطق بحجة لهم. ويوم القيامة يوم طويل ، وله مواطن ومواقف ، يمنعون من بعضها من الكلام ، وفى بعضها يطلق لهم الكلام ، فهذا يدل على أنه لا تتكلم كل نفس إلا بإذنه تعالى ، ولا تناقض فى الآيات.

* * *

٥٢٤. شجر الزقوم فى النار من المتشابهات

لمّا نزلت الآية : (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ) (٥٢) (الواقعة) قال كفار قريش : ما نعرف هذا الشجر؟ فكيف يكون شجرا ويكون فى النار؟ أفلا يحترق؟ وثار الجدل فى ذلك ، واعتبروا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يهرّف ، فنزلت الآيات تقارن بين نزل الجنة ونزل النار ، تقول : (أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ) (٦٧) (الصافات) ، فأفصحوا عن جهلهم ، لأن أصحاب النار أو أهلها يكونون فى النار وأحياء ، وفيها أيضا خزنة النار ولا يحترقون ، والذى خلق النار يخلق ما يضاد النار ، فكانت هذه الشجرة فتنة ، وصارت آياتها من المتشابهات ، أى مما يحتمل وجوها عدة فى التفسير ، كقولهم فى الآية عن خزنة النار : (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ) (٣٠) (المدثر) : فلما ذا هذا العدد بالذات؟ حتى قال بعضهم : طالما أن

٤٧٠

حراس النار تسعة عشر ، فنحن نكفيكم منهم ، ونقتلهم ونرتاح! فجعل الله عدّتهم فتنة للذين كفروا ، مثلما جعل شجرة الزقوم فتنة للذين ظلموا. وقال جماعة بالتأويل ، والتأويل فى هاتين الحالتين تأويل باطل ولا يجوز ، والمسلمون مجمعون على التصديق بهذه الأشياء من غير نظر إلى تأويل أو أخذ بعلم الباطن ، فالعلم الحديث يكفينا ، والعلم الحديث يفجؤنا بمكتشفات لا نتخيلها ، وهى أقرب إلى الأوهام ولكننا نصدقها ، فلما ذا لا نصدق هذه الأشياء رغم أنها من الغيب؟ وما كان غيبا فكيف نفتى فيه؟ (انظر المحكمات والمتشابهات فى باب القرآن).

* * *

٥٢٥. إشكال الآية : (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ

ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) (المجادلة ٣)

قالوا : إن آيات الظهار بيّنت حرمته ووجوب الكفارة فيه ، ثم ألغت ذلك هذه الآية وجعلت الكفارة للظهار الثانى ، يعنى إذا عاد يظاهر زوجته مرة أخرى. وهذا غير صحيح ، فإن الآية تفيد أن العودة تعنى معاودة الزوجية ، فلا تتحقق هذه المعاودة إلا بعد الكفّارة.

* * *

٥٢٦. وقوله تعالى : (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما») (التحريم ٤)

قال المستشرقون كان المفروض أن يقول القرآن «صغى قلباكما» طالما أنهما اثنتان : عائشة وحفصة ، ولكنه جمع فقال «قلوبكما»؟ والصحيح هو ما ذكره القرآن ، لأن العرب إذا ذكروا الشيئيين من اثنين جمعوهما ، لأنه لا يشكل ، ومثل ذلك فى قوله تعالى : (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) (٣٨) (المائدة). وكلما ثبتت الإضافة مع التثنية فلفظ الجمع أليق به ، لأنه أمكن وأخف.

* * *

وبهذا ينتهى الباب الرابع بحمد الله ومنّته ،

ويليه الباب الخامس بعنوان «اليهود والنصارى فى القرآن»

* * *

٤٧١
٤٧٢

الباب الخامس

اليهود والنصارى فى القرآن

* * *

٥٢٧. لما ذا انتقاد الإسلام لليهود؟ وما الذى ينقمه عليهم؟

ما يأخذه الإسلام على اليهود هو نفسه ما أخذه أنبياؤهم عليهم بدءا من موسى نفسه ، فمنذ الخروج من مصر أوصاهم الله أن لا يكون لهم آلهة أخرى بخلافه (الخروج ٢٠ / ١ ـ ٢٣ ، ٢١ / ٢٠) ، وحذّرهم من أن ينسوا عهد الربّ الذى قطعه معهم (التثنية ٤ / ٩) ، ولكنهم رغم كل هذه الأوامر والتحذيرات ظلوا طوال تاريخهم ـ ومنذ عهد موسى ـ يكفرون بالله ويشركون به شركا صريحا أو خفيا ، وعبدوا الذهب والفضة والنساء ، وظلوا يتشدّقون بأنهم شعب الله المختار ، وغيرهم من الشعوب أنجاس ملاعين ، مع أن التوراة نفسها نوّهت بأفراد من الأمم آمنوا بالله وعبدوه حقّ العبادة ، مثل ملكى صادق ملك شاليم ، ووصفته التوراة بأنه كان كاهنا لله العلىّ مالك السموات والأرض (التكوين ١٤ / ١٨ ـ ١٩) ؛ وأيوب وكان كاملا ومستقيما ، يحيد عن الشر ويتّقى الله (أيوب ١ / ١) ؛ وحتى فرعون أعلن إيمانه ولم يعد كافرا (الخروج ١٠ / ١٦ ـ ٢٠) ؛ وملكة سبأ آمنت مع سليمان (الملوك الأول ١٠ / ٩) ؛ ونعمان الآرامى سجد لله (الملوك الثانى ٥ / ١٥) ؛ وحورام ملك حور أقر بالله الواحد (أخبار الأيام الثانى ٢ / ١٢) ؛ وقورش ملك فارس (أخبار الأيام الثانى ٣٦ / ٢٣) ؛ ودار ملك فارس (عزرا ٦ / ٧ و ١٢) ؛ ونبوخدنصر (دانيال ٢ / ٤٧) ، وكل هؤلاء وغيرهم آمنوا ووحّدوا الله ، إلا اليهود فقد تمردوا على عبادته ، حتى قال فيهم النبىّ إرميا : «بعدد مدنك صارت آلهتك يا يهوذا ، وبعدد شوارع أورشليم وضعتم مذابح للخزى والتبخير للبعل» (إرميا ١١ / ١٠ ـ ١٣) ، فعبدوا البعل ، ونسروخ ، ومولوك ، وتموز ، وعشتار ، وداجون ، وكموش ، ونرجل ، وأشيما ، ونبحز ، وترتاق ، وأدر ملك ، وعنملك ، وشمش ، ونحشتان ، وعبدره ، وجعلوا الله واحدا من هذه الآلهة (إرميا ٨ / ١٠ ـ ١٢ ـ ١٩). وفى عهد موسى صنعوا العجل من الذهب وعبدوه ، (الخروج ٢٤ / ١٢ و ١٨ ـ ٣٢ / ١ ـ ١٠) ، ووصفهم الربّ بأنهم : غلاظ الرقبة ، وأشداء القلوب ، وفسقة ، وفجرة ، وزناة (إشعياء ٢٦ / ٣ ـ ١٢) ، وعصوه كلهم وخانوه وصاروا ضالين وأهل باطل (إرميا ٢ / ٤ ـ ٢٩ و ٣ / ٦ ـ ١٠ ، ٢٠) ، وجعلوا من المعبد فى أورشليم وجرزيم مكان عهر وقصف ، وفسقوا فيه بالمأبونين ، وضاجعوا النساء. وكانوا يحرقون أطفالهم أو يذبحونهم قربانا للأصنام ، وحتى ملوكهم فعلوا ذلك كآحاز بن يوناثان (الملوك الثانى ١٦ / ١ ـ ٣) ، وأحرق

٤٧٣

«يهود السامرة» بنيهم بالنار لأدرملك وعنملك (الملوك الثانى ١٧ / ٣٠ و ٣٤) ، وفعل منسّى ملك يهوذا مثلهم (الملوك الثانى ٢١ / ١ و ٢ و ٦) ، وجاء فى سفر التثنية (٨ / ١٠) فى الشريعة : وغير مأذون لأحد أن يجيز ابنه أو ابنته فى النار ؛ وفى سفر القضاة جاء : أن يفتاح القاضى قدّم ابنته الوحيدة ذبيحة لله ؛ وجاء فى سفر الملوك : أن يوشيا ملك يهوذا هدم بيوت المأبونين التى كانت عند بيت الربّ! وكانت عاهرات اليهود يصنعن فى كل سنة مناحة يبكين فيها على تموز إلهة العهر (حزقيال ٨ / ١٤) ، وكل ذلك نفسه كان يفعله اليهود فى الجزيرة العربية ، فكانت عبادتهم لله وللأوثان ، ومارسوا كل ألوان النجاسات وأشاعوها بين العرب ، فلما جاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان طبيعيا أن لا يروا فى مجيئه مصلحة لهم وقد نهى عن الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، ولعب الميسر ، واللواط ، وكاد يمنع تجارة الرقيق بما فرض من العتق لأوهى الأسباب ، وحرّم على العرب أن يتزوجوا النساء كاليهود بلا عدد ولا حساب ، فكان لسليمان مثلا سبعمائة زوجة وثلاثمائة سرية وهو المعبر عنهن بما ملكت يمينك ، وكانوا يرثون النساء ، فإذا ماتت المرأة تزوّجها أقرب أقرباء زوجها ، فنهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك ، وكان الإسلام نقيض اليهودية ، فالحائض مثلا كانوا يعتبرونها نجسا لا يؤاكلونها ، ولا يجالسونها ، ولا يدخلونها البيت حتى تطهر ، ونهى الإسلام عن ذلك ، وكان الرسول ـ من كراهيته لنفاقهم وفحشهم يقول «خالفوهم» ، وجعل للمسلمين سمتا يخالف سمت اليهود ، فهم يطلقون الشوارب ويقصرون اللّحى ، فقال : «حفّوا الشوارب وأطلقوا اللحى». وقال المسلمون له إن اليهود يصلّون حفاة فقال : «صلوا بالنعال» ، ولم يكونوا يتوضئون فجعل الوضوء من شروط الصلاة ، وليست لصلواتهم طقوس ، فاستنّ الطقوس لصلوات المسلمين. وكتابهم أملاه عزرا بعد نحو أربعمائة سنة من وفاة موسى ، وهو حكايات لا رابط بينها ، وتختلط فيه الأحداث ، ولغته ركيكة ، والكثير من أخلاقياته يعاقب عليها أى قانون أخلاقى فى العالم ، وليس كذلك القرآن فى رقيّه وسمّوه. وانتقد الله عليهم كفرهم بنعمه تعالى وعدّدها لهم ستا وعشرين نعمة (البقرة : ٥ ـ ٦١) فلم يرعووا ، وآتاهم الكتاب فيه هدى لهم فلم يهتدوا ، واختصّهم بالأنبياء فلم يؤمنوا ، ونجّاهم فلم يشكروا ، وأورثهم الأرض فأفسدوا فيها ، واختصّهم بالعلم فلم يعملوا به ، ووهبهم المثل الأعلى فى نبيّهم وأوليائهم فأنكروا عليهم (يونس ٩٠ ؛ والإسراء ٢ و ١٠١ و ١٠٤ ؛ وطه ٨٠ ؛ والشعراء ٥٩ و ١٩٧ ؛ والزخرف ٥٩) وحرّموا الحلال وحلّلوا الحرام (آل عمران ٣٩) ، وأخذ عليهم الميثاق فنقضوه (المائدة ٧٠) ، وقتلوا الأنبياء (آل عمران ١٨١). وأنزل الله على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقول لهم : (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) (آل عمران ٩٩) لمّا كانوا يحرضون على الكفر ؛ ولمّا

٤٧٤

قالوا إن الله يحبهم ويؤثرهم ، أنزل عليه أن يقول لهم : (فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (آل عمران ١٦٨) ، ولمّا قالوا إنهم أحباب الله وليسوا كسائر البشر ، ولن يدخلوا النار ، أنزل عليه أن يقول لهم : (فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) (المائدة ١٨) ، ولمّا قالوا إنهم على الحق تحدّاهم أن يعملوا بالتوراة وأنزل عليه أن يقول لهم : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ) (المائدة ٦٨) ، وكانوا يعملون الفحشاء فقال لهم : (إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) (الأعراف ٢٨) ، ونبّه إلى حقيقة كراهيتهم للمسلمين فقال : (هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ) (المائدة ٥٩) ، وأكد حقيقة المسألة بيننا وبينهم أنهم يريدوننا على دينهم فقال : (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة ١٢٠). وسألوه أسئلتهم المعهودة فى الروح فقال : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (الإسراء ٨٥) ، و (عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) (الكهف ٩٣) ، و (عَنِ الْجِبالِ) (طه ١٠٥) ، وعن الساعة ، وأسئلة أخرى كثيرة كانوا بها يحاجّون الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى كل شىء ، وأجابهم عن كل شىء ، ومع ذلك لم يؤمنوا ، وذهبوا إلى أبعد من ذلك ، فسحروا له وأبطل الله سحرهم ، وفحشوا فيه فحيّوه قائلين : «السام عليك» فنزل فيهم القرآن : (وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ) (المجادلة ٨) ، وقال فيهم : «إن اليهود قوم حسّد ، وإنهم لا يحسدوننا على شىء كما يحسدوننا على الإسلام وعلى آمين ، أخرجه مسلم عن عائشة ، وقال : «فإنهم حسدونا على القبلة التى هدينا لها وضلّوا عنها ، وعلى الجمعة التى هدينا لها وضلّوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين» أخرجه البخارى ومسلم. وفى رواية البيهقى قال : «لم يحسدنا اليهود على شىء ما حسدونا بثلاث : التسليم ، والتأمين ، واللهم ربّنا ولك الحمد» ، فاشكر الله أخى المسلم أنك مسلم ولست بيهودى ، والإسلام نعمة حباك الله بها ، وقد علمت لما ذا يكرهنا اليهود ، فخلاصة الأمر أنهم يكرهوننا لأننا نؤمن بحق وعن حق : أن الله واحد لا شريك له ، ونحن ننقدهم كما انتقدهم أنبياؤهم لمّا تركوا التوحيد ، وجنحوا إلى الشر ، وقتلوا الأنفس ، واعتدوا ، وأخرجوا الناس من ديارهم ، ومنعوهم من عبادة الله وهى كبرى الكبائر ، والإسلام ينقم عليهم ما يفعلونه بالمسلمين ، وحبّهم للغدر والخيانة ، وإيثارهم الخسّة والنذالة والفحش والتفحّش ، وعشقهم للتجسّس ، وإيقاع الفتنة ، فاستحقوا عقاب الله فى الدنيا والآخرة كقوله : (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ) (البقرة ٦١) ، أى أنهم ألزموا الذلة والمسكنة شرعا وقدرا ، فلا يزالون مستذلّين ، ومن يجدهم يستذلهم ويهينهم ويضرب عليهم الصغار ؛ وفى فلسطين يستجلبون على أنفسهم ضرب الحجارة بسوء مسلكهم ، وفساد تدبيرهم ، وهوان سياستهم ، وفى أنفسهم هم أذلاء مصابون بالبارانويا أو ذهان

٤٧٥

الاضطهاد بالوراثة ، ودليل ذلك إصرارهم على مطلب الأمن مقابل الأرض ، وتأكيدهم على الأمن هو لخوفهم. ولقد قال نبيّنا العظيم صلى‌الله‌عليه‌وسلم «نصرت بالرعب» ، وليس فزع اليهود وتشدّدهم إلا لهذا الرعب الذى يغلب عليهم ويمسك بتلابيهم ويحاصرهم كلما واجهوا المسلمين ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

* * *

٥٢٨. مثل أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل القرآن

يناسب قوله تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران : ١١٠) الحديث : «إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس : أوتى أهل التوراة التوراة ، فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ؛ ثم أوتى أهل الإنجيل الإنجيل ، فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا ، فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس ، فأعطينا قيراطين قيراطين. فقال أهل الكتابين : أى ربّنا ، أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين ، وأعطيتنا قيراطا قيراطا ، ونحن كنا أكثر عملا؟ قال عزوجل : هل ظلمتكم من أجركم من شىء؟ قالوا : لا. قال : فهو فضلى أوتيه من أشاء» أخرجه البخارى. وقوله : «كنتم خير أمة» فى تفسير النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها عند الله». والعدد سبعين افتراضى ، وفى رواية أخرى قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «مثل المسلمين واليهود والنصارى ، كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل ، فعملوا إلى نصف النهار ، فقالوا : لا حاجة لنا إلى أجرك ؛ فاستأجر آخرين ، فقال : اكملوا بقية يومكم ولكم الذى شرطت ؛ فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا : لك ما عملنا ؛ فاستأجر قوما فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس ، واستكملوا أجر الفريقين» ، فالأمتان اليهودية والنصرانية عجزوا ، وعبّر بالعجز لكونهم لم يستوفوا عمل النهار كله ، فأعطوا بقدر ما أنجزوا ، ولم يتحقق الإنجاز إلا على أمة الإسلام وإن كان عملهم كعمل الآخرين ، إلا أن الإنجاز تمّ على أيديهم ، فاستحقوا بعمل البعض أجر الكل ، وهذه ميزة أمة القرآن على أمّتي التوراة والإنجيل ، ولهذا يحسدنا اليهود والنصارى!

* * *

٥٢٩. محاجة اليهود والنصارى فى الله

قال تعالى : (قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) (البقرة ١٣٩) ، والآية تردّ على محاجّة اليهود : أنهم شعب الله المختار ؛ ومحاجة النصارى : أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأنهم لذلك ـ أى اليهود والنصارى ـ الأقرب إليه والأكثر حظوة عنده. وفى ردّه تعالى يوجه الخطاب إلى محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمته ، وفيه تعليم

٤٧٦

للمسلمين : يقول : إنه تعالى ربّ الجميع ، لا ربّ هؤلاء ولا ربّ هؤلاء ، والتمايز والتفاضل بين الجميع معياره الأعمال والتقوى ، فمن أخلص عمله لله فهو الأولى به من الآخرين ، والمسلمون هم الأخلص ، لأنهم يعبدونه ولا يريدون عن ذلك عوضا ولا حظّا!

* * *

٥٣٠. المغضوب عليهم هم اليهود ، والضالون هم النصارى

اختلف حول «المغضوب عليهم» «والضالين» فى الفاتحة ـ من هم؟ والجمهور على أن «المغضوب عليهم» هم : اليهود ؛ وأن «الضالين» «النصارى». وفى القرآن عن اليهود : (وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ) (البقرة ٦١) ، وقال : (وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) (الفتح ٦) ؛ وقال فى النصارى : (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ) (المائدة ٧٧). وقيل غير ذلك : أن «المغضوب عليهم» هم المشركون ، أو «المتّبعون للبدع» ؛ و «الضالين» هم الذين ضلّوا عن السنن. وتفسير النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أن «المغضوب عليهم» هم اليهود ؛ و «الضالين» هم النصارى ، وهذا هو التفسير الأعلى والأولى والأحسن.

* * *

٥٣١. اليهود أول كافر بالقرآن

هذا خبر عن الله تعالى فى الآية : (وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) (البقرة ٤١) ، والذى أنزله مصدقا للتوراة فيما جاء فيها عن الله هو : القرآن ، وكانت اليهود أول كافر بالقرآن.

* * *

٥٣٢. اليهود أحرص الناس على الحياة

قال فيهم ربّنا : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ) (البقرة ٩٦) ، وقال : (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ) (البقرة ٩٦) ، يودون لو يعمروا ألف سنة ، لمعرفتهم بذنوبهم ، وألّا خير لهم عند الله ، فلم يعرفوا إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة ، وكتابهم التوراة ليس فيه شىء إطلاقا عن الآخرة. وفى فلسفتهم الدينية أن الثواب والعقاب لا يستلزم آخرة ، ويكون فى الدنيا ، ثم لا شىء بعد ذلك.

* * *

٥٣٣. «اليهود قليلا ما يؤمنون»

وصف القرآن اليهود فقال : (وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ) (البقرة ٨٨) ، كقوله تعالى : (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ) (فصلت ٥) ، وغلف جمع أغلف ،

٤٧٧

أى عليها غشاوة ، ومطبوعة بالكفر ، وبيّن تعالى السبب فى نفورهم عن الإيمان ، أنهم لعنوا بكفرهم واجترائهم ، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه. وأصل اللعن الطرد والإبعاد ، واليهود لا يؤمنون إلا بما فى أيديهم ، وإيمانهم مادى وقليل.

* * *

٥٣٤. الإسلام دين فطرة وعقل واليهودية ديانة عنصرية

فى القرآن : (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم ٣٠) ، والمعنى : أن الدين هو شرعة الله التى فطر الناس عليها. والحنيفية هى الدين الخالص لله ، وهى الإسلام ، بمعنى التسليم بوحدانية الله ، والإقرار بفضله ، والشكر له على نعمه ، وطاعته فيما أمر به ونهى عنه. فالدين من الفطرة السليمة ، والدين علم كالعلوم ، يمحّصه العقل ، ويتفهّمه ، ويعيه ، ويهذّبه ويشذّبه ، ويقيم معوجّه إذا جنح به الجانحون أو تطرّف فيه المتطرفون ، وما من إنسان على ظهر البسيطة إلا ويؤمن بقوة أعلى وأسمى ، حاكمة على كل القوى ، ويطلق عليها اسما ، والبعض يقول إن إيمانه عن طريق الرسل والأنبياء ، والبعض يقول إن إيمانه بالعقل ، وكلاهما فطرى فى الإنسان ، فالإيمان فطرة ، والتعقّل فطرة ، والفطرة السليمةCommon Sense أساس العقل ، والدين فطرى ، أى يعتقده المعتقد بالفطرة ، أى بالعقل فى أخص حالاته ، وقبل أن يتشوّش ، أو ينحاز ، أو يميل عن هوى ، قصدا أو عن غير قصد ، وقبل أن يتثقّف ويستدخل مفاهيم المجتمع المدنى والحضارة. وفلاسفة الفطرة فى بلاد الغرب قالوا مثل ذلك ، وعرّفوا الفطرة بما قلناه ، قالوا : Common Sense is mind before being sophisticated. والإسلام دين الفطرة أى الدين الأساسى ، أو الديانة الأم ، أو الأصل ، وهو عودة إلى الحنيفية أى للبعد عن كل زيغ وهوى ، وهو للعالمين (بفتح اللام) ، أى لكل الناس بلا تمييز ، والمعرفة التى يتضمنها القرآن معرفة تستهدى الفطرة ويصوغها العقل الفطرى ، على عكس اليهودية فهى دين اليهود ، ولا أحد غير اليهود ، والتوراة التى بين أيدينا لا تخاطب إلا اليهود ، وتميزهم وترفع شأنهم على العالمين : ففي سفر الخروج يجيء : «إسرائيل ابني البكر» (٤ / ٢٢) ، وفى سفر الأحبار : «الربّ إلهكم الذى فرزكم من بين الأمم» (٢٠ / ٢٤) ؛ وفى سفر العدد : لا تلعن الشعب فإنه مبارك» (٢٢ / ١٢) ، وفى سفر الملوك الثانى : «إسرائيل الأمة الوحيدة فى الأرض التى سار الله ليفتديها لنفسه شعبا ، ويجعل لها اسما ، ويعمل لها تلك العظائم والمخاوف» (٧ / ٢٣). وفى القرآن يأتى على العكس : أن الله ربّ العالمين نحو ٧٣ مرة ، فلم يؤثر الله شعبا من الشعوب ، والمؤمنون : به هم المسلمون

٤٧٨

له : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (الحج ٧٨) ، وهم الذين يعبدونه ويتّقونه من كافة الشعوب والأعراق ، (الحج ٧٨) ، اجتباهم ، وجعلهم أمة تتوسط الأمم (البقرة ١٤٣). واليهودية ـ بمصطلحات العصر ـ دين خصخصة ، والإسلام دين عولمة ؛ واليهودى مواطن إسرائيلى ، والمسلم مواطن عالمى ؛ والإسلام دين منفتح ، واليهودية ديانة منغلقة على نفسها ؛ والتوراة كتاب فى القومية والحضّ على الغزو والفتح ، إشباعا للاستيلاء ، واستكبارا فى الأرض ، والقرآن كتاب فى التوحيد ، ودعوة للخير ، وللإخاء والمساواة ، ولإحقاق الحق ، ورفع الظلم ، وللأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ؛ والعلم الذى يدعو إليه التوراة علم جزئى ، يستهدى التعصّب ، ويرسّخ التمييز والاستعلاء ، والعلم فى القرآن نظرة شاملة ، وبحث متكامل فى الطبيعة والوجود ، بنور الفطرة والعقل ؛ والمعرفة التى يتحصّلها اليهود تمنحهم معرفة عنصرية مضلّلة ، يمليها الهوى والغرض ، واتجاهها لذلك إلى السحر والاختراعات من نوع ما عرفه الله فيهم : أن يتحول العصا إلى حيّة ، وأن ينفلق البحر ، وأن يصنعوا قنبلة تميز العرب عن غيرهم وتقتلهم دون غيرهم ؛ والديانة الوحيدة التى يقرّها التوراة هى اليهودية ، وأما ديانات الأمم فهى أضاليل عند اليهود. وفى القرآن لا يكتمل إيمان المسلمين إلا إذا أقرّوا بما تنزّل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربّهم ، والمسلمون لا يفرّقون بين أحد من هؤلاء الأنبياء والرسل ، والحاكم فى إيمانهم جميعا هو الإقرار بوحدانية الله ؛ وديانة اليهود لذلك ديانة خاصة بهم ، وديانة الإسلام ديانة عامة للبشر جميعا ؛ والوحى فى اليهودية من الله مباشرة ووجها لوجه مع موسى ، وفى الإسلام الوحى بالواسطة ؛ ولم يدّع محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه رأى الله ، ولجوؤه دائما إلى العقل ، واحتكامه للفهم والتمييز. وينكر اليهود أن يكون محمد نبيا ، بدعوى أن النبوة فى اليهود وحدهم ، وتلك أثرة مفرطة ، فالنبوة حكمة ، والحكمة ليست احتكارا لشعب دون شعب. ويقول اليهود إن الله عقد معهم عقدا أبديا ، وأنه فضّلهم على العالمين ، فمهما فعلوا وأفسدوا هم فى رعاية الله ، وفى الإسلام أن الله يتعاقد فقط مع من يؤمن به ويعمل صالحا ، وطالما المؤمن مؤمنا فهو فى رعاية الله ، فإذا أفسد فى الأرض زالت عنه رحمة الله وفسخ التعاقد. وادعاء اليهود أنهم الأفضل ، وأنهم يرثون الأرض وما عليها اعتقادا منهم أنهم أولاد سارة : السيدة ، بينما العالم كله أولاد هاجر : الأمة ، يشبعون بذلك أثرتهم وأنانيتهم ، وكأن الغنم كله قد قدر لهم ، والغرم كله مقدور على غيرهم ، وكأن السعادة هى حظّهم فى الحياة وإلى الأبد ، والحرمان هو حظّ العالمين ، وفلسفتهم فى ذلك مادية ، فكلما كانت مغانمهم أكثر كانت سعادتهم أكبر ، والفرح بالسعادة لأنها ليست من نصيب

٤٧٩

الآخرين مخرج عيالى يحدوه الحقد على الآخرين والحسد لما فى أيديهم. والسعادة فى الإسلام : هى تحصيل الحكمة ، وهى الخير الأسمى ، وهى مطلب لكل العاقلين لا يحرّمها جنس أو عرق ، أو شعب أو أمة ، ولكنها متاحة للجميع بقدر الرغبة فيها والسعى لها. ومعرفة الله وطاعته سعادة ، والناس لا تكون أسعد لأنها أحكم من الآخرين ، ولا لأن الآخرين حرموا السعادة ، ومن يفرح لسعادته ولشقاء الآخرين هو الحسود الشرير ، واليهود حسودون ، وتوراتهم تطفح بالحسد والحقد ، وكانوا وما يزالون يحسدون كل الشعوب ، وطمعوا فى أرض كل الأمم ، حتى وعدهم يشوع بن نون بكل أرض تطؤها قدم يهودى ، فلم يعرفوا السعادة الحقيقية منذ ذلك اليوم ، ولم يذوقوا طمأنينة النفس ، وراحة الضمير. ولقد كذب اليهود فى التوراة عند ما وصفوا ما أعطاه الله لسليمان ، بأنه الحكمة البالغة فقال : «قد أعطيتك قلبا حكيما فهيما حتى إنه لم يكن قبلك مثلك ولا يقدم بعدك نظيرك» (الملوك الثانى ٣ / ١٢) فكأنه لم تكن لأحد سواه حكمته ، ولا يمكن أن يوجد مستقيلا من هو أعظم منه حكمة ، وحتى كتاب «الأمثال» الذين يزعمون أنه كتابه (كتاب سليمان) ليس إلا تجميعا للأمثال العامية المنقولة عن مصر وأدوم وآشور. وكذلك كتاب «الجامعة» فإنه رغم غموضه فإنه أبعد عن أن يكون من تأليفه ، وليس تحفة فى الحكمة. وكذلك كتاب «الأناشيد» ، لا يمكن أن يكون سليمان هو واضعه لما فيه من كلمات إيرانية تجزم بأن تأليف الكتاب كان بعد السبى ـ أى بعد زمن سليمان. وهذه الكتب ـ حتى لو سلّمنا أن سليمان واضعها ، فما علمنا منها ما هى حكمته ، وما ذا أفادت اليهود أو الناس أجمعين؟ بل إن الله يبدو قد غضب على سليمان ، فأزال ما بنى ، وهدم ما فاخر به. ودخلت الشعوب مدن إسرائيل ، وعاد الفلسطينيون أهلها إليها. فكأن العنصرية والأفضلية لم تورّث اليهود إلا الهمّ وبغض الشعوب والناس ، وغضب الله. وفى الإسلام عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى حديث الإسراء قال : «فأتانى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن ، فقال جبريل أصبت الفطرة» ، والإسلام لذلك يحرّم الخمر وتحللها اليهودية ، كقول التوراة : «وأنفقها فى جميع ما تشتهى نفسك من بقر وغنم وخمر ومسكر» (تثنية الاشتراع ١٤ / ٢٦). والخمر تذهب العقل ، واليهودى لذلك عنيف ووسيلته الدحر والخيانة والختل. وفى التوراة أن اليهود أذلّوا سبع أمم (تثنيه الاشتراع ٧ / ١) ، وكل مدينة فتحوها دمّروها وقتلوا رجالها ونساءها وأطفالها (تثنية الاشتراع ٣ / ٧). والخمر تبدّل خلق الله ، وليس كذلك اللبن. والناس يولدون على الفطرة ، واللبن طعام الفطرة للطفل والمسنّ والبالغ ، وللضعيف والقوى ، وعن أبى هريرة

٤٨٠

فيما أخرجه البخارى ، أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما من مولود يولد إلا على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه ، أو ينصّرانه أو يمجّسانه» ، وقال : «لا تقتلوا ذرية! لا تقتلوا ذرية! كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها ، فأبواها يهوّدانها أو ينصّرانها» أخرجه أحمد والنسائى وليس دين سوى الإسلام ، والدين فى قوله تعالى : (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم ٣٠) هو التمسّك بما أمر به الله ، والانتهاء عما نهى عنه ، والتزام الفطرة والعقل السليمين وذلك هو الإسلام ، وليس اليهودية ولا النصرانية.

* * *

٥٣٥. القرآن أخبر عن تحريف اليهود للتوراة

يخبر الله تعالى عن اليهود بأنهم حرّفوا فى كتابهم ، أى بدّلوا فيه ، فأضافوا وأنقصوا ، وأوّلوا فى معانيه وأخرجوها عن مرادات الله ومقصوده ، فضلّوا وأضلّوا ، ويبدو أن هذا هو دأبهم : أن يحيدوا دوما عن الحق ، ولا يقولوا الصدق ، وأن يمكروا ويخاتلوا. ويأتى فى التنزيل تحريفهم للتوراة ـ ولدعوة الإسلام خصوصا ـ أربع مرات ، ففي سورة النساء يقول الله تعالى : (مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ) (٤٦) ، وفى سورة المائدة يقول : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (١٣) ، ويقول : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) (٤١) ، وفى سورة البقرة يقول : (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥). فهؤلاء هم اليهود دائما ، عمدوا إلى ما أنزل الله على موسى ، فغيّروا فيه ، وحلّلوا وحرّموا ، وألحقوا بها ما شاءوا ، وتأوّلوا أوامر الله ونواهيه على غير ما أنزلها ، وحمّلوها بغير ما تحتمل ، وقالوا عن الله ، وعن موسى وأنبيائهم ، ما لم يقولوه ، ونسوا ما ذكّروا به ، وتركوا العمل بالتوراة ، ورغبوا عنها ، ففسدت فطرتهم ، وانحرفوا عن جادتهم ، ولا تزال تطّلع على خائنة الأعين منهم.

* * *

٥٣٦. عزير أو عزرا ابن الله

عزير هو التصحيف العربى لعزريا ، والاسم عبرى ومعناه العون ، وينطقه اليهود عزرا ، وهو الكاهن ابن سرايا الذى قدّم لليهود الخدمات الجليّ ، ويأتى اسمه فى الآية : (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة ٣٠) تنويها به ككاتب للتوراة. ويسخر بعض المستشرقين من قول القرآن : إن اليهود تدّعى أن عزير ابن الله ، ومن هؤلاء كازانوفا ويونج ،

٤٨١

وكان هوروفتس أشدهم سخرية ، واتهموا محمدا باعتباره مؤلف القرآن ـ بالجهل أو سوء الفهم ، على زعمهم أن اليهود أهل توحيد ، فمن غير المعقول أن ينسبوا بنوّة عزير إلى الله. ومقالة القرآن رغم إنكارهم هى الصحيحة ، فعزير أو عزرا لمّا كتب التوراة بعد أن كانت قد اندثرت وتنوسيت ، بوّأه اليهود مكانا عليا ، ولقّبوه بالكاتب ، والكاهن ، وقالوا إنه فعل ما فعل بإلهام من الله ، وأنه تعالى أوحى إليه أن يعيد كتابة التوراة كرامة منه لعزير ، فهو الذى عمل جاهدا لينال الحظوة عد الفرس ، حتى حصل منهم على العفو عن اليهود ، والإذن لهم بالعودة إلى فلسطين ، وكانت عودته إلى القدس سنة ٤٥٨ أو ٤٥٧ قبل الميلاد فى حكم ارتحتشتا الأول ، أو سنة ٣٩٨ قبل الميلاد فى زمن ارتحتشتا الثانى!! وأخلص للدعوة ، وانكب على الكتابة ، وأسّس المجمع الكبير ، وجمع فيه الربّانيين ، وجمع الأسفار ونظّمها وأعاد كتابتها ، وأنشأ الأبجدية العبرانية بالخط الأشورى ، فاعتبره اليهود رئيسا لهم ، وقالوا بأنه لو لا مكانته عند الله ما كانت له كل هذه التوفيقات ، وأنه ما كان يمكن أن تتهيأ له كتابة التوراة وتاريخ اليهود ، إلا لأنه ابن الله وأثيره وحبيبه وخاصته. وهذه البنوة التى يستنكرها هوروفتس وأمثاله ، هى طبع فى اليهود ، ولو لا أنها داء فيهم ما قالوا عن المسيح أنه ابن الله ، والفرق بين مقالة اليهود أن «عزير ابن الله» ، ومقالة النصارى أن «المسيح ابن الله» ، أن اليهود : قصدوا بنوة الفضل والتكريم والحنو والرحمة ، بينما النصارى قصدوا بنوة النسل ، ومثل ذلك قاله العرب عن الملائكة أنهم بنات الله ، وكلها أقوال ساذجة لا بيان فيها ولا برهان عليها ، فذلك تفسير قوله تعالى «ذلك قولهم بأفواههم» ، أنه مجرد قول بالفم لا يحمل أى معنى ولا تعضده الأدلة ، كقوله تعالى : (يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ) (التوبة ٣٠) ، أى يماثلونهم فيه بلا جدوى ، وأهل المعانى على القول بأن الله لم يذكر فى القرآن قولا مقرونا بذكر الأفواه والألسن إلا كان إفكا وقولا زورا.

وعزرا أو عزير له سفر وحده اسمه «سفر عزرا» ضمن أسفار الكتاب المقدس لليهود ، ويتضمن سفر نحميا بعضا من أخبار عزرا. وسفر عزرا هو السفر الخامس عشر من أسفار العهد القديم ، ولغته خليط من الآرامية والعبرية. وما كتب عن حياة عزرا ، بعضه منسوب إليه ، وبعضه كتبه آخرون عنه ، الأمر الذى يكشف أن هذه الأسفار ليست مقدّسة ، ولم تكن تسميتها «بالأسفار» إلا لإضفاء صفة القداسة عليها ، فلم يكن غربيا إذن أن يقال عن عزرا وقد كتب كل ذلك أو استكتبه ، وقام بترتيبه وتنظيمه ، وإلقاء الدروس فيه ، وشرحه وتفسيره وتأويله ـ أنه ابن الله! ومن أغرب ما قيل فيه أن اسمه عزرا ليس اسما عبرانيا ، ولكنه مصرى وأخذه بنو إسرائيل عن المصريين ، ففي مدة بقائهم فى مصر بأرض جاسان

٤٨٢

(محافظة الشرقية الآن) اتصلوا بالديانات المصرية ، وعكفوا على بعضها بالعبادة ، ومنها عبادة أوزيرس ، وتسمّوا باسم أوزيرس كما ينطقه الفرنجة ، أو عوزر كما ينطقه المصريون. ، وعندهم أن عوزر هو ابن الله ، وأطلق بنو إسرائيل فى مصر على أولادهم اسم عوزر ، وحرّفوه إلى آزر ، أو عزرا ، أو عزير كما يأتى فى العربية. واسم عوزر فى المصرية القديمة يعنى الإله المعين ، واليهود بإطلاقهم اسم عزرا على عزرا الكاهن إنما لتبجيله ، بمعنى هو ابن الله أو حبيبه ، أو أنه هو نفسه له من الصفات صفة الله المعين ، فصاروا ينادونه «عزرا» كقولنا عند الحاجة «يا معين» ونقصد الله. والقرآن بهذا التفسير يعتبر سابقا إلى التنبيه إلى حقيقة لم يقل بها أحد من قبل ، وهو ما جهله هوروفتس ، فراح يهزأ بالقرآن ، وكان الأولى أن يبحث ويتحرى ويعرف!! ولو عرف لآمن بالإسلام!

* * *

٥٣٧. الردّ على اليهود والنصارى فى مسألة ابن الله

ردّ الله تعالى على اليهود والنصارى والعرب فى قولهم أفذاذا : «عزير ابن الله» ، «وعيسى ابن الله» ، و «الملائكة بنات الله» ، قال : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (الإسراء ١١١) ، يؤكد أنه واحد لا شريك له فى ملكه ولا فى عبادته ، ولم يخالف أحدا ، ولا ابتغى نصرة أحد ، ولم يكن له ناصر يجيره من الذل ويدفعه عنه ، ولا كان له ولى من اليهود والنصارى ، وكيف يكون له ولى منهم وهم الأذلون ، وادّعوا عليه كذبا فقالوا : (نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) (المائدة ١٨)!

* * *

٥٣٨. سبينوزا اليهودى وشهادته عن تحريف التوراة

سبينوزا (١٦٣٢ ـ ١٦٧٧) فيلسوف يهودى حتى النخاع ، ومن أشهر فلاسفة أوروبا بعد زمنه ، وما زال مذهبه فى الفلسفة شديد التأثير على الكثيرين. وما ذكره عن التوراة وكتب العهد القديم اليهودية يصدق فيه قول القرآن : (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ) (الأحقاف ١٠) ، والشاهد فى الآية هو عبد الله بن سلام ، وكان يهوديا وأسلم ، وشهد أن اليهود مزورّون ، وكانت شهادته موضوعية ومن التوراة. وسبينوزا لم يسلم وشهد عليهم أيضا بالتزوير ، وشهادته موضوعية وموثّقة ، وموضوعها التوراة وكتب اليهود المقدسة بكاملها ، ومن أقواله أن أسفار موسى الخمسة لم يكتبها موسى ، وأن النقد التاريخى يثبت أن كاتبها هم آخرون عاشوا بعد موسى بمدة طويلة ، والبراهين على ذلك كثيرة ، فمثلا لم يكتب موسى مقدمة سفر التثنية ـ وهو الرابع من أسفار التوراة ، لأنه لم يعبر نهر

٤٨٣

الأردن ، أى أن التوراة حرّف فيها بالتدليس ؛ وكذلك لم يكن مجموع حوائط المعبد يتجاوز اثنى عشر حجرا فكيف تكتب عليها التوراة بحجمها الحالى البالغ ٣٩٥ صفحة؟ فلا بد أن هذه التوراة فى وقت كتابتها على المعبد كانت أصغر من ذلك بكثير ، أى أنها من وقتها حتى الآن حرّفت بالزيادة. وفى سفر التثنية يأتى أن موسى كتب التوراة ، فكيف يقول موسى ذلك عن نفسه؟ ويأتى فى سفر التكوين «وكان الكنعانيون فى هذه الأرض» ، بمعنى أن الوضع قد تغيّر من وقت كتابة هذا الكلام ، ولا يمكن أن يقول موسى ذلك فى وقته ، ولا بد أن هذا الكلام كتب بعد موسى وطرد الكنعانيين ، أى أن موسى ليس هو الكاتب. ويأتى فى سفر التكوين أن جبل موريا هو جبل الله ، وهذا الاسم الجديد لم يطلق عليه إلا بعد بناء المعبد ، أى بعد موت موسى! وفى قصة عوج تروى حكايات عن وقائع انتهى أمرها من زمن بعيد ، ونسبتها إلى الإسرائيليين انتحال. ثم إن ما يقال : أنها التوراة ، كتبت جميعها بضمير الغائب ، وكان المفروض ـ وموسى هو الراوى ـ أن ينسبها إلى نفسه ويكتبها بضمير المتكلم. وليس من المعقول أن يكتب موسى عن نفسه ، فى الفصل الرابع والثلاثين من سفر التثنية ، فى العبارات من ٥ حتى ١٢ أنه مات فى أرض كذا ، ودفن فى الوادى فى المكان العلانى! ومع تحديد مكان دفنه إلا أنه فيما يبدو كذب وافتراء ، لأنه لم يعرف أحد قبره إلى يومنا هذا! وكان عمره وقت أن مات ١٢٠ سنة ، ومع ذلك لم يكل بصره ، ولم تذهب نضرته! وظل يكتب كما يدّعى عزرا. ورغم تقدمه فى السن فإن بنى إسرائيل ظلوا يبكون عليه ثلاثين يوما ، وأعجب العجب أن يؤبّن موسى نفسه فيقول عن نفسه : «ولم يقم من بعد نبىّ فى إسرائيل كموسى الذى عرفه الربّ وجها إلى وجه ، فى جميع الآيات والمعجزات التى بعثه الربّ ليصنعها فى أرض مصر بفرعون وجميع عبيده وجميع أرضه ، وفى كل يد قديرة وكل مخافة عظيمة صنعها موسى على عيون جميع بنى إسرائيل»!!! فهل قرأنا يوما عن ميت يقارن موته بموت آخرين جاءوا بعده وفى عصور تاليه عليه؟ وإذا كان موسى قد توفى فكيف استمرت الرواية بعده فى سفر يشوع؟ ومن الغريب أن يطلق موسى على الأماكن أسماء لم تعرف بها هذه الأماكن إلا من بعد ، وأن يقال إن الله كلم يشوع بعد وفاة موسى ، وأنه ظل يلازمه ويرشده ليغزو البلاد ، ويطرد الناس ، ويقتلهم من أمامه ـ شعوبا كاملة ، وأمما ، وملوكا ، ويعطيه أرضهم يقسّمها بين الإسرائيليين. ويتساءل سبينوزا : ترى ، من كتب هذا السفر؟ وهل أملاه يشوع على آخرين؟ وهل أملى هذا الكلام عن نفسه يمتدح نفسه ، ويعدّد أفضاله؟ ويتساءل سبينوزا : أليست هذه التوراة كتابا تاريخيا وطنيا لبنى إسرائيل؟ أليست سجلا قوميا لأمجاد انتحلوها ليقنعوا بها الناس فصدّقوها هم أنفسهم؟ ولا يمكن أن

٤٨٤

يظن أحد أن سفر القضاة كتبه القضاة أنفسهم ، وإنما الظن أن كاتبه شخص واحد ، وأنه كتبه بعد زمن القضاة ، لأنه فى نهاية الفصل الحادى والعشرين منه قال : فى تلك الأيام لم يكن لبنى إسرائيل ملك ، وكان كل إنسان منهم يعمل ما حسن فى عينيه» ، ومثل هذا الكلام لا يمكن أن يكون قد كتب إلا بعد عهد الملوك وليس قبل ذلك! وكذلك لم يكتب الملوك أسفار الملوك الأربعة ، وكاتبها جمع هذه القصص مما كان يروى من أخبار عن سليمان وملوك يهوذا وإسرائيل! وهذه الأسفار لا يمكن أن يقال عنها أنها دينية ، والحديث فيها ممل وجاف. ومن رأى سبينوزا : أن عزرا ربما هو الذى صاغها هذه الصياغة فجاءت دون ترتيب ولا تحقيق ، بدليل أن الروايات نفسها تتكرر فى الأسفار بألفاظ مختلفة ، وتضطرب أزمنتها وتتداخل ، ويردّ سبينوزا ذلك إلى جبلّة فى اليهود : أنهم يعجزون عن السرد الروائى المنظّم ، وأن الزمان عندهم لا قيمة له ، فالماضى كالحاضر ، كالمستقبل ، والجميع سواء ، والسرد الروائى لذلك لا يعرف الترتيب ولا التتابع الزمنى ، ويجهلون البناء المنطقى للأحداث ، وأن يكون لها نسق. وكتّاب التوراة لم يعرف لهم منهج ولا قاعدة فى السرد والرواية ، وليس لليهود كأمة أو كشعب «ذات جماعية» واحدة ، فكل راو يفسّر الأحداث على هواه ، وينتقى منها ما يشاء ، ولذلك فإن من يتصدّى بالتفسير لهذه التوراة سيجد الكثير مما يمكن أن يتشكك فيه ، وسيتبين أن الكلام فى الكثير من الفقرات أبتر ، وأن هناك الكثير من العبارات قد أسقطت ، وأن التعاليم الأخلاقية تصادم بشدة بالأفعال التاريخية التى يقوم بها الملوك ، وأن موسى ويشوع استخدما السيف وأشبعا الشعوب قتلا ، وأزهقوا أرواح الأطفال والنساء ، ولم يعفوا أحدا من الذبح ، فكيف يمكن أن يقال عن هؤلاء أنهم دعاة إلى الله ، وأن لهم شريعة ، وأنهم أولى بحكم العالم؟ وأن التوراة حافلة بالأسرار والحكم ،؟ وهو ما يدّعيه القباليون أو الأصوليون أو السلفيون من اليهود ، وما يزعمه المتعصبون المتطرفون فى الوطنية؟ ويتطرق سبينوزا إلى كل سفر من الأسفار ، ويثبت التدليس والتحريف فيه ، ويعجب من إدخال سفرىّ أخبار الأيام ضمن الكتاب المقدس ، فالنص فيهما غير متسلسل ، وفيهما تعميم وابتسار ، ثم إن كاتبهما منحاز إلى ملوك يهوذا دون ملوك إسرائيل. والمعتقد أن سفر نحميا وسفر عزرا يماثلان فى التأليف سفرىّ أخبار الأيام ، والأرجح أن الأسفار الأربعة لمؤلّف روائى واحد ، وأنه اتّبع فى تأليفه لأخبار الأيام ما وجده فى أسفار الملوك وأضاف تفاصيل أخرى وزيادات.

واستبعد سبينوزا من الكتاب المقدس الأسفار المنتحلة ، وهذه الأسفار فى ظنه لم يكتبها عزرا وإنما ألّفها الفريسيون تأليفا ، فاستبعدوا ما شاءوا ، وأثبتوا ما شاءوا ، واستنكر

٤٨٥

الصدوقيون منها أسفارا. وكان تأليف هذه الأسفار بعد عزرا بزمن طويل ، ومن ذلك سفرا أخبار الأيام ، وسفر الحكمة ، وسفر طوبيا ، والمزامير ، وأسفار الأنبياء. وينسب سفر الحكمة إلى سليمان انتحالا لإضفاء القداسة عليه ، ومؤلفه مجهول ، وفيه من الشواهد أنه مصرى من الإسكندرية ، وكانت الإسكندرية مركزا كبيرا من مراكز اليهودية فى العصور القديمة. ولم يكتب سفر المزامير فى صيغته الحالية إلا فى القرن الثالث ، وبعض المزامير فيه تعود إلى ما بعد السبى ، وليس هناك ما يثبت أن داود هو مؤلفها ، أو أنه من أصحاب الريادة فى هذا النوع من الأدب الدينى ، وإنما هى عادة اليهود أن ينسبوا ما يضعونه هم أنفسهم إلى أسماء لهم كبيرة ليضفوا عليه القداسة. وسفر أيوب لا شك أن له أصلا مصريا ويأتى بعد سفر حزقيال ، ولا شك أنه يستلهمه ، والمظنون أن القصة كلها ملفّقة ، وأنها تضرب كمثل. ولا تتبع أسفار الأنبياء الترتيب الزمنى لظهور الأنبياء ، ولا تضم جميع الأنبياء ، وكل سفر ليس فيه كل النبوة وإنما جزء منها ، والنصوص فيها بلا ترتيب ، وهى مأخوذة من بعضها البعض ، وبها نقص واضح ، الأمر الذى يدل على أن فقرات قد سقطت وأضيفت فقرات. والمظنون أن أسفار دانيال وعزرا وأستير ونحميا مؤلفهم واحد ، ومرجعه فيها أسفار الأخبار والقضاة والملوك ، وربما كان للصدوقيين اليد الطولى فى تأليفها ، ولذلك رفضها الفريسيون ، وتحفل بالأساطير والأخطاء. ولم يحدث أى تقنين لأسفار العهد القديم قبل عصر المقابيين ، وسفر المقابيين مأخوذ من أخبار الملوك وسفر نحميا. والمقابيون هم الذين ألّفوا الأقوال التى تتلى فى الصلوات.

تلك إذن الحال مع التوراة بشهادة سبينوزا اليهودى ، وفى شهادته يؤكد على تحريف التوراة ، وأن هذه التوراة التى بين أيدينا ليست هى توراة موسى ، كما أخبر بذلك القرآن فقال : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) (النساء ٤٦) ، وقوله : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (المائدة ١٣) ، وقوله : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) (المائدة ٤١) ، وقوله : (وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ) (البقرة ٧٥). وما كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرف هذه الحقيقة ، لأنه ولد نحو سنة ٥٧١ م وتوفى سنة ٦٣٢ م ، وهذه السور السابقة من القرآن نزلت فى المدينة أى بعد ٥٣ سنة من مولده ، يعنى نحو سنة ٦٢٤ ، وكانت التوراة وقت ذلك بالعبرية واليونانية والآرامية والسريانية ، ولم تكن قد ظهرت ترجمة عربية بعد ، وكانت أول ترجمة عربية هى التى توفر عليها سعديا بن يوسف الفيومى المصرى ، وهو من الذين عاشوا فى القرن العاشر الميلادى (ميلاده نحو ٨٩٢ م ووفاته ٩٤٢ م) ، يعنى كان بينه وبين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاثة قرون!! وكان يلزم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليعرف

٤٨٦

هذه الحقيقة ويؤكدها فى القرآن ـ لو كان هو مؤلف القرآن كما يقول المستشرقون ـ أن يكون قد قرأ التوراة إما بالعبرية ، أو باليونانية ، أو بالأرامية ، أو بالسريانية ، وأن يكون محيطا بالنقد التاريخى للكتب المقدسة فى اليهودية ، وهو علم بدأ على أوريجينوس وغيره فى الإسكندرية فى القرن الثانى الميلادى ، وكان يكتب باليونانية ، فينبغى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يكون قد قرأه بهذه اللغة مع أنه كان أميا! أو كان بدويا يقرأ العربية بالكاد ولا يكتبها ، وفى القرآن عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ) (الشورى ٥٢). يعنى أنه ما قرأ التوراة ، ولا غيره من الكتب السماوية ، وما عرف عن اليهودية ولا المسيحية ولم يعتنق أبا منهما ، فمن أين له العلم بالتحريف إذن؟ وحسبنا الله ، وله الحمد والمنة.

* * *

٥٣٩. اليهود والنصارى لن يرضوا عن الإسلام والمسلمين

اليهود والنصارى توحّدت قلوبهم على التعنيت على الإسلام والمسلمين ، واتفقوا على الكفر ، يقول تعالى : (وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة. ١٢) ، فغاية هؤلاء ـ سواء كانوا يهودا أو نصارى ـ هو أن يترك المسلمون دينهم ، ويهجروا شهادة «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ، فلا حوار الحضارات يرضيهم ، ولا الآيات كلها تقنعهم ، وإنما هدفهم أن يخففوا من إيمان المسلمين بالتدريج ويقنعوهم بأن يعايشوا الثقافة اليهودية والنصرانية وأن يميلوا إليها وإلى أسلوب الحضارة الأمريكية الأوروبى ، ولو بعض الميل ، فيكون من ثم ميلهم إلى اليهود والنصارى ، فيأخذون بطريقتهم فى الحكم والسياسة والاقتصاد ، وفى الآداب والفنون ، وفى أسلوب الحياة وتناول الأمور ، وينفرون من طريقة المسلمين أهل ملّتهم ، وتسقط بالتدريج عباداتهم. وفى هذه الآية نلاحظ أن الكفر كله سواء من اليهود أو النصارى هو ملة واحدة ، قال تعالى «ملّتهم» ، فوحّد ملّة اليهود وملة النصارى ، وهما فعلا متحدان من حيث الشريعة ، والملة هى الشريعة ، وملة المسلمين تخالف ملة اليهود والنصارى ، فلما تخالفا تباين فعل أتباع هذه الملل فكان اختلاف الديانة ، فالملة هى الشريعة ، والدين هو الطريقة كقوله تعالى : (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (٦) (الكافرون ٦) ولذا قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يتوارث أهل ملّتين» أخرجه أبو داود. واليهود والنصارى دعوا المسلمين إلى ما هم عليه : (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة ١٣٥) ، وكانت الحنيفية هى ملّة إبراهيم ، والحنيفية هى الملة التى حنفت إلى الحق ، وإلى ما كان عليه إبراهيم. وسمى إبراهيم حنيفا لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام. والحنف : هو الميل ، ومنه رجل حنفاء ، ورجل أحنف :

٤٨٧

وهو الذى تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. وقيل الحنف الاستقامة ، كقوله تعالى : (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً) (آل عمران ٦٧).

* * *

٥٤٠. الإسلام وحرب الإشاعات التى يشنها اليهود والنصارى

المنافقون والمستشرقون والعلمانيون جميعهم دأبوا من فجر الإسلام وبداية المبعث ، على التشنيع على القرآن ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعلى الإسلام والمسلمين ، ولم توجد إشاعة معادية للإسلام إلّا وهى من النوع الهدّام الذى يطلق عليه أهل العلم الإشاعة السامة بهدف التأليب ضد الإسلام. وكانوا زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يلجئون إلى الاجتماعات والندوات والمخاطبات ، وصارت أدواتهم اليوم : الإنترنت ، والصحافة ، والإذاعة المسموعة والمرئية ، والكتاب ، والمحاضرات والمؤتمرات ، يروّجون من خلالها تشنيعاتهم وإشاعاتهم وتخرّساتهم ، ويستخدمون من الفنون ما يقال له «التسوية» أو «الحذف» أو «اللوى» يساوون بين الباطل والحق ، والصواب والخطأ ، والصدق والكذب ، كتسويتهم بين الجاهل والعالم ، أو بين المصلح والمفسد ، ويحذفون من العبادات فلا يستقيم معناها ، ويضطرب مبناها ، كترديدهم لعبارات مثل «لا تقربوا الصلاة» ، ويلوون الوقائع ليا يخدم أهواءهم ، ويفسد على المسلمين إيمانهم ، ويزعزع ثقتهم فى دينهم ونبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كقولهم إنه «تزوج إحدى عشرة زوجة ، وتوفى عن تسع ، أو ترديدهم لإشاعة ينسبونها إلى أبى أسيد : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أتى له بأميمة بنت النعمان بن شراحبيل ومعها دايتها حاضنة لها ، فلما دخل عليها قال : «هبى نفسك لى» ، قالت : «هل تهب الملكة نفسها للسّوقة»؟!!! ـ يقصدون بذلك تلميحا لا تصريحا أنه مزواج ، وزير نساء!! وأنه كان معتبرا من خاصة العرب من السّوقة ، قبّحهم الله! والسوقة فى اللغة : هم الرعية تقال للواحد والجمع ، لأن الملك يسوقهم ، فيساقون إليه ، فيصرفهم على مراده .. وفى اللغة السوقى هو الواحد من أهل السوق من العامة. وكأن أميمة هذه ـ أو كما أطلق عليها المؤرخون اسم الجونية استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك! وما درت أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم خيّر بين أن يكون ملكا نبيا كداود وسليمان ، وأن يكون عبدا نبيا ، فاختار النبىّ العبد ، ليكون على الفطرة ، وليكون دينه الإسلام هو دين الفطرة ، وتلك حكمة غالية ، وفلسفة عالية ، لا يفهمها الأوروبيون والإسرائيليون والأمريكيون ، ولو عقلوها ما شنّعوا عليه بها ، ولتهجّموا على الإسلام من خلالها. والمسلمون شعوب على الفطرة ، قد سامها الاستعمار صنوف العذاب ، وأوصلها إلى الحضيض ، وأشاع فيها الجهل والأميّة ، فلم تعد لديها المناعة ضد الإشاعات ، وانعدمت عندها النخوة والشعور بالكرامة ، وصارت

٤٨٨

تتقبل بالتصديق كل ما تذيعه الإذاعات الإمبريالية والاستعمارية مثل الإذاعة البريطانية ، وإذاعة مونت كارلو ، وصار كتّابنا ومفكرونا مروّجين لافتراءات الكتب والصحف والسينما الإنجليزية والفرنسية والأمريكية ، وانقلبوا عملاء للإنترنت ، وتلاميذ للجامعات الأجنبية ، وهو ما يطلق عليه فى علم الإشاعة اسم : «حرّاس الإشاعات» ، «ومراسلو الإشاعات» ولم يعرف هؤلاء أنه بكل مخابرات أوروبية وإسرائيلية وأمريكية مصانع للإشاعة ، ولجانا للإشاعة ، مهمتها استمرارية حرب الدعاية ، والحرب النفسية ، وحرب الصحافة والإذاعة والإنترنت والسينما ، أو الحرب المسموعة والمرئية والمقروءة ، أو الحرب الكلامية ، أو العصبية ، بهدف زرع الإشاعات عن الإسلام ، وعن نبىّ الإسلام ، وجماعات المسلمين. وإشاعاتهم من النوع الجامح ، تبرز النقائص أو ما ترى أنه كذلك ، وتضخّم العيوب أو ما ترى أنه عيوب ، وتحيل الحسن إلى قبيح ، وتلجأ إلى التضخيم والتهويل. وبعض إشاعاتهم يجعلونها حابية تبدأ صغيرة ، وتتنامى وتتسع دائرتها وتصبح إشاعات مفرّقة. ومهمة عملاء الإشاعة فى بلاد الإسلام إثارة مسائل بسيطة وقضايا غير ملفتة ، والطّرق عليها باستمرار لتكبر وتنشط ، وتستغل فى ذلك قصور الوعى الإشاعى لدينا ، وتهافت المناعة ، ولو لا تحلّقنا وراء الإسلام ، واستمساكنا به لذهبت ريحنا بالكلية وتحولنا كتركيا إلى دولة لا هى من هؤلاء ولا هى من أولئك ، فلا هوية ، ولا وطنية ، ولا قومية ، ولا دين ، ولا عقيدة ، ولا فلسفة حياة. ولقد كذبوا فافتروا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما يزالون يرددون افتراءاتهم ، وشنّعوا عليه أنه : ساحر كذّاب (ص ٤) ، ومجنون (الحجر ٦) ، وساحر (الذاريات ٥٢) ، وساحر مبين (يونس ٢) ، وكاهن (الطور ٢٩) ، وشاعر مجنون (الصافات ٣٦) ، وشاعر يتربصون به ريب المنون (الطور ٣٠) ، ومعلّم مجنون (الدخان ١٤) ، وما كان أيا من ذلك كله ، ولم تكن له كهانة ، ولا سحر ، ولم يشعر ، وما كان الشعر لينبغى له ، إن هو إلا من الأنبياء المرسلين ، وكان مبشّرا ونذيرا ، وما كان بمجنون ، وكيف للمجنون أن يكون له هذا الصرح العالى من الإسلام ، وفقهه حار فيه الأولون والآخرون ، وبلاغته أطارت الألباب ، وحجّته أفحمت المناطقة والمجادلين؟!

* * *

٥٤١. المماثلة بين ديانة المسلمين وديانات غيرهم

يقول تعالى : (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة ١٣٧) ، والخطاب فى الآية لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمته ، والمماثلة وقعت بين الإيمانين : إيمان وديانة أمة محمد ، وإيمان وديانات الأمم الأخرى ،

٤٨٩

قال : إن آمنوا بأن الأنبياء جميعهم من عند الله ، ورسالاتهم هى التوحيد ولا رسالة أخرى سواها ، ولم يفرّقوا بين الأنبياء وينكروا بعضهم ، ويعلوا بعضهم على بعضهم ، ويؤلّهوا بعضهم ، فقد اهتدوا كما اهتديتم ، وإن أبوا إلا التفريق بين الأنبياء والرسالات ، فهم الناكبون عن الدين إلى الشقاق ، فسيكفيكهم الله وينصرك عليهم. والشقاق : هو المجادلة والمخالفة والتعادى ، وأصله من الشقّ وهو الصدع والخرق. وأمة اليهود وأمة النصارى أكثر الأمم شقاقا. وقيل الشقاق من فعل ما يشقّ وما يصعب ، فكأن كل أمة تحرص على ما يشق على أبنائها ، وليس أشق من ديانة اليهود بما ابتدعوه فى التلمود ، ولا أشق من الرهبانية التى ابتدعها النصارى ، فتفرّق اليهود والنصارى بسبب ذلك إلى فرق متخالفة يكفّر بعضها البعض ، ويؤلب بعضها على بعض ، حتى صار بأسهم بينهم شديد.

* * *

٥٤٢. اليهود يزكّون أنفسهم

يخبر القرآن ـ بحسب ما هو مكتوب فى كتب اليهود ـ أنهم يزكّون أنفسهم ، يقول تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً) (النساء) ، وتزكيتهم أنفسهم بأن قالوا فى كتبهم أنهم شعب الله المختار وأنهم الصفوة ، وأن حكم العالم ينبغى أن يئول إليهم ، وأن أورشليم عاصمة العالم ، والعولمة لذلك من مقولاتهم ، وبها يحكمون العالم ، فأطروا أنفسهم ، ودللوا على أنهم قوم مرضى جماعيا بجنون العظمة ، ومصدر جنونهم عقد النقص عندهم ، وأن الله لعنهم ، ومع ذلك ادّعوا أنه لا ذنوب لهم ، وأن ما يفعلونه ليلا يغفره الله لهم نهارا ، وما يفعلونه نهارا يغفره لهم ليلا ، وأنهم فى ذلك كالأطفال بلا ذنوب ، وأن آباءهم الأولين : إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، والأسباط ، يشفعون لهم (أشعياء ٢ / ٢) فردّ الله عليهم ، قال : (بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ) (النساء ٤٩) ، وقال : (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) (النجم ٣٢) ، والمزكّى لنفسه إنما يفعل ذلك بلسانه ادّعاء ، وأما الزاكى المزكّى : فهو من حسنت أفعاله وزكّاه الله ، فلا عبرة بتزكية المزكّى لنفسه ، ولن يسمع العالم لليهود بأنهم «شعب الله المختار» ، لأن دعوتهم عنصرية ، وفيها استكبار ، وفعلهم منتقص وأعمالهم فى فلسطين شاهدة عليهم وعلى بطلان مزاعمهم وزيف تفكيرهم.

* * *

٥٤٣. اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت

يخبر الله تعالى عن اليهود فيقول : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ

٤٩٠

بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) (النساء ٥١) ، والجبت فى اللغة : هو كل ما يعبد من دون الله ، إشارة إلى عبادة اليهود لمعان وعقائد ومبادئ فيها الكفر بالله. والجبت من ألفاظهم ، قيل اللفظة حبشية انتقلت إليهم من يهود الحبشة ، وقيل اللفظة عبرانية ودخلت اللغة الحبشية من طريق هؤلاء اليهود فى الحبشة ، والقرآن لا يستخدم الألفاظ الأجنبية ، إلا ما كان اسما أو مصطلحا لشىء أجنبى ، والأسماء لا تترجم. والجبت باعتباره سحرا أو ضلالا يصرف عن الخير ، ومارسه اليهود واشتهروا به ، حتى أن كتابهم حظره عليهم ، وتوعد ممارسيه بالعقاب الشديد (ملاخى ٣ / ٥ ، وتثنية ١٨ / ١٠ ـ ١٢ ، وخروج ٢٢ / ١٨) ، إلا أن طبيعتهم غلبتهم ، وطلبوه ، وطلبه شاول ملكهم (صموئيل الأول ٢٨ / ٣ ـ ٢٠). وأما الطاغوت : فهم زمرة الضلّال ، الذين يمارسون السحر ، ويدّعون الكهانة والعرافة ، ويمسكون بالسلطة والسلطان ، من طغى يطغى طغيانا إذا جاوز الحدّ ، فيقال طغى فلان أى غلا فى العصيان ، وأطغاه المال والسلطان أى جعله طاغيا ، والطاغية هو العظيم الظلم الكثير الطغيان ، فالطغيان مراتب ، ورأس الطغاة هو الشيطان ، واليهود عبدة الشيطان ، وهم الذين يتزعمون هذه العبادة فى أمريكا ، وعبادة الشيطان ، هى ممارسة الشر كفلسفة قوة ، وأصحاب هذه الفلسفة فى التاريخ جميعهم من اليهود (أشعياء ٣ / ٩ ، وحزقيال ٢ / ٣) ، وفيهم يقول تعالى : (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) (النساء ٦٠) ، ويقول : (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) (البقرة ٢٥٧) ، يعنى وسائلهم وأدواتهم وأساليبهم كلها شيطانية ، والذين يعاهدونهم ويواثقونهم ويوالونهم مثلهم من حزب الشيطان ، وقتالهم وحروبهم لأهداف غير مشروعة وظالمة يوحى بها إليهم شيطان القوة فيهم : (يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) (النساء ٧٦) ، وأما المسلمون : فحزبهم هو حزب الله ، وأولياؤهم الله والملائكة والمؤمنون ، وقتالهم وحروبهم دفاعية مشروعة ، ويهتدون بوصاية ربّهم ، كقوله تعالى : (اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل ٣٦) ، ولهم لذلك حسن الجزاء : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى) (الزمر ١٧). ومن أقوال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى ذلك : «الطرق والطير والعيافة من الجبت» والطّرق ضرب الرمل ؛ والطّيرة : التفاؤل والتشاؤم بالأشياء ؛ والعيافة : هى زجر الطير لتتيامن بدل التياسر ، ويقال لذلك تيمّنا ، يعنى أن الإسلام ينهى عن طرق اليهود ووسائلهم ، ولكل أمة سمت وخلق ، والجبت ليس من خلق المسلمين ، بينما هو من صميم سيكولوجية شعب اليهود.

* * *

٥٤٤. دعوى اليهود والنصارى بأنهم أبناء الله وأحبّاؤه

لمّا كان النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقرأ على اليهود القرآن ويخوّفهم ، كانوا يقولون : نحن لا نخاف!

٤٩١

ومما نخاف ونحن أبناء الله وأحباؤه؟! فنزلت الآية : (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) (المائدة ١٨). وقولهم إنهم أبناء الله وأحباؤه ورد عند اليهود فى عبادتهم عن الله تعالى فيما زعموا أنه قوله تعالى : «إسرائيل ابني البكر» (الخروج ٤ / ٢٢) ، وفى العبارة : «أنا أكون له أبا ، وهو (أى شعب إسرائيل) يكون لى ابنا (الملوك الثانى ٧ / ١٤) ، والعبارة : «كرأفة أبّ ببنيه رئف الربّ بالذين يتّقونه» مزامير ١٠٣ / ١٣). وتحولت هذه «الأبوة» أو «البنوة» عند النصارى إلى «أبوة وبنوة» حقيقية لا مجازية ، فيقال : أبو ربّنا يسوع المسيحى (الرسالة الثانية إلى أهل كورنتوس ١١ / ٣١) ، ويجيء فى الصلاة عند النصارى : «أبانا الذى فى السموات ، ليتقدّس اسمك» (متى ٦ / ٩).

وهذه الأبوة أو البنوة أصل فى الاعتقاد النصرانى ، ولا تقال من باب المجاز ، وأما بنوتهم لله فهى بنوة مجاز ، اكتسبوها بالخلق ، فلما آمنوا صارت لهم بالنعمة. المؤمن إن لم يعتقد فى أبوة الله للمسيح ، وأبوته للمؤمنين ، يكفر. وأبوته تعالى بالنسبة للمؤمنين اكتسبوها بالميلاد الثانى ـ أى لمّا آمنوا بعيسى (يوحنا ١ / ١٢ ـ ١٣) ، ولذلك كان التبنّي عندهم مشروع لأنه ضمن عقيدتهم ، وفى الإسلام التبنّى محظور لأنه ليس من عقيدة الإسلام ، وليس لأنه يخلط الأنساب كما يقول المفسرون ، وإنما لأنه متصل ببنوة اليهود لله وأبوته لهم ، وببنوة المسيح لله وأبوته له ، وبنوة النصارى لله ، وأبوته لهم. وهذه العلاقة بين اليهود والله ، وبينه وبين النصارى ـ علاقة البنوة ، أو الأبوة ، أو الحبّية ، هى امتياز لهم دون غيرهم من الشعوب ، وليست اكتسابا بالأعمال ، ولكنها بالطبيعة فى حالة اليهود ، لأنهم يهود وكفى! وبالنعمة فى حالة النصارى ، لأنهم لمّا تبعوا ابن الله صاروا أبناء لله بدورهم. وهذا ما ينبّه إليه القرآن ، فلو كان ذلك حقيقة فلن يعذّب لا هؤلاء ولا هؤلاء ، ولكن كتبهم تقول إنهم يحاسبون وسيعذّبون ، وهم إذن بشر ، ويمكن أن يخطئوا ويصيبوا ، وسيحاسبون على الطاعة والمعصية ، وسيجازى كلّ بما عمل ، ولا يشفع لأى منهما أنه يهودى أو نصرانى!

* * *

٥٤٥. اليهود والنصارى غلوا فى دينهم

القرآن ينهى عن الغلو فى الدين بقوله تعالى : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ) (النساء ١٧١) ، والغلو هو التجاوز فى الحدّ ؛ اليهود غلوا فى عيسى فقذفوا مريم بأنها بغى ، وقالوا إن المسيح ابن يوسف النجّار ، وقالوا فى عيسى إنه عنين يعانى

٤٩٢

العجز الجنسى ، وأنكروا نبوة عيسى واضطهدوه واضطهدوا الحواريين ؛ والنصارى غلوا فى التوراة ، فأبطلوا الكثير من الناموس ، وغلوا فى عيسى فجعلوه إلها ، والغلو هنا وهناك ، سواء كان إفراطا أو تقصيرا ، كله سيّئ وكفر ، ولذا قال الشاعر :

ولا تغل فى شىء من الأمر واقتصد

كلا طرفى قصد الأمور ذميم

وقال آخر :

عليك بأوساط الأمور فإنها

نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا

وفى صحح البخارى قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى ؛ وقولوا عبد الله ورسوله».

* * *

٥٤٦. اليهود والنصارى متخالفون

اليهود والنصارى كلاهما يدّعى أنه على الحق والثانى على الباطل ، كقوله تعالى : (وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ) (البقرة ١١٣) ، واليهود ينكرون الأناجيل تماما ، وبعضهم ينكر أنه وجد أصلا نبىّ باسم عيسى أو يسوع ، والنصارى أنكروا على الفريسيين ، وهدموا الناموس ، وأبطلوا السبت ، وقالوا إن الربّ يدين اليهود ، وأن الشريعة للخطاة فقط ، وأنه فى الآخرة بعث وحساب ، وجزاء وعقاب ، وجنة وجهنم ، على خلاف ما يقول اليهود.

* * *

٥٤٧. اليهود والنصارى إيمانهم مبتدع

معنى الابتداع فى حالتى اليهود والنصارى أنهم أوجدوا شيئا غير مسبوق ففصلوا بين الإيمان بالله وبين التصديق برسله ، وآمنوا ببعض رسله وكفروا ببعضهم ، فقال تعالى فيهم : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا) (النساء) ، فاليهود كفروا بعيسى ومحمد ، والنصارى كفروا ببعض موسى وبمحمد ، فنصّ الله تعالى على أن التفريق بين الله ورسله كفر ، لأنه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل ، فإذا جحدوا الرسل ردّوا شرائعهم ولم يقبلوها منهم ، فكان جحدهم كجحد الصانع سبحانه ، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك الطاعة. وكان دينهم لذلك دينا مبتدعا طالما حقيقته الجحد. وأما المسلمون فقد علّمهم الله حقيقة الإيمان فقال لهم : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى

٤٩٣

وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة ١٣٦) ، فوقعت المماثلة بين الإيمانين.

* * *

٥٤٨. اليهود والنصارى هم الأخسرون أعمالا

«الأخسرون أعمالا» صفة القرآن لليهود والنصارى ، ومن الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن ولكن سعيه فى الحقيقة قد حبط. وما يوجب إحباط السعى إما فساد الاعتقاد ، أو المراءاة. يقول تعالى : (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) (الكهف) ، والمقصود بهؤلاء : «اليهود والنصارى» ؛ فأما اليهود فلأنهم لم يؤمنوا بالبعث ، وفى كتبهم لا يوجد أى كلام عن البعث ؛ والنصارى لأنهم كفروا بالجنة فقالوا لا طعام فيها ، ولا زواج ولا نعيم ، فهؤلاء وهؤلاء لا قدر لهم ولا وزن يوم القيامة ، وفى الحديث أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنه ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ، واقرءوا إن شئتم : (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) (١٠٥) (الكهف) ، قيل : السمن المكتسب من كثرة الأكل والشّره والاسترسال مع النفس على شهواتها ، كما فى حالة «شارون» ، فهو عبد نفسه لا عبد ربّه. والخلاف بين المسلمين وبين اليهود والنصارى هو خلاف فى العقيدة يصنع خلافا حول أسلوب الحياة ، فهؤلاء عبيد رغباتهم ، ولا يهمهم من أين أتى المال ، ويقبلون على الحياة ونعيمها كالأنعام ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ) (١٢) (محمد) ، فهذا هو الخلاف بيننا وبينهم : خلاف ثقافى حضارى ، فنحن نأخذ بالقيم ، وهم ينادون بنوع من التمدّن لا قيم فيه ولا مبادئ ، ولو أخذوا بالقيم لعبدوا الله الواحد واتّقوه ، ولكنهم يعبدون المال والشهوات ، ولهذا كرهوا الإسلام والمسلمين.

* * *

٥٤٩. برهان الخلف يلزم اليهود والنصارى

الأصل فى الآية : (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ) (المائدة ١٨) السؤال : «قل فلم يعذّبكم بذنوبكم» ، وهو سؤال لا يخلو من أحد وجهين : إما أن يقولوا هو يعذّبنا. فيقال لهم فلستم إذن أبناءه وأحباءه ، فإن الحبيب لا يعذّب حبيبه ، وأنتم تقرّون بعذابه ، فذلك دليل على كذبكم ، وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف ؛ أو أنهم يقولون : لا يعذّبنا الله فيكذّبوا ما فى كتبهم ،

٤٩٤

وما جاء به رسلهم ، ويبيحوا المعاصى! ومن ثم فإنهم عقائديا فى مأزق ، يسميه أهل الجدل : الإحراج ، ويقال له القياس الأقرن dilemma ، وهو برهان ذو حدّين أو قرنين ، يكره الخصم على اختيار واحد من بديلين كلاهما فى غير مصلحته! وهكذا كل كلام اليهود مغالطات وإحراجات وأكاذيب ـ حتى سبينوزا ، وماركس ، وفرويد ، ومارتن بوبر إلخ ، كلهم كذبة ويتكلمون كلاما غير منطقى ، فلا تصدقوا اليهود!

* * *

٥٥٠. اليهودية والنصرانية بدعتان وليستا من الله

دين الله هو الإسلام ، وهو الذى لا يقبل غيره ، ولا يجزى إلا به ، والله يقول لأهل الكتاب : (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة ٤٢) ، واللّبس هو الخلط ، يأمرهم أن لا يلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام ، لأنهما بدعة وليستا من الله ، وإلا فأرونا اسم اليهودية ، أو النصرانية ، أو المسيحية فى التوراة أو الإنجيل؟ أو ردّدوا على أسماعنا قول لموسى أو عيسى فيه اسم اليهودية أو النصرانية ، أو المسيحية؟ فهذه الأسماء : اليهودية ، والنصرانية ، والمسيحية من اختراعهم. والناس فى اليهودية والنصرانية ملبوس عليهم ، والحق لا يعرف بالكثرة أو بالقوة المادية ، ولكنه يعرف بالحق ، فقولوا لنا الحق تعرفون به ، فهل الحق أن اليهود أبناء الله ، وشعب الله المختار ، وصفوة البشرة؟ وهل عيسى ابن مريم هو ابن الله؟ وهل من الحقّ أن تسمّى فرقة موسى باسم الإسرائيليين أو يعقوب ، أو باسم اليهود نسبة إلى دولتهم المزعومة فى الماضى يهوذا؟ أو تسمّى فرقة عيسى باسمه فيقال «المسيحيون» أو «النصارى» نسبة إلى موطنه الناصرة؟ أم أن عباد الله ينسبون إلى الله ، أو إلى المعبود الحقيقى الذى يتعبدونه؟ فأما المسلمون فهؤلاء ورد اسمهم رسميا فى كتب الله : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) (٧٨) (الحج) ، ومعنى الإسلام أن المؤمنين به قد أسلموا بأن الله واحد ، واستسلموا لمشيئته. ومثل هؤلاء اليهود والنصارى مثل هذا الشاعر يقول :

ترى الجليس يقول الحق تحسبه

رشدا وهيهات فانظر ما به التبسا

صدّق مقالته واحذر عداوته

والبس عليه أمورا مثل ما لبسا

* * *

٥٥١. ما كان الأنبياء هودا أو نصارى

اليهود : ويقال لهم هود أيضا ـ نسبة إلى يهوذا رئيسهم ، وأحد الأسباط الاثنى عشر ؛ والنصارى : نسبة إلى عيسى الناصرى ، المنسوب إلى بلدة الناصرة من فلسطين. وفى الآية : (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ

٤٩٥

أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة ١٤٠) أنهم ادّعوا أن هؤلاء الأنبياء كانوا يهودا ، يعنى من أصول يهودية ، لأنهم أولا عبرانيون ، وإسرائيليون ثانيا ، فهم إذن يهود! ونازعهم النصارى ذلك ، وزعموا أن هؤلاء الأنبياء كانوا يدينون جميعا بالمسيح وينتظرونه ويبشّرون به ، فهم مسيحيون أو نصرانيون ؛ غير أن هؤلاء الأنبياء كانوا قبل اليهودية ، وقبل النصرانية ، فكيف يكونون يهودا أو نصارى؟ والآية لذلك تتوعدهم وتعلمهم بأنهم مجازون على أقوالهم. والشهادة : هى علمهم بأن الأنبياء جميعا كانوا على الإسلام لله.

* * *

٥٥٢. لا توالوا اليهود والنصارى فيما يخص المسلمين والإسلام

الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة ٥١) نزلت يوم أحد حين خاف المسلمون الانكسار ، حتى همّ قوم منهم أن يوالوا اليهود ، أى يهادنونهم ويحالفونهم ، وتبرأ المؤمنون من موالاتهم ، وكانت حجة الموالين أنهم يخافون أن تدور الدوائر على المسلمين ، فحذّرت الآية من موالاة اليهود وتعضيدهم على المسلمين فى الحرب والسلم ، وهذا الحكم ليس على الواقعة وحدها ، فإنها تحذير من مثل ذلك مستقبلا ، يعنى أن هذا الحكم باق إلى يوم القيامة ؛ ومثله قوله تعالى : (لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (آل عمران ١١٨) ، والآية متصلة بما قبلها : (إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ) (١٠٠) (آل عمران) ، والبطانة هم الخلصاء والمستشارون ، فالحاكم المسلم لا ينبغى أن يكون له مستشار فى شئون المسلمين من أهل الكتاب ، لأنه بطبيعة الحال سينضم لأهل الكتاب من أعداء الإسلام إذا خيّر بين أن يخلص للمسلمين أو لأهل ملّته.

* * *

٥٥٣. لا موالاة للمستهزئين بالإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم

كثيرون يسخرون من طقوس الإسلام فى الحج والصيام والصلاة والزواج ، فإن قلنا إن مثل ذلك موجود فى النصرانية واليهودية ، تركوا النقد لهما وركّزوا قولهم على الإسلام وحده ، وغايتهم معروفة ، وفى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة ٧٥) تأكيد على أن مثل ذلك حدث أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وما يزال ، ويتزعم هذا الهزو والسخرية

٤٩٦

بالإسلام المستشرقون ، وخاصة اليهود ، وقد نهى الله أن نواليهم. ومثل ذلك الآية : (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) (المائدة ٥١) ، والآية : (لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ) (آل عمران ١١٨) ، والآيتان تضمنتا المنع من الانتصار والتأييد باليهود والنصارى. وروى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا أراد الخروج إلى أحد ، جاءه قوم من اليهود ، فقالوا : نسير معك. فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم «إنّا لا نستعين على أمرنا بالمشركين» أخرجه مسلم. وقد رفض السادات أن يشارك السوفييت فى الحرب مع إسرائيل ، وطرد ١٨٠٠٠ خبيرا سوفيتيا قبل المعركة ، ودول الخليج استعانت باليهود والنصارى على المسلمين ، وتحررت الكويت من العراقيين ولكنها احتلت من أمريكا ، واحتلت معها دول الخليج ، وترفض أمريكا الخروج من هذه الدول ومعها بريطانيا وفرنسا ، وهذه عاقبة من يعصى الله.

* * *

٥٥٤. لا تستفتوا النصارى ولا اليهود

فى القضايا المصيرية ينبغى أن لا يراجع المسلمون أهل الكتاب كما فى الآية : (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) (الكهف ٢٢) ، وروى أنه عليه‌السلام سأل نصارى نجران عن مسألة فنهى عن السؤال ، وفى هذا دليل على منع المسلمين من مراجعة أهل الكتاب فى شىء من العلم. ويحضرنى أن طلبة الدكتوراة من بين المسلمين فى جامعات اليهود والنصارى ممنوعون من تناول موضوعات معينة عصرية ، وكذلك يمنع الضباط المسلمون من الاطلاع على الكشوف المستحدثة فى المجال العسكرى ، ولا يعطى المسلم إلا العلم المتخلف ، وكثيرا ما يعطونه شهادة من غير علم حقيقى ، والسبب أنهم يريدوننا أن نظل متخلفين! فلأى شىء نستفتيهم إذن؟!

* * *

٥٥٥. اليهود والنصارى إذا قرئ القرآن يكادون يسطون بالذين يتلونه

يقول تعالى : (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا) (الحج ٧٢) ، والسطو هو البطش ، أى يقعون بقارئ القرآن ويبسطون إليه أيديهم ، غيرة وحسدا وعنادا.

* * *

٥٥٦. مخالفة اليهودية والنصرانية بشأن الحائض

فى التوراة عن الحائض والمستحاضة : وأى امرأة كان بها سيلان بأن يسيل دم من جسدها ، فلتقم سبعة أيام فى طمثها ، وكل من لمسها يكون نجسا إلى المغيب ، وجميع ما

٤٩٧

تضطجع عليه فى طمثها يكون نجسا ، وجميع ما تجلس عليه يكون نجسا ، وكل من لمس مضجعها يغسل ثيابه ويرتحض بالماء ويكون نجسا إلى المغيب ، ومن لمس شيئا مما تجلس عليه يغسل ثيابه ويرتحض بالماء ويكون نجسا إلى المغيب ، وإن كان على مضجعها أو على ما هى حالة عليه شىء ، فإن لمسه يكون نجسا إلى المغيب ، وإن ضاجعها رجل بحيث يصير طمثها عليه يكون نجسا سبعة أيام ، وكل مضجع يضجع عليه يكون نجسا ، وكذلك المستحاضة ، فإذا طهرت من طمثها أو استحاضتها فلتحسب لها سبعة أيام ، وبعد ذلك تطهر ، وتذبح ذبيحة خطاء وذبيحة أخرى محرقة تكفيرا عن طمثها أو استحاضتها (الأحبار ١٥ / ١٩ ـ ٢٢).

وكان العرب قبل الإسلام ، فى المدينة وما والاها ، يستنون بسنّة اليهود ، فى تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها ، فنزلت الآية : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة ٢٢٢). وقيل الذى سأل هو أسيد بن حضير وعبّاد بن بشر ، وقيل هو ثابت بن الدحداح. وعن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن فى البيوت ، فسأل أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأنزلت الآية ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «اصنعوا كل شىء إلا النكاح» يعنى خالفوا اليهود ، فبلغ ذلك اليهود ، فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه!

والخلاصة : أن الإسلام يخالف اليهودية. وقيل فى الآية السابقة : إن سبب نزولها أن اليهود والمجوس كانوا يجتنبون الحائض ، وكان النصارى يجامعون الحيّض ، فأمر الله بالقصد بينهما. وفى الإسلام لا تجتنب الحائض ، ولا تؤتى فى الجماع.

* * *

٥٥٧. كيف يجوز الإيمان بالتوراة والإنجيل مع تنافى أحكامهما مع القرآن

فى قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) (البقرة) ، وقوله (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة ١٣٦) ـ كيف يمكن الإيمان بهؤلاء الأنبياء جميعهم والكتب كلها ، مع تنافى أحكام التوراة وأسفارها والأناجيل والقرآن؟ وكيف يستقيم قوله تعالى فى القرآن عن التوراة والإنجيل : (وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ) (المائدة ٤٣) ، وقوله : (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ) (المائدة ٤٤) ، وقوله : (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ) (آل عمران) ،

٤٩٨

وقوله : (وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ) (المائدة ٤٦) ، وقوله مع ذلك أن اليهود : (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) (النساء ٤٦) ، وقوله : (يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ) (البقرة ٧٥) ، والتحريف منه ما يشمل النصوص ، ومنه ما يتوجه إلى العقيدة ، كقول اليهود : (عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) (التوبة ٣٠) ، وكقوله تعالى فى النصارى : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (٧٢) (المائدة) ، وقوله : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) (المائدة ٧٣)؟! والجواب : أن الإيمان المقصود به أولا أن نؤمن بأن هؤلاء الأنبياء من لدن الله ، وأن هذه الكتب من عنده تعالى ، مع القول بأن الإسلام قد أسقط التعبّد بما تقدّم من الشرائع ؛ أو أن المقصود أن نؤمن بما لم ينسخ من هذه الشرائع. وعن أبى هريرة قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم ، وقولوا : «آمنا بالله وما أنزل ..» الآية ، يعنى نحن نؤمن بكتبهم تاريخيا ولا نؤمن بما تتضمنه من أخبار اليهود والنصارى ، وما حوته مما يخالف الإسلام.

* * *

٥٥٨. معنى أن التوراة إمام ورحمة

التوراة هى ألواح موسى ، وأما هذه الأسفار الخمسة الموجودة حاليا فيسميها اليهود كتب الشريعة الخمسة ولا يسمونها التوراة. وكذلك يسمون الأسفار الخمسة والأربعين التى منها الأسفار الخمسة كتب العهد القديم. وليس هناك شىء اسمه التوراة عند اليهود ، وإن قالوا ذلك فهو تجوّز منهم ، ويقصدون به الأسفار الخمسة ، والسفر هو الكتاب ، وموسى لم تتنزّل عليه هذه الأسفار ، ولكنها من كتابة عزرا الذى يرد اسمه معرّبا فى القرآن «عزير» ، وهو يحكى فيها عن موسى فى حياته وبعد مماته ، ومن غير المعقول أن يحكى موسى عن نفسه ميتا ويقول «لمّا مات موسى كان ذلك فى أرض موآب ، ودفن هناك ، ولم يعرف أحد قبره ، وبكاه بنو إسرائيل ثلاثين يوما! وإذن فالأسفار ليست من عمل موسى ، ولا تدعو إلى الله ، وإنما الدعوة فيها لبنى إسرائيل ، ولشعب إسرائيل ، والتأليه فيها ليس لله وإنما للشعب ، ومع ذلك نستطيع أن نستخلص بعض الأحكام مما يوافق العقل وخاصة فى المسائل الخاصة بالله تعالى وهى قليلة جدا ، ونستطيع أن نقول بثقة أنها من أحكام التوراة وشملتها ألواح موسى. والقرآن عند ما يأتى فيه عن التوراة : (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ) (الأحقاف ١٢) ، لا يعنى هذه الأسفار السابقة ، ولكنه يقصد إلى التعاليم الأصول لموسى. والآية تتحدث عن القرآن وتقول إنه قبل

٤٩٩

القرآن كان كتاب موسى ـ ولم تذكر اسم التوراة تحرّجا كما شرحنا ـ لأنه لا توجد توراة فى الواقع الملموس ، وكان هذا الكتاب إماما ، يعنى سابقا على كل الكتب السماوية ، بصرف النظر عن أنه كانت لإبراهيم صحائف ، فالكلام هنا عن الكتب وليس عن الصحائف. وكان كتاب موسى رحمة للناس ، لأنه نظّم لهم حياتهم ورحمهم من الاختلاف ، ومن آمن به وجبت له الرحمة من العذاب فى الآخرة. والقرآن صادق على كتاب موسى ، ولم يصادق على الأسفار الخمسة ولم يصادر على القضايا الأصول إن اشتملت عليها هذه الكتب الخمسة نقلا عن كتاب موسى ، وهى : الدعوة إلى الله ، والاعتقاد بالآخرة ، والبعث ، والحساب ، والثواب ، والعقاب ، والجنة والنار ، والملائكة. والأسفار الخمسة فيها من كتاب موسى ـ أى التوراة ـ القليل من التنزيل والكثير من الزيف. وفى الآية : (وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا) (الأحقاف) أن القرآن صورة من كتاب موسى هذا ـ أى التوراة ـ وإنما بلسان عربى ، وهو صورة لما كان فيه من القضايا الأصول دون التشريع ، لأن القضايا الأصول واحدة دائما ، فإن أردت أن تعرف عن كتاب موسى فاقرأ القرآن ، فالقرآن ترجمة عربية لكل الكتب قبله ، ولكل الدعوات التى سبقته ، وغاية التوراة والقرآن فى النهاية هى إنذار الظالمين والبشارة للمحسنين.

* * *

٥٥٩. إحدى عشرة صفة لليهود

هذه الصفات أحصتها الآيات من سورة النساء ، من قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ) (النساء ٤٥) إلى قوله تعالى : (أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) (النساء ٥١) ، وهى : ١ ـ (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ) (النساء ٤٤) أى يستبدلونها بالهدى ، كقوله تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) (البقرة ١٦) ؛ ٢ ـ (وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) (٤٤) (النساء) ، أى يريدون إضلالكم عن طريق الحق ؛ ٣ ـ (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) (النساء ٤٦) ، أى يتأوّلونه ويزيدون فيه وينقصون ؛ ٤ ـ (وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا) (النساء ٤٦) ، أى سمعنا قولك وعصينا أمرك ؛ ٥ ـ (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) (النساء ٤٦) ، أى اسمع لا سمعت ، أو اسمع غير مسمع منك ؛ ٦ ـ (وَراعِنا) (النساء ٤٦) ، أى ارعنا سمعك ، يقولونها للتنقيص والغض ، وكان المسلمون يقلدونهم فيها ، وقالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «راعنا» فنزلت الآية تنهى المسلمين عنها ، تقول : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا) (البقرة ١٠٤) ؛ ٧ ـ (وَطَعْناً فِي الدِّينِ) (النساء ٤٦) ، يطعنون فى مبادئ الإسلام وأحكامه ؛ ٨ ـ (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً) (٤٦) (النساء) فكانوا يقولون : بعض ما تخبر به يا محمد من شئون ديننا نحن نؤمن به ، ولا نؤمن بما

٥٠٠

جئت به ؛ ٩ ـ (يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) (النساء ٤٩) بأن قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ؛ ١٠ ـ (يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) (النساء ٥٠) ، بما حرّفوا من التوراة ، وبما رووا من روايات لم تكن ضمن كتابهم ونسبوها إلى الله ؛ ١١ ـ (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) (النساء ٥١) ، والجبت : الشيطان أو إبليس ، والطاغوت أولياؤه ، وقيل الجبت كل ما حرّم الله ، ولذا الحديث «الطرق والطّيرة والعيافة من الجبت». والطّرق : ضرب الحصى أو الرمل على سبيل التكهن ، والعيافة : زجر الطير المسمى التطيّر ؛ والطاغوت : كل ما يطغى الإنسان ؛ ١٢ ـ (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) (النساء ٥١) ، يعنى يقولون لكفار قريش أنتم أهدى من المسلمين الذين آمنوا بمحمد ، والذى قال ذلك كعب بن الأشرف ، قاله لأبى سفيان ليحقّ الكفّار ، ويثبّتهم على كفرهم ، ويوغر صدورهم ضد المسلمين ، ويؤلّبهم عليهم قصدا إلى المزيد من الفتنة ، وإشعالا للحرب. فهذه اثنتا عشرة صفة منكرة فى اليهود كانت فيهم فى الماضى وما تزال ـ لعنهم الله.

* * *

٥٦٠. اليهود حمّلوا التوراة ولم يحملوها

فى الآية : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الجمعة ٥) ، وصف من أوصاف اليهود ، كان وما يزال فيهم. وحمّلوا التوراة ، من الحمالة بمعنى الكفالة ، أى ضمنوا أحكام التوراة ، وأعطوها ليعملوا بها ثم لم يعملوا بها ، مثلهم كمثل الحمار يحمل كتبا لا يدرى ما فيها ، فهو يحملها حملا حسيا ولا يدرى من معانى ما عليه شيئا ، فكذلك حال اليهود مع التوراة ، حفظوها لفظا ولم يتفهّموها ولا عملوا بمقتضاها ، ولذا حرّفوها ، فهم أسوأ حالا من الحمار ، لأن الحمار لا فهم له ، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها ، كقوله تعالى : (أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) (الأعراف ١٧٩).

* * *

٥٦١. جرائم اليهود ومخالفاتهم

أثبت القرآن ما ارتكبه اليهود وما يزالون ، فى مثل قوله تعالى : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً) (١٥٧) (النساء) ، وقوله : (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا

٥٠١

حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) (النساء) ، فهذه عشر مخالفات وبعضها جرائم صريحة. ثم في قوله : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) (المائدة ٢٣) ، فهذه أربع مخالفات أخرى ، وكلها فعال وخصال نشهدها اليوم بشكل جلى فى فلسطين ، فلا هم يحترمون مواثيق ، ولا هم يحافظون على العهود ، وتمتلئ صدورهم بالغل ، وتملأ القسوة قلوبهم ، وتشهد على ذلك كتبهم وأنبياؤهم ، وشهدوا على أنفسهم بالتحريف والتلفيق ، ولم يراعوا لله عهدا ، ولا تزال تطلّع على غدرهم ومكرهم وخيانتهم ، فلكل ذلك لعنهم الله وأبعدهم عن رحمته.

* * *

٥٦٢. اليهود قتلة الأنبياء

يذكر القرآن قتل اليهود للأنبياء فى ثلاث سور ، هى البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، وفى ثمانية مواضع ، كقوله تعالى : (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِ) (البقرة ٦١) ، وقوله : (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة ٩١) ، وفى الآيتين يكذّبهما الله تعالى فى حيثيات قتلهم للأنبياء ، فالنبىّ لا يفعل ما يستوجب قتله ، وإن قتل فقتله عن ظلم ، وهذا هو معنى «بغير الحق» ، ولا يتفق أن يقتل مؤمن نبيا ، فكيف يؤمن إذن إن قتل نبيّه؟ وبما ذا آمن؟ وكيف آمن؟ وأية رسالة آمن بها؟ ومن بلّغه بها؟ وفى تاريخ اليهود كما يأتى فى كتب العهد القديم أنهم قتلوا النبيين والصالحين أيضا ، كقوله : (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) (آل عمران ٢١) ، وكانوا إذا قتلوا النبيين ، قام أتباعهم يأمرون بالعدل بين الناس ، ويدعون أن يقوم المجتمع على القسط ، فيقتلونهم أيضا ، وقد قتل إيليا فى يوم واحد أربعمائة وخمسين من الأنبياء دفعة واحدة بدعوى أنهم أنبياء زائفون ويدعون للبعل! (الملوك الثانى ١٨ / ٤٠) ، وجاء فى سفر الملوك الثالث أن إيليا أتمّ ذبحهم بالسيف فوق نهر جار ، وغير إيليا كثيرون ، وقد اتهمهم بطرس فقال لهم : أسلمتم المسيح وأنكرتموه وقتلتموه وعلّقتموه على خشبة ؛ ورجموا بولس (١٤ / ١٨) ، وتحالفوا لقتله وكانوا أكثر من أربعين يهوديا (٢٣ / ١٣). وفى رسالة بولس إلى أهل رومية قال إنهم قتلوا أنبياءهم (١١ / ٣) ، إلى آخر ذلك ، ومنه كثير فى كتب النصارى.

* * *

٥٦٣. الذلّ لليهود أينما وجدوا

فى الآية : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ

٥٠٢

مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) (آل عمران ١١٢) أن هذا هو قدر اليهود جزاء لهم على ما يفعلون من المظالم والسيئات ، فأينما وجدوا لقوا الذل إلا أن يمدّ الناس لهم أيديهم ويبقونهم فى ذمتهم. وحتى فى فلسطين فإنهم يحيون فى مذلة ورعب ويحاربون من وراء جدر.

* * *

٥٦٤. الله يقاتل عن اليهود

اليهود بهم أنفة من القتال ، وإياس من النصر ، فهذه هى صفتهم الأزلية ، وقالوا لنبيّهم موسى : (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) (المائدة ٢٤) ، فوصفوا الله تعالى بالذهاب والانتقال ، وبالجسمية وهو دليل على أنهم ليسوا موحّدين وأنهم مشبّهة ، ومعنى الآية أن موسى ، بما أنه رسول الله ، فنصرته له أحق من نصرتهم ، وقتاله معه إن كان رسوله ، أولى من قتالهم معه ، فلما رفض شكّوا فى رسالته ، وكانوا قد حرّفوا التوراة ونسبوا فيها إلى موسى قوله : «الربّ يحارب عنكم وأنتم صامتون» (الخروج ١٤ / ١٤) ، وقوله : «فإن الرّب إلهكم السائر أمامكم هو يحارب عنكم كما صنع فى مصر على عيونكم» (تثنية الاشتراع ١ / ٣٠) ، وبمثل ذلك أطمعهم موسى فيه وفى ربّه ، ووافق هواهم ، ووراء ذلك أنهم كانوا يكرهون الموت ، ولا يعرفون الاستشهاد ، ويحبون الحياة.

* * *

٥٦٥. لما ذا انصراف المسلمين عن بيت المقدس قبلة اليهود؟

كل ما جاء به الإسلام كان على مراحل ، وتمّ على مهل ، واختيار القبلة من ذلك ، وكانت فى البداية إلى بيت المقدس ، ثم تحوّلت إلى البيت الحرام ، وجاء هذا التحوّل بعد الهجرة إلى المدينة ، وكان اسمها يثرب ، وأغلب سكانها من اليهود ، وساعد اليهود النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أول الأمر ، وكانت أمانيهم أن تكون مدينتهم يثرب مدينة الدعوة ، وأن يكون الدين الجديد هو التوحيد كديانتهم ، وأن يكون نسخة من الديانة اليهودية وإنما نسخة أممية أى للأمم ، وأكدوا أن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو نبىّ الأمم وليس من أنبيائهم ، وذلك أن ديانتهم يهودية محضة ، وكذلك أنبياؤهم يهود خلّص ، فإذا أفلحوا أن يجعلوا يثرب تنافس مكة بكعبتها ، وتستقطب العرب إليها ، فإنهم يكونون قد أفلحوا فى تحدّيهم لعظمة قريش الفكرية والتجارية ، وستكون مدينتهم يثرب هى مركز تجمّع العرب ثقافيا واقتصاديا ، وفى ذلك كل الفائدة لهم. وعن ابن عباس قال كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا هاجر إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها من اليهود ، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بضعة عشر شهرا ، وكان يحب

٥٠٣

قبلة إبراهيم ، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء ، فأنزل الله : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة ١٤٤) ، أى نحوه ، فارتابت من ذلك اليهود ، وقالوا : (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) (البقرة ١٤٢) فجاءهم الجواب ، قال : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة ١٤٣) ، وقال (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (البقرة ١١٥) ، وقال : (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ) (البقرة ١٤٣). وقال ابن عباس كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا سلّم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء ، فأنزل الله : (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) (البقرة ١٤٤) ، أى إلى الكعبة .. وعن ابن عباس أيضا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «البيت قبلة لأهل المسجد ، والمسجد قبلة لأهل الحرم ، والحرم قبلة لأهل الأرض فى مشارقها ومغاربها من أمّتى». وعن البراء فى رواية عبد الرزاق قال : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا ، أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلّى أول صلاة صلّاها قبل البيت صلاة العصر ، وصلّى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون فقال «أشهد بالله لقد صليت مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل مكة» ، فداروا كما هم قبل البيت. وكان الذى قد مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١٤٣) (البقرة ١٤٣).

وعن البراء قال كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلى نحو بيت المقدس ، ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله ، فأنزل الله : (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) (البقرة ١٤٤) ، فقال رجال من المسلمين : وددنا لو علمنا علم من مات منا قبل أن نصرّف إلى القبلة ، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) (البقرة ١٤٣) ، وقال السفهاء من الناس (وهم اليهود) : ما ولّاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها؟ فأنزل الله : (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١٤٣) (البقرة ١٤٣).

والمقصود أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم رغم صلاته إلى بيت المقدس لم تفارقه أبدا الرغبة أن

٥٠٤

تكون صلاته إلى الكعبة ، وهو المراد من قوله تعالى : (قِبْلَةً تَرْضاها) (البقرة ١٤٤) ، وهى ذاتها قبلة إبراهيم عليه‌السلام ، فأجيب إلى ذلك ، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق ، فخطب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأعلمهم بذلك ، وكان أول صلاة صلّاها إليها صلاة العصر. وقيل إن تحويل القبلة نزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقد صلى ركعتين من الظهر فى مسجد بنى سلمة ، فسمّى المسجد «مسجد القبلتين» ، وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثانى ، وعن ابن عمر قال : بينما الناس بقباء فى صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها ـ وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ، أخرجه الشيخان. ولمّا حدث ذلك حصل لبعض المسلمين من أهل النفاق شك ، وأرتاب اليهود فى نوايا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقالوا : (ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ) (البقرة ١٤٢) ، واستنكروا أن يستقبل المسلمون تارة بيت المقدس ، وتارة الكعبة ، فأنزل الله جوابهم : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (البقرة ١٤٢) ، (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (البقرة ١١٥) ، وكان ذلك التوجّه هو التوجّه الحق ، لأنه كان نحو أقدم بيت لله ، وهو البيت الذى بناه إبراهيم الخليل ، فكان المسلمون به موصولين بأبيهم وأبى الأنبياء والملل ، وأما بيت المقدس فقد صلى له داود ، وبناه سليمان ، وشتان بين عمل أتاه إبراهيم وعمل أتاه داود وسليمان ، والأنبياء والرسل مراتب. وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى اليهود : «إنهم لا يحسدوننا على شىء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التى هدانا الله لها وضلّوا عنها ، وعلى القبلة التى هدانا الله لها وضلّوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام آمين» رواه أحمد.

ولقد حوّلنا الله تعالى إلى قبلة إبراهيم واختارها لنا ليجعل من أمة الإسلام خير الأمم ، وفى ذلك أنزل : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة ١٤٣) ، يعنى لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم ، ففيكم تتمثل تعاليم وأعمال الآباء ، بدءا من إبراهيم ومن أتى بعده ؛ والوسط هنا هو الخيار والأجود ، كما يقال إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان وسطا فى قومه ، يعنى أوثقهم نسبا ، يتصل بهؤلاء وهؤلاء ، فالوسط موصول بكل الأطراف ، بينما الأطراف مقطوعة. وقد جعل الله هذه الأمة وسطا ـ أى موصولة بالجميع ، يقول : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة ١٢٦) ، ويقول : (هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً

٥٠٥

عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) (الحج ٧٨) ، فخصّ الله هذه الأمة بأكمل الشرائع ، وأقوم المناهج ، وأوضح المذاهب ، فاستحقّت أن تكون الشاهد على غيرها ، واستحق نبيّها أن يشهد عليها ، وعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «أنا وأمتى يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ، ما من الناس أحد إلّا ودّ أنه منا ، وما من نبىّ كذّبه قومه إلّا ونحن نشهد أنه قد بلّغ رسالة ربّه عزوجل». رواه أحمد.

وإنه لشىء عجيب اختصّ الله به هذه الأمة أن تجتمع جميعها على جهة واحدة ، يقول : (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة ١٥٠) ، فأمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض ، شرقا ، وغربا ، وشمالا ، وجنوبا ، فأية عظمة هذه! وأية نعمة!! ولا يستثنى من هذا سوى النافلة فى حالة السفر ، فإن المسلم يصليها حيثما توجه وقلبه نحو الكعبة ، وفى ساحات الوغى يصلى على أى حال ، وكذلك من جهل جهة القبلة يصلى باجتهاده وإن كان مخطئا ، فالإسلام أيسر الأديان ، والله تعالى دائما وأبدا لا يكلف النفوس إلا وسعها.

وكان اليهود على ثقة من أن قبلة المسلمين حتما ستتغير لتكون قبلة الآباء التى عرفوها وحفظوا عنها ، وأكد الله تعالى ظنهم وقال : (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) (البقرة ١٤٤) ، أى ليعلمون أنه تعالى سيوجه المسلمين إلى الكعبة : (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (البقرة ١٤٨) ، أى لكل أهل ديانة قبلتهم التى يرتضونها ، فلليهود وجهة ، وللنصارى وجهة ، وهذه وجهة أهل الإسلام ، كما فى قوله : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (المائدة ٤٨) ، يعنى من الخطأ أن يفرض على الناس شرعة ومنهجا واحدا ، وإنما لكل أمة شرعتها ومنهجها ، وإلّا لكانت أمم العالم أمة واحدة ولما كنا متباينين ، وفى التباين تمايز بحسب حاجات الأمم وخصائصها. وفى التباين بوسع الأمم أن تفعل بما يريحها ، وأن تستبق وغيرها فى الخيرات. واختيار الكعبة قبلة للمسلمين فيه ترسيخ لما اشتهر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه على الحنيفية السمحاء ملّة إبراهيم ، والإسلام هو الصورة العربية للحنيفية ، وكان إبراهيم أول المسلمين ، وهو الذى سمّى المسلمين ، فلا أقل من أن يتوجه المسلمون إلى الكعبة بيت الله الذى بناه إبراهيم ، كقوله تعالى : (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) (البقرة ١٥٠) ، أى بتوجّهكم إلى الكعبة تسقط مزاعم الناس عنكم ، ولا يصبح لأحد فضل عليكم ، فلا تخشوا بعد الآن أن يتقوّل المتعنتون ، أو يتأوّل الظالمون ، فلقد تمت عليكم نعمة الله ، واستكمل لكم شريعتكم

٥٠٦

من جميع وجوهها ، وصارت ديانتكم ديانة لها استقلاليتها ، وذاتيتها ، وفرديتها ، وصارت لكم بذلك تسميتكم الخاص بين الأمم والديانات : (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (البقرة ١٥٢) ، فكلما صلّيتم إلى قبلتكم إذن اذكروا هذه النعمة من الله ، واشكروه عليها ، وعن زيد بن أسلم أنّ موسى عليه‌السلام قال : يا ربّ كيف أشكرك؟ قال له ربّه : «تذكرنى ولا تنسانى ، فإذا ذكرتنى فقد شكرتنى ، وإذا نسيتنى فقد كفرتنى» ، وفى الحديث الصحيح يقول الله تعالى : «من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى ، ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه» ، وعن أنس عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «قال الله عزوجل : يا ابن آدم إن ذكرتنى فى نفسك ذكرتك فى نفسى ، وإن ذكرتنى فى ملأ ذكرتك فى ملأ خير منه ، وإن دنوت منى شبرا دنوت منك ذراعا ، وإن دنوت منى ذراعا دنوت منك باعا ، وإن أتيتنى تمشى أتيتك هرولة» ، نعمة من الله أى نعمة ، نشكره عليها ، ونصلى له إليها. ومن الله المنة وله الحمد.

* * *

٥٦٦. الخلاف بين اليهود والنصارى والمسلمين حول السبت والأحد والجمعة؟

السبت فى العبرية والعربية والسريانية هو اليوم بين الجمعة والأحد ، وهو الدهر أيضا ، ومنها السبتة أى البرهة من الزمان ، بمعنى استراح ، والكلمة أرسخ فى العربية ويتخارج منها نحو خمس وعشرين لفظة بمعان مختلفة ، وليس الأمر كذلك فى العبرية ولا فى السريانية. ويأتى السبت بمشتقاته فى القرآن تسع مرات. وفى التوراة لا يأتى السبت إلا فى معنى واحد هو يوم الراحة بين الجمعة والأحد ، ومع ذلك فإن معنى السبت فى اللغة يقتضى فعلا أن يكون يوم الراحة ، لأنه اليوم الذى يكون به السبوت من أيام الأسبوع ، فأما الأحد : فهو اليوم الأول من أسبوع العمل بعد الراحة ؛ والاثنين اليوم الثانى ، والثلاثاء الثالث ؛ والأربعاء الرابع ؛ والخميس : الخامس ؛ فأما الجمعة فهو يوم الجمع أى الصلاة جماعة ، ويوم العيد عند المسلمين من أيام الأسبوع. وفى اليهودية السبت يوم مبارك ، ويأتى فى سفر التكوين : «لذلك بارك الله يوم السبت وقدّسه ، ولأن فيه استراح الربّ من جميع أعماله» (الفصل الثانى / ١ ـ ٣) ، ويعادل ذلك فى القرآن قوله تعالى : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (الأعراف ٥٤) ، إلا أن معنى الاستراحة هذا فى التوراة ليس فى القرآن ، وإنما فى القرآن أن الله انتهى من الخلق فى ستة أيام ، ثم إنه تعالى استوى على عرش الوجود ، بمعنى أنه صار له الملكوت والتمكّن ، وآل إليه أمر كل شىء ، يعنى به ويتصرف فيه ، فالنهار أتبعه بالليل ، وسخّر

٥٠٧

الشمس والقمر والنجوم ، وفى آية أخرى قال : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (يونس ٣) ، بمعنى أنه صار له أمر التدبير بعد الانتهاء من الخلق ، والتدبير فيه الحكمة ومطلق التصرف ، ولا شفاعة فى التدبير إلا لمن يأذن له. وفى آية أخرى قال : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (هود ٧) فأخبر أن ملكوته كان على الماء قبل خلق السموات والأرض ، أى لم يكن ثمة إلا الماء ، فخلق الخلق ابتلاء. وفى آية أخرى قال : (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) (الفرقان ٥٩) ، أى أنه فى ستة أيام انتهى من الخلق واستقرت له أحواله ، والاستواء هو الاستقرار ، والاستقرار المكانى محال على الله ، والعبارة كناية عن استيلائه على الملك وتصرفه فيه برحمته ، فاسأل العلماء الخبراء عن تدبيره ورحمته بما خلق وسوّى ، يطلعونك على ما يعرفون من عظمة ما خلق ، وحسن التدبير له والتصريف فيه. وفى آية أخرى قالت : (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ) (السجدة ٤) ، أى أنه تعالى وقد خلق الكون كله بهذا التقدير الحكيم والتدبير النظيم لا يمكن أن يكون إلا إلها واحدا سبحانه ، فليس هناك من آخر يمكن أن تتوجهوا إليه وتتخذوه مولى وشفيعا من دونه. وفى آية أخرى : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) (ق ٣٨) ، واللغوب : هو التعب والإعياء ، أى أنه تعالى خلق ولم يمسه التعب ، ولم يلحقه الإعياء ، فلما ذا إذن يستريح كما تقول التوراة؟ والقرآن فى هذه الآيات السابقة وفى هذه الآية ، ينكر على التوراة المعنى الذى تقول به حول يوم السبت من أيام الله. وفى آية أخرى قال : (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (الحديد ٤) ، أى أنه وقد خلق السموات والأرض له مطلق العلم بكل ما فيهما من مجريات ، ومنه تتنزل التدبيرات بمقتضى الحكمة ، وترجع إليه الأمور يقضى فيها ويتصرف بعلمه وتدبيره ، وهو العليم بما يهجس فى الصدور ، ويجيش فى النفوس ، ويخطر فى العقول ، سبحانه ، فهو فى عمل دائب ، لا يكلّ ولا يمل ، سبحانه ، فكيف يستريح؟؟ وإنما اليهود قالوا بذلك فى التوراة التى كتبها عزرا وآخرون ليشابهوا ذلك بالسبت فيجعلوه يوم راحة ، ومنطقهم فى ذلك أن الله استراح فى السبت بعد ستة أيام عمل ، وكذلك ينبغى أن يفعل الإنسان بعد ستة أيام عمل ، ثم يتأيد معنى الراحة يفرضه

٥٠٨

الله على اليهود ، فيمنع نزول المن لهم فى يوم السبت حتى يستريحوا (الخروج ١٦ / ٢٢ ـ ٣٠) ، وبعد ذلك يتطور معنى السبت عندهم فلا يعود يوم راحة وإنما يوم عذاب وشفاء ، وفى الوصية الرابعة من وصايا موسى يأمره الله أن يحفظ السبت لأنه يوم مبارك ومقدس ـ لما ذا؟ ربما تيمنا بما فعل الله فيه ، واحتفالا وإحياء لفعله فيه وهو الراحة. إلا أنهم جعلوا قداسة السبت سيفا مصلتا على الرقاب ، فلما كسر أحد اليهود يوم السبت رجموه بأمر موسى (العدد ١٥ / ٣٢ ـ ٣٦). ويقول علماء النصرانية : إن قداسة السبت نقلها اليهود عن البابليين ، وكان البابليون يحفظون اليوم السابع من الأسبوع ، وتقوم شرائعهم على أن لا يتناولوا اللحم المطبوخ يوم السبت ، ولا يغيّروا ثيابهم ، ولا يلبسوا ثيابا نظيفة ، ولا يقدّموا ذبائح ، ولا يركبوا عربات ، ولا يتناولوا مسألة من المسائل ، ولا يتحدثوا فى أمر من الأمور ، ولا يتعالجوا ، ولا يتطبّبوا ، ولا يستحموا. ومن العجيب أن يتهم اليهود الإسلام بأنه ديانة شكلية تهتم بالحرفية والطقوس ولا تهتم بالروح ، مع أنهم حوّلوا السبت إلى عبادة شكلية ولم يحفظوه حفظا روحيا. وفى الإسلام الجمعة هو يوم المسلمين ، يجتمعون فيه كل أسبوع. والجمعة هو اليوم السادس من الأسبوع ، أى اليوم الذى أتم الله فيه خلق العالم ، فالأجدر أن يكون الاحتفال بنهاية هذا العمل العظيم فى يوم الانتهاء منه ، وأن يكون ذلك بالحمد لله والشكر له جماعة. ولقد اختار اليهود السبت ليقرّوا فيه ويستريحوا ، فألزمهم الله به ولم يلتزموا ، وبيّنت أسفار العهد القديم عدم التزامهم ونبّهت إليه (ملوك ثان ٤ / ٢٣) ـ وعاموس ٨ / ٥ ـ وهوشع ٢ / ١١ ـ وإشعيا ١ / ١٣ ـ وحزقيال ٤٦ / ٣). وفى فترة السبى نسوا السبت (نحميا ١٠ / ٣١ ـ و ١٣ / ١٥ ـ ٢٢) ، واشتغلوا بالحرب يوم السبت (١ مقابيون ٢ / ٣٩ ـ ٤١) ، وخالفوا العهد مع الله ونقضوا ميثاقه ، وفى ذلك يقول القرآن (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) (٦٥) (البقرة) ، ويقول : (وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) (١٥٤) (النساء) ، إشارة إلى نقمة الله تعالى من أهل القرية اليهودية الساحلية لاحتيالهم فى مخالفة السبت ، قال : (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) (١٦٦) (الأعراف). والقرآن يقرر ما قررته التوراة من قبل : أن اليهود انقسموا إزاء السبت

٥٠٩

إلى ثلاث فرق ، ففرقة ارتكبت المحذور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت ، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم ، وفرقة سكتت فلم تفعل ، ولم تثنهم ، ولكنها أضمرت الإنكار ، فهذا ما أورد عنه القرآن عن الله تعالى حيث يقول : (إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (١٢٤) (النحل) ، وما يزالون مختلفين فى إسرائيل حتى اليوم وسيظلون كذلك إلى أبد الآبدين ، فقد نسوا أن السبت كان رحمة للناس ، وجاء المسيح فنازعهم فيه أشدّ المنازعة ، فقد فهموا أن حفظ السبت مسألة شكلية ، وصاروا عبيدا للسبت ، وكان المسيح يعلّم : أن السبت إنما جعل للإنسان وليس الإنسان للسبت (مرقس ٢ / ٢٧) ، وعالج مريضا فى السبت فعاتبوه ، فقال أهو خير أم شرّ أن تعالج إنسانا يوم السبت؟ أيهما الأفضل ، أن تتركه يهلك أو تشفيه؟ فكأن المسيح أراد أن يعيد للسبت معناه الحقيقى : أنه يوم خدمة وشكر للربّ وليس يوم بطالة ، وهو نفس المعنى الذى تنصرف إليه الآيات فى القرآن أن الله ما كان يمكن أن يخلق العالم ويتركه دون عنايته ورعايته وحفظه وتدبيره ، فإذا كان يوم السبت هو يوم الرّب ، فليكن يوم رحمة وتواصل وتحابّ ومودة بين الناس أجمعين. واحتفل النصارى بعد ذلك بالأحد كبداية للأسبوع ، لأنه فى الأحد كانت قيامة المسيح ، وفيه كان اجتماعه دائما بتلاميذه. وفى الأحد يصلون للرّب عرفانا بالجميل ، مثلما فعل المسلمون بيوم الجمعة وهو آخر أيام العمل الستة عند الله ، يصلون لله جماعة ، ويشكرونه ويحمدونه ويسبّحون له ، ويذكرونه كثيرا ، ويتواصلون ويتراحمون ويتعاهدون على الخير ، بما فرض الله تعالى عليهم فى قوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (١٠) (الجمعة) والجمعة : سميت جمعة لأنها مشتقة من الجمع ، والجمع هم الأمّة. والجمعة عيد أمة الإسلام ، وكانوا فى الجاهلية يسمونه يوم العروبة ، وفلسفة الإسلام فيه أنه اليوم الذى أكمل الله فيه الخلائق ، وفيه ستكون نهايتهم فى الآخرة يوم ينفخ فى الصور ؛ وفلسفة اليهود فى السبت : أنه اليوم الذى استراح فيه الله من الخلق ؛ وفلسفة النصارى فى الأحد أنه اليوم الذى ابتدأ الله به الخلق ، وفى ذلك جاء عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم إن هذا يومهم الذى فرض الله عليهم فاختلفوا فيه ، فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبّع ، اليهود غدا ، والنصارى بعد غد» رواه أبو هريرة وأخرجه البخارى ومسلم. فافهم يا أخى المسلم ، وافهمى يا أختى المسلّمة ، كم أكرمنا الله ، وله الحمد وله المنّة سبحانه وتعالى.

* * *

٥١٠

٥٦٧. الخلاف حول جبريل وميكال بين اليهود والمسلمين

من أقوال اليهود للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه ليس نبىّ من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربّه بالرسالة وبالوحى ، فمن صاحبك حتى نتابعك؟ قال : «جبريل» ، قالوا : ذاك الذى ينزل بالحرب وبالقتال ، ذاك عدونا! لو قلت ميكائيل الذى ينزل بالقطر (أى المطر) ، وبالرحمة ، تابعناك. فأنزل الله الآية (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ) (٩٨) (البقرة).

والقرآن عمّ الملائكة وخصّ جبريل وميكال بالذكر كردّ على اليهود. وفى كتبهم لم يذكر هذان الملكان إلا فى سفر دانيال ، وهو رؤيا ليهودى من يهود المهجر ممن سباهم نبوخدنصر واقتيد إلى بابل ، والسفر عبارة عن حلم يقظة ، ويرى فيه جبريل يؤمر أن يبيّن لدانيال معنى الرؤيا التى رآها (٨ / ١٦). وفى نفس السفر يأتى أن ميكال هو رئيس الملائكة (١٠ / ٢١). ولا شىء أكثر من ذلك. وفى القرآن : أن جبريل هو روح القدس ، يقول : (وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) (٨٧) (البقرة) أى أيّد عيسى بجبريل ، ونفخ جبريل فى مريم ، ونزل بالقرآن على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفيه يقول الشاعر :

وجبريل رسول الله فينا

وروح القدس ليس به خفاء

وسمّى روحا وأضيف إلى القدس ، لأنه كان بتكوين الله روحا من غير ولادة والد ولا والدة ، وكذلك سمى عيسى روحا : (وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (١٧١) (النساء) لأنه لم يكن له والد وإن كانت له والدة. والقدس هو الله ، والصفة منه القدّوس أى المطهّر. من أسمائه تعالى الحسنى.

* * *

٥٦٨. الجنة للمتقين وليست لليهود أو النصارى

اليهود والنصارى على الدعوى أنه لن يدخل الجنة سواهم : (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (١١٢) (البقرة) ، ودعواهم باطلة ، لأنه لا برهان ولا دليل لهم على صدقها ، وطلب الدليل فى الآية يقتضى إثبات النظر ويردّ على من ينفيه ، والآية تكذّبهم وتصحّح ما يقولون ، وكأنهم سألوا : أما يدخل الجنة أحد؟ فقيل بلى ، من أسلم وجهه لله وأخلص عمله ، فذلك الذى يدخل الجنة. وخصّ الوجه بالذكر لأنه أشرف ما يرى فى الإنسان ، وموضع الحواس ، وفيه يظهر العز والذل. فالتقوى إذن هى الفيصل ، ولا عنصرية فى الآخرة ولا محاباة.

* * *

٥١١

٥٦٩. قال اليهود كيف نتبع رجلا لا يدرى ما يفعل به؟

قالوا ذلك لما نزلت الآية : (وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) (٩) (الأحقاف) ، وفى الرواية من الإسرائيليات أن قولهم اشتد على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأنزل الله تعالى : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) (٢) (الفتح). والصحيح أن الآية الأولى خاصة بنزول القرآن وحيا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنه لا يتّبع إلا ما يوحى إليه ، وأنه لا يدرى ما يفعل به ولا بهم ، فذلك من أمور الله سبحانه ، وأنه ليس سوى نذير مبين كغيره من الأنبياء ممن سبقوه. وأما الآية الثانية فهى لطمأنة المسلمين حيث كانوا قد كرهوا صلح الحديبية ، فنزلت سورة الفتح جميعها لبيان أن هذا الصلح يرقى إلى مقام الفتح ، وأنه ليس إلا مقدمة لفتح أكبر وأكبر ، لمكة ، ثم لخيبر ، ثم لكل بلاد الإسلام من بعد ، شرقا وغربا فى كل أقطار الدنيا.

* * *

٥٧٠. الختان من ملة إبراهيم

فى اليهودية والإسلام فإن إبراهيم أول من اختتن ، وفى كتب اليهود «وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة عند ختنه لحم قلفته» (التكوين ١٧ / ٢٤) واختتن معه ابنه إسماعيل وكل رجال منزله. وفى الحديث عن أبى هريرة «اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة» ، وفى كتب اليهود أنه عاش مائة سنة وخمسا وسبعين (التكوين ٢٥ / ٧).

والختان وإن لم يكن فى القرآن صراحة إلا أنه ضمن قوله تعالى : (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) (١٢٣) (النحل) ، وقوله : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (١٣٠) (البقرة) ، وقوله : (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) (النساء ١٢٥) ، وذلك دليل على وجوبه ، ويباح عموما لمصلحة الجسم بحسب رأى الطبيب ، وفى الحديث : «الختان سنّة للرجال ، مكرمة للنساء» أخرجه أحمد ، والحديث فى إسناده ضعف ، وعن أبى هريرة «الفطرة خمس ...» أخرجه البخارى ، أولها الاختتان. والحديث عن ختان النساء عن أم عطية : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لها : «لا تنهكى فإن ذلك أحظى للمرأة وأحبّ للبعل» أخرجه أبو داود ، وقال فيه ضعف حيث راويه مجهول ، والنهك المبالغة فى كل شىء ، وفى رواية أخرى قال لها : «لا تنهكى فإنه أنور للوجه وأحظى عند الرجل». وقد يولد الصبى مختونا فيكفى مئونة الختان ، والنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولد كذلك ، وقيل ختنه عبد المطلب فى اليوم السابع من مولده ، وجعل له مأدبة ، وسمّاه محمدا. والحديث مسند غريب.

٥١٢

وختان الصبى فى اليوم السابع ، وختن إسحاق بن إبراهيم فى اليوم السابع ، وقيل هذا شأن اليهود فلما ذا يلتزم به المسلمون؟ والجواب ما أسلفنا أنه سنّة ويفهم وجوبا من آيات القرآن السابقة. وفى الإسلام يختن الصبى ما بين سبع إلى عشر سنين ، وقيل لم يكن يختن حتى يدرك أو يقارب الاحتلام. والمستحب من الكبير إذا أسلم أن يختتن ، ويرخّص عدم اختتانه إذا لم يكن يقدر ، والخلاصة : أن الاختتان للذكور واجب ، وليس بواجب للإناث ، وإذا اختتنت الأنثى فلا تنهك ، ولم يعرف عن بنات النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنهن اختتن ، ولا عن عائشة ، ولا زوجات النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والاختتان عند اليهود قاصر على الذكور ولا يسرى على الإناث ، وفى سفر التكوين يأتى عن الربّ لإبراهيم : «فاحفظ عهدى أنت ونسلك من بعدك مدى أجيالهم. هذا هو عهدى الذى تحفظونه بينى وبينكم وبين نسلك من بعدك : يختن كل ذكر منكم فتختنون القلفة من أبدانكم ويكون ذلك علامة عهد بينى وبينكم «(١٧ / ٩ ـ ١١) ، فقصر الختان ومن ثم العهد على الذكور دون الإناث ، وذلك دليل على تدنّى مكانة المرأة فى اليهودية ، وأنه لا عهد لها مع الله.

* * *

٥٧١. العداوة والبغضاء حظ النصارى إلى يوم القيامة

النصارى سمّوا كذلك لاتباعهم عيسى الناصرى ـ من بلدة الناصرة ، وبعد عيسى انقسموا فرقا بحسب حوارييهم ، فكل جماعة اتبعت إنجيلا ، وكانت لهم تفسيرات وتأويلات ، فقالوا المسيح ابن الله ، وقالت جماعة هو نبىّ ، وقال آخرون هو الله ، وخالفوا بعضهم البعض ، حتى فى الرواية عن عيسى كانت لهم مخالفات ، وكثرت الأناجيل فأجازت الكنيسة أربعة ، وحرّمت غيرها ، كإنجيل يعقوب ، وإنجيل نيقوديموس ، وإنجيل الأبيونيين ، وإنجيل المصريين ، وإنجيل العبرانيين ، وإنجيل الناسيين ، وإنجيل بطرس ، وإنجيل توما ، وإنجيل الطفولية إلخ ، وأخبر القرآن بذلك كله ، وما كان من الممكن لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يلم بها ويعلم عنها وهو العربى الأمىّ ، وهذا دليل على نبوته ، وعلى أن القرآن من لدن الله العليم ، ومن ذلك وصفه الدقيق لخلاف النصارى حيث يقول : (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) (١٤) (المائدة) ، والعداوة والبغضاء لا توصف بين الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت ، وبين الكنائس الجديدة والكنائس القديمة ، ووصل الحد إلى الاقتتال فى أيرلندا ، وخلال الحرب العالمية الأولى والثانية ، فالمحور كانوا بروتستانت ، والحلفاء كانوا غالبا كاثوليك وهكذا ، ولما جاء بابا روما فى زيارة لمصر رفض البابا شنودة لقاءه للعداء بين الكاثوليك والأرثوذكس.

* * *

٥١٣

٥٧٢. قول النصارى المسيح ابن الله

يقول تعالى : (وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) (٣٠) (التوبة) ، وظاهر النصارى أنها «بنوة النسل» كما قال المشركون فى الملائكة أنهم «بنات الله» كقوله تعالى : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ) (٥٧) (النحل) ، وقوله :

تعالى : (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ) (١٠٠) (الأنعام) يعنى اختلفوا وافتعلوا له البنين والبنات. ومقالة النصارى أن المسيح إله وأنه ابن إله ، هى أشنع الكفر ، وقال بعضهم هى «بنوة رحمة» وليست بنوة نسل ، وهو أيضا كفر ، وفى اعتقادهم أنه لا يحق أن تطلق البنوة كلية على نسبة المسيح إلى الله. وهو قول ساذج كما ترى ـ قولهم بأفواههم ـ يعنى أنه كلام ، ولا بيان فيه ولا برهان ، ولا معنى تحته صحيح ، لأنهم معترفون بأن الله سبحانه لم يتخذ صاحبة فكيف يزعمون أن له ولدا؟ وإن قالوا إن المسيح نفخة من الله فى مريم ، فهو من روح الله ، وله من ثمّ طبيعتان : طبيعة إلهية عن الله ، وطبيعة بشرية عن مريم ، وأن الذى صلب منه لذلك كان البشرى أو الناسوتى ، وأمّا الإلهى أو اللاهوتى فقد ارتفع ، فهو أيضا كلام لا معنى له ولا سند ، لأن آدم نفخ فيه من روح الله ، وكذلك حواء ، وكل حيى لا بد فيه من روح الله ، فقول النصارى إذن متهافت ، وهو قول لسانى فقط ، بخلاف الأقوال الصحيحة التى تقصدها الأدلة ويقوم عليها البرهان.

* * *

٥٧٣. قالوا اتخذ الرحمن ولدا

هؤلاء هم الذين قيل فيهم : (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ) (٢٦) (الأنبياء) ، وهم النصارى عبدوا المسيح ، واليهود عبدوا أنفسهم وشعبهم ، وعبدوا عزير وصدّقوا ما كتبه باعتباره التوراة ، وأنه موحى إليه لأنه ابن الله يعنى حبيبه وصفيّه وخليله ، وعبد العرب من خزاعة الملائكة ، فكاد الجواب عليهم بل هم عباد مكرمون وليسوا أولادا لله ، ولا تبنّاهم أولادا ، ووصفهم فقال : (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) (٢٩) (الأنبياء). ولمّا ادّعى إبليس الشركة مع الله ، ودعا إلى عبادة نفسه وهو من الملائكة ، توعّده الله بعذاب مقيم ، وهذا دليل على أن الرسل كالمسيح وإن أكرموا بالعصمة ، إلا أن الناس يعبدونهم ، ولا ذنب للرسل فيما نسبه الناس إليهم.

* * *

٥١٤

٥٧٤. النصارى جعلوا المسيح شريكا لله مع أنه من عباده

فى الآية : (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ) (٢٨) (الروم) ، والمثل يعنى أنكم لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاء لكم كأنفسكم فيما تملكون ، ومع ذلك جعلتم من عباد الله شركاء له ـ وهو قول النصارى : المسيح ابن الله ، أو هو الله. والآية أصل فى الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ، ونفى هذه الشركة عن الله. وقولهم «المسيح ابن الله» ، يعنى هو «شريكه» ، وهو حكم فاسد ، وقلة نظر ، وعمى قلب.

* * *

٥٧٥. النصارى اتخذوا إلها لا يقدر على حماية نفسه ولا من معه

هؤلاء قالوا «المسيح ابن الله» ، وأنه «الرّب» ، وما استطاع المسيح أن يحمى نفسه ولا من معه ، وهذا دليل على أنه بشر من بشر ، ومثله مثل آدم وحواء. وفى إنجيل متى (٢٧ / ٢٦ ـ ٤٦) يجيء أن اليهود جلدوا المسيح ، ونزعوا ثيابه وألبسوه رداء قرمزيا ، ووضعوا.

إكليلا من الشوك على رأسه ، وهزءوا به ، وبصقوا عليه ، وضربوه بالعصى ، وسقوه خمرا مرّة ، وصلبوه ، فلم يملك إلا أن يقول فى عجب : يا إلهى لما ذا هجرتنى؟ لما ذا تركتنى؟ وفى ذلك دليل أى دليل على أن كل معجزاته كانت بأمر الله وإذنه ، وأنه ما كان يستطيع أن يفعل شيئا من تلقاء نفسه ، لأنه ليس إلا بشرا من بشر. وما استطاع تلاميذه أن يحموه أو يدفعوا عنه ، ولا هو نجىّ نفسه.

* * *

٥٧٦. النصارى قالوا ثلاثة

اعتقاد النصارى أن آلهتهم ثلاثة ، ويسمون ذلك التثليث ، يريدون بالتثليث : الأب والابن وروح القدس ، ويقولون الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم ، ويجعلون كل أقنوم إلها ، ويعنون بالأقانيم : الوجود والحياة والعلم ؛ فالأب : هو الوجود ؛ والابن : المسيح ؛ والروح :

الحياة ؛ ومحصول كلامهم أن عيسى إله بما أجراه الله على يديه من خوارق ، ومذهبهم فيه مذهب الهنود فى كريشنا : أنه قتل وصلب ليخلّص الإنسان ويفتديه من الخطيئة ، فهو المخلّص الفادى الذى يخلص الناس من عقوبة الخطايا ويفديهم بنفسه ـ فلا كريشنا خلّص الهنود ، ولا المسيح خلّص النصارى!

* * *

٥٧٧. الأحبار والرهبان والربّانيون والرهبانية

الأحبار : هم علماء اليهود ، جمع حبر ـ وهو الذى يحسن القول وينظمه ويتقنه بحسن

٥١٥

البيان عنه ، ويقال فى الواحد حبر بالكسر ، والأصح حبر بالفتح ، مأخوذ من التحبير وهو التحسين ، والأحبار يحبّرون العلم ، أى يبيّنونه ويزيّنونه ، وهو محبّر فى صدورهم ؛ وأما الرهبان : فهم مجتهد والنصارى فى العبادة ، جمع راهب ، مأخوذ من الرهبة ، لأنه يرهب الله ويخافه ، وخوفه هو الذى يحمله على أن يخلص له النية دون الناس ، ويجعل زمانه له ، وعمله معه ، وأنسه به. والربّانيون : هم علماء اليهود الحكماء ، يسوسون الناس بالعلم ، ويربونهم بدءا من الصغار. وهؤلاء جميعا استحفظوا على التوراة ، واستودعوا من علمها (المائدة ٤٤) ، وأنزلهم الناس منازل عليّة ، وجعلوهم كالأرباب (التوبة ٣١) ، حتى أطاعوهم فى كل شىء ، وسئل حذيفة. عن معنى : (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) (٣١) (التوبة) هل عبدوهم؟ فقال : لا ، ولكن احلّوا لهم الحرام فاستحلّوه ، وحرّموا عليهم الحلال فحرّموه. وفى الآية : (إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) (٣٤) (التوبة). أن هؤلاء كانوا يأخذون من أموال أتباعهم فروضا باسم الكنائس والبيع ، ويوهمونهم أنهم ينفقونها شرعا وتزلفا إلى الله ، فى حين كانوا يحجبونها. وقيل : كانوا يأخذون من غلات الناس وأموالهم فروضا باسم حماية الدين. وقيل : كانوا يرتشون كالحكام. (انظر الرهبانية).

* * *

٥٧٨. الرهبانية

الرهبانية نسبة إلى الرهبان ، جمع راهب ، سمّوا كذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات بالامتناع من المطعم ، والمشرب ، والمنكح ، وتعلّقوا بالكهوف والصوامع والأديرة ، فلمّا أعمل الرومان القتل فى النصارى فى بداية الدعوة ، اعتزل الرهبان الناس ولحقوا بالبرارى والجبال ، ورفضوا النساء ، وفيهم نزلت الآية : (وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) (٢٧) (الحديد) ، إشارة إلى أنهم أمروا فى الإنجيل بالمحبة وعدم إيذاء الناس ، وألان الله قلوبهم ، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرّفوا الكلم. غير أن النصارى وقد أعطاهم الله عبادته ـ غيّروا وابتدعوا ، وحملوا أنفسهم على المشقات ، وما كان الله ليأمرهم إلا بما يرضى عنه ، ومع ذلك لم يرعوا رضاه تعالى وتسببوا بالترهّب إلى طلب الرئاسة وأكل الأموال ، وفسق منهم كثيرون ، قال تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) (٣٤) (التوبة) وفى حديث. أبى أمامة الباهلى : أن رجلا أتى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يريد

٥١٦

الرهبانية ، فقال له : «إنى لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ، ولكنى بعثت بالحنيفية السمحة. والذى نفس محمد بيده لغدوة أو روحة فى سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ، ولمقام أحدكم فى الصف الأول خير من صلاته ستين سنة» أخرجه أحمد ، وفى الحديث عن ابن مسعود فى تاريخ الرهبانية : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال له : «ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى يعملون بمعاصى الله ، فغضب أهل الإيمان ، فقاتلوهم ، فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات ، فلم يبق منهم إلا القليل ، فقالوا : إن أفتونا فلم يبق للدين أحد يدعون إليه ، فتعالوا نفترق فى الأرض إلى أن يبعث الله النبىّ الأمىّ الذى وعدنا عيسى ، فتفرّقوا فى غيران الجبال ، وأحدثوا رهبانية ، فمنهم من تمسّك بدينه ، ومنهم من كفر» ، قال : ثم تلا «ورهبانية» الآية قال : «أتدري ما رهبانية أمتى؟ الهجرة ، والجهاد ، والصوم والصلاة ، والحج والعمرة ، والتكبير على التلاع» ، وقال : «اختلف من كان قبلكم من اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، فنجا منهم فرقة ، وهلك سائرها. واختلف من كان قبلكم من النصارى على اثنين وسبعين فرقة ، فنجا منهم ثلاثة وهلك سائرهم : فرقة وازت الملوك وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى حتى قتلوا ؛ وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ، أقاموا بين ظهرانى قومهم فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ، فأخذتهم الملوك وقتلتهم وقطّعتهم بالمناشير ، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ، ولا بأن يقيموا بين ظهرانىّ قومهم فيدعوهم إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم ، فساحوا فى الجبال وترهّبوا فيها ، وهى التى قال الله تعالى فيهم : «ورهبانية ابتدعوها» الآية ، وحال الرهبانية الآن من أسوأ الأحوال ، ومنذ فترة قريبة اشتهرت فى مصر فضيحة كان لها دوى كبير فى المحاكم وبين الناس.

* * *

٥٧٩. ميثاق النصارى

يقول تعالى : (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) (١٤) (المائدة) ، وميثاق النصارى هو التوحيد والإيمان بالله ، ففي إنجيل متى (٤ / ١٠) ، وإنجيل لوقا (٤ / ٨) يجيء : «للرّب إلهك تسجد ؛ وإياه وحده تعبد». وكما ترى العبارتان تقران أن الله واحد. وفى إنجيل مرقس (٢ / ٧) ، وإنجيل لوقا (٥ / ٢١) يجيء : «فمن يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله الواحد وحده»؟ وفى إنجيل مرقس (١٢ / ٢٩) وإنجيل متى (٢٢ / ٣٧ ـ ٣٨) ، وإنجيل لوقا (١٠ / ٢٧) يجيء : «إن الرّب إلهنا هو ربّ واحد». وفى إنجيل مرقس (١٢ / ٣٢) يجيء : «إن الله واحد». وفى إنجيل يوحنا (٥ / ٤٤ ٥) : «الله الواحد وحده». وفى الرسالة إلى رومية (٣ / ٣٠) يأتى : لأن الله واحد : وفيها أيضا (١٠ / ١٢) : «للجميع ربّ واحد» ؛ وفى الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس يأتى : «لا إله إلا

٥١٧

واحد» (٨ / ٤) ، «ولنا إله واحد» (٨ / ٦) ، «والله واحد» (١٢ / ٦) ؛ وفى الرسالة إلى غلاطية يأتى : الله واحد (٣ / ٢٠) ؛ وفى الرسالة إلى أهل إفسس يأتى : «واحد هو الله» (٤ / ٦) ، وفى الرسائل إلى تيموثيئوس : «الله وحده» (١ / ١٧) ، و ـ : «الله واحد» (٢ / ٥) ؛ وفى رسالة يعقوب : «الله واحد» (٢ / ١٩) ، و ـ : «واحد هو الديّان» (٤ / ١٢) ؛ وفى رسالة يهوذا : «للإله الوحيد» (٢٥) ، وفى رؤيا يوحنا : أنا هو الألف والياء ، البداية والنهاية (١ / ٨ ـ ٢٢ / ١٣) ، و ـ «أنا هو الأول والآخر» (١ / ١٧) / وكما ترى فإن الواحدية هى الدعوة فى كل ما سبق ولكن الأكثرية نسوا حظا مما ذكّروا به ـ أى هذه الواحدية ، واختلفوا فيما بينهم حتى صاروا فرقا وشيعا يكره بعضهم بعضا ، ويحرّم بعضهم أن يصلوا مع البعض ، أو يدخلوا كنائسهم ، أو يتزوّجوا منهم ، ومن هذه الفرق الكبرى عندهم : الكاثوليكية ، والأرثوذوكسية ، والبروتستانتيه ، وليست الحرب بين الإيرلنديين إلا حربا بين كاثوليك وبروتستانت ، ولقد كفروا جميعا لمّا قالوا بالتثليث : الأب ، الابن ، وروح القدس ؛ فالأب أو الأب هو الإله الواحد ، قالوا فيه إنه أحديّ الذات ، مثلث الأقانيم أى الصفات ، فالله هو الأصل ، وهو العقل ، والمسيح حكمته ، جسّدت العقل ، فكان الابن ، لا بمعنى الابن ، بل لأنه صورة الله ، وهؤلاء الثلاثة واحد ، والأب هو المرسل ، والروح القدس هو المرسل ، والابن سرّ الإرسالية. وكما ترى هذه فلسفة وليست ديانة! ومضمونها كله ليس الأب ولا الروح القدس ، وإنما الابن ، ولم يكن من فراغ أن سمّى المسيحيون بهذا الاسم لأنهم عبدة المسيح وليسوا عبّاد الله ، ولذلك أخطأ المستشرقون حينما حاولوا أن يسموا المسلمين «المحمديين» ، اعتقادا بأنهم عبدة محمد مثلما المسيحيون عبدة المسيح ، فهل حفظ النصارى ميثاقهم مع الله؟

* * *

٥٨٠. الحواريون : مصطلح إسلامى أم نصرانى؟

يأتى مصطلح «الحواريون apostles فى القرآن والحديث معا ، والمفرد حوارى ، من حار أى جادل وجاوب ، كقوله تعالى : (فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ) (٣٤) (الكهف) أى يخاصمه ويردّ عليه. والحوارى فى اللغة مبيضّ الثياب ، ومجازا هو الذى أخلص واختير ونقّى من كل عيب. ويقال : هو حوارى فلان ، يعنى من أصحابه وأنصاره ـ والحواريون أصلا هم أنصار عيسى عليه‌السلام ، وفى الأناجيل المقصود بهم تلاميذه. ولا يرد مصطلح «الحواريون» بنصّه فى الأناجيل وإنما الذى يرد هو مصطلح «التلاميذ» : وهم المتلقون عن معلّم ؛ وأما الحواريون فهم أرقى من التلاميذ ، لأنهم يناقشون ويحاورون ويتحاورون بغية

٥١٨

الوصول إلى الحق ، فمصطلح «الحواريون» القرآنى أفضل من مصطلح «التلاميذ» الإنجيلى. ثم إن من تلاميذ المسيح من غير الاثنى عشر من كانوا قصّارين أى مبيّضين وهو معنى لفظة «حواريون». والأكثر تداولا فى القرآن وعند المسلمين مصطلح «الأنصار» ويقابله مصطلح «المهاجرون» ، كقوله تعالى : (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) (١٠٠) (التوبة). وحواريو المسيح أو تلاميذه كانوا فى المشهور عنهم : اثنى عشر ، يرد عنهم فى إنجيل متّى فى الفصل العاشر ٢ / ٥ ، أنهم : سمعان المدعو بطرس ، وأندراوس أخوه ، ويعقوب بن زبدى ، ويوحنا أخوه ، وفيلبس ، وبرتلوماوس ، وتوما ، ومتّى العشّار ويعقوب بن حلفى ، وتداوس ، وسمعان القانوىّ ، ويهوذا الإسخريوطىّ الذى أسلمه ، فهؤلاء اثنا عشر حواريا أو تلميذا ، قيل : كانوا يرتدون الملابس البيضاء ، فاسمهم الحواريين لذلك ، لأن الحوارى هو الذى يبيّض ثيابه ، من حوّر الثوب أى بيضه ، والحوارى بخلاف الحواريّ وهو الدقيق الأبيض أو أى شىء أبيض. وقيل الحوارى هو الصيّاد ، وكان بطرس ، وأندراوس ، ويعقوب بن زبدى من صيّادى الأسماك.

واستخدم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مصطلح الحوارى ، وفى الحديث فى الصحيحين : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا ندب الناس يوم الأحزاب ، انتدب الزبير فقال : «لكل نبىّ حوارىّ ، وحواريّى الزبير» ، فهو حواريه من الرجال مثلما عائشة حواريته من النساء.

وفى الآية : (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) (١١١) (المائدة) ، أنه تعالى امتنانا على عيسى جعل له الأصحاب والأنصار ، والوحى مع الحواريين أو الأنصار وحى إلهام ، كقوله تعالى : (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) (٦٨) (النحل) ، أى ألهموا ذلك فامتثلوا ، لأنهم القوم لا يشقى بهم جليس ، فلما انبسطوا فى إحدى المرات ـ كما يروى القرآن ـ طلبوا المائدة لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة ، فقالوا : (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ) (١١٢) (المائدة) ، فعذروا وأجيبوا إليها ، لأن مرادهم كان اليقين : (قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا) (١١٣) (المائدة) وهذا هو الحوار بينهم وبينه ، ولهذا سمّوا «حواريون» ، لأنهم يحاورونه زيادة فى البصيرة ، وكلّ يطلب سؤله على حسب ضرورته ، فمنهم من سكونه بمائدة طعام يجدها ، ومنهم من سكونه بفائدة من الموارد يردها ، والعزيز منهم هو الذى يعلو على البرهان يتأمله ، أو الدليل يطلبه. فذلك هو مقصود مصطلح الحواريين فى النصرانية والإسلام.

* * *

٥١٩

٥٨١. النصارى يحتجون بالمتشابه من القرآن ويتركون المحكم

الذين فى قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه من القرآن ، ليمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة ، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه ، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه ، لأنه دامغ لهم وحجة عليهم ، ودافعهم إحداث الفتنة والإضلال لتابعيهم ، إيهاما بأنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن ، وهو حجة عليهم لا لهم ، كاحتجاجهم بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله ، كقوله تعالى : (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) (التحريم ١٢) ، وقوله : (وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (١٧١) (النساء) ، وتركوا الاحتجاج بقوله : (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) (٥٩) (الزخرف) ، وبقوله (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٥٩) (آل عمران). فسبحان الله ولا إله إلا الله!

* * *

انتهى بحمد الله ومنّته الباب الخامس ويبدأ إن شاء الله الباب السادس :

«موجز سور القرآن».

* * *

٥٢٠

الباب السادس

موجز سور القرآن

٥٨٢. سورة الفاتحة

سمّيت الفاتحة لأنها يفتتح بها المصحف ، ويبدأ بقراءتها فى الصلوات ، وهى أول القرآن فى الترتيب لا فى النزول ، وكان نزولها بمكة ، ولا تجزئ الصلاة بدونها ، وهى أم القرآن وأساسه ، والسبع المثانى ، وعدد آياتها مع «بسم الله الرحمن الرحيم» سبع آيات ، وما كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرف فصل السور حتى نزلت عليه : «بسم الله الرحمن الرحيم». وأول سورة الفاتحة : «الحمد لله» ، وفى الحديث : «إذا قال العبد الحمد لله ، قال الله تعالى صدق عبدى الحمد لى» ، والحمد لله من الباقيات الصالحات. وفى التعريف به تعالى أنه «ربّ العالمين ، والربّ من أسمائه ، وهو المالك للعالمين ، جمع عالم (بالفتح) ، وهو كل موجود سوى الله ؛ وهو تعالى : «الرحمن الرحيم» ، فبعد أن يذكر أنه ربّ العالمين ترهيبا يأتى أنه الرحمن الرحيم ترغيبا ، والرحمن عام ، والرحيم يخصّ المؤمنين. وهو «مالك يوم الدين» ، ومالك أقوى من ملك ؛ لأنها بزيادة ألف ، وهو تعالى المالك على تأويل المستقبل ، أى يملك يوم الدين. وخصص بيوم الدين ، لأنهم فى الدنيا يتنازعون الملك ، وأما فى يوم الدين فلا منازع لله فى ملكه ؛ وإن قلنا «ملك» كان ذلك من صفات ذاته ، وإن وصف بأنه مالك كان ذلك من صفات فعله. وقوله : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) : رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين ، ومن ينطق بها يقرّ بالربوبية ويحقق له تعالى العبادة ، ويبرأ من الجبر والقدر ، ولذلك يحقّ له أن يدعو : «اهدنا الصراط المستقيم» ، راغبا إليه كمربوب إلى ربّه ، وليس شىء أكرم على الله من الدعاء ؛ والصراط المستقيم هو طريق الإيمان الذين أنعم به على النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين. وفى سؤاله تعالى الهداية ردّ على القدرية والمعتزلة والعلمانيين ، الذين قالوا إن الإنسان خالق لأفعاله وغير محتاج فى صدورها عن ربّه ، فلو كان الأمر بيد الناس لما سألوه الهداية. وقد سألوه أن يهديهم إلى صراط المسلمين لا إلى صراط المغضوب عليهم من المشركين ، ولا إلى صراط الضالين من المنافقين ، وربما المغضوب عليهم هم اليهود ، علموا الحق وعدلوا عنه ، وربما الضالون هم النصارى ، علموا العلم فلم يعوه ، وأما طريقة الذين أنعم عليهم ـ وهم أهل الإيمان ـ فإنهم يتحرّون العلم بالحق ويعملون به. وكما ترى ، تنقسم الفاتحة بين العبد وربّه ، وتشتمل على حمد الله وتمجيده والثناء عليه ، والاعتقاد فى المعاد ، وتوحيده تعالى وتنزيهه ، والدعاء بالعمل الصالح ، والتنبيه إلى ثلاثة أصناف من

٥٢١

الناس : المنعم عليهم ، والمغضوب عليهم ، والضالين ، فما أصدق أن قيل إن الفاتحة أساس القرآن كله.

* * *

٥٨٣. سورة البقرة

سورة البقرة اسمها كذلك من حادثة البقرة التى ورد عنها مع موسى ، حينما قتل واحد من اليهود ، وجهلوا القاتل فأمروا أن يذبحوا بقرة ويضربوا الميت بعظمها ، فأحياه الله دليلا على قدرته تعالى. والسورة جميعها مدنية إلا الآية : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) (٢٨١) فإنها نزلت يوم النحر فى حجة الوداع بمنى ، وكانت أول سورة تنزل بالمدينة ، وترتيبها فى المصحف الثانية ، وترتيبها فى النزول بالنسبة للقرآن كله السادسة والثمانون ، وآياتها مائتان وثمانون وسبع آيات ، فهى أطول سورة فى القرآن ، وكان نزولها فى مدد شتى ، وعنايتها بالتشريع شأن كل السور المدنية ، وتشتمل على معظم الأحكام فى : العقائد ، والعبادات ، والمعاملات ، والأخلاق ، والزواج والطلاق وما يترتب عليهما ، وتبيّن حقائق الإيمان والكفر والنفاق ، وصفات المؤمنين ، وبدء الخليقة ، وقصة آدم وحواء ، وما جرى من أهل الكتاب وخاصة اليهود ، لمجاورتهم للمسلمين ، ونبّهت إلى صفاتهم ومكرهم وافتراءاتهم ونقضهم للعهود. وكان المسلمون فى المدينة فى بداية تكوين الدولة الإسلامية ، فكان اهتمام سورة البقرة بما يرسّخ قيامها ، وشرحت منهج الله فى ذلك ، وتناولت أحكام الجهاد ، وشئون الأسرة ، والحلال والمحرم فى النكاح ، وأحكام الرضاع ، ومعاملة النساء فى المحيض ، وأحكام الصيام والحج والعمرة ، وتحويل القبلة ، وتطرّقت إلى الربا وحملت عليه ، وحذّرت من يوم القيامة ، ومن آياتها فى ذلك قوله : (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (٢٨١) وهى آخر ما نزل من القرآن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بتسع ليال قبل أن يتوفّاه الله ، ولم ينزل بعدها شىء ، وقيل سبع ليال ، أو بثلاث ليال ، أو بثلاث ساعات ، وأنه قال : «اجعلوها بين آية الربا وآية الدّين» ، أو قال : «جاءنى جبريل فقال اجعلها على رأس مائتين وثمانين آية» ، وبنزولها انقطع الوحى. والآية وعظ لجميع الناس ، وتلتها فى الترتيب آيات الدّين والشهادة عليه فى حال الحضر والسفر. وتختتم السورة ببيان طريق الإيمان ، وأن الحساب عن كل ما نبديه ونخفيه ، وأنه تعالى يغفر لمن يشاء ، وكما بدأت السورة بالخطاب إلى المؤمنين والتعريف بهم ، تختتم ببيان طريق الصلاح لهم ، وتعلّمهم أن يدعوا ربّهم لما فيه صلاحهم فى الدنيا والآخرة ، وأن لا يؤاخذهم بالنسيان أو الخطأ ، وأن لا يحمل عليهم إصر السابقين ، ولا يحمّلهم ما لا طاقة لهم به ، وأن يعفو عنهم ، ويغفر

٥٢٢

لهم ويرحمهم ، وينصرهم على الكافرين. والآيات فى ذلك يقال لها خواتيم سورة البقرة ، وقيل فيها الكثير كما قيل فى آية الكرسى ، وهى من آياتها ، وقيل فى آية الكرسى أنها ربع أو ثلث القرآن ، وآيات الربا فى نهايتها كانت من أواخر ما نزل من القرآن ، ولكل ذلك كانت لهذه السورة بركات وأفضال ، حتى قيل فيها أنها فسطاط القرآن وسنامه ، ولبابه ، لما فيها من كثرة الأحكام والمواعظ ، وعدّدها بعضهم : ألف أمر ، وألف نهى ، وألف حكم ، وألف خبر ، حتى أن عمر بن الخطاب ـ كما قيل ـ استنفد اثنتى عشرة سنة ليتعلم فقهها ، وابنه عبد الله ثمانى سنين.

فهذه إذن سورة البقرة وعظمتها ، وفى هذا الموجز لهذه السورة نبّهنا إلى أهم ما بها ، وعلى الله قصد السبيل.

* * *

٥٨٤. سورة آل عمران

السورة مدنية ، من السور الطويلة ، وآياتها مائتان ، وأطول سورة فى القرآن هى البقرة ، وتليها آل عمران ، وترتيبها فى المصحف الثالثة ، وفى التنزيل المدنى هى الثالثة أيضا ، وفى التنزيل عموما هى التاسعة والثمانون ، واسم السورة مأخوذ من الآية بها : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) (٣٣) ، وآل عمران هم بيت عمران والد النبىّ موسى ، وهو مؤسس هذا البيت ، وتنسب إليه مريم أم عيسى ، ولمّا كانت السورة تشتمل على ستين آية تتحدث عن النصرانية ، وعن مريم وابنها عيسى ، وهما من سلالة عمران ، سميت السورة باسم آل عمران. والاصطفاء من مقولات القرآن ، ومعناه اختيار الصفوة ، وآدم ، ونوح ، وآل إبراهيم ، وآل عمران كانوا من الصفوة ، ومن جاءوا من بعدهم ممن يدرج ضمن الصفوة ، كانوا من نسل هؤلاء ، كقوله تعالى : فى سورة آل عمران : (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) (٣٤) ، لانتقال صفات الصفوة بين الأجيال بالوراثة. وتتضمن السورة اسم الله الأعظم ، وقيل إن الاسم ضمن آية سورة البقرة : (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ) (١٦٣) ثم آية سورة آل عمران ، (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (٢) ، يعنى أنه فى سورتى البقرة وآل عمران ، ولذا سميتا بالزهراوين ، والنيّرتين ، لهدايتهما القارئ لهما بما يزهر له من أنوارهما ، عند ما يدرك معانيهما.

وتبدأ السورة بالحروف المقطّعة «الم» (ألف لام ميم) ، مثلها مثل خمس سور أخرى ، هى بترتيب النزول : العنكبوت ، ولقمان ، والسجدة ، والروم ، والبقرة ، وآل عمران ، وهى إشارة إلى أن آيات هذا القرآن مركّبة من الحروف الهجائية المعروفة للناس ، ولكنها آيات معجزات فى معانيها وأحكامها وأمثالها وعباراتها. والقرآن كتاب نزل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحقّ ،

٥٢٣

والخطاب فى السورة إليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ونزوله كنزول التوراة والإنجيل الأصليين ، نزلا بحسب المناسبات ومطلوبات الديانة ، وكتب عزرا التوراة بعد وفاة موسى بنحو ثلاثمائة وخمسين عاما ، مما وعته ذاكرته عن الأحبار والروايات الشفهية ؛ والأناجيل كتبها : متى ، ولوقا ، ومرقس ، ويوحنا ، بعد المسيح بنحو ستين سنة أو أكثر من ذلك بكثير ، مما وعته ذاكرتهم من الروايات الشفهية ؛ وأما القرآن فكان نزوله على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم منجما على عشرين سنة ، وكان الصحابة يحفظونه ويكتبونه ، وجمعه أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، وأصدر عثمان المصحف المعروف باسمه ، واعتمد على حفظ صحابة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذين حضروا نزول القرآن أو تلاوة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لسوره. وفى القرآن الكثير من الأوصاف الرائعة للتوراة والإنجيل الأصليين ، ولا ينبغى أن نظن أن هذه الأوصاف تصدق على كتب العهد القديم والجديد من كتب وأسفار اليهود والنصارى الحالية ، فهذه بوّبت ، وصنّفت ، وزيد عليها ، وأنقص منها ، وأوّلت معانيها ، وكتبت بحسب تأويلها وليس بحسب نزولها. والتوراة تصحيف عربى للاسم العبرى توراTora ، وتعنى «ناموس» أو «شريعة» ، فهو «كتاب الشريعة». وكذلك الإنجيل تصحيف عربى للّفظ اليونانى أونجليون ، ومعناه «الخبر الطيب» أو بالأحرى «البشارة» فهو «كتاب البشارة». ويتميز القرآن عن كتب اليهود والنصارى أنه لا يناقض العلوم. فى سورة آل عمران تأتى الآية : (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٦) وتسمى آية التصوير ، أى تصويره تعالى للبشر فى أرحام الأمهات ، وفيها الرّد على الطبائعيين الذين يجعلون الطبيعة هى الفاعلة وليس الله. وفى سورة البقرة تأتى التفرقة بين آيات القرآن المحكمات وآياته المتشابهات ؛ والمحكمات : هى التى يعرف تأويلها ويفهم معناها وتفسيرها ، ولا التباس فيها ، ولا تحتمل إلا وجها واحدا ؛ والآيات المتشابهات : هى التى لا يعلم تأويلها إلا الله ، ويتشابه معناها ويلتبس ، ويحتمل وجوها كثيرة. وقيل القرآن كله محكم ، لقوله تعالى : (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) (١) (هود) ، والراسخون فى العلم يقبلون النوعين من الآيات ، لأنهما من عند الله ، ورسوخهم فى العلم هو ثبوتهم فيه ، وكل ثابت راسخ ، ولو لا وجود أمثال هؤلاء لكان القرآن كله محكما ، وإنما كان المتشابه لحكمة أن يظهر الفضل فى شرحه للعلماء. وللراسخين فى العلم دعاء جميل يقول : (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) (٩) ، وإزاغة القلب فساده وميله عن الدين. وكان آل فرعون من الذين أزاغ الله قلوبهم ، ودأبوا على الكفر ، وأهل قريش فعلوا مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثلما فعل آل فرعون مع موسى ،

٥٢٤

واعتادوا الإلحاد والإعنات للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كما اعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء. وفعل اليهود أكثر مما فعله كفار قريش ، وفى أحد فرحوا بما أصاب المسلمين فنزلت الآية : (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ) (١٢) ، تحذّر اليهود أن يصيبهم ما أصاب أهل مكة فى بدر ، وتعظ المسلمين أن لا يقبلوا على الدنيا ويخافوا الآخرة ، وأن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره والصبر عليها ، وأن النار لا ينجى منها إلا ترك الشهوات ، وعدّدتها الآية : (النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ) (١٤) والخيل المسومة الآن هى السيارات الفارهة ، والأنعام والحرث : هى العقارات والعزب. ومن دعاء المؤمنين المأثورة فى ذلك : (رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ) (١٦) ، وقد سأل حبران من أحبار أهل الشام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أخبرنا عن أعظم شهادة فى كتاب الله؟ فأنزل الله تعالى على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١٨) ، والآية دليل على فضل العلم ، لأنه تعالى قرن العلماء باسمه تعالى واسم ملائكته. وفى سورة آل عمران ثلاث شهادات ، فالتوحيد شهادة أولى ، والإسلام شهادة ثانية ، شهدها الله تعالى فى قوله : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ) (١٩) والشهادة الثالثة : اختلاف أهل الكتاب فى قوله تعالى : (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ) (١٩) ، والآية المراد بها وفد نصارى نجران ، وهى توبيخ لهم. وفى محاجاتهم نزلت : (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ) (٢٠) ، والمحاجاة هى الجدال بالأقاويل المزورة والمغالطات ، والأميون هم من لا كتاب لهم. وعن اليهود والنصارى وتعنّتهم مع المسلمين نزلت الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٢١) ، وبنو إسرائيل كما يجيء فى سفر الملوك الثالث من أسفارهم ، فى الفصل الثامن عشر ، قتلوا أربعمائة وخمسين نبيا فى يوم واحد بالسيف ، قتلهم إيليا ، ويروى أن الأنبياء كانوا كثرا عندهم بسبب عنادهم وجحودهم ، وكلما زاد عدد المرضى والأمراض احتاج الأمر إلى زيادة الأطباء. وأنبياء بنى إسرائيل ، كانوا من نوع العرّافين ، وفى عهد الملك آحاب وحده كان هناك أربعمائة نبىّ ، ومن القتلة المشهورين للأنبياء : إيزابيل ، وكانوا إن لم يقتلوهم يسجنونهم ، وقد سجن آحاب النبىّ ميخا. ومن مزاعم أهل الكتاب أنهم «أبناء الله وأحباؤه» ، وأنهم لن يعاقبوا لذلك إلا أياما معدودات ، فنزلت : (فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) (٢٥) ، والخطاب للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمّته على جهة التوقيف والتعجّب. وكان وفد

٥٢٥

نجران يستدل بإحياء عيسى للموتى بأنه الله ، فأنزل الله الخطاب على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : (قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٢٦) ، إخبارا له ولأمة الإسلام : بأنه تعالى المنفرد بالإحياء ، فلو كان عيسى إلها ، لكان له هذا مع نفسه على الأقل ، أو مع قريبه النبىّ يحيى ، فلا هو استطاع أن ينجّى نفسه ، ولا استطاع أن ينجّى يحيى. وفى السورة أنزل الله تعالى أمره أن لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ولا يتخذوا بطانة منهم ، وأوضح أن اتباع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هم اتباع له تعالى ، فمن كان يحب الله فليحب نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وليطعه.

وكان وفد نصارى نجران ستين راكبا ، فيهم أربعة عشر من أشرافهم ، ثلاثة منهم كانوا من أكابرهم ، قيل أن أسماءهم : «عبد المسيح» ـ وكان أميرهم وصاحب الرأى فيهم ، و «الأيهم» ـ وكان صاحب مجتمعهم ، «وأبو حارثة بن علقمة» أسقفهم وعالمهم ، وتكلم الثلاثة مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إثر صلاته العصر ، واستمروا معه يناظرونه أياما ، فمرة يقولون عيسى هو «الله» ، لأنه كان يحيى الموتى ، ومرة يقولون «ابن الله» لأنه لم يعرف أن له أبا من البشر ، ومرة يقولون هو «ثالث ثلاثة» حيث أن الله عند ما يتكلم عن نفسه يقول : «فعلنا وقلنا» ، ولو كان واحدا لقال : «فعلت وقلت» ، فقال لهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه»؟ قالوا : بلى. قال : «ألستم تعلمون أن ربّنا قائم على كل شىء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ فهل يملك عيسى شيئا من ذلك»؟ قالوا : لا. قال : «ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء ، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم»؟ قالوا : لا. قال : «ألستم تعلمون أن ربّنا لا يأكل الطعام ، ولا يشرب الشراب ، ولا يحدث الحدث ، وأن عيسى كان يطعم الطعام ، ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث»؟ قالوا : بلى. فقال : «فكيف يكون كما زعمتم»؟ فسكتوا ، وأبوا إلا الجحود ، فكان أن دعاهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى المباهلة أو الملاعنة ، فيجتمعون ويقولون : لعنة الله على الظالم منا» ، فأول حوار بين الأديان ، مما يقولونه الآن سبق إليه الإسلام والقرآن.

وقيل المباهلة من الابتهال إلى الله لإظهار الحق ، والدعاء أن يلعن الكاذب من الطرفين المتحاجّين المتباهلين ؛ وقيل إن المباهلة ، من البهل أى اللعن ، والآية : (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) (٦١) من أعلام نبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه دعاهم إلى المباهلة فأبوا منها ، بعد أن أعلمهم كبيرهم أنهم إن باهلوه كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الفائز ، فتركوا المباهلة ، فدعاهم إلى «كلمة سواء بينهم» : (أَلَّا

٥٢٦

نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) (٦٤) ، والكلمة السواء :

هى الكلمة العادلة المنصفة ؛ فرفضوا دعوته ، وتركوا المكان منصرفين إلى بلادهم ، يعبدون عيسى والقديسيين والرهبان ، على أن لا يقولوا لا إله إلا الله!

وتعرّضت سورة آل عمران لقصة مريم ، وكيف نذرتها أمها لله ، وكفلها زكريا ، وتقبّلها ربّها بقبول حسن ، وكيف دعا زكريا ربّه أن يرزقه الولد ، وكانت ولادة يحيى معجزة كولادة عيسى ، فعيسى ولد من غير أب ، ويحيى ولد وأبوه كهل وأمه عاقر. ومريم وزكريا ويحيى من المصطفين ، أى المختارين ، واصطفيت مريم على نساء العالمين لولادة عيسى ، وطهّرها الله استقبالا لهذا الحدث الجليل ، وكانت من القانتات والمصلّيات ، وسرد القرآن لقصتها بما لم تقل به الأناجيل ، دليل على صدق نزول القرآن من عند الله ، فمن أين كان يعلم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بهذه التفاصيل إن لم يكن راويها هو الله تعالى ، العالم بكل شىء حتى خفايا الصدور؟ وعيسى تكلّم فى المهد إعجازا لقومه وإثباتا لنبوته ، ولما شبّ وكبر وتهيأ للرسالة دعا بنى إسرائيل ليؤمنوا بالله ، وكانت آياته لهم ست آيات : أن يخلق لهم من الطين كهيئة الطير وينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ؛ ويبرئ الأكمه ـ وهو الأعمى بالميلاد ؛ والأبرص ؛ ويحيى الموتى بإذن الله ؛ وينبؤهم بما يأكلون ؛ وبما يدّخرون فى بيوتهم. واختار عيسى لنفسه أنصارا سمّاهم الحواريين ، وكانوا اثنى عشر ؛ والحوارى : هو التلميذ الذى يتلقى العلم على معلّم يعلمه بطريقة السؤال والجواب ، وكانت هذه هى طريقة المسيح ومنهجه فى الدعوة. وقوله تعالى فى عيسى : (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) استحضار لما سيجرى لعيسى ، ووعد منه تعالى بنصرته ونصرة أتباعه ـ وهم النصارى ـ على اليهود ؛ ومعنى «متوفيك» مميتك ممات نوم ، كما فى قوله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) (٦٠) (الأنعام) أى ينيمكم ، والنوم أخو الموت مع الفارق ، وعيسى توفّاه الله ، لأنه رفعه فى منامه من غير موت. وكما سبق فإنّ مثل عيسى كمثل آدم ، وعيسى لم يكن شيئا ، وكان عدما ، فجرت المشيئة بخلقه ، فكان بكن ، وهى نفخة جبريل فى فرج مريم ، أى بشقّ ثوبها ، وآدم كان ترابا فصنعه الله تعالى من الطين ، ونفخ فيه بكن ، وقصتا آدم والمسيح من القصص الدالة على طلاقة قدرته تعالى ، فآدم ليس من أب ولا أم ، وحواء من أب بلا أم ، والمسيح من أم بلا أب ، والإنسان عموما من أب وأم!

ومثل هذه المحاجاة مع نصارى نجران كانت محاجاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع اليهود حول إبراهيم ، فإنه لمّا نزلت الآيات عن أن ملّة إبراهيم هى ملة المسلمين ، قال اليهود إنه انتحل إبراهيم

٥٢٧

لنفسه ، وتحاجّوا معه فى إبراهيم ، فنزلت : (لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (٦٨) وفى هذه الآيات «دليل المنع من الجدل لمن لا علم له» ، والحظر على من لا تحقيق عنده ، وتنزيه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من دعاويهم الكاذبة ، وأنه على الحنيفية الإسلامية ، ولم يكن مشركا. والحنيف : هو المائل عن الأديان الضالة إلى الحق ، وسمّى إبراهيم حنيفا ، لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام. والمسلم فى اللغة : المتذلل لأمر الله تعالى ، المنطاع له وكيف يمكن أن ينتسب إبراهيم إلى اليهود ، أو أن ينتسبوا له ، وأخلاقهم فى الدرك الأسفل ولا إيمان لهم ، فالأولى بإبراهيم هم المسلمون ، وفى اليهود طائفة تود لو تضل الناس ، وتلبس الحق بالباطل ، وتكتم الحق ، ولا يؤمنون على شىء ، ويحللون أن يسرقوا ويخدعوا ويحتالوا على من ليس من دينهم ، ويقولون على الله الكذب ، ويلوون ألسنتهم بالكتاب ليحسب السامع أنه من الكتاب ، ويحرّفون كلامه ، ويعدلون به عن قصده. والنصارى مثل اليهود ، وما كان من المعقول أن يؤتى الله المسيح الحكم والنبوة ثم يقول للناس : كونوا عبادا لى من دون الله؟! والله قد أخذ الميثاق على النبيين ، وصادق الجميع على الإسلام دينا لله ؛ والمسلمون شهادتهم : الإيمان بالله ، وما أنزل على محمد ، وعلى إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، والأسباط ، وما أوتى موسى وعيسى ، وما أوتى النبيون من ربّهم ، لا يفرّقون بين أحد منهم ، والله لا يقبل غير الإسلام ، ولا يهدى قوما كفروا بعد إيمانهم ، إلا من تاب بعد ذلك وأصلح ، ومحك الإيمان الحقيقى أن ينفق المؤمن فى سبيل الله مما يحب من المال ولقد تأوّل اليهود وحرّفوا فى التوراة ، منهم وحرّموا أطعمة محللة ، بدعوى أن يعقوب حرّمها ، ويعقوب كان قبل التوراة؟! والمسلمون على اتباع ملّة إبراهيم ، وهى الحنيفية السمحة ، وليس ملة اليهود المتعنتة المضيّقة على الناس. وإبراهيم كان على الإسلام ، وهو الذى بنى الكعبة ، ومن الحرم مقام إبراهيم ، ومن دخله كان آمنا ، والحج منذ إبراهيم قد فرض على المستطيع ؛ والمسلمون مطالبون بالتقوى ، وأن يعتصموا بحبل الله ، وأن لا يتفرّقوا ، وأن يكون منهم نفر يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، وأمة الإسلام لهذا كانت خير أمة أخرجت للناس ، ولن يضرهم أهل الكتاب. واليهود ضربت عليهم الذلّة والمسكنة حيثما ذهبوا وحلّوا ، ويكنون البغض للإسلام والمسلمين ، ويفرحون كلما نزل بهم بلاء كما حدث فى أحد ؛ والصبر

٥٢٨

أليق بالمسلمين ، وأن يتقوا الله من فورهم ، ومن تقوى الله أن يتركوا الربا فهو مرض اليهود ، وأن ينفقوا فى السرّاء والضرّاء ، لأن الله يحب المحسنين. وعلامة إيمان المؤمنين أن لا يفعلوا الفاحشة ، ويستغفروا لذنوبهم. وهذا القرآن الذى أنزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو بيان للناس ، وهدى ، وموعظة للمتقين ، وما أصاب المسلمين فى أحد لا ينبغى أن يفت فى عضدهم ، والواجب عليهم أن يظلوا على قتال عدوهم ومجاهدتهم ، ولهم العاقبة بالنصر والظفر. وما محمد الذى أشاعوا عنه فى أحد أنه قتل إلا رسول كالرسل ، فهل إذا مات أو قتل ينقلب المسلمون على أعقابهم؟ وما يموت أحد إلا بإذن الله ، وكل نفس لها أجلها ، والأنبياء يقاتل معهم الربّيون حتى الموت ، والربّى نسبة إلى الربّ ، وهو المتألّه العابد لله ، ولو أطاع الذين آمنوا الكفّار لردّوهم على أعقابهم. ولقد عفا الله عن المسلمين فيما جرى منهم فى أحد ، حينما أصعدوا فى الوادى فرارا ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعاهم ليثبتوا ويقاتلوا ، ثم من بعد ذلك رفق بمن تولى منهم ، وعفا عنهم واستغفر لهم ، ولم يعنّفهم الله ، وأمره أن يشاورهم فى الأمر. وفى الشورى بركة ، وما ندم من استشار ؛ وليس للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يسمح بالغلول بين المؤمنين ، وفى الحديث : «لا إغلال ولا إسلال» أى لا خيانة ولا سرقة ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان لعفوه وسماحته ، منّة من الله للمسلمين ، فهو يتلو عليهم آيات لله ، ويعلّمهم القرآن والحكمة ، ولم تكن المصائب التى نزلت بالمسلمين بسببه ، ولا من عند الله ، ولكنها من عند أنفسهم ، ولم تكن الحرب فى أحد إلا بقضاء الله وقدره ، والذين قتلوا فى سبيل الله ليسوا أمواتا بل أحياء عند ربّهم يرزقون ، ومن أصيب من المؤمنين لم يهن مع ذلك ، وخرجوا بعد أحد فى غزوة حمراء الأسد ، ولم يخشوا جموع الكفار بل زادتهم إيمانا ، والذين يسارعون فى الكفر لن يضرّوا الله ، وهو يملى لهم ليزدادوا كفرا ، وما كان ليدع الناس يزعمون أنهم مؤمنون دون أن يمتحنوا ، ومن يبخل بماله عن الإنفاق فى سبيل الله يطوّق به يوم القيامة. ومن قال إن الله فقير كتب له ما قال ويحاسب عليه ، وهؤلاء هم اليهود قتلة الأنبياء ، ويوفّون أجورهم يوم القيامة. وتذيّل السورة بخطاب إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمته ، بأنهم سيختبرون ويمتحنون فى أموالهم بالمصائب والأرزاء ، وفى أنفسهم بالموت والقتل ، ويصاحب ذلك توبيخ لليهود أنهم أنكروا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وللمنافقين أنهم يفرحون بما عندهم ، ويحبون أن يحمدوا على ما لم يفعلوا ، للذين قالوا إن الله فقير وهم الأغنياء ، أنه تعالى الغنى الذى له ملك السموات والأرض. وتنتهى السورة بعشر آيات هى خواتيم آل عمران كخواتيم سورة البقرة ، وثبت أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقرأها إذا قام من الليل لتهجّده ، وفيها الدعاء : (رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ

٥٢٩

أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ) (١٩٤) ، ثم تختم السورة بوصية جامعة : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٢٠٠) ، فيها الظهور فى الدنيا على الأعداء ، والفوز بنعيم الآخرة ، والحضّ على الصبر على الطاعات ، وعن الشهوات ، ومصابرة الأعداء ، والمرابطة ، وهى الجهاد وقت الحرب ووقت السلم ، فوقت الحرب بالقتال ، ووقت السلم بمداومة الطاعات ، وفى الوقتين معا بالملازمة فى سبيل الله ، ولا جهاد ، ولا صبر ومصابرة ، من غير تقوى ، وبذلك وحده يتحقق للمسلم الرجاء والفلاح والبقاء. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٥٨٥. سورة النساء (٤)

نزلت سورة النساء بعد سورة الفرقان بسبعة أشهر ، وترتيبها فى المصحف الرابعة ، وفى التنزيل المدنى السادسة ، وفى التنزيل عموما الثانية والتسعون ، وآياتها مائة وست وسبعون آية ، وهى من السور الطوال ، وكان نزولها بالمدينة ، وقيل إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح فى عثمان بن طلحة حاجب البيت ، وهى قوله : (اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) (٥٨). وقيل إن سورة النساء نزلت عند هجرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من مكة إلى المدينة. وتبدأ السورة بقوله تعالى : «يا أيها الناس» ؛ وقيل إن قوله : «يا أيها الناس» إنما هو مكى ، بينما «يا أيها الذين آمنوا» مدنى ، وصدر السورة إذن يشبه أن يكون مكيا ، بينما ما نزل بعد الهجرة هو مدنى ، والصحيح أن السورة مكية جميعها ، وفى صحيح البخارى عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم» تعنى أنه كان قد بنى بها ، ولا خلاف أنه بنى بها ـ أى تزوجها ـ بالمدينة. ثم إن أحكام السورة جميعها مدنية لا شك فيها ولا خلاف. وليس صحيحا أن كل «يا أيها الناس» مكى ، وكل «يا أيها الذين آمنوا» مدنى ، لأن بعض آيات القرآن وفيها «يا أيها الناس» مدنية ونزلت بعد الهجرة ، والآيات المكية التى بداياتها «يا أيها الناس» عددها عشر آيات ، بينما الآيات المدنية التى تبدأ هذه البداية عددها أربع عشرة آية ، فكأن «يا أيها الناس» مدنية أكثر منها مكية ، على عكس ما يقولون.

وسميت سورة النساء بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الأحكام المتعلقة بالنساء ، وهو ما لم يحدث فى سورة أخرى إلا سورة الطلاق بدرجة أقل ، فسميت لذلك سورة النساء

٥٣٠

«بسورة النساء الكبرى» فى مقابل «سورة النساء الصغرى» وهى سورة الطلاق ، ومن ذلك أنها أوصت بالبنات اليتيمات ، والمحافظة على ميراثهن ، وأن لا يتزوجهن من كن تحت وصايته طمعا فى أموالهن ، وله أن يتزوج من غيرهن مثنى وثلاث ورباع ، والزواج عموما من امرأة واحدة أفضل ، فمن العسير أن يعدل بين نسائه المتزوج من أكثر من واحدة. وللنساء نصيب فى ميراث الوالدين ، وحظ الذكر من الميراث مثل حظ الأنثيين ، ونصيب النساء عموما بحسب موقفهن من المتوفى أو المتوفاة ؛ وإذا المرأة أتت الفاحشة مع المرأة يستشهد عليهما وتحبسان فى البيوت إلى ما شاء الله ، إلا أن يأتى أى واحدة منهما من يقبل الزواج بها ؛ وإذا مات الرجل لا يحلّ أن تؤول امرأته بالإرث من واحد لآخر ، وكانوا فى الجاهلية إذا مات الرجل فأولياؤه أحقّ بامرأته ، إن شاءوا تزوجها أحدهم ، وإن شاءوا زوّجوها غيرهم ، وإن شاءوا منعوها الزواج ، ولا يحلّ منع الأرملة من الزواج ، أو التضييق عليها لتضييع حقّها فى الصداق ، إلا فى حال إتيانها الفاحشة ، ولا تكون معاشرة النساء إلا بالمعروف ، فإن كرهها زوجها فعسى أن يكره شيئا ويجعل الله له فيه الخير الكثير ، وفى الحديث «لا يفرك (أى لا يبغض) مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقا رضى منها آخر» ، وأحرى بمن يريد الطلاق أن لا يطالب بإرجاع ما دفعه من مهر ولو كان قنطارا ، واستحلاله بهتان وإثم ، وكيف يستبيح مهرا إعطاء إياها وقد استمتع بها بالمعاشرة الزوجية ، وكان بينهما ميثاق الزوجية الغليظ ، أى عقد النكاح؟ وفى الحديث : «اتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» ؛ ويقبح من المسلم أن يتزوج مطلقة أبيه أو أرملته ، وهو فحش ممقوت وساء سبيلا ، ومثل ذلك أن يتزوج الابن من أمه ، أو جدّته ، أو ابنته ، أو ابنة ابنه ، أو أخته ، أو عمته ، أو أخت جدّه أو جدته ، أو بنت أخيه أو أخته ، فهؤلاء جميعا محرّمات بالنسب ، وهن : الأمهات ، والبنات ، والأخوات ، والعمّات ، والخالات ، وبنات الأخ ، وبنات الأخت. ويحرم الزواج من الأم ، أو الأخت من الرضاع ؛ فى السنّة المحرّمات من الرضاع سبع كالمحرّمات من النسب ، وفى الحديث : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ؛ والمحرّمات بالمصاهرة هن : أم الزوجة سواء دخل بابنتها أو لم يدخل طالما أنه عقد عليها ؛ وبنت الزوجة التى يربيها فى كنفه ، فإن لم يكن قد دخل بالأم فلا جناح عليه إذا تزوج ابنتها. وتحرم زوجة الابن من الصّلب ؛ ويحرم الجمع بين الأختين فى النكاح ، وتحرم النساء المتزوجات ؛ كما تحرم النساء الكوافر ؛ والزواج لا يجوز إلا من الحرائر غير البغايا ؛ والصداق فريضة ، وللزوجة أن تهب بعضه لزوجها أو تسقطه عنه ؛ وربما الزوجة الفقيرة خير من الزوجة الغنية ، وربما الزوج الفقير خير من الزوج

٥٣١

الغنى ، وقد فهم الشيعة من قوله تعالى : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَ) (٢٤) أن نكاح المتعة جائز ، وهو ما لا تتضمنه الآية وتخالفه السنة. وفى الرواية أن أم سلمة سألت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قالت : يا رسول الله ، يغزو الرجال ولا نغزو ، وإنما لنا نصف الميراث؟ فأنزل الله (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) (٣٢) ، يعنى للنساء وسعهن وقدراتهن ، وللرجال وسعهم وقدراتهم ، وكلّ له جزاء على عمله ، ولكلّ نصيبه المقدور من الميراث ، بحسب التزاماته فى الحياة وبالنسبة للأسرة ، فالرجال هم القائمون على النساء ، ويقومون بالإنفاق عليهن وعلى الأسرة كلها ، وينهضون برعايتهن ، بما فضل الله الرجال عموما على النساء ، من العزم والحزم والقوة العضوية والعقلية والبدنية ، وبما خصّهم الله من الكسب ، فكان عليهم لذلك الإنفاق ، وفى مقابل ذلك ينبغى على الزوجة أن يعرف عنها الصلاح ، والمرأة الصالحة هى الطيّعة التى لا تعصى ربّها ، وتتّقى الله فى زوجها وأولادها ، وتصلّى فرضها ، وتحفظ غيبة زوجها ، وتصون أمواله عن التبذير ، ولا تفشى له سرا. والنقيض للصالحة هى المرأة الناشز ، وهى العاصية المتمردة ، والمتكبرة المتعالية على طاعة زوجها ، وعليه إزاءها أن يعظها ، ويهجرها فى المضجع ، يعنى أن لا يأتيها ، فإن لم ترتدع فهذه امرأة من السفلة ، ولا يجدى معها أن يخاطب عقلها ، ولا أن يستنفر ذوقها وحسّها ، وقد لا يملك نفسه وينبو لفظه أو تمتد إليها يده بالضرب ، وقد تخاف من لا تستحى ، وقد تعود إلى الطاعة ، وعلى الزوج حينئذ أن يثوب إلى رشده ، ويعاملها بالحسنى أو حتى بالمعروف ، فالعقوبات تتراتب ، ويحذّر أن ينتشى الزوج وقد انتصر عليها فيزداد صلفا ، والله ولى المستضعف ، وينتقم للزوجة إذا حاقها الظلم ، فإذا ساءت الأمور أكثر فالأولى الاحتكام إلى اثنين من أهلها وأهله ، ممن يعرف عنهما العدل وعدم الانحياز ، فإن أراد الزوجان إصلاح ذات البين بينهما ، يوفق الله بينهما ، بأن ينزعا إلى المودة ، ويتراحما فيما بينهما. وذلك ما أوصى به الله بشأن النساء ، وكان المسلمون قد استفتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيهن ، فنزلت (قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ) (١٢٧) ، يعنى أن أحكامه تعالى الخاصة بالنساء موجودة فى القرآن يتلى عليكم. وقوله : (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ) (١٢٧) هو الذى أعطى السورة اسمها «سورة النساء» ، والنشوز قد يكون فى الرجال كما هو فى النساء ، والرجل الناشز هو المترفّع على زوجته والمعرض عنها عن كره لها ، ربما لدمامتها ، أو لكبر سنها ، أو لفقرها ، فلا حرج أن يصلح الحكمان بينهما صلحا ، ويعقدا اتفاقا تستديم به المرأة مودة زوجها وصحبته. وروى أن عائشة قالت فى الآية : هذا الرجل يكون له امرأتان ، إحداهما قد عجزت ، أو هى دميمة وهو

٥٣٢

لا يحبها ، فتقول : لا تطلقنى ، وأنت فى حلّ من شأنى» ؛ والصلح خير من الفراق ، والنفوس مجبولة على الشّح. وهو شدة البخل ، فالمرأة قد لا تفرط فى حقّها من النفقة أو فى الزوجية والبيتوتة ، والرجل قد لا يرضى أن يمسكها وهو غير راغب فيها ، أو أن يعطيها سؤلها من النفقة ، وأن يقسم لها ، والله لا يرضى الظلم من أيهما ، وحسن معاملة النساء من الإيمان ، ومن المستحيل أن يعدل الذى يتزوج بأكثر من واحدة ، ولا أن يسوى بينهن فى المحبة والأنس ، رغم حرصه على العدل والمساواة ، لأن المحبة تتنزل من عند الله ، وليس بوسع أينا أن يدفعها عنه طالما استبدت بالنفس وملكت القلب ، والمطلوب فى هذه الحالة أن لا يميل متعدّد الزوجات كل الميل ، وأن لا يذر إحدى نسائه كالمعلّقة ، لا هو يتقى الله فيها ، ولا هو يسرّحها ، وكأنها معلّقة بين السماء والأرض ، ومن كان هذا حاله فعليه أن يصلح ما أفسد ، وأن يستمسك بالعدل ، وإن أصر الزوج والزوجة على الفراق فإن الله يغنى كلا من سعته. فهذا ما تعرّضت له السورة من حقوق النساء واليتيمات خاصة ، فصانت للنساء كرامتهن ، وحفظت لهن مكانتهن ، ودعت إلى إنصافهن.

والموضوع الثانى مما تعرضت له السورة هو أحكام المواريث ، فكما أنها تعرضت لأحكام الأسرة المسلمة الصالحة ، فإنها تعرّضت لأحكام المجتمع المسلم الصالح ، ولعل قضية الميراث هى الصخرة الكأداء أمام إقامة مجتمع إنسانى مترابط ومتحاب ، ومن ذلك أن الوارث إن كان سفيها وجب أن لا يسلّم إليه ميراثه ، بل يرزق فيما يؤول إليه من أبويه أو من غيرهما ، وكذلك اليتامى حتى يبلغوا الرشد. وحالات الميراث كثيرة كأن يكون الورثة من الأناث فقط ، وللأبوين نصيب ، وللزوجة نصيب من مال زوجها ، وللزوج نصيب من مال زوجته ، وإذا كان لها أو له ولد اختلف هذا النصيب ، والرجل الكلالة يرثه أقاربه الأقربون ، لهم أنصبة معلومة. وهذه الحدود بيّنها الله ليتحقق بها الإحسان والتكافل والتراحم بين الناس ، وليتناصحوا بها ويتسامحوا. ومن الوصايا فى ذلك : لا يبدّلوا الخبيث بالطيب ؛ ولا يأكلوا أموال اليتامى إسرافا وبدارا ـ يعنى يبكّروا إلى إنفاقها من قبل أن يطالب الأوصياء بها ، وأن يرزقوا أولى القربى واليتامى والمساكين إذا حضروا القسمة فى الميراث ، وأن تكون وصية الميت على رأس ما يستمع إليه ويؤخذ به عند تقسيم التركة ، والديون ضمن الوصية ؛ والله تعالى يقبل التوبة لمن يصنع السوء بجهالة ؛ ويحرّم أن تؤكل أموال الناس بالباطل ، وأن تؤتى الكبائر ، والكبائر كما قيل سبع ، وهى الذنوب المختومة بالنار أو اللعن أو الغضب ، وقيل هى سبعمائة أقرب منها إلى السبع ، ولا كبيرة مع استغفار ، ولا صغيرة مع إصرار. ومن عبادة الله : الإحسان إلى الوالدين ، وإلى ذى القربى

٥٣٣

واليتامى والمساكين ، وإلى الجار وابن السبيل. والبخل من أرذل الرذائل ، وكذلك الإنفاق رياء الناس. وتبطل صلاة السكران والجنب إلا أن يكون عابر سبيل ، وإذا لم يوجد الماء يتبدّل الوضوء بالتيمم. والحكم بين الناس لا يكون إلا بالعدل ، والحاكمية أبدا لله ولرسوله ـ أى للكتاب والسنّة. والولاية للمؤمنين وليست للمنافقين أو لأهل الكتاب ، ولا يستنصر هؤلاء ، ويقاتلون إذا قاتلوا المسلمين أو إذا لم يعتزلوهم ، فإذا سالموهم فليس عليهم قتالهم ، ولا يقتل المؤمن مؤمنا إلا خطأ ، وعليه الفدية لأهله أو صيام شهرين متتابعين توبة من الله. ولا يتّهم المؤمنون بالكفر جزافا ، وليس القاعد بلا سبب قهرى ، كالمجاهد ، ولا كالمهاجر فى سبيل الله ؛ وفى السفر يجوز القصر فى الصلاة ؛ وتصلّى صلاة الخوف جماعة بعد جماعة ، والذين يبيّتون للمسلمين ما لا يرضى الله أولئك هم الخائنون ، فلا يدافع عنهم ، ولو وجدوا من يجادل عنهم فى الدنيا ، فمن يجادل عنهم فى الآخرة ، ومثلهم الذين يفعلون الخطيئة ويرمون بها الأبرياء. ومع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا مشاقة ، ولا نجوى إلا إذا كانت لخير ، والذين يعبدون الأصنام ويدعونها بأسماء الإناث ، إنما يدعون إلى عبادة الشيطان ؛ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله واتّبع ملّة إبراهيم حنيفا واتخذه خليلا ، ومن كان خليل إبراهيم فالله خليله ، لأنه تعالى خليل إبراهيم. والمؤمن ولى المؤمن ، ولا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ومن الأدب أن يردّ المسلم السلام بأحسن منه ، وأن يحيى الناس إذا حيوه ؛ والمنافق فى الدرك الأسفل من النار ، والله لا يحب الجهر بالسوء فى القول إلا من ظلم. فهذه جميعا القضايا التى تناولتها سورة النساء وبينتها أحسن البيان. فلما انتهت مما يحقق الأمن الداخلى ، انتقلت إلى ما يحقق الأمن الخارجى ، فنبّهت إلى خطورة أهل الكتاب وما يدعون إليه ، وبخاصة اليهود ، وحذرت منهم ، وبيّنت ضلالات النصارى ، وغلوهم فى المسيح ، واختراعهم للتثليث حتى أصبحوا كالمشركين. واليهود حرّفوا كتابهم ، ولم يعملوا بما فيه ، وطعنوا فى الدين ، وزكّوا أنفسهم فقالوا إنهم أبناء الله وأحباؤه ، وفعل النصارى مثلهم ، واليهود عبدوا الجبت والطاغوت ـ يعنى المال والهوى ، فإذا تحاكموا لا يتحاكمون إلى كتابهم وإنما للمال وللطواغيت منهم ـ أى أصحاب الأهواء من قومهم ، وقد سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم آية ، وليس ذلك بمستغرب منهم وهم الذين سألوا موسى أن يروا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ، ولمّا امتنعوا عن قبول شريعة التوراة ، رفع فوقهم الطور ، وأمرهم أن يدخلوا بيت المقدس مطأطئين الرءوس فخالفوا ، ودخلوا يزحفون على مقاعدهم ، وشدّد عليهم أن لا يعدوا فى السبت ، وأخذ منهم الميثاق على ذلك ، فنقضوه وكفروا بآيات الله ، وقتلوا أنبياءهم بغير حق ، واعتذروا بأن قلوبهم غلف ، واتهموا مريم بهتانا ، وزعموا أنهم قتلوا المسيح ، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم ، ورفعه الله إليه ؛ وحرّموا الطيّبات ، وتعاملوا بالربا ، وأكلوا أموال الناس.

٥٣٤

والحرب قد تفرض على المسلمين ، وبخاصة من اليهود والنصارى ، فإذا ابتلوا بها ، فليخرجوا جميعا إلى الجهاد سرية بعد سرية ، أو مجتمعين ، والمنافقون دائما يتخلفون ، ويحمدون حظّهم أن تخلّفوا إذا ظهر أن المسلمين مغلوبون ، فلو انتصروا ندموا أن لم يكونوا معهم. والبعض قد يتخلّف عن القتال خشية الناس ، والموت واحد ، وإذا حان الأجل لا فرار ولا منجاة ، والموت يلحق الناس ولو تحصّنوا منه فى البروج ، وكل مسلم إذن عليه أن يقاتل ولو وحده ، وعليه أن يحرّض المؤمنين على القتال ، عسى أن يكفّ القتال بأس الذين كفروا.

وبعد ، فهذه خلاصة للسورة ، وما أشبه البارحة باليوم ، وما يزال اليهود والنصارى يكيدون للإسلام ، فعلى المسلمين أن يكونوا مستنفرين دوما ، «فالحرب الدائمة» تبدو من قضاء الله وقدره فيهم. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٥٨٦. سورة المائدة

السورة مدنية بالإجماع ، ومن السور الطويلة ، وروى أنها نزلت منصرف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الحديبية ، ومنها ما نزل فى حجة الوداع ، ومنها ما نزل عام الفتح ، وهو قوله تعالى : (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (٢) ، وكان نزولها بعد سورة الفتح ، وآياتها مائة آية وعشرون ، وترتيبها فى المصحف الخامسة ، وفى التنزيل المدنى هى السادسة والعشرون ، وفى مجمل التنزيل هى الثانية عشر بعد المائة ، وسميت «سورة المائدة» لما تضمنته من قصة المائدة التى طلبها الحواريون من عيسى ، قالوا : (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١١٢) ، وقالوا (نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ) (١١٣) ، فدعا عيسى ربّه ، قال : (اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (١١٤) ، فلما كانت هذه القصة من أعجب ما ذكر فى سورة المائدة ، سميت السورة بها ، وقال تعالى : (مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) (١١٥) ، قيل : إن أشدّ الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة : اليهود بقوله تعالى : (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٨٥) (البقرة) ، وآل فرعون بقوله تعالى : (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (٤٦) (غافر ٤٦) ، والكفرة من أصحاب المائدة.

وقيل فى سورة المائدة : أنها تتضمن تسع عشرة فريضة ليست فى غيرها ، فقد جاء

٥٣٥

فيها : تحريم المنخنقة : وهى البهيمة التى تموت خنقا ؛ والموقوذة : وهى البهيمة المقتولة من غير تذكية ؛ والمتردية : التى تسقط من العلو فتموت ؛ والنطيحة : وهى الشاة التى تنطحها شاة أخرى فتموت قبل أن تذكّى ؛ وما أكل السبع : بقايا ما افترسه ذو ناب وأظفار كالأسد والنمر والذئب إلخ ؛ وما ذبح على النّصب : أى ما ذبح على حجارة الكعبة ؛ وأن يستقسموا بالأزلام : والأزلام هى القداح تقسم لهم أرزاقهم ؛ وما علّموا من الجوارح مكلّبين : وذلك ؛ فى الصيد بالكلاب والصقور ؛ وطعام الذين أوتوا الكتاب ؛ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ؛ والطهور عند القيام للصلاة ؛ وحرّمت السرقة سواء قام بها سارق أو سارقة ؛ وقتل الصيد فى الإحرام ؛ والبحيرة : وهى البهيمة المقصورة على الطواغيت ؛ والسائبة : وهى الناقة تخلى لا قيد عليها ولا راعى لها ؛ والوصيلة من الغنم : وهى التى تلد سبعة أبطن فإن كان السابع ذكرا وصلوها به فلم تذبح لمكانها ؛ والحام من الإبل ، وهو الذى انقضى ضرابه ؛ والشهادة على وصية من تحضره الوفاة ؛ فهذه ثمانى عشرة فريضة ، والتاسعة عشرة هى الأذان ، لأنه لا ذكر للأذان إلا فى هذه السورة ، وأما ما ورد فى سورة الجمعة فهو مخصوص بالجمعة. وروى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قرأ سورة المائدة فى حجة الوداع وقال : «يا أيها الناس ـ إن سورة المائدة من آخر ما نزل ، فأحلّوا حلالها ، وحرّموا حرامها».

والآية الأولى من سورة المائدة من أعجب القرآن ، فقد تضمنت خمسة أحكام : فدعت إلى الإيمان ، وأمرت بالوفاء ؛ ونهت عن النكث ، وحللت تحليلا عاما ، واستثنت استثناء بعد استثناء ، وأخبرت عن الإحرام فقالت : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) ، ثم تطرّقت إلى قدرته تعالى فى خمس كلمات قالت : (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ) (١) (المائدة) ، وكل ذلك من خلال أقل من سطرين اثنين ، وجاءا فى شكل بيان للناس من الله ورسوله. والسورة عموما تناولت موضوعات شتى ، منها أحكام العقود والوفاء بها ؛ وأحكام الذبائح ، وتحليل الأنعام : وهى الإبل والبقر والغنم ؛ وتحليل الصيد فى الإحلال دون الإحرام ، وما لم يكن صيدا فهو حلال فى الحالين ؛ وأن لا يحلّوا شعائر الله ، والشعيرة هى البدنة التى تهدى ، وإشعارها أن يجز سنامها حتى يسيل منه الدم فيعلم أنها هدى ؛ ولا الهدى : ما يهدى إلى بيت الله من ناقة أو بقرة ، أو شاة ؛ ولا القلائد : وهى البهائم المعلّمة أنها لله ؛ وتحريم ما لم يذكّى ، أى ما لم يسل منه الدم عند الذبح ؛ ويشمل التحريم : الميتة ولحم الخنزير والدم ، وما أهلّ لغير الله. وفى السورة إعلام بالحلال من الطعام : وهو الطيّبات ، والصيد بعد ذكر اسم الله عليه ؛ وطعام الكتابين ، ونكاح الكتابيات. وفى السورة الإخبار بصحيح الوضوء والغسل والتيمم ؛

٥٣٦

والتزام العدل بين الناس ، والاستمساك بميثاقه. وتحدثت السورة عن اليهود ، فذكرت فيهم نقضهم لميثاقهم مع ربّهم ، فاستحقوا اللعن ، وقست قلوبهم ، فحرّفوا التوراة وأوّلوها ، وصرفوها إلى غير معناها ، ونسوا ما ذكّروا به ، وأكلوا السّحت ، أى الحرام ، واتخذوا الخيانة دينهم ، واستمعوا للأكاذيب والتشنيعات وروّجوها ، وأوقعوا بين الناس ؛ وتحدثت السورة عن النصارى : فذكرت نسيانهم لميثاقهم مع ربّهم. وانقسامهم فرقا وطوائف بينها العداوة والبغضاء. ولقد كفروا إذا قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ، ولو كان إلها لقدر أن يدفع عن نفسه ما نزل به ، وما كان المسيح إلا مخلوقا لله محدودا ومحصورا ، ولو كان اليهود والنصارى أبناء الله وأحباؤه لما عذّبهم بذنوبهم ، ولكنه توعّدهم بالعذاب ، فثبت أنهم بشر ممن خلق ، يغفر لمن يشاء منهم ، ويعذّب من يشاء ، كشأنه دائما مع كل البشر.

وبيّنت السورة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أرسل إلى اليهود والنصارى كما أرسل إلى العرب ، وأن الله تعالى نزّل التوراة على اليهود ، كما نزّل الإنجيل على النصارى ، والقرآن على المسلمين ، وذلك ليستبق الجميع الخيرات ؛ وذكّرت بموسى وقصته مع بنى إسرائيل ، وعصيانهم له ، ومجازاتهم بالتيه أربعين سنة ؛ وذكّرت با بنىّ آدم : قابيل وهابيل ، وما كان بينهما من صراع صار رمزا للصراع بين قوى الخير وقوى الشر ، وكانت جريمة قتل هابيل أول جريمة فى الأرض يراق فيها دم ، وبسببها كان تجريم القتل وتشريع قصاص المثل ، وتجريم الحرابة أو المحاربة ، وهى قطع الطريق على الناس ومكابرتهم عن أنفسهم وأموالهم ، وتجريم السرقة وقطع يد السارق أو السارقة فى القليل مثل الكثير ، تحذيرا بالقليل عن الكثير. وحذّرت السورة من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء من دون المؤمنين ، وأنذرت من يرتد عن دينه من المسلمين ، ومن يتخذ شعائر المسلمين هزوا ولعبا ، ونبّهت إلى مخاطر اليهود على الإسلام ، وأنهم من لعنهم الله وغضب عليهم ، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. واليهود هم الذين قالوا يد الله مغلولة ، وأنه فقير يحتاج إلى القروض ، ولو آمن أهل الكتاب وأقام اليهود التوراة ، والنصارى الإنجيل ، يعنى عملوا بهما ، لوسّع الله فى أرزاقهم وبارك فيها. ومن اليهود معتدلون ، وكثير منهم فاسقون ، ولذلك كثرت الرسل إليهم ، ففريقا كذّبوا ، وفريقا قتلوا. ولما جاءهم المسيح كفروا به ، وآمن به النصارى ، ثم كفر النصارى بالله من بعد إيمان ، وقالوا : الله ثالث ثلاثة : الأب ، والابن ، وروح القدس ، وما كان المسيح إلا رسولا قد خلت من قبله الرسل ، وكانت أمه صدّيقة ، صدّقت بكلمات ربّها ، وكانا بشرا يأكلان الطعام كالبشر. وتنهى السورة النصارى عن أن يغلوا فى دينهم ، ويتّبعوا أهواءهم. وتعلن للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمة الإسلام : أن اليهود

٥٣٧

أشد الناس عداوة لهم ، وأن النصارى أقربهم مودة ، لأن قساوستهم ورهبانهم يعلّمونهم المودة ، فكلما سمعوا القرآن لانت قلوبهم ، وتحازنوا ، وفاضت دموعهم. وتناولت السورة اللغو فى الإيمان والتكفير عنه ، والنهى عن الأنصاب والأزلام ، وعن الخمر والميسر ـ أى القمار ؛ والأنصاب جمع نصب يكون من الحجارة للآلهة ، والأزلام هى استخدام القدح للاستقسام. وأحلت السورة صيد البحر وحرّمت صيد البر أثناء الإحرام ، لتثبّت الإحرام فى قلوب المحرمين ، تعظيما للكعبة ، وقياما لها ، فلا يقع فيها أذى ، ولقد أصلحها الله معاشا للناس فى أمور الدنيا والآخرة ، يلوذ بها الخائف ، ويأمن الضعيف ، ويربح التاجر ، ويتوجه إليها الحجيج ، وقد يحدث أن يمرض فى الحج من يخشى موته ، فعليه أن يوصى ويشهد اثنين ذوى عدل من رفاقه أو من غيرهم. والوصية والموت يذكّران بيوم القيامة عند ما يجمع الناس للحساب ، وسيحاسب النصارى عمّا قالوه عن عيسى. وتعرض السورة لقصة المائدة التى أيده الله بها ، ودفاع عيسى عن نفسه أنه تعالى أعلم بما قاله لقومه ، فلقد اتخذوه وأمه إلهين ـ ، فإذا كانت مريم أنجبت إلها ، وكانت علاقتها بالله ، فإنها تصبح إلاهة ، ولو لم يصرّح النصارى بذلك ، وعيسى وأمه بريئان مما زعمه هؤلاء عنهما ، ويوم القيامة هو يوم الصدق ، وسيظهر يومها أيهما الصادق ، عيس وأمه أو هؤلاء الحواريون الذين أضلوا الناس بعد عيسى. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٥٨٧. سورة الأنعام

السورة مكية ، قيل إلا آيتين نزلتا بالمدينة ، الأولى قوله : (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (٩١) ، نزلت فى مالك بن الصيف ، وكعب بن الأشرف ، اليهوديين ، والأخرى قوله : (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (١٤١) ، نزلت فى ثابت بن قيس شماس الأنصارى ، وقيل نزلت فى معاذ بن جبل. والصحيح أن السورة أصل فى محاجة المشركين والمبتدعين ، والمكذّبين بالبعث والنشور ، وهذا نقيض إنزالها جملة واحدة ، لأنها فى معنى واحد من الحجّة وإن صرف ذلك بوجوه كثيرة. وفى السورة آيات تردّ على أصحاب الفرق الإسلامية ولو أن هذه الفرق ما كانت قد تكوّنت بعد ، إلا أن احتمالات ما تثيره من شكوك ردّت عليه السورة مقدّما ، وعلى ذلك فهذه السورة من السور التى يعتز بها طلاب الحكمة والفلسفة الإسلامية ، وقال فيها عمر بن الخطاب : الأنعام من نجائب القرآن ـ أى من نفائسه ، فهى لم تتناول كالسور المدنية

٥٣٨

الأحكام التنظيمية لجماعة المسلمين ، كالصوم والحج ، وأحكام الأسرة ، والاجتماع الإنسانى ، وأسس التشريع ، ولم تذكر شيئا من طرق الحرب ومناهج القتال ، وشئون السلم والصلح ، ولم تتحدث عن اليهود والنصارى ، ولم تذكر المنافقين ، وإنما تناولت قضايا العقيدة ، ومبادئ الإيمان ، وأصل التوحيد ، ومسائل الوحى ، وشئون الرسالة ، ومشكلة البعث والحساب والجزاء. وآيات سورة الأنعام مائة وخمس وستون آية ، وهى كما ترى من السور الطويلة ، وكان نزولها بعد سورة الحجر ، وجاء ترتيبها فى المصحف السادسة ، وفى التنزيل الخامسة والخمسين ، وسميت سورة الأنعام بسبب الآيات فيها التى تصف فعل العرب فى الجاهلية مع أنعامهم يهدونها إلى الله ، وهذه التقاليد توجز أحوالهم الاعتقادية ، والأنعام هى الإبل والبقر والغنم ، سميت أنعاما للين مشيها ووداعتها ، فجعلوا من ثم اسم السورة من اسم الأنعام ، من قوله تعالى : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً) (١٣٦). ومحور السورة مداره هذا الشرك المتمثل فى قسمة الأنعام. ثم إن الأنعام لها دور آخر مع اليهود كذلك ، فقد حرّموا على أنفسهم كلّ ذى ظفر ، ومن البقر والغنم شحومها ، فجازاهم الله بسبب هذا التحريم ، ومن أجل ذلك كان للأنعام مغزاها فى السورة ، فاستحقت أن تسمى السورة باسمها. والسورة تقوم على الحوار ، وتقرير الثوابت ، والتعليم من خلال السؤال والجواب. وفى البداية يكون الكلام لله تعالى معرّفا بنفسه ، حامدا لذاته : أن خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ، ويتساءل : فهل بعد ذلك يعدلون به شركاء ويجعلون له أندادا؟ ويخاطب الناس فيقول لهم : خلقتم من طين وإلى أجل مسمى ، وكذلك خلقت الحياة إلى موعد الساعة ، ثم أنتم تتشككون؟ وهو الذى يعلم سرّهم وجهرهم وما يكسبون. ثم يخاطب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيخبره أنه ما تأتيهم من آية إلا أعرضوا عنها ، وكذّبوا بها ، ويسأله مستنكرا : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم؟ ويؤكد عنادهم ، فلو نزّل عليهم كتابا من عنده ولمسوه بأيديهم كما طلبوا لأنكروه واعتبروه سحرا ، ولطلبوا طلبا آخر ، كأن يكون الرسول ملكا ، فكيف يكون ملكا وهم بشر؟ والطبيعى والمعقول أن يكون بشرا مثلهم ، وهذا أنت بشر ولكنهم لا يصدقوك؟! ويأمر نبيّه أن يطلب إليهم أن يسيروا فى الأرض وينظروا إلى آثار من سبقهم ، وكيف كان عاقبة تكذيبهم. ويملى عليه أن يقول لهم : أغير الله يتخذون وليا ، وهو فاطر السموات والأرض؟ ويعلّمه أنه لو مسّه الضّر فلن يكشفه عنه إلا الله ، وأنه القاهر فوق عباده ، لا إله إلا هو. ويخاطبه فيقول له : أنظر كيف كذبوا على أنفسهم؟ ويقول : لو ترى إذ وقفوا على النار ، ولو ترى إذا وقفوا على ربّهم؟ ويقول : قد نعلم أنه ليحزنك الذى يقولون ،

٥٣٩

وأنهم يطلبون أن تتنزل عليك آية كالتى كانت تتنزل على موسى وعيسى ، وهذا القرآن هو آيتك ومعجزتك ، وما فرط الله فيه من شيئ ، والله يستدرجهم ثم يأتيهم العذاب بغتة وهم مبلسون. ويعلّمه أن يقول لهم : ما عندى خزائن الله ، ولا أعلم الغيب ، ولا أنا ملك ، وما أتّبع إلا ما يوحى إلىّ ، ويأمره أن ينذر الذين يخافون أن يحشروا إلى ربّهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع ، وأن لا يطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشى ، ويبشّرهم أن من عمل منهم سوءا بجهالة ثم تاب من بعد ذلك وأصلح فإنه غفور رحيم. والله عنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ، ويعظه أن يعرض عن الذين يخوضون فى آياته حتى يخوضوا فى حديث غيره. ويضرب المثل بقصة إبراهيم ، وإنكاره للقمر ثم الشمس ، وتوجّهه إلى الله فاطر السموات والأرض ، حنيفا غير مشرك ، ولمّا حاجّه قومه لم يخف وهو الأحق أن يخاف ، لأنه لم يلبس إيمانه بظلم ، ووهب الله له إسحاق ، ووهب إسحاق يعقوب ، وكلا هدى ، وهدى نوحا من قبل ، ومن ذريته : إبراهيم ، وداود ، وسليمان ، وأيوب ، ويوسف ، وموسى ، وهارون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، وإسماعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوط ، وكلا جعله الله من الصالحين وفضّله على العالمين ، ولو أشركوا لحبط عملهم ، وآتاهم الكتاب والحكم والنبوة ، فبهداهم اهتدوا أيها الناس ، وهذا كتاب موسى تظهرون منه أيها اليهود ما تحبون ، وتخفون منه ما تخفون ، وما تفعلون إلا أنكم فى خوضكم تلعبون. ويخاطب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن هذا القرآن مبارك ومصدّق لما سبقه ، ولتنذر به مكه وما حولها ، والله هو فالق الحبّ والنوى ، يخرج الحيى من الميت ، ويخرج الميت من الحيى ، فأنّى تصرفون؟ وجعلوا له شركاء الجن ، وهو بديع السموات والأرض ، فكيف يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ، وخلق كل شىء ، لا إله إلا هو ، فاعبدوه ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار. ولو أنه أنزل إليهم ملائكة ، ودفع الموتى لتكلّمهم ، وحشر عليهم كل شىء ، فلن يؤمنوا لأنهم قوم يجهلون ، والله لا مبدّل لكلماته ، وكلماته تمّت صدقا وعدلا. ويعلّم الله نبيّه أن لا يأكل إلّا مما ذكر اسمه تعالى عليه ، وأن يذر ظاهر الإثم وباطنه ، ويدع مجادلة المجرمين وهم فى كل قرية يمكرون فيها ، وما يمكرون إلا بأنفسهم ، ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعّد فى السماء ، وما كان الله مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ، ولكنه يرسل إليهم الرسل يقصّون عليهم آيات الله وينذرونهم ، وهو الغنى ذو الرحمة إن يشأ يذهب الكافرين ويستخلف من بعدهم من يشاء ، ويكفى من جهلهم أن يقتلوا أولادهم سفها بغير علم ، وحرّموا على أنفسهم نعم الله بدعوى قسمتها مع أصنامهم ،

٥٤٠

وحرّموا على أنفسهم وحللوا من الأطعمة ، وما حرّم الله سوى الشّرك ، وقتل الأولاد خشية إملاق ، والفواحش ، وقتل النفس التى حرّم الله إلا بالحق ، ومال اليتيم إلا بالتى هى أحسن حتى يبلغ أشده ، وخسران الميزان والكيل ، وأن تكلّف النفس أكثر من وسعها ، والظلم ، وأوصى بالوالدين إحسانا ، والوفاء بعهده تعالى ، واتّباع صراطه المستقيم. وكما أنزل الله الكتاب على موسى تماما على الذى أحسن وتفضيلا لكل شىء ، وهدى ورحمة ، فكذلك القرآن أنزله مباركا. ويأمر الله نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقول إن دينه هو ملة إبراهيم حنيفا ، وأن صلاته ونسكه ومحياه لله ربّ العالمين ؛ وأنه أول المسلمين ، لا يبغى غير الله ربّا ؛ وأن كل نفس مسئولة عما كسبت ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ؛ وإليه يرجع كل الخلق فينبؤهم بما كانوا فيه يختلفون ؛ وهو الذى جعلهم خلائف تخلف كل أمة التى سبقتها ، ورفع درجات بعضهم ليبلوهم فيما آتاهم ؛ وهو سريع العقاب وغفور رحيم. وهكذا تختم السورة خير ختام ، ولله تعالى الحمد والمنّة وهو حسبنا.

* * *

٥٨٨. سورة الأعراف

السورة مكية ، وهى أطول السور المكية ، وقيل إن الآيات مدنية من قوله تعالى : (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) (١٦٣) إلى آخر الآية : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (١٧٠) ، والصحيح أن السورة كلها مكية ، ونسقها واحد ؛ ويأتى ترتيبها فى المصحف السابعة ، وفى التنزيل التاسعة والثلاثون. وسميت بسورة الأعراف لاشتمالها على معلومة جديدة لم تتضمنها أية سورة أخرى من سور القرآن ، حيث يأتى الناس يوم القيامة إما أنهم أصحاب الجنة ، وإما أنهم أصحاب النار ، غير أن هناك مجموعة أخرى لا ينتمون إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، وهم أصحاب الأعراف ، والأعراف جمع عرف ، تقول عرف الديك ، وعرف الفرس ، والأعراف : سور على الصراط له عرف ؛ وفى اللغة الأعراف هى المكان المشرف ، فهى شرف الصراط ؛ وأصحاب الأعراف هم : الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم ، وفى الحديث : «توضع الموازين يوم القيامة ، فتوزن الحسنات والسيئات ، فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة ، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار». وأصحاب الأعراف على السور بين الجنة والنار ، يقول تعالى : (وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ) (٤٦) ، أى أصحاب الجنة

٥٤١

وأصحاب النار ، ولكل سماته ، فهؤلاء مبتهجون فرحون ، وهؤلاء مكتئبون مغمومون ، فإذا وقعت أعينهم على أهل الجنة حيّوهم يرجون أن يكونوا مثلهم ، وإذا صادفت أعينهم أهل النار تعوّذوا أن يكونوا مثلهم ، وعابوا عليهم أنهم كانوا يستكبرون فى الدنيا ، ويسخرون من المستضعفين ، فها هم المستضعفون صاروا إلى الجنة ، وعندئذ يؤذّن أصحاب الأعراف : لعنة الله على الظالمين.

ومشهد أصحاب الأعراف من مشاهد يوم القيامة ، والحوار الذى يدور بينهم وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار يبيّن ما يكون فيه أهل الحق ـ أى أصحاب الجنة ، من الشماتة بالمبطلين أصحاب النار. وسورة الأعراف من السور التى تهتم بالصراع بين قوى الخير والنور ، وبين قوى الشر والظلام ، وفيها قصة آدم مع إبليس ، وخروجه من الجنة ، وهبوطه إلى الأرض كنموذج لهذا الصراع ، والله تعالى ينتصر لقوى الخير فى الوجود ، وقد انتصر لآدم وذريته ، وهو قد خلق آدم من طين ، وصوّره ، ونفخ فيه من روحه ، وعلّمه ، وأمر الملائكة أن تسجد له ، فانصاعوا إلا إبليس ، أبى واستكبر ، فكان أول من استكبر فى الوجود ، وعصى الله فكان أول من عصاه ، وحاجّه فكان أول من حاجّه ، وحسد آدم وغار منه ، فكان أول من حسد وأول من غار ، فكل الصفات السلبية كانت فيه ، وادّعى أنه فعل ما فعل لأنه من نار وآدم من طين : (قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (١٢) ، فكان أول من قاس فى الوجود ، وأول من أخطأ فى القياس ، فالنار ليست الأشرف لأنها جوهر مضىء ، ولأنها مخزن الطاقة ، ولأنها الأخف وزنا ، والأكثر ارتفاعا وعلوا والأحدّ طبعا ، ولأنها مصدر خوف ووسيلة عذاب ، ومنافعها لا تنتهى ، بينما الطين محل قذارة وعطالة ، ومصدر أوبئة ، كما ادّعى إبليس ، ومن أجل ذلك رأى أن أصله أفضل من أصل آدم! والحق أن الطين أفضل ، لأنه سهل التشكيل ، ومطواع ، وأداة فى الفنون ، ولا زراعة ولا قوت إلا به ، ولا حيوانات بدون زراعة نباتات. والطين من التراب والماء ، والتراب طهور ومسجد ، وفى التراب مثوى الإنسان ، والماء لازم للحياة لزوم الهواء. وفى الطين سكون وهدوء ووقار وسكينة ، ومن التراب كانت أرض الجنة ، وترابها من الطيب والمسك الأذفر ـ أى الأطيب رائحة. ولذا كان خلق آدم من الطين خير وبركة. ومعنى أنه من الطين أنه ينتسب إلى الأرض ، فالأرض مأواه ومأوى ذريته ، بينما خلق إبليس من النار ، والنار مأواه. والإنسان ليس كله من طين ، وإنما جزء منه من نار هى الطاقة التى يتحرك بها وينفعل ويعمل ويشتهى ، وهى أصل الشهوات فى الإنسان. وإنها لنعمة كبرى أن يرجع أصل الإنسان إلى أب واحد هو

٥٤٢

آدم ، وأن تكون قصة الخلق مدارها آدم ، ولم يكن عجيبا أن يطلب لذلك من الملائكة أن تسجد له. وفى السورة أربعة نداءات متتالية لبنى آدم ، بيّن الله لنا فيها نتائج غواية الشيطان لآدم وزوجته ، فبعد أن طعما من الشجرة المحرّمة ، بانت عورتاهما ، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، ثم منّ الله على ذريتهما بلباس خير من ورق الشجر ، من الريش والشعر ، ثم هداهم إلى لباس التقوى ، ثم إنه تعالى حذّر بنى آدم : لا يفتنهم الشيطان كما أخرج أبويهم من الجنة ، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما ، وإن الشيطان ليرى بنى آدم هو وقبيله ، وهم عراة من حيث لا يرونهم ، ويدعونهم لذلك إلى الفحشاء. ثم إن الله هدى بنى آدم إلى الإيمان ، فصاروا يعبدونه فى المساجد ، فأمرهم أن يزيّنوا كلما قصدوا المساجد ، تأكيدا لبهجة الإيمان عندهم ، وانتصارا لعنصر الخير فيهم على وسوسة الشيطان ، والتزيين أفضل للمساجد من التزيّن للفحشاء. ومثلما أردى الطعام وشهوة طلبه أبويهم ، فإنه تعالى أمر بنى آدم أن يأكلوا ويشربوا ولا يسرفوا ، ونبّه عليهم أنه تعالى سيرسل إليهم الرسل من بينهم ، ليبيّنوا لهم الأحكام والشرائع ، فمن اتّقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا يحزنون. فهذه هى النداءات الأربعة التى خوطب فيها بنى آدم باعتبارهم ورثة أبيهم آدم ، وهى نداءات خاصة بسورة الأعراف لم تتكرر فى سورة أخرى.

وسورة الأعراف تتوافق مع السور المكية ، وتبدأ البداية المعهودة ، فتذكّر بالقرآن ، وبأنه معجزة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنزل عليه من الله تعالى ، وتفتتح السورة لذلك بالحروف المقطّعة (المص) (١) (الأعراف) (ألف لام ميم صاد). وهى حروف من الأبجدية تأتى فى افتتاحيات بعض السور ، تذكيرا بأن القرآن العظيم هو من هذه الحروف البسيطة التى يعرفها الجميع ، ورغم ذلك لم يستطع أىّ من الذين أنكروا القرآن أن يأتوا بمثله ، ولقد ضاق الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإصرارهم على الإنكار ، وفى سورة الأعراف يرفع الله تعالى الحرج عن نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فليس عليه أن يؤمن المنذرون أو لا يأمنوا ، وكل ما عليه هو البلاغ ، ويوم القيامة يكون الحساب. وما كان تكذيب المكذّبين إلا لأن من طبع أغلب الناس أن لا يشكروا لله نعمه ، والكثير من اللوم يقع على الشيطان الذى أقسم أن يقعد لبنى آدم صراط الله المستقيم ، ويأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، يوسوس لهم بالشرّ والمنكر ، فكان عن حقّ الوسواس الخنّاس ، وكان عدو الإنسان وحزنه ، والله قد حرّم ما يوسوس به من الفواحش ، ما ظهر منا وما بطن ، ومن الإثم والبغى بغير الحق ، وأن يشرك به ، وأن يقال عنه ما لم يعلم عنه ، وما أظلم أن يفترى على الله الكذب ، أو يكذّب بقرآنه ، وهو الكتاب المفصّل على علم ، هدى ورحمة للمؤمنين.

٥٤٣

وفى سورة الأعراف عن قصة الخلق للسماوات والأرض فى ستة أيام. وتناولت السورة قصص الكثير من الأنبياء بإسهاب ، منهم نوح : الذى أنجاه الله ومن معه فى الفلك وأغرق المكذّبين ؛ وهود : الذى أرسل لقوم عاد فجادلوه فى آلهتهم ، فأنزل الله غضبه عليهم ، وقطع دابرهم ، وأنجاه والذين معه برحمة منه ؛ وصالح : الذى أرسل إلى قوم ثمود ، فعقروا الناقة ، وعتوا عن أمر ربهم ، فأخذتهم الرجفة ، فأصبحوا فى ديارهم جاثمين ؛ ولوط : الذى أنكر على قومه أن يأتوا الذكران ، وما سبقهم بها من أحد ، فهددوه وأهله بالإخراج ، لأنهم يتطهّرون ، فأنجاه الله إلا امرأته ، وأمطرهم حجارة دمرتهم تدميرا ؛ وشعيب : الذى دعا قومه إلى الله ، وأن يوفّوا الكيل والميزان ، ولا يبخسوا الناس أشياءهم ، ولا يفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها ، فلما يئس منهم دعا عليهم : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) (٨٩) ، فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين. فلو أن أهل كل هذه القرى آمنوا واتقوا ، لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض ، ولكن كذّبوا ، فأخذهم بما كانوا يكسبون. وبعث الله موسى إلى فرعون وملائه ، فظلموا بها ، فأخذهم بالسنين ، وهو الجدوب ، وأرسل عليهم الطوفان ، والجراد ، والقمّل ، والضفادع ، والدّم ، آيات مفصّلات ، فكانوا قوما مجرمين ، فانتقم الله منهم وأغرقهم فى اليم بأنهم كذّبوا بآيات الله وكانوا عنها غافلين.

وتحكى السورة عن قوم مرّ بهم بنو إسرائيل ، وكانوا يعكفون على أصنام لهم ، فأراد بنو إسرائيل أن يكون لهم مثلها ، وما دروا أن هؤلاء متبّر وهالك وباطل ما هم فيه ، وغاب عنهم موسى أربعين ليلة ، وعاد ليجدهم قد صنعوا عجلا من ذهب عبدوه ، ثم عفا عنهم ، ونسخ ألواح التوراة ، وفيها من كل شىء موعظة ، وتفصيل لكل شيئ ، هدى ورحمة للذين هم لربّهم يرهبون ، ولكنهم طلبوا أن يروا الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة ، ودعا موسى ربّه أن يغفر لهم ويرحمهم فقد هادوا إليه ، فما كان جوابه تعالى إلا قوله : (قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ) (١٥٦) ، قيل سيكتبها ، أى مستقبلا ، ويخصّ بها الأمة التى من أوصافها : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَ) (١٥٧) ، فخلص هذا الوعد لأمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، رسول الله الأمى إلى الناس كافة ، من لدن ربّ العالمين ، لا إله إلا هو ، وتقطّع بنو إسرائيل اثنى عشر سبطا ، وآتاهم من فضله ، ولكنهم كانوا أنفسهم يظلمون ، ومنهم قرية أصحاب السبت ، تحايلوا على شرع الله ، ونسوا ما ذكّروا به ، فأخذهم بعذاب بئيس ، وصاروا قردة خاسئين ، وقطعهم فى الأرض أمما ، فخلفوا خلفا يأخذون عرض الأدنى ، ويقولون إن الله واثقهم أن يغفر لهم مهما كان ما فعلوه!

٥٤٤

وفى السورة قصة بلعام بن باعوراء ، وكان مثلا مخزيا لعلماء السوء ، فصوّرته السورة بأشنع وأقبح ما يتخيّل لعالم يبيع دينه لقاء أن يرضى الحاكم ، ويوظّف علمه لتبرير ظلمه ، ولو شاء الله لأماته قبل أن يضل ، ولكنه أخلد إلى الأرض بضلاله ، وسكن إلى ملذات الدنيا ، وهوى المضلين والكافرين ، فكان مثله كمثيل الكلب ، إن تحمل عليه يلهث ، أو تتركه يلهث ، فهو يلهث على كل حال ، فكذلك الذى يترك الهدى ويفتى للحكام الظلمة ، فإن وعظته ضلّ ، وإن تركته ذلّ ، والناس فى حال الكلال تلهث ، وفى حال الراحة لا تلهث ، إلا الكلب فإنه يلهث فى كل حال ، فى الكلال والراحة ، وكذلك هذا العالم الذى لم يفد من علمه إلا غضب الله ، فلا هو ترك نفسه للجهل ، ولا هو هدى لما تعلّم ، فكان فى الحالين سواء ، وهذه أبشع صورة لمن يرزقه الله العلم النافع ، فيستغله خزيا ووبالا عليه ، ويتّبع الشيطان فيكون من الغاوين.

وتختم السورة بإثبات أن أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، هى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ، وما كان محمد مجنونا كما ادّعى اليهود ، قالوا : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (٦) (الحجر) ، فنفته الآية (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ) (١٨٤) ، وكان أبلغ الردّ عليهم قوله تعالى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩) ، وفى هذه الكلمات السبع قواعد الشريعة كلها فى المأمورات والمنهيات ، وليس فى القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية. ويظاهرها فى الحديث : «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» أخرجه الحاكم. ولما نزلت (خُذِ الْعَفْوَ) قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كيف يا ربّ ـ والغضب؟» فنزلت : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٠٠) ، وتتابعت الآيات كلها تحضّ على الإيمان والخير والصلاح ، قال : (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (٢٠٤) ، ردا على قولهم : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (٢٦) (فصلت) ، وخاطب الله تعالى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ والمقصود أمته كلها ، قال : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ) (٢٠٥) ، وأخبره تعالى عن أهل السماء : (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (٢٠٦). والسجود فى هذه الآية خاتمة الأعراف ، وهو أول سجود فى القرآن ، وكان آخر سجود فى خاتمة العلق. والله الموفق والمستعان ، وله الحمد والمنّة.

* * *

٥٨٩. سورة الأنفال

السورة مدنية إلا من الآية الثلاثين التى تقول : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ

٥٤٥

يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (٣٠) ، إلى غاية الآية السادسة والثلاثين التي تقول : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) (٣٦) فإنها مكية ، وترتيب السورة فى المصحف الثامنة ، وفى التنزيل المدنى التاسعة والثلاثون ، وفى التنزيل بعامة الرابعة والتسعون ، وطابعها عسكرى ، وينبغى إقرارها ضمن مناهج الكليات العسكرية الإسلامية ، أسوة بإقرار سفر يشوع على الكليات العسكرية الإسرائيلية ، والسورة تعنى بالحرفيات العسكرية ، وحرفياتها من الثوابت العسكرية لا المتغيرات ، ومدارها غزوة بدر التى كانت فاتحة الغزوات فى تاريخ الإسلام ، وفيها كانت ممارسة القتال لأول مرة من قبل المؤمنين ، وتناولت السورة تفاصيل هذه الغزوة بإسهاب ، وفيها تقرر أن يكون عذاب الله للمكذّبين بطريق القتال ، بعد أن كان فى الأمم السابقة بطريق النوازل والنكبات والزلازل والفيضانات ، فقوم نوح أهلكهم بالطوفان ، وعاد الأولى أهلكهم بالدبور. وثمود بالصيحة ، وقوم لوط أهلكهم بالخسف وبمطر الحجارة ، وقوم شعيب بيوم الظلّة ، ولم يشرّع القتال إلا لموسى ، ثم لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولأمة الإسلام. وسورة الأنفال هى : بلاغ للمؤمنين ، وبيان بما يجب عليهم فعله مع أعداء الله إذا نشبت الحرب معهم ، وسلوكهم فيها ، وما ذا يقبلون منهم وما ذا يرفضون. ولأن سورة الأنفال هى رصد لكل ما جرى ببدر أطلق عليها البعض سورة بدر ، واستنّت بدر حقائق عسكرية ثبتتها فى أذهان المسلمين ، فالفئة القليلة قد تهزم الفئة الكثيرة ، مثلما هزم المسلمون فى بدر ـ وكان عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر ، صناديد قريش ـ وكان عددهم ألفا وزيادة ، والكم العديد لا يهم مقارنة بالكيف النفسى ، والإعداد المعنوى للجيش من أهم أركان التعبئة ، وأن تكون للجيش قضية أفضل من أن لا تكون له قضية ، وقضية الحق أولى بالنصرة من قضية الباطل. وفى الحرب إذا لقى المسلمون أعداءهم زحفا فلا ينبغى أن يولّوهم الأدبار ، إلا إن كان ذلك فرارا خداعيا ، أو أن يفاجئوا العدو ويأتوهم من خلفهم على غرّة ، أو لينضمّوا إلى فئة أو سرية من المسلمين تحتاج المعاونة. والإسلام فيه من يجتهد ويخطئ فى الحرب ، ولا يسمى فرّارا من يرى أنه أخطأ بتركه للمعركة ، وسمّاه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم «العكّار» ، أى العرّاف الذى يعمل عقله ويتصرف من نفسه. وفى الحديث : أن التولّى يوم الزحف من الموبقات السبع ، ومن يولّى الدّبر يبوء بغضب من الله ، والجهاد فرض عين على المسلمين إذا تهددت الدور وأخذت الأرض والأموال ، وهتكت الأعراض ، فهذه هى الحرب الإسلامية المشروعة. ومن دروس بدر أن الأسرى الأمر معهم على خيار ، فإما فداء ، وإما قتل ، وإما مبادلة بأسرى من المسلمين ، وقتل الصناديد من

٥٤٦

العدو أفضل ، لأنه يفت فى عضد إخوانهم ، ويحبط جبهتهم الداخلية ، ويهزمهم نفسيا ، ويشفى صدور المؤمنين. وقائد المسلمين من شروطه أن يبث الطمأنينة بين قواته ، وفى بدر أنزل الله النعاس قبل المعركة على المسلمين أمنة من عنده. ومن خير حرفيات القتال الضرب فوق الأعناق ، وضرب كل بنان أى الأطراف ، وفى الحديث : «إنى لم أبعث لأعذّب بعذاب الله ، إنما بعثت لضرب الرقاب وشدّ الوثاق». والسورة تخاطب المجاهدين يوم بدر بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ست مرات ، تقوية لنفوسهم ، وإعلاء لكلمتهم ، ورفعا من شأنهم ، والإيمان الذى وصفوا به هو الذى يميّزهم عن عدوهم ، ويجعلهم الغالبين ، ويحفزهم أن يكونوا أكثر صبرا وثباتا ؛ وفى قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أنه تعالى يكلّفهم بأشياء ، وما يكلّفهم به فى بدر جميعه لصالح المعركة ، فعليهم أولا : أن لا يولوا الأدبار إلا لو كان ذلك لما يسمونه الخداع الاستراتيجى ، وليأتوا العدو من مكان آخر على غرّة ، أو لينضموا إلى مجاهدين من دينهم معاونة لهم ؛ وعليهم ثانيا : أن يطيعوا الله ورسوله ولا يتولوا عنه أو يكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ، وعليهم ثالثا : أن يستجيبوا لله وللرسول لما يحييهم ويصلحهم ، وفى الإسلام إحياؤهم ، وأخصّ الإسلام الجهاد فى سبيل الله ؛ وعليهم رابعا : أن يتركوا الخيانة ، والآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (٢٨) ، قيل نزلت فى أبى لبابة بن عبد المنذر ، أو فى حاطب بن أبى بلتعة ، والأحرى أنها عامة فيمن يخون المسلمين ممالأة لعدوّهم لمكاسب مادية ، أو تأمينا للأهل والولد ؛ والأمانات هى ما يكلّف به زمن الحرب من أعمال عسكرية ، وكان بعض المسلمين يسمعون الحديث من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيفشونه حتى يبلغ أعداءهم ، فنهوا أن يخونوا الله ورسوله كما كان المنافقون يصنعون ، وفى الحديث : «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ، ومن كان أن يلقى فى النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه» ، وحب الله ورسوله عند المؤمن مقدّم على الأولاد والأموال والنفوس ؛ وعليهم خامسا : أن يتّقوا الله فيجعل لهم فرقانا ويكفّر عنهم سيئاتهم ويغفر لهم. والفرقان هو الفاصل بين الحق والباطل ، ومن اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره ، وفّق لمعرفة الحق من الباطل ؛ وعليهم سادسا : أن يثبتوا إذا واجهوا العدو ، وفى الحديث : «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». وفى بدر قام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال : «اللهم منزّل الكتاب ، ومجرى السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم» ،

٥٤٧

وقال : «إن الله يحب الصمت عند ثلاث ..» وذكر منها الزحف ، إلا أن يذكر المجاهد ربّه كثيرا ، فيدعوه ويستعينه ، وليس أقرب من الله للمؤمن عند القتال ، وليس أذكر لله من المؤمن إذا احتدمت المعركة ، ولو لا ذلك ما أمر الله بالصلاة أثناء القتال ، وما أمر بالثبات والصبر ، فلا يفروا ، ولا ينكلوا ، ولا يجبنوا ، وأن يذكروا الله ولا ينسوه ، ويتوكلوا عليه ، ولا يتنازعوا فيما بينهم فيختلفوا ، فيكون الخذلان والفشل ، وتذهب ريحهم وقوتهم ووحدتهم ، وبمثل ذلك فتح المسلمون الأمصار شرقا وغربا فى المدة اليسيرة ، مع قلة عددهم ، وامتدت بلاد الإسلام فى المشارق والمغارب فى أقل من ثلاثين سنة ، عند ما كان القرآن هو دستورهم ، وسورة كالأنفال هى كتاب الحرب عندهم ، يرجعون إليها ويستشهدون بآياتها ، ويطبقون حرفياتها.

والأنفال التى أطلق على السورة اسمها ، هى ما زاد على المغانم ، تستخلصها من أموال أهل الحرب جماعات من الجيش أو أفراد ، ما كان من الممكن تحصيلها لو لا همّتهم فيها. وفى بدر حدث الخلاف حول الأنفال لا حول الغنائم ، لأنه منذ البداية كان معروفا أن الغنائم توزع بالتساوى بين أفراد المتحاربين ، فأما الأنفال فإن كل من حاز شيئا منها اعتقد أنها ملكه ، فأنكرت ذلك جماعة بدعوى أنهم شغلوا بحرب العدو لا بجمع الأنفال ، وكان فى استطاعتهم أن يفعلوا ذلك لو لا خوفهم أن يكرّ العدو على المسلمين ، ولذلك وجب أن يساوى بين الجميع فيها ، وقالت جماعة : لقد اضطررنا أن نبقى حول الرسول لئلا تغتاله يد آثمة ، والحال معهم جميعا ينبغى أن يكون على التساوى ، فنزلت سورة الأنفال ، وجاء اسمها فى أولى آياتها فى شكل سؤال موجه منهم للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والجواب من الله تعالى للتعليم والتوجيه ، ولقد جعلها الله تعالى للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتصرف فيها وفق صالح المسلمين ، فجعلها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتساوى بين الجميع ، وقال تعالى : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١). فهذه الآية خاصة بأن جعلت أمر الحكم فى الأنفال للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ونزلت آية الخمس بعد هذه الآية ، لا لتنسخها وإنما لتبيّن أكثر ، طريقة توزيع الغنائم والأنفال ، قالت : (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (٤١) ، فجعل سهم الله وسهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم واحدا. وفى الحديث : «لله خمسها ، وأربعة أخماسها للجيش» يعنى المجاهدين ، وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نصيبى معكم الخمس ، والخمس مردود عليكم» ، يعنى ينفقه فى مصالح المسلمين. ومنهم أقاربه ليغنيهم عن الصدقة ـ وصفها بغسالة الأيدى ، واليتامى الفقراء ، والمساكين المحاويج ، وابن السبيل المسافر وليس

٥٤٨

معه ما ينفقه. وفى سورة الأنفال يأتى تسمية يوم بدر : (يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) ، سمى كذلك لأنه اليوم الذى يفرق بين الحق والباطل ، والذى جرت فيه لأول مرة مصارع الطغاة ومهاوى الجبابرة ؛ وفى بدر كان اشتراك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأول مرة فى القتال ، ولأول مرة قاد جماعته وتجلّى حبّه للشورى ، وللقيادة الجماعية ، وللرجوع للجماعة والأخذ برأيهم ، فلما سار إلى بدر نزل على أدنى ماء هناك ، أى أول ماء وجده ، فتقدم إليه الحبّاب بن المنذر فقال : يا رسول الله ، هذا المنزل الذى نزلته ، منزل أنزلك الله إياه فليس لنا أن نجاوزه ، أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال : «بل منزل نزلته للحرب والمكيدة» ، فقال : يا رسول الله ، إن هذا ليس بمنزل ، ولكن سر بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلى القوم ونغور ما وراءه من القلب ، ونستقى الحياض ، فيكون لنا ماء وليس لهم ماء ، فسار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ففعل ذلك. وأنزل الله المطر عليهم فأطفأ به الغبار ، وبه تلبدت الأرض ، وطابت نفوسهم وثبتت أقدامهم. وليس فى السورة أن الملائكة اشتركت فى القتال فى بدر ولكن ذكرها كان ملهبا لحماس المسلمين ، ومثبّتا للذين آمنوا ، وربط على قلوبهم. وكان انتشار الإشاعة أن الملائكة تحارب مع المسلمين ، مما بعث الخوف فى قلوب الكافرين. وأرعبهم أكثر أن يقبض الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من التراب ويحصب به وجوه الكافرين ، فولّوا مدبرين ، وكانوا كلما اقتربوا منه يقبض من التراب قبضة ويرمى به فى وجوههم وهو يقول «شاهت الوجوه» ، وفى مثل ذلك نزلت الآيات : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١٧) ، وفى الآية الكثير من الحكمة ويستشهد بها فلاسفة المسلمين الذين تكلموا فى القدر والكسب ، وهى تبين أنه تعالى خالق أفعال العباد ، والمحمود على جميع ما يصدر منهم من خير يوفقهم إليه ، ويعينهم عليه ، يقول : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) ، أى ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم ، بل هو الذى أظفركم عليهم ، كما قال : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (١٢٣) (آل عمران) ، فالنصر غير مرهون بكثرة العدد والعدد ، وإنما النصر من عنده تعالى كما قال : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٢٤٩) (البقرة). ولقد كان هواهم يوم بدر أن يتركوا الأسرى لقاء الفدية ، وأنكر عمر عليهم ذلك ، واختار عمر النفير على العير ، واختار النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الفداء لأنه كسب بلا قتال ، كقوله : (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ) (٧) ، وغير ذات الشوكة هى البعير ، وأما ذات الشوكة فهم الأسرى من الصناديد ، ونزلت الآيات : (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ

٥٤٩

عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٦٩) ، فأحلّ الله لهم الغنائم لأول مرة ، وأن يتخذوا من إجراءات الحرب ما يبعث الرعب فى قلوب الأعداء ولا يطمئنهم إلى مصائرهم. والفدية تطمئنهم ، ولكن أن يعرفوا أنهم مقتولون ، ثم يسمع قومهم بقتلهم ، فهذا معناه كسب المعركة المعنوية قبل المعركة بالسلاح والعتاد ، وفى الحديث عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشرح ذلك أكثر فيقول : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلى : نصرت بالرعب مسيرة شهر ؛ وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا ؛ وأحلت لى الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلى ؛ وأعطيت الفاتحة ؛ وكان النبىّ يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة». وفى السورة تذكير بما كان مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم أن تآمروا عليه فى مكة ليقتلوه : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (٣٠). وكان عمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أبو طالب قد أرسل إليه يحذّره ، قال : هل تدرى ما ائتمروا بك؟ قال : «يريدون أن يسجنونى ، أو يقتلونى ، أو يخرجونى» ، وكانوا قد أعدّوا لذلك غلاما من كل قبيلة وسيطا يعطى سيفا صارما ، ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيتفرّق دمه فى القبائل كلها ، فلم يبت ليلتها فى بيته ، وحلّ مكانه علىّ ، وأذن له فى الخروج من مكة ، وأنزل الله الأنفال فى المدينة بعد بدر ، فى رمضان من السنة الثانية للهجرة.

وفى سورة الأنفال تأتى الآية العظيمة : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (٦٠) ، وفى شرح الآية قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ألا إن القوة الرمى» ، والرمى الحديث هو الرمى بالمدفعية والصواريخ ، برا وبحرا وجوا ، فالقوة الرئيسية فى الحروب منذ خلقها الله وحتى الآن هى : «الرمى».

وتختتم السورة بالحضّ على أن يوالى المؤمنون بعضهم البعض ، وتوالى كل الفئات والطوائف بعضهم البعض ، والأمة الإسلامية بأسرها ، وعليهم أن ينتصروا معا لمن يستنصرهم من إخوانهم بأى أرض أو بقعة من الأرض ، مثلما أن الكفار بعضهم أولياء بعض ، وإن لم يفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير. والحمد لله رب العالمين.

* * *

٥٩٠. سورة التوبة

سورة مدنية ، وقيل إلا الآيتين الأخيرتين فمكيتان ، وآياتها تسع وعشرون ومائة ، نزلت بعد سورة المائدة ، وترتيبها فى المصحف التاسعة ، وفى التنزيل المدنى السابعة والعشرون ،

٥٥٠

وفى التنزيل عموما الثالثة عشرة بعد المائة ، وكانت من أواخر ما نزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل : آخر سورة نزلت من القرآن : سورة براءة ، أى «التوبة» ؛ وقيل : إن أول هذه السورة نزلت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند مرجعه من غزوة تبوك ، وفى تلك السنة بعث أبا بكر الصدّيق أميرا على الحج ليقيم للناس مناسكهم ، ويعلّم المشركين أن لا يحجّوا بعد عامهم هذا ، وينادى فى الناس : (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) (١) ، فلما فعل اتبعه بعلىّ بن أبى طالب ليبلّغ ما فى السورة من الأحكام. وكان نزول سورة براءة فى السنة التاسعة من الهجرة ، وهى السنة التى خرج فيها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليغزو الروم ، ورفض الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يحج فى تلك السنة وأوكل أمر الحج إلى أبى بكر ، لأنه كما قال : «إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة ، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» ، يعنى إلى أن يبطل حجّ المشركين وطوافهم عراة. وسورة براءة حرّمت ذلك بعد تلك السنة.

وتتناول السورة أربعة أصناف من الناس ، هم : المشركون ، وأهل الكتاب ، والمؤمنون ، والمنافقون ، وهؤلاء الأربعة هم الذين تحدثت السورة بشأنهم ، وكانت أغلب الآيات عن المنافقين ، ثم المشركين ، ثم المؤمنين ، ثم أهل الكتاب. وسميت السورة «براءة» : باعتبار استفتاحها بقوله تعالى : (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (١) ، وهذا هو أهم ما تنزّلت به ، ومن أجله أرسل أبو بكر إلى مكة فى موسم الحج حيث الوفود من كل مكان ، ليعلمهم أن الحج بعد هذا العام للمسلمين وحدهم ؛ وسمّيت «التوبة» : بسبب قوله تعالى : (لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) (١١٧) ، وقوله : (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (١١٨) ، وقوله : (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (١٠٤) ؛ وسميت «الفاضحة» لأنها فضحت المنافقين وكشفت أسرارهم. ولمّا سئل ابن عباس عن سورة براءة قال : «تلك الفاضحة»!. وقال حذيفة بن اليمان : إنكم تسمونها سورة التوبة ، وإنما هى سورة العذاب! والله ما تركت أحدا من المنافقين إلا نالت منه!

وسورة براءة أو التوبة هى الوحيدة فى القرآن التى سقطت فيها البسملة فى مصحف عثمان ، وقيل إن سبب ذلك أن العرب كانوا إذا نقضوا عهدا يكتبون لمن نقضوا عهدهم به ، ولا يضمّنوا أول السورة «بسم الله الرحمن الرحيم» ، فلما نزلت السورة بنقض العهد مع المشركين ، وأرسل علىّ ليقرأها عليهم ، لم يبسمل على ما جرت العادة به ، وإذن فعلى هو

٥٥١

الذى استنّ ذلك. وقيل : إن عثمان قرن بين سورتى الأنفال وبراءة ، مع أن الأنفال من السور المثانى ، وبراءة من السور المئين ، ولم يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» بين السورتين ، ووضعهما كسورة واحدة ضمن السور الطوال ، وتعلل بأن الأنفال كانت من أوائل ما أنزل فى المدينة ، بينما براءة من أواخر ما أنزل ، ومع ذلك فإن قصتيهما كانتا متشابهتين ، وقبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يبيّن أنها منها أو أنها غيرها ، فظن عثمان أنها منها ، ومن ثم قرن بينهما ولم يكتب بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم»؟!! وإذن يكون عثمان هو السبب. ولكن الأغرب من ذلك أن يقول صحابى مثل سعيد بن جبير ـ إن كان قد قال ذلك ولم ينتحل عليه : إن سورة براءة كانت فى طول سورة البقرة؟!! فأين ذهب الباقى إذن؟! وقيل : إن كتبة القرآن انقسموا فريقين ، ففريق اعتبر السورتين سورة واحدة ، وفريق اعتبرهما سورتين ، فاتفقوا أن يدرجوهما ضمن المصحف مع تثبيت الرأيين ، فجعلوهما سورتين ولم يفصلوا بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم. وقيل : إن عليا قال إن بسم الله الرحمن الرحيم أمان ، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان! وقيل : بسم الله الرحمن الرحيم ، رحمة ، وبراءة نزلت سخطة. وقيل : إن السبب إن جبريل لم يتلها على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ببسم الله الرحمن الرحيم! وكما ترى فإنها جميعا أسباب واهية ، فما ضرر بسم الله الرحمن الرحيم لتحذف منها إن كانت السورة سخطة أو نقمة؟ وما معنى أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم توفى ولم يأمر ببسم الله الرحمن الرحيم فى بدايتها؟ أليست العادة أن كل سورة تبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم دون أن يذكر أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خصّها بذلك أو لم يخصها؟ وكيف تكون قصة الأنفال شبيهة بقصة براءة ، مع أن كل قصة وكل سورة لها مقاصدها وغاياتها وتوجهاتها ، وكانت الأنفال لعموم المسلمين بشأن الحرب والمغانم ، بينما براءة لإلغاء العهد مع المشركين ، وإدانة أهل الكتاب وفضح المنافقين؟! ومن الواجب إذن تصحيح هذا الوضع ، فبسم الله الرحمن الرحيم تشرف بها سور القرآن ، وهى جزء من كل سورة ، وموجز لكل سورة مهما كانت موضوعات السورة ، وتلخص دعوة الإسلام فى التوحيد ، وتعرّف باسم الله ، وبأشرف أسمائه تعالى. فما ذا عليها أو على السورة لتحرم من هذا الشرف الكبير؟! وربما يكون الإصرار على حذفها تذكيرا بتاريخ هذا الخلاف ، فإن أدرجت ضمنها «بسم الله الرحمن الرحيم» ينسى هذا التاريخ ويسقط من ذاكرة المسلمين.

وسورة براءة بلاغ للمشركين والكفار من أهل الكتاب والمنافقين ، وتنبيه لهم ، وإعلان للحرب على الشرك والكفر والنفاق ، ولو لا نزول سورة براءة لما استشعر المشرك أنه مشرك ، ولا الكافر من أهل الكتاب أنه كافر ، ولا المنافق أنه مفسد فى الأرض ، ولاستمر

٥٥٢

كلّ فى حياته العادية ، وكأنما كان نزول الإسلام حركة انقلاب تحولت بها زعامة العرب من فئة الكافرين إلى فئة المؤمنين ولا أكثر من ذلك. ولكن سورة براءة وضعت حدا للمشركين والكفار والمنافقين ، ونحّتهم عن الحياة العامة ، ومنعت أن يكون لهم الغلبة على التكوين العام للعقلية العربية ، وطبعت المجتمع بالطابع الإسلامى الصرف ، وميّزت المسلمين عن غيرهم ، وأوضحت بشكل لا لبس فيه أهداف الإسلام نحو إنشاء الدولة الإسلامية ، والتأسيس لنوعية التربية والتعليم الإسلاميين. وفضحت السورة المعارضين ، وأوجزت فى عبارات بليغة نقدها لفلسفاتهم ، ودللت على تفاهة معتقداتهم وتهافت مذاهبهم التى يصدرون عنها ، وأعلت من شأن الإسلام وكلمة الحق والدين ، وجعلت السورة مهلة أربعة شهور لمن كانت بينه وبين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عهود ، ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر يتم له عهده ، كقوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (٤) ، ولم يبدأ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقطع العهد ولكن الذى قطعه كان أهل مكة ، وذلك أنه كان قد تصالح وقريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب ، فعدت بنو بكر على خزاعة ونقضوا العهد ، وأعانت قريش بنى بكر بالسلاح والرجال ، فانهزمت خزاعة ، فكان ذلك نقضا لصلح الحديبية ، وذهب الخزاعيون إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مستغيثين به ، فقال : «لا نصرت إن لم أنصر بنى كعب» ـ يعنى خزاعة ، وتجهّز الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى مكة ففتحها سنة ثمان هجرية ، واتجه إلى هوازن وكانت وقعة هوازن يوم حنين فى أول شوال سنة ثمان ، وحاصر الطائف ، ثم انصرف إلى الجعرانة ، وفى رجب من سنة تسع اتجه إلى غزوة الروم التى هى غزوة تبوك ، ونزلت براءة قبل الغزوة وأثناءها وبعدها. والسورة فيها جواز نقض العهد ، وقيل إن العهد قد نسخ ولم يكن ذلك نسخا وإنما نقض له أسبابه ، وأعلن النقض يوم الحج الأكبر ـ وهو مصطلح إسلامى ، قيل هو يوم عرفة ، وقيل هو يوم النحر ، والصحيح أنه يوم النحر ، وسمى يوم الحج الأكبر بقول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه : «هذا يوم الحج الأكبر» ، كمقابل لقول الناس الحج الأصغر ، وبناء على إعلان براءة الله ورسوله من المشركين ، لم يحج مشرك عام حجة الوداع الذى حجّ فيه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ويوم الحج الأكبر : يهراق فيه الدم ، ويوضع فيه الشّعا ، ويلقى فيه التفث (الوسخ) ، وتحل فيه الحرم ، وهو يوم الحج كله.

وفى السورة أن الشهور الأربعة هى الشهور الحرم ، أو شهور العهد ، وإذا انسلخت ، يباح قتل كل مشرك باستثناء المرأة والراهب والصبى والزمن ، وتمنع المثلة ؛ وقيل إن الآية : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ

٥٥٣

كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) ، هى آية السيف ، وأنها تنسخ كل آية فى القرآن فى ذكر الإعراض عن المشركين ، والصبر على أذى الأعداء. والصحيح أنها لم تنسخ أيا من هذه الآيات ولم تنسخها بدورها الآية : (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) (٤) (محمد) ، يعنى لا يقتل أسير صبرا ، فإما أن يمن عليه وإما أن يفادى. وقيل : إن هذه الآية الأخيرة من سورة محمد تنسخها آية السيف ، فإنه لا يجوز مع الأسارى من المشركين إلا القتل. والصحيح أن الآيات كلها محكمة ، لأن الإعراض ، والصبر على الأذى ، والمن ، والقتل ، والفداء فى الأسرى ، كل ذلك لم يزل من حكم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أول حرب حارب فيها المشركين ، وهى يوم بدر ، بدليل قوله تعالى : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) ، وهى حالات ليس فيها القتل المباشر ، وفيها التخيير ، والقتل فيها معلّق على الشرك ، ومتوقف عليه ، فإذا زال الشرك زال القتل بزواله. وكيف يكون القتل مباشرة وهو تعالى يقول : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) (٦) ، يعنى أنه لا يقتل ، وأن الحربى إذا وجد فى طريق بلاد المسلمين وطلب الأمان ، فلا يؤذى ، ويردّ إلى مأمنه ، وكذلك التاجر لا يتعرض له حتى يبيع ، ولا تجعل الآية : (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ) (١٧) للمشركين تولّى أحكام المساجد ودخولها. ويثبت الإيمان لمن يعمر المساجد بالصلاة فيها ويصلحها وينظّفها.

وفى السورة عن يوم حنين أن المسلمين أعجبتهم كثرتهم فلم تغن عنهم شيئا ، وانهزموا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وولّوا مدبرين ، وأنزل الله سكينته على رسوله والمؤمنين ، وأنزل ربّ الجنود جنوده وعذّب بهم الذين كفروا ، قيل كان النبىّ يحصبهم بالحصيات ، ويقول : «انهزموا وربّ محمد» ، فانقلبت المعركة ضد الهوازيين ، وفى هذه الغزوة أباح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سلب القتلى ، ولهذا صارت لغزوة حنين أحكام ضمن الأحكام. وحنين واد بين مكة والطائف.

وفى سورة براءة : أن المشركين نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ، وذلك عام فى سائر المساجد ، وكان ذلك التحريم سنة تسع هجرية. وآية القتال فى السورة لأهل الكتاب هى الآية : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) (٢٩). والجزية لا تقبل إلا من أهل الكتاب خاصة. وهم أهل الذمة ، وأقلها دينار عن الفرد البالغ الغنى

٥٥٤

والفقير الحرّ ، ويخفف عن الضعيف. وأما أهل الصلح فما صولحوا عليه ، ومن يسلم تسقط عنه الجزية ، ومن يدفع الجزية يدفعها عن يد ، يعنى بنفسه غير مستنيب فيها. وأهل الكتاب هم النصارى واليهود ، وهؤلاء هم الكفار ، لأنهم قالوا مثلما قال الذين كفروا ، فاليهود ألّهوا عزير ، واعتقدوا ما كتبه من الأسفار هو توراة موسى وألواحه ، وأنه موحى إليه ولا ينطق عن الهوى ، وما كان من الممكن أن يكتب الأسفار دون أن يكون بمثابة الابن لله وقد آثره الله بعلمه ؛ والنصارى قالوا المسيح ابن الله ، أرادوا بذلك عكس ما أراد اليهود ، فاليهود أرادوا ببنوة عزير لله أنها بنوة رحمة ، وأما النصارى فأرادوا ببنوة عيسى لله بنوة نسل ، واتخذ اليهود أحبارهم أربابا ، واتخذ النصارى رهبانهم أربابا ، وما أمرت الطائفتان إلا ليعبدوا الله الواحد لا إله إلا هو سبحانه عمّا يشركون ، وكثير من هؤلاء وهؤلاء ليأكلون السّحت ، ويشهدون بالباطل ، وينكرون الحق. وقد أمر المسلمون أن يقاتلوا المشركين كافة لمّا ثبت أن المشركين يقاتلونهم كافة ، إلا فى الشهور الحرم ، ولا يحاولون أن يؤخّروا شهرا منها أو يقدّموه ، كما كان المشركون يفعلون. وتأخير الشهور أو تقديمها كان يسمونه النسيء. وتحضّ السورة المسلمين على القتال ، وتستنفرهم ، وتعيب عليهم أن يثّاقلوا إلى الأرض. وتروى كيف نصر الله تعالى نبيّه إذ أخرجه المشركون ثانى اثنين ، والأول هو أبو بكر ، سمّته «صاحبه» ، كقوله تعالى : (إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا) (٤٠) ، وذلك من فضائل أبى بكر ، ودليل على أنه الخليفة بعد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وتعيب السورة على المسلمين قعودهم عن الانتصار للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واستصعابهم للسفر معه إلى تبوك ، ولو كانت المسافة أقرب لاتّبعوه. وتأخذ على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن وافق على استئذانهم ولم يتبين صدقهم فيه ، وما كان استئذانهم فى الحقيقة إلا لأنهم ما كانوا مؤمنين ، وارتابت قلوبهم ، ولو خرجوا مع المسلمين لأسرعوا فيما بينهم بالإفساد والإيضاع. ومن علامات هؤلاء المنافقين أنهم لا يأتون الصلاة إلا كسالى ، ولا ينفقون إلا وهم كارهون ، ويحلفون أنهم من المسلمين ، وما هم منهم ، ويلمزون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الصدقات ، أى يطعنون عليه ، فإن أعطاهم منها رضوا ، وإن لم يعطهم سخطوا ، مع أن الصدقات لا يستحقونها ولها منصرفاتها ؛ وبيّنت السورة سبع منصرفات للصدقات ، والمقصود بها صدقات الفرض ؛ وأولى هذه المتصرفات الفقراء ، ثم المساكين : والفقير أحسن حالا من المسكين ، وله بعض ما يكفيه ويقيمه ، والمسكين لا شىء له ، وأشد حاجة من الفقير ، ويستوى فى الصدقات أن يكون مستحقا مسلما أو ذميا ، فكلاهما تجوز عليه الصدقة. ومن المستحقين : العاملون عليها : وهم جباة الصدقات ، وكانوا يتقاضون على ذلك ثمنا لتعطيلهم أنفسهم لمصلحة

٥٥٥

الفقراء ؛ والمؤلفة قلوبهم : وذلك مصطلح لم يرد فى القرآن لغير قسم الصدقات ، وكانوا فى صدر الإسلام يتألّفون بعض الناس ، بدفع سهم من الصدقة إليهم ، لضعف يقينهم ، وكان هؤلاء لا يسلمون بالإقناع ولا حتى بالقهر والسيف ، إلا بالمال. وقيل المشركون ثلاثة : صنف يرجع بإقامة البرهان ، وصنف بالقهر ، وصنف بالإحسان. ومن هؤلاء الأخيرين : المؤلفة قلوبهم ، وكان منهم عيينة بن حصن ، وكان مغموزا عليه ؛ ومنهم متفاضلون كالحارث ابن هشام ، وحكيم بن حزام وعكرمة بن أبى جهل ، وسهيل بن عمرو ، ومنهم دون ذلك. وعدّ من المؤلف قلوبهم أبو سفيان بن حرب. ومن الصدقات يجوز أن تشترى الرقاب فتعتق ، أو تفك ، أو يعان فى ثمنها. والغارمون ممن يستحقون أن تشملهم الصدقات ، هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم ؛ وفى سبيل الله : هم الغزاة وموضع الرباط ، يعطون ما ينفقون فى غزوهم ، سواء كانوا أغنياء أو فقراء ؛ وابن السبيل : والسبيل هو الطريق ، وابن السبيل هو المسافر الذى تنقطع به الأسباب فى سفره عن بلده ومستقره وماله.

وتعظ السورة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين أن يجاهدوا الكفار من أهل الكتاب والمنافقين ، وأن يغلظوا عليهم ، فبعضهم من بعض ، يأمرون بالمنكر ، وينهون عن المعروف ، ويقبضون أيديهم ، وبعضهم قال كلمة الكفر بعد إسلامه ، أى سبّ النبىّ والإسلام ، وبعضهم يلمز المطّوعين من المؤمنين فيما يقدمونه من الصدقات ، وبعضهم قعد عن القتال بدعوى شدّة الحر ، وهؤلاء هم الخوالف ، فلم يستعن بهم بعد تبوك ، وأمر المسلمون أن لا يصلّوا على الخوالف إذا ماتوا ، مثل عبد الله بن أبىّ بن أبى سلول ، وتطلق السورة على المعتذرين بغير عذر من الخوالف اسم المعذّرون ، وأما الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون فهؤلاء لهم أعذارهم حقا ولا تثريب عليهم. والأعراب أشد كفرا ونفاقا من المنافقين ، وهؤلاء هم أهل البوادى من حول المدينة ومن أهلها ، ومنهم من يؤمن بالله وينفق بإخلاص قربات إلى الله. ومن المنافقين أصحاب المسجد الضرار ، اتخذوه ليكون مركزا لهم لنشر إشاعاتهم والتفريق بين المسلمين ، فأحرقه المسلمون وهدموه ، وأمروا أن لا يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى ، ومثلهم كمثل إبراهيم ، فقد وعد أباه أن يستغفر له ، فلما تبيّن له أنه عدو الله تبرّأ منه. ولقد تاب الله على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمهاجرين والأنصار الذين اتّبعوه فى ساعة العسرة ، من بعد ما كاد يزيغ قلوب بعضهم ؛ وساعة العسرة هى التى اشتد فيها القتال وبلغ الجوع والعطش بالمسلمين مداهما. وكذلك تاب على الثلاثة المخلّفين ، وهم : كعب بن مالك ، ومرارة بن ربيعة العامرى ، وهلال بن أمية الواقفى. وما كان على المسلمين أن ينفروا كافة ، فالجهاد ليس على الأعيان ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعزّ عليه معاناتهم ،

٥٥٦

ويحرص عليهم ويرأف بهم ، فإن تولوا بعد كل ذلك ـ والخطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولأمة الإسلام من بعده ، فحسبه الله لا إله إلا هو ، وهو ربّ العرش العظيم. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٥٩١. سورة يونس

السورة مكية ، وكما قيل إلا الآية : (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ) (٩٤) ، فإنها مدنية ، ونزلت فى اليهود ، وهناك أقوال أخرى بأن آيات أخرى من السورة مدنية ، إلا أن السورة فى عمومها متناسقة ، ومعانيها متوافقة ، ويطبعها جميعها الطابع العام للسور المكية ، من حيث الاهتمام بأصول العقيدة ، ومناقشة معانى الإيمان بالله ، والاستدلال على وحدانيته ، والبرهنة على البعث والجزاء ، والاستشهاد بقصص الأنبياء ، وأخبار الأمم السابقة ، والتنبيه إلى عظمة القرآن ، وأنه المعجزة التى انفرد بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وهذه السورة فى المصحف هى العاشرة فى الترتيب ، وفى التنزيل هى الواحدة والخمسون ، وكان نزولها بعد سورة الإسراء ؛ واسمها سورة يونس ، لأنها تحدثت ضمن من استشهدت بهم من الأنبياء كنوح وموسى وهارون ، عن موقف النبىّ يونس مع قومه ، ورغم أن نصيب يونس من السورة آية واحدة ، وتأتى فى آخر السورة ، إلا أن قوم يونس كانوا جميعا من المؤمنين ، على عكس قوم نوح وموسى وهارون ، فاستحقوا مصيرا مختلفا عن مصائر أقوام الأنبياء الآخرين ، بقوله تعالى : (فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) (٩٨) ، وفى الحديث الصحيح : «عرض علىّ الأنبياء ، فجعل النبىّ يمر ومعه الفئام (أى الجماعة) من الناس ، والنبىّ يمر معه الرجل ، والنبىّ معه الرجلان ، والنبىّ ليس معه أحد ...» ثم ذكر كثرة أتباع موسى ، وكثرة أمته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كثرة سدّت الخافقين. والغرض أن قوم يونس كانوا نسيج وحدهم ، ومضرب الأمثال فى الإيمان ، وهم أهل نينوى بالعراق ، فلما هجرهم يونس وظنوا أن العذاب قد دنا منهم ، أقرّوا بالتوبة ، ولبسوا المسوح ، ولجأوا إلى الله نادمين ، فعاد إليهم يونس فكشف عنهم العذاب ، فصاروا عبرة المعتبر ، ولعل كفار مكة يتعظون بقصتهم.

وتبدأ سورة يونس بالحروف المقطّعة (الر) (ألف لام راء) ، كخمس سور أخرى ، هى بحسب ترتيب التنزيل : يونس ، ثم هود ، ثم يوسف ، ثم الحجر ، ثم إبراهيم. وهذه الحروف من حروف الأبجدية ، إشارة إلى أن القرآن هو من هذه الحروف البسيطة التى

٥٥٧

يعرفها الجميع ، ولكن ما من أحد يستطيع أن يأتى بمثل سور القرآن ، أو حتى بآية ، ولو ظاهر بعضهم البعض. وقوله تعالى : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ) (١) قسم بهذه الحروف بأن آيات هذا القرآن المعجز منها ، وفيها الحكمة كلها ، كقوله : (الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) (١) (هود) ، والحكيم هو المحكم : يحكمه الحلال والحرام والحدود ؛ أو هو الحاكم : يحكم بالحلال والحرام ، ويحكم بين الناس بالحق ، كقوله تعالى : (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) (٢١٣) (البقرة) ، أو هو المحكوم فيه ـ أى فى الكتاب ، يحكم الله فيه بالعدل والإحسان ، والنهى عن الفحشاء ، والمنكر ، ويحكم بالجنة للمطيعين ، وبالنار للعاصين ؛ والحكيم : هو المحكم من الباطل ، فلا كذب فيه ولا اختلاف. ولهذا قيل إن قريشا لم تستصغر القرآن ، وإنما كان استصغارها لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكبر عليها أن يكون هو بالذات مبعوث الله بهذا القرآن ، كقوله تعالى : (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ) (٢) ، وفيه تعجّب من موقفهم ، وتوبيخ لهم ، فليس عجبا أن يوحى إلى رجل منهم ، ولكن اعتراضهم كان لسبب آخر ، قالوا : ما وجد الله من يرسله إلا يتيم أبى طالب؟! ولما استمعوا لنذارته وبشارته تعجبوا أكثر ونسبوا إليه السحر ، وكأن ما يقوله القرآن فى الله تعالى لا يعدو كلاما ساحرا ، والله تعالى يقول : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ) (٣) ، ويعدّد كبرهان له آياته تعالى فى الكون ، فهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده ، وجعل الشمس ضياء والقمر نورا ، والناس حيال هذه الآيات إما غافلون ـ وهؤلاء إيمانهم فقط بهذه الحياة الدنيا ، وإما مؤمنون صالحون ولهم الجنة : (دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (١٠) ، ولو عجّل الله للناس العقوبة كما يستعجلون الثواب لتوفّاهم ، ولقد أهلك القرون الأولى لمّا ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات ، وهؤلاء الكفرة من أهل مكة تنزّل عليهم القرآن فما آمنوا ، وطلبوا تبديله ، وفرق بين تبديله وأن يأتى بقرآن آخر ، فالقرآن الآخر لا يجوز أن يكون النبىّ المنزّل عليه محمدا ، وأما التبديل فيجوز. وتبديله يعنى إسقاط ما فيه من تعيب لآلهتهم ، وتسفيه لأحلامهم. ولو شاء الله ما أعلمهم بالقرآن أصلا ، وما أرسل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إليهم ، وليتهم عبدوا إلها ينفعهم ، أو ليت ما يعبدون يشفعون لهم حقيقة يوم القيامة؟! وما كان الناس فى أول الخلق إلا أمة واحدة ، وكانوا يعبدون الله ، ثم كثروا واختلفوا ، وأهل مكة طالبوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بآية من الله ، ولم يعجبهم القرآن كآية ، مع أن الآيات فى أنفسهم ومن حولهم ، فلو مسّهم الضر يصرخون بالإيمان ، أفليس فى ذلك آية؟ وإذا ارتفع عنهم الضر عادوا للعصيان ؛ وإذا

٥٥٨

كانوا فى البحر وعصفت الريح دعوا الله مخلصين ، ولو أنجاهم عادوا للبغى فى الأرض! وكأنهم قد اطمأنوا للدنيا مع كثرة ما تنزل بهم نوازلها ، ولكنها محبة أن يعيشوا وتطول أعمارهم ، فالدنيا تعجبهم ، ويجدون فيها زخارفها وزيناتها ، مع أنه كلما ازيّنت كان ذلك إيذانا بنهايتها المرتقبة ، والله لا يدعو للدنيا وإنما لدار السلام ـ أى الجنة ، سمّاها «دار السلام» لأن من يدخلها يسلم من الآفات ، والسلام لا ينقطع عن أهل الجنة ، وهو تحيتهم ، ويسميها لذلك «الحسنى» ، ويعد بها الذين أحسنوا فى الدنيا ويعدهم بالزيادة عليها بأن يغفر لهم من الله تعالى ؛ وأما المسيئون فجزاء السيئة بمثلها ، ويحشرون جميعا ويزال بينهم ـ أى يفرّق ، وتبلى كل نفس ما أسلفت ؛ والله هو الرزّاق ، والمحيى والمميت ، وهو الحق ، فهل فيمن يدعون من دون الله من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ وهل منهم من يهدى إلى الحق؟ وليس ما يعبدون سوى الظن ، والظن لا يغنى من الحق شيئا. وهذا القرآن لو كان محمد قد افتراه ، لكان من الممكن أن يفترى غيره مثله ، فهل بوسع أحد من البشر أن يأتى بسورة مثله ، ولو يستعينون بمن يشاءون؟ ومحال أن يستطيعوا ، لأنهم ما حصّلوا من العلم شيئا ، وما يعلمون تأويل القرآن ليقلدوه ، وليسوا جميعا سواء حتى فى الكفر ، ومع ذلك فليس كل أهل مكة كافرين ، فمنهم المؤمنون وإن لم يصرّحوا ، ويكتمون إيمانهم ، وليس من ردّ على أهل الكفر إلا أن يقال لهم : إن لكل أعماله : المؤمنون والعصاة ، وأنّ كلا لبرئ مما يعمل الآخر ، وأن لكل أمة رسولا هو الشهيد عليها ، والله لا يعذّب حتى يبعث رسله ، ولكل أمة أجل ، فلا يستعجلون آجالهم ، ولا يتعجلون العذاب ينزل بهم ، فالعذاب قادم لا محالة ، وهو عذاب أبديّ. وأما أولياء الله فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ولهم البشرى فى الدنيا والآخرة ، ولا يفلح الذين يفترون على الله الكذب. وهذا نوح كذّبه قومه ، فنجّاه الله ومن معه فى الفلك ، وبعث من بعده موسى وهارون إلى فرعون ، فاعتقدهما ساحرين ، وأبطل الله سحر فرعون ، وكان فرعون من العالين والمسرفين ، وقال موسى وقومه : (عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا) (٨٥) ، ودعوا ربّهم فقالوا : (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٨٦) ، ودعا موسى على فرعون وقال : (رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) (٨٨) ، وأجيبت دعوته ، وجاوز به الله وبقومه البحر ، وأتبعه فرعون وجنوده بغيا وعدوا ، حتى إذا أدركه الغرق قال : (آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٩٠) ، ونجّاه الله ببدنه ليكون لمن خلفه آية يشهدها قومه. وهذا هو القصص الحق ، وكل من يشك فى هذا القصص فليعد إلى كتب

٥٥٩

اليهود ويستشيرها ، وسيجد أن قصص القرآن هى الحق ، وما عداها باطل ، فما أكثر ما حرّف فى كتب اليهود ، وما شوّه من القصص الدينى فيها ، فحقّت عليهم كلمة الله ، أى غضبه وسخطه ، وما كان كل الناس سواء فى الإيمان بالرسل ، وما كان لإنسان أن يؤمن إلا لو عقل ، ومن لا يعقل عليه الرجس ، وما تغنى البراهين والدعوة والدلائل لقوم لا يؤمنون ، ومن يشك فى القرآن فليعبد من يرتضى أن يعبد ، فالمسلمون لا يعبدون إلا الله ، وهذا القرآن هو الحق ، قد تنزّل من عند الله ، فمن يؤمن به فقد اهتدى ، وإنما يهتدى لنفسه ، ومن يضل فإنما يضل عليها. وتنتهى السورة بدعوة المؤمنين إلى أن يتّبعوا ما أوحى إلى نبيّهم من القرآن والسنّة ، وأن يصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.

وفى هذه السورة يأتى الحلف من الله يعلّمه لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقول تعالى : (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (٥٣) ، و «إى» كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم. والحلف منه تعالى بطريق نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى القرآن كله يأتى مرتين بخلاف هذه المرة السابقة ، يقول : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) (٣) (سبأ) ، ويقول : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ) (٧) (التغابن).

ومن فقه هذه السورة أنه فى أوقات الفتن على الناس أن يتخذوا من بيوتهم مساجد كلما خافوا حاكما كافرا أو حكومة مستبدة تجور على المسلمين بقوله تعالى : (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (٨٧). ومن براهين البعث : أن كل شىء له بداية ونهاية ، ثم تكون بداية أخرى وهكذا (إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (٤). ومن براهين حرية العقيدة للناس مقالة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (١٠٨) ، ونفى وكالته للناس يعنى أنهم أحرار يختارون أن يؤمنوا أو يكفروا ، ومن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعليها. وفى قوله تعالى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ) (١٠٩) ، أن الوحى له فى حياته ، وبعد مماته النصّ ما يزال قائما صالحا ويخاطب المسلمين كلهم ، وفهمهم لخطاب القرآن ليس بوحى من جبريل ، وإنما من ضميرهم ـ ضمير المسلم الذى شكّله القرآن وطبعته السنّة ، وقوله : (قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (١٠١) ، يعنى عليهم البحث فى كل العلوم بلا استثناء ، والعلم فى القرآن هو العلم الشامل. وفى قوله : (كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) (٣٣) ، قيل إن الآية دليل على القدرية ، والصحيح أن «حقّت كلمة ربك» لا تعنى أن القضاء بالكفر سبق عليهم ، ولكن المعنى أنهم لما فسقوا وفعلوا أسباب الفسق صاروا فاسقين ، فحقّ عليهم ـ أى صدق ـ أنهم لا يؤمنون. والحمد لله ربّ العالمين. على نعمة الإيمان دائما أبدا.

* * *

٥٦٠

٥٩٢. سورة هود

السورة مكية ، آياتها ثلاث وعشرون ومائة آية ، وكان نزولها بعد سورة يونس ، وترتيبها فى المصحف الحادية عشرة ، وفى التنزيل عموما هى الثانية والخمسون ، وقيل إن الآيتين : (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) (١٧) ، و (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ) (١١٤) مدنيتان ، لأنهما تتحدثان عن موضوعات مدنية وربما كانت الآيات المدنية أكثر من آيتين كالآية : (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) (١٢).

وفى سورة هود الكثير من الحديث عن : الظلم والطغيان ، وعن قصص الأنبياء ، وهلاك الأمم ، ومن آياتها قوله تعالى : (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (١١٢) ، قال ابن عباس : ما نزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم آية أشدّ ولا أشقّ من هذه الآية عليه». وروى أن أصحابه قالوا له : لقد أسرع إليك الشيب! قال : «شيبتنى هود وأخواتها» ، وأخواتها من أمثال : «الحاقة» ، و «سأل سائل» ، و «إذا الشمس كورت» ، و «القارعة» ، مما يرد فيها من مشاهد العذاب ، وصراع الخير والشر ، والإيمان والكفر ، ومما تحفل به من الأحاديث عن مصارع الجبّارين والعصاة. و «الاستقامة» فى الآية : هى الاستمرار فى جهة واحدة من غير أخذ فى جهة اليمين والشمال ، وهى الامتثال على عبادة الله الواحد ، وعدم الإشراك به ، والتوبة مما سلف ، وترك الطغيان والجبروت. والسورة تبدأ مثل خمس سور أخرى ـ بالحروف المقطّعة (الر) (ألف لام راء) ، من حروف الأبجدية ، تنبيها إلى إعجاز القرآن ، وأنه مؤلف من هذه الحروف وأمثالها ، ومع ذلك فإن آياته التى تتركب منها هى آيات لا يمكن أن يركّب مثلها إنسان ولا أمّة ، لأنها من لدن الله الذى أحكمها وفصّلها على مقتضى إرادته تعالى ، يبيّن بها الحق ، ويزهق الباطل ، ويروى من القصص ما فيه حكمة وإرشاد وتوجيه ، ويأتى بالأحكام بحسب الأحوال والوقائع ، والهدف من ذلك إبلاغ الناس أن هذه الأكوان والأزمان ، هى من خلق إله واحد لا شريك له ، هو الله ، القادر على كل شىء ، والمدبّر لكل أمر ، ولا تخفى عليه خافية ، وكل شىء عنده فى كتاب مبين. وكان الكافرون كلما قيل لهم إنهم مبعوثون بعد الموت يقولون : ما هذا إلا سحر مبين ؛ وجواب الله تعالى : أنه خلق الخلق ليبلوهم أيهم أحسن عملا ، وليبتليهم بالاعتبار والاستدلال على كمال قدرته ، وعلى البعث ، وأن من خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، وكان عرشه على الماء ، لقادر على أن يعيد الناس إلى الحياة بعد الموت. وكان بوسعه أن يخلق كل شىء بكن ، ولكنه خلقه فى ستة أيام ، ليحثّ

٥٦١

خلقه على التأنّي فى الأمور. وقبل السموات والأرض كان الماء ، فهو الأسبق فى الخلق. ومع البعث يكون الحساب والعقاب والثواب. وقد يستعجلون العقاب ويتساءلون : وما ذا يؤخّره إلى أمة معدودة؟ والأمة هى الجماعة ، عبّر بها عن السنين والمدة ، لأن الأمة تكون فيها والأمم لها آجال ، ولكل أمة عمر ومدة ، وحين وزمان ، والتاريخ ليس سنوات تنقضى ولكنه أحداث تعرف بها السنين ، والعذاب مؤجل إلى الآخرة ، والآخرة موعده المحتوم. فلعل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعظم ما يراه من الكفر والتكذيب ، يتوهم أنهم يزيلونه عن بعض ما هو فيه ، فيضيق به صدره ، وقد كانوا يطلبون منه لو ينزل إليه كنز ، أو يصحبه ملك ، وما هو إلا نذير يتنزّل عليه القرآن بعلم من الله وبوحيه. والقرآن فى مجمله كتاب يشرح الإسلام ، ويثبت أنه «لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسوله إلى الناس» ، ويشهد القرآن على رسالته ، والقرآن بدوره تشهد التوراة قبل تحريفها وتزويرها على صدقه ، والتوراة سابقة فى النزول على القرآن ، وكان نزولها رحمة على المؤمنين بها ، وكذلك القرآن ، صار الكتاب الإمام فى الدعوة إلى الله ، وكان رحمة لمن يؤمن به ، ومن يكفر به من الأحزاب ـ أى سائر الملل ، فالنار موعده ، ولا محل شك فى القرآن ، وهو الحقّ من الله.

وتقسم السورة الناس إزاء الدعوة إلى فريقين : فالكافرون : هم الذين كفروا بربّهم ، وصدّوا عن سبيله ، وعدلوا بالناس عن الحق إلى المعاصى والشرك ، وجحدوا الآخرة ، فخسروا أنفسهم ، وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ؛ والمؤمنون : هم الذين أخبتوا إلى ربّهم ـ أى خشعوا له وخضعوا ، وعملوا الصالحات.

والفريقان ـ الكافر والمؤمن ـ كمثل رجلين ، أحدهما أعمى وأصم ، والآخر سميع وبصير ، هل يستويان مثلا؟ والكافرون يوم الآخرة هم فريق الأشقياء ، وهم فى النار ، والمؤمنون هم فريق السعداء ، ومكانهم الجنة خالدين فيها.

وتقص سورة هود القصص عن بعض الأنبياء ، ممن عانوا فى الدعوة ، وعن بعض الأقوام جميعهم كانوا مثلا فى الجحود والإنكار. وقصصهم من الواقع ، وآثارهم تدل عليهم ، وبعضها ما يزال قائما ، وبعضها أصابه البلى والتلف الشديد ، ولكنه ما يزال هناك ، كجذور الزرع بعد حصده ، ما تزال تعلق بها التربة. وتمتلئ هذه القصص بتفاصيل لا يوجد مثلها فى كتب الأقدمين ، بل إن أنبياء كشعيب وصالح وهود لا وجود لهم البتة ، لا فى كتب اليهود ، ولا فى كتب النصارى ، حتى أن المستشرقين ليعجبون : ما ذا كانت مصادر محمد التى استعان بها وعرف منها قصصهم؟ وما كان محمد مؤلف قصص ولا قصّاصا ، ولكن كان رسولا نبيا يوحى إليه من ربّ العالمين. وفائدة القصّ القرآنى كما قال

٥٦٢

تعالى : (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) (١٢١) ، يعنى أن هذه القصص لتعين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين على الصبر على ما ينالهم من الأذى بسبب إيمانهم بالله ، وما أكثر ما يحتاج المسلمون إلى هذه القصص الآن فى هذا الزمن الذى اضطهدوا فيه أبشع اضطهاد حتى فى بلاد الإسلام ، ليزدادوا تثبيتا ويقينا ، وتشدّ بها قلوبهم ، ويصبّرون حتى لا يلحقهم الجزع. وقوله : «وجاءك فى هذه الحق» أى فى سورة هود جاءك القصص الحق ، أن فيها أخبار الأنبياء والجنّة والنار ، وخصّها الله تعالى بالذكر وإن كان الحق فى كل القرآن ، وفيها عظة وذكرى للمؤمنين ، وهذا تشريف لهذه السورة ، لأن غيرها من السور قد جاء فيها الحق والموعظة والذكرى ، ولم تخصّص أيا منها كما خصصت سورة هود. وقصة نوح فى السورة هى أولى القصص ، ونوح هو الأب الثانى للبشرية ، وكان أطول الأنبياء عمرا ، وأكثرهم بلاء وصبرا ، وأول من قيل له كيف تكون نبيا وأنت لست سوى بشر؟ وما نرى إلا أن الأراذل اتّبعوك!؟ والأراذل : هم الفقراء من الطبقات الكادحة ، فعابوه وعابوهم. من حيث لا عيب فيه ولا فيهم ، لأن الأنبياء عملهم أن يأتوا بالبراهين والآيات ، وليس عليهم تغيير صور الناس وهيئاتهم ، ويرسلون إلى الناس جميعا ، إلا أن فقراء الناس هم الأسرع إلى الإيمان ، وهؤلاء الفقراء لشدة بؤسهم هم أول المتّبعين للرسل ، وهم جمهور المؤمنين بهم وسوادهم ، لأن الكبراء تستولى عليهم دائما الرئاسة ، ويصعب عليهم الانفكاك عنها ، وفيهم أنفة من الانقياد للغير ، وأما الفقراء فهم خليّون عن تلك الموانع ، ويسارعون إلى الإجابة والانقياد ، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا ، فإذا أسلموا لا يلحق الأنبياء منهم نقصان ، لأن عليهم أن يقبلوا إسلام كل من يظهر الإسلام. واشتهر نوح بالطوفان ، وبأنه صانع الفلك ، ونجّاه الله ومن معه وأهله إلا ابنه ، وقال الله : (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) (٤٦) ، وقيل : لم يكن ابنه وهو وقد كفر بأبيه ، وهو فى الآية قال : (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) (٤٥) ، فهو ابنه على الحقيقة ، وقيل : كان ابن امرأته ولم يكن ابنه ، وقيل : بل لم يكن ابنه لأنه قد جاء عن امرأته وامرأة لوط : (فَخانَتاهُما (١٠)). (التحريم) ، ومع ذلك فإن الخيانة لا تعنى أن يكون الابن ولد سفاح كما يزعم المرجّفون!!

وقصة هود هى القصة الثانية ، وبها سمّيت السورة «سورة هود» : أرسله ربّه إلى قوم عاد ، وكانوا أتباع كل جبّار ، فجحدوا بآيات الله ، وعصوا رسله ، فجاء أمره ونجّى هودا والذين معه من العذاب الغليظ بالريح العقيم. وقول هود : (تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها) (٥٦) ، اتخذه القدرية برهانا على صدق مذهبهم ، فقالوا

٥٦٣

سميت الناصية ناصية لأن الأعمال قد نصّت وبرزت من غيب الغيب ، فصارت منصوصة فى المقادير ، يعنى أن الله تعالى قد قدّر الأعمال وكتبها على جباه أصحابها ، وسمى الجبهة ناصية ، لأنها تنصّ حركات العباد بما قدّر لهم ، فالناصية مأخوذة بمنصوص الحركات التى قررها الله تعالى لكل كائن قبل أن يخلقه. وهذا كلام فيه الكثير من المغالطة ، لأن القدر فى المقادير والكميّات ، ومعناه أن كل شىء عنده تعالى بمقدار ، باعتبار الخلق والتكوين ، وأما أفعال الناس فهم فيها أحرار ، وعلى هذا يحاسبون ، وكانت التكاليف ، ولذلك وصف تعالى ناصية أبى جهل ، فقال : (ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ) (١٦) (العلق) ، يعنى أن ما كان يصدر عنه من أفعال وأقوال كانت جميعها كاذبة وخاطئة باختياره وإرادته ، وتحت مسئوليته ، وليس أن الله قد كتب عليه الكذب والخطأ!

والقصة الثالثة هى قصة النبىّ صالح مع قوم ثمود ، ودعوته فيهم هى نفس الدعوة تتكرر مع كل نبىّ : أن : (اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) (٦١) ، والاستعمار من مصطلحات هذه السورة المباركة ، واستعمركم فيها : يعنى جعلهم عمّارها وسكانها ، وأطال أعمارهم فيها ، وأمرهم بعمارة ما يحتاجون إليه من زروع وبيوت ، ومصانع ومساقى ، وحرث وغرس ، وحفر وتشييد ، وخلقهم لعمارتها ، فسكناهم للأرض من نوع السكنى العمرى ، أى مدى العمر ، وللإعمار ، بالمقارنة بسكنى آدم وحواء فى الجنة ، وكانت من نوع السكنى الرّقبى ، أى لمدة معينة ترقب نهايتها ، فمنذ أن قال لآدم : (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (٣٥) (البقرة) كان ينبغى أن يعرف أنها سكنى مؤقتة ثم تنقطع ، وفى الحديث : «العمرى جائزة لمن أعمرها ، والرّقبى جائزة لمن أرقبها». أخرجه ابن ماجة.

والقصة الرابعة قصة إبراهيم : وكان أول من أضاف من الأنبياء ، وكان كريما وعنه ورث العرب الكرم ، وبشّره الملائكة وزوجته : (بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) (٧١) ، فضحكت زوجته ، قالوا : ضحكت يعنى حاضت ، فقد كانت آيسة ، والعرب تقول : ضحكت الأرنب إذا حاضت ؛ وقيل : ضحكت سرورا بالأمن ، أو لفرح إبراهيم. وكانت هاجر قد ولدت إسماعيل لإبراهيم ، فتمنت سارة أن تلد ولدا ، وبشّروها بأن الولد سيلد هو الآخر ولدا هو يعقوب ، وليس صحيحا ما قاله المستشرقون أن القرآن أخطأ فجعل إسحق أخا ليعقوب ، بقوله تعالى : (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) (٧١) ؛ فالمعنى : وبشّرناها من وراء إسحاق بيعقوب. وبهذه الآية : يستدل على أن الذبيح فى قصة إبراهيم هو إسماعيل وليس إسحاق ، لأن سارة بشّرت بإسحاق ثم يولد له يعقوب! فكيف

٥٦٤

إذن يمكن أن يفهم إبراهيم أنه يذبح ابنه إسحاق وهو يعرف أنه يعيش ويلد يعقوب؟! وقوله تعالى : (رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ) (٧٣) وبركاته ، تدل على أن البركة هى منتهى التحية أو السلام ، فنقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ونردّ : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، وذلك من آداب الإسلام فى التحية.

والقصة الخامسة : هى قصة لوط مع قومه ، وكانوا يأتون الذكران ، وسمّى لذلك الشذوذ الجنسى عندهم باسم اللواط ـ على اسم قوم لوط ، وهؤلاء عذّبهم الله وأمطر عليهم حجارة من سجيل ، والسجيل هو الطين لقوله تعالى : (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ) (٣٣) (الذاريات).

والقصة السادسة : هى قصة شعيب مع قوم مدين ، فلما ظلموا أخذتهم الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين ـ يعنى موتى لا يتحركون. والقصة السابعة : هى قصة موسى مع آل فرعون ، وما كان فرعون برشيد ، فأورد آله النار وبئس الورد المورود ، أى بئس مقرهم الذى استقروا فيه. وتختتم السورة بالحكمة : أن الله تعالى ما كان يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون ، وتوعّد الذين كفروا فقال : (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) ثم قال مخاطبا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (١٢٣). وقيل إن كعب الأحبار قال : خاتمة التوراة هى خاتمة هود ، من قوله : (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) إلى أخر السورة ، ولم أجد ذلك فى أىّ من كتب موسى الخمسة ، وكلام كعب من الإسرائيليات ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٥٩٣. سورة يوسف

سورة مكية ، إلا أربع آيات منها قيل إنها مدنية وتقدّم للسورة ، وهى الآيات : (الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) (٣) ، والآية : (لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) (٧). وآيات السورة جميعها إحدى عشرة ومائة ، وترتيبها فى المصحف الثانية عشرة ، وفى النزول الثالثة والخمسون ، وكان نزولها بعد سورة هود. والسورة قطعة أدبية عالية الأسلوب ، فذّة فى ألفاظها ، فريدة فى تعبيراتها ، وفى أدائها كمال وجلال وجمال ، وفى أحداثها رواء ، ولوقائعها وجيب فى القلوب ، وهى وإن كانت مكية والسور المكية منذرة وتحكى عن الأهوال ـ إلا أنها نزلت فى وقت توالت فيه النكبات على

٥٦٥

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فمات عمه أبو طالب وهو الذى كان يجيره ويحميه ، وماتت زوجته خديجة ، وهى التى كانت له بلسما فى حنانها وحدبها وطهرها ، فخففت السورة من وقدة الشدائد ، ومن وحشة الدار بلا زوجة ، وكانت تسلية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وكل قصص الأنبياء كانت لتسليته والتخفيف عنه ، إلا سورة يوسف فكانت فرجا بعد شدة ، فلقد كادوا ليوسف حتى بيع وامتهن ، وعانى ضروب الأسر ، وما يزال قلبه يتوجع مما لحقه من إخوته ، وإذا بامرأة ، ملتاعة تتهمه ، ويلقى به فى السجن ، ويتّهم فى شرفه ، ويمتحن فى دينه ، فيستمسك بإيمانه ، ويصبر على بلائه ، ثم إن الناس تحتاجه لعلمه فيخرج من سجن كان يعيش فيه فى جبّ تحت الأرض ، إلى قصر منيف ، يتبوأ فيه أعلى المناصب ، ويتحكم فى أقدار الناس ، ويشرف على خزائن المال والغلال ، وهكذا يدلل الله على أنه لا ينسى أولياءه ، وأن للصابرين حسن مآب! وقيل : أنزل القرآن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتلاه على المسلمين زمانا ، فقالوا : لو قصصت علينا؟ فنزل : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) (٣) ، وكانت سورة يوسف من سور القصص ، غير أن أقاصيص الأنبياء ظلت تتكرر فى القرآن بمعنى واحد فى وجوه مختلفة ، وبألفاظ متباينة على درجات البلاغة ، إلا سورة يوسف لم يكررها ، فمع ذلك لم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر من القرآن ولا ما لم يتكرر منه لا ، وكان الإعجاز فى الحالين. كما قال تعالى : (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (١١١) ، أى كان فى قصة يوسف وأبيه وإخوته فكرة وتذكرة وعظة لأصحاب العقول ، وما كانت حديثا يفترى ولكنها متوافقة مع ما جاء منها من قبل فى التوراة وسائر كتب اليهود ، مع فارق أن قصة القرآن كانت بكل التفاصيل ، رحمة لمن يقرأها ، وهدى لمن يعتبر بها. وهذه التفاصيل هى التى صنعت الفرق بين قصة القرآن وقصة التوراة ، وفى هذه القصة الأخيرة ـ قصة التوراة ـ لم يدع يوسف إلى الله كدعوته فى القرآن وهو فى السجن ، ولما ولى الأمر بحسب قصة التوراة ـ تسلّط وبغى ، وجاء إخوته إليه فاتّهمهم بأنهم جواسيس وحبسهم ثلاثة أيام ، واعتاد يوسف السّكر ، واحتال حتى اشترى الأرض الزراعية كلها من الناس ، ثم باعهم الطعام لقاء كل ما يملكون ، حتى حياتهم نفسها ، وكانت فترة حكمه من أسوأ الفترات. ولم تجر قصة يوسف فى ممفيس من أرض مصر ، وإنما فى أرض جاسان من مصر ، وهى محافظة الشرقية الآن ، وأسماء العزيز ، وفرعون ، وزليخا ، وفوطيفار التى أوردتها قصة التوراة ، كلها أسماء أجنبية على المصريين ، وكان ذلك أيام حكم الهكسوس لمصر ، وكانوا آشوريين ، وقيل فيهم

٥٦٦

إنهم الآسيويون ، والأشوريون والعبرانيون توأمان ، واللغة العبرية توأم السريانية لغة آشور والهكسوس ، والأشوريون بسطوا نفوذهم من شرق الدلتا على وسط الدلتا ، وكوّنوا الأسرتين الخامسة عشرة ، والسادسة عشرة. وجرت قصة يوسف ، ثم قصة موسى من بعد ذلك ، مع ملوك الهكسوس ، أو ملوك آشور ، وظل العبرانيون رعاة يعملون فى جاسان ، وعملوا فى الأعمال الدنيئة التى لا تحتاج إلى علم أو خبرة ، كصناعة الطوب اللبن من الطمى والتين.

وتبدأ سورة يوسف بالحروف المقطّعة : (الر) (ألف لام راء) ، كغيرها من السور الأخرى التى كانت لها بداية كهذه البداية ، ومن ذلك أن «الر» تبدأ بها خمس سور هى بترتيب النزول : يونس ، وهود ، ويوسف ، والحجر ، وإبراهيم ؛ وهذه الحروف هى حروف الأبجدية ، تنويها بأن آيات القرآن العظيمة ، وقصصه الكريمة ، وأحكامه الفهيمة ، ومواعظه الحكيمة ، وكل ما ذكر فيه ، إنما ركّبت من هذه الحروف البسيطة ، تحدّيا للعرب وغيرهم فى وقت نزول القرآن وبعده ، أن يستطيعوا أن يصنعوا ولو آية من آيات هذا القرآن الذى جعله الله عربيا بالروح وباللغة ، لتعلم معانيه ، ويفهم ما جاء به ، ومنه هذه القصة الفريدة عن يوسف ، وقد انتهت فيها الأمور أحسن نهاية ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٥٩٤. سورة الرعد

السورة مدنية ؛ وآياتها ثلاثة وأربعون آية ؛ نزلت بعد سورة محمد ؛ وترتيبها فى المصحف الثالثة عشرة ، وفى التنزيل هى العاشرة ؛ وموضوعاتها : الإيمان بوجود الله وبوحدانيته ، وبأن القرآن هو كتاب الله المنزّل على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبأن آيات الكون الدالة على كمال قدرته لا تحصى ولا تعدّ ، وأنه تعالى بعث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم منذرا ، ولكل قوم هاد ، وكان إرساله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أمّة قد خلت من قبلها أمم ، ليتلو عليهم ما أوحى إليه. ولقد كفروا بالقرآن وبالرحمن ، مع أنه لو وجد قرآنا تسيّر به الجبال ، أو تقطّع به الأرض ، أو يكلّم به الموتى ، لكان هو هذا القرآن الذى تنزّل على هذا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ولقد استهزئ برسل من قبله ، فأملى الله للذين كفروا ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر ، وجعلوا لله شركاء ، كأنهم يعرفونهم بأسمائهم وأشخاصهم ، وكأنهم على يقين مما يقولون. وهذا القرآن هو الحق ، وأهل الكتاب يسمعون تلاوته ، فبعضهم يسرّ لسماعه ، وبعضهم ينكره ، مع أنه لا يدعو إلا إلى عبادة الله ، وما كانت لغته إلا لغة من أنزل عليهم ، ومثله فى ذلك مثل ما سبقه من كتب أنزلت من عند الله تعالى لأقوام غير العرب ، ولم يشذ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عمّن سبقه من

٥٦٧

الأنبياء ، وكانت لهؤلاء الأنبياء الأزواج والذرية ، ولم يحدث أن افترى أحدهم على الله ولو بآية ، وهو وحده تعالى الذى بيده أن يضيف ويزيد ، وأن ينقص ويمحو من كتابه ، وعنده أم الكتاب ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس عليه إلا البلاغ ، والله تعالى عليه الحساب. وتختم السورة بالبرهان بأن الله غالب أمره ، وبأن المؤمنين هم المنتصرون ، فما من يوم يمر إلّا وتنضاف بلاد جديدة إلى بلاد الإسلام ، ويدخل أناس جدد فى دين الله ، ولسوف يعلم من يكفر به تعالى ، وبالبعث والنشور والحساب ، لمن عقبى الدار ، ويكفى بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يشهد له الله تعالى بأنه رسول ، وهو العليم برسله ، وهو عنده علم الكتاب.

وتتناول «سورة الرعد» ظارة الرعد كآية كبرى من آيات الله ، تتجلّى فيها قدرته ، ولقد طلبوا من النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم آية منه تعالى ، والرعد من آياته ، ومن أعظم هذه الآيات ، والرعد فيه البرق والمطر والصواعق ، ويشدّ إليه الأنظار ، ويصمّ الآذان ، وينبّه الغافل الوسنان ، وفيه البرهان لمن يتوخى التفكير ويعقل الأمور ، والخوف لمن لا يؤمن إلا بالوعيد والتهديد ، والرجاء بالخير للطامع فى مزيد كرمه تعالى ، فمع الرعد يكون هطول الأمطار ، ونزول الماء للأحياء ، وحدوث الصواعق للإفناء ، فسبحان من يجمع النقائض ويؤلف بين الماء والنار ، وبين الرحمة والعذاب ؛ وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كلما يسمع الرعد يقول : «سبحان من يسبّح الرعد بحمده ، والملائكة من خيفته ، وهو على كل شىء قدير».

وتبدأ «سورة الرعد» بالحروف المقطّعة (المر) (ألف لام ميم راء) ، إشارة إلى إعجاز القرآن ، وأنه يتألف من حروف الأبجدية البسيطة التى نعرفها ، ومع ذلك كانت آياته التى ركّبت منها ، آيات عظيمة معجزة ، لو اجتمع الجن والإنس ليأتوا بمثلها ما استطاعوا ، لأنها تنزيل من الله تعالى ، الذى رفع السماء بلا عمد ، وسخّر الشمس والقمر ، وهو الذى يدبّر الأمر ، ويفصّل الآيات ، لعل الناس بلقائه يوقنون. وفى السورة أربع عشرة آية كلها آيات مجال العلوم ، مما يجرى بحثه فى معاهد العلم ومراكزه ، ولا تختلف معانيها عمّا يقوله العلماء من تفسيرات ونظريات وثوابت علمية ، ولا تشذّ عمّا أثبتوه عنها قيد أنملة ، وكلها براهين مما يشتهر باسم «برهان أن لكل حادث محدثا» ، فالمحدثات لم تحدث نفسها ، والمحدث هو الصانع ، فلو أن لكل حدث محدثا ، فلا بد أن نصل فى النهاية إلى المحدث أو الصانع الأول : وهو الذى يحدث ولا يحدث ، ويصنع ولا يصنع ، وإلا أصبحنا فى دور ، والدور مستحيل.

ومن مصطلحات السورة : «المعقّبات» وهم الملائكة الذين يتعاقبون بالليل والنهار ؛ و «شديد المحال» : وهو المكر ، صفة من صفاته تعالى ، والمكر منه عزوجل هو التدبير بالحق ،

٥٦٨

وقيل : «شديد المحال» أى شديد النقمة ، أو القوة ، أو شديد الكيد والأخذ والغضب والهلاك ؛ وله دعوة الحق» : أى دعوة الصدق ، والحق والدعاء به هو دعوة الحق ، وقيل : إن الإخلاص فى الدعاء هو دعوة الحق ، وأنه الدعاء عند الخوف ، فإنه لا يدعى عند الخوف إلا الله ؛ وقوله : (اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (١٦) يعنى يلزم لذلك أن يعبده كل شىء ، والآية ردّ على القدرية والملاحدة والليبراليين ، الذين يدّعون أنهم يخلقون كما يخلق الله ، ويتباهون باستنساخ النعجة دوللى ؛ و «عقبى الدار» : عاقبة الآخرة ، وهى الجنة للمطيعين ، والنار للعصاة ، ومثل ذلك «سوء الدار» ، أى سوء المنقلب ، وهو جهنم ؛ و «طوبى لهم» : قيل : طوبى اسم للجنة ، وقيل معناها حسنى ونعمى لهم ، من الطّيّب ، أى لهم الحياة الطيبة المستطابة ؛ وقيل : طوبى شجرة طيّبة فى الجنة ، ولله الحمد والمنّة ، ونسأله تعالى أن لا يتوفّانا إلا على الكتاب والسنّة ، آمين.

* * *

٥٩٥. سورة إبراهيم

السورة مكية ، وآياتها اثنتان وخمسون ، وترتيبها فى المصحف الرابعة عشرة ، وفى التنزيل الثانية والسبعون ، وسميت باسم «إبراهيم» ، لأن الكلام عن إبراهيم غالب فيها ، ولأنه أبو الأنبياء ، وإمام الحنفاء ، وهو الذى أسكن بوادى مكة ولده إسماعيل وأمه عند البيت الحرام ، ليجعله بيتا تهوى أفئدة الناس إليه. وتبدأ السورة بالحروف المقطّعة «الر» (ألف لام راء) ، كأربع سور أخرى هى بحسب ترتيب النزول : يونس ، وهود ، ويوسف ، والحجر ، ثم إبراهيم ، إشارة إلى أن القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف البسيطة ، ومع ذلك كانت آياته معجزة ، ولم يستطع إنس ولا جان أن يأتى بمثلها ، تنبيها إلى عظمة القرآن ، وأنه تعالى أنزله على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليخرج الناس من ظلمات الكفر والضلالة والجهل إلى نور الإيمان والعلم ، على سبيل تمثيل الكفر بالكلام ، والإسلام بالنور. وكان نزوله بلغة العرب ، فالرسل هكذا يرسلون بلغات أقوامهم ، ليبيّنوا لهم بها ، ولقد أرسل موسى بالآيات ـ أى الحجج والبراهين ، قيل هى تسع آيات ، وذكّرهم بأيام الله ، أى بالأحداث التى وقعت لهم على مرّ الأيام ، والتى نجّاهم الله منها ، لعلهم يواصلون على الصبر والشكر ، وما يشكر إلا الصبّار والشكور ، أى كثير الصبر الشاكر دائما وأبدا لله ، وهو الذى إذا أعطى شكر ، وإذا ابتلى صبر ، وفى الحديث أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «الإيمان نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر» ثم تلا : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (٥) (إبراهيم) ، وخصّ الله تعالى الصبّار الشكور بالآيات ، لأنه يعتبر بها ، ولا يغفل عنها ، كقوله تعالى : (إِنَّما أَنْتَ

٥٦٩

مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) (٤٥) (النازعات) وكان آل فرعون يسومون بنى إسرائيل سوء العذاب ، ويذبّحون أبناءهم ، ويستحيون نساءهم ، ومثلهم أقوام نوح وعاد وثمود ، ومن جاءوا بعدهم ، فما أقرّوا بالفضل ، وردّوا على الرسل أقوالهم ، وكذّبوهم بأفواههم ، وحاجّهم رسلهم : أفى الله فاطر السموات والأرض تشكّون؟ وتعلل المكذّبون بأنهم لن يؤمنوا لبشر مثلهم ، وهددوهم بالإخراج من أراضيهم ، فأهلك الله الظالمين وأسكن المؤمنين أرضهم ، وخاب كل جبار عنيد مثل أبى جهل وهو المتكبّر العاصى الحرون. ويروى أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك كان من هذا الصنف من العباد ، فتفاءل يوما فى المصحف ، فخرج له قوله تعالى : (وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (١٥) ، فمزق المصحف ، فلم يلبث إلا أياما حتى قتل شرّ قتلة. وتتطرّق السورة لمصير أمثاله يوم الدين ، فجهنم لهم بالمرصاد ، وشرابهم فيها ماء صديد ، يتحسّوه جرعات وقد أحيط بهم ، فلا يقضى عليهم فيموتوا ، ولا يخفّف عنهم العذاب. ، أعمالهم فى الدنيا كرماد تذروه رياح يوم عاصف ، فيما يستفيدون شيئا من ضلالهم. وتتوالى مشاهد الآخرة ، ويجتمع فى المشهد الواحد الضعفاء والمتكبّرون والشيطان ، وكلهم يتجادلون ويتلاومون ، ويلقون الذنب على بعضهم البعض ، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم الجنة وتحيتهم فيها سلام. وتضرب السورة مثل الكلمة الطيّبة بالشجرة الطيبة ، أصلها ثابت فى الأرض ، يعنى باق ، وفروعها فى السماء ، يعنى أنها رفعت وحازت القبول وعليها الجزاء نعم الجزاء ، ونقيضها الكلمة الخبيثة ، ما لها فى الأرض من قرار ، والله يثبّت المؤمنين بالقول الثابت فى الدنيا والآخرة ، وهو القول الطيب ، والأقوال أفعال ، وتصدر عنها أفعال وتدفع إليها أفعال ، وخير الأفعال الصلاة والزكاة ، وبهما يكون شكر الله على نعمه ، وإن يعدّوا نعمة لا يحصوها. وخير الأقوال دعاء إبراهيم لمكة وأهلها ، ولبيت الله المحرّم ، وأن يجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ، وقيل : لو قال أفئدة الناس لازدحم العالم بأسره على مكة ، ولكنه دعا «من الناس» فهم المسلمون. ولم ينس نفسه بالدعاء ، فحمد الله أن رزقه إسماعيل وإسحاق على الكبر ، وسأله تعالى أن يجعله وذريته أمّة فكانت أمة الإسلام» ، سموا كذلك لأنهم أسلموا لله ، وأقاموا له الصلاة ، ولم ينس إبراهيم فى دعائه أن يسأل الله أن يغفر له ولوالديه وللمؤمنين. وتوجّه السورة الخطاب إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تسلية له وللمؤمنين : أنه تعالى غير غافل عن الظالمين ، وإنما يؤخّرهم لليوم المعلوم ، وإنه لرسول نذير ، ويضرب له وللمؤمنين الأمثال بما كان ممن سبقهم ، فأماتهم وأورثهم مساكنهم ، ولقد مكروا مكرا لتزول منه الجبال ، والله لا يخلف وعده ، ويوم الحساب يقرن المجرمون فى الأصفاد ، وسرابيلهم من قطران ، وتغشى

٥٧٠

وجوههم النار. وتختتم السورة بأن هذا القرآن بلاغ للناس ، ولينذروا به ، وليعلموا أنما هو إله واحد ، وليتّعظ أولو الألباب ، ولله الحمد والمنّة ، ندعوه تعالى أن لا يتوفّانا إلا على الكتاب والسنّة ، آمين.

* * *

٥٩٦. سورة الحجر

السورة مكية ، إلا الآية : (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (٨٧) فمدنية ، لأن السبع المثانى هى السبع الطوال من سور القرآن وهى : البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال والتوبة معا ، لأنه ليس بينهما تسمية ، وجميعها سور مدنية إلا الأنعام والأعراف ، ومن ثم قيل إن الآية مدنية. ومن قال إن الفاتحة هى السبع المثانى فإن سورة الحجر تكون كلها مكية. وكذلك من قال إن القرآن كله قيل له «مثانى» لأن الأنباء والقصص ثنّيت فيه ، جعل هذه الآية مكية. ومن ثم تكون السورة كلها مكية. وسميت السورة سورة الحجر لأنها تضمنت أخبار أصحاب الحجر ، وهم قبيلة ثمود قوم صالح ، وديارهم فى الحجر بين المدينة والشام ، وكانوا أشداء ينحتون الجبال ليسكنوها وكأنهم مخلّدون ، فأنذرهم صالح ، وجاءتهم صيحة العذاب فأخذتهم مصبحين ، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون. وآيات السورة : تسع وتسعون آية ؛ وكان نزولها بعد سورة يوسف ، وترتيبها فى المصحف الخامسة عشرة ، وفى التنزيل الرابعة والخمسون ؛ وتبدأ السورة بالحروف المقطّعة «الر» (ألف لام راء) ، كما فى سور أخرى هى بترتيب النزول : يونس ، وهود ، ويوسف ، ثم الحجر ، ثم إبراهيم ، تنبيها إلى أنه من مثل هذه الحروف كانت آيات القرآن المعجزات ، تتحدى الإنس والجان ، فما استطاع أحد أن يأتى بمثلها ، ويوم القيامة يتبين للمكذّبين لمعجزة القرآن ، بطلان دعواهم ، حينما يرون العذاب ، فيحينئذ ربما يودون لو كانوا مسلمين ،. وتسلّى السورة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين ، بمقارنة ما يفعله المشركون من أهل مكة بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بما فعله آخرون من أمم سابقة مع أنبيائهم وأهلكهم الله ، ولكل أمة أجلها ، وكذلك أهل مكة لهم أجلهم ، فليستهزئوا بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فسوف يعلمون ، وليتقوّلوا عليه أنه مجنون ، وليغالوا فى طلباتهم أن يكون النبىّ إليهم ملكا ليناسب أن يبلّغ عن الله ، والملائكة لا تستحضر بطلب الناس ، ولا تتنزّل إلا لمهام مخصوصية بأمر منه تعالى. وليس صحيحا أن محمدا يغيّر فى القرآن كيف يشاء ، وأن شيطانه كان يزيد فيه (أى فى القرآن) وينقص ، فالقرآن هو كتاب الله ، والله هو الحافظ له ، وما من آية يمكن أن يؤمنوا بها طالما أنهم ضلّوا عن سبيله تعالى فلا جدوى معهم ، وما الحاجة إلى آيات تتنزّل والكون

٥٧١

كله آيات تثبت أنه لا إله إلا الله؟ فهلا تأملوا السماء وقد امتلأت بالبروج ، يستدل بها الناس على الطرقات والأوقات والخصب والجدب؟ وهلّا رأوا الأرض كيف مدّها الله وبسطها على وجه الماء ، وكيف مهّدها ودحاها كالكرة ، وألقى فيها الجبال الرواسى لئلا تميد ، وجعل فيها المعايش والمطاعم والمشارب؟ والرياح أرسلها لواقحا فأنزل من السماء ماء ليشرب كل حىّ ، وتروى المزروعات؟ وهو الله يحيى ويميت ، ويعلم المستقدمين الذين جاءوا إلى الدنيا ، والمستأخرين الذين لم يولدوا بعد ، وهو الذى يحشرهم يوم الدين ويجمعهم إليه جميعا للحساب. والبراهين على وجود الله كثيرة ، والكون حافل بها ، ولكن أهل مكة لاهون بالأمل ، ولا يعنيهم سوى أن يأكلوا ويتمتعوا. وطول الأمل داء عضال ومرض مزمن ، وإذا تمكن من القلب لا يفيد فيه دواء ، وحقيقة الأمر الحرص على الدنيا والانكباب عليها ، والحبّ لها ، والإعراض عن الآخرة ؛ وفى الحديث : «أربعة من الشقاء : جمود العينين ، وقساوة القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا» ، وأهل مكة اجتمعت فيهم الخصال الأربع ، فاستهزءوا بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبالدعوة ، ونادوه فقالوا : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (٧) وما كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بدعا بين الرّسل ، فما من أمة إلا كان لها رسول ، وما جاءهم من رسول إلا استهزءوا به ، وما كانوا ليؤمنوا وهم مجرمون طبعهم الكفر ، ولو جاءتهم كل آية من السماء ما آمنوا ، ولسكّروا أبصارهم وادّعوا أنهم لا يبصرون ، وأنهم مسحورون. وتورد السورة أربع قصص تسرية عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحفزا لهمم المؤمنين ، وتصبيرا لهم ، وتربية. وأولى القصص : هى قصة الخلق ، وكيف بدأت مع آدم وقد أنكره إبليس ، وسجود الملائكة لآدم ، وأنه سجود تحية وتكريم ، واعتقده إبليس سجود عبادة ، والله يفضّل من يريد ، وفضّل آدم على الملائكة ، وآثره على إبليس ، فاستكبر الشيطان الرجيم ، وحسد آدم وغار منه ، وأقسم أن يغويه وبنيه ، والله تعالى خلق الجنة للمطيعين ، وجهنم للعاصين ، وموعد إبليس والبشر أجمعين هو يوم القيامة ، وجهنم سبع دركات ، لكل درك باب بحسب العصاة ، وفيها الدرك الأعلى للخطّائين ، والدرك الأسفل للمنافقين وآل فرعون. وأما المتّقون ففي جنات وعيون ، لا يمسهم نصب وما هم منها بمخرجين. والقصة الثانية : هى قصة ضيوف إبراهيم المرسلين من الملائكة ، جاءوا يبشرونه بإسحاق كآية من آياته تعالى ، فقد كان إبراهيم هرما وزوجته عاقرا ، وكانوا فى طريقهم إلى قوم لوط يصيبونهم بالعذاب ، جزاء ما كانوا يذنبون ، وأنجوا آل لوط إلا امرأته كانت من الغابرين ، وقطع دابر الظالمين مصبحين ، وأخذتهم الصيحة وأمطروا حجارة من سجيل ، وفى ذلك آية للمتوسمين ـ أى المتفكّرين

٥٧٢

الذين يتعظون ، وقراهم ما تزال آثارها باقية على طريق الشام ؛ ومثلهم قوم شعيب ، أصحاب الأيكة الظالمين ، والأيكة هى الغيضة ، أى البستان. ومثلهم أصحاب الحجر ، وهم قوم ثمود والنبىّ صالح. وتختتم السورة بمواعظ للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من ربّه ، أن يصفح عن أهل مكة ويتجاوز عنهم ، ويعفو العفو الحسن ، وفى القرآن خير تعليم له وللمؤمنين ، وكان المسلمون يعانون أشد المعاناة ، ويتمنون لو كانت لهم قوافل القرشيين ، فذكّرهم ربّهم أنه أغناهم بالقرآن ، وكان النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم شديد الحزن لأن أهله وعشيرته ما كانوا مؤمنين ، فأمره أن لا يحزن عليهم ، وأن يولى عنايته بالمؤمنين ، وأن يخفض لهم جناحه ، وأن يترك أمر المقتسمين له تعالى ، وهم الذين اقتسموا كتاب الله ، ففرّقوه وبدّدوه وحرّفوه وجعلوه عضين ـ جمع عضة وهى السحر ، أى اعتبروه كتابا فى السحر وليس فيه إلا أساطير الأولين ، وهؤلاء مسئولون يوم القيامة ، فليعرض عنهم إذن وليصدع لأمره تعالى فيهم ، وهو تعالى يكفيه المستهزئين ، ولينصرف إلى التسبيح بحمد الله ، وليكن مع الساجدين وليعبد الله طالما هو على قيد الحياة إلى أن يأتيه اليقين ـ أى الموت.

وفى السورة الكثير من المصطلحات : «فالمجرمون» فى التعريف : هم المستهزءون بالدين من أهل الكفر والضلال والشرك ؛ و «السماء ذات البروج» : المقصود بالبروج بروج الشمس والقمر ، أى منازلهما ، وهى أبراج : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، والدّلو ، والحوت ؛ «والشهاب» : قيل ترمى به الشياطين حتى لا يسترقوا السمع على ما يجرى فى السماء ، والشهاب على ذلك يشبه النار ، وهو غير الكوكب ؛ وفى قوله تعالى «الأرض مددناها» : دليل على أنها كروية ، لأنها فى حركتها حول الشمس تستطيل من أطرافها فتصبح كالدحية ؛ و «الجبال رواسى» : دليل على أن ما فى بطن الأرض منها أكبر مما يظهر على سطحها ، فكأنها الأوتاد لتثبيت الأرض فلا تمتد ؛ و «الرياح لواقح» : لأنها تنقل حبوب اللقاح من النباتات الذكرية إلى النباتات الأنثوية ، وأنواع الرياح فى القرآن هى : المبشّرات بالغيث ، والمثيرات للسحب ، واللواقح لتلقّح الزروع ؛ و «الصلصال من الحمأ المسنون» : هو الطين الأسود المتغيّر رائحته ، وأما الصلصال نفسه فهو الطين المنتن ؛ والجان : سمى جانا لتواريه عن العيون ، و «نار السموم» : هى التى خلق الله منها الجان قيل هى جزء من سبعين جزء من نار جهنم ، والسموم : هى الريح الحارة التى تقتل ، وهى نار لا دخان لها ؛ والرجيم : المرجوم بالشهب والملعون المشئوم ؛ و «الغاوون» : الضالون ؛ و «أبواب جهنم السبعة» هى دركاتها ، قيل هى : أولا جهنم ، ثم لظى ، ثم الحطمة ، ثم سعير ، ثم سقر ، ثم الجحيم ، ثم الهاوية ؛

٥٧٣

«وضيف إبراهيم» سمّاه ضيفا لإضافته إلى المضيف ونزوله عليه ؛ و «الصيحة» : التى تقتل وتبيد ، لأن الصوت فيما إذا تجاوز الحدود يكون أشد فتكا من القنابل ؛ «واليقين» : هو الموت ، وفى الحديث عن عثمان بن مظعون : «فقد جاءه اليقين وإنى لأرجو له الخير» ، أى جاءه الموت ، والموت هو الحق الذى لا ريب فيه ، وفى الحديث أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما أوحى إلىّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين ، ولكن أوحى إلىّ أن سبّح بحمد ربّك وكن من الساجدين ، واعبد ربّك حتى يأتينى اليقين». ولله الحمد والمنّة ، وندعوه تعالى أن يحيينا ويميتنا على الكتاب والسنّة ، آمين.

* * *

٥٩٧. سورة النحل

السورة مكية ، قيل : إلا الآية : (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) (١٢٦) فإنها نزلت بالمدينة فى شأن التمثيل بحمزة عمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقتلى أحد ؛ وقيل : الآية مكية لأن معناها متصل بما قبلها ومتناسق مع معنى ما بعدها. وسميت السورة سورة النحل لأن النحل كان من آياتها بما اختصه الله من عجيب الصنع ، وسمّاه نحلا لأنه نحله العسل يخرج من بطونها شرابا سائغا مختلف الألوان فيه شفاء للناس ، فكان آية من أعظم الآيات على وحدانية الله المتفرّد بالصنع. وعسل النحل كلبن الأنعام يخرج من بين فرث ودم ، لا تشوبه شائبة ، ولا يخالطه كدر ، فسبحان من خلق فأبدع. وترتيب السورة فى المصحف السادسة عشرة ، وفى التنزيل السبعون ، وآياتها مائة وثمان وعشرون آية. وتسمى أحيانا «سورة النّعم» بسبب ما عدّد الله فيها من نعمه على عباده ، قال : (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها) (١٨). والسورة عموما عن استعجال قريش للعذاب استهزاء واستخفافا بوعيد القرآن ، مع أن الساعة قد اقتربت ، واقترب الحساب فلا يستعجلونه ، وفى الحديث قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «بعثت أنا والساعة كهاتين» ، وأشار بإصبعيه : السبابة والتى تليها ، وهو الله لا إله إلا هو ، يفعل ما يريد ، ويوحى إلى من يشاء من عباده ، فكان الأحرى أن يتّقوه ، لأنه تعالى الخالق لكل شىء : خلق السموات والأرض من عدم ، والإنسان من نطفة ، والأنعام خلقها فيها منافع وجمال ، وتحمل الأثقال ، والخيل والبغال والحمير للركوب والزينة ، وأنبت الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ، وسخر الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم ، وخلق البحر تصاد منه الأسماك وتستخرج الحلى ، وتمخر فيه الفلك ، وأرسى الأرض بالجبال ، وشقّ فيها الأنهار والسبل ، فهذا هو الله ، فهل من يخلق كمن لا يخلق ، هل يستويان؟ وهو الإله الواحد ، يميت ويبعث يوم القيامة ، ومن كفر به قديما أهلكهم ، ويدخلهم جهنم يوم

٥٧٤

القيامة ، والذين اتقوا وأحسنوا فى الدنيا لهم فيها حسنة وفى الآخرة حسنة. ولا عذر لمن يشرك فقد أناط بكل أمة رسولا ، ولكنهم أصرّوا على الإنكار وأقسموا أن لا بعث ولا حساب ، وهو الله له المشيئة ، وما يريده يكون ، وما كان الرسل إلا رجالا يوحى إليهم. وهذا الذكر نزّل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليبيّن للناس ، ولا يأمن الذين يحتالون على محاربة الإسلام ، أن يخسف الله بهم الأرض كما خسف بقارون ، أو يأتيهم العذاب كقوم لوط من حيث لا يشعرون ، وما هم مسابقين لله ولا فائتيه ، وهم له داخرون وصاغرون. ولقد دعاهم أن لا يتخذوا إليهن ، فإنما هو إله واحد ، الطاعة له واجبة أبدا ، ويجعلون له البنات سبحانه ، ولهم مثل السوء ، ولله المثل الأعلى ، ويجعلون له ما يكرهون. ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة ، والذين لا يؤمنون بآيات الله إنما يفترون الكذب. وتتابع السورة تذكّر الناس بنتيجة الكفر بالله وبنعمه وآياته ، وعدم القيام بشكره ، وتحذرهم العاقبة ، وتضرب المثل بإبراهيم ، فقد كان أمة قانتا لله حنيفا ، قد جمع الخير كله فيه ، وأطاع الله وهجر كل ملة إلا الإسلام ، وكان من الشاكرين ، فاجتباه وهداه ، وأوحى إلى محمد أن يتّبع ملّته ، وأن يكون حنيفا مثله فلا يشرك بالله ، ولا يدين إلا بالإسلام. وتختم السورة الكريمة بأمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وإذا جادل الكافرين أن يجادلهم بالتى هى أحسن ، أى بالمنطق ، وإن يعلّم المؤمنين أن لا يعاقبوا إلا بمثل ما عوقبوا به ، ولو صبروا لكان خيرا لهم ، ثم يأمر نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يصبر ولا يحزن عليهم ، ولا يك فى ضيق مما يمكرون ، فالله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

وفى السورة من أقواله تعالى : (أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) (١) يخبر بالماضى عن المستقبل ، لأنه آت لا محالة ؛ وقوله : (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ) (٢) ، الروح هى الوحى ، وهى النبوة ، ونظيره قوله : (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) (غافر ١٥) ؛ وقوله : (الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ) (٥) يدلّ على لباس الصوف ، وقد لبسه رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم والأنبياء قبله. وفى حديث المغيرة عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه غسل جبّة من صوف شامية ، والحديث أخرجه مسلم ، والصوف من الأنعام شعار المتّقين ، ولباس الصالحين ، وشارة الصحابة والتابعين ، واختيار الزهّاد والعارفين ، ويلبس ليّنا وخشنا ، وجيدا ومقاربا ورديئا ، وإليه تنسب الصوفية ، لأنه لباسهم فى الغالب ؛ وقوله : (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) (٩) يبيّن أن المشيئة لله تعالى ويردّ على القدرية ، وهو تعالى قد شاء أن يكون للإنسان الخيار ، وقد هداه النجدين والسبيلين : الخير والشر ، وبناء على حرية اختياره تكون مسئوليته ، وأما التكاليف فهو مأمور بها لأنه بدونها لا يكون الاجتماع الإنسانى ، ولا تصلح

٥٧٥

الأرض للسكنى ، والتكاليف تنظّم العيش ، والأخذ بها والانصياع لها ضرورة وواجب ؛ وقوله : (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) (١٥) أوضح دليل على استعمال الأسباب ، فقد كان بوسعه أن يجعل الأرض تسكن من غير جبال ، ولكنه خلق الجبال كأسباب لسكونها ؛ وقوله : (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (١٦) المقصود بعض النجوم ، لأن من النجوم ما لا يهتدى بها إلا للعارف بمطالعها ومغاريها. ولله الحمد والمنّة ، وندعوه أن يحيينا ويميتنا على القرآن والسّنة ، آمين.

* * *

٥٩٨. سورة الإسراء

من السور المكية ، وقيل إلا ثلاث آيات : هى قوله عزوجل : (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ) (٧٦) نزلت حين جاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد ثقيف ، وحين قالت اليهود ليست هذه بأرض الأنبياء ؛ وقوله : (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) (٨٠) نزلت حين رجع من تبوك ؛ وقوله : (إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ) (٦٠) نزلت فى سنة الحديبية قبل أن يدخل مكة. والسورة آياتها مائة وإحدى عشرة آية ، وترتيبها فى المصحف السابعة عشرة ، وفى التنزيل الخمسون ، وتسمى أحيانا سورة بنى إسرائيل ، لأنها تتحدث فى بعض آياتها عن بنى إسرائيل وموسى والتوراة ، ويغلب تسميتها بسورة الإسراء لأن أهم الأحداث التى تتعرض لها هو حادث أو معجزة الإسراء ، تقول : (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا) (١) ، وعبده هو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما رآه من الآيات كان فى المعراج ، من عرج يعرج ، أى صعد ، والمعراج هو الصعود إلى السماء. وأما أسرى يعنى سار من الليل ، أى أن رحلة الإسراء كانت فى الليل لم تتعدّاه ؛ والمسجد الأقصى هو غاية الإسراء ، وسمّى كذلك لأنه بعيد عن المسجد الحرام أقصى بعد ؛ والآيات التى أراه الله فى الإسراء هى العجائب التى أخبر بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأولها أن لا تستغرق الرحلة إلا ليلة ، مع أن المسيرة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى تستغرق شهرا ؛ وقطعها البراق ـ وهو دابة فوق الحمار ودون البغل ، فى لمح البصر ، أو كالبرق ، فسمى لذلك البراق ، فلما أتى بيت المقدس ربطه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالحلقة التى يربط بها الأنبياء دوابهم ، فى الحائط المسمى حائط البراق ، والذى يسميه اليهود الآن حائط المبكى. وبيت المقدس بناه سليمان ، ولمّا وصله النبى جاءه جبريل بإناءين ، أحدهما فيه لبن والآخر خمر ، فاختار النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اللبن ، فقال له جبريل : اخترت الفطرة : ثم إن جبريل جاء بالمعراج الذى تعرج فيه أرواح بنى آدم ، فعرج به إلى باب السماء الدنيا إلخ ، فالتقى بالأنبياء تباعا فى

٥٧٦

السموات بحسب مكانة كلّ. وقيل : الإسراء كان بالروح ، ولم يفارق جسد النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مضجعه ؛ وقيل كان ذلك فى اليقظة وليس فى النوم ؛ وقيل كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس ، ثم بالروح إلى السماء. والذين قالوا الإسراء بالروح احتجوا بالآية : (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) (٦٠) ، فسمّى الإسراء رؤيا ؛ والذين قالوا فى اليقظة احتجوا بالآية : (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) (١) ولا يقال فى النوم أسرى. والخبر جائز عقلا ، وكانت للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم معارج ، ولا يبعد أن يكون بعضها رؤيا ، ويؤيد ذلك قوله «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان». الحديث. وقيل فى تاريخ الإسراء : أنه كان فى مكة قبل الهجرة بأعوام ، وكانت خديجة قد توفيت ؛ وقيل : توقيته قبل الهجرة بثلاث سنوات. ولم تفرض الصلاة إلا ليلة الإسراء حين عرّج به إلى السماء ، وروى أنها فرضت ركعتين ركعتين ، ثم زيد فى صلاة الحضر فأكملت أربعا ، وأقرّت صلاة السفر على ركعتين ، علّمه إياها جبريل ، وعرّفه مواقيتها ، وكان الوضوء والأذان فى مكة ـ وهو قول المؤذن «الصلاة جامعة» ؛ وفى المدينة صرفت القبلة إلى الكعبة ، وأمر بالأذان المعروف ؛ وأما الصيام والزكاة والحج وتحريم الخمر فلم يفرضوا إلا فى المدينة. وقيل فى الرؤيا التى رآها وكانت فتنة للناس : إنها بخلاف رؤيا الإسراء ، فهذه رؤيا أخرى رأى فيها أنه يدخل مكة سنة الحديبية ، فلما ردّوه افتتن المسلمون فنزلت الآية. وحديث الإسراء والمعراج أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة والملحدون ، وينكره المستشرقون وخاصة جولدستيهر ، ويتّهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتلفيق ، ولا يرى ضرورة أصلا لرحلة الإسراء إلى بيت المقدس ، وأن هذه الرحلة اخترعها الأمويون وأضافوها من عندهم إلى القرآن! وأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا امتحنته قريش عن مسراه ، لم يثبت أشياء فكرب كربا ما كرب مثله ، فرفع الله له بيت المقدس فوصفه لهم وصفا دقيقا. وكل ذلك مغالطات لم تثبت تاريخيا وعقليا ، وتظهر حقد جولدستيهر على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأنه كان يتمنّى لو لم تكن الرحلة إلى بيت المقدس ، ليظل لليهود دون المسلمين ، ومن قبل ذلك تمنّى جولدستيهر لو أن محمدا ما هاجر إلى المدينة وظل بمكة ، وما نزل التشريع الإسلامى لينافس التشريع اليهودى. وفى السورة لما جاء ذكر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم جاء ذكر موسى ، وفى القرآن كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبين ذكر التوراة والقرآن ، ولذلك جاء بعد ذكر الإسراء قوله تعالى : (وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) (٢) يعنى التوراة ، ثم قال : (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ) (٣) تقديره : يا ذرية من حملنا مع نوح ، وفى ذلك تهييج وتنبيه على المنّة ، أى : يا سلالة من نجيّنا فحملنا مع نوح فى السفينة ، تشبّهوا بأبيكم : (إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) (٣) ، فاذكروا نعمة الله عليكم أن أرسل لكم محمدا

٥٧٧

صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ ولكن أهل مكة جحدوا كما جحد اليهود. وفى التوراة أن اليهود يفسدون فى الأرض مرتين ويعلون علوا كبيرا ، أى يتجبّرون ويطغون ويفجرون ، فإذا جاء وعد أولى الإفسادتين ، سلّط الله عليهم قوما من خلقه أولى بأس شديد ، فتملّكوا بلادهم ، وجاسوا خلال ديارهم ، وقيل كان هؤلاء جنود بختنصر ملك بابل ؛ فإذا كانت الإفسادة الثانية فإن أعداءهم سيسوءون وجوههم ويدخلون بيت المقدس كأول مرة ، ويدمّرون كل شىء ويخرّبون ما علوا ، ثم ينجّيهم الله ، ويحذرهم إن عادوا إلى الإفساد عادت إدالته عليهم بالإضافة إلى عذاب الآخرة ، وذلك ما ينتظره المسلمون إن شاء الله. وهذا القرآن هو الذى يقول الصدق ويبشّر المؤمنين ، وهو آية من آيات الله كآيتي النهار والليل ، وكل عمل ابن آدم محفوظ كهذا الليل والنهار ، قليله وكثيره ، ويكتب ليلا ونهارا ، وصباحا ومساء ، ومن يهتدى فلنفسه ، ولا أحد يحمل ذنب أحد ، وما كان الله ليعذّب الناس إلا بعد أن يبعث إليهم الرسل ، وفى ذلك دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع ، بخلاف من يقول من الليبراليين : أن العقل يقبّح ويحسّن ويبيح ويحظر ؛ وما يهلك الله قرية ولا مدينة ، ولا يسقط دولة ، إلا إذا فسق فيها أهلها ، وأهل الفسق فى كل قرية مترفوها ، فإذا فسقوا فيها حقّ عليها القول بالتدمير ، وكم أهلكت قرى لهذا السبب من بعد نوح ، وكانوا يتعجلون الآخرة فعجّلها لهم ربّهم لمّا جعلوا معه آلهة أخرى ، ولمّا أخلصوه بالبنات وادّعوا أنهن الملائكة .. وما يغادر القرآن شيئا ، وضمّنه تعالى الأمثال ، والعبر ، والحكم ، والمواعظ ، والأحكام ، والأخبار فما اتّعظ الكافرون ، ولو كان معه آلهة لنازعوه الملك وقاتلوه عليه ، وهو الواحد الأحد ، تسبّح له السموات والأرض ومن فيهن ، وإن من شىء إلا ويسبّح بحمده ، وتسبيح الأشياء تسبيح دلالة لا يفهمه الناس ، والأشياء تدعوا الناظر إليها أن يقول سبحان الله ، والقرآن ينبّه إلى ذلك ، ولكن الكفار لا ينصتون إليه إذا تلا عليهم ، وكأنما ينصب بينهم وبين قارئ القرآن حجاب مستور ، أو كأنما على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه ، وفى آذانهم وقر أن يسمعوه ، وكلما ذكر الله ولّوا نفورا ، واتّهموا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فمرة يقولون هو ساحر ، ومرة هو مجنون ، ومرة هو كاهن ، أو شاعر ، واستهزءوا أن يبعثوا إذا صاروا ترابا ، وما يعيدهم إلى الحياة إلا الذى فطرهم أول مرة ، وعمّا قريب تأتى الساعة ، ولعلها أقرب مما تصوروا ، وما من قرية كافرة إلا ويهلكها الله قبل يوم القيامة ، وما منع أن تكون للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم آيات إلا أن الأولين كذّبوا بها ، وكان آدم آية ، فاستكبر إبليس أن يطيع أمر ربّه فيه ، ورفض السجود بدعوى أن آدم من طين وإبليس من نار ، والنار أشرف من الطين فى زعمه ، فطرده الله من رحمته ، وسمح له أن يغوى الناس كما يريد ، وأن يستفزز ـ من

٥٧٨

استطاع منهم ، وأن يجلب عليهم بخيله ورجله. ، ويشاركهم فى أموالهم على المعاصى وفى أولادهم على الحرام ؛ وأما عباد الله المؤمنين فلا سلطان له عليهم. ولقد كرّم الله بنى آدم شرفا وفضلا ، وآتاهم الفهم والتمييز والعقل ، فما آمنوا ولا شكروا ، ويوم القيامة تدعى كل أمة بنبيّها وإمام وقتها ، فلا يظلمون فتيلا ، ومن كان فى الدنيا أعمى ، كان فى الآخرة أعمى ، والعمى عمى القلب والعقل فلا يبصر ولا يعى حجج الله ، ولقد كادوا يفتنون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفسه لو لا أن ثبّته الله. وتتوالى المواعظ فى السورة فى كل المجالات ، تحث على عبادة الله وحده ، والإحسان إلى الوالدين ، وإيتاء ذى القربى حقّه ، والمسكين ، وابن السبيل ، والاقتصاد فى الإنفاق ، فلا تبذير ولا تقتير ، ولا قتل للأولاد خشية الفقر ، وأمرت المسلمين أن لا يزنوا ، ولا يقتلوا من حرّم الله ، ولا يسلطوا على أموال اليتامى ، ولا يتبعوا ما لا يعلمون ، ولا يوالوا ما لا يعنيهم ، ولا يمشوا مختالين ولا متكبّرين ، وأن يقولوا التى هى أحسن. وتخاطب السورة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتأمره بالصبر ، والمحافظة على الصلاة من طلوع الشمس حتى اجتماع الليل وظلمته ، وأن يقيم قرآن الفجر ، ويتهجّد من الليل عسى أن يبعثه الله مقاما محمودا ، قيل يعطى الشفاعة ، وأن يكون دعاؤه : (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً) (٨٠) وأن تكون قالته الدائمة : (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) (٨١) والله ينزّل عليه من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ، يشفى قلوبهم بزوال الجهل وإزالة الرّيب ، ويفرّج الكروب ، ويظهر العيوب ، ويكفّر الذنوب ، ويرعوى به من يرعوى ، وكلّ يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب فى اعتقاده ، وما منع الناس أن يؤمنوا به إلا أن قالوا : أبعث الله بشرا رسولا؟ وألحّوا أن تتنزل عليه الآيات. وكانت لموسى الآيات فما آمن بها الكافرون. والقرآن ما أنزل إلا بالحق ، وما كان محمد إلا مبشرا ونذيرا. وفرّق القرآن بين الحق والباطل ، وأنزل شيئا بعد شىء ، وعلى ترسّل فى التلاوة وترتيل ، وآمن به أهل الدين وما آمن أهل الدنيا ، والله تعالى له الأسماء الحسنى يدعى بها ، والصلاة لا يجهر بها ولا يخافت ، ولله الحمد أنه لم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك فى الملك ، ولا ولى من الذل ، وتختتم السورة بقوله تعالى : (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (١١١) أى عظّموه عظمة تامة ، وقيل : أبلغ عبارة للعرب فى التعظيم والإجلال هى : «الله أكبر» ، فهو الأكبر من كل شىء. وقيل : الله أكبر خاتمة التوراة ، قال ذلك المفسّرون الآخذون بالإسرائيليات! وهذا غير صحيح ، لأن التوراة هى أسفار موسى الخمسة ، وليس فى أى منها هذه النهاية ، كما ليس فى افتتاحياتها افتتاحية سورة الأنعام التى تقول : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) (١) و «الله أكبر»

٥٧٩

اصطلاح إسلامى محض ، وصدق من قال إن آية : (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (١١١) هى آية العزّ فى القرآن ، وروى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يعلّم الغلام من بنى عبد المطلب إذا أفصح ، ختام سورة الإسراء التى تقول : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (١١١) ، وفى الخبر أن من عانى ضائقة يقرأ : (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) (١١٠) إلى آخر السورة ، ثم يقول : توكلت على الحىّ الذى لا يموت ـ ثلاث مرات. فلله الحمد والمنّة أن كنّا مسلمين ، ونسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا على الإسلام. اللهم آمين.

* * *

٥٩٩. سورة الكهف

السورة مكية ، نزلت بعد سورة الغاشية ، وآياتها مائة وعشر ، وترتيبها فى المصحف الثامنة عشرة ، وفى التنزيل التاسعة والستون ، وهى إحدى خمس سور تبدأ بالحمد لله ، هى بترتيب النزول : الفاتحة ، وفاطر ، والأنعام ، وسبأ ، والكهف ، تنبّه إلى أنه تعالى المحمود على كل حال ، وله الحمد فى الأولى والآخرة ، ولهذا حمد نفسه على إنزاله القرآن على رسوله الكريم ، فإنه أعظم نعمة ، فلا اعوجاج فيه ولا زيغ. وتتعرض السورة لثلاث قصص من روائع قصص القرآن ، الأولى : قصة أصحاب الكهف : وفيها التضحية من أجل العقيدة ، وأبطالها فتية مؤمنون خرجوا من بلادهم فرارا بدينهم ، ولجأوا إلى غار فى جبل ، ومن ثم كان اسمهم أصحاب الكهف ؛ والقصة الثانية : هى قصة موسى مع الخضر : وفيها تواضع طلّاب العلم ولو كانوا أنبياء ، وأن العلم علمان : علم حضورى يعرفه موسى ، ومنه الشريعة ، وعلم غيبى أو لدنّى لا يعرفه إلا أولياء الله ، وله قوانينه الخاصة التى يحدّها الخير المطلق والشرّ المطلق ، وتتجاوز مقتضيات العقل والشرع. والشريعة فى منظور العلم الحضورى أحكامها أخلاقية ، وفى منظور العلم الغيبى أحكامها تتجاوز الأخلاق ، فكأنه عندنا ثلاثة أنواع من الأحكام : النوع الأخلاقى moral ، وغير الأخلاقى demoral ، والمتجاوز للأخلاق amoral ؛ والقصة الثالثة : هى قصة ذى القرنين ، وكان تقيا ورعا ، فساد العالم ، وبسط سلطة القانون على المعمورة ، وأقام ميزان العدل بين الناس ، وكان أن قام ببناء سدّ عظيم ، يحجز الطاغين عن المستضعفين ، ويمنع عنهم الظلم ولو إلى حين. واستخدمت السورة أمثلة ثلاثة ، لبيان أن الحقّ لا يرتبط بجاه ولا مال ولا سلطان ، وأن ارتباطه بالعقيدة ؛ والمثل الأول : للغنيّ المزهوّ بماله ، والفقير المعتز بدينه ، والواثق من عقيدته ؛ والمثل الثانى : للحياة الدنيا ومآلها للزوال ، ومصيرها للفناء ، وإنما هى زينة ، ومال وبنون ، ثم لا يبقى من

٥٨٠

ذلك شىء إلا الصالحات ، وهى عند الله خير ثوابا وخير أملا ؛ والمثل الثالث : مثل مآل المتكبّر والمغرور المتغطرس ، وهو إبليس الملعون وما كان من أمره مع آدم عند ما رفض السجود لخلق الله ، فكان أن فسق عن أمر ربّه ، فباء بالخسران المبين. وهذه القصص والأمثال عظات وعبر للمؤمنين ، وما أظلم من يذكّر بها فيعرض عنها وينسى ما قدّمت يداه. وهذا القرآن الذى احتوى على هذه القصص والأمثال ، يبشّر المؤمنين وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ، إن يقولون إلا كذبا ، وما كانت الحياة على الأرض إلا ليبلو الله تعالى الناس أيهم أحسن عملا ، ويوم القيامة يجعل ما على الأرض من زينة حطاما وركاما.

وقصة أصحاب الكهف ، وبقية القصص والأمثلة ، لتسلية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين ، ورفع معنوياتهم ، لكى يصبروا ويصبر نبيّهم معهم وهم الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ، ويحمد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ربّه أنه لم يمتّه حتى أمره أن يصبر نفسه معهم ، فقال مقالته المأثورة : «معكم المحيا ومعكم الممات» وتبشّر السورة الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات عدن ـ أى جنات الإقامة ، وتؤكد على رسالة الرسل ، وأنه ما كان إرسالهم إلا مبشّرين ومنذرين ، وأنه تعالى الغفور ذو الرحمة ، وأنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا لعجّل لهم العذاب ، وأن الأخسرين أعمالا هم الذين ضلّ سعيهم فى الحياة الدنيا ، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات الفردوس ، والفردوس : هى سرّة الجنة ، وليس فى الجنات جنة أعلى منها ، وقيل : هى نزل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. وهذه السورة ـ والقرآن جميعه ـ حافلة بالمواعظ ، وما تنتهى مواعظ الله ، ولو كان البحر مدادا لكلماته تعالى لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته ومواعظه. وما محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا بشر مثل الناس وإنما يوحى إليه بهذا القرآن العظيم وتختتم السورة بالآية الكريمة : (فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (١١٠) ، قيل هى آخر آية نزلت من السماء ، وآخر ما ختم به القرآن. فلله الحمد والمنّة ، ونسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا على كتابه وسنّة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، اللهم آمين.

* * *

٦٠٠. سورة مريم

السورة مكية إلا الآية : (أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) (٥٨) ، والآية : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) (٧٢). وعدد آيات السورة ثمان وتسعون آية ، منها أربع وثلاثون آية عن مريم وابنها عيسى ، أى نحو ثلث

٥٨١

السورة ، ولهذا كان ترتيب السورة فى المصحف التاسعة عشرة ، وفى التنزيل الرابعة والأربعون ، وكان نزولها بعد سورة فاطر ، وغرضها الردّ على أهل الكتاب ، سواء اليهود أو النصارى ، وتقرير التوحيد كرسالة للإسلام ، وتصحيح الروايات فى الأنبياء وفى مبعثهم ودعواتهم. وتبدأ السورة بالحروف المقطّعة : «كهيعص» ، وتنطق : «كاف ، ها ، يا ، عين ، صاد» وهى حروف من الأبجدية تنبّه إلى ما فى القرآن من إعجاز لغوى وفكرى وسردى دلالى ، وأنه كتاب فى آيات الله الذهنية ، كآياته الكونية ، فبمثل هذه الحروف يأتى القرآن ككتاب فى إثبات التوحيد والقدرة لله تعالى ، مثلما الشمس والقمر والسموات والأرض آيات فى هذا الإثبات. وفى الخبر أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث عمرو بن أمية الضّمرى إلى النجاشى يدعوه إلى الإسلام ، فجمع النجاشى الرهبان والقساوسة ، وقرئ عليهم من سورة مريم الجزء الخاص بمريم والمسيح ، ففاضت أعينهم من الدمع ، وفيهم نزلت الآية : (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (٨٢) (المائدة) وتناولت السورة قصص الأنبياء : زكريا ، ويحيى ، وإبراهيم ، وموسى ، وإسماعيل ، وإدريس ، ونوّهت بإسرائيل ، وبدأت بقصة زكريا ، تماما كما فى إنجيل لوقا ، ونعرف من قصة الإنجيل سبب هذا التقارن بين قصة يحيى بن زكريا وقصة عيسى بن مريم ، فأمّ يحيى كانت اليصابات ، وتمّت بصلة النسب إلى مريم ، ولم تحمل اليصابات فى يحيى إلا بعد أن صارت وزوجها زكريا شيخين طاعنين فى السن ، فلم تكن اليصابات تحيض ، ولم يعد زكريا قادرا على الإنجاب ، فكان ميلاد يحيى معجزة ، سبقت معجزة ميلاد عيسى وقدّمت لها. وتشبه قصة لقاء الملك لمريم والحديث بينهما كما جاءت فى القرآن ، نفس القصة فى إنجيل لوقا مع تفاصيل كثيرة تمتاز بها القصة فى القرآن ، ففي القرآن مثلا يأتى أن مريم : (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً) (١٧) والمكان الشرقى يعنى الذى تشرق عليه الشمس ، من الشّرق وهو الشمس ، وخصّ المكان بالشرق لأنهم كانوا يعظّمون جهة المشرق من حيث تطلع الأنوار ، والجهات الشرقية أفضل دائما من سواها ، وقيل من أجل ذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة لهم ، وقبّلتهم يسمونها المذبح أو الهيكل altar ، أو المحراب chancel ، وهو فى تصميم الكنائس يأتى جهة الشرق ، وفى القرآن هو المحراب ، من الحرب بفتح الراء ، لأن من يأوى إليه ويلازمه يلقى من ملازمته نصبا وتعبا من كثرة التعبّد ، فهذا هو المكان الذى أوت إليه فى كنيس بيت لحم ، وكان من قبل هذا الحدث مكانها المفضل. ولمّا جاءها المخاض انتبذت به (مَكاناً قَصِيًّا) (٢٢) ، أى تركت الكنيس ، وتوجهت إلى حيث لا يراها الناس ، وتصفه

٥٨٢

الآية بأن به نخلا وجدولا جاريا ، وخير الطعام للوالدة هو التمر لغناه بالسّعرات الحرارية ، فأكثر من نصف التمرة سكّر ، ٢ خ دهون وبروتينات ومعادن ، فجعل ولادتها حيث يمكنها أن تهزّ النخل فيسّاقط عليها الرّطب أى البلح الناضج الطبرىّ ، ومعروف أن النخل لا يثمر فى فلسطين إلا فى الصيف ، فنعلم من ذلك أن تحديد تاريخ ميلاد المسيح بأنه ٢٥ ديسمبر خطأ ، ورواية القرآن هى الأصدق لأنها أكثر تفصيلا وأكمل ، وبيت لحم حيث ولد المسيح قرية صغيرة بالقرب من القدس ، وتكثر بها ينابيع المياه العذبة ، والآبار ، مصداقا لرواية القرآن ، ولقد هلل المستشرقون ، وما يزالون حول مقولة القرآن أن مريم (أُخْتَ هارُونَ) (٢٨) ، ومن هؤلاء سايوس ، وهوروفتس ، وبيترز ، فقالوا كيف تكون مريم «أخت هارون» الأخ الأكبر لموسى بن عمران ، مع أن ما بين مريم وهارون من الزمن نحو ٦٠٠ سنة ، وقيل ألف سنة وأكثر! واللبس الذى تحصّل عند المستشرقين مصدره جهلهم بالعربية ، فالمقصود بأخت هارون أنها سليلة بيت هارون ، ولم تقل الآية أنها أخت موسى ، لأن هارون دون موسى جعل على رأس الأحبار ، ومن ذريته كان أحبار اليهودية ، والمعنى إذن أن مريم من بيت دين عريق ، فكيف تحمل فى طفل سفاحا؟ ونفس الطريقة تأتى قبل ذلك مباشرة فى قول زكريا : (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (٦) ، ويعقوب المقصود هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، والمشهور باسم إسرائيل ، يعنى يرث بيت إسرائيل وليس بيت زكريا ، فهذه الآيات تحرص على إلحاق هؤلاء الناس بأصولهم ، أو بالبيوت والعوائل التى انحدروا منها. ومع ذلك فإن إنجيل لوقا يتحدث عن اليصابات أنها من بنات هارون ، واليصابات قريبة لمريم ، يعنى أن مريم أيضا تكون من بنات هارون! ومثل ذلك يأتى فى قوله تعالى : (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ) (٧٤) (الأنعام) ، فآزر لم يكن أباه ، والناس فى بلادنا ينسبون أنفسهم للعمّ وما أشبه باعتباره أبا ، فيقول الواحد : «أبونا آزر» ، أو نقول : أبونا آدم» وكذلك يأتى عن هود ، وصالح ، وشعيب أنهم إخوة للناس فى بلادهم ، وهذا ليس بصحيح على الحقيقة ولكنه يقال مجازا ، ومن ثم كان عجيبا نقد هؤلاء المستشرقين لقوله تعالى : «يا أخت هارون»! ومثله قوله تعالى : (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) (١٢) (التحريم) ، فهى ليست ابنة عمران وإنما سليلة بيت عمران ، وعمران من نسل لاوى بن يعقوب ، فكأن مريم طبقا للقرآن لاوية ، ولا تذكر الأناجيل بيت مريم ، وإنما تنسبها ليوسف الذى تزوّجها ، فيقول إنجيل متّى : «يوسف رجل مريم من نسل يعقوب ، ومن بيت داود» ، وإنجيل لوقا يذكر نفس الحكاية. فلا دخل لمريم إذن مع بيت داود ونسبها الحقيقى هو بيت عمران بن لاوى. وأما القول فى إنجيل لوقا : أن الرّب سيعطى المسيح عرش

٥٨٣

داود أبيه (١ / ٣٣) ، فذلك لأن المسيح كان يقال له يسوع بن يوسف (يوحنا ١ / ٤٥) ، ويوسف من بيت داود كما ذكرنا ، فنسبوا المسيح إلى أصول زوج أمه ، كما نسبوا مريم إلى أصول زوجها ، وهذا كله خطأ ويشيع الاضطراب فى الأنساب. ورواية القرآن إذن أصدق الروايات ، وسورة آل عمران هى أصدق ما قيل فى حقيقة نسب مريم. وبعد أن تفصّل السورة مآثر كل نبىّ ممن ذكرتهم تفصيلا أو إجمالا واستغرق الحديث عنهم نحو ثلثى السورة ، يبين أن الغرض هو إثبات أن الرسالة واحدة ، وتلك ميزة القرآن على التوراة والأناجيل ، فالأناجيل ألغت ناموس موسى ، والنصارى اختلفوا من بعده حول طبيعته : أهو من طبيعة إلهية محضة ، أو إلهية بشرية؟ : (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ) (٣٧) ، فالويل لهم من يوم عظيم. وتورد السورة قصة تأخر الوحى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مدة تقرب من الأسبوعين إلى أن تنزّلت الآية : (وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (٦٥) ، ومعنى هل تعلم له سميا؟ أنه لا نظير له ، لا المسيح ولا غيره ، ولا يمكن أن يكون له ابن ، وليس له «اسم ذات» سوى أنه الله. وتأتى فى السورة آية : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا) (٧١) والورود : هو الدخول ، لا يبقى برّ ولا فاجر إلا يدخل النار ، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما ، كما قال تعالى فى بقية الآية : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا) (٧١) كما قال : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ) (١٠١) (الأنبياء). وفى السورة أيضا قصة العاص بن وائل مع خبّاب بن الأرت ، فكان لخباب عند العاص دين ، رفض أن يدفعه العاص إلا إذا كفر خبّاب بمحمد ، فقال له خبّاب : لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال : أو إنى لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذن حين أبعث! ووقتها سيكون لى المال والولد! قالها ساخرا هاذئا مكذّبا ، فنزلت الآية : (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً) (٨٠) ، وهو الردّ المفحم ، وفيه الوعيد لأمثال العاص. وتختتم السورة كما بدأت ، فكانت بدايتها عن الولد ، ونهايتها نفى أن يكون عيسى ابن الله ، وهى فرية تكاد تنفطر منها السموات وتنشق الأرض ، فما ينبغى لله أن يكون له ولد ، وكل من فى السموات والأرض هم عباده ، وكلهم آتية يوم القيامة فردا ، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم ودّا ، وما كان هذا القرآن إلا ليبشر المتقين وينذر الظالمين ، وكم أهلك الله من أمم جحدت ، فأسقطهم التاريخ من حسابه فما عاد لهم ذكر. ومن التعابير الجميلة فى السورة من أدب

٥٨٤

الحوار قول إبراهيم لأبيه لما استنفد الجدل معه : (سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) (٤٧) ، وقول زكريا وهو ينادى ربّه : (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً) (٤) ، وقوله تعالى عن الكافرين : (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا) (٣٨) وهو أسلوب تعجّب ، ومقالة مريم : (يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) (٢٣) ، وهذه المقالة جاءت على لسان عمر قبل وفاته ، ثم على لسان عائشة قبل أن تموت : ومن المصطلحات : الموالى أى أبناء العم ؛ والصدّيق : وهو الكثير الصدق والبار الدائم التصديق ؛ والباقيات الصالحات وهى الأعمال الصالحة التى تبقى للإنسان بعد وفاته وزوال ماله وجاهه وسلطانه. ولله الحمد والمنّة ، نسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا على الكتاب والسنّة ، آمين.

* * *

٦٠١. سورة طه

نزلت هذه السورة بعد مريم ، وترتيبها فى النزول الخامسة الأربعون ، وفى المصحف العشرون ، وآياتها خمس وثلاثون آية ، جميعها مكية إلا الآيتين ١٣٠ و ٣١ فمدنيتان ، وموضوعها : العقيدة كأىّ من السور المكية ، وتبدأ بحرفين هما : «طه» سمّيت السورة بهما ، وتباينت الاجتهادات فى تفسيرهما ، فمن قائل : أن طه اسم لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمعروف أن له عشرة أسماء ، منها طه ، ويس ؛ وقال آخرون : «طه» من اللغة السريانية ، أو النبطية ، أو اليمنية ، أو هما بلسان الحبشة ، بمعنى ، «يا رجل» ، أو بمعنى «طأ الأرض» ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يتحمل مشقة الصلاة قبل أن تنزل هذه السورة ، حتى كادت تتورم قدماه ، وكان إذا صلّى يرفع رجلا ليريحها ويقوم على الأخرى ، فأنزل الله (طه) (١) ، يعنى : «طأ الأرض يا محمد» ، (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (٢). وقال نفر من المفسرين : إن «طه» قسم أقسم به ، وقال آخرون : إن «طه» اختصار لكلمات ، كأن تكون الطاء اختصار «طوبى» ، والهاء اختصار «الهاوية» ؛ والعرب تعبّر عن الشيء كله ببعضه ، فيحتمل أن الطاء افتتاح اسمه «طاهر» و «طيّب» ، أو «طالب الشفاعة للأمة» ؛ أو أن الطاء من الطهارة ، والهاء افتتاح هادى من الهداية ، كأن يكون المعنى خطابا من الله إلى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : يا طاهرا من الذنوب ، ويا هادى الخلق إلى علّام الغيوب ؛ أو أن الطاء : «طبول الغزاة» ، والهاء : هيبتهم عند الكافرين. وكل هذه اجتهادات لا مبرر لها ، لأنه ليس فى القرآن ما يستغلق على الناس فهمه ، فحتّى ما كان من الغيب عرّفه لنا ، وإنما «طه» من الحروف المقطّعة ، ومثلها مثل الم ، والر ، وهى إشارات إلى حروف الأبجدية التى كانت منها الكتابة والقراءة ، وهما نعمتان كنعمه الأخرى فى الكون ، بل إنهما لأكبر من أى نعمة أخرى من النّعم الكونية ، فلولا

٥٨٥

الكتابة والقراءة ما كانت الحضارة ، ولا كان التاريخ ، ولما عرف الإنسان الله ، فالحروف المقطّعة فى أوائل بعض السور تنبيه إلى هاتين الآيتين ـ الكتابة والقراءة ، كالتنبيه إلى آياته الكونية فى بعض السور الأخرى. وسورة طه نزلت قبل إسلام عمر ، وكانت سببا فى إسلامه ، فذلك من بركاتها ، وفى الخبر أنه خرج يوما يريد أن يقتل محمدا الذى كان يطلق عليه «هذا الصابئ» يعنى المرتد عن دينه ، لأنه فى زعمه فرّق أمر قريش ، وسفّه أحلامها ، وعاب دينها ، وسبّ آلهتها ، فقيل له : إن ختنه وأخته قد صبوا ، فتوجه إلى بيت أخته ، وكان عندها خبّاب بن الأرتّ يقرأ لها ولزوجها سورة طه ، ودنا من البيت فسمع هينمة القراءة ، فلما أحسّوا به اختبأ خبّاب ، وبطش عمر بختنه ، وضرب أخته فشجّها ، ثم رقّ لها فطلب أن يرى الصحيفة ، وكان يعرف القراءة ، فأعجبه الكلام فقال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! وقال له ختنه سعيد بن زيد : يا عمر ، والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه ، فإنى سمعته أمس يقول : «اللهم أيّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام ، أو بعمر بن الخطّاب» ، فالله الله يا عمر. فقال عمر : فدلّنى يا خبّاب على محمد حتى آتيه فأسلم.

وتبدأ السورة بحسن استهلال ، لتسلية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بقوله تعالى : (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى) (٢) ، وتنبّه إلى رسالة القرآن ، وأنها للتذكرة بالله تعالى ، وتصفه بصفات الوحدانية ، ثم تستطرد فى تسلية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين ، بأن تقصّ أطرافا من قصة موسى ، وتستهلها بالتشويق والحثّ على الإصغاء ، تقول : (وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ) (١٠) ، وفى القصة الكثير من المصطلحات ، مثل : «الوادى المقدس طوى» ، و «عصا موسى» ، و «حيّة موسى» ، و «يوم الزينة» ، و «جنّات عدن» ، و «السامرى» ، و «لا مساس» ، و «الشفاعة» ؛ والكثير من الحكم والأمثال والأدعيات ، مثل : (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى) (١٧) ، و (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي) (٢٨) ، (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) (٣٩) ، (وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى) (٤٧) ، و (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (٥٠) ، و (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى) (٥٥) ، (وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى) (٦١) ، (وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى) (٦٣) ، و (لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى) (٦٨) ، و (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى) (٦٩) ، و «(إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ) (٧١) ، (فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا) (٧٢) (وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) (٧٣) ، (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى) (٨٤) ، و (يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) (٩٤) ، «(وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً) (١٠٢) ، ويتأدّى السرد فى القصة إلى وصف

٥٨٦

يوم القيامة ، وتتطرّق إلى سؤال قريش للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الجبال فى ذلك اليوم ، ويضرب المثل بالجبال ونسفها على وصف الهول فى ذلك اليوم ، والذى لا شفاعة فيه إلا لمن أذن له الرحمن ، ومقصوده من كل هذا السرد عن القيامة ، هو توعّد من يكفر بعد ما جاءه من العلم مما بيّنه القرآن وأنزله الله تعالى لذلك بالعربية ، وأمر نبيّه أن لا يتعجّل قراءته من قبل أن يقضى إليه ، ويضرب له المثل بآدم الذى تعجّل فأطاع إبليس ونسى ما وصّاه به ربّه ، وتروى السورة طرفا من قصة آدم ، وتسوق الآيات لعل فيها الهدى للناس ، وتنذرهم بأن من يعرض عمّا فيها فإن معيشته تسوء ، بسبب اختياره الطريقة الدنيا على طريقة القرآن ، وتشبّهه بمن يؤتى البصر فى الدنيا ويحرم البصيرة ، فيحشر فى الآخرة بلا بصر ولا بصيرة ، فهذه حال كل من يسرف ولا يؤمن ، وله المثل فيمن سبقه من الأمم ، لعله يتّعظ بهم. وتنتهى السورة ببعض الوصايا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وللمؤمنين : أن يصبروا على تشنيعات الكافرين والمكذّبين والمتعنّتين ، وأن يشغلوا أنفسهم بذكر الله ، وأن لا يتمنوا ما فى أيدى غيرهم من النّعم ، فرزق الله خير وأبقى ، وأنه على المسلم أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها ، وأن يحفظ ما جاء فى هذه السورة ، فهى خير من كل آية مادية من آيات الكون والدنيا التى يطلبها الكفار كبرهان على صدق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهذه كتب الأولين قبل القرآن تشهد بذلك ، ولو أن الله حاسبهم على ما طلبوا كما حاسب من سبقوهم لأهلكهم ، ولقالوا : ما لنا ومن سبقونا؟ لو لا أرسل الله لنا رسولا خاصا بنا فنتّبع آياته؟! وها هو الرسول قد جاءهم فلم لم يتّبعوا ما جاء به؟ ولم لم يؤمنوا؟ وتختتم السورة بأروع بيان : (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى) (١٣٥) فهذه هى سورة طه التى أسلم بسببها عمر بن الخطاب ، قمة فى الحكمة والقصّ ، ودعوة إلى التدبّر والتفكّر. ولله الحمد والمنّة.

* * *

٦٠٢. سورة الأنبياء

السورة مكية ، وآياتها اثنتا عشرة ومائة ، وكان نزولها بعد سورة إبراهيم ، وترتيبها فى المصحف الواحدة والعشرون ، وفى التنزيل الثالثة والسبعون ، وتعتبر من السور العتاق الأول ، مثلها مثل مريم ، وطه ، والكهف ، وتبدأ بداية غير معهودة ، تقول : (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ) (٤) وفى هذه الآيات موجز للسورة جميعها ، فكما يوحى اسمها فإنها عن

٥٨٧

«الأنبياء» ، وفيها ذكر «ثمانية عشر» نبيا ، هم بحسب ورودهم فى السورة : موسى وهارون ، وإبراهيم ولوط ، وإسحاق ويعقوب ، ونوح ، وداود وسليمان ، وأيوب ، وإسماعيل ، وإدريس ، وذو الكفل ، وذو النون ، وزكريا ويحيى ، وعيسى ، وتنذر السورة باقتراب الآخرة ، وتنبّه إلى غفلة الناس وإعراضهم ، واستغراقهم فى الملذات ، وكلما نزلت عليهم آية من ربّهم لم يستمعوا لها إلا وهم يتشاغلون ويتناجون بينهم بالتكذيب ، وقالوا : وهل محمد هذا إلا مثل البشر ومن البشر؟ يأكل الطعام مثلهم ، ويمشى فى الأسواق كما يفعلون ، فلما ذا الإنصات له ، والاحتفاء بما يقول ، وهو لا يتميز عن أهل مكة فى شىء؟ وقالوا : كلامه سحر ولا يأتيه إلا شاعر ، وهو نفسه ساحر ، وقرآنه أخلاط كالهلاوس وأضغاث الأحلام. والردّ على هؤلاء : أنه ما كان من الممكن أن يرسل الله رسولا إلى الناس إلا إذا كان بشرا مثلهم ، وحجتهم على ذلك داحضة ، لأن من سبقه من أنبياء ما كانوا إلا بشرا رجالا يوحى إليهم ، وما كانوا يأكلون إلا طعاما كما يأكل الناس. وقال كفّار مكة مثلما قال النصارى : أن الله اتخذ ولدا ، وهم كاذبون فلو كان يريد أن يتخذ ولدا لاتّخذه من أهل السماء ، يعنى الملائكة ، وهو لم يكن له ولد ، ولا اتخذ ولدا من الملائكة ، ولا كانت له بنات من بينهم ، وليس الملائكة إلا عبادا له مكرمين ، وهم يسألون الله سبحانه وهو لا يسأل ، فكيف يكونون له شركاء وهو الذى تشير كل الدلائل فى السماء والأرض على أنه واحد لا شريك له ، وله البقاء والخلود وحده ، وهم جميعا ميّتون ، ولسوف يموت محمد ، فلما ذا الاستهزاء به وتعييره بأنه سيموت؟ ومن قبله استهزئ بالأنبياء وجرى عليهم الموت ، وما كان محمد إلا مثلهم فليس عجيبا أن استهزءوا به؟ ثم تقص السورة قصصا عن بعض الأنبياء ، وبعض القصص يطول وبعضها يقصر ، ومن هؤلاء : موسى وهارون ، وكيف آتاهما الله الفرقان ضياء وذكرا للمتقين ، ومثله القرآن تنزّل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وفرقان موسى هو التوراة ، وسمى الفرقان لأنه يفرق بين الحرام والحلال. ومن قبل موسى وهارون كان إبراهيم ، وتتحدث السورة عنه بإسهاب ، وتعرض لبراهينه وحججه فى أسلوب فيه نصاعة البيان. ولم يكن إبراهيم عند ما بدأت قصته على العيان إلا فتى ، ولكنه لم يكن غريرا ، فقد آتاه الله رشده قبل الأوان ، يعنى أنضجه فكريا ، وأعطاه عمرا عقليا يسبق عمره الزمنى ، كقوله تعالى فى يحيى : (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (١٢) (مريم) ، والحكم هو الرشد ، وإبراهيم كان أبرز ما فيه قدراته على الاستدلال والنظر ، فعلم عجز آلهة قومه ، ودعاهم لنبذها ، ولم يكتف بالمحاجاة باللسان ، ولكنه ذهب إلى أبعد من ذلك ، فكسر الأصنام التى يعبدونها ، ووطّن نفسه منذ البداية على مواجهة المكاره وهو يذبّ عن عقيدته ، ويعلن عن إيمانه بالله ، وحاكموه فكانت «محاكمته أول محاكمة فى التاريخ من نوع محاكمات محاكم التفتيش» ،

٥٨٨

وحرّقوه بالنار ، فكان «تحريقه أول تحريق holocaust أوauto ـ da ـ fe فى التاريخ ، وقضى الله أن تمنع هذه المهزلة ، ويرفع هذا الظلم ، فعطّل قانون النار ، فتحوّلت إلى الضدّ (بَرْداً وَسَلاماً) (٦٩) ، ونجّاه ولوطا وأوعز إليهما أن يهاجرا ، فكانا أول من هاجر من الأنبياء ، وارتحلا بعائلتيهما إلى أرض فلسطين ، وكان لوط من المؤمنين بإبراهيم ، وكافأ الله إبراهيم فوهبه على الكبر إسحاق ، وأنجب إسحاق يعقوب ، وكلاهما كان نبيا ، وكافأ لوطا فجعله نبيا ، ولوط هو ابن أخى إبراهيم ، وهؤلاء كانوا الأئمة أو الآباء ، أو البطارقةpatriarchs الهداة الأولين. وامتحن الله لوطا بقريتىّ سدوم وعامورة ، ونجّاه وأهله وأغرق قوم السوء. ومن الأنبياء داود وسليمان : آتاهما الله الحكم والعلم ، فقضيا فى أصحاب الحرث والغنم ، وفضّل الله سليمان فكان حكمه هو الأفضل. ومنهم أيوب : وكان من الصابرين ، فكشف الله ضرّه ، وآتاه أهله ومثلهم معهم ، رحمة به وذكرى للعابدين. ومن الصابرين : إسماعيل ، وإدريس ، وذو الكفل ، وكانوا صالحين. وذو الكفل هو اليسع ، سمّى كذلك لأنه تكفّل بأن يدخل الجنة من يؤمن بالله ، وقيل هو زكريا ، سمّى ذا الكفل لكفالته لمريم. ويونس : وكان من المؤمنين ، وسمّى ذا النون ، لأن النون ـ أى الحوت ـ ابتلعه. ومن دعائه المستجاب فى ظلمات بطن الحوت : (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (٨٧) ؛ وزكريا وزوجته : وكانا من الخاشعين ويسارعان فى الخيرات ، ويدعوان ، الله رغبا ورهبا ، فآتاهما يحيى على كبر ، وكان يحيى سيدا وحصورا ، ولم يكن له من قبل سميا. ومريم البتول : وابنها عيسى الذى جعله الله آية وأعجوبة للخلق ، وأوجده دليلا على قدرته تعالى. وهؤلاء الأنبياء دعوا جميعا إلى الله ، فالذين آمنوا كانوا أمة واحدة هى أمة لا إله إلا الله ، غير أن الناس اختلفوا وتفرّقوا فى الدين ، وسيظل اختلافهم إلى يوم الساعة عند ما تفتح يأجوج ومأجوج ، فينسلون من كل حدب لكثرتهم ، ويحشرون فى أرض الموقف ، ثم يوردون جهنم ، وهم لها حصب وما يعبدون ، وينجّى الله من سبقت له الحسنى ، وكما بدأ الخلق يعيده ، وتطوى السماء كطىّ السجل للكتب ، وما كان إرسال محمد إلا رحمة للعالمين ، وما كان قوله «لا إله إلا الله» ، إلّا بوحى بها إليه منه تعالى. والله أعلم بالساعة ، ويعلم الغيب وما يكتمون ، ولا يرث الدنيا والآخرة إلا عباد الله الصالحون ، وهذا بلاغ للعابدين ، لم يخصّ منهم أحد دون أحد ، ولعل إمهاله تعالى للناس ، وتأخيره عقابهم ، امتحان لهم ليرى صنعهم ، وليمتّعوا فى الدنيا إلى حين ، ثم يأتيهم عذابه الأليم. وتختتم السورة بأمر الله لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يدعو ربّه : (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) (١١٢) ، وأن يكون جوابه للمكذّبين فى نهاية المطاف : (وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (١١٢). والحمد لله ربّ العالمين ..

* * *

٥٨٩

٦٠٣. سورة الحج

السورة مدنية ، وقيل إلا آيات أربع ، وهى : (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) (٥٥) فإنها نزلت بين مكة والمدينة ؛ وآيات سورة الحج ثمان وسبعون آية ، وكان نزولها بعد سورة النور ، وهى الثانية والعشرون فى المصحف ، والسابعة عشرة فى ترتيب التنزيل. وبعض المفسرين يقولون إن السورة مكية إلا بعض السور المدنية ، ولذلك فإنه يغلب عليها جو السور المكية ، مع أنها تتناول جوانب التشريع كالسور المدنية سواء بسواء ، ويبرز فيها موضوعات كالتوحيد ، والإنذار ، والتخويف ، والبعث والجزاء وتعرض لبعض مشاهد يوم القيامة وأهواله ، ولمعانى الإيمان ، وكلها مما تعالجه السور المكية ، إلى جانب أحكام الحج ، والهدى ، والإذن بالقتال ، والأمر بالجهاد ، وهو ما استحدث فى المدينة ، وسميت سورة الحج لتناولها موضوع «الحج» والإذن به ، ابتداء من الآية : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (٢٧) حتى الآية (لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ) (٣٧) ، ومن مميزاتها أن بها سجدتين ، الأولى عند قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) (١٨) ، والثانية : عند قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (٧٧) ، والغالب أنها سجدة واحدة هى السجدة الثانية. وبداية السورة بداية عنيفة ، تقول : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ) (٢) ، والزلزلة شدة الحركة ، وهى إحدى شرائط الساعة ، والمرويات فيها ترتجف لها القلوب ، وتذهل من هولها العقول ، فحتى المرضعة تسهو فيها أن ترضع طفلها ـ وهو أشد ما تحرص عليه الأم ، وإنما تطيح الزلزلة بصوابها ، حتى لتضع الحامل حملها لهول ما ترى. وقيل فى النفخة الأولى فى الصور : يكون قيام الساعة ؛ وفى النفخة الثانية : تكون الزلزلة وتقع أهوال يوم القيامة ، وعندئذ ترى الناس سكارى من هولها ، ومن الخوف والفزع ، وما هم بسكارى من خمر أو ما شابهها ، ولكنه الموقف الرهيب. وتستطرد السورة ، من مشاهد القيامة إلى

٥٩٠

التدليل على البعث ، وتقدّم دليلين على أن البعث واقع ، الأول : أن كل إنسان لم يكن من قبل شيئا ، ثم كان نطفة ، فعلقة ، فمضغة مخلّقة وغير مخلّقة ، ثم طفلا ، ليبلغ أشدّه ، وقد يتوفّى ، أو يردّ إلى أرذل العمر ، فهذه الأطوار جميعا تثبت أن الخلق ممكن من لا شىء ، فهكذا البعث ؛ والدليل الثانى : أن الأرض تكون هامدة فينزل المطر ، فتهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج ، فهذا دليل أقوى على البعث. ومن الدليل الأول قوله تعالى : (فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ) (٥) فخاطب جمعا ؛ ومن الدليل الثانى قوله : (وَتَرَى الْأَرْضَ) (٥) فخاطب واحدا ، فانفصل اللفظ عن اللفظ ، ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكرى البعث ، من قوله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) (٤) حتى قوله (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (٧) ، وفيه تنبيه على أن كل ما سوى الله ، وإن كان موجودا حقا ، فإنه لا حقيقة له من نفسه ، لأنه مسخّر ومصرّف. والحق الحقيقى هو الله ، وهو تعالى الموجود المطلق ، والغنى المطلق ، ووجود كل ذى وجود إنما عن وجوب وجوده ، ولذا قال : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (٦٢) ومعنى الحق أنه الموجود الثابت الذى لا يتغيّر ولا يزول ، وهو الله. ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب يرجعون إليه ، والبعض يعبده تعالى على حرف ، يعنى فى شك دائم ، أو يعبده نفاقا باللسان دون القلب ، ويوم القيامة يفصل بين من آمن وبين من أشرك ، وبين المؤمنين وبين اليهود والنصارى والصابئين والمجوس إلى غير ذلك من الملل والنحل. والصابئون : هم عبدة النجوم ، والمجوس : هم عبدة النار ، فهذه أديان خمسة ، أربعة منها للشيطان ، وواحد للرحمن ، وأصحاب ديانات الشيطان هم الذين يصدّون عن سبيل الله ، وعن المسجد الحرام قبلة العاكف والبادى ، ومن يرد فيه بإلحاد بظلم له العذاب الأليم. والإلحاد بظلم : هو الميل إلى الظلم ؛ والعاكف هو المقيم بمكة ؛ والباد : الذى يأتيها من خارجها ؛ والمسجد الحرام : هو البيت العتيق ، وقيل الحرم كله ، وهو عتيق أى قديم ؛ لأنه أول مسجد وضع فى الأرض ، ولأن الله أعتقه أن يظهر عليه جبار ، ولأنه يعتق فيه الخطّاءون من العذاب ، ولأنه أعتق قوم نوح من الطوفان. ثم إن الله تعالى بوّأه لإبراهيم ، وعرّفه بمكانه ، وأجلى له عن أساسه ، ليعيد بناءه ويطهّره للطائفين والمصلّين ، وأمره أن يؤذّن فى الناس بالحج يأتونه من كل فج بعيد ، راجلين وراكبين ، ليشهدوا منافع لهم فى التجارة والعبادة ، وليذكروا اسم الله فى أيام معلومات : قيل هى ثلاثة أيام ، أو أربعة ، منها يوم للذبح هو العاشر من ذى الحجة ؛ ثم ليقضوا تفثهم :

٥٩١

يعنى مناسك الحج ؛ وليوفوا نذورهم ، وليطوّفوا. وللحج ثلاثة أطواف : طواف القدوم ، وطواف الإفاضة ، وطواف الوداع. وفى الحج يجتنب الرجس من الأوثان ، وقول الزور ؛ والرجس : هو ما يزيل الطهارة ؛ والوثن : هو الصنم ، والأصنام رجس لأنها نجس حكما وإن لم تكن نجسا وصفا ذاتيا. والزور : هو الباطل والكذب ، وفى الحديث : «عدلت شهادة الزور الشرك بالله» أخرجه أحمد. وتعظيم الشعائر من تقوى القلوب ، والشعائر : جمع شعيرة ، وهى أعمال الحج والأضاحى التى مكان ذبحها منى أو الحرم. ولكل أمة منسك : أى موضع تتردد عليه لعبادة الله ، وللذبح عنده ، شكرا له على ما رزقها من بهيمة الأنعام. وعلى المؤمنين أن يسلّموا بحقّه تعالى ، وأن يطيعوا له وينقادوا ؛ وللمخبتين البشرى : أى المتواضعين الخاشعين ، والخبت ما انخفض من الأرض ، وآية المخبتين أن يخافوا من الله تعالى ، وأن يرهبوا اسمه ، وأن يصبروا على ما يصيبهم ، وأن يقيموا الصلاة ، وينفقوا مما رزقهم ، وهذه أحوال العارفين بالله. والضحايا فى الحج : ليأكل منها أصحابها ، ويطعموا القانع والمعترّ ، والأول هو السائل ، يقنع قنوعا أى يسأل ، أو تقنع قناعة أى يتعفف ؛ والمعترّ هو الذى يعترّ ، يعنى يتعرض للناس ويطيف بهم سائلا أو ساكنا. والأضحية : من تقاليد أهل الجاهلية ، فكانوا يذبحون ويضرجون الكعبة بدماء الذبائح ، والله لا ينال من لحومها ولا دمها ، ولكن يناله التقوى من المضحّين ، فيعلون بدينهم ، وهؤلاء الذين يدفع عنهم قال : (إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) (٣٨) ، ودفاعه تعالى بالحجة مع من تجدى معهم الحجة ، ومن لم تجد معهم أمر بقتالهم : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (٣٩) ، فشرط قتالهم بأن الظلم قد حاق بهم ، وقيل هذه «آية القتال» تنسخ كل آيات القرآن فى الصفح والإعراض والجدل بالحسنى ، وقيل هى أول آية نزلت فى القتال ، والصحيح أنها لم تنسخ آيات الجنوح للسلم والمعاملة باللين ، فالقتال لا يجوز إلا فى حالات معينة ، منها فى هذه السورة : إخراج المسلمين من ديارهم بغير حق ، ولو لا أن الله قد شرّع أحيانا القتال للأعداء ، لاستولى أهل الشرك على كل البلاد ، ولعطّلوا الشعائر ، وخرّبوا بيوت العبادة ، والجهاد ضرورة ، ولولاه لما بقى الدين ، وكأيّن من قرية ظالمة ومعادية لله وأهلها مشركون إلا أهلكها الله ، ولقد كذّب أقوام نوح ، وعاد وثمود ، وإبراهيم ولوط ، وموسى ، وأصحاب مدين ، فأملى لهم الله ثم أخذهم ، فلعل فى الرواية لقصصهم تسلية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو النذير المبين ، وما أرسل الله رسولا ولا نبيا من قبله إلا وقد تمنّى لو يؤمن قومه ، ولكن الشيطان يلقى فى أمنيته ، يريد أن يفسدها عليه ، ولكن الله ينسخ ما يلقى إليه الشيطان ، ثم يحكم آياته ، وفى ذلك

٥٩٢

تعريض بقصة الغرانيق التى نسبوها إلى النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى زعمهم أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لما قرأ : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) (٢٠) (النجم) لها ، قال : «إن شفاعتهن لترتجى ، وإنهن للغرانيق العلا» وهو افتراء محض فذلك لا يجوز على النبىّ وهو المعصوم فى التبليغ ، وقيل هذا مما ألقاه الشيطان فى أمنيته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن الآية نزلت فى ذلك ، والصحيح أن الآية نزلت تخبر أن الأنبياء حين يبلّغون عن ربّهم ، أو يتلون وحيا أنزل عليهم ، فإنهم لم يعدموا مشاغبين يقولون عليهم ما لم يقولوه ، ويحرّفون الكلم عن مواضعه ، وينشرون ذلك بين الناس ، ولا يزال الأنبياء يجادلونهم حتى يقيض لهم النصر عليهم ، فينسخ الله ما يلقى شياطين الإنس من تشبه ، ويثبّت الحق ، وتلك سنّة الله ليميز الخبيث من الطيب ، فيفتن ضعاف القلوب ، ويتمحّص الحق عند أهله ، وهم الذين أوتوا العلم. ولا يزال الذين كفروا فى شك من القرآن حتى تأتيهم الساعة بغتة ، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ، وسمّى اليوم عقيما لأنه لا يتلوه يوم آخر ، وليس يعقب بعده يوما منه ، والملك يومئذ لله وحده لا منازع فيه ولا مدافع ، وفيه يفصل بالعدل بين المؤمنين والكافرين ، فمن يعاقب إذن فلا يغلو ، لأنه تعالى أمر بالعدل ، ومن يعاقب فليعاقب بمثل ما عوقب به ، والله هو الحق ويحقّ الحق ، وما يدعونه هو الباطل ، وهو العلىّ الكبير ، والعالى على كل شىء بقدرته ، وعن الأشباه والأنداد ؛ والموصوف بالعظمة والجلال ؛ وقيل هو الكبير أى ذو الكبرياء ، يحيى ويميت ، وله ما فى السموات والأرض ، ويمسك السماء أن تقع إلا بإذنه ، وهو الرءوف الرحيم ، وجعل لكل أمة شريعتها ومنهجها ومتعبّدها ، وما للظالمين من نصير ، وهو تعالى يصطفى الرسل من الملائكة ليتوسّطوا بينه وبين البشر ، ويصطفى رسلا من الناس لتبليغ شرائعه للعباد. والآية ردّ على من أنكر أن يكون الرسول من البشر ، وأما المؤمنون فليزدادو إيمانا ، وليركعوا ويسجدوا ويعبدوا ربّهم ، وليفعلوا الخير لعلهم يفلحون ، وليجاهدوا فى الله حقّ جهاده ، بأموالهم وأنفسهم ، فهو الذى اجتباهم من بين الأمم لنصرة دينه ، وخصّهم بأكمل شرع ، وأكرم رسول ، ولم يضيّق عليهم ، ولا كلّفهم ما لا يطيقون ، وجعلهم على الحنيفية السمحاء ، ملّة إبراهيم ، وسمّاهم المسلمين ، وأشهد عليهم بأنه قد بلّغهم ، وأشهدهم على الناس أن رسلهم قد بلّغتهم ، وإن كانوا قد اختارهم لهذه المهمة الجليلة ، فلا أقل من أن يشكروه على هذه النعم : بالصلاة والزكاة ، والاعتصام به تعالى ، والاستمساك بحبله المتين. فلله الحمد والمنّة ، ونسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا على الكتاب والسنّة ، آمين.

* * *

٥٩٣

٦٠٤. المؤمنون

السورة فى قول الجميع مكية كلها ، ونزلت بعد سورة الأنبياء ، وآياتها ثمانى عشرة ومائة ، وترتيبها فى المصحف الثالثة والعشرون ، وفى التنزيل الرابعة والسبعون. ولمّا قيل لعائشة : ما كان خلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ قالت : أتقرءون سورة المؤمنين؟ قيل : نعم. قالت : اقرءوا ـ فقرئ عليها : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (١) حتى (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) (٩). ـ فهذه أخلاق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهى أخلاق المؤمنين المفلحين وقيل : إن النبىّ أنزل عليه فسرى عنه بعد ساعة ، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال : «اللهم زدنا ولا تنقصنا ، وارضنا وارض عنا» ، ثم قال : «أنزل علىّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة» ، ثم قرأ : قد أفلح المؤمنون» حتى ختم عشر آيات. ومن غريب القرآن أن هذه الآيات العشر عامة فى الرجال والنساء ، والخطاب للمؤمنين وهم يشملون المؤمنات ، والسورة فى أغلبها عنهم ، وتستهل باسمهم : «قد أفلح المؤمنون» فسمّيت باسمهم ، إشادة بهم وبأفضالهم. وفلاحهم : هو فوزهم وسعدهم ، وشرطه لهم بست خصال : الأولى : الخشوع فى الصلاة ، ومناطه القلب ، ولمّا نزلت الآية كان المسلمون يلتفتون فى الصلاة ، فأقبلوا من بعدها على صلاتهم ينظرون أمامهم. والقلب إذا خشع خشعت الجوارح كلها لخشوعه ، والخشوع هو أول علم يرفع من الناس ؛ والثانية : الإعراض عن اللغو ، وهو الثرثرة فيما لا يجوز ولا طائل وراءه ؛ والثالثة : فعل الزكاة ، وهو أن تعمل ليكون لديك المال لتزكّى منه ، وهو أقوى من إتيان الزكاة ، و «الفعل» فيه إرادة وقصد ؛ والرابعة : حفظ الفروج ، وذلك عام فى الرجال والنساء إلا على الأزواج ، ويقتضى ذلك تحريم الزنى ، والاستمناء ، ونكاح المتعة. والاستمناء هو استفعال المنىّ ، وكان ابن حنبل يجوّزه ويشبّهه بالفصد والحجامة!! ونكاح المتعة : هو الزواج لأجل ، والمرأة كالمستأجرة! ولا حقوق فيه لها ، وهو ضد الشرع. وسمّت السورة من نكح ما لا يحل له عاديا وأوجبت الحدّ عليه لعدوانه ، ومن ذلك اللائط ، فهو عاد قرآنا ولغة ، بدليل قوله تعالى : (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) (١٦٦) (الشعراء) ؛ والخامسة : مراعاة الأمانة والعهد ، وفيهما يجتمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه قولا وفعلا. والأمانة أعمّ من العهد ، وكل عهد فهو أمانة ؛ والسادسة : المحافظة على الصلاة ، والصلاة عمود الدين ، ومن أقامها فقد أقام الدين. وهؤلاء المؤمنون هم الوارثون للجنّة ، وجنة الوراثة : هى هذه الجنّة التى يرثونها ، وهى الفردوس ، أعلى الجنة. ثم تعرض السورة لدلائل قدرة الله ، فتناولت خلق الإنسان من سلالة من طين ، والسلالة هى النطفة تسلّ من شىء ، والسلالة أيضا صفوة الماء وهو المنى ؛ وأصل آدم من طين خالص ، وأما ولده فمن طين ومنّى ، ثم ينفخ الله فيه من

٥٩٤

روحه فيكون خلقا آخر ، ويكون له النّطق والإدراك وتحصيل المعقولات ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، فذلك دليل من أدلة قدرته تعالى ، ومن هذه الأدلة خلق السموات السبع ، والمطر ينزل بقدر ، وينمو به النخيل والأعناب والفواكه والزروع ، وشجرة الزيتون المباركة التى تنبت من طور سيناء ، وفيها الزيت دهانا للعلاج ، وغذاء للناس ، والأنعام وألبانها ، والمراكب فى البحار. وتستطرد السورة إلى بعض قصص الأنبياء الذين أبلوا بلاء حسنا وصبروا على الأذى ، لعل فيها تسلية للرسول وللمؤمنين ، كنوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، وموسى ، وعيسى وأمه ، فكان كلّ منهم يكرر نفس الدعوة ، ونفس الكلام بلا فائدة ، ويأتى الجواب على كل دعوة بنفس الألفاظ والدفوع ، فنوح قال : يا قوم : (اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) (٢٣) ، وهود قال : (اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) (٣٢) وهكذا ، وكل قوم يكذّبون بنفس الدفوع : أن النبىّ المزعوم هو بشر مثلهم ، وأن البعث مستحيل ، وأنه من أساطير الأولين ، وأن الداعى كذّاب يفترى على الله ، ومجنون به جنّة ، فاستحقوا أن ينزل بهم العذاب. وكان المعترضون دائما «المترفون» ، ومات من مات بطوفان نوح ، وبالصيحة عند عاد وثمود ، والصيحة تعنى أن يتجاوز الصوت حدّ القدرة على التحمّل ، ومن شأنه حينئذ أن يدمر ما يصله ؛ وعند موسى مات آل فرعون غرقا ؛ ولجأ عيسى وأمه إلى ربوة ذات قرار ومعين ، قيل هى الكنيسة بتعبير بطرس أحد الحواريين. وما أمر المؤمنون إلا بما أمر به الرسل : أن يأكلوا من الحلال ويتجنبوا الحرام ، وأن لا يعادى بعضهم بعضا ، فالدين واحد والربّ واحد : (هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (٥٢) ، إلا أنهم افترقوا ، وجعلوا الدين الواحد أديانا ، والافتراق فى الفروع طبيعى ، ولا يوجب تعديد الملل ، وإنما الافتراق المحذور منه هو الذى موضوعه أصول الدين وقواعده. ومن افتراقهم أن وضعوا الكتب واتّبعوها ، وحرّفوا التوراة ووضعوها وضعا ، وألّفوا الإنجيل تأليفا ، وما هم فيه من مال وبنين ليس عن رضا الله عنهم ولكنه استدراج وإملاء ؛ وأما المؤمنون : فلهم علامات أربع : يخشون ربّهم ، ويؤمنون بآياته ، ولا يشركون بالله ، ويتّقونه ويخافون أن لا تقبل تقواهم ، وأولئك هم المسارعون فى الطاعات ، والسابقون إليها ، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وكل ما يفعلون فى كتاب الإحصاء للأعمال. وأما الكافرون فهم فى غمرة وغفلة وعماية ، وأعمالهم دون ذلك ، وكلهم «مترفون» ، وفى يوم القيامة يعذّبون ، وكانوا من قبل يستأخرون كلما تلا عليهم القرآن ، وكانت لهم مسامرات ومجالس أباطيل وكفر ، يهجرون فيها ، أى ينطقون بالفحش ، فإما أنهم لم يدبّروا آيات القرآن ، أو أن ما جاء به كان جديدا عليهم تماما ولم يأت مثله لآبائهم ، أو أنهم لم يعرفوا رسولهم فهم فى شكّ منه ، أم أنهم يظنون به الجنون ؛

٥٩٥

والصحيح أنه جاءهم بالحق ، إلا أن أكثرهم يكره الحق ، ولو اتّبع الحق أهواءهم لفسد ما فى السموات والأرض ، ولتنافت الآلهة مع تعدّدها ، وأراد بعضهم ما لا يريده بعض ، وهذا هو «دليل امتناع تعدّد الآلهة». وما كان للنبىّ أجر يحصّله منهم على دعوته حتى يكرهوه ، وما كانت دعوته إلا إلى الصراط المستقيم ، وهم لا يحبون الصراط المستقيم. وما كانوا يبالون مهما نوقشوا فى دعاواهم. ومهما نبّهوا إلى دلائل وجود الله وقدرته فى الكون ، فإنهم لا يبالون ، وأفرط وبعضهم ونسبوا لله ولدا ، والولد شريك ، ولو كان له شريك لذهب كل إله بما خلق ، ولعلا بعضهم على بعض.

وتحدد السورة منهج الدعوة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فرغم كل هذه الافتراءات منهم ، قال تعالى له : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) (٩٦) ، أى اصفح وجادلهم بالمنطق ، وتسمى هذه الآية آية موادعة ، لأنه فيها يوادعهم ، وأى منهج للدعوة يقول به البعض خلاف هذا المنهج الذى استنّه ربّ العزّة واتّبعه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، غير مقبول ومن إيعاز الشيطان ، ولم يكن على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حينئذ إلا أن يقول : (رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ) (٩٨) ، وما كان لهم أن يعودوا إلى الدنيا إذا ماتوا مهما دعوا إلى الله ، فبين الدنيا والآخرة برزخ لا يجتاز ، ويوم ينفخ فى الصور لأول مرة يبعثون فلا أنساب بينهم ، وعند النفخة الثانية يسألون ، والذين تثقل موازينهم هم المفلحون الذين بدأت بهم السورة ، والذين خفّت موازينهم هم الخاسرون ، تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ، أى عابسون ، وهيهات أن يخرجوا من النار ، وقد كانوا يسخرون من المفلحين فى الدنيا ، ويظنون أنهم ما لبثوا فى الدنيا إلا قليلا ، وهو حقّ بحسابه تعالى ، ولم نخلق فيها عبثا ، وكان عليهم أن يدركوا منذ البداية أنهم كما جاءوا إليها سيخرجون منها ويعودون إلى ربّهم ، وهو الذى لا إله إلا هو ، وكما يقول : (فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (١١٦) ، قيل ليس فى القرآن كله مثل هذه الآية فى الكمال والبيان ؛ ومن كانت دعوته إلى إله آخر خلافه تعالى فعليه أن يقدّم البرهان به ، وإن لم يفعل فحسابه عند الله. وكما قال فى أول السورة (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) ، يقول فى نهايتها (لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ). ثم أمر نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالاستغفار لتقتدى به الأمة : (رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ) (١١٨). ولله الحمد والمنّة ، ونسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا على القرآن السنّة ، آمين.

* * *

٦٠٥. سورة النور

السورة مدنية كلها بالإجماع ، وآياتها أربع وستون آية ، وكان نزولها بعد سورة الحشر ، وترتيبها فى المصحف الرابعة والعشرون ، وفى التنزيل الثانية بعد المائة. واسمها سورة النور

٥٩٦

من قوله تعالى فيها : (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ...) (٣٥) وتستهل السورة بالتوصيف والتقديم لها : (سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (١) ، ومقصودها أحكام الأسرة والسلوك ، ولذا قالت فيها عائشة : علّموا بناتكم سورة النور». قالت ذلك لما فيها من آداب تهم البنات خصوصا. وفرائض السورة كثيرة ، وقوله تعالى إنها «سورة» لمنزلتها وشرفها ، لأن «السورة» من السّور الذى من شأنه أن يحوط الأشياء ويمنع عنها. والسورة تعليمية بالنسبة للنساء ، وتعرّف معنى البيت المسلم والأسرة المسلمة ، وابتداء السورة بالكلام فى الزنى ، وابتداء أى كلام فى الأخلاق يكون بالمسألة الجنسية ، والمناسبة التى استدعت نزول هذه الآية : أن رجلا من المسلمين أراد أن يتزوج امرأة كانت تسافح الرجال ، فنزلت الآية فى عقاب الزنى وبيان حدّه ، ثم فى تحريم الزواج من الزناة الرجال والنساء على السواء. والزنى فى اللغة معروف قبل الشرع ، وهو فى اليهودية ، وحدّه عندهم الرجم ، ولا حدّ له فى النصرانية ولا عقاب عليه ، ولهذا دعوة العلمانيين من أهل الغرب أن لا يعاقبوا عليه ، وأن يبيحوه ، وأن يسقطوا اسمه «الزنى» باعتبار العقاب عليه لا يتوافق مع القول بالحرية الشخصية. والزنى : هو وطء الرجل امرأة لا يحلّ له وطؤها بشرط مطاوعتها. وعقوبة الزنى الجلد ، بقوله تعالى : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٢) ، وكما ترى فليس من العقوبة الرجم ولا التغريب. والذكر فى العقوبة كالأنثى ، والبدء فى الآية أولا بالزانية الأنثى ، لأن الزنى بالنساء كان فى كل العصور أفشى ، وهو الآن كما كان فى السالف وكما سيكون فى الغد ، والفرق بين الأمس واليوم ، أن بغايا الزمن السالف كن ينصبن رايات على بيوتهن ، وكن يتخذنها خارج الكتلة السكنية ، وأما المرأة اليوم فترتكب الزنى فى بيتها وفى غير بيتها. والمرأة الزانية على أى حال تجاهر بالزنى أكثر من الرجل ، وزينتها وتبرجها يعلنان عنها ، والزانية أعرّ لأسرتها وأهلها ، وثبت فى الطب النفسى أن شهوة المرأة أضعاف شهوة الرجل ، وتدفعها دفعا للزنى إن لم تحذرها ، وإن كان الحياء قد ركّب فى المرأة ، وهو مع ذلك إعلان عمّا يدور داخلها من صراعات جنسية تفلح فى كبتها ، وتظهر آثارها عليها فى احمرار الوجه وتلعثم اللسان واضطراب المشية ، فإذا ذهب عن المرأة حياءها فإنها تستغنى عن السمعة والشرف ، وتسرف فى الانحلال والتفريط فى نفسها. ولهذا قدّمت الآية الزانية على الزانى. والجلد للزنى أشد من الجلد لتعاطى الخمر ، وجلد شارب الخمر أشد من جلد القذف. وجلد الزانى أو الزانية مؤلم ولكنه لا يجرح ولا يبضع ، ويكون فى الظهر قائما.

٥٩٧

ولا يرضى بالزواج من الزانية إلا زان أو مشرك ، وكذلك الزانى ، ولأنه لا ينكح الزانية إلا من يرضى بزناها ؛ وقد جلد أبو بكر زان وزانية كلا منهما مائة جلدة ثم زوّجهما لأنهما أليق ببعضهما ؛ وأما نكاح البغايا فمحرّم على المسلمين. ولأن الزنى محرّم ، فإن رمى المحصنات واتهامهن بالزنا من الكبائر ، وكان نزول حدّ القذف بسبب رمى المنافقين لعائشة ، وفرض شهادة أربعة رحمة من الله بعباده وستر لهم ، فإذا لم يكتمل عدد الشهود أربعة ، يجلد من يشهدون دون الأربعة ولا تقبل شهادتهم أبدا إلا لو تابوا. والذى يرمى زوجته ولم يكن له شهداء ، عليه أن يحلف أربع مرات بالله إنه لصادق ، والخامسة : أن لعنة الله عليها إن كان كاذبا ؛ ولو أقسمت هى كذلك أربع مرات إنه لكاذب ، والخامسة : أن غضب الله عليها إن كان صادقا ، درأت عنها العذاب ، ويفرّق بينهما ، ولا تحلّ مراجعتها. ويسمى ذلك «اللعان» ، وهو قول الزوج : علىّ لعنة الله إن كنت من الكاذبين. وأشهر رمى للمحصنات فى تاريخ الإسلام ما أورده القرآن منه ، وهو رمى أم المؤمنين عائشة فيما يسمى حادثة الإفك ، والحديث فيها يطول ، والإفك هو الكذب ، وعصبة الإفك ممن ذكروا : ثلاثة ، هم : حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ، وقيل رأس الإفك : عبد الله بن أبىّ. وقيل المتهمون به من ثلاثة إلى عشرة ، وقيل أربعون ، وقيل إن الذين حدّوا ثلاثة فقط ، وقيل لم يحدّ أحد لأن الحدود لا تقام إلا بإقرار أو بينة ، والشاهد من تضارب الأقوال أنه لم يحدّ أحد والعجيب أن الذى اتهموها به ـ وهو صفوان بن المعطل ـ كان حصورا ولم يتزوج فى حياته. والإفك أرغى فيه المستشرقون وأزبدوا ، وطعنوا فى أم المؤمنين ما شاء لهم الطعن ، وبرّأها القرآن كما برّأ مريم ، إلا أن مريم لم يكن لها زوج وحملت وجاءت بولد ، وعائشة كان لها زوج ولم تحمل ، ولم تنجب ، فأيهما أحرى بالتهمة؟ التى حملت بلا زوج وأنجبت ، أم التى لم تحمل ولم تنجب وكان لها الزوج؟!! وأقوال المستشرقين وأضرابهم فى عائشة ، ثم فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى زيد بن حارثة إلخ ، من باب إشاعة الفاحشة فى المسلمين ، كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (١٩). وما كان يمكن أن تكون عائشة زوجة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهى كما اتهموها ، فالقاعدة فى السلوك : أن الخبيثات للخبيثين ، والطيبات للطيبين ، والزانية لا يتزوجها إلا زان مثلها ، وما كانت عائشة إلا الطهارة مجسّدة ، وما كان رسولنا الكريم إلا سيد العالمين ، فكيف تكون عائشة زانية؟!! ونحن نعرف فى الدراسات النفسية ما يسمى بتاريخ الحالة ، وتاريخ عائشة كله طهر وصلاح وتقوى وخشية ، وكانت من أب هو الكمال بعينه ، وأمّ هى القمة فى الطيبة ، فكيف تكون ابنتهما على عكسهما؟ وفى علم الوراثة فإننا

٥٩٨

نرث الطباع كما نرث الشكل ، وهناك وراثة معنوية ، ووراثة بدنية ، وعائشة كانت مثلا يحتذى ، وتاريخها فى الإسلام من أعظم ما يمكن أن يكون تاريخا لا مرأة عظيمة. ومن حادثة الإفك تستطرد السورة إلى آداب الأسرة وقاية للأسرة المسلمة ، فحظرت على المؤمنين والمؤمنات أن يدخلوا البيوت إلا بعد استئذان اهلها ، وأمرتهم أن يغضّوا أبصارهم عمّا لا يحلّ لهم ، وأن يستروا أنفسهم ، وأن لا تبدى النساء زينتهن إلا ما ظهر منها ، وليحتشمن فى لباسهن ، وأن يساعد المسلمون فى زواج من لمّ يتزوج منهم من الرجال أو النساء ، وأن لا يتعلل المؤمن أو المؤمنة بالفقر فالله يعد من يتزوج رغم فقره أن يغنيه أو يغنيها ، والمهم أن يختار المؤمن والمؤمنة المسلمة الصالحة والمسلم الصالح ، ومن لم يجد نكاحا فليستعفف.

ومن أبرز آيات السورة آية النور التى تقول : (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ ...) (٣٥) وليس المعنى أنه تعالى نور كالأنوار ، وجسم كالأجسام ، فهذا محال على الله عقلا ونقلا ، وإنما المعنى أن لله قدرات أنارت أضواؤها ، واستقامت أمورها ، وقامت مصنوعاتها ، فالكلام على التقريب للذهن ، وهو تعالى منوّر السموات والأرض وسمّى الله صفة دلائله التى يقذفها فى قلب المؤمن ـ نورا ، وسمّى كتابه القرآن نورا ، وسمّى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم نورا ، فقال : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) (١٧٤) (النساء) يعنى كتابا ، وقال : (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ) (١٥) (المائدة) يعنى رسولا ، ومثّل نوره بنور المصباح فى زجاجة ، يوقد من زيت شجرة مباركة ، قيل هى الزيتون ، لا شرقية ولا غربية ، وهو مثل ضربه الله تعالى لنوره ، فاجتمع ضوء المصباح ، مع ضوء الزجاجة ، مع ضوء الزيت ، فصار لذلك النور على النور ، وقيل : هذه الأنوار هى براهين وجود الله ، فهى برهان بعد برهان ، وتنبيه بعد تنبيه ، ورسول بعد رسول ، وكتاب بعد كتاب ، وموعظة إثر موعظة ، تتكرر لعل الناس تتعظ بها وتعتبر. وفى آية النور كان لا يمكن أن يضرب الله المثل لنوره المعظّم إلا ببعض خلقه ، ولو لا ذلك ما عرف الله إلا الله ، ولقصر فهم الناس. ومثل نور الله وهداه فى قلب المؤمن كالزيت الصافى يضيء قبل أن تمسّه النار ، فإن مسّته زاد الضوء ، فكذلك قلب المؤمن يكاد ينطق بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم زاده هدى على هدى ونورا على نور. والمساجد هى بيوت الله التى يتعبّد له فيها المؤمنون ، يذكرونه بالغدو والآصال ، ولا تلهيهم تجارة ولا بيع. ومثل أعمال الكافرين مثل السراب ، يأتيه الظمآن فلا يجده شيئا ، ويجد الله عنده يستوفيه الحساب ، أو مثل الظلمات فى البحر اللجىّ ، تغشاه الأمواج فوق بعضها ، ثم السحاب ، فهو فى ظلمات فوق ظلمات ، نقيض النور على النور

٥٩٩

عند المؤمنين. والدلائل كلها تثبت وجود الله ، وصدق الدعوة إليه ، إلا أن بعضهم يكفر بها ، وبعضهم منافق يضمر الكفر ويظهر الإيمان ، والإيمان له متطلباته ، وأهمها طاعة الله ونبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهؤلاء المنافقون كلما طلب منهم شىء تولّوا ، وكلما حكّم فيهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعرضوا ، ويقسمون جهد أيمانهم مع ذلك أنهم سيخرجون معه لو أمرهم ، وما أغناهم عن القسم ، لأن طاعتهم معروفة وهى الكذب. والذين يطيعونه حقا وعدهم الله أن يستخلفهم فى الأرض ، ويمكّن لهم دينه ، طالما يقيمون الصلاة ، ويأتون الزكاة ، وأما الكافرون فإنهم لن يعجزوه تعالى فى الأرض. ثم تعود السورة إلى استعراض بعض آداب الأسرة التى تصنع المسلم العامل بأوامر ربّه ونواهيه ، والذى يتأسّى برسله ، ومنها أن يعلّم أطفاله وأطفال المسلمين أن يستأذنوا على أبويهم ثلاث مرات فى اليوم ، من قبل الفجر ، وحين يضعون الثياب فى الظهر ، ومن بعد صلاة العشاء ، وأنه لا جناح على القواعد من النساء أن يضعن ثيابهن غير متبرجات ، والقواعد واحدتها قاعد ، بلا هاء ، وهى العجوز التى قعدت عن الولد والمحيض ؛ ولم يعد لأحد مطمع فيها كأنثى ؛ وأنه لا حرج على الأعمى والأعرج والمريض أن يجالسوا الأسوياء وأن يؤاكلوهم ؛ وأن على المسلم أن يلبى الدعوات إلى الطعام إذا دعى ؛ ولا يدخل أى بيت إلا إذا سلّم على أهله ؛ والمؤمن حقا هو من يدعى إلى اجتماع عام يخصّ المسلمين فلا يتأخر ؛ وأن يستأذن لو كان سيتأخر أو لو اضطر إلى الخروج ؛ وأن يراعى الأدب إذا خاطب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو ذكر اسمه بعد وفاته ، وإذا ناداه أو ذكر اسمه ، لا ينادى عليه كندائنا لبعضنا البعض ، أو يذكره كذكرنا لبعضنا البعض ، والله عليم بالنوايا وما نقول ونفعل ، وما نحن عليه اليوم ، وما سنكونه فى مقتبل الأيام. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٠٦. سورة الفرقان

السورة مكية ، وآياتها سبع وسبعون ، وكان نزولها بعد سورة يس ، وترتيبها فى المصحف الخامسة والعشرون ، وفى التنزيل الثانية والأربعون ، وتتناول موضوعات : العقيدة والتوحيد ، والبعث ، والقيامة ، والحساب ، والثواب والعقاب ، والجنة والنار ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأطرافا من حياته وسيرته وأوصافه ، وأبعاد الرسالة التى كلّف بها ، وبعض القصص عن موسى ونوح ، وقوم لوط وعاد وثمود ، وأصحاب الرس ، والتنبيه لنعم الله وأفضاله وآياته فى الكون ، وأحوال المؤمنين والكفار فى الجنة وفى النار ، وتختتم بالحديث عن عباد الرحمن وصفاتهم وما لهم من أخلاق. و «تبارك» التى تستهل بها من البركة ،

٦٠٠

بمعنى الكثرة من الخير ، أو أنها الثناء الكثير على الله تعالى صاحب الأفضال والنّعم ، وقد زاد عطاؤه وكثر ، ومن تبارك يشتق اسمه تعالى «المبارك» ، اعتبره البعض من أسماء الله الحسنى ، وهو تعالى الذى يملك الضّر والنفع ، والموت والحياة والنشور ، وله ملك السموات والأرض ، ولم يتخذ ولدا ، ولم يكن له شريك فى الملك ، وخلق كل شىء فقدّره تقديرا ، ونزّل الفرقان على عبده محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليكون للعالمين نذيرا ، ورغم ذلك اتخذ الكفّار من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، ولو نظروا حولهم فى الكون لوجدوا ألف برهان ودليل على وجوده تعالى ، ووحدانيته ، وقدرته وعلمه ، فالليل جعله لهم لباسا ، وجعل فيه النوم سباتا ـ أى ثقيلا ، وجعل النهار نشورا ، أى ينتشر فيه الناس يبتغون من فضل الله ، ومدّ الظل وأنقصه دليلا على حركة الأرض حول الشمس ؛ وأرسل الرياح بشرى ، وأنزل من السماء المطر الطاهر ماؤه ، فيحيى به الأرض الموات ، وتسقى الأنعام والناس ، ومرج البحرين وخلط مائيهما العذب الفرات الحلو ، والملح الأجاج شديد الملوحة ، وجعل بينهما برزخا وحاجزا من قدرته لا يغلب أحدهما على صاحبه ، وخلق من ماء الرجل والأنثى (المنى) بشرا وجعله نسبا وصهرا ، ومع ذلك كفروا به سبحانه وعبدوا من دونه ما لا ينفعهم ولا يضرهم واستظهروا بهم ، مع أنه تعالى خالق السموات والأرض فى ستة أيام ، وليسأل عنه تعالى من يعرف آياته ونعمه من أهل الخبرة والعلم. وإنهم ليستنكفون أن يسجدوا له وهو الرحمن ، ويتساءلون على جهة الإنكار والتعجب ؛ وما الرحمن؟ وهو الله ، تبارك وتقدّس ، الذى جعل فى السماء الشمس سراجا وهّاجا ، والقمر منيرا ، وجعل لهما المنازل والبروج ، وأتبع الليل النهار ، فتبارك سبحانه جلّ شأنه ، وعزّ فرقانه ، والفرقان بخلاف القرآن ، والثانى هو الكتاب المقروء ، والأول هو مضمونه الذى يفرق بين الحق والباطل ، والحلال والحرام ، والظلم والعدل ، والإيمان والكفر ، والوعد والوعيد. وبسبب بركات هذا الفرقان على كل الناس ، سمّيت السورة باسمه ، مع أنهم كذّبوه لمّا أنزله الله على نبيّه ، ونسبوا إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه الذى افتراه واختلقه ، وأن آخرين عاونوه فى اختلاقه ، قصدوا بذلك أمثال من اتهموه بهم ، كأبى فكيهة مولى بنى الحضرمىّ ، وعدّاس ، وجبر ، ووصفوا ما فيه بأنها قصص من الأساطير التى كانت عند القدماء ، تملى عليه ويكتتبها بكرة وأصيلا. وعابوا عليه أن يدّعى أنه مبعوث السماء مع أنه مثلهم يأكل الطعام ، ويرتاد الأسواق ، ويشترى ويبيع ويحترف ، ولو كان مبعوثا من السماء لأنزل معه ملك يعينه ويؤيده ويؤازره ، أو لأرسله ربّه فى أبّهة من اللباس ، ويملك الكنوز من الأموال والضياع والأملاك والبساتين ، وإذن لبانت عليه النعمة وأكرم من حوله

٦٠١

من أتباعه. وفسّروا إخلاصه لدعوته بأنه مسحور. وكان بوسعه ، تبارك اسمه وعزّ قدره ، أن يؤتيه خيرا من ذلك لو يشاء ، قصورا وجنات. وما أرسل الله رسولا من قبله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا كان يأكل الطعام ويرتاد الأسواق ، ويتّجر ويحترف ، وهذه الدنيا دار بلاء ، ومشيئته تعالى أن يكون بعضنا فتنة لبعض ، فالصحيح فتنة للمريض ، والغنى فتنة للفقير ، والفقير الصابر فتنة للغنى المتأفّف ، والغنى ممتحن بالفقير ، والفقير ممتحن بالغنى ، وكذلك الأنبياء يمتحنون بالضالين ، والضالون يمتحنون بهم ، والنبىّ ـ لأنه نبىّ ، كان فقيرا ، وليس كل فقير نبيا ، والمهم أن يصبر الجميع على البلاء. ولقد طلبوا أن تتنزّل عليهم ملائكة بدلا من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه ، أو أن يريهم ربّهم نفسه عيانا ، وأظهروا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كل الاستكبار والعتو ، وكانوا مجرمين ، ولكل نبىّ عدوّ من المجرمين. ويضرب الله الأمثال للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم برسل غيره وأقوام غير قومه ، تسلية له ولأمّته ، فهذا موسى آتاه الله الكتاب والفرقان هو وأخاه هارون فكذّبوهما ، فدمّرهم الله تدميرا ، وقوم نوح لمّا كذّبوا أغرقوا ، وعاد وثمود ، وأصحاب الرس وكثيرون غيرهم تبّرهم ربّهم تتبيرا ـ أى دمّرهم وجعلهم أمثالا ، وقوم لوط أمطرهم مطر السوء. وهؤلاء كفار قريش من أهل مكة استهزءوا بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقالوا : أهذا المبعوث رسولا؟! إنه ليضل الناس ولا يهديهم ، وجحدوا الله وجعلوا إلههم هواهم. وما كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا مبشّرا ونذيرا ، وما طلب أجرا منهم لينفروا منه ، وما كانت دعوته إلا أن يعبدوا الله ، ويخاطبه تعالى مسليا : فتوكل يا محمد على الحيّى الذى لا يموت ، وسبّح بحمده ، وهو العليم بما أذنب هؤلاء ، ولسوف يتولى حسابهم.

والفرقان الذى أنكروه أنزله الله تعالى نذيرا لهم ، ولكنهم هجروه ، وطلبوا أن يتنزّل جملة واحدة ، قيل كما تنزّل التوراة ، وكما تنزّل الإنجيل ، وما علموا أن التوراة كتبت بعد نحو ثلاثمائة وخمسين سنة من نزولها ، وأنها لم تعد ألواح موسى ، وصارت أسفارا بمئات الصفحات ، وكذلك استكتب متى ولوقا ومرقس ويوحنا أناجيلهم بعد المسيح بما لا يقل عن ستين سنة ، ولم يكتبوها جملة ، وإنما بعد أن حدثت الأحداث ، وجرت الوقائع بما حوته واشتملت عليه. والقرآن تنزّل متفرّقا ليعيه المسلمون ويحفظوه ، ويعملوا به ويتقنوه ، وليظلوا على اتصال بالسماء أطول فترة ممكنة ، فتقوى قلوبهم ، فكان كلما نزل الوحى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تقوّى قلبه به وقلوب المؤمنين. والقرآن نزل جملة إلى السماء فى ليلة القدر ، ونجّمه السفرة الكرام على جبريل فى عشرين ليلة ، ونجّمه جبريل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى عشرين سنة ، فهذا ـ كما قيل ـ قوله : (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ) (٧٥) (الواقعة) يعنى نجوم القرآن : (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) (٧٧) (الواقعة) ، وكان جبريل كلما

٦٠٢

تنزّل به يرتّله على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ترتيلا ، أى يرسّله ، يقول شيئا بعد شىء. ومع كل تلك البراهين والدلائل كذّبوا بالساعة ، ولسوف تأتيهم فجأة ويرون الجحيم ويعاينوه ويسمعوا تغيّظه وزفيره ، وسيعاينون ضيقه وهم مقرّنين فى الأصفاد يصطرخون : ويلاه! وتشهد عليهم حتى الأصنام ، وتمر بهم الملائكة لا تحييهم وتحرّم عليهم البشرى ، وما كان ما عملوه فى الدنيا إلا كالهباء المنثور ، لا جدوى منه ولا فائدة ، وما كانوا فى الدنيا إلا أنعاما ، لا يسمعون ولا يعقلون ، وليس أعسر من يوم القيامة على الكافرين ، يوم تتشقق السماء بالغمام ، ويعض الظالم على يديه ، ويحشر المجرمون على وجوههم. وأما المتقون ففي جنة الخلد ، لهم فيها ما يشاءون ، وكانوا خيرا مستقرا وأحسن مقيلا ـ أى منزلا ومأوى. وهؤلاء هم عباد الرحمن ، كانوا على الأرض يمشون هونا ـ يعنى كانوا فى حياتهم ومعيشتهم فى هدوء ووقار ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، ويقيمون الليل ، ويدعون ربّهم أن يصرف عنهم عذاب جهنم ، ولا يسرفون ولا يقترون ، ولا يدعون مع الله إلها آخر ، ولا يقتلون ولا يزنون ، وإذا أذنبوا يتوبون ويعملون الصالحات ، ولا يشهدون الزور ، ولا يلعنون ، ويسمعون للقرآن وينصتون ، ويسألون ربّهم الأزواج الصالحات والذريّة الطيبة ، فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات ويجزون الجنة بما صبروا ، ولهم فيها التحية والسلام ؛ وأما الكفّار فما يحفل بهم ربّهم ولا باستغاثاتهم فى الشدائد ، ولسوف يعذّبهم ويلازمهم العذاب لأنهم كانوا يكذبون. وفى هذه الآيات فى وصف عباد الرحمن : إحدى عشرة خصلة هى أوصافهم الحميدة من التحلّى والتخلّى ، وهى : التواضع ، والحلم ، والتهجد ، والخوف ، وترك الإسراف والإقتار ، والبعد عن الشرك ، والتنزّه عن الزنا والقتل ، والتوبة ، وتجنّب الكذب ، وقبول العظات ، والابتهال إلى الله ، وجزاء ذلك أن ينالوا الغرقة : وهى أعلى درجات الجنة. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٠٧. سورة الشعراء

آياتها سبع وعشرون ومائتان ، كلها مكية إلا الآية : (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ) (١٩٧) فقد نزلت فى المدينة توبيخا وتقريعا لكفّار مكة أنهم لم يؤمنوا بالقرآن ، وقيل : فلما سمعه علماء بنى إسرائيل تبيّن لهم عن علم أنه ككتابهم التوراة ، وقيل : هؤلاء مثل عبد الله بن سلام ؛ وكذلك الآيات الأربع الأخيرة من أول : (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) (٢٢٤) حتى (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (٢٢٧) فإنها نزلت فى المدينة أيضا. وترتيب السورة فى المصحف السادسة والعشرون ، وكان نزولها بعد سورة

٦٠٣

الواقعة ، وترتيبها فى التنزيل السابعة والأربعون ، وبعدها مباشرة سورة النمل ، ثم سورة القصص ، وتسمى هذه السّور الثلاث : الطواسين ، لابتدائها بالحروف المقطّعة طس ، أو طسم ، شأن السور التى تسمى حواميم لأنها تبدأ بالحرفين المقطّعين حم (حا ميم) ، وفى الحديث : «إن الله أعطانى السبع الطوال مكان التوراة ، وأعطانى المبيّن مكان الإنجيل ، وأعطانى الطواسين مكان الزبور ، وفضّلنى بالحواميم والمفصّل ، ما قرأهن نبىّ قبلى» ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «طسم من ألواح موسى». وكله كلام من الإسرائيليات لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يقرأ أيا من هذه الكتب ، وبمراجعتها مع هذه الآيات يتبين عدم صحة ما فيها ، وبعد القرآن عمّا فيها.

والاستفتاح بطسم ـ قيل ـ هو قسم باسم من أسماء الله ، أو باسم من أسماء القرآن ، ولم يثبت شىء من ذلك ، وقيل هو اسم السورة ، ومن غير المعقول أن يكون لسورتين أو ثلاث سور نفس الاسم ، والصحيح أن طسم إشارة إلى تركيب القرآن من الحروف الأبجدية من أمثال الطاء والسين والميم ، فكما أن الكون يتركّب من العناصر ، ويرمز إليها بالحروف أيضا ، فالنحاس نح ، والحديد ح ، والذهب ذ ، والفضة ف ، فإن من أمثال هذه الحروف الهجائية جاء تأليف القرآن المعجز ، ومن أمثال هذه الحروف أيضا ـ كرموز للعناصر ـ جاء تركيب الكون المعجز ، وفى البدء كانت الكلمة ؛ وفى المنتهى ستكون الكلمة ، والقرآن إعجازه فى المجال المعنوى ، والكون إعجازه فى المجال المادى ، والاثنان من الإعجاز ، وتبارك ربّ العالمين.

وهذه السورة : سورة الشعراء ، فى غاية العجب ، بما فيها من تقاسيم وعبارات متكررة ، كالتى يشار إليها فى اللغات الأجنبية ، باسم الموتيفات motifs ، أو المكررات Leitmotifs ، كالتكرار فى فن الأربيسك أو فن المشبّكات أو المنمنمات. وتشتمل السورة على مقدمة وخاتمة ، وموضوعها القرآن العظيم ، وأنه من عند الله ، وإثباتا لذلك ساقت السورة سبع قصص ، لسبعة من الأنبياء ، ولذلك كان اسمها السورة الجامعة. وأوردت من البيانات والمعلومات والأخبار الدقيقة والمفصّلة ما لا يوجد فى كتاب قبل القرآن ، حتى فى التوراة ـ وهو الكتاب الحاوى لأخبار الأمم السابقة وصاغت السورة ذلك صياغة أدبية فنية عالية تناسب القرآن وأنه كتاب الله ، وجعلت فواصل بين القصص ، كأنها الوصلات ، تصل بينها فيما يشبه الإنترميزوintermezzo فى علم الموسيقى ، حتى ليحار السامع والقارئ فى هذا الجمال المتدفّق ، والحكم السيّالة ، والعبارات المتناغمة المتسلسلة ، فسبحان الله العظيم ، فإن البيان مهما علا ، ليعجز عن الوفاء بتوصيف القرآن. ورغم أن كل قصة فى القرآن هى وحدة بذاتها ، إلا أنها تتراكب مع الواحدات الأخرى ، لتكوّن معا شكلا

٦٠٤

جماليا كليا ـ أو جشتالت Gestalt ـ له معنى واحد لا غير : أن محمدا رسول من عند الله ، وأن القرآن هو معجزته ، وهو أفضل وأشرف كتبه تعالى ، وأن رسالة محمد متواصلة مع رسالات السابقين ، ومصدّقة لهم ، فلم يكن بدعا أن يدعو محمد لعبادة الله ، وإلى توحيده تعالى. وهذه السورة ـ الشعراء ـ كغيرها من السور قد تضمّنت أشتاتا من أخبار الأمم ، تسلية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا أنكره كفّار مكة ، فلئن جحدوه فقد جحدت رسل من قبله ، ومنهم : موسى ، وإبراهيم ، ونوح ، وهود ، وصالح ، وشعيب ، فليس شيئا جديدا أن يجحد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وفى السورة الكثير من التحذير والتبشير ، كقوله تعالى أنه ما كان بمهلك قرية إلا كان لها منذرون ، وأن القرآن ما تنزّلت به الشياطين ، وإنما نزل به الروح الأمين جبريل ، على قلب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بلسان عربى مبين ، ولن تجده فى إجماله مختلفا عن الزبر أو كتب الأولين. وما كان محمد ساحرا ، وما كان من المسحّرين ، ولا كان من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون ، واسم السورة : «الشعراء» ، بسبب هذه الآيات الخاتمة فيه عن نفى الشعر عنه ، فالشعراء يهيمون فى الأودية وليس كذلك محمد ، وللشعر شياطين ، وليس لمحمد شيطان ، والشعراء يقولون ما لا يفعلون ، وينسبون لأنفسهم ما لا يعملون ، وليس كذلك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وهذه الآيات ليست ضد الشعر ، ولكنها تخبر عن الشعراء فى أحوالهم التى تخالف النبوة ، وفى أفانينهم فى الكلام يمدحون به الشيء ويذمونه فى نفس الوقت ، ولهم غوايات وهوايات وليس كذلك الأنبياء ، إلا من آمن من هؤلاء الشعراء ، وصدق فى إيمانه ، وأخلص العمل لله ، ولم يشغله الشعر وتدبيجه عن ذكره تعالى وعن قراءة القرآن ، ولم يصرفه عن الانتصار للحق ، فإن كتب الشعر أو قاله وهو مؤمن ، فإنه لا يكتبه لذات الشعر ، ولكن لخدمة الدين ، وقضية الإيمان ، وصالح المؤمنين ، ولتبليغ الرسالة.

ودراسة القصص السبع التى تتضمنها السورة من أمتع الدراسات ، وأطول هذه القصص ودرّتها هى قصة موسى والفرعون ، وبينها وبين المقدمة ترد الآيتان : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (٩) ويتكرر ذلك فى ختام كل قصة ، وقبل هذا الختام يأتى الحكم على قوم كل نبىّ بما يناسبهم ، وأثناء القصة تتكرر آيات بعينها كقوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ) (١١٠). فهذه جميعا تتكرر فى بداية كل قصة مع فارق اسم النبيّ واسم قومه. ونلاحظ أن قصة إبراهيم جاءت فى الترتيب قبل قصة نوح ، مع أن

٦٠٥

نوحا كان الأسبق ، إلا أن إبراهيم كان الأب الذى تخارج منه كل الأنبياء ، فكان الأولى بالسبق ، وأما موسى فأسبقيته لأنه أول نبىّ يكون له كتاب منزّل من ربّ العالمين.

وفى السورة الكثير من المعلومات والمصطلحات ، كقوله : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) (٣) أى : قاتل نفسك ومهلكها ، والبخع : أن يبلغ بالمذبوح البخاع ، وهو الخرم النافذ فى ثقب الفقرات ، وهو أقصى حدّ للذبح ، والخطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بمعنى : لعلك يا محمد مهلك نفسك لعدم إيمان هؤلاء الكفار؟ والكلام فيه تسلية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، حتى لا يحزن ولا يتأثر على عدم إيمانهم ، وإن يشأ الله لأنزل عليهم من السماء آية ـ أى معجزة : (فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) (٤) ، أى ظلت أعناقهم منقادة خاضعة للإيمان قسرا وقهرا. ولا يفعل الله ذلك ، لأنه يريد إيمان المؤمنين اختيارا لا اضطرارا ، ولذلك دلّ بالعقل على وحدانيته تعالى ، بقدرته التى لا تضاهى على خلق النباتات مثلا ، أزواجا كريمة الأصول ، جميلة المنظر ، جزيلة النفع ، فمن يفعل ذلك سوى الله؟ وفرعون ـ فى قصة موسى ـ لقب الملوك من الهكسوس ، أو الأشوريين ويعرفون أحيانا باسم السّريان ، وهؤلاء أغاروا على مصر ، واقتطعوا منها أرض جاسان من إقليمها الشرقى ، واستقلوا به ، حيث كان بنو إسرائيل منذ يوسف ؛ والأشوريون أو الهكسوس أو الفراعنة ، أبناء عم العبرانيين ، واللغة العبرانية ابنة عم اللغة الأشورية أو السريانية. وكان الاستعمار الأشورى لمصر استعمارا استيطانيا. وكان فرعون يوسف آشوريا ، وكذلك الفرعون الذى ربّى موسى صغيرا ، ولبث موسى فى بلاطه إلى أن بلغ الثلاثين ، ففعل فعلته وقتل واحدا من الأشوريين الغزاة ، فهرب موسى باتجاه آسيا لأنه أسيوى الجذور ، وظل فى «مدين» عشر سنين ، ثم جاء الأمر بالتبليغ وهو فى الأربعين ، فكان الفرعون ووقتذاك قد صار كهلا. ودافع موسى عن نفسه بأنه قد قتل الأشورى وكان وقتها من الضالين ، وفى مدين ، تعلم شيئا جديدا ، وآتاه الله الحكم ، وجعله من المرسلين. ورواية السورة القرآنية عن موسى والفرعون وحادثة القتل ، مختلفة عمّا ورد عنها فى التوراة ، فابنة الفرعون هى التى ربّت موسى وليدا فى التوراة ، وكانت شابة ، وإذن يكون الفرعون كبيرا فى السن وقتها ، ويكون على ذلك طاعنا فى السن بعد أربعين سنة هى عمر موسى حتى المبعث. وكذلك فإن رواية التوراة تذكر أن موسى قتل مصريا ، يعنى أنه كان فى منف وليس فى جاسان التى عاصمتها أفاريس على بحيرة المنزلة ، وعدم ورود أى شىء عن قصة موسى فى آثار مصر لدليل على أن أحداث القصة جرت فى مكان آخر بعيد عن منف ومساكن المصريين فى الوادى. وجاسان كانت مستعمرة للهكسوس الذين اشتهروا عند المؤرخ اليهودى مانيتو باسم الملوك الرعاة ، وهؤلاء

٦٠٦

استعبدوا العبرانيين ، وكانوا يعملون لديهم خدما فى البيوت ويمتهنون أحقر المهن. ونلاحظ سؤال الفرعون عن ربّ العالمين ، يقول : (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) (٢٣)؟ والسؤال دفعه إليه مقالة موسى عنه باعتبار الآية : (فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) (١٦) ، وعرّفه موسى أنه تعالى : (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا) (٢٤). ثم يأتى الكلام بين موسى والفرعون حوارا دراميا كحوار المسرحيات ، والفرعون يخرج عن الحوار أحيانا ويتوجه إلى المتفرجين ساخرا كما فى الدراما الإغريقية ، كقوله لمن حوله : (أَلا تَسْتَمِعُونَ) (٢٥)؟! ويستمر موسى فى الشرح ، فيقول : (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) (٢٦) ، فيستهزئ به الفرعون ويقول : (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) (٢٧) ، ولا يبالى موسى ويستمر فى التعريف بربّه ، قال : (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (٢٨) ، فيحسم فرعون النقاش ويقول : (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) (٢٩) ، ويستمر الحوار ، ويعرض موسى بعض آياته : آيات العصا واليد ، ويتهمه فرعون بالسحر ، ويتدخل مستشارو الملك ينصحونه أن يبعث فى المدائن حاشرين ، يجمعون السحرة لميقات يوم الزينة ، ولكن النصر كان لموسى ، وقدّم أسطع برهان يثبت ما ادّعى ، وتصل الدراما إلى ذروتها عند ما يعلن السحرة عن إيمانهم ويلقون بأنفسهم ساجدين ، ثم يكون تعذيبهم وصبرهم ، لشدة إيمانهم بما عرفوا لمّا عاينوا الحق من ربّهم ، واستشهدوا فكانوا أول شهداء دعوة موسى ، وأول المؤمنين من أهل جاسان. وفى القرآن أن الفرعون كان يمنّ على موسى أنه يستعبد بنى إسرائيل ، فقارن موسى نفسه بهم وحمد الله أن وهبه الحكم وجعله من المرسلين. وموسى لم يكن مرسلا لهداية فرعون ، وإنما لإطلاق سراح بنى إسرائيل ، قيل إنهم ظلوا فى مصر أكثر من أربعمائة سنة. وأما الذين آمنوا من السحرة فلم يكونوا كثيرين كقول كتب التفسير ، وفى القرآن : (إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) (٥٤) ، وكان هروب موسى ببنى إسرائيل فى الليل ، وهو معنى (أَسْرِ بِعِبادِي) ، والإسراء فى الليل ، وقول فرعون أن قومه (لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ) (٥٦) يعنى مستعدون ومقوون ، لأن السلاح كان مع جنوده ، ولا شىء مع موسى وبنى إسرائيل. والجنات والعيون فى الآية هى الأرض بين خلجان مصر السبعة ، وكان فى أرض جاسان منها خليجان. وكان خروج فرعون وراء موسى وقت الشروق : (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) (٦٠) وكاد يبلغ قوم موسى لو لا أن انفلق البحر وعبر بنو إسرائيل ، فأراد فرعون اتباعهم فغرق ومن معه.

وفى قصة الفرعون أن قومه كانوا يعبدونه ، ولم يعرف أن المصريين يعبدون ملكهم ، وإنما الذين كانوا يفعلون ذلك الأشوريون ، ومن هؤلاء الملوك الآلهة النمرود الذى جرى

٦٠٧

الصدام بينه وبين إبراهيم صاحب القصة الثانية بعد قصة موسى. ومعنى اسم إبراهيم أنه أبو الجميع ، والذى ينحدر منه كل الموحدين والمؤمنين ، وأنه أبو الأنبياء. ولم يكن إبراهيم أول من دعا إلى (رَبَّ الْعالَمِينَ) (٧٧) فى بلده ، وفى السورة من هذا المعنى أن عبدة الأصنام عادوا إبراهيم ، إلا من كان من قومه يعبد ربّ العالمين ، فالدعوة إلى الله ووحدانيته كانت فى قومه من قبله ، وفى تعريفه لله ، كان إبراهيم موضوعيا أكثر من موسى ، فتعريف موسى كونى ، والله عنده إله الكون وخالقه ، وأما عند إبراهيم فالله خالقه هو نفسه ، وهو يهديه هو نفسه ، ويطعمه ويسقيه ، ويشفيه من الأمراض ، ثم يميته ويحييه ، وهو الذى يغفر له يوم الدين ، وكأن ملّة إبراهيم أكثر واقعية من ملّة موسى ، والله عند إبراهيم فى حياته ومن حوله ، وفى كل ما يفعل ويقول ، ولذلك دعا الدعوة لتناسب عقيدته : أن يهب الله له الحكم ، ويلحقه بالصالحين ، وأن تجتمع عليه الأمم ، وأن يكون من ورثة الجنة ، وأن يغفر لأبيه ، وأن لا يفضحه على رءوس الأشهاد يوم الدين ، وأن يسلم قلبه ، وخصّ القلب لأنه إن سلم القلب سلمت الجوارح كلها.

وفى قصة نوح نعرف أنه كان أخا لقومه ، وأخوته لهم أخوة نسب ومجانسة ، لا أخوة دين. ولأول مرة يأتى أن المؤمنين بالنبوة هم (الْأَرْذَلُونَ) (١١١) ، أى المستضعفون ، وهم محترفو المهن الوضيعة فى مجتمعهم ، وبلغة العصر هم البروليتاريا. وهذه التهمة ستستمر موجهة إلى كل الأنبياء حتى نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والأرذلون أو المستضعفون : هم حملة الإيمان ، وهم فى الصف الأول خلف المفكرين والمصلحين ، ولما أراد ماركس مثلا أن يوجه إعلانه للعالمين ، وجّهه للعمال ، وقال فى منشوره : يا عمّال العالم اتّحدوا» ووجّه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إعلانه للمستضعفين ، وكان اسم ربّه تعالى «ربّ العالمين» ، ووجّه الخومينى إعلانه للفقراء ، وكذلك جيفارا ، وبرودون ، وأصحاب المذاهب الاشتراكية والإصلاحية والفلسفية ، جميعهم توجّهوا للمستضعفين فى الأرض. والصراع بين جند الله وجند الشيطان ، يستوجب الصدام بين الأنبياء والمصلحين ، وبين أصحاب المصلحة فى استبقاء الأوضاع على ما هى عليه من السوء. والسجن والقتل والنفى ، والرجم من نصيب الأنبياء والمصلحين ، لأن السلطة والحكم فى يد من يملكون ، وإبراهيم حرّقوه ، ونوحا هددوه بالرجم ، وكان أول نبىّ يدعو على قومه ، فكان الطوفان المشهور وسفينة نوح مضرب الأمثال. ومن حكايات هؤلاء وغيرهم كعاد وثمود ولوط ، كانت النصيحة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم لأمته من بعده : أن لا يدعوا مع الله إلها آخر ، وحددت لهم السورة منهج الدعوة : بأن يبدأ الداعى بدعوة الأقربين ومن حوله ، وأن يكون لينا فى دعوته ، فإن عصوه فليتبرّأ منهم ولا شىء أكثر من ذلك ، وأن

٦٠٨

يكون قصده إلى الله بالدعوة ، ويتوكل عليه ، وأن يكون متنبّها واعيا لما يجرى حوله ، فيرى بقلبه من خلفه ومن قدّامه. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٠٨. سورة النمل

سورة مكية ، آياتها ثلاث وتسعون ، وترتيبها فى النزول الثامنة والأربعون ، وهى إحدى ثلاث سور نزلت متتالية : الشعراء ، ثم النمل ، ثم القصص ، وترتيبها فى المصحف السابعة والعشرون ، وسميت النمل ، لأنها تقص قصة وقعت فى وادى النمل ، لنملة حذّرت النمل ليدخلوا مساكنهم حتى لا يحطمهم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ، وهذا النوع من النمل الحارس أو الديدبان حقيقى فى علم النمل من علم الحشرات ، وتحذيره حقيقى كذلك كلما كان هناك خطر داهم على النمل جميعه ، وتبدأ السورة بالحرفين المقطّعين «طس» ، بينما البداية فى الشعراء والقصص بالحروف المقطّعة «طسم» ، وكل الحروف المقطّعة فى أوائل السور للتنبيه على أن القرآن المعجز فى آياته وأحكامه وأمثاله مؤلّف من أمثال هذه الحروف الهجائية. وتتناول السورة القرآن ـ معجزة محمد الكبرى ، وحجته الدامغة إلى يوم الدين ، وتشير إلى أن ما يرد فيه من آيات عن الحياة والناس ، وأخبار الأمم ، ونعم الله فى الكون ، وقصص الأنبياء السابقين ، قصد به أن ينتفع بعظاتها المؤمنون ، وقوله : (تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ) (١) هو تفخيم للقرآن وآياته ، وتعظيم لشأنهما ، ووصفه القرآن بأنه كتاب مبين ، لأنه يمكن أن يفهم مقروءا يقرأه الغير على السامعين ويتلى عليهم ، ويمكن أن يقرأ مكتوبا يتمعّن فى آياته القرّاء ويتدبّرونها. والناس بحسب القرآن إما مؤمنون أو جاحدون ، والجاحدون زيّن لهم الجحود ، أى كان لديهم الاستعداد له ، وسواء استقبل المؤمنون القرآن بالإيمان ، أو استقبله الكافرون بالجحود ، فهو فى الحالين كتاب الله ، أنزله على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذى تلقّاه وعرف ما فيه وبلّغه. ثم تبسّط الآيات بعضا من القصص القرآنى ، وتبدأها بقصة موسى ، وتبيّن تكليف الله له بالتوجه إلى حيث بنى إسرائيل يسامون العذاب ، وأوضحت أن عدو موسى هو فرعون ، وأن الله تعالى قد أهّل موسى للقائه ، وكان مشهد تكليف موسى بالرسالة عظيما ، فهناك النار ممسكة بالشجرة لا تحرقها ، وصوت منها يعلن أنه هو الله لا إله إلا هو ، وأن موسى قد أوتى الآيات ليردّ بها على مزاعم فرعون ، وأراه ربّه منها آيتين : آية العصا تتحول إلى ثعبان ، وآية اليد يدخلها فى جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء ، والآيتان من تسع آيات جعلها الله ليبصرها أهل الجحود والإنكار ، وهى بخلاف ما سبق : الطوفان ، والجراد ، والقمّل ،

٦٠٩

والضفادع ، والدم ، والسنون (أى الجدوب).

والقصة الثانية التى تقصها السورة هى قصة سليمان ، وتبدأ بأن تنسبه لأبيه داود ، وكلاهما آتاه الله العلم والحكمة والحكم ، وآتاها الله سليمان وراثة عن أبيه ، وعلم داود كان علم سياسة الناس والمجتمعات ، وتدبير الدولة ، والأحكام ، وكانت له دراية بالصنائع ، يربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملى ، ويجعل المعرفة فى خدمة معيشة الإنسان ، وأما سليمان فكانت له هواية بغرائب العلوم ، فهو يعرف منطق الطير ، وهو حركاته وأصواته كلما كانت له حاجة من الحاجات ، والقرآن لا يقول لغة الطير فليس للطير لغة ، ولكنه ينسب للطير منطقا ، وهو أن يكون للحركات والسكنات والأصوات غايات يستهدفها الطير والحيوان. وكانت لسليمان دراية بالحشرات ، وقيل إنه لا بد أن تكون هذه النملة من النوع الطيّار الذى له أجنحة ، ولو لم تكن لها أجنحة ، يعرف من حركاتها ما تريد إبلاغه للنمل من رسالات ، لما عرف سليمان عن قصتها. وكذلك كانت له قصة مع الهدهد ، وكانت الطيور من رعايا سليمان ، وكان يتفقدها ، فافتقد الهدهد مرة ولم يجده ، ولما جاءه بعد أيام كان له معه كلام تميز بالحكمة وفيه عن فقه الحكم والحكّام ، وأبلغه الهدهد عن ملكة سبأ ، وهى مملكة كانت فى اليمن ، والأسطورة تجعل لها اسم بلقيس ، وهو اسم يونانى أصلا ، ولم يكن شعب بلقيس يعبد الله ، وسليمان نبىّ وداعية إلى الله ، فأرسل إلى بلقيس بدعوته ، وأظهرت ملكة سبأ حنكتها وحكمتها لما استشعرت عظمة سليمان ، فما ذا إذن يكون حال إلهه؟ لا بد أنه كما قال فيه أنه الرحمن الرحيم ، الذى لا إله إلا هو ، ربّ العرش العظيم. وحكم بلقيس لسبأ ، ورضا سليمان عنها لمّا آمنت ، واستمرارها فى الحكم ، لدليل على أن المرأة يجوز لها أن تتولى الخلافة ، وأن الحديث : «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» حديث موضوع ، وثبت أن المرأة اشتغلت قاضية ، وعيّنها عمر على حسبة السوق ، والحديث من دسائس المبتدعة ، وكل ما يمكن للرجل فهو يمكن للمرأة ، ومن ذلك تدبير الأمور وحماية الدولة. وخطاب سليمان لها قمة ، لأنه بدأ أشرف بداية ببسم الله الرحمن الرحيم ، وفى الحديث : «كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم» يعنى أقطع ؛ ولجوء بلقيس إلى «استفتاء» شعبها هو «منهج الشورى» الذى تقول به الأديان ، وتؤكده بقولها : (ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ) (٣٢) ، وكان فى قولها : (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) (٣٤) دراية كبيرة بالحكم والحكّام ، وبالتاريخ وما تكون عليه الدول عادة والأمم والشعوب ، واحتيالها بالهدية لتعرف إن كان سليمان فى حقيقته ملكا أم نبيا ، لدليل على الذكاء والحنكة والدربة ، والفهم

٦١٠

العميق لنفوس الناس وما هم عليه من مختلف الطبائع ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقبل الهدية ويرفض الصدقة ، ولكنه ما كان يقبل هدية إلا ويثيب عليها أحسن منها. وظهرت قدرات سليمان على الجن وعلى أصحابه من الصدّيقين فى مسألة بلقيس ، ولما رأى عرشها قد نقل كطلبه قبل أن يرتد إليه طرفه ، لم يعل ولم يزه ، واعتبر ما وهبه الله ابتلاء منه تعالى ، فإمّا يشكر وإما يكفر ويستعلى ، وقال موجزا الدرس : (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (٤٠) ، وتنتهى القصة بإعلان بلقيس إسلامها مع سليمان لله رب العالمين.

ثم تقص السورة حكاية النبىّ صالح مع قوم ثمود ، وانقسامهم فريقين ، واستعجالهم للسيئة ، وما كان من أمر الرهط التسعة فى المدينة وكانوا يفسدون ، وتقاسموا أن يقتلوه ليلا وهو نائم ، ومكروا ومكر الله ، فكانت عاقبة مكرهم أن دمّروا وقومهم أجمعون ، وتشهد عليهم آثار بيوتهم ما تزال خاوية ، كيف كانوا ظالمين ، ونجّى الله المؤمنين.

وحكاية أخرى عن لوط وقومه ، وكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء ، دليلا على أنهم قوم يجهلون ، فلما وعظهم لوط أمروا بإخراجه وأهله بدعوى أنهم قوم يتطهّرون ، وينأون بأنفسهم عن جريمة اللواط ، ونجّاه الله وأهله إلا امرأته لمّا لم تطاوعه فيما أمره ربّه ، وأمطرهم الله مطرا قضى عليهم أجمعين. والحمد لله الذى يهلك الظالمين ، والخطاب فى (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) (٥٩) للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأن القرآن منزّل عليه ، والذين اصطفى هم عباد الله المؤمنين. وتعدّد الآيات أفضاله تعالى والبراهين على وجوده وقدرته وعلمه ، ومنها أنه تعالى يجيب المضطر إذا دعاه ، ويكشف السوء ، ويجعل المؤمنين خلفاء الأرض ، وهو عالم الغيب فى السموات والأرض. وتردّ على تشكيك الكافرين فى البعث ، وقولهم بأنه من أساطير الأولين ، بدعوتهم إلى أن يسيروا فى الأرض فينظروا بقلوبهم وبصائرهم كيف عوقب المكذّبون لرسلهم ، فإذا كانوا يستعجلون الآخرة تكذيبا لها ، فربما مجيئها أقرب إليهم مما يتصورون. وهذا القرآن يردّ عليهم فيما اختلفوا فيه ، والموتى فى الدنيا الذين أصمّوا آذانهم عن سماع الحق لا أمل فيهم ، ولا نجاة للعمى الذين لا يبصرون الحق ، وعند ما يحين الحين ويحق القول عليهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عادوا إلى جاهليتهم الأولى ، فعندئذ يحقّ أن يخرج الله إليهم دابة من الأرض تكلّمهم ، والأحاديث فيها مختلفة ، وهى من أمر الغيب ، والدابة فى اللغة ما دبّ من الحيوان ، وهى ليست بحيوان ، لأنها تكلّم الناس ، وتكون آية لمن كان لا يوقن بآيات الله. وخروج هذه الدابة من أشراط الساعة ، وحينئذ تحشر الأمم أفواجا ،

٦١١

ويوزع المكذّبون فلا ينطقون ، وينفخ فى الصور نفخة الفزع فيأتى الناس داخرين ، وتسيّر الجبال بأمر ربّها الذى اتقن كل شىء صنعا ، فمن جاء بالحسنة فله خير منها ، ويأمنون فزع الآخرة ، ومن جاء بالسيئة ، كبّت وجوههم فى النار جزاء ما كانوا يعملون.

وتختتم هذه السورة العظيمة بتذكيره تعالى للناس ، بأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما أمر أن يعبد ربّ هذه البلدة ـ مكة ، التى حرّمها الله ، وأن يكون من المسلمين ، وأن يتلو القرآن ، فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضلّ فعليها ، وليس النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا من الرسل المنذرين ، والحمد لله أن المؤمن يرى الآية فيعرف أنها من الله ، والله لا يغفل عما يعمل الظالمون.

ومن مصطلحات السورة قوله تعالى : (بِشِهابٍ قَبَسٍ) (٧) : والشهاب عود فى طرفه جمرة ، والقبس اسم لما يقتبس من الجمر ؛ وقوله : (ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ) (٢٠) : الهدهد طير له هدهدة صوت ، و «ما لى» من أقوال الصوفية : إذا فقدوا ما لهم تفقدوا أعمالهم ؛ وعذاب الهدهد : عذاب شديد أو يذبحه : دليل على أن الحدّ على قدر الذنب لا على قدر الجسد ؛ وقال الهدهد : (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) (٢٢) : فيه ردّ على من قال إن الأنبياء تعلم الغيب ؛ وسبأ : مدينة تعرف بمأرب باليمن ، بينها وبين صنعاء دقائق بوسائل المواصلات الحديثة ؛ وكانت عبادة قوم سبأ للشمس ، وكانت عبادتها مسيطرة على شعوب العالم القديم ومنهم أهل العراق زمن إبراهيم ، وأهل مصر ؛ وقول بلقيس : (يا أَيُّهَا الْمَلَأُ) (٢٩) مخاطبة شعبها مباشرة ؛ وقول سليمان : (يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا) (٣٨) فيه أيضا أن الملوك تلجأ إلى شعوبها ولا يستبدون بالرأى ؛ والعفريت من الجن : جمع عفاريت ، وهو من الشياطين المرد ؛ الصّرح الذى طلب منها سليمان دخوله هو من أصناف عمارة الشام وبابل ، واسمه عندهم «البرج» ، وكانت بابل مشهورة ببرجها ، وفى قصة موسى أن فرعون طلب من هامان أن يبنى له صرحا يطّلع منه على إله موسى ، وأن يبنيه من الطوب ، وفى ذلك دليل على أن فرعون لم يكن ملكا مصريا ، لأن الصروح يعرف بها الأشوريون ، وهم الذين عرفوا فى حكم إقليم جاسان من أقاليم مصر الشرقية بأنهم الهكسوس ، وكانوا يلقبون كذلك بالجبابرة أى الفراعنة ، وإنما لم يشتهر الاسم إلا لملوك مصر بسبب ما ورد عن ذلك فى سفر الخروج من أسفار التوراة ؛ أما اسم فرعون فلم يكن مصريا ، ولم يتسمّ به ملك مصرى. وأيضا فإن البناء بالطين معروف فى آشور ، وأما فى مصر فكان البناء بالحجارة. وصرح سليمان قيل فيه إنه ممرّد من قوارير ، يعنى صرحا ضخما ماردا بنى من القوارير ، وهى الآنية ، والكثير من الصروح فى بابل كانت تبنى من هذه القوارير ، وليس المقصود أنه بنى من الزجاج ؛ وقوله : (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ

٦١٢

الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ) (٦٥) يحتج به على من يصدّق منجّما ؛ وقوله : (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) (٨٠) ردّ على من قال بأن الموتى فى القبور تسمع ؛ وقوله : (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) (٨٧) قيل النفخة نفختان ، فالأولى نفخة الصعق ، كقوله : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ) (الزمر ٦٨) ، والثانية : نفخة الفزع ، إذ يخرجون من القبور سراعا خائفين داخرين. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٠٩. سورة القصص

من السور المكّية ، وآياتها ثمان وثمانون آية ، قيل إلا الآيات : (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) (٥٥) ، بدعوى أنها نزلت فى جماعة من اليهود كانوا يؤمنون بمضمون القرآن ، ويعتقدون صدق ما فيه عن كتابهم ، وأنه قد حرّف وصرفت آياته عن معانيها ، ثم إنهم تمعّنوا أكثر فى القرآن فتبيّنوا أنه على الحق ، وصدّقوا محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهؤلاء مثل : عبد الله بن سلام ، وكثير من النصارى ، قيل هم أربعون قدموا مع جعفر بن أبى طالب إلى المدينة ، وكان منهم اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة ، وثمانية أقبلوا من الشام. وقيل : كان من النصارى الذين آمنوا بمحمد والقرآن : بحيراء الراهب ، وأبرهة ، فأنزل الله هذه الآية : (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا) (٥٤) ؛ وقيل نزلت فى : عبد الله بن سلام ، وتميم الدارى ، والجارود العبدى ، وسلمان الفارسى ، أسلموا فنزلت هذه الآية. وقيل منهم : رفاعة القرظى. والصحيح أن هذه الآيات مكية ، وروحها العامة مكية ، ونزلت فيمن كان يؤمن بالله من قبل القرآن ، ثم بما جاء به القرآن ، فلمّا سمعوه يتلى عليهم صدّقوا به ، وقالوا : (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ) (٥٣) ، يعنى : إن كان هذا هو إسلام محمد ، فإنّا كنا قبل محمد على دين الإسلام ؛ أو يعنى : إنّ ما كنا عليه قبل محمد هو الإسلام إذن؟! وقيل أيضا إن الآية : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٨٥) مدنية ، باعتبار أن هذه الآية بشارة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بردّه إلى مكة قاهرا لأعدائه ، فمعاد الرجل بلده ، لأنه ينصرف منها ثم يعود إليها ؛ وقيل : إن الآية نزلت بالجحفة فى الطريق بين مكة والمدينة وهو فى الهجرة ، ومن ثم فالآية ليست مكية ولا مدنية. وقال البعض : إن روح الآية

٦١٣

مكية ، والمقصود بالمعاد يوم القيامة ، والآية تخاطبه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كخطابه تعالى له فى الآية التالية : (وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ) (٨٦) ، ونزول الكتاب بدأ فى مكة ، والكافرون مكانهم مكة ، وكذلك المشركون فى قوله تعالى بعد ذلك : (وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٨٨) وكل ذلك مكّى ، والآية من ثم مكّية ، والسورة جميعها مكّية ، ومنهجها كمنهج سورتى الشعراء والنمل ـ وهما مكّيتان ، وكان نزولها بعدهما على الترتيب : الشعراء أولا ، وترتيبها فى النزول السابعة والأربعون ، ثم النمل ، وترتيبها الثامنة والأربعون ، ثم القصص وترتيبها التاسعة والأربعون ، ومن يقرأ السور الثلاث يجد لها عبقا واحدا ، ويستشعر إزاءها بمزاج نفسى متشابه. ومدار سورة القصص هو : الحق والباطل ، والصراع بين جند الرحمن وجند الشيطان ، ويتمثّل ذلك فى قصص ثلاث من نماذج الشرّ بميزان السلوك السّوى ، ومن نماذج المرض النفسى والشواش العقلى بميزان الصحة النفسية. وقصص هؤلاء الثلاثة هى قصص الطغيان بالحكم ، والطغيان بالسلطة ، والطغيان بالمال. وتبدأ السورة بالحروف المقطعة «طسم» ، تنبيها على إعجاز القرآن ، وإشارة إلى بيانه المركّب من حروف الأبجدية ، كبيان مخلوقات الله فى الكون من العناصر المادية. وكتاب الكون وكتاب القرآن ، سواء بالعناصر أو بالكلمات ، كلاهما من إعجازه تعالى ، بدأ الخلق بكن وهى كلمة ، فكان الكون وهو آيات مادية ، وكان أيضا القرآن وهو آيات مكتوبة ومقروءة. واسم السورة «القصص» يعنى أنها تخبر عن وقائع وقصص جرت فى الأزمان ، وهى مع ذلك من آياته تعالى. وتتلو سورة القصص بالحق الذى لا ريب فيه نبأ موسى مع فرعون ، وتتولى إبلاغه لقوم يصدّقون بالقرآن فينتفعون به ، ولو لا أنه تعالى لا يريد للمستضعف أن يظل مستضعفا ، وللمستقوى أن يظل مستقويا ، لما أرسل موسى ، ولكنه جعل الاستضعاف والاستقواء فتنة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا. وتقع القصة فى أربعة أجزاء. وفرعون كان من المتجبّرين فى الأرض ، وادّعى الربوبية ، واستذلّ الناس ، وأزهق الأرواح واستحيا النساء ، فحان الحين أن يتغير كل هذا ، ويبدأ الجزء الأول من القصة. واختار الله موسى لمهمة التغيير ، ومنذ البداية جعله معجزة ، وانقذه من أن يموت مع من يموتون من صبية الإسرائيليين ، ونجّاه من أن يغرق ، وكأنه وهو فى السلة البوص ، وقد ألقت به أمه فى اليم ، يتنبأ إرهاصا بما سيكون عليه حال عدوه : فرعون وهامان وجنودهما من الغرق فى اليم! والتقطه آل فرعون من الماء ، وربّته امرأة فرعون ، وأعطته اسمه موسى ، وأرضعته أمه لمّا

٦١٤

رفض كل المراضع ، وشبّ موسى ذكيا حكيما مؤمنا ومتعصبا لقومه ، وكانت حادثة تدخّله مرتين لصالح العبرانى ضد عدوه ، وقتله لعدوه قتلا خطأ ، وهروبه إلى مدين ، حيث ستكون مدرسته فى النبوة مع حميّه ، قيل إنه النبىّ شعيب وهذا هو الجزء الأول من السورة. فإذا كان الجزء الثانى من القصة فإنا نجد موسى قد وصل إلى مدين ، وأظهر فيها منذ البداية شجاعة وقوة وأمانة ، وسقى للمرأتين ، فأرسل أبوهما إليه ليجزيه ، واختارته إحدى المرأتين زوجا لها ، وعرض عليه أبوها أن يزوّجه منها وقد كان ، وأمهرها موسى أجره عند أبيها لمدة ثمانى سنوات ، زادها إلى عشر ، فلما انتهى العقد خرج وامرأته إلى البرية ، وجاءه أمر تكليفه بالرسالة من الله تعالى ، وشهد أن تتحول عصاه إلى ثعبان ، وأن تخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء ، واستعان ربّه بأخيه هارون لفصاحته عنه ، وأبدى مخاوفه أن يقبض عليه الفرعون لقتله نفسا من شعبه ، وأن يقتلوه به ، وطمأنه ربّه أن سيجعل لهما سلطانا فلا يصلون إليه وإلى أخيه. وفى مصر ، أرض جاسان (محافظة الشرقية) حيث كان شعب إسرائيل ، وفرعون الهكسوسى ، وهامان الأشورى مساعده ، بدأ الجزء الثالث من القصة ، وهؤلاء جميعا لم يكونوا مصريين ، واسم فرعون ليس اسما مصريا ، ولا اسم هامان ، وكانت جاسان أرض محتلة يستعمرها الأشوريون واستوطنوها ، وجميع الحكايات قبل موسى ، كحكاية إبراهيم ، ويوسف ، ويعقوب ، جرت على أرض جاسان ومع هؤلاء الأغراب ، ولهذا خلت الآثار المصرية من هذه القصص ، وكانت تانيس عاصمة جاسان وتقع على بحيرة المنزلة. وشاهد فرعون معجزات موسى ، ووصف ما شاهد بأنه سحر مفترى ، وأنكر فكرة موسى عن الإله الواحد ، وأمر هامان أن يصنع له برجا كبرج بابل يطّلع منه على إله موسى إن كان صادقا ، واستكبر ، وكان الصدام بين قوى الشر وقوى الخير ، وخرج موسى يقود الشعب ، وخرج الفرعون يقود جنوده وراءهما ، فأطبق البحر عليه وجنوده وغرقوا جميعا ، وجعل الله فرعون وهامان ومن تبعهما أمثلة للأئمة يدعون إلى النار ، ولعنهم فى الدنيا ، وهم مقبوحون يوم القيامة ، أى مطرودون من رحمة الله. ثم يكون الجزء الرابع من القصة ، وفيه يؤتى الله موسى التوراة ، بصائر للناس وهدى ورحمة ، أى ضياء لهم ونورا يتبصّرون به الحق ، وهدى من الضلال ، ورحمة لمن آمن بها ، يسترشدها فى حياته ويعمل بمقتضاها. وهذه التوراة ليست هى أسفار موسى الخمسة الحالية ، فهذه توراة مزيفة ألّفها المدعو عزرا أو عزير. ويخاطب الله تعالى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنه ما حضر تكليف موسى ، ولا شهد الجانب الغربى من الطور ، ولكن جاءه العلم به من خلال القرآن ، وفيه خبر الغيوب ، دليلا على أنه من عند الله. وكان نزوله

٦١٥

عليه بعد ما طال العهد بالناس منذ آخر شريعة نزلت عليهم ، فحرّفوها ، ونسوها ، وأهملوا العمل بها ، فأرسل الله نبيّه ليجدد ما تنوسى ، ويعدّل ما حرّف. وما كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من أهل مدين ليعلم بما حدث لموسى مع شيخها الكبير شعيب ، ومع وابنتيه ، فيخبر به أهل مكة ، ولكنه كان نبيا مرسلا ، أوحى له الله تعالى بما أوحى من ذلك القصص ليتلوه عليهم ، لعلهم يهتدون ، فما اهتدوا ، وسألوه تعنّتا وعنادا أن تكون له مثل حجج موسى ، ونسوا أن أمثالهم كفروا من قبل بحجج موسى ، ووصفوا موسى وهارون بأنهما ساحران تظاهرا ، وها هم يصفون محمدا بأنه ساحر ، وما نزل محمد بسحر ولا بمعجزات كمعجزات موسى ، وإنما معجزته القرآن كمعجزة موسى التوراة لو لم تحرّف ، ويصفهما الله تعالى بأنهما لا كتاب أهدى منهما ، فهما المعجزتان حقا ـ التوراة والقرآن ، ولا شىء مثلهما ، تعجيزا منه تعالى لكفّار مكة. والقرآن يصل التوراة. ولكى نعرف المحرّف من غير المحرّف فى التوراة علينا أن نميّز بين ما كان دعوة لتمجيد الله ، وما كان دعوة لتمجيد بنى إسرائيل ، وكل تمجيد لبنى إسرائيل فى التوراة فهو مزيف منحول. ومن أهل الكتاب من يعلم أن آيات التوراة حرّفت ، وأن حقيقة هذه الآيات هى التى وردت بمعانيها آيات القرآن ، وأنهم ـ أى أتباع موسى ـ كانوا مسلمين لذلك قبل الإسلام ، فمن أسلم من أهل الكتاب ـ واليهود خاصة ـ بعد الإسلام ، لهم أجران ، لأنهم مرة آمنوا بكتابهم ، ومرة آمنوا بالقرآن ، ولأنهم صبروا ، ويدرءون بالحسنة السيئة ، وينفقون مما رزقوا ، ويعرضون عن اللغو ، ويقولون لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، سلام عليكم ، لا نبتغى الجاهلين ، وسلامهم سلام متاركة ، لا يريدون به التحية ، وإنما المباعدة ، ولا يبتغون به أن يصاحبوهم ولا أن يخالطوهم.

ثم تتوالى الآيات فى الردّ على المكابرين ، كقولهم للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : لما ذا لا تهدى من أحببت مثل عمك أبى طالب؟ وكان الردّ من القرآن : (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (٥٦) ، يعنى : هو أعلم بمن لديه الاستعداد للهداية فيهديه. وقالوا : إن اتبعوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عاداهم العرب ، وتمكّنوا منهم وتخطّوهم؟ وكان الردّ من القرآن : أنهم كان عندهم الحرم الآمن وهم كفّار ، أفلا يكون آمنا إذا آمنوا؟

وتتعاقب العظات : كم أهلك الله من قرية بطرت معيشتها ؛ وما كان الله ليهلكها إلا بعد أن يبعث إليها رسولا يتلو على أهلها آياته ؛ وما كان يهلك أهلها إلا وهم ظالمون ؛ وأن كل ما يخصّ الدنيا فهو من متاعها ؛ وأن ما عند الله هو الباقى ، وأن من يعده الله حسنا فهو لاقيه ؛ وأن من يتوب ويعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين ، والترجّى فى القرآن بمنزلة التحقّق ، لأنه وعد كريم من ربّ رحيم ، ولمّا قالوا : لو لا نزّل القرآن على

٦١٦

رجل من القريتين عظيم؟ كان الردّ من القرآن : وربّك يخلق ما يشاء ويختار ، وما كان لهم الخيرة. فأكدت الآيات أنه تعالى هو الخالق وأن له المشيئة والخيار ، فلما ذكرت الآيات أنه تعالى هو الخالق المختار عقّبت بذكر بعض الأدلة والبراهين على عظمته تعالى ، تذكيرا للعباد بوجوب شكر نعمه ، ومنها جعله الليل والنهار متعاقبين ، فلم يجعلهما سرمدا إلى يوم القيامة ، وجعلهما لسكنى الناس ولمعايشهم ، وأوردت السورة قصة قارون ، كآية من آياته تعالى ، وهى قصة الطغيان بالمال ، وما كان من أمر انخساف الأرض به وبأمواله ، وهى نهاية كل مستعل مغرور. وكان قارون مضرب المثل فى الثراء المقيت ، فكان يأخذ من الناس ولا يعطى ، ويراكم المال ولا ينفقه فى سبيل الخير ، ولذة جمع المال وهواية هذا الجمع اضطراب نفسى وعقلى لا شك فيه ، كهواية جمع السلطة ، وجمع القوة ، والثلاثة : فرعون ، وهامان ، وقارون ، نماذج لأسوإ أنواع الطغيان ، والأول : طاغية مستبد فى مجال الحكم ؛ والثانى : طاغية فى مجال السلطة والنفوذ ، وإرهاب الناس ، وعسكرة الدولة ؛ والثالث : طاغية فى مجال الاقتصاد والمال. وبلغت ثروة قارون حدّ الخرافة ، حتى أن مفاتيح خزائن المال عنده كان حملها تنوء به العصبة أولوا القوة ، والعصبة كما فى سورة يوسف عشرة وهم إخوته بدونه ، فإذا كانت المفاتيح تحتاج لعزم عشرة من الأقوياء ، فما بالك بالثروة نفسها؟ وكلما خرج قارون على الناس بهرهم موكبه وأتباعه ، والزينة من حوله ، حتى ليتمنى ضعاف الإيمان لو لهم مثل ما له من حظوظ! وردّ عليهم العقلاء من أهل العلم والفهم : (وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ) (٨٠) ، والويل دعاء بالهلاك ، والجنة درجة لا يبلغها إلا من صبر على مشيئة الله ، وزادت فتنة قارون فاستغنى عنه الله لمّا استغنى قارون عن الله والناس ، وبخل وشحّ ، وأنكر الربّ والبعث والحساب ، وتمادى ، وخسف به وبماله فما كان له من فئة تنصره من دون الله ، وأصبح من تمنّوا مكانه بالأمس نادمين ، يقولون : (وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) (٨٢) ، يعجبون من صنع الله ، وكيف أنه يوسّع الرزق لمن يشاء ، لحكمة لا يعلمها إلا هو ، لا عليه لمن يوسّع له رزقه ، ويضيّق الرزق على من يشاء ، لحكمة لا يعلمها إلا هو ، قضى بذلك ابتلاء لا لهوانه عليه. ولو لا أن الله يمنّ على الناس ويلطف بهم ، ويتفضّل عليهم ، لكان مصيرهم مصير قارون! وإن المدقّق ليخلص مما يشاهد من صروف الحياة وأعاجيبها ، إلى أن الجاحد بنعم الله ، الكافر به ، لا يجد السعادة فى الدنيا ولا فى الآخرة. وتنتهى قصة طغيان المال ، وما تنتهى عظاتها وعبرها ، ويعقبها مباشرة قوله تعالى تعليقا ، وتنبيها ، وتحذيرا ، وتعليما :

٦١٧

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (٨٣) فالذى يأتى بالحسنة له خير منها ، والذى يأتى بالسيئة لا يجزى إلا ما كان يعمل. ثم تختتم السورة بخير تسلية للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبوعد منه تعالى له : (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) (٨٥) أى لرادّك إلى بلدك مكة كما أخرجك منها ، فاتحا منتصرا ، بمنهج الله ، ليتحقق به موعوده تعالى : بشرط أن لا يظاهروا الكافرين ، ولا يعينوهم على دينهم وضلالهم ، ولا يداروهم ويجاملوهم ، ولكن يخالفوهم وينابذوهم. والمراد بالخطاب إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمته ، لئلا يظاهروا عدوا لهم ، ولا يوافقوهم ، ولا يلتفتوا إلى ما يقولونه فى دينهم ، فيصدّوهم عنه ، ولا يسايروا المشركين على أهوائهم ، فإن من يرضى بطريقتهم يكون منهم ، ولا يدعوا مع الله إلها آخر ، فإنه تعالى واحد ، لا ندّ له ولا شريك ، ولا أعلى منه ولا أكبر ، وكل ما عداه هالك إلا ذاته تعالى ، له الحكم والقضاء النافذ فى خلقه وملكوته ، وإليه يرجعون جميعا يوم المعاد. والحمد لله على نعمة القرآن ، ونعمة الإيمان ، ونسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا على كتابه وسنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، اللهم آمين.

* * *

٦١٠. سورة العنكبوت

السورة مكية كلها ، وقيل إلا الآيات من الآية الأولى حتى الحادية عشرة فإنها مدنية ، ومع ذلك فروح هذه الآيات وموضوعها من المعهود فى السور المكية ، وأصل السورة أنها تدور حول الابتلاء ، وهذه الآيات فى الابتلاء. وآيات سورة العنكبوت كلها تسع وستون آية ، وترتيبها فى المصحف التاسعة والعشرون ، وبحسب النزول الخامسة والثمانون ، وتسميتها بالعنكبوت لقوله تعالى فيها : (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (٤١) أى مثل هؤلاء الذين ظنوا أن اعتقادهم فى أوليائهم ينفعهم ، كمثل العنكبوت فى اتخاذها بيتا لا يغنى عنها فى حر ولا برد ، ولا مطر ولا أذى. والمثل لمن اتخذ من دون الله آلهة لا تنفعه ولا تضره ، كبيت العنكبوت لا ينفع ولا يضر ، وهو أتفه البيوت وأحقرها لأنه أضعفها جميعا. وآية العنكبوت توجز السورة جميعها ، وهى بمثابة العبارة الرئيسيةTopec sentence كما يقول أهل النقد. وتبدأ السورة بالحروف المقطّعة : (الم) تنبيها إلى حروف الأبجدية التى تتركب منها كلمات وآيات القرآن ، لتصنع منه معجزة كالتى تصنعها العناصر التى تتركب منها الكائنات فى الكون ، وبذلك يتشابه كتاب القرآن وكتاب الكون فى الإعجاز ، فمع أن الحروف بسيطة فإن معانى وآيات القرآن الكبيرة كانت منها ، وكذلك الكون ، فمع أن

٦١٨

عناصره بسيطة إلا أن الكائنات المركبة منها هائلة وعظيمة. وبعد أن يقسم الله تعالى بالحروف يأتى فى جواب القسم السؤال الاستنكارى : أيحسب الناس أن يتركوا من غير افتنان لمجرد قولهم باللسان أنهم آمنوا ، فإذا نزلت بهم المحنة انتكسوا وارتدّوا عن الإسلام؟ فليبيننّ الله الذين صدقوا فقالوا نحن مؤمنون ، واعتقدوا مثل ذلك ، والذين كذّبوا حين اعتقدوا غير ذلك. ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ، ولا ينبغى أن يمنعه شىء عن الله ، فحتى الوالدان لو جاهدا ولدهما ليشرك بالله فلا يطعهما. ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذى فى الله ، جعل فتنة الناس كعذاب الله. وتسترسل السورة تتحدث عن محنة الأنبياء وما لاقوه من الشدائد ، بدءا من نوح ، ثم إبراهيم ، ثم لوط ، ثم شعيب ؛ فنوح ، وهذا الأخير لبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ، فلما استيأس منهم أخذهم الطوفان ، ونجّاه الله ومن معه ، آية للعالمين ؛ وإبراهيم : دعا قومه أن يعبدوا الله ويتركوا عبادة الأوثان ، فما كان منهم إلا أن أمروا بقتله أو حرقه ، وأنجاه الله من النار ، وآمن به لوط ، وهاجرا فى أرض الله الواسعة ، فكانا أول مهاجرين فى الله ، وعوّض الله إبراهيم وآتاه الأبناء ، وبارك فى ذريته فآتاهم النبوة وجعلها فيهم. وكان نصيب لوط أرض سدوم وعمورة ، وكان أهلها يأتون الفاحشة ، واستغنوا بالرجال عن النساء ، وكانوا أول من ابتدع اللواط الجماعى وبشكل سافر ، ومارست النساء السحاق ، وأنزل عليهم العذاب ، ونجىّ الله لوطا وابنتيه ، وحرّقت سدوم وعمورة ، فكانت بقايا الدمار فيهما آية وعظة لمن يتفكرون. وشعيب : كذّبه قومه ، وأفسدوا ، فأخذتهم الصيحة ، وماتوا وهم جاثمون فى دورهم. وأهل عاد وثمود كانوا من الظالمين ، فأخذتهم الرجفة ، فزلزلوا وانهدمت مساكنهم على رءوسهم. وقارون وفرعون وهامان : جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا ، فأخذهم الله بذنوبهم ، ولم يظلم الله أحدا ولكن ظلموا أنفسهم. وبعد ذلك الاستعراض لمحنة الأنبياء بيّنت السورة عظمة القرآن المنزّل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ووعظت المسلمين أن يلزموا الصلاة والذكر ، ولا يجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن ، ومن أهل الكتاب من يؤمن به ، وما يجحد آياته إلا الكافرون. ولو كان محمد يكتب ويقرأ الكتب من قبل القرآن ، لكان معهم الحق أن يرتابوا فيه ، أى فى القرآن ، أنه جمعه مما قرأ من الكتب ، ويتهافت هذا الادعاء أمام عظمة القرآن ، فما كان من الممكن أن يكون القرآن محل ريبة ، وآياته بيّنات ، من غير أن تكون سحرا ولا شعرا ، ولكنها أحكام وآداب وقصص يعيها ويحفظها أهل العلم. ولو نزّل الله بدلا من القرآن آيات كآيات موسى ، لقالوا إنها سحر وهم لا يعرفون السحر ، ولاستعجلوا العذاب مع ذلك ، مع أن العذاب قريب لو علموا ، والساعة موعدهم.

٦١٩

وتنتقل السورة إلى تحريض المؤمنين على الهجرة والجهاد ، وأن لا يخافوا عاقبة الخروج إلى أرض الله الواسعة ، فالله هو الذى يرزق حتى الدواب ، أفلا يرزق أنصاره؟ وهو الذى خلق الشمس والقمر والسموات والأرض ، أيعجز عن أن يرزق عباده؟ وهو الله العلى القدير ، فلا ينبغى أن يخشوا شيئا فى كنفه وحفظه ، ولو ماتوا فالجنة مصيرهم ، وما الدنيا إلا لهو ولعب ، والآخرة هى الحيوان ، أى الدار الباقية. فما بالهم لو ركبوا الفلك ولعب بهم الموج ، يدعون الله مخلصين ، فإذا نجّاهم أشركوا وكفروا بما آتاهم؟ وهذا الحرم أمّنه لهم وهم كفار ، فبينما الناس يتخطّفون من حولهم كانوا هم آمنين ، أفلا يكون أكثر أمنا لهم وهم مؤمنون؟ وتختتم السورة ببيان جزاء الصابرين فى المحن ، والمجاهدين بأنواع الجهاد فى سبيل الله ، وبوعد منه تعالى أن يكون مع المحسنين ، فلله الحمد والمنّة ، وبه التوفيق والعصمة.

* * *

٦١١. سورة الروم

السورة مكية ، نزلت بعد سورة الانشقاق ، وترتيبها فى المصحف الثلاثون ، وفى التنزيل الرابعة والثمانون ، وآياتها ستون ، وسميت «الروم» لأن من أهم موضوعاتها تنبؤها بغلبة الروم فى الآيات : (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ) (٤) وكانت فارس يوم نزلت هذه الآيات ظاهرة على الروم ، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم وإياهم أهل كتاب ، وفى ذلك نزل قول الله تعالى : (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (٥) ، وأما قريش فكانوا يحبون ظهور فارس على الروم ، لم يكونوا أهل كتاب ، ولا إيمان لهم ببعث ، فلما أنزل الله هذه الآيات خرج أبو بكر يصيح فى نواحى مكة : (غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ) (٤) ، فقال ناس من قريش لأبى بكر : فذلك بيننا وبينكم. زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس فى بضع سنين! أفلا نراهنك على ذلك؟ وكان ذلك قبل تحريم الرهان ، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان ، وسألوه : كم تجعل البضع؟ ثلاث سنين أو تسع سنين؟ فسمّ بيننا وبينك وسطا تنتهى إليه؟ فسمّوا بينهم ست سنين ، فمضت الست سنين قبل أن يظهروا ، فأخذ المشركون رهن أبى بكر ، فلما دخلت السبع سنين ظهرت الروم على فارس ، وفرح المسلمون ، إلا أنهم عابوا على أبى بكر تسمية «بضع سنين» بست سنين ، لأن البضع من ثلاث إلى تسع. وقيل : إن خبر انتصار الروم جاء إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يوم الحديبية ، ففرح

٦٢٠

المسلمون. وهذه الآيات من البيّنات ، وتشهد بصحة نزول القرآن من لدن الله ، وصحة نبوة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأن خبر نصرة الروم كان قبل وقوع هذه النصرة بتسع سنوات ، وهى آيات معجزات لذلك ، لأنها إخبار عن غيب ، وفيها أن الله لا يخلف وعده ، وأن له الأمر من قبل ومن بعد لو يعلمون ، ولو علموا لما عجبوا ، لأنه تعالى الذى خلقهم وخلق السموات والأرض ، وقد كان قبلهم مكذّبون عاقبهم الله ، وآثارهم تشهد عليهم ، وكما بدأ الله الخلق يعيده ، ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ـ أى تنقطع حجّتهم ، ويتفرّق الناس ، فإمّا صالحون (فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) (١٥) وإما كافرون مكذّبون فى العذاب محضرون. والروضة : هى البستان والجنة ، والجمع الرياض : وهى الجنان ؛ والحبور : هو السرور. وفى الجنات ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر. والأولى إذن أن يقرّ الناس بوحدانية الله ، وبقدرته وعلمه سبحانه ، وأن يسبّحوه صبحا ومساء ، ويحمدوا له عشية وظهرا. وهو الله الذى لا إله إلا هو ، يخرج الحىّ من الميت ، ويخرج الميت من الحىّ ، ويحيى الأرض بعد موتها ، وآياته فى الكون لا تحصى ولا تعدّ ، فهو الذى خلق البشر من تراب ، وخلق لكل نفس زوجها ، وخلق السموات والأرض ، وخالف بين الألسنة والألوان ، وجعل الليل للنوم والنهار معاشا ، وينزّل من السماء ماء يزرع الناس به ، فليس من سبب إذن يجعل المنكرين ينكرون البعث والمعاد ، فكما بدأ الخلق يعيده ، وإعادته أهون من خلقه. وهو الله لا شريك له ، ودينه هو الدين الحنيف المائل عن كل تحريف ، وهو فطرة الله فى خلقه ، فطر الناس عليه ، وهو الدين القيّم الجاد ، القويم المقصد. والخطاب للمؤمنين : أن يقيموا الصلاة ، ولا يشركوا بالله ؛ ولا يكونوا كاليهود والنصارى الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا ؛ وأن يؤتوا ذا القربى حقّه والمسكين وابن السبيل ، وأن يمتنعوا عن الربا ، وأن يحذروا الفساد الذى استشرى فى الأرض فعمّ البرّ والبحر ، وأن يدركوا أن من يكفر عليه كفره ، ومن يعمل صالحا فلنفسه ، والله نعمه كثيرة وجلّى ، فالواجب أن يشكروا ، والله تعالى يرسل الرسل بالبيّنات ، فالمنكرون ينتقم منهم ، وينصر المؤمنين ، وكما يحيى الأرض بعد موتها فكذلك النشور ، والناس فى الدنيا أموات إذا كفروا ، وأحياء لو آمنوا ، والموتى لا يسمعون ، وهو الذى خلق الناس من ضعف ، ثم جعل من بعد الضعف قوة ، ثم جعل من بعد القوة ضعفا وشيبة ، ويقدر على أن يحيى من فى القبور ، ويوم الساعة يقسم المجرمون أن حياتهم فى الدنيا ما كانت سوى ساعة ، قالوا : وفى ذلك ردّ لعذاب القبر ، وكذلك الآية : (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ) (١٨) (المجادلة) ، فلو كان هؤلاء رأوا عذاب القبر لما أقسموا كذبا يوم القيامة ،

٦٢١

ولتعلموا أن لا يكذبوا على الله. ويوم القيامة لا ينفع لهم قسم ، ولا معذرة ، ولا يستعتبون ـ أى يسترضون. وتختتم السورة بإثبات أن هذا القرآن فيه من كل مثل ما ينبههم إلى توحيده تعالى ، وإلى تصديق المرسلين ، وأنه لا أمل مع المكذّبين حتى ولو تنزّلت عليهم معجزات كمعجزات موسى. والسورة برمتها تسلية للمؤمنين وللرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، عمّا يلقاه من أذى المشركين ، ليصبر على ما يقولونه عنه وما يفعلونه به.

ومن مصطلحات هذه السورة قوله تعالى : (أَدْنَى الْأَرْضِ) (٣) وهى أقربها ، وهى فى الآية إما أقربها إلى مكة ، أو إلى فارس ، أو إلى الروم ، وقيل : كان انتصار الروم فى أذرعات بالشام ؛ و (ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) (٧) هو معارفها عن المعايش والزراعة والحصاد ، يعنى أن علمهم كان بالقشور وليس باللباب ؛ و (السُّواى) (١٠) من السوء على وزن فعلى ، تأنيث للأسوإ ، أى الأقبح ، كما أن الحسنى تأنيث للأحسن ، ويعنى بها فى السورة النار ، وقيل : «السوأى» اسم لجهنم ، كما أن الحسنى اسم للجنة ؛ والإبلاس فى قوله : (يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) (١٢) هو انقطاع الحجة ، ومنها إبليس ، لأنه أبلس وانقطعت حجّته ؛ و (الْبَرْقَ) (٢٤) من آياته تعالى ، يريه الناس خوفا وطمعا ، فأما الخوف فهو من صواعقه ، وأما الطمع ففي غيثه ؛ والقنوت : فى قوله : (كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ) (٢٦) هو الإقرار بالعبودية ، وقيل : كل قنوت بالقرآن يعنى : الطاعة ؛ والله (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى) (٢٧) : أى له أعلى الصفات ، والمثل هو الصفة ؛ وذا القرب : هو القريب ؛ والمسكين هو السائل الطوّاف ؛ وابن السبيل : هو الضيف ؛ والربا : ربوان ، ربا حلال ، وربا حرام ، والربا الحلال فهو المال الذى يهدى ويلتمس ما هو أفضل منه عند الله ، وأما الربا الحرام هو الذى يؤجر صاحبه وعليه إثم ؛ و (الْمُضْعِفُونَ) (٣٩) هم الذين يريدون بعمل الخير وجه الله يضاعف لهم الأجر ؛ وكسف السحاب : قطعه المتفرقة ؛ والودق : المطر ؛ والمبطلون : المتّبعون للباطل. ولله الحمد والمنّة ، وبه التوفيق والعصمة.

* * *

٦١٢. سورة لقمان

سورة مكية ، وقيل إلا الآيات ٢٧ و ٢٨ و ٢٩ فمدنية ، ومع ذلك فهذه الآيات تتفق تماما مع سياق السورة ، ومع مضمونها ومضمون السور المكية ولا تخالفها فى شىء ، الأمر الذى يقضى بأن السورة بأجمعها مكية ، وكان نزولها بعد الصافات ، وترتيبها فى المصحف الواحدة والثلاثون ، وفى التنزيل السابعة والخمسون ، وآياتها أربع وثلاثون ، وتستمد اسمها «سورة لقمان» من اسم لقمان الحكيم ، وتورد بعضا من أقواله ، ولمّا كانت هذه الأقوال من

٦٢٢

أهم ما يرد فيها سميت السورة باسم لقمان ؛ وتبدأ بالحروف المقطّعة (الم) ، للتنبيه على أن القرآن يتركب من الحروف الأبجدية التى هى كالعناصر التى تتركب منها الآيات فى الكون ، فكأن كتاب القرآن ككتاب الكون ، وكلاهما معجز. والحروف المقطّعة (الم) تبدأ بها ست سور ، هى بترتيب المصحف : البقرة ، وآل عمران ، والعنكبوت ، والروم ، ولقمان ، والسجدة ، وهذه السور جميعها يقسم فيها الله تعالى بهذه الحروف تنبيها إلى كتابه تعالى المعجز ، ولذا أعقبها بقوله : (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ) (٢) ، وتلك للتفخيم ، والكتاب الحكيم عرفهما بأداة التعريف إشارة إلى أنه القرآن ، وهو الكتاب الهادى ، والذى به تتحصّل الرحمة لكل من يعبد الله كأنه يراه ، فإن لم يكن يراه هو ، فإنه تعالى يراه. والسورة تنقسم ثلاثة أقسام ، فى الأول : يتوجه الكلام عن القرآن والكون تنبيها إلى قدرته تعالى ووحدانيته ؛ وفى الثانى : يتحدّاهم الله تعالى أن يخلقوا كخلقه ، ويبدعوا كإبداعه ؛ وفى الثالث : تحذّر السورة من يوم القيامة. والناس بحسب القرآن عموما ، وفى هذه السورة ، إما «الموقنون المفلحون» ، وإما «المرتابون الخاسرون» وهم الذين كذّبوا بآياته ، سواء آيات القرآن أم آيات الكون ، وأقبلوا على ما يلهيهم عن طاعته تعالى ، وما يصدّ عن سبيله ، وليس بعد الحق إلا الضلال ؛ و «اللهو» هو الباطل الذى يلهى عن الخير ، وعلامة هؤلاء «اللاهين» أنهم كلما سمعوا القرآن يتلى ولّوا مستكبرين ، لا ينصتون كأن فى آذانهم وقر ، أو يدّعوا أنهم غير معنيين ، وهؤلاء وأمثالهم مبشّرون بالعذاب الأليم! وهو الله خلق السموات بغير عمد ، وجعل فى الأرض رواسى حتى لا تميد ، وخلق الكائنات والزروع ، فما ذا خلق الذين من دونه تعالى؟ وتضرب السورة المثل بلقمان ، أوتى الحكمة فشكر لله ، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ، ومن شكره أن وعظ ابنه أن لا يشرك بالله ، فهذا واجب الآباء نحو أبنائهم والناس جميعا ؛ والشرك ظلم عظيم ، وعقابه بقدر عظمه ، وما ينبغى لإنسان أن يشرك حتى لو حرّضه على الشرك أبواه ، والتوصية بهما فى الدنيا من الدين ، ومن يرحم أبويه ويعترف بفضلهما ويشكرهما فإنه حتما سيشكر الله ، لأن المقرّ بالفضل لهما ، سيقر بالفضل لصاحب الفضل الأكبر عليهما وعليه ، والإنسان فى حياته صغيرا وكبيرا أولى به أن يتّبع سبيل الصالحين والمؤمنين ، وسبيلهم هو الموصّل إلى الله ، والله لطيف بعباده خبير ، ولا يظلم أحدا ولو بمثقال حبّة من خردل ، وشكره تعالى بأداء الصلوات ، والأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، والصبر على المصائب ، وذلك من عزم الأمور ـ أى من حقيقة الإيمان. ومن يؤمن بالله لا يصعّر خدّه للناس ، ولا يمشى فى الأرض مرحا. والمؤمن من صفاته القصد فى المشى ، وغضّ الصوت. ويبدو أن مواعظ لقمان لم تنته عند

٦٢٣

هذا الحد ، وأن الآيات من بعد هى من أقواله لابنه وللناس كافة ، فالله سخّر السموات والأرض للإنسان ، وأسبغ عليه نعمه ، فلما ذا الجدل فى الله بغير علم ولا هدى؟ ولما ذا اتّباع السلف والآباء حتى لو كانوا على الباطل؟ والمؤمن المحسن هو الذى يسلم وجهه لله ، ويخلص فى عبادته وقصده إليه ، ويستمسك بالعروة الوثقى ، وهى شهادة لا إله إلا الله ، والكافر يمتّعه الله قليلا ثم يضطره إلى العذاب الغليظ. ولو سئل الكفرة : من خلق السموات والأرض؟ لقالوا : إنه الله. أفهى فقط السموات والأرض كل معجزات الله؟ بل معجزاته لا تعدّ ولا تحصى ، ولو أن الأشجار صارت أقلاما ، والبحار مدادا ، فكتب بها الله تعالى عجائب صنعه الدالة على قدرته ووحدانيته ، لما نفدت تلك العجائب ولنفدت كل الأشجار والبحار. وإنه لأهون على الله أن يعيد الخلق كما بدأه ، وما خلق الخلق ولا بعثهم إلّا كخلق نفس واحدة وبعثها ، وهو القادر الذى يولج الليل فى النهار ، والنهار فى الليل ، وسخّر الشمس والقمر ، والله حقّ وما يدعونه باطل ، وهو العلىّ الكبير ، علىّ فى مكانته ، وكبير فى ملكه وسلطانه. وهو الذى يجرى الفلك فى البحر ، ويلجأ إليه المضطر إذا غشيه الموج ، وما يجحد بآياته إلا المكذّب الجاحد. وتختتم السورة بدعوة الناس إلى أن يتّقوا ربّهم ، ويخشوا يوما لا يغنى فيه الوالد عن ولده ، ولا يجزى فيه المولود عن والده. والبعث حقّ فلينفضوا عنهم الغرور ، وهو الله عنده علم الساعة ، وينزّل المطر ، ويعلم ما فى الأرحام ، ويعلم الغد ، وبأى أرض تموت كل نفس ، وهو العليم الخبير ، كقوله تعالى : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) (٥٩) (الأنعام) وما كان لقمان نبيا وإنما عبد صالح ، كثير التفكّر ، وحسن اليقين ، واختار الحكمة ، وحكمه كثيرة ومأثورة ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦١٣. سورة السجدة

السورة مكية ، إلا من ثلاث آيات نزلت بالمدينة ، هى قوله تعالى : (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (٢٠) ، قيل : نزلت فى علىّ بن أبى طالب والوليد بن عقبة بن أبى معيط ، وذلك أنهما تلاحيا وتخاصما ، فقال له الوليد : أنا أبسط منك لسانا ، وأحدّ سنانا ، وأردّ للكتيبة جسدا. فقال له علىّ : اسكت فإنك فاسق! فنزلت الآيات. وقيل : طالما نزلت فى علىّ ، وعقبة بن أبى معيط ، فهذه الآيات مكية وليست

٦٢٤

مدنية ، لأن عقبة لم يكن بالمدينة ، وقتل فى طريق مكة فى منصرفه من بدر. والذين قالوا إن الآيات مدنية ، حجّتهم أن الفاسق كان الوليد بن عقبة ، والوليد كان بالمدينة ، غير أن الوليد ما كان يستطيع أن يلاحى عليا بالمدينة ، ومن ثم فالراجح أن الآيات مكية ، والسورة كلها لذلك مكية ، وترتيبها فى المصحف الثانية والثلاثون ، وفى التنزيل الخامسة والسبعون ، وكان نزولها بعد سورة المؤمنين ، وسميت «السجدة» من قوله تعالى فيها : (إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ) (١٥) ، حيث السجود هو السمة الكبرى للمؤمنين بالقرآن ، وسورة السجدة ، كسورة مكية ، مدارها حول الإيمان بالقرآن ككتاب من عند الله ، وبرسالة محمد كنبىّ مرسل من عند الله تنزّل عليه القرآن. والسورة تستهل بالحروف المقطّعة (الم) (١) (ألف لام ميم) ، وهى الثالثة من ست سور تستهل بهذه الحروف ، تنبيها إلى أن القرآن ، وهو كتاب الله ، يتركّب من أمثال هذه الحروف التى يعرفها كل أهل مكة ، حقيرهم وكبيرهم ، ولكنهم لا يستطيعون أن يكوّنوا منها قرآنا كهذا القرآن ، فالقرآن هو كتاب الله المعجز ، وهو لا شك من عند الله ، وليس بسحر ، ولا بشعر ، ولا بكهانة ، ولا بأساطير ، ولا هو من اختلاق محمد وافترائه ، وإنما هو نذير لقوم ما أتاهم من قبل نذير ، فالعرب كانوا أمة أميّة ، لم يتنزّل عليهم كتاب ، ولا بعث إليهم رسول ، والقرآن نذير يعنى معلّم مخوّف ، ثم تعرّفهم السورة بالله الذى أنزل القرآن وأرسل محمدا : فهو الخالق القادر الذى أبدع وأوجد بعد العدم ، وبعد أن لم تكن هذه المخلوقات والكائنات شيئا ، وقد خلقها فى ستة أيام من أيامه تعالى ، ثم استوى على العرش ، وهو الكون ، وليست «ثم» للترتيب وإنما بمعنى الواو. وهو الله الذى يدبّر الأمر من السماء إلى الأرض ، والأمر هو القضاء والقدر ، يتنزّل به جبريل من «حول العرش» موضع التدبير ، وأما «ما دون العرش» فهو موضع التفصيل ، وما دون السموات موضع التصريف. ويتم التنزّل والصعود فى يوم كألف سنة من أيام الأرض ، والألف سنة للتشبيه ، والعرب تعبّر عن طول المدة أو كثرة الشيء بالألف ، وفى سورة المعارج عبّر عن اليوم بخمسين ألف سنة ، ولا تعارض ، وإنما يضرب بهذه الأرقام الأمثال ، وتفيد طول المدة كما ذكرنا ، وكل ذلك من علم الغيب ، ولا يعلمه إلا الله ، وهو عالم الغيب والشهادة ، أحسن كل شىء خلقه ، وأحكمه ، وجاء به على ما أراد ، ومن ذلك خلقه تعالى لآدم ، فقد خلقه ابتداء من طين ، ثم جعل خلقه من بعد ذلك من المنى المهين الضعيف ، ولمّا صنعه من طين سوّاه ، ثم ركّب فيه الروح ، وجعل له الحواس ، وعبّرت السورة عن الروح بالنفخ ، لأن الروح من جنس الريح. ومع كل هذه القدرة له تعالى ، فإنهم أنكروا البعث بدعوى أنه لا خلق جديد

٦٢٥

بعد الموت ، وفاتهم أن الموت ليس حدثا كالأحداث ، ولكنه فعل موكول به ملك هو عزرائيل ، يتوفى الناس ، ويستوفى الأرواح ويقبضها. وتخاطب السورة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، مخاطبة لأمّته ، تقول : لو رأيت هؤلاء المنكرين يوم القيامة لرأيت العجب ، لأنهم يومها يتذللون ويدعون لو يعودوا للدنيا ليفعلوا الخير! والله قد آتاهم الفرصة ولكنهم ضيّعوها وكفروا ، ولو شاء الله لهدى الناس ولكنه شاء أن يجعلهم مخيّرين ، فلما اختاروا الضلال أدخلوا جهنم ليذوقوا العذاب ، فقد تركوا طاعة الله فى الدنيا ، فتركهم الله فى الآخرة ولم يشملهم برحمته. ثم تعود السورة تذكّر القرآن ، وأنه الكتاب الذى لا يؤمن به إلا من يترك الاستكبار ، ويخضع لله ويطيع ، وكان كفّار مكة يستعظمون أن يسجدوا لله ، والمؤمنون تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، ويسهرون الليل يصلّون ويسبّحون بحمد ربّهم ، خوفا وطمعا ، وينفقون مما آتاهم. وهؤلاء لهم من وجوه النعم يوم القيامة ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وهذه الكرامة إنما هى لأعلى أهل الجنة منزلا ، والجنة منازل ، والمؤمنون أخفوا أعمالهم فأخفى الله تعالى لهم ما فيه قرّة أعينهم. وليس المؤمن كالفاسق ، ولا يستويان ، والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات المأوى ، يأوون إليها نزلا ـ أى ضيافة ، والذين فسقوا لهم النار ، كلما أرادوا الخروج منها أعيدوا إليها. ولهم فى الدنيا العذاب الأدنى من المصائب والأسقام والابتلاءات ، وفى الآخرة لهم العذاب الأكبر. ولا أظلم لنفسه ممن يذكّر بآيات ربّه ثم يعرض عنها. وتضرب السورة المثل فى الإيمان بموسى ، تسلية وتذكيرا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بأنه سيلقى ما لقاه موسى من التكذيب والأذى ، وأن القرآن سيلقى المعارضة كما لقى التوراة ، وهو كتاب موسى ، من المعارضة ، فأما الذين آمنوا بموسى وكتابه فهؤلاء هم المهديون ، وجعلهم الله أئمة للمؤمنين يقتدون بهم لأنهم صبروا ؛ وأما الكافرون فقد أهلكهم الله ، وآثارهم تملأ الدنيا ، وتدل على ما لقوا جزاء وفاقا بما كانوا يجحدون ، ودليل الآثار من أدلة وجود الله وقدرته. ودليل آخر على البعث هو دليل الماء ، يسوقه الله إلى الأرض الجدباء فتخرج الزرع ، فذلك مثل البعث. ويوم البعث أو يوم القيامة ، أو «يوم الفتح» ، لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ، ولا هم ينظرون ـ أى يؤخّرون للتوبة ، لأنه لا توبة يوم القيامة.

وتختتم السورة كما بدأت ، بالكلام إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) (٣٠) يعنى أعرض عن سفههم ، ولا تجبهم إلا بما أمرت به ، وانتظر يوم الفتح ، يوم يحكم الله لك عليهم ، ويوم يهلكون ، وإنهم لأحقّاء بأن ينتظر هلاكهم. والحمد لله ربّ العالمين.

٦٢٦

٦١٤. سورة الأحزاب

السورة مدنية ، نزلت فى المنافقين وإيذائهم للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وطعنهم فيه وفى أزواجه ، وتناولت الكثير من الجوانب التشريعية فيما يخصّ الأسرة والمجتمع ، وتطرّقت إلى بعض الآداب الإسلامية ، وأفاضت فى الحديث عن غزوة الخندق ، وهى المسماة «غزوة الأحزاب» ، وسميت السورة بها ، لأن المشركين تحزّبوا على المسلمين ، واجتمعوا عليهم من كل حدب : القرشيون من مكة ، وبنو غطفان ، وبنو قريظة ، وغيرهم كثيرون. وآيات هذه السورة ثلاث وسبعون ، وكان نزولها بعد آل عمران ، وترتيبها فى المصحف الثالثة والثلاثون ، وفى التنزيل المدنى الرابعة ، وفى التنزيل عامة التسعون ، وتكثر فيها الإسرائيليات ، بزعم أنها كانت من السور الطوال ، وكانت تعدل البقرة! وكانت بها آية الرجم التى قيل أنها : «الشيخ والشيخة إذا زينا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم»؟! وكل ذلك كذب وزور وبهتان ، فالسورة كما هى ، والأقوال المنسوبة إلى عائشة فيما يخص طول السورة ، جميعها ملفقة ، ومن الغريب أن يقال أن ما نسخ من هذه السورة كان فى صحيفة فى بيت عائشة فأكلتها الداجن! وهى تشنيعة من تشنيعات اليهود والملاحدة والشيعة. وتفتتح السورة تخاطب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن لا يطيع الكافرين والمنافقين ، وأن يتّبع ما يوحى إليه ، وأن يتوكل على الله ، فما يصحّ أن يكون للمرء قلبان ، مثلما لا يصحّ أن تكون زوجة الرجل عليه كظهر أمه ، فالأم أم ، وكذلك الزوجة زوجة ، وأيضا لا يصحّ تسمية الابن الدعىّ ـ أى بالتبنى ـ ابنا ، والأحرى أن يدعى باسم أبيه أو باسم وليّه ، والنبىّ ليس ولى واحد من المسلمين بعينه دون سائر المسلمين ، وإنما هو وليّهم جميعا ، وزوجاته أمهات للمسلمين جميعا ، والأولى أن ينسب كل ذى رحم إلى رحمه ، فهكذا علّم الله نبيّه ، وأخذ ميثاقه على هذا التعليم ، ولسوف يسأل عنه. ثم بدأت السورة بعد هذه المقدمة فى سرد وقائع غزوة الخندق أو الأحزاب ، فقد أحاط الأعداء بالمسلمين من كل مكان ، فمن فوقهم جاءت جنود أسد وغطفان ، ومن أسفلهم أقبلت جنود قريش وكنانة وغيرهم ، وأعان هؤلاء يهود بنى قريظة ، فنقضوا عهدهم مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبلغ الرعب فى المسلمين منتهاه ، وظنوا أن الله تخلّى عنهم ، وابتلوا وزلزلوا ، وانكشف أمر المنافقين فأرادوا الفرار ، على زعم أنهم تركوا أهاليهم بلا حماية ويريدون العودة لحمايتهم ، وهؤلاء المعوّقين يعلم بهم ربّهم. وتتوالى الآيات فى وصف العلامات النفسية للمنافقين المثبّطين للهمم ، الخائفين المذعورين من القتال ، يودّون لو لم يحضروا. وأما المؤمنون فقدوتهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولما رأوا الأحزاب قالوا هذا ما وعدهم الله ورسوله ، وزادهم ما هم فيه من بلاء إيمانا ، ومنهم

٦٢٧

صادقون أوفوا بعهدهم مع الله ، ومنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا ولا تحوّلوا. وانتهت الغزوة بدحر الغزاة ، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ لمّا رحلت الأحزاب ـ قد تجهّز لغزو بنى قريظة ، لنقضهم العهد معه ، وعونهم للمشركين ، فأنزلهم من حصونهم ، وقذف الله فى قلوبهم الرعب ، وقتل المسلمون فريقا منهم وأسروا فريقا ، وورثوا أرضهم وديارهم وأموالهم ، وبذلك ينتهى الكلام عن غزوة الأحزاب. وهذا المال الذى كسبه المسلمون يذكّر بأحوال بعضهم التى كانت متردّية من قبل ، والمثل على ذلك النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان أزواجه قد طالبوه بزيادة النفقة فخيّرهن بين الطلاق وبين الاستمرار معه ، ولهن الدار الآخرة ونعيمها ، وسيجازى الله المحسنات منهن. وظنن أن غنائم بنى قريظة سيكون له فيها النصيب الأوفى ، وأنه سيوسّع عليهن ، فأنزل القرآن يحذرهن ، فأيّما ذنب يذنبن له عذاب مضاعف ، فهن لسن كالنساء ، ومن تقنت منهن يؤتها الله أجرها مرتين ، ووعظهن أن لا يخضعن فى القول ، ولا يترققن فى الكلام ، فيطمع الطامعون فيهن ، وأن يقرن فى بيوتهن ، ولا يتبرّجن تبرّج الجاهلية من الزمن الغابر ، ولا ينبغى أن نفهم أن لزوم البيت يمنع من أن تشارك المرأة ـ حتى لو كانت زوجة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فى الحياة العامة ، فعائشة كانت تحضر معه صلى‌الله‌عليه‌وسلم الغزوات ، وكانت تمرّض المرضى ، وتحمل السقاء ، وكانت تؤم النساء فى الصلاة ، وتؤذّن ، وتخطب فى الرجال ، وتشافههم فى الفتاوى ، وترسلها إليهم فى رسائل ، وتدخّلت فى كثير من القضايا لتحلّها وتيسّر على الناس حياتهم ، وخرجت إلى البصرة لتصلح بين المسلمين ، وهاجمها علىّ وجماعته ، فلم تفر وصمدت. ونساء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كن يقمن الصلاة ويأتين الزكاة ، ووعظتهن الآيات بطاعة الله ورسوله ، وأن يذكرن ما يتلى فى بيوتهن من القرآن ، وما يقال فيها من أحاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما يجرى من أفعاله ، والله أعدّ لهن وللمسلمات عامة أحسن الجزاء. واستطردت الآيات إلى قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش ، وما كان من أمر قسرها على الزواج من زيد ، ثم ما كان من شكوى زيد منها ، فلما طلّقها زيد تزوّجها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأمر من السماء ، والسبب ليس حبّه لزينب كما قال المرجّفون والمنافقون واليهود ، وإنما كما يقول القرآن : (لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً) (٣٧) ، أى لإسقاط نظام التبنّى ، ونظام تحريم زوجة الابن بالتبنّى ، لأنه ليس ابنا على الحقيقة ، فبنوته وهم. فلمّا حرّم الله على زيد أن يقدّم نفسه فيقول إنه زيد بن محمد ، عوّضه فذكره فى القرآن بالاسم ، يتلوه المسلمون تكريما وتشريفا له ، فذلك قوله تعالى : (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها) (٣٧) ، وكانت زينب تفخر بقوله تعالى :

٦٢٨

(زَوَّجْناكَها) وتباهى نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن الله أنكحها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من السماء ، وأن السفير كان جبريل ، وأن جدّها وجدّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واحد. وانتهت مسألة التبنّي فى الإسلام إلى الأبد ، وانتهى أن ينسب زيد أو غيره للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلم يكن أبا لأحد من الرجال وإنما هو رسول الله وخاتم النبيين ، فهذه بركة من السماء تستحق أن نشكره تعالى عليها ، ولذا تأتى الآيات تأمر بذكر الله وبتسبيحه بكرة وأصيلا ، وكراماته تعالى كثيرة على المسلمين ، ونعلم أنه تعالى يصلّى علينا وملائكته ، وصلاته هى رحمته وبركاته ، وأنه تعالى يوم يلقانا سيحيّينا تحية السلام ، وسيجازينا الأجر الكريم. وكل ذلك الكرم من أجل نبيّنا ، يخاطبه الله تعالى إبلاغا للأمة ، بأنه : الشاهد ، والمبشّر ، والنذير ، والنبىّ ، والداعى إلى الله ، والسراج المنير ، فأعطاه ستة أسماء فى آية واحدة ، والآية تأنيس للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وللمؤمنين ، وبشّرهم ربّهم أن لهم منه الفضل الكبير ، فلا ينبغى له ولهم أن يطيعوا الكافرين والمنافقين ، وعليهم أن يتجاوزوا أذاهم ، وأن يتوكلوا على الله وكفى به وكيلا. وتتحدث السورة فى أمر المطلّقات ، فتجعل لهن عدّة إذا دخلوا بهن ، واللاتى لم يدخل بهن لا عدّة لهن ، وينبغى إمتاعهن ، والمتعة : مال يدفع لهن بحسب الميسرة والعسرة. وحدّدت الآيات اللاتى يحلّ للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الزواج منهن ، وهن قريباته اللاتى هاجرن معه ، وأيّما امرأة تهب نفسها له إن أرادها ، ولم تكن فى حياة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نساء وهبن أنفسهن له ، وجعل الله له أن يقسم لهن أو لا يقسم ، ولكنه مع ذلك كان يقسم ، ولم يعد له أن يتزوج ولا أن يحل واحدة مكان أخرى يطلقها. ووعظت الآيات الناس فيما ينبغى منهم إذا دخلوا بيوت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأولا يجب أن يستأذنوا ، وإذا سألوا نساءه شيئا فليسألوهن من وراء حجاب ، وأعلمت المسلمين أنه لا زواج من نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد وفاته ، وأن نساءه مباح لهن أن يظهرن على آبائهن وأبنائهن وإخوانهن ، وأبناء إخوانهن ، وأخواتهن ، ونسائهن ـ أى عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات ، وأمرت المسلمين أن لا يؤذوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والأولى بهم أن يصلّوا عليه ويسلّموا تسليما ، وأن لا يؤذوا المؤمنين ولا المؤمنات بغير ما اكتسبوا ، وأن يدنى النساء ، سواء نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو نساء المؤمنين ، من جلابيبهن ، وحذّرت المنافقين والمرجفين صنّاع الإشاعات ، والإرجاف هو إشاعة الكذب والباطل ، وبيّنت أن الساعة لا يعلمها إلا الله ، وأن الخسران للكافرين ، وأنهم لا يعذرون بأنهم أطاعوا كبراءهم وساداتهم ، وكررت التحذير من إيذاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كإيذاء بنى إسرائيل لموسى ، فبرّأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ، ودعتهم أن يقولوا القول السديد الرشيد ، لتنصلح أحوالهم وتغفر ذنوبهم ، وسمّت هذه التكاليف بالأمانة ، وهى ثقيلة ، ولو عرضت على السموات

٦٢٩

والأرض والجبال لأبين أن يحملنها ، والإنسان قبل ذلك ، لأنه لم يحسب حسابها ، فظلم نفسه لجهله بها ، واختتمت السورة بتوعّد المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ، وببشارة المؤمنين والمؤمنات. فهذه جملة ما فى هذه السورة العظيمة من أخبار وروايات وآداب ومواعظ وحكم وتشريعات ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦١٥. سورة سبأ

سورة مكيّة ، وقيل إلا الآية : (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (٦) فإنها مدنية ، والذين قالوا بذلك ساقوا الآية على معنى أن من أوتوا العلم هم أهل الكتاب ، كعبد الله بن سلام وغيره ، وهؤلاء كانوا من أهل المدينة ، ومن قال ذلك لم يعتبر أنه كان بمكة من أوتى العلم ، وهذا تجنّ وحطّ من قدر العرب ، فكأن العلم كان وقفا على اليهود بالمدينة لا غير؟! وفى رأينا أن الذين أوتوا العلم هم المؤمنون أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانوا بمكة ، فمن يعلم حقّ العلم يؤدى به علمه إلى أن يؤمن ، ومن يكفر هو الذى لا علم له على الحقيقة ، والآية إذن مكية كالسورة كلها ، ومن بعد هؤلاء المؤمنين أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كان العلماء من أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى كل مكان وزمان. والسورة نزلت بعد سورة لقمان ، وترتيبها فى المصحف الرابعة والثلاثون ، وفى التنزيل هى الثامنة والخمسون ، وآياتها أربع وخمسون ، وموضوعها : الدفاع عن القرآن ، والتعريف بالله تعالى ، وبالساعة ، والبعث ، وتحفل بالبراهين على حقيقته ، وترد على المنكرين الردود المفحمة ، وتضرب الأمثال بقصص الأنبياء من الماضى كداود وسليمان ، وتعدّد أفضال الله عليهما ، فلما ذكرت سليمان استدعى اسمه قصته مع سبأ ، وأوردت السورة أطرافا مما جرى لأهلها لمّا كانوا على الإيمان ، فكانت بلادهم جنّة ، فلما كفروا بأنعم الله دمّر لهم سدّهم ، وجرف السيل العرم البيوت ، وأغرق الغيطان. وتناولت السورة شبهات المشركين حول رسالة النبوّة ، وختمت بدعوتهم إلى الإيمان بالله الذى بيده أمور الخلق أجمعين.

وتبدأ السورة أول ما تبدأ بالحمد لله ، والحمد هو الثناء الشامل كله لله ، لأن كل النّعم منه ، وهو تعالى المحمود دوما فى الآخرة والأولى ، وهو يعلم ما يجرى فى السماء والأرض ، ويعلم الساعة ، وكان أبو سفيان يقول لكفّار مكة : واللات والعزّى لا تأتينا الساعة أبدا ولا نبعث! فقال له تعالى مخاطبا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) (٣) ، وأمثال أبى سفيان هم الذين تخاطبهم السورة باسم المعاجزين ، يعنى يسعون فى آيات الله ،

٦٣٠

وفى إبطال أدلة التوحيد ، ويحسبون أنهم يفوتون على الله ، ويكذّبون من فرط إنكارهم ، كقولهم : (هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (٧) ، لأنه كان ينبئ بالبعث ، فنكّروه ، وأشاروا إليه كأنه مجهول يتكلم فى أمر مجهول ، يقصدون السخرية منه والاستهزاء به ، وأخرجوه مخرج التحكّى ببعض الأحاجى ، يتضاحكون بها ويتلهون. وقوله : (مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) (٧) يعنى بليتم فى القبور ، وصرتم ترابا وعظاما نخرة وأشلاء ، والمزق خرق الأشياء. وقالوا فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) (٨) ، والافتراء الاختلاق ، والألف المفتوحة للاستفهام ، «وبه جنّة» أى جنون فهو يتكلم بما لا يدرى ، مع أن الله تعالى كرّمه أحسن التكلّم ، وهو تعالى يشمل أنبياءه بكرمه ، من هؤلاء داود وسليمان ، وتقول السورة عن داود : (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) ، ونفهم أن الجبال والطير كانت تسبّح معه ، وتسبيحها يعنى ترجيعها ، وإلانة الحديد له تسخيره ، فكان داود يصنع منه الدروع السابغات ، ويقدّر فى السرد ، أى يجمع فيها بين الخفة والثقل ، والسّرد هو نسج حلق الدرع ، وصانعه يقال له السرّاد والزرّاد ، والآية دليل على وجوب تعلّم أهل العقل الصنائع ، وأن التحرّف (يعنى اتخاذ الحرف) لا ينقص من قدر الكبراء بل يزيدهم فضلا ، وفى الحديث : «إن خير ما أكل المرء من عمل يده ، وإن نبىّ الله داود كان يأكل من عمل يده». وأما سليمان فقال تعالى فيه : (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ) (١٣) فسخّر الله له الريح ، تغدو شهرا وتروح شهرا ، يعنى سخّرت له مرة كل شهر تحمله عليها ؛ وأسال له عين القطر ، أى النحاس ، فاستخدم الجن فى صناعته محاريب وتماثيل وجفانا كالجواب ، وقدورا راسيات ؛ والمحراب الذى يصلّى فيه ؛ والتماثيل صور على مثل إنسان أو حيوان ؛ والجفان القدور ؛ والجواب جمع جابية ، أى القدر العظمة ، كأن تكون أحواضا ؛ والقدور الراسيات لثقلها فهى لا تنقل ، وكانت قدور عبد الله بن جدعان فى الجاهلية من ذلك ، وكانوا يصعدون إليها بسلم! ومعنى الآية أن سليمان ـ وكان يصنع التماثيل ـ لم يكن ضد الصور ، إلا أنه فى التوراة نهى أن تعمل تماثيل للإله ، ومع ذلك الآية دليل على إباحة التماثيل طالما هى ليست للتعبّد. والحكمة فى إزالة الصور فى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنه بعث والتماثيل والصور تعبد ، فأمر بإزالتها ونهى عنها ؛ وأمّا الآن فالأمر مختلف ، ولا أحد يتعبّد الصّور ولا التماثيل إلا فى المسيحية والبوذية. وفى قوله تعالى : (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ

٦٣١

الشَّكُورُ) (١٣) تنبيه وتحريض ، وكان عمر يدعو ربّه ويقول : اللهم اجعلنى من القليل! ـ أى ممن يشكرون. وسليمان هو الذى بنى الهيكل وتفرّغ له ، وكان يجلس قبالته يرقب العمال ويدلّهم ، فما علموا بموته إلا لمّا أكلت الأرضة العصا ، فوقع من طوله. وفى الآية : (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ) (١٤) دليل على أن الجن لا تعرف الغيب ، على عكس ما يدّعى الناس! وذكر سليمان يستدعى ذكر «سبأ» ، وقصتا داود وسليمان ترويان عن الصالحين إذا وهبوا أنفسهم للصلاح ؛ وقصة سبأ تروى فى المقابل ، عن الكافرين ومآلهم ، فكانت سبأ جنة لمّا كان أهلها مؤمنون ، فلمّا كفروا دمّرهم الله بسيل العرم ، وهدم لهم سد مأرب ، قيل : بنته بلقيس صاحبة سليمان ، وخرب السيل الزروع والبساتين ، وبدّلهم الله بجنتين من الخمط أى شجر الشوك ، والأثل والسّدر وهما نوعان من الأشجار ، ثمارهما عفصة لا تؤكل ، وجزاء سيئة سيئة مثلها : (وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (١٧) ، والمؤمن يجزى ، والكافر يجازى. وأمثال هؤلاء : (صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ) (٢٠) ، وظنّ إبليس فيما قال : (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (٣٩) (الحجر) ، وقوله : (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) (١٦) (الأعراف) ، ويوم القيامة لا تنفعهم شفاعة الشافعين ، ويفتح الله بينهم وبين الذين آمنوا بالحق ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أرسل لهؤلاء وهؤلاء ، ويوم القيامة لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وهو البشير والنذير لكافة الناس ، والناس إما مستضعفون وإما مستكبرون ، والذين يستكبرون يغوون المستضعفين ، ويصدّونهم عن الهدى ، ولو لا مكر الليل والنهار لآمن المستضعفون. ومن أوصاف الكفّار يوم القيامة هذا المكر بالليل والنهار فى الدنيا ، ثم إسرار الندامة فى الآخرة ، وإسرارها يعنى أن تكون الندامة فى القلب ولا تظهر على السرائر ، وذلك باب من أبواب علم النفس الإسلامى. وفى القرآن يأتى عن «المترفين» ثمانى مرات ، وهم الأغنياء أصحاب السلطان ، وفيهم يقول تعالى : (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها) (١٦) (الإسراء) ، والأصح فى الآية أن تقرأ «أمّرنا» بتشديد الميم ، يعنى إذا آل الأمر والحكم إلى المترفين ، عمّ فيها الفسق فى البلاد فتستحق الخراب. وفى سورة سبأ فإن المترفين هم المعارضون للنبوّة ، وللإصلاح ، وأن تسود القيم والفضيلة ، وهؤلاء يتيهون بأموالهم وأتباعهم ، ويوم القيامة يضاعف لهم العذاب بما عملوا ، وهم فيه محضرون ، تحضرهم الزبانية ، ودأب المترفين الافتراء على الله ، وعلى الإسلام ، وتسخيف دلائل وبراهين وجوده تعالى ، وتحقير صفاته. وأما المؤمنون فلهم الغرف فى الجنة ، والغرفة هى الموضع والمأوى ، والسورة تأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ينهى المغترّين بأموالهم ، وأن يطلب إليهم أن ينفقوها فى سبيل الله بدلا من إنفاقها فى الإفساد ، وما ينفقون من

٦٣٢

شىء فالله يخلفه. وفى السورة عن «عبدة الجن» ، أو «عبدة الشيطان» كما اشتهر اسمهم فى مصر بوجود فرقة لهم فيها ، أنهم يؤدون الصلوات للشيطان ، بأفعال داعرة ، وسلوكيات ماجنة ، ويفترون على القرآن والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويخاطبهم الله تعالى على لسان رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : (إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ) (٤٦) ، والواحدة هى قول «لا إله إلا الله» ، وأن يقوموا إلى طلب الحقّ وحدانا ومجتمعين ، وأن يتفكّروا : هل رأوا فى نبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم كذبا ، أو جنّة ، أو فسادا؟ أو هل شاهدوه يختلف إلى أحد يدّعى السحر ، أو تعلّم القصص على كافر؟ ولم يحدث أن سألهم أجرا على ما يبلّغهم به ، ولو كان على الضلال كما قالوا فإنما يضل على نفسه ، ويوم القيامة يبعثون فزعين ، ولا نجاة لهم ، وهم من الله قريب ، وعندئذ يؤمنون وأنّى لهم الرجعة إلى الدنيا ليعملوا صالحا؟ وكانوا كافرين فى الدنيا ، ويرجمون بالغيب ، وينكرون أشياء من المستقبل ، ويشكّون فى الدين كل الشّك. ويوم القيامة يقذف الله بالحق ، وشعار هذا اليوم : (جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ) (٤٩). والحمد لله ربّ العالمين ، ونسأله تعالى أن نكون من الناجين ، وأن يجعلنا على الدين وعلى كتابه القرآن المبين.

* * *

٦١٦. سورة فاطر

السورة مكية ، نزلت قبل هجرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان نزولها بعد سورة الفرقان ، وترتيبها فى المصحف الخامسة والثلاثون ، وفى التنزيل الثالثة والأربعون ، وآياتها خمس وأربعون ، واسمها «فاطر» لابتدائها بالحمد لله فاطر السموات والأرض ، وفاطر يعنى المبتدئ والمخترع ، تقول : أنا فطرتها أى ابتدأتها ، تنبّه السورة إلى أن من قدر على الابتداء فهو قادر على الإعادة ، وهو منطق صحيح. وهناك خمس سور فى القرآن تبدأ بالحمد لله ، هى : الفاتحة ، والأنعام ، والكهف ، وسبأ ، وفاطر. ومعنى الحمد لله : الثناء عليه ، والتعظيم له ، والتبجيل لاسمه تعالى ، لأنه خلق السموات والأرض على غير مثال ، وخلق الملائكة وسائط لهم أجنحة تتباين أعدادها باختلاف وظائفهم ، وهو الله يزيد فى الخلق ما يشاء ، وينقص ما يشاء ، ويرزق من السماء بالمطر ، ومن الأرض بالزروع. وهذه الآيات حجة على القدرية ، لأنها تنفى أن يكون ثمة خالق غير الله ، والقدرية يثبتون معه خالقين ـ وتحفل السورة بالأمثال والحكم. والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليس بدعا بين الرسل ، فإن كان كفّار مكة كذّبوه ، فإن الناس كذّبوا الرسل قبله ، والسورة لتعزية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتسليته ، وليتأسّى بمن قبله فى الصبر ، وليطمئن أن كل ما وعد به حقّ : سواء البعث ، أو الثواب والعقاب ،

٦٣٣

فلا ينبغى أن يغرّ أحد بالحياة الدنيا ، وغرورها أن يشتغل بنعيمها ولذّاتها عن عمل الآخرة ، فلا يغرنّه بالله الغرور ، والغرور هو الباطل ، والشيطان عدو للإنسان فليتخذه عدوا ، فلا يطيعه ؛ والشيطان لا يدعو إلا حزبه ، وهم جماعته وأشياعه ؛ وقوله تعالى لنبيّه : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ) (٨) من الكلام العربى الطريف ، وينهى فيه نبيّه أن يغتم بمن يحسن عمله السيئ فى نظره ، ومثله قوله تعالى : (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ) (٦) (الكهف) ، وسوء العمل هو معاندة الله ورسوله. والنشور ـ أى البعث ـ الذى ينكرونه ، وهو كإرسال الرياح تثير السحاب وتسوقه إلى بلد ميت ، فيمطر وتحيا به الأرض بعد موتها ، أى تبعث ، والصورة كما ترى ـ بديعة ، وتدل على قدرته تعالى ، فالأوفق أن يؤمن الإنسان ، وعزّته فى الإيمان به تعالى ، ولا ذلّ مع عزّة الله ، ومن أحبه الله يعزّه فى الدنيا والآخرة. وكل كلام طيّب يصعد إلى الله ، ويرفع العمل الصالح ، وما لم يرفق الكلام الطيّب بعمل صالح فإنه لا يرتفع إلى الله ، والعمل الصالح شرط فى قبول القول الطيب. والذين يمكرون السيئات هم أصحاب الرياء ، ومكرهم يبور ، يعنى يهلك ويبطل. ومن التراب كان أصل الإنسان ، ثم كان نطفة ، ثم يكون الناس أزواجا ، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه تعالى ، وما يعمّر من معمّر ، ولا ينقص من عمره ، إلا فى كتاب ، والنقصان هو ما يمضى من العمر ، وأما ما يستقبل فهو الذى يعمره ، وقيل المنقوص من عمره هو من يموت قبل الستين. والله خلق البحر المالح والنهر العذب ، ومن كلّ نأكل اللحم الطرى ، ونستخرج الحلى نلبسها ، وتمخرهما البواخر. وهو الذى يولج الليل والنهار ، وسخّر الشمس والقمر ، وما يعبدون من دون الله لا يخلقون قطميرا ، والقطمير القشرة بين النواة والتمرة وهى أتفه شىء فيها. ومن يدعون من دونه لا يسمعون الدعاء ، ولا يستجيبون له ، ويوم القيامة يكفرون بشركهم. والناس هم الفقراء إلى الله ، وإن يشأ يذهبهم ويأت بخلق جديد ، وهم مجزيون بأعمالهم ، إن خيرا فخير ، ولا يستوى الأعمى والبصير ، ولا الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور. والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار ، والسموم يكون بالليل. وما يستوى الأحياء ولا الأموات ، ولا العقلاء والجهّال ، وهذه كلها أمثال ، وما يسمع أهل القبور ، وما محمد إلا نذير وبشير ، ودلائل قدرته تعالى لا حصر لها ، فالثمار من كل لون ، والجبال منها البيض والحمر والسود كأنها الغربان ، والناس والدواب والأنعام أصناف ، ولا يتنبه لذلك إلا أهل العلم ، ولذا فهم أخشى الناس لله ، ولن تبور تجارة من يؤمن بالله ويعمل الصالحات ، فإنه اشترى الآخرة بالدنيا ، فربح وفاز. والقرآن حق ،

٦٣٤

وكتب الله يتوارثها المصطفون ، ومن الناس الظالم لنفسه الذى يعمل الصغائر ، ومنهم المقتصد الذى يؤمن ويعصى ، ومنهم السابق التقىّ على الإطلاق ، والمؤمنون المخلصون لهم الجنة ، وفيها يحمدون الله أن أذهب عنهم الحزن والهمّ ، والذين كفروا لهم نار جهنم ، خالدون فيها ويصطرخون : ربّنا أخرجنا منها نعمل صالحا ، فيقال لهم ذوقوا ما كنتم تعملون ، وله تعالى الغيب ، ويعلم ما فى الصدور ، وجعل الناس خلائف فى الأرض ، ويمسك السموات والأرض أن تزولا ، فلما ذا إذن الكفر بالله؟ والكافرون لا يزيدهم كفرهم عند ربّهم إلا مقتا ، وكانوا قبل أن يجيئهم النذير يتمنون لو يأتيهم نذير ، فلما جاءهم استكبروا ، ومكروا مكر السوء ، والمكر السيئ لا يحيق إلا بأهله ، فهلا سار هؤلاء فى الأرض فنظروا عاقبة عاد وثمود وفرعون من الأمم البائدة لمّا كفروا؟ والله قد سنّ العذاب للكافرين ، ولو أخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة ، ولكن يؤخّرهم إلى يوم القيامة ، فهذا أجلهم معه تعالى ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦١٧. سورة يس

السورة مكية ، وترتيبها فى المصحف السادسة والثلاثون ، وفى التنزيل الواحدة والأربعون ، وآياتها ثلاث وثمانون ، إلا الآية ٤٥ فمدنية ، وكان نزولها بعد الجن ، واسمها «يس» مما افتتحت به ، وقيل : يس بمعنى «يا رجل» ، أو «يا سيد» ، أو «يا إنسان» ، أو أنه اسم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كقوله تعالى : (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ) (١٣٠) (الصافات) أى على آل محمد ، واستدل من قالوا على أن يس اسم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أنه تعالى خاطبه بعد ذلك مباشرة فقال : (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٣) والخطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. واستدلوا أيضا بالحديث : «لى عند ربى عشرة أسماء» ، ذكر منها «طه» و «يس» وبالحديث الآخر : «إن الله تعالى أسمانى فى القرآن ستة أسماء : محمد ، وطه ، ويس ، والمزمّل ، والمدثّر ، وعبد الله». وقيل : بل يس اسم من أسمائه تعالى ، وأنه أقسم به وإن كان بمعنى النداء. ـ والصحيح أن يس من الياء والسين ، حرفان كغيرهما من الحروف المقطّعة فى بدايات بعض السور ، مثل الم ، وكهيعص. والسورة تستهل بالتذكير بآية الله الكبرى : القرآن ، وبها يثبت أن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم من المرسلين ، لينذر قومه ، ويضرب لهم مثل القرية التى أرسل إليها نبيّان ، وعزّرا بثالث ، فلم يؤمن أهلها ، فأهلكهم الله. وتعرض السورة لبعض آياته تعالى فى الكون ، وكلها أدلة على قدرته تعالى ، لعل الناس يؤمنون ، ولعلهم يعملون الخير ، فلا هم آمنوا ولا فعلوا الخير ، ولجّوا فى طغيانهم. وتترى الآيات تذكّرهم بيوم القيامة وأهواله ، وما يكون عليه

٦٣٥

المؤمنون من طيب العيش ، وما يعذّب به الكافرون ، وتنبّه إلى أن الله كان يمكن أن يطمس على أعينهم فى الدنيا جزاء وفاقا ، ولكنه يتركهم ليطول عمرهم ، ويسوء حالهم ، ثم يكون الحساب فى الآخرة. وتعرض الآيات للقرآن ، وتنفى أنه قول شاعر ، فما يجوز الشعر للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإنما هو قرآن نذير ، يذكّرهم بنعمه تعالى عليهم ، ويلومهم على عبادة من لا يستطيعون نصرهم ، ويخاطب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى لا يحزن عليهم ، فهذه هى حال الإنسان ، ما كاد يخلقه من نطفة حتى تحوّل خصيما له تعالى ، وتعلّل لجحده وإنكاره للبعث ، بأن العظام بعد أن تصبح رميما لا تدبّ فيها الحياة ، ونسى خلقه ، فقد كان حفنة من طين ، ونطفة من منىّ ، فصار ما هو عليه ، أفيعجز من صنعه أن يعيده سيرته الأولى؟ وهو تعالى القادر ، يجعل من الشجر الأخضر نارا مع أنهما متناقضان ، وخلق السموات والأرض ، فالسماوات فى العلا ، والأرض فى الدنا ، أفلا يستحق أن يسمّى الخلّاق والعليم؟ وأمره فيما يخلق أن يقول له كن فيكون ، سبحانه. والسورة حافلة بالبراهين والأدلة على وجود الله وقدرته ، وبصور البلاغة ، وتكثر بها المطابقات والجناس والاستعارات ، وتستخدم منطق المتقابلات والمتناقضات ، كالماء يطفئ النار ، واقتداح النار من الشجر الأخضر ، وحال السعداء ونقيضه حال الأشقياء ، والموت ونقيضه الإحياء ، والإنذار كمقابل للإعذار ، وفيها الاستفهام الإنكارى للتوبيخ ، كقوله : (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) (٢٣) ، و (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ) (٧٧) ، و (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) (٦٢). ومن محاسن وعظمة البلاغة فيها القصة الموجزة لأهل القرية ، يقصد بها التذكير والاعتبار ، فلم يذكر اسم البلدة ، ولا اسم المؤمن بها ، ولا الرسل المبعوثين إليها ، فيحتمل أنها قرية بعينها ، وربما هى الدنيا بأسرها ، أرسل الله لأهلها موسى ثم عيسى ، وأخيرا محمد ، فما آمن إلا القليل. وفى السورة نفى عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه يقول الشعر ، فما كان شاعر ، وما كان القرآن بشعر ، لأن الشعر كلام منمّق ، وكله خيالات ومبالغات ، وليس كذلك القرآن ، والشّعر أعذبه أكذبه ، والقرآن تنزّه عن مماثلة كلام البشر.

* * *

٦١٨. سورة الصافات

السورة مكية ، وآياتها اثنتان وثمانون ومائة ، وكان نزولها بعد سورة الأنعام ، وترتيبها فى المصحف السابعة والثلاثون ، وفى التنزيل السادسة والخمسون ، وسميت «الصافات» لأنها بدأت هكذا : (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْراً (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْراً (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ) (٥) ، وهذا قسم بالملائكة يذكر

٦٣٦

بالملإ الأعلى حيث يصفّون فى الصلاة كصفوف المؤمنين فى الصلاة ، وفى الآية : (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) (١٦٥) وصف الملائكة أنفسهم بأنهم يصفون فى حضرة الله كصفوف أهل الدنيا ، وفى الرواية أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟» قالوا : وكيف تصفّ الملائكة عند ربّهم؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «يتمون الصفوف المتقدمة ، ويتراصون فى الصف». والزاجرات عطف على الصافات ، فإذا اصطفوا وأدّوا صلواتهم قاموا إلى أعمالهم ، يزجرون ، كأن يزجروا الناس عن المعاصى فيوحون لهم بالخير ، وينهونهم عن الشر ، فإذا أدّوا أعمالهم انصرفوا يتلون أذكارهم ، كقوله تعالى : (فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً) (٥) (المرسلات) ، وكأنه تعالى يدعو المؤمنين أن يتشبّهوا بهم ، فيصطفون للصلاة ، ثم ينصرفون للأعمال ، ثم يتفرغون للذكر ، فهؤلاء الأسوة أقسم بهم لذلك ، إظهارا لعظم شأنهم ، وتنبيها لجلال قدرهم ، والمقسم عليه أنه تعالى لا إله إلا هو ربّ السماوات والأرض وما بينهما ، وربّ المشارق ، كقوله تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) (٤٠) (المعارج) ، أى مطالع الشمس ومغاربها ، وقوله : (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) (١٧) (الرحمن) للشمس وللقمر ، وللشتاء وللصيف. وكان الكفار بمكة قد قالوا : أجعل محمد الآلهة إلها واحدا؟ وكيف يسع الخلق فرد إله؟! فأقسم الله بهؤلاء تشريفا ؛ والملائكة هم الملأ الأعلى ، فلما تحدّث عنهم انتقل إلى الحديث عن الشياطين كمقابل للملائكة ، فقال إن الكواكب فى السماء ثلاثة : رجوم للشياطين ، ونور يهتدى به ، وزينة للسماء الدنيا ؛ وأن السماء تحرسها الكواكب عن استراق الشياطين السمع ، والشياطين هم المسمّون المردة ، والمفرد مارد ، أى العاتى ، ومن عتوّه سمّى شيطانا ، والشياطين يحظر عليهم التنصّت : (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (٢١٢) (الشعراء) ، ويرمون لذلك من كل جانب بالشّهب تدحرهم وتطردهم. ومن خلق كلّ ذلك ، أليس بقادر على النشأة الثانية ـ أى البعث؟! ومن عجب أن من هو مخلوق من طين لازب ، هو الذى يسخر من الخالق سبحانه وينكر البعث؟ وإذا ذكّر بالقرآن ـ كلام الله تعالى ـ أعرض ونأى؟ وإذا نبّه إلى إحدى آيات الله ومعجزاته فى الكون استسخر ، ووصم ما يرى بأنه سحر وتهاويل وتخييلات وخداعات؟! ودعواه : أئذا متنا فهل نحن بمبعوثين؟ وهل يبعث آباؤنا الأولون؟ وإنما هى زجرة وصيحة واحدة ـ هى النفخة الثانية فى الصور ، سميت زجرة لأنها تزجرهم وتسوقهم كالإبل ، فإذا هم قيام ، شاخصة أبصارهم ، لا يصدقون أن ذلك هو البعث الذى أنكروه ، فيتنادون بالويل وقد أدركوا أنه يوم الدين والحساب والفصل ، يفصل فيه بين الناس فريقين : (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (٧) (الشورى) ، وفريق النار فيه المنكرون ، والغاوون ، والمجرمون ، وكانوا جميعا

٦٣٧

يستكبرون ويستعظمون أن يقولوا لا إله إلا الله ، وهم لذلك مسئولون ، ومسئوليتهم أدبية وقانونية وجنائية ، يسالون عن أعمالهم فى الدنيا من المعاصى والذنوب ، وعن أقوالهم فى الله والبعث والحساب والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن ذلك قولهم عنه إنه شاعر مجنون ، والشاعر يكون منظوم المعانى والألفاظ ، وينقض ذلك أن يكون مجنونا ، لأن المجنون تختلط عليه المعانى ولا تنتظم ألفاظه ، وتهمتهم له لذلك باطلة ، وداحضة ، ومغلوطة ، ومستقرهم النار ، هم وشركاؤهم وقرناؤهم ، والقرين هو الصاحب الملازم لصاحبه ، وتضرب السورة المثل بقرينين ، أحدهما من أهل الجنة ، والآخر من أهل النار ، وكان الذى من أهل النار لا يصدق بالبعث ولا الحساب ، ويسخر من قرينه لأنه كان من المصدّقين ، وكان يعجب أن يبعث من مات ، وأن تدبّ الحياة مرة أخرى فى التراب والعظام. ويتمنى قرينه فى الجنة أن يطّلع فى النار ، وإذ يرى فيها قرينة المكذّب يحمد الله أنه نجّاه من غوايته ، ولو لا ذلك لكان من أهل النار ، ولا يستوى نعيم الجنة وعذاب النار ، فالفواكه والثمار طعام أهل الجنة ، وشجرة الزقوم طعام أهل النار ، والزقوم فى اللغة من التزقيم ، وهو البلع على جهد لكراهة طعم ثمر هذه الشجرة وفساد رائحته ، وإنها لشجرة غريبة تحيا بلهب النار ، كما تحيا الأشجار فى الدنيا بعذب الماء ، ولم يصدق الكفار أن توجد شجرة كهذه بهذا التناقض ، فكيف يكون فى أصل الجحيم شجر والنار لا تحرقه وتأتى عليه؟ وكان أبو جهل يقول : أتدرون ما الزقوم؟ إنه الزبد والتمر! ويأتيهم بهما ويقول : تزقّموا هذا الذى يخوّفكم به محمد! ـ فهذا هو وصف القرآن لشجرة الزقوم بأنها فتنة ، يعنى اختبار لتصديق المؤمنين ، ويصفها بأن طلعها ـ أى ثمرها كأنه رءوس الشياطين ، ونحن لا نعرف كيف هى رءوس الشياطين ، ولكننا نتصورها من وصف القرآن. واستبعاد الكفار لوجود شجرة كهذه ، جعل المنكرين يقولون إن بشاعة أوصاف النار ، وجمال أوصاف الجنة إنما لتجسيم العقاب والثواب ، وجعل ذلك بدوره الملاحدة فى وقتنا يحملون النار والجنة على المعاناة النفسية أو الانشراح النفسى لما كان من كل إنسان فى الدنيا من خير أو شر. وفى السورة أن كل إنسان ترجع خيريته أو شرّيته لنوع تربيته ، فلو لا أن وجد الضالون آباءهم على الضلال لما ضلّوا : (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ) (٧٠) ، إلا المؤمنين ، كانوا كذلك لأنهم مخلصون ، خلصوا من مؤثرات الشر ، ومن مورثاته فى الدم والجهاز العصبى والمخ. والأنبياء أئمة المخلصين الذى أخلصوا لمعتقداتهم. وتضرب السورة المثل بثمانية أو سبعة أنبياء ، تروى أطرافا مما جرى لهم ، تسلية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولأمّته ، وتحذيرا لمن كفر ، وهؤلاء السبعة هم : نوح ، وإبراهيم ، وإسماعيل الذبيح ، وموسى وهارون ـ وهم واحد

٦٣٨

بالاعتبار ، لأن رسالتهما كانت واحدة ـ وإلياس ، ولوط ، ويونس. ولمّا غرق قوم نوح لم يبق إلا ذريته ، والشائع أن أهل الأرض من ذرية نوح ، من أولاده الثلاثة : سام ، وحام ، ويافث. وإذا كان إبراهيم هو أبو الأنبياء ، فإن نوحا كان طوق النجاة للمؤمنين ، فالسلام عليه فى العالمين ، وكان إبراهيم من شيعته ، يعنى على منهجه وسنّته ، رغم أن بينهما نبيّين هما هود وصالح ، وسنين طويلة ، وتميّز إبراهيم بالقلب السليم ، وكان صاحب الشعار : (أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ) (٨٦) ، والإفك أسوأ الكذب ، تقبيحا على قومه أنهم فى شركهم على الباطل يعبدون أصناما ينحتونها ، وأرادوا تحريقه فجعلهم الله الأسفلين ، وذهب عنهم مغاضبا يقول : (إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ) (٩٩) ، فكان ولوط ابن أخيه أول المهاجرين من الأنبياء ، ووهبه الله غلاما أنجبه فى شيخوخته هو إسماعيل الذبيح ، لأنه بعد قصته معه فى مسألة الذبح ، قال تعالى : (بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (١١٢) ، فالبشارة بإسحاق كانت من بعد ، مكافأة لإبراهيم على تصديقه الرؤيا. وعند علماء التربية وعلم النفس فإن الأبناء أحد ثلاثة : إما إسماعيل بن إبراهيم : وقد انصاع لأبيه وقال له الجواب المشهور : (يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (١٠٢) ، فهو المطيع ، دمث الخلق ، الحليم ؛ وإمّا ابن نوح : وهو العاصى الكافر : قال له أبوه : (يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (٤٣) (هود) ، ووصفه الله تعالى بأقبح وصف لمّا ناداه نوح لينجّيه ، قال : (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) (٤٦) (هود) ؛ وإمّا ابن لقمان : المتلقّى عن أبيه الحكيم ، الواعى لوعظه ، والحافظ لحكمه ، كقوله تعالى : (وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (١٣) (لقمان). وإسماعيل هو أرفع الثلاثة شأنا ، ففداه ، الله بذبح عظيم ، قيل هو عظيم لأنه من الجنة ، وترك الله عليه فى الآخرين ، أى الذكر الحسن إلى يوم الدين ، وقال : (كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (١٠٥). ومن ذرية إسماعيل كان العرب ، ومن ذرية إسحاق كان الإسرائيليون ، فمن هؤلاء وهؤلاء كان مؤمنين ومشركين : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) (١١٣) ، وقيل : العرب هم الموصوفون بالإحسان ، وكانت منهم أمة الإسلام خير أمم الأرض طالما يتّقون الله ، وأمّا الإسرائيليون فهم الظلمة لأنفسهم ظلما بيّنا ، لأنهم قالوا زورا أنهم «أحباء الله» ، ففعلوا كل الموبقات ، وألّبوا الأمم على بعضها البعض ، وأشعلوا الحروب ، وفى الآية دليل على أن البرّ يلد الفاجر. وأما موسى وهارون

٦٣٩

فقد نجّاهما وقومهما من العبودية للفرعون ، ونصرهم فكانوا الغالبين ، وآتاهم التوراة البليغ فى بيانه ، قبل أن يحرّفوه ويكتبه من تأليفه عزير ، فسلام على موسى وهارون لأنهما كان من المؤمنين المحسنين. وكذلك إلياس بن ياسين ، من سبط هارون ، كان من المرسلين ، ودعا قومه لعبادة الله وترك عبادة البعل ، فكذّبوه إلا المخلصين ، فسلام عليه فى الآخرين. وكان لوط من المرسلين ، ونجّاه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. ويونس الذى هرب إلى البحر وركب السفينة ، وألقاه أصحابها منها لينجوا ، فالتقطه الحوت وهو الملوم ، فلو لا أنه كان من المسبّحين الذاكرين ، للبث فى بطن الحوت إلى يوم البعث ، ولكنه استغفر ربّه ، فنبذه الحوت بالعراء ، ونمت عليه شجرة يقطين تظله وتقيه الشمس ، وأرسل إلى قوم آمنوا به. فهل بعد هذه القصص يصرّون على الكفر ، وينسبون لله أن له ولدا ، وأن الملائكة بناته؟ فسبحان الله عما يصفون! وكانوا قبل القرآن يتمنون كتابا لهم كالتوراة والإنجيل ، فلما تنزّل عليهم القرآن كفروا به ، ولكن الله غالب على أمره ، وأنبياءه هم المنصورون ، وفى حالة نبيّنا ما عليه سوى الإعراض عن الكفّار إلى فترة ، ولينتظر يوم ينزل بهم العذاب ، ولسوف يبصرون عاقبة كفرهم ، وساء استعجالهم للعذاب. واختتمت السورة بالدعاء : (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (١٨٢) ، فلله الحمد والمنّة.

* * *

٦١٩. سورة ص

السورة مكية ، وآياتها ثمان وثمانون ، وكان نزولها بعد سورة القمر ، وترتيبها فى المصحف وفى التنزيل الثامنة والثلاثون ، وتسميتها بسورة ص حيث ص حرف من حروف الهجاء التى تتكون منها كلمات وعبارات القرآن المعجز ، ورغم أن حروف الهجاء معروفة للجميع ، إلا أنهم عجزوا أن يركّبوا منها ولو سورة من هذا القرآن المبين. ومثل ص الحروف المقطّعة «الم» ، و «المر» فى أوائل السور ، ومع ذلك فقد حاول البعض إيجاد تفسير للحرف ص فى أول السورة ، فقال : إنه قسم أقسم الله به ، وهو من أسمائه تعالى ، حيث يبدأ اسمه الصمد مثلا ، أو اسمه الصانع ، بالحرف ص. وقالوا : هو اسم من أسماء القرآن ، أو أنه فاتحة السورة ، ومما استأثر الله بعلمه ، والصحيح هو ما قلناه أولا. وقسمه تعالى بقوله : (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) (١) ، تنبيه لجلال قدر القرآن ، كقوله : (لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ) (١٠) (الأنبياء) أى شرفكم ، والقرآن شريف فى نفسه لإعجازه واشتماله على ما لا يشتمل عليه غيره ، أو أنه «ذو الذكر» لأنه يحفل بالمواعظ المذكّرة لهم بالله ،

٦٤٠

وجواب القسم محذوف تقديره : وإنه للحق من عند الله ، (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ) (٢): ، أى اختلفوا أنه حقّ من عند الله ، فما كفروا به لخلل وجدوه فيه ، وإنما كان كفرهم استكبارا عن الحق ، وخلافا لله ولرسوله ، كقوله تعالى : (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) (٢٠٦) (البقرة) ، والعزة : هى الغلبة والقهر ، والآية وعيد لأهل مكة على كفرهم واستكبارهم كما كان من سبقهم ، وكم أهلك الله منهم حتى تنادوا يستغيثون ويتوبون ، (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) (٣) كما تقول السورة ، يعنى ما كان هذا وقت الاستغاثة أو التوبة ، فقد مضى ذلك وانتهى ، وقيل : ونادوا حين لا مناص ، أى ساعة لا منجى ولا فوت. والسورة تنبّه إلى أن هذا هو الشأن دائما مع المنكرين ، فالخلاف يدبّ بينهم إزاء الدين ، ويموتون كفارا ثم يكون العذاب فيستغيثون ، وربما العذاب فى الدنيا والآخرة ، وقد يكون عذابهم رفضهم لدعاوى الدين ، أن الداعين للدين منهم ، وأن دعاواهم كأنها السحر لإعجازها ، فاتهموهم بأنهم مشعوذون وكذّابون ، وكذلك اتهموا نبيّنا الكريم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتتضارب دفوع المنكرين ، فبعضهم قد يرى أن الطبيعة هكذا صنعت ولا إله لها ، وبعضهم قد يرى أن التطور هو الغالب ، وأن الصّدفة هى الخالق ، وقد يرى البعض أن للطبيعة قوى مختلفة ، وكل قوة منها كالإله ، وأنها جميعا تصنع الحياة ، وبناء على ذلك قد يرفضون دعوة التوحيد ، ويعجب هؤلاء من منطق التوحيد ، فكيف تجتمع الكثرة فى الواحد؟ والكثرة بينها تعارض ، والواحد ضد التعارض ، وإذن فالقول بإله واحد هو قول لا يستقيم. وصدقت قريش أنهم ما سمعوا فى ملّة أخرى أن الله واحد ، فاليهود قلّما قالوا أن الله واحد ، وعبدوا آلهة الأمم الأخرى ، وادّعوا أنهم أحباب الله ، وأنه لا يحاسبهم ، بل ولم يذكروا فى كتبهم شيئا عن حساب أو عقاب ، فالحساب والثواب والعقاب فى الدنيا ، بما يكون من حياة كريمة للبعض ، وسيئة للبعض ، والدنيا للغالب ، والصفوة هم الغالبون ؛ والنصارى قالوا إن المسيح ابن الله ، وألّفوا لذلك تأليفات يفلسفون بها كفرهم ، فقالوا بالتثليث ، وتوّهوا الناس فى معانى الأب والابن وروح القدس ، ودعوا لعبادة المسيح ، وسمّوا مسيحيين ، فكان كفرهم كفرا على كفر ، وكانت قريش على حق لمّا وصفوا دعوة محمد بأنها الأولى من نوعها ، واعتبروا ما يقول فلسفة واختلافا. وحجّتهم فى رفض النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه بشر مثلهم ، فلما ذا اختير دونهم وهو ليس أشرفهم ولا أجدرهم؟ فلمّا شكّكوا فيه شكّكوا فيما جاء به من القرآن ، ليس عن علم ، بل لمجرد أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد جاء به ، وكأنهم المختصون بإقرار نبوة هذا النبىّ ، ورفض نبوة ذاك ، وكأنهم الموكلون منه تعالى بأمر الكون والناس والرسالات ، وكأنهم جند لشىء ليس هو الله بالتأكيد : (جُنْدٌ ما هُنالِكَ

٦٤١

مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ) (١١) ، أى جنّدوا أنفسهم وتحزّبوا ضد الله ، فعمّا قليل يهزمون بإذن الله ويولون الأدبار. وتضرب السورة المثل بما عانى الرسل من قبل نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، من وجوه التكذيب برسالاتهم ، فليس نبيّنا بدعا بينهم ، وإنما جميعهم كذّبوا ، ومنهم نبيّنا ، وكان قوم نوح كأهل مكة ، كما كان فرعون صاحب الأهرامات الشامخة كالجبال ، والثابتة فى الأرض وكأنها الأوتاد ، كأبى جهل ، عنادا وكفرا ؛ وثمود ، وقوم لوط ، وقوم شعيب أصحاب الأيكة ، أى البساتين المشجرة ، شكّلوا جماعات متحزّبة ضد رسلهم ، فاستحقوا عقابه تعالى لهم ، وما أمر أهل مكة إلا صيحة واحدة ـ أى نفخة فى النفير ، فتزهق أرواحهم ، وما لهم من عواقب الصيحة فواق ، أى أنها تأخذهم أخذا فلا يفيقون منها. وكما ضرب الله المثل لنبيّه بهؤلاء الأقوام الكفرة ، ضرب له المثل بغيرهم ممن راعوا حقوق الله وعاشوا الحياة الدنيا كما ينبغى ، وهؤلاء هم أنبياء الله ، كداود ، وسليمان ، وإبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، وإسماعيل ، واليسع ، وذى الكفل ؛ والأوّلان ـ داود وسليمان ، كانا ملكين نبيين ، وكان داود ملكا مشهودا له بالقوة ، وكثيرا ما كان يزلّ ، إلا أنه سرعان ما يرجع إلى الله ويستغفر ويتوب ، فوهبه الله علما ، وزاده قوة ، وكان بارع فى التراتيل والتسابيح ، ويحب أن ينشد الأناشيد فى مدح الله والثناء عليه ، وطلب العفو منه ، ويسأله العزة والمنعة ، فإذا انشد اختار أن يكون إنشاده وسط الطبيعة ، وعلى قمم الجبال ، فتردد الجبال إنشاده فى الليل والنهار ، وحتى الطير كان يحب إنشاده ، ويجتمع له ينصت ويعجب. وأضفى الله على داود المهابة يشدّ بها ملكه ، وآتاه الحكمة ، فكان إنشاده من وحى الله هو ما يعرف الآن باسم «مزامير داود» ، وهى «الزبور» فى القرآن ، وعباراته متينة بيّنة. وتقصّ السورة نبأ الخصمين اللذين تسوّرا المحراب للقاء داود ليقضى بينهما ، مما أوردناه ضمن «باب قصص القرآن» ، وما كان لداود أن يظلم وهو المعيّن خليفة من قبل الله ليحكم بين الناس بالحق ولا يتّبع نزواته وشهواته فتضله عن سبيل الله ، وويل لكل مفسد فى الأرض ، والحياة لم يخلقها الله عبثا بلا غاية ، ولكنها ابتلاء وامتحان ، ولا يستوى المتّقون والفجّار ، ولا الأخيار والأشرار. وما كان سليمان إلا كأبيه ، ذرية بعضها من بعض ، فكان يزلّ كأبيه ولكنه يستغفر ويتوب ، وأتاه الله الملك والنبوة ، وكانت له حكايات وخبرات وممارسات كاد يفتن فيها ونجّاه الله ، مثل قصته مع خيله التى نسى الصلاة بسببها ، فتخلص منها حتى لا يتكرر معه ذلك ، وكثيرا ما ينتصر حبّه للدنيا على حبه لله ، ودعا لنفسه فما استطاع أن يتخلص من حب الدنيا مطلقا ، وما كان يصلح أن يكون زاهدا ، فهو ملك رسول ، وكان دعاؤه المشهور : (قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ

٦٤٢

(٣٥)) فسخّر له الريح والشياطين ، وملّكه عليهم ، وهذا هو عطاؤه تعالى له ، وكانت له الزلفى ـ أى القربة عنده تعالى فى الدنيا ، وله فى الآخرة حسن الثواب. وداود وسليمان من الأوّابين ـ أى الراجعين إلى الله بالتوبة ، يعنى أنه كانت بهما هنات ، ومثلهما كان أيوب ، قيل أخطأ فى حقّ الله فعوقب بأن نزعت عنه نعم المال والعيال والصحة ، ولكنه صبر ثمانى عشرة سنة ، حتى أعاده الله تعالى إلى حظيرة رضاه ، لمّا تضرّع له ودعاه ، فآتاه أهله ومثل عددهم ، وأعاد إليه ماله وأتباعه ، وعوّضه خيرا عن عياله ، فكانت قصته عظة لغيره ، وكان صبره مضرب الأمثال (انظر قصته فى باب قصص القرآن). وكذلك كان إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، أنبياء وأئمة ، وأعطاهم الله خير الدنيا والآخرة ، فقال فيهم : (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ) (٤٧) ، يعنى أنهم كانوا أهل بصيرة وحكمة ، وكانوا أولى بأس وقوة ، فقوتهم هى قوة الحكمة ، وحكمتهم هى حكمة القوة ، فعاشوا فى الدنيا ولم ينسوا الآخرة ، وأخذوا من الدنيا ما يؤهلهم للآخرة ، واصطفاهم ربّهم ليكونوا نموذجا للناس يقتدى ، واصطفاؤهم نتيجة لأعمالهم فى مجال الخير ، فلأنهم أخيار كانوا المصطفين ، لا كما يقول اليهود اليوم أنهم مصطفون ، سواء كانوا أخيارا أو أشرارا ـ فهذا هو عهد الله لهم ، بئس ما يقولون. ومن الأخيار أيضا كان إسماعيل واليسع وذو الكفل ، فأمّا إسماعيل فهو الذبيح الذى كانت قصته مع أبيه أساس الحج عند المسلمين ، فشعائر الحج كلها مبنية على هذه القصة ؛ وأما اليسع فقيل هو الخضر ؛ وذو الكفل قيل لم يكن نبيا ولكنه تكفّل بأمر من أمور الأنبياء وقام به فسمّى هكذا. وهؤلاء الأنبياء يذكرون فى الدنيا ولهم فى الآخرة الجزاء الأوفى ، جنات عدن مفتّحة الأبواب ، وعدن هى الإقامة ، فهى جنات الإقامة الدائمة والحياة الخالدة ؛ بينما للطاغين شرّ مآب ، أى شرّ المنقلب ، ونقيضه حسن المآب للمتّقين. وما كان لمحمد منذرا وداعيا إلى الله ، وأنه لا إله إلا الله الواحد القهّار ، وما كان تنزّل القرآن عليه إلا نبأ عظيما وحادثة فريدة لم يتجاوبوا معها ، وما كان محمد له العلم بالملإ الأعلى ـ أى الملائكة ، وإنما رسول يوحى إليه ، وما كان بوسعه أن يلمّ بما حدث من إبليس حين خلق الله آدم ، لو لا ما يوحى الله له به من الأخبار والقصص ، واستكبر إبليس أن يسجد لآدم ، بدعوى أنه من نار وآدم من طين ، فكيف يسجد الفاضل للمفضول ، فاستحق اللعن ، وأن يطرد من الجنة مرجوما ، قال إبليس : (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (٨٣) فكان جوابه تعالى ـ وهو الحق ولا يقول إلا الحق ، أنه سيملأ جهنم من الشيطان ومن أتباعه ، وما كان بلاغ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأهل مكة بالقرآن لكى يتقاضى منهم أجرا عليه ، ولا

٦٤٣

كان من المنتحلين للدعوات حتى يتقوّل القرآن ، ولسوف يعاينون ذلك قريبا ، وفى ذلك وعيد وتهديد ، قيل سيعاينونه عند الموت ، فعند الموت يكون الخبر اليقين. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٢٠. سورة الزمر

السورة مكية ، نزلت بعد سبأ ، وآياتها خمس وسبعون ، وترتيبها فى المصحف التاسعة والثلاثون ، وفى التنزيل التاسعة والخمسون ، وسمّيت «الزمر» لقوله تعالى فيها : (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً) (٧١) ، ولقوله : (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً) (٧٣) ، باعتبار انقسام الناس يوم القيامة إلى جماعات ، يدخلون الجنة أو النار أفواجا ، زمرة وراء زمرة ، أى جماعة بعد جماعة ، فإما أنهم من الأشقياء أو من السعداء.

والسورة تتحدث عن يوم القيامة باستفاضة ، وتقدّم الدليل إثر الدليل على وجود الله ، وأنه واحد لا شريك له ، وسيد الأدلة وأولها جميعا هو هذا القرآن المعجزة الكبرى ، والدائمة والباقية ما بقيت الدنيا ، وهذا الرسول الذى أنزل عليه القرآن ، فقام بما فيه ، وبلّغ بمضمونه وعلّمه الناس : كقوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ) (٣) فالقرآن كتاب فى الحق وليس الباطل ، ولتعريف الناس بالله وصفاته ، وأن يعبدوه وحده مخلصين له الدين ، وفى الحديث : «والذى نفسى محمد بيده ، لا يقبل الله شيئا شورك فيه ،» ثم تلا : (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ). والآية دليل على وجوب النية فى كل عمل ، وتنبّه إلى أن التقرّب بالأولياء شرك بالله ، ومثل ذلك الذين يجعلون مع الله ولدا سبحانه ، بزعم أنه شفيع لهم عنده ، ويقرّبهم منه منزلة ، ولو أراد الله أن يسمى أحدا من خلقه ابنا أو وليا ، ما أوكل بهم هذه المهمة ، ولجعلها لنفسه ، وهو تعالى المستغنى عن الصاحبة والولد ، وإن يكفر الناس فهو الغنى عنهم ، ولكنه لا يرضى لعباده الكفر ، وإنما طلب إليهم أن يقرّوا بفضله ، ويفردوه بالتوحيد ، وأن يشكروا له نعمه فى الكون وفى أنفسهم ، فيثيبهم ، كقوله : (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (٧) (إبراهيم) ، والموحّد ليس كالمشرك ، ولا العابد كاللاهى ، ولا الشاكر كالجاحد ، ولا العالم كالجاهل ، والمسلم الحقّ لسان حاله : (إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ) (١٢) ، وعلّم الله نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ذلك وأمره أن يقول : (اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي) (١٤) ، وفارق بين من يعبد الله

٦٤٤

وبين من يعبد الطاغوت ، أى الأوثان والأصنام ، أو الشيطان ، وكانوا قديما يتعبّدونها ، وهم الآن يتعبّدون الأبطال والزعماء ، وعقائد الأحزاب ، والمذاهب ، فأن ننخرط فى حزب ، أو نعتقد فى زعيم ، لدرجة أن ننسى الدين ونعمل ضد تعاليمه ، فذلك هو الطاغوت ، وقول الدين هو أحسن القول ، ولا يستوى من يشرح الله صدره للإسلام ، ويجعله له نورا يمشى به فى الناس ، كمن مثله فى الظلمات ليس يخرج منها ، وقد جمد قلبه لا يلين لذكر ربّه ، ولا يخشع ، ولا يعى ، ولا يفهم. والقرآن أنزله الله وفيه أحسن الحديث : (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ) (٢٣) ، والمتشابه بمعنى أن بعضه يشبه بعضه ، ويردّ بعضه إلى بعضه ، ويصادق على كثير مما قال الأنبياء قبل نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم : كعيسى ، وموسى ، وإبراهيم ، وإسحاق ويعقوب ، وإسماعيل ، ونوح ، وصالح ، وهود ... إلخ ، يتلوه المؤمن أو ينصت لقراءته فيخشع قلبه ويلين ، ويخر ساجدا باكيا ، ووصفه تعالى للقرآن بأنه حديث ، كقوله : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (٥٠) (المرسلات) ، وقوله : (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ) (٥٩) (النجم) ، وقوله : (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً) (٨٧) (النساء) ، وقوله : (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ) (٤٤) (القلم) ، وقد ظن به البعض أن الحديث فى هذه الآيات من الحدوث ، بمعنى أن كلام الله محدث ، كما فى الآية : (ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) (٢) (الأنبياء) ، فالذكر هو المحدث ، أى الأحداث والوقائع التى يتحدث فيها القرآن ، وإنما كلام الله تعالى ليس بمحدّث ، لأنه صفة لذاته تعالى.

ويحفل القرآن بالأمثال يضربها الله تعالى للناس ، لنفعهم وليرجعوا إليها كلما احتاجوها فى أمور حياتهم ودنياهم ، وفيما يتزوّدون به لآخرتهم ، لقوله تعالى : (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) (٣٨) (الأنعام) أى ما قصّرنا فى شىء ، وجعله الله تعالى عربى اللغة والطابع ، لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه ، ولا تعارض ولا تناقض ، ولا لبس فيه ولا لحن ، فمن يؤمن به فقد اتّعظ واعتبر ، ومن لا يشرك بربّه فقد اتّقى ، ولا يستوى المؤمّن الموحّد مع المشرك الذى يعبد آلهة شتى ، ومثلهما مثل الرجل الذى منه شركاء متشاكسون ، والرجل السليم لرجل لا يشاركه فيه أحد ، هل يستويان؟ والمثل حجّة عليهم ، وما أقصر العمر أن يمضوه فى المنازعات ومحاولة الإقناع ، وفى البحث عن الحجج لإثبات حقائق بدهية ، وعمّا قليل يموت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما يموتون ، فلا معنى أن يتمنوا له الموت من دونهم ، والخصومة لن تتوقف بموته ، بل ستمتد إلى يوم الدين ، فيفصل فيها أحكم الحاكمين ، ومن أظلم ممن يكذب على الله ، وينسب إليه شركاء وأولادا ، ومن يكذّب بالقرآن من غير تدبّر ولا تأمّل ، وإنه لأظلم من كل ظالم ؛ وأما الذين يجيئون بالصدق ـ

٦٤٥

وهم الأنبياء ، والذين يصدّقون به ـ وهم المؤمنون ، فأولئك هم المتقون الموصوفون بصفات التقوى الحميدة ، وهم المحسنون الذى يستحقون الإحسان والإكرام ، والله تعالى يكفى عباده ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من شرّ من يريدهم بسوء ، والذين يكفرون يعملون على مكانتهم ـ أى طريقتهم من المكر والكيد والخداع ، والذين يؤمنون يعملون على طريقتهم من الدعوة إلى الله وإظهار دينه. وهذا القرآن المعجز فى بيانه نزل بالحق الساطع فى برهانه ، لكل الناس ولجميع الخلق ، فمن اهتدى فلنفسه ، ومن ضلّ فإنما يضل عليها. وللناس فى المنامات آية ، وكما يبعثون من النوم ، فكذلك يبعثون من الموت يوم القيامة. والنوم وفاة صغرى ، والله يتوفى النفوس كاملة فى الموت ، ولا يتوفاها كاملة فى النوم ، ومن استطاع بعثها بعد النوم يستطيع ذلك بعد الموت ، فالنوم دليل من أدلة وجود الله تعالى وصدق البعث ، غير أن هؤلاء المشركين لا يؤمنون بالله ، ويقولون بشركاء معه ، اعتقادا منهم بأنهم شفعاؤهم ، وهم لا يملكون من الله شيئا ، فلا شفاعة إلا لله وحده ، والتوحيد ليس فى صالحهم ، وفى الشرك فوائد ومصالح لهم ، ولهذا فكلما ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم ، وانقبضت نفوسهم ، وما ينجيهم من عذاب الآخرة كل ما يملكون من مال ومثله معه ؛ والإنسان مفطور على المسكنة إذا مسّه الضّر ، فحينئذ يدعو الله ، فإذا رفع عنه الضّر وآتاه نعمة ، استكبر وادّعى أن ما أعطاه إنما كان على علم منه ، فأمر هذا وأصحابه فى الآخرة المذلة والخسران ، وللمؤمنين الإنابة والتوبة ، فلا قنوط من رحمة الله مهما كان إسراف العبد فى الخطايا ، وأولى به أن يتّبع القرآن من قبل أن يأتى يوم القيامة فتسوّد الوجوه ، وأما الذين اتّقوا فينجيهم بفوزهم بالجنة ، لا يمسهم السوء ، فهل إذا أمروا فى الدنيا أن يعبدوا غير الله ، هل ينكصون؟ لا ريب أن من يدعون إلى غير الله جاهلون ، فلا عبادة للمؤمن لغير الله ، ولا شكر إلا شكره لله أن هداه. وتختتم السورة بمشهد يوم القيامة ، تصويرا لجلال الله وعظمته ، ولأنهم لم يقدروه حقّ قدره ، فالأرض فى قبضته ، والسموات مطويات بيمينه ، سبحانه وتعالى عما يشركون ، وينفخ فى الصور نفخة الصعق فيموت كل الأحياء ، إلا من شاء الله من الملائكة ، ثم تكون نفخة الإحياء ، فإذا من كانوا قد ماتوا يقومون يتطلعون فيما حولهم ، وتضيء الأرض بنور الله ، وتستحضر الصحائف للحساب ، ويجاء بالنبيين ليشهدوا على أممهم ، ويقضى بين الناس بالحق ، ويجازى كل إنسان بما عمل ، وهو سبحانه أعلم بما كانوا يفعلون ، وما ثمة حاجة له إلى كتاب ، وإنما هو لإلزامهم الحجة ، ويساق الذين كفروا جماعات إلى جهنم ، فإذا بلغوها فتحت لهم أبوابها ، وسألهم خزنتها : ألم تكن لكم رسل من البشر يتلون عليكم آيات الله ، وينذرونكم؟ ويدخلونهم جهنم

٦٤٦

مثواهم ، ومحل إقامتهم الدائم ؛ وأما المؤمنون المتّقون فإنهم يرشدون إلى الجنة جماعات ، فتفتح لهم أبوابها ، ويسلّم عليهم خزنتها ، ويدعون لهم بطيب الإقامة ، ويبشرونهم بالخلود ، ويحمد هؤلاء لله الذى صدقهم وعده ، وأورثهم الجنة يتبوءون منها حيث شاءوا فنعم أجر العاملين. وغير بعيد يرون عرش الله تعالى ، والملائكة يحيطون به من كل جانب ، يسبّحون لله ويمجّدونه ، وقد ساد السلام ، واستتبّ العدل ، وأقيم الميزان ، فصار لسان حال الجميع : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٧٥) ، ينطق بها كل الكون ، فلم تنسب لقائل ، فدلّ على أن الكل يشهدون بها. فلله الحمد والمنّة.

* * *

٦٢١. سورة غافر

السورة مكية ، وتسمى «غافر» ، و «الطّول» ، للآية فيها فى وصف الله تعالى (غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (٣) ، وأصل الطول الإنعام والفضل ، ومنه قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً) (٢٥) (النساء) أى : غنى وسعة. وهو «ذو الطول» يعنى أنه المستغنى إذا لم تقل : «لا إله إلا الله» ، وهو «شديد العقاب» عدلا لمن لم يقل : «لا إله إلا الله» وقيل : «ذى الطول» يعنى «ذى المنّ» ؛ وقيل : «ذى التفضل» ، والفرق بين المنّ والتفضّل : أن المنّ عفو عن ذنب ، والتفضّل إحسان غير مستحق. وقيل : الطّول مأخوذ من الطّول ، كأنه طال بإنعامه على غيره ، أو لأنه طالت مدة إنعامه. وتسمى السورة أيضا «سورة المؤمن» ، لاشتمالها على قصة «المؤمن من آل فرعون فى قوله تعالى : (وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ) (٢٨) ؛ وهى من السور الحواميم ، أى التى تبدأ بالحرفين المقطّعين «حم» ، وعددها سبع سور ، أولها سورة غافر. وحم (١) ، ون (١) ، والر (١) وغيرها تبدأ بها بعض سور القرآن ، باعتبارها حروف الهجاء التى تصنع الكلمات التى هى وحدات بناء آيات كتاب الله المقروء ، أى القرآن ، كمقابل للعناصر الفيزيائية التى تصنع الكائنات التى هى وحدات بناء آيات كتاب الله المرئى والمشاهد والمحسوس ، أى الكون. وقيل : «حم» اسم من أسماء الله ، أو اسم من أسماء القرآن ؛ وقيل : إن الحروف المقطّعة كلها فى الحواميم وفى غيرها هى فواتح للسور ؛ وقيل : الحاء فى «حم» افتتاح أسمائه : حميد ، وحنّان ، وحليم ، وحكيم ، والميم : افتتاح اسمه : ملك ، ومجيد ، ومنّان ، ومتكبّر ، ومصوّر. ولمّا سئل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما حم فإنّا لا نعرفها فى لساننا؟ قال : «بدء أسماء وفواتح سور». وقيل : حم كأنها حمّ أى قضى ووقع ما هو كائن ، والمعنى قرب نصره لأوليائه وانتقامه من أعدائه.

وقيل : سورة «غافر» مكية ، إلا الآيتين السادسة والخمسين والسابعة والخمسين فإنهما

٦٤٧

مدنيتان ، وهما : (إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (٥٧) ، ومن قال أنهما مدنيتان اعتمد فى ذلك على ما فى الآية الأولى من «الجدل» ، باعتبار أن الجدل كان من اليهود ، غير أن ما جاء عن الجدل فى السور المكية أكثر منه فى السور المدنية. ولم يحدث أن جادل اليهود فى الله وإنما جدالهم فى الشريعة وفيما حولها ، وأما الذين جادلوا فى الله فهم كفّار مكة ، ولذا فإن السورة جميعها فى اعتقادنا مكية ، على عكس ما يذهب إليه الكثير من المفسرين. والجدل فى الله وفى التوحيد ، كان موضوع كفار مكة وميّز كل السور المكية عن السور المدنية.

وسورة غافر نزلت بعد سورة الزمر ، وترتيبها فى المصحف الأربعون ، وفى التنزيل الستون ، وآياتها خمس وثمانون آية ، وموضوعها الصراع بين الحق والباطل ، وبين الهدى والضلال ، وتبدأ السورة بتأكيد أن القرآن نزل من عند الله ، وأنه تعالى العزيز العليم ، فمن صفاته تعالى يناسب هذه السورة هاتان الصفتان : أنه تعالى عزيز لا ينال منه أحد ، وعليم يعلم ما تخفى الصدور ، وكل ما يأتى فى السورة من حوادث إنما تحكمها هاتان الصفتان من صفات الله تعالى ، ومع عزته ومنعته وعلمه بما يجرى ، فإنه تعالى غافر يغفر الذنوب ، وتوّاب يقبل التوبة ، وشديد العقاب يطول من لا يؤمن به وحده لا شريك له. وتنبّه السورة إلى أن من يجادلون فى القرآن هم أهل الباطل ، وأصحاب النار ، وهم المترفون يتقلبون فى النعم ، وقبلهم كذب قوم نوح ، وكذبت أمم وأقوام بعد قوم نوح ، وهؤلاء من يسميهم القرآن بمصطلحه : (وَالْأَحْزابُ) (٥) ، هموا أن يأخذوا أنبياءهم ، وجادلوا بالباطل ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر عليم ، وحقّت عليهم كلمة الله (أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ) (٦). وتقارن السورة بينهم وبين «أصحاب الجنة» يستغفر لهم حملة العرش ، ويدعون ربّهم : (رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٩) ، و (جَنَّاتِ عَدْنٍ) من مصطلحات القرآن ، وهى جنات النعيم والإقامة ، وعلى عكس ذلك حال الكافرين يناديهم الملائكة أن الله تعالى يبغضهم أكثر من بغضهم لأنفسهم ، لأنه دعاهم إلى الإيمان فكفروا ، فلما صاروا إلى النار دعوا الله أنه تعالى أماتهم اثنتين ، وأحياهم اثنتين ، فذلك يطمعهم أن تكون لهم حياة ثالثة ينزلون فيها إلى الدنيا ، ويصلحون هذه المرة. والموتتان : الأولى كانت وهم فى العدم ، والثانية كانت وهم فى الدنيا ،

٦٤٨

والحياتان : الأولى فى الدنيا ، والثانية بعد البعث. ولقد كفروا فى الحياة الأولى برغم كل الدلائل على وجود الله ، وعلى وحدانيته ، وعلى البعث والحساب والثواب والجزاء ، وأنّى للكافر أن يتّعظ ويتوب؟! مع أنه تعالى يرعاهم خير الرعاية ، ويرزقهم خير الرزق! وأما المؤمن الشاكر فذلك الذى يدعوه مخلصا له دينه ، وهو الله أولا وأخيرا ، له الدرجات الرفيعة ، والعرش العظيم ؛ وهو ينزل وحيه على من يشاء من عباده ويرسله ينذر يوم التلاق : وهو اسم ليوم القيامة ، سمّى كذلك لأن الناس فيه يلتقون ويبرزون ، لا يخفى على الله منهم أحد ، وله حينئذ الملك ، وهو الواحد القهّار ، لا يشاركه أحد فى ملكه ، وهو قهّار لأنه عزيز كما جاء فى أول السورة ، ويقهر بالغلبة كل ما سواه. واسم يوم القيامة أيضا : يوم الآزفة من أزف الوقت يعنى قد حان ، والآزفة هى الساعة قد دنت ، وحينئذ يقضى الله تعالى بالحق ، فهل يقضى به من يدعون دونه؟ ودلائل وجوده وقدرته تحفل بها الأرض ، وكم من الأمم والأقوام كانوا أكثر قوة ولهم الآثار الجليّ ، فما كان لهم من الله من واق. وتضرب السورة المثل للكفّار بموسى وقوم فرعون ، فلما عتى قوم فرعون ، أرسل لهم موسى ، واحتمى فرعون من سلطان موسى بقومه ، وانتحى الطغاة : فرعون وهامان وقارون ، والأول من دهاقين أهل السياسة وطواغيتهم ، والثانى من دهاقين الحرب ، والثالث من دهاقين المال والاقتصاد ، وبات الأمر سجالا بين الطرفين ، طرف موسى يمثّل الحقّ ، وطرف فرعون وهامان وقارون ، وبدا كأن كفة هؤلاء الطغاة الدهاقين هى الراجحة ، وبدا كأن السورة قد شحنت بالعنف والشدّة ، وكأننا قد صرنا فى معركة ، الطعان فيها سجال ، وأن الأمر وإن طال فحتما سيسفر عن نتيجة معروفة مقدما ، تنتصر فيها السياسة والعسكرية والمال ، إلا أن الله كان مع موسى الداعى له ، وأسفرت المعركة عن مصارع الطغاة. وتدخل رجل مؤمن ، يريد أن ينتصر لموسى ، ويهدى قومه ، ودفاع المؤمن كان خير دفاع عن قضية الحق ، ونجّى الله موسى وقومه ، وغرق آل فرعون فهم فى النار ، يعرضون عليها غدوا وعشيا إلى يوم الساعة ، وفيه الناس فريقان ، ففريق فى النار ، وفريق فى الجنة ، والأولون هم المستكبرون ، والآخرون هم المستضعفون ، وتخلص السورة إلى أن الجدل فى الله يردى أصحابه ، ويخاطب الله نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يترك الجدل ، وينحّيه جانبا ، وأن يصرف عنه أصحابه ، وأن يكونوا على اليقين بأن كل البراهين تثبت وجوده وقدرته تعالى ، وهو الله الخالق الذى لا إله إلا هو ، قرّ الأرض ، وبنى السماء ، وصوّر الناس ، ورزق الطيبات ، فتبارك الله. وتختتم السورة بالأمر للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وللمؤمنين بالصبر ، فإن وعد الله حق ، وكل الأنبياء لاقوا العنت ، وصبروا. وليست قصة موسى ، ولا مؤمن آل فرعون إلا

٦٤٩

نموذجا من القصص ، بعضها يقصّه الله على نبيّه ضمن القرآن ، وبعضها لم يقصه. وتختتم السورة كما بدأت ، ببيان مصارع المكذّبين ، وصدق الله فى قوله عن نفسه أنه تعالى : (غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (٣) ، فكل من كذّب وفرح بما عنده من العلم سيحيق به حتما ما كان به يستهزئ ، ولمّا يرى العذاب فعندئذ سيؤمن ، فما ينفعه إيمانه لمّا رأى عذاب الله ، وهذه سنّة الله فى عباده ، والكافرون هم الخاسرون.

وفى السورة من المصطلحات : أن «حملة العرش» هم المستغفرون للناس ، وهم أشراف الملائكة ؛ و «العرش» هو الكون كله والوجود بأسره ؛ وفى قوله تعالى : (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (١٤) أن من شرط الدعاء الإخلاص فيه ؛ و «يوم الآزفة» ، و «يوم التلاق» ، و «يوم التناد» من أسماء يوم القيامة ؛ وفى السورة أن الجدل نوعان : جدل بالباطل يقال له «الجدال» ، وجدل بالحق وهو «الحجاج» ، نسأل الله الهداية ، وأن يتقبّل منّا ، وله الحمد والمنّة.

* * *

٦٢٢. سورة فصّلت

السورة مكية ، وآياتها أربع وخمسون آية ، وترتيبها فى المصحف الواحدة والأربعون ، وفى التنزيل الواحدة والستون ، وكان نزولها بعد سورة غافر ، واسمها «فصّلت» بسبب ابتدائها بالآية : (فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٣) ، ومعنى «فصّلت» بيّنت ووضّحت ، فتميز بها الحلال من الحرام ، والحق من الباطل ، تقول : فصّل الكلام أى بيّنه ، ضد أجمله ؛ والآيات فى السورة مفصّلة ، وعكس ذلك أن تكون مجملة ، والدلائل فيها موضّحة لقدرته تعالى ووحدانيته ، وتستفتح بالحرفين المقطّعين حم ، تنبيها إلى أن القرآن مؤلّف من الحروف الأبجدية العربية ، وهى حروف معروفة للجميع ، ومع ذلك لم يستطع أحدهم أن يركّب منها آية واحدة ، دليلا على إعجاز القرآن ، وأن منزّله هو الله تعالى ، وأن مبلّغه لا بد أن يكون نبيّا. والسورة إحدى سور سبع تبدأ بالحرفين حم ، أولا غافر ، ثم فصّلت ، فالشورى ، فالزخرف ، فالدخان ، فالجاثية ، فالأحقاف. وتنزّلها (مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (٢) تقريرا لهذه الحقيقة ، أنه لو لا رحمة ربّك ما تنزّل القرآن بالكلية ، وهو الكتاب المفصّل الآيات ، والعربى اللغة ، الذى جاء قوما يعلمون هذه اللغة واشتهروا بها ، ومع علمهم بها فقد عجزوا عن مثله ، ولو كان القرآن غير عربى لما علموه. والسورة تقريع وتوبيخ وتحدّ لقريش فى إعجاز القرآن ، فقد أعرضوا عنه وادّعوا ثلاثة ادعاءات : أن

٦٥٠

قلوبهم فى أكنّة ، يعنى لا تتأثر بشيء ؛ وآذانهم فيها وقر ، يعنى لا يسمعونه ؛ وبينهم وبين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يتلوه عليهم ـ حجاب فلا يرونه ، ولا يدرون به. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشر مثلهم ، ولقد آمن مع ذلك ، ولأنهم بشر فكان يتوقع أن يتعاطفوا معه ، وما ينقله إليهم هو وحىّ من الله ، وما يقوله لهم ليس إلا كلاما طيبا لا يستفيد هو به ، وفائدته عليهم إذا آمنوا ، ورسالته إليهم أن هذا الكون له إله ، وأنه واحد ، فليستقيموا وليتوجّهوا إليه ، وليستغفروه ، والويل للمشركين ، وأمّا من آمن وعمل صالحا فلهم أجر غير مقطوع ولا محسوب. والعجيب أن يكون كفرهم بالله خالق الأرض فى يومين ، والذى قدّر أقواتها فى يومين ، وقضى السموات السبع فى يومين ، وكان الأحرى بهم أن يخشونه ، لأنه قادر أن يدمرهم تدميرا ، مثلما فعل بعاد وثمود ، فعاد أهلكهم بريح صرصر فى أيام نحسات ، لأنهم استكبروا فى الأرض واستعلوا على الناس ، وجحدوا بآيات الله ؛ وثمود استحبّوا العمى على الهدى ، فأخذتهم الصاعقة بعذاب مهين ، ونجّى الله المؤمنين. والذين يكفرون يحشرون يوم القيامة إلى النار ، ويوزعون ويدفعون ، لأنهم أعداء الله ، وتشهد عليهم جلودهم وسمعهم وأبصارهم بما كانوا يعملون ، وبما كانوا يستترون من الله ، وكان لهم فى الدنيا القرناء يزينون لهم الشر ، ودأبوا عليه حتى استحقوا النار مثوى لهم ، لا محيص لهم عنها ، ولا هم يستعتبون ويسترضون. وكانوا لا يسمعون للقرآن ، ويحضّون الآخرين على عدم السماع لتلاوته ، وأن يلغوا فيه بالتشويش ، ويوم القيامة يتمنون لو يضعوا أيديهم على قرنائهم ليدوسوا عليهم ويجعلوهم تحت أقدامهم سافلين. وأمّا الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا فلهم الجنة والله وليّهم فى الدنيا والآخرة ، ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وإلى الإسلام وعمل صالحا ، ولا تستوى الكلمة الحسنة من الداعية والكلمة السيئة من الكافر ، والداعية عليه أن يدفع بأحسن الكلام ، والدفع به هو منهج القرآن ، وهو السبيل لإنهاء العداوة واكتساب محبة الناس ، وهذا المنهج وتلك الطريقة لا يتقنها ولا يحسنها إلا من تدرّب عليها وصبر ، وإذا صارت له فهى من حظّه العظيم ، وإذا الداعية وسوس إليه الشيطان ليوقعه فى مكايده فليستعذ بالله. ومن آياته تعالى أن خلق الليل والنهار والشمس والقمر ، والشمس والقمر آيتان لا يتعبّد لهما وإنما التعبّد لله خالقهما. والمتكبّرون كإبليس يرفضون الإسلام لأن فيه السجود لله ، وهم لا يريدون السجود ، والله مستغن عنهم ، وله الملائكة فى السموات يسبّحون بالليل والنهار ولا يسأمون. وهذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فهو عزيز ، أعزّه الله ، ويمتنع على الناس أن يقولوا مثله ، وأن يحرّفوه ويبدّلوه ، وما كان الرسول بدعا بين الرسل ، وما قيل له من الرفض والجحود ،

٦٥١

قيل مثله من قبل لمن سبقوه من الرسل ، وهذا القرآن تنزّل باللسان العربى وليس بالأعجمى ، ولو قد تنزل بلغة غير عربية لطلبوا أن يكون بالعربية ؛ وليس فيه باطل ، وهداه هو الهدى ، وفيه شفاء لقلوب الناس وعقولهم من الشك. ومثلما عابوا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم القرآن عابوا على موسى التوراة ، واختلفوا فيه ولو لا أن الله قد سبق منه الحكم بإمهال الكافرين لعجّل لهم بالعذاب ، إلا أن وقت العذاب هو الساعة ، وعلمها عنده ، ومن يعمل صالحا فلنفسه ، ومن يعمل السيئة فعليها ، ويوم القيامة يضلّ عنهم ما كانوا يدعون قبلا ، ويعلمون أنه لا محيص من النار ، وسيظل الله يطلع الناس كل يوم على الجديد من الكشوف فى الكون وفى أنفسهم ، كعلامة على وجوده وقدرته ووحدانيته ، إلى أن يتبيّن لهم أنه الحق أو تكون الساعة ، وهو تعالى يكفى عباده الأدلة والعلامات ، وسيشهد عليهم ، ولكنهم فى شك من لقاء الله ، وهو تعالى المحيط بكل شىء علما وقدرة ، وهو المحصى والمطّلع على كل شىء. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٢٣. سورة الشورى

السورة مكية ، نزلت بعد سورة فصّلت ، وآياتها ثلاث وخمسون آية ، وترتيبها فى المصحف الثانية والأربعون ، وفى التنزيل الثانية والستون ؛ وقيل من آياتها أربع آيات نزلت فى المدينة ، هى : ٢٣ و ٢٤ و ٢٥ و ٢٧ ؛ واسمها الشورى من قوله تعالى فيها : (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ) (٣٨) ، فكانت للشورى مكانة كبيرة فى الإسلام ، فلا يبرم المسلمون أمرا من مهام الدنيا والدين إلا بعد المشورة ، ويأخذون بها ، فكانت الآية تعليما للمسلمين أن يقيموا حياتهم على منهج الشورى ، فلا يستأثر بعضهم بالحكم دون الآخرين ، وما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد الحلول والطرق ، وأمر النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالشورى ، قال تعالى : (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (١٥٩) (آل عمران) ، وتشاور الصحابة فى الخلافة ، وفى أمر أهل الردة ، وفى الزواج والطلاق والميراث ، وفى حدّ الخمر وعدده ، وفى الحروب. وتبدأ سورة الشورى بالحروف المقطعة (حم (١) عسق) (٢) ، فكانت إحدى سور سبع تبدأ بالحرفين «حم» ، وكانت الوحيدة التى قطع بين (حم) (١) (عسق) (٢) ، على خلاف سورة مريم التى بدأت بالحروف المقطعة (كهيعص) (١). غير مفصولة عن بعضها البعض. والحروف المعجمة فى القرآن التى تبدأ بها بعض السور واحدة فى معناها ، فهى إشارة إلى إعجاز القرآن ، وأنه مؤلف من هذه الحروف التى يتقنها الجميع ، ومع ذلك لم يفلح واحد أن يأتى بآية مؤلّفة من هذه الحروف كآيات القرآن ، والله تعالى يقسم بها كما يقسم بآيات الكون ، وجواب القسم أن هذا القرآن المؤلّف من هذه الحروف هو وحىّ من الله العزيز الحكيم إلى

٦٥٢

إلى نبيّه الكريم ، وتنزّلت عليه قرآنا ، ولم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بدعا بين الرسل أن أوحى الله إليه ، فقد أوحى إلى رسل آخرين من قبله ، وهذا القرآن لسانه عربى لأنه مرسل إلى العرب ، ولينذر به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أم القرى مكة وما حولها ، بأن يوم القيامة ـ يوم الجمع ـ لا ريب فيه ، وأن الناس فى ذلك اليوم فريقان : فريق فى الجنة ، وفريق فى السعير ـ أى جهنم ؛ ولو شاء الله لجعل الناس جميعا على دين واحد ، وما يختلفون فيه مردّه لله الذى ليس كمثله شىء ، وليس كذاته ذات ، ولا كاسمه اسم ، ولا كفعله فعل ، ولا كصفته صفة ؛ ودينه تعالى المشرّع للناس هو ما وصّى به نوحا ، ومحمدا ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى : أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه. فمن كان من الناس يريد حرث الآخرة يزد الله له فى حرثه ، أى يوفّقه للعبادة ويسهّلها عليه ، ومن كان يريد حرث الدنيا يؤته منها وما له فى الآخرة من نصيب ، وحرث الدنيا هو المال. ويوم القيامة يشفق الظالمون مما كسبوا ، ويدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات روضات الجنات ، لهم ما يشاءون عند ربّهم. وما محمد إلا رسول ، ولم يسأل الناس أجرا على إبلاغه لرسالته ، وما كان يرجو منهم إلا (الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (٣) ، وأن يراعوا قرابتهم به فيصدّقوه ، وينتهوا عن القول بأنه افترى القرآن على الله ، ولو افتراه لختم الله على قلبه فأنساه القرآن ، وسلبه من صدره ، كقوله تعالى : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ) (٤٦) (الحاقة). ولو بسط الله الرزق لعباده فى الأرض لبغوا ، وإنما ينزّل الأرزاق بقدر وحكمة ، وفى الحديث القدسى : إنّ من عبادى ما لا يصلحه إلا الغنى ، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه. وإن من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه». وما يصاب الناس من مصائب فى النفس والمال إلا بسبب معاصيهم ، وعبّر الله تعالى بالأيدى فقال : (فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (٣٠) لأن أكثر الأفعال تزاول بها ، وهو تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه ، ولو يؤاخذهم بكل ما كسبوا لهلكوا ، وفى الحديث : «ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء فى الدنيا فبما كسبت أيديكم ، والله أكرم من أن يثنّى عليكم العقوبة فى الآخرة ، وما عفا عنه فى الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه». ولمّا نزلت هذه الآية قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ، ولا نكبة حجر إلا بذنب ، وما يعفو الله عنه أكثر». ونظير ذلك قوله تعالى : (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) (النساء ١٢٣). وخيرات الدنيا كثيرة ، ومتعها لا حدّ لها ، وما يؤتى الناس من ذلك من غنى وسعة إنّ هو إلا لأيام وتنقضى ، وما عند الله هو الباقى ، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هم المؤمنون حقا ، وجزاؤهم الجنة ؛ والفواحش والكبائر بمعنى واحد ، وهى المعاصى ؛ وقيل كبائر الإثم هى الشرك ، والفواحش

٦٥٣

هى موجبات الحدود. وهؤلاء المستحقون للجنة : إذا غضبوا يغفرون ، ويستجيبون لله ، ويقيمون الصلاة ، ويتشاورون فيما بينهم ، وقيل هؤلاء هم الأنصار ؛ وإذا أصابهم البغى ينتصرون لأنفسهم من الباغى ، والسيئة يجازونها بالسيئة مثلها ، والعفو والصلح أفضل ؛ ولا سبيل على من ينتصر لنفسه ، وإنما السبيل على من يظلم ويبغى فى الأرض بغير الحق ؛ والصبر والعفو من عزائم الله وعزائم الصواب ؛ والخاسرون هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ؛ والظالمون فى العذاب المقيم ؛ والإنسان كفور ، فحين يذيقه الله منه رحمة يفرح بها ، وإن تصبه سيئة بما قدّمت يداه يقنط وييأس ؛ والله تعالى يخلق ما يشاء من الذكور والإناث ، وقد يهب للناس أيا منهما ، أو يزاوج بينهما ، أو لا يرزقهم شيئا ويجعلهم بلا عقب. ولكل أمة نبىّ ، وكل نبىّ يكلمه الله إما وحيا أو من وراء حجاب ، أو يرسل إليه رسولا فيوحى إليه ، وكذلك أوحى الله إلى نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأرسل إليه جبريل ، روحا من عنده تعالى ، وما كان نبيّنا يدرى قبل ذلك ما معنى كتاب ولا إيمان ، ولكن الفضل لله لمّا بعثه ، فعرّفه الكتاب وأنزله عليه ، وعلّمه الإيمان ، وفهّمه الأحكام والفرائض ، وجعله نورا وهدى للناس ، يهديهم إلى صراطه تعالى المستقيم ، أى القرآن والإسلام. وكل ما نعمل ونقول ينتهى مصيره إلى الله ، وإليه تصير الأمور جميعها فى الأرض وفى السماء. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٢٤. سورة الزخرف

السورة مكية ، وقيل إلا الآية ٨٩ فمدنية. والسورة نزلت بعد الشورى ، وآياتها تسع وثمانون آية ، وترتيبها فى المصحف الرابعة والخمسون ، وفى التنزيل الثالثة والستون ، وسميت سورة الزخرف لقوله تعالى فيها : (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) (٣٥) ، فوصف تعالى الدنيا وصفا رائعا ، فلولا أن يرغب الناس فى الكفر إذا رأوا الكافر فى سعة من الرزق ، فيصيروا أمة واحدة فى الكفر ، لخصّصت هذه الدنيا للكفّار ، ولجعلت لهم القصور المزخرفة المزدانة بأنواع النقوش والزينة ، وكانت سقوفها من الفضة ، ولها السلالم والمصاعد من الفضة ، يرتقون عليها ويصعدون ، ولجعلت لبيوتهم أبواب من فضة ، وسرر من فضة يتكئون عليها ويريحون ، ولجعلت لهم الزينة من نقوش الفضة والذهب ، إلا أن كل ذلك النعيم من متاع الدنيا الزائل ولا بقاء له ، لأن الدنيا نفسها إلى زوال. وتبدأ سورة الزخرف

٦٥٤

بالحرفين المقطّعين (حم) (١) ، تذكيرا بأن القرآن من حروف الأبجدية العادية ، ومع ذلك ظلت آياته معجزة. وسورة الزخرف من الحواميم ، أى السور التى تبدأ بهذين الحرفين حم ، وهى سبع سور. وتبدأ السورة بوصف القرآن ومكانته ، فقالت إنه قرآن عربى ، لأن من أنزل عليهم هم العرب ، ولسانهم عربى مبين ، فلعلهم لذلك يفهمونه ويعقلونه ويؤمنون به. وفى القرآن عموما يأتى أن القرآن عربى فى إحدى عشرة سورة ؛ وفى سورة الزخرف أن القرآن عربى ليتعقّله أهل العربية ، وهو كتاب مصون فى أم الكتاب ـ أى فى اللوح المحفوظ ، وهو كتاب علىّ حكيم ، أى عظيم القدر لما فيه من الحكمة البالغة ، ولإحكامه ، فلا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض ، كقوله : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) (٧٨) (الواقعة) ، وقوله : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ) (٢٢) (البروج) ، فهل هذا أفضل ، أم كان العرب يتركون دون ذكر ، ويضرب عن تذكيرهم صفحا ، ويسقطهم الله من حسابه ، فلا يعظهم بأى كتاب ، لأنهم أسرفوا فى التكذيب والعصيان؟ بل الأفضل أن يوعظوا ، ولو أن هذا القرآن ردّ لهلكوا ، ولكنه برحمته تعالى ظل يكرره عليهم مدة عشرين سنة ، ليهتدى به من يهتدى ، وتقوم به الحجة على من كتبت عليهم الشقاوة. ويقول الله تعالى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تسلية له : ما أكثر من أرسلوا من الأنبياء ، وما أكثر ما كذّبوا واستهزئ بهم ، وما كانت دعوتهم إلا إلى الله ، ولو سئلوا : من خالق السموات والأرض لقالوا الله ، ولأقرّوا له بالإيجاد ، ولكنهم عند ما عبدوا توجّهوا لغيره ، جهلا وسفها. وقدّم تعالى الدليل على صدق البعث ، فضرب المثل بالمطر ينزل على المكان الجدب فتنمو به النباتات فيضج بالحياة ، فكذلك النشور. ومع ذلك كفروا بالله ، وجعلوا مما خلق أولادا له ، فقالوا : الملائكة بنات الله ، فما أشدّ كفر الإنسان؟! وما أشدّ جهله حين يخص الله بالبنات ويجعل لنفسه البنين؟! مع أنه إذا بشّر بالأنثى اسودّ وجهه ، وكظم غيظه وغضبه ، وليس البنات كالبنين ، لأن البنت تربّى فى الحلية ـ أى الزينة ـ ولا تقوى على الجدل إذا قامت تدافع عن نفسها بالكلام ، والمعنى أن الأنثى ضعيفة لا تقوى على الانتصار لنفسها. وادّعوا أنهم ما عبدوا الملائكة إلا لأن الله شاء لهم ذلك ، فكيف يشاء أن تعبد الأصنام أو الملائكة؟ وما تكلموا الحق وإنما يخرصون ويكذبون. وادّعوا أنهم ما عبدوا إلا ما عبده آباؤهم ، وهذه حجة المترفين فى كل زمان ومكان : أنهم على ما كان عليه آباؤهم ، فهل لو جىء لهم بأهدى مما كان عليه آباؤهم ، هل كانوا سينبذونه ويرفضونه؟ ومثل هؤلاء كمثل قوم إبراهيم ، وكانوا يعبدون الأصنام ، فما صنع إبراهيم صنيعهم ، ولا قلّدهم ، وإنما تبرّأ مما عبدوا ، وأعلن أن الله إلهه ، وهو الذى فطره ، وجعل كلمة «لا إله إلا الله» هى

٦٥٥

الكلمة الباقية فى ذريته. وما كانت قريش ببعيدة عن ملّة إبراهيم ، وملل كل الأنبياء ، ولا جهلوا ما فعله بهم أقوامهم ، وقالت قريش لنبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثلما قال هؤلاء لأنبيائهم ، ورفضوا أن يتركوا عبادة الأوثان ، ووصفوا القرآن بأنه سحر ، وادّعوا أن النبىّ مسحور ، فلو لا نزّل هذا القرآن على رجل عظيم من مكة أو الطائف ، بدلا من أن ينزل على محمد هذا المغمور؟ وسبحان الله!؟ فهل أصبحت لهم الهيمنة حتى راحوا يوزّعون رحمة الله ، فيجعلون النبوة لهذا ويحجبونها عن ذاك؟! وإنما الله هو الذى له هذا الحق ، وهذه القدرة ، وهو الذى يرفع الناس درجات ليستعمل بعضهم بعضا ، ومن ينكر الله ويجحد الحقّ ، يجعل له الشيطان قرينا ، يصدّه عن السبيل ، ويزيّن له عمله ، ويحسب الذين صدّوا أنهم مهتدون ، فإذا كان يوم القيامة تمنّوا لو كان بينهم وبين القرين بعد ما بين المشرقين. ومثل ذلك كان مع موسى ، فلما أرسل إلى فرعون ضحك فرعون من آياته ، فأنزل الله به العذاب ، فجأر يستصرخ موسى ويقول : يا أيها الساحر ، بما لك عند ربّك من عهد السحر ، ادعه أن يرفع عنا العذاب فنهتدى! فلما رفع عنهم العذاب ما صدّقوا ، وكانوا كاذبين ، وقال فرعون : أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى ، وأنا أفضل من موسى هذا الزرىّ فى ثيابه؟ فلو لا أن يبرهن لنا على صدقه ويهدينا أسورة من ذهب ، أو يستصحب معه بعض الملائكة؟! واستخفّ فرعون قومه فأطاعوه على الكفر ، فانتقم الله منهم وأغرقهم أجمعين. ومريم أم عيسى ضربت مثلا آخر ، وابنها علم للساعة ، أى علامة على قربها ، لأن إحياءه للموتى دليل على الساعة وبعث الموتى ، أو أن نبيّنا لعلم للساعة ، بدليل قوله : «بعثت أنا والساعة كهاتين» وضمّ السبابة والوسطى وما دعاهم عيسى إلا إلى الله ، واختلف الناس عليه ، والويل للذين كذّبوا وافتروا عليه ما لم يقله ، وأما المؤمنون فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ولأنهم كانوا مسلمين أدخلوا الجنة ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، بينما الذين كفروا ينادون على مالك ـ خازن النار ، أن يميتهم ليستريحوا من العذاب!. ولقد جاءهم الله بالحق فكرهوه وعزفوا عنه ، وأبرموا أمرهم ضد الدعوة ، والله يسمع سرّهم ونجواهم. وفى دعوى النصارى أمر نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقول : لو كان للرحمن ولد لكان هو ـ محمد ـ أول العابدين له ، فسبحان ربّ العرش عمّا يصفون ، لا ولد له ولا صاحبة! ثم يقول ربّنا معرّفا بنفسه : وهو فى السماء إله ، وفى الأرض إله ، ويعبدونه فى السماء وفى الأرض ـ وهو الحكيم فى تدبيره ، والعليم بخلقه ، تبارك الله الخالق المالك المتصرف ، وعنده علم الساعة ، وإليه يرجع الأمر كله ، ومن يدعون من دونه لا شفاعة لهم عنده إلا من شهد بالحق. ويوم القيامة لئن سئل هؤلاء الذين

٦٥٦

ينكرون الله : من خلق ما يعبدون؟ لقالوا : الله! فلما ذا كان إذن عزوفهم عن عبادته تعالى والإقرار بألوهيته؟ وتختتم السورة الكريمة بشكوى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لربّه ، يقول : يا ربّ ، هؤلاء قوم لا يؤمنون ـ يقصد أهل مكة. ويعاندون ويتجبّرون! فيقول له ربّ العالمين : اعرض عنهم يا محمد وقل سلام ـ أى اصفح عنهم واتركهم لحال سبيلهم حتى القيامة ، فحينئذ سيعلمون. قيل هذا الكلام فى الصفح نسخته آية السيف وهو غير صحيح ، فكلاهما عن شىء مختلف ، والآية مع ذلك فيها وعيد وتهديد ، مثلما فيها تسلية لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٢٥. سورة الدخان

سورة مكّية ، وموضوعاتها لذلك هى الموضوعات المكّية ، ومنها : نزول القرآن من عنده تعالى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن الله تعالى إله واحد ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم رسوله إلى الناس ، وأن الآخرة حقّ ، وما فيها من بعث وثواب وعقاب وجنة ونار حقّ ؛ واختير للسورة اسم «الدخان» لأن الدخان من أهم وأبرز علامات أو أشراط الساعة : (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ) (١٠). والسورة نزلت بعد سورة الزخرف ، وآياتها تسع وخمسون آية ، وترتيبها فى المصحف الرابعة والأربعون ، وفى التنزيل الرابعة والستون. وهى خامسة السور السبع التى تبدأ بالحرفين المقطّعين حم ، وهى على الترتيب : غافر ، وفصّلت ، والشورى ، والزخرف ، ثم الدخان ، فالجاثية ، فالأحقاف ؛ وتبدأ بالقسم بالكتاب المبين وهو القرآن ، وليس كتاب أبين منه وأفصح فى معانيه ، وفى دعوته وأغراضه وألفاظه ، وتؤرّخ السورة لنزول القرآن فى «الليلة المباركة» ، «ليلة القدر» ، سلام هى حتى مطلع الفجر ، واسمها أيضا «ليلة البراءة» ، أى البراءة أو الإبراء من الذنوب ، والبراءة أيضا صكّ التثبّت بنزول القرآن بالأوامر والنواهى والأحكام إلخ ، وتسمى هذه الليلة أيضا لذلك «ليلة الصّك» ، والصّك هو الكتاب ، أى القرآن في تنزّله ، وبسبب القرآن كانت هذه الليلة خيرا من ألف شهر : تتنزّل الملائكة فيها ، بإذنه تعالى من كل أمر ، وفيها يفرق كل أمر حكيم ، ويقضى بالأرزاق ، وبالموت والحياة ، وبكل شىء بدءا من هذه الليلة إلى الليلة مثلها من قابل ، وكان نزول القرآن فى شهر رمضان : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (البقرة ١٨٥) ، وإذن فليلة القدر من ليالى شهر رمضان ، وكان الليل ميقات القرآن ، فمن قال أنها ليلة النصف من شعبان فقد كذب. وفى ليلة القدر أنزل القرآن كله من أمّ الكتاب إلى بيت العزة فى سماء الدنيا ، ثم تنزّل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى سائر الأيام والليالى ، نجما نجما ، بحسب اتفاق الأسباب ،

٦٥٧

فى ثلاث وعشرين سنة. وفى السورة أن كل من يؤمن بالقرآن ، يؤمن بالله ، وأنه تعالى ربّ السموات والأرض ، وربّ العالمين ، أى ربّ كل شىء وهو الذى لا إله إلا هو ، يحيى ويميت ، ومن يكفر به فذلك موعده الآخرة يوم العذاب الأليم ، ويوم تمتلئ السماء بالدخان ، ويغطى الأرض ، فلا يكاد يتنفّس الناس ، ويألمون أشد الألم ، وتسمّى السورة يوم القيامة : «يوم البطشة الكبرى» ، ومعنى أنها الكبرى : أن الدنيا فيها بطشات صغرى ، أى نكبات وعذابات ، وبطشة يوم القيامة أو عذاب هذا اليوم ـ هى أكبر البطشات ، ويوم القيامة إذن هو يوم العذاب الأكبر ، وفيه وعده تعالى : (إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) (١٦) ، والانتقام عقاب ، والنقمة من الانتقام ، والفرق بين النقمة والعقاب ، أن العقاب بعد المعصية ، لأنه من العاقبة ، أى يعقبها ، والنقمة قد تكون قبلها أو بعدها ، ولأنها البطشة الكبرى فهى العقاب النهائى أو الختامى ، ولو قال تعالى أنها العقاب ، فإن العقاب يقدّر ، وأما الانتقام فهو غير مقدّر ، رحمنا الله. وفى ذلك اليوم يصرخ الكافرون ويجأرون ويسترحمون ، وأنّى لهم من يرحمهم؟ والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد جاءهم فى الدنيا بكل بيان ، واسمه «المبيّن» لأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بيّن وشرح وفسّر ، وأنذر وبشّر ، ووعد وأوعد ، فلم يتّعظوا ، بل تولوا وقالوا ساخرين «معلّم مجنون»! أى أنه يريد أن يقف منهم موقف المعلّم ، ولكنه لا يعلمهم فى الحقيقة شيئا لأنه مجنون ، أى فاقد العقل. وتتوجه السورة بهذا الكلام لكفّار مكة ، وتنذرهم بقوله تعالى : (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ) (١٥) ، فهم فى عذاب الكفر ، ويكشفه الله قليلا طالما هم فى الدنيا ، ويمتّعهم قليلا ، ثم يكون العذاب الأكبر يوم الساعة ، يوم يعودون إليه ، ويبعثون بعد الموت. وتضرب السورة ثلاثة أمثال لأقوام من الماضى ، لعل كفار قريش يتّعظون ، وفى القصص مع الكفر تسلية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وللمؤمنين ، ورفع لروحهم المعنوية. وكانت أولى القصص عن قوم فرعون وبنى إسرائيل ، وفيها منى فرعون بالهزيمة ، ونجا بنو إسرائيل ؛ والقصة الأخرى مع الإيمان ، وهى القصة الثانية : وهى قصة عناد وكفر أهل مكة لمّا أنكروا البعث ، كقوله تعالى : (إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٣٦) ؛ والقصة الثالثة : هى قصة قوم تبّع والذين من قبلهم ، ذكرتها السورة عرضا ، وأطلقت على المنكرين أنهم كانوا مجرمين. وقصة فرعون وبنى إسرائيل هى القصة الرئيسية ، ورسالة موسى إلى فرعون أن يؤدّى إليه بنى إسرائيل ، وسمّاهم عباد الله ، وسمّى نفسه الرسول الأمين ، ووصف سلطانه من الله بأنه مبين ، ووعظ فرعون أن لا يعلو على الله وحذّره من الاستكبار ، وغلا فرعون وقضى فى موسى بالقتل ، فاستعاذ بالله أن يرجموه ، وأنذرهم

٦٥٨

أن يتنحّوا عنه ويعتزلوه ومن معه ، وأسرى ببنى إسرائيل ليلا ، وتبعهم فرعون وجنوده فكانوا من المغرقين ، والقصة تروى بأسلوب موجز ، ولمساته سريعة ، وبأقوى العبارات تأثيرا ، وأشد الألفاظ تلوينا ، كقوله : (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) (٢٤) ، والرهو هو المنفرج ، والعبارة حافلة بالصور رغم قلة كلماتها ؛ وقوله : (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ) (٢٧) ، وهو أسلوب تحسّر ؛ وقوله «كم فيه» للتكثير ؛ والمقام الكريم : هى المجالس والقصور ؛ وقوله : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ) (٢٩) ، هو قمة فى التمثيل والتخييل ، ومبالغة فى وجوب الجزع ، والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ، ولم يحزن عليهم أحد ، وهكذا حال المستقويين ، فلما ذا تفتقدهم الأرض وكانوا فيها مجرمين ومخرّبين؟ وإنما تبكى الأرض على من يعمّرها ، ويطهّرها بالسجود إلى الله وتكبيره ، وكل عبد مؤمن له من الأرض مصلّى ، وله مصعد عمل من السماء ، يبكيان عليه إذا مات وافتقدا صلاته وأعماله الصالحات ، وفى الحديث : «وما مات مؤمن فى غربة ، غائبا عن بواكيه (الذين يبكون عليه) ، إلا بكت عليه السماء والأرض ، ألا إنهما لا يبكيان على الكافر». ولقد صدق على قوم فرعون ثم أهل مكة من بعد ذلك قوله تعالى : (إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ) (١٥) ، وأهل مكة نزل بهم عذاب كعذاب الدخان ، وكان أحرى بهم أن يذكّرهم بعذاب قوم فرعون ، والله تعالى لمّا اختار هؤلاء وهؤلاء للرسالة ، اختارهم على علم على العالمين ، وعلمه تعالى أنهم سيعودون إلى الكفر رغم كل ما تنزّل من الآيات تقسرهم على الإيمان ، وأنكروا الآخرة والبعث ، وقالوا أنه لا موتة إلا الموتة الأولى ، وأنه لا حياة خارج هذا الزمان ، ولا بعث ولا نشور ، وكانوا أصحاب هذه الدعوة فى الفكر العالمى المعاصر ، سواء عن طريق ماركس والمذهب المادى ، أو عن طريق الوجوديين أمثال هيدجر ، وعبد الرحمن بدوى فى كتابه الزمان الوجودى ، أو عن طريق العلوم والبحوث النفسية بنظريات فرويد والتحليليين ، أو بدعوات العولمة التى يتزعمونها اليوم ؛ وكفّار قريش كانوا مثلهم ، وتحدّوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يأتيهم بآبائهم طالما أنهم أحياء عند ربّهم! وهذا المنطق عند اليهود ومفكريهم ، أو عند كفّار قريش ، أو عند الدهريين من أصحاب الفلسفات المادية ـ وكلهم من اليهود ـ تردّ عليه سورة الدخان ، وتنفى أن يكون الخلق بلا غاية ولا هدف ، وأن يكون عبثا وخلقا عشوائيا ، وأن يكون العيش فى الدنيا اتفاقا ، كقوله تعالى : (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٣٩) ، والمذهب الغائى هو دعوة القرآن ، والغائية يأنف منها اليهود ومن يذهبون مذهبهم ، وكان هايدجر

٦٥٩

والوجوديون لا غائيين ، وأعلن الدكتور عبد الرحمن بدوى أنه ضد الغائية ، وضد البرهان الغائى فى إثبات وجود الله ، وينذر الله تعالى اليهود وأتباعهم وأضرابهم بيوم الفصل ، أى اليوم الذى يفصل فيه فى كل هذه القضايا الفكرية الإيمانية ، يوم لا يغنى صاحب عن صاحبه شيئا ، إلا من رحم الله ، ومن رحمهم هم المؤمنون ، تشفع لهم أعمالهم عند ربّهم. وأما الكافرون ، فإن كفرهم صنو الكبرياء والاستعلاء والاستقواء ، ويوم القيامة يصبّ العذاب فوق رأس الكافر ويقال له استهزاء : ذق ، إنك أنت العزيز الكريم! وهذا جزاؤهم ، لأنهم كانوا ممترين ، يعنى شاكّين ، وهكذا كان قوم فرعون ، وأهل مكة الأولون. وأما المتّقون ـ وهم الصنف الثانى الذى ينقسم إليه الناس يوم القيامة ـ فهؤلاء مكانهم الجنة ، سمّاها المقام الأمين ـ أى المأمون ، ومن قبل سمّى قرى وديار مصر المقام الكريم ، لقوله فى العذاب مرة أنه العذاب الأليم ، جعله أليما يوم القيامة ، ثم يصبح العذاب المهين بعد الحساب ، ثم يتحوّل إلى عذاب الحميم ـ وهو نوعية خاصة من العذاب بالماء المغلى يصبّ فوق الرءوس. وعذاب «المستكبر العزيز الكريم» أنكى العذاب ، وطعامه من شجرة الزقوم ، تزقم الأنوف والأفواه بطعامها المنتن المرّ ، وهو «طعام الأثيم» ، والأثيم صفة مبالغة ، وهو المشرك الكثير الآثام. وشجرة الزقوم من أشجار الجحيم ، وتنبّت فى أصلها ـ أى أصل الجحيم ، كأنها رأس شيطان ، ويقال للزبانية اعتلوا هذا الأثيم إلى سواء الجحيم ، أى وسط الجحيم ـ وهو الأشد عذابا ، وعلى عكس ذلك المتقون : فعيشهم فى جنات وعيون ، ولباسهم السندس والإستبرق وهما الحرير الرقيق والسميك ، وطعامهم من كل فاكهة ، يدعون إليه آمنين ، ولا موت فى الجنة ولا جحيم ، فضلا من الله ، وذلك هو الفوز العظيم. وتختتم السورة بالعودة إلى القرآن كما بدأت بالقرآن ، وهو الكتاب العربيّ ، سهّله الله بلغة العرب ويخاطب به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لعل كفّار قريش يفهمون ويعون عظاته ودروسه ، فارتقب يا محمد إنهم مرتقبون ـ يعنى انتظر عليهم وانظرهم حتى حين ؛ وفى الآية وعد للرسول ، ووعيد للكافرين. وفى السورة الكثير من المصطلحات والعبارات البليغة والمبينة : فالسّير الذى ساره موسى ليلا ، هو سير الخائف الحذر يريد الاستتار بالظلام ، وسير الذى يريد اتقاء الحرّ والعطش ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسرى ويدلج (أى يسير أول الليل) ويترفق ويستعجل ، بحسب الحاجة والمصلحة ؛ والحور : جمع حوراء وهى البيضاء ؛ والعين : جمع عيناء وهى الواسعة العينين. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٢٦. سورة الجاثية

سورة مكية ، وقيل إلا الآية : (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ

٦٦٠

قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٤) نزلت فى المدينة بسبب أن رجلا من قريش كان قد شتم عمر بن الخطاب لمّا كان فى مكة ، فهمّ أن يبطش به ، قيل فنزلت الآية تحضّ على أن يغفر المؤمنون للذين لا يعتقدون فى الثواب والعقاب والبعث والحساب. «وأيام الله» : هى وقائعه بأعدائه ؛ وقوله «لا يرجون أيام الله» : أى لا يأملون أن ينالهم منها عذاب ، لدعواهم بأنهم إن ماتوا فقد انتهى الأمر ، وهى الموتة الأبدية ، ولا نشور بعدها ولا رجوع ، فمثلهم يغفر لهم فى الدنيا ويكفيهم عذاب الله على كفرهم ، وهل هناك عذاب أكبر من عذاب الكفر؟ فلا قيمة لأية إساءة أقل من الكفر ، لأن الكفر يعلو ويعظم على كل إساءة. والسؤال : فلما ذا تنزل هذه الآية فى المدينة عن حادث وقع فى مكة وطال عليه الأمد ـ فسورة الجاثية كانت السورة الخامسة والستين فى التنزيل المكّى ، وبين زمانها وزمان المدينة وقت طويل؟ وقيل : إنها نزلت فى عمر مع عبد الله بن أبىّ فى غزوة بنى المصطلق ، فإن المسلمين لمّا نزلوا على بئر يقال لها المريسيع ، أرسل عبد الله غلامه ليستقى ، فأبطأ عليه ، وادّعى أن خادما لعمر بن الخطاب قعد على البئر يستقى حتى ملأ قرب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقرب أبى بكر وعمر ، فقال عبد الله : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمّن كلبك يأكلك!! فبلغ عمر ما جرى ، وشتيمة عبد الله له ، فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه ليقتله ، فأنزل الله الآية. واعتراضنا على هذا السبب أيضا هو نفس الاعتراض السابق ، وليس معنى كلام عبد الله فى عمر وغلامه ، أنه لا يرجو أيام الله ، ولا صلة بين واقعة غلام عبد الله وغلام عمر وبين مضمون الآية ، والصحيح أن معنى الآية منسجم مع معنى السورة كلها ، وأن الآية مما نزل بمكة ضمن السورة ، وأنها ليست ضد اليهود ، ولا ضد المنافقين وهم الذين كانت الشكوى منهم فى المدينة ، وإنما هى ضد الكفرة ، وهؤلاء هم الذين لا يرجون أيام الله ، أى لا يعتقدون فى الآخرة ، ولا يرون أنهم محاسبون ، وليست لله أيام عندهم ، فأيامهم هى ملك أنفسهم. وسورة الجاثية ـ كما يوحى اسمها ـ عن يوم الحساب أصلا ، وهو اليوم الذى يجثو ، فيه الناس جميعا ينتظرون دورهم فى الحساب ، والجثو : هو الجلوس على الركب ، من قولك : جثا على ركبتيه يجثو وفى الحديث أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «كأنى أراكم بالكوم جاثين دون جهنم» ، والكوم هو ما يشبه التلّ ، وفى قوله تعالى : (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا) ، «وكتابها» هو كتاب أعمالها فى الدنيا لتجزى ما كانوا يعملون.

وسورة الجاثية نزلت بعد سورة الدخان ، وآياتها سبع وثلاثون آية ، وترتيبها فى المصحف الخامسة والأربعون ، وهى السادسة من السور السبع التى تبدأ بالحروف المقطّعة (حم) (١) ، وهى : غافر ، وفصّلت ، والشورى ، والزخرف ، والدخان ثم الجاثية ، وأخيرا

٦٦١

الأحقاف ، وتبدأ مثل الأحقاف بقوله تعالى : (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (٢) ، تنوّه بالقرآن أنه من عند الله تعالى ، وأنه ينبّه ثلاثة أصناف من الناس إلى آيات الله فى الكون ، وهؤلاء هم : المؤمنون ، والموقنون ، والعاقلون ؛ فالأولون : تلفتهم إلى آياته فى السموات والأرض ؛ والثانون : تلفتهم إلى آياته فى أنفسهم ، وكيف خلقوا ، وفى الكائنات كلها وكيف صنعها وأبدعها ؛ والصنف الثالث : تلفتهم إلى خلقه تعالى للزمان ، وكيف جعل منه الليل والنهار ، وإلى المطر وكيف أنزله من السماء فأحيا به الأرض بعد موتها ، وإلى الرياح وكيف يصرّفها ويغيّرها ويبدّلها ، فلمّا آمنوا به لتفكرهم فى آياته فى السماء والأرض ، كان تفكّرهم فى أنفسهم وفى الكائنات ، فأيقنوا بعد الإيمان ، فلما أيقنوا عقلوا ظواهر الكون الأخرى ، وفهموها ، ووعوا الدروس عنها. وهذه الآيات يتلوها القرآن بالحق ، فبأى حديث بعد القرآن ليقنعهم ليصدّقوا ويؤمنوا ويوقنوا ويعقلوا؟ وبعد القرآن لا حديث ولا برهان ، وكل من لا يقتنع بالقرآن فهو الأفّاك المنتحل للأعذار ، والأثيم هو المرتكب للإثم أى الذنب الكبير ، ومثله له العذاب الأليم فى الآخرة. ومصيبة هذا الأفاك أنه لا يقنع بالقرآن وكفى ، وإنما هو يستهزئ به ، فيتحول عذابه من العذاب الأليم إلى العذاب المهين ـ أى الذى يحط من شأنه ، ويهان به كما أهان القرآن ، وسواء هذا أو ذاك فمن ورائهم جهنم ، لا يغنى عنهم عذابها ما كسبوا من مال ، أو ما كان لهم من خدم وحشم وأتباع وأنصار وأولياء ، ولهم جميعا فى جهنم العذاب العظيم ، وهو عظيم لأنه يناسب عظمة إثمهم ، وحجم جرمهم ، وما كان لهم من قوة وسلطان. وهذا القرآن الذى لم يؤمنوا به ، واستهزءوا به ، هدى ونور ، ونجاة وغوث ، ومن يكفر به وبآياته لهم عذاب رجز أليم ، أى أبشع العذاب ، فهذه أربعة أنواع من العذاب ، لكل منهم شدّته ومناسبته وناسه وجرمه. وتعود الآيات إلى مشهد آخر من مشاهد تعداد آيات الكون تنبّه إليها آيات الكتاب ، فالبحر تجرى فيه الفلك بأمره تعالى ، سخّره للناس ، ويأكلون منه لحما طريا ، ويستخرجون حلية لهم من اللآلئ والأصداف لعلهم يشكرون ؛ والسماء سخّرها لهم ، وسخّر ما فى الأرض جميعا ، لعلهم يتفكّرون ، وفى قوله : (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (١٣) إعجاز علمى لا شك فيه ، لم يكن مفهوما قديما كما فى هذه الأيام التى فيها الطيران ومحطات الفضاء ، ودراسات النجوم والكواكب والشمس والقمر ، والاستفادة بالفضاء أكبر الفائدة فى المواصلات الفضائية واللاسلكية. والذى خلق ويسّر وسخّر وعلّم وأفاد بكل هذا هو الله ، أفبعد ذلك يكفرون؟ فإن عذّبهم فإنما بما كسبوا ، ومن عمل صالحا فلنفسه ، ومن أساء فعليها.

٦٦٢

وتضرب السورة المثل ببنى إسرائيل ، والأمثال فى القرآن لتسلية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين ، يعنى ليقارنوا بين الأحوال فى المثل وبين أحوالهم ، وليفهموا الحكمة ، ويعوا الدرس ، وبنو إسرائيل أعطاهم الله الكتاب ، وفقّههم فيه ، وآتاهم النبوة فتتابعت النبوة فيهم ، ورزقهم من الطيبات وفضّلهم على العالمين ، فكان منهم ملوك المال فى كافة العصور والأمصار ، وكانت لهم شروح وتفاسير على التوراة بيّنت لهم الأمر أكثر وأوضح وذلك بفضل الله ، إلا أنهم اختلفوا من بعد كل هذا العلم والفضل ، وظلموا أنفسهم ، وبغوا على بعضهم البعض ، وحرّفوا ، وعدّلوا ، وألّهوا أنفسهم بدلا من الله فتعبّدوا شعبهم وتركوا الله ، وصاروا فرقا وجماعات ، فالله يقضى بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه ، وأعظم ما اختلفوا فيه كان المسيح ، وهو منهم ، وكان من أنبيائهم ، والاختلاف بينهم وبين النصارى ، أن اليهود لا يعترفون بأن عيسى هو المسيح ، ولذلك فهم لا يزالون ينتظرون ظهور المسيح ، وآذوا عيسى وكثيرا غيره من الأنبياء ، منهم من قتلوه ، ومنهم من عذّبوه. ثم تتطرّق السورة إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الذى أعلمه الله عن كل ذلك ، وزوّده بالمنهج والطريق والشريعة ، وأمره أن يتّبع ما أنزل عليه ولا يتّبع أهواء الذين لا يعلمون ، ولا يسايرهم على ما يريدون ، ولن يغنى رضاهم عنه من الله شيئا ، وأهل الظلم أشياع وأتباع ، وأولياء وأنصار ، والله مع المتّقين. وتصف السورة القرآن وآياته بأنها بصائر للناس ، يعنى نور وهدى ورحمة للذين يوقنون ، ولا يستوى المجترحين للسيئات والذين آمنوا وعملوا الصالحات ، سواء فى محياهم أو فى مماتهم ، وقوله : (أَمْ حَسِبَ) (٢١) استفهام يفيد الإنكار ، والله تعالى هو الحق ، ولا يخلق إلا الحق ، وما خلق السموات والأرض والكون بأسره إلا بالحق ، ولذلك فلن تجزى عنده كل نفس إلا بما كسبت ، ولا ظلم عنده ، والله لا يهدى الظالمين ، ومن لا يهديه الله فلا هادى له ، والذى اتخذ إلهه هواه ، وعبد ما ترتاح إليه نفسه ، واتخذ ديانة لا تكاليف فيها ، وإلها لا يعاقبه على شىء ، واستمر فى غيّه رغم أنه يعلم أنه على الباطل ، فهذا الذى ختم الله على سمعه وأزاغ قلبه ، وأغشى بصره ، فلا يسمع ولا يدرك ، ولا يعقل ، ولا يرى ، ولا يبصر ، أفمثله يهتدى؟! وقوله تعالى : (أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (٢٣) سؤال فيه العقاب الكثير والتوبيخ. ومثل هذا الذى لا يهتدى تصدق عليه الآية : (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) (٢٤) ، وهى مقالة الملحدين ومن يقال لهم «الدهريون» : يدّعون أن الله لا يميتهم وإنما يميتهم الدهر ، أى العمر ، والزمن ، والليل والنهار ، وكلامهم بالظن وليس بالعلم ، وحجتهم داحضة لأنهم طلبوا أن يحضر لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم آباءهم إن كان صادقا ، وكان البعث حقّا! والله يحييهم يوم القيامة ويجمعهم للحساب ، وهو الملك

٦٦٣

القادر ، ويوم الحساب يخسر هؤلاء المبطلون جميعا ويوقنون الحق ، يوم يحاسبون حسابا عسيرا ، ويرفع كتابهم فيه كل ما عملوا ، والناس إزاء الحساب قسمان أو فئتان : الذين آمنوا وعملوا الصالحات فئة ، وهؤلاء فى رحمة الله ، وهم الفائزون ؛ والذين كفروا فئة أخرى ، وهؤلاء كان يستكبرون ، وكانوا قوما مجرمين ، أجرموا بإنكارهم للبعث وتشكيكهم فى الساعة ، ويوم القيامة تبدو لهم سيئات ما عملوا وقالوا ، ويحيق بهم ما كانوا به يستهزءون ، ولقد استهزءوا بآيات الله ، وغرّتهم الحياة الدنيا ، وفى الآخرة لهم النار لا يخرجون منها ولا هم يسترضون. وتختتم السورة بخير دعاء : (فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٣٧).

ومن مصطلحات السورة ، قوله تعالى : (نَسْتَنْسِخُ) (٢٩) ، ومنه الاستنساخ Cloning المستخدمة حاليا فى علم الجينات وعلم الأجنة ، وهو فى الآية بمعنى عمل نسخة أخرى ، فيستنسخ الملائكة أمّ الكتاب ، ليضاهوا ما به ، بعمل ابن آدم فى الدنيا ، فيجدونه طبق الأصل لا زيادة فيه ولا نقصان ، وكذلك الاستنساخ الحيوانى هو أن تنسخ من الحيوان نسخة مطابقة فى الشكل ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٢٧. سورة الأحقاف

سورة مكية ، إلا الآية : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠) ، والآية : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (١٥) ، والآية : (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ) (٣٥) ؛ وآياتها خمس وثلاثون ، وترتيبها فى المصحف السادسة والأربعون ، وفى التنزيل السادسة والستون ؛ واسمها «الأحقاف» من قوله تعالى : (وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ) (٢١) ، و «أخا عاد» المقصود به النبىّ هود ، وقومه هم «عاد» ، و «الأحقاف» موطنهم ، قيل : الأحقاف جمع حقف وهو الجبل من الرمل ؛ وقيل : كانوا حيا من اليمن ، أهل رمل ، مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشّجر.

والسورة تنقسم سبعة أقسام أو مشاهد تتناول صفات الله ، ونزول القرآن ، وأصحاب الجنة منذ أن كانوا فى بطون أمهاتهم ، وعلاقاتهم بوالديهم ، ثم قصة الذى قال لوالديه

٦٦٤

أف ، وأصحاب النار ، وقصة النبىّ هود مع قوم عاد لعل فيها موعظة لأهل مكة ، وقصة الجن مع القرآن ، وبعض البراهين لوجود الله وإثبات القدرة المطلقة له ، وتختتم بدعوة النبىّ إلى الصبر كما فعل الرسل من أولى العزم ، وبيان أن السورة بلاغ إلى من يهمه الأمر من الناس أجمعين : أن الهلاك الأبدى هو من نصيب الفاسقين.

والسورة من السور التى تبدأ بالحرفين المقطعين (حم) (١) ، وهى سبع سور ، وترتيبها بحسب النزول : غافر ، ثم فصلت ، ثم الشورى ، ثم الزخرف ، ثم الدخان ، ثم الجاثية ، ثم الأحقاف. وهذه الحروف المقطّعة من الإعجاز العلمى للقرآن ، لأن القرآن ليس سوى حروف ، ومنها الكلمات والعبارات التى تؤلّف آياته ، وكأن كتاب الله ككتاب الكون يستويان ، فكلاهما من عناصر من خلق الله. والسورة تبدأ قوية ، فيها التنبيه للغافل والتحذير للّاهى ، بأن هذا الكون بعظمته لا بد أنه لم يخلق عبثا ، وأنه ينبغى أن تكون له غاية ترسّمها خلقه ، وأن يكون له خالق خلقه بفكرة واحدة ، وأنه لا يمكن إلا أن يكون إلها قادرا عالما وواحدا لا شريك له. وهذا القرآن الذى يكون به هذا التنبيه والتحذير هو من لدن الله ، وليس سحرا كما يقولون ، وليس محمد ساحرا ، وما افتراه محمد من عنده ، ولم يكن بدعا من الرسل ، فهو ليس سوى متبع للوحى ، ودليل صدقه صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشهد به هذا الشاهد من بنى إسرائيل ـ قيل هو عبد الله بن سلام ، فليس القرآن سوى كتاب يصادق على ما سبقه من كتب ، ولقد سبقته التوراة ونزلت إماما يؤتمّ بها ، وكانت رحمة للناس بما طرحت من تشريعات تيسّر حياتهم ، والقرآن مثلها ، فلما ذا الإيمان بالتوراة والتكذيب بالقرآن؟ ويحفل القرآن بالوصايا كالتوراة ، وكلها خير وحق ، كالوصية بالوالدين ، أن يحسن إليهما الأبناء ، والسبب أنهما عانيا المشقة حتى ربياه ، فالأم حملت وأرضعت ثلاثين شهرا ، قاست فيها الأمرّين ، فلا أقل من أن يمتن الأبناء للأبوين ويحسنان رعايتهما ، وكل من يشتد عوده عليه واجب حيالهما ، فإذا بلغ الأربعين دعا لنفسه أن يقدره الله أن يشكره تعالى على نعمه عليه وعلى والديه ، وأن يعمل صالحا يرضاه ، وأن يصلح له فى ذريته. وتحديد سن الأربعين للتوبة والإقرار لله بالفضل ، والشكر له على نعمه ، والدعاء للوالدين والذرية ، من الإعجاز العلمى النفسى للقرآن ، فحسب علم الفسيولوجيا وعلم النفس التربوى ، وتقسيمات مراحل النمو ومراحل الحياة ، فإن سن الأربعين هى السن الفاصل ، وهى سن النضج العقلى ، كسن النضج البيولوجى فى الثانية عشرة عند بداية المراهقة ؛ والإنسان السوىّ ، بتعريف سورة الأحقاف : هو المؤمن المقر بالله وبوحدانيته ، والمستقيم على الإيمان ، والشاكر لله ، والممتن لوالديه ، أوصاه الله بهما فعمل بالوصية ، فذلك الذى

٦٦٥

يتقبل منه الله عمله بأفضل منه ، ويتجاوز عن سيئاته فى أصحاب الجنة ، وهذا وعده تعالى له وهو وعد صدق. وتضرب السورة المثل للعاق لوالديه وهما يدعوانه إلى الإيمان ، بقصة هذا الذى قبّح والديه وقال لهما أفّ لكما ، وهما يستغيثان الله منه ويقولان : ويلك ، آمن ، وإلا هلكت! فيستهزئ بهما ، ويسخّف دعوتهما إلى الله ، ويصف حكاياتهما عن القيامة والبعث والمعاد ، بأنها ليست إلا أساطير وخرافات من عصور قديمة. وقيل : إن عبد الرحمن بن أبى بكر هو المعنىّ بالولد العاق ، ودحضت عائشة هذه الفرية ، وردّتها إلى الذين افتروها من الأمويين والشيعة ، وعبد الرحمن كان صحابيا من كبار الصحابة ، وروى الحديث ، ولا يطعن فيه أنه أسلم متأخرا فلم يكن إلا كآخرين ، ولكنها رغبة البعض من أصحاب المصلحة فى الطعن فى أبى بكر ، وعائشة من خلال عبد الرحمن ، للتقليل من شأن أبى بكر وعائشة ، وشأن عبد الرحمن ، وكان عبد الرحمن من الرافضين لخلافة يزيد بن معاوية ، وسمّاها قيصرية وهرقلية ، أى وراثة الأبناء للملك عن الآباء ، كما كان الحال مع هؤلاء الملوك الجبابرة من القياصرة ، وليس كما نصّ الإسلام : أن يكون الحكم شورى. والقصة كما هى فى السورة عامة وليست خاصة ، وأمثال هؤلاء من الجاحدين لفضل الآباء ، والمنكرين لله ولنعمه كثيرون فى كل الأمم ، وهم الذين حقّ عليهم قول الله بأنهم أهل النار ، وضل سعيهم وخسروا آخرتهم ، وهم مراتب فى النار ، مثلما أصحاب الجنة مراتب ، وكلّ بحسب عمله. وتضرب السورة المثل بقوم عاد الذين أنذرهم نبيّهم هود بالأحقاف : ألا يعبدوا إلا الله ، وتحدّوه أن يأتيهم بالعذاب ، وكانوا قوما يجهلون ، فاستعجلوا العذاب ، وأتاهم فى السحاب ، رأوه معترض السماء ومتجها إليهم ، واستبشروا به أن يمطرهم ، فخاب أملهم ، وهبت ريح فيها عذاب أليم ، تدمّر كل شىء ، فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ، وكذلك يجزى الله المجرمين. والقصة لتخويف أهل مكة ، فلقد مكّن الله لقوم عاد كما مكّن لأهل مكة فما آمنوا مثلهم وجحدوا آياته. وجحدت قرى كقرى عاد وسبأ وثمود كانت حول مكة ، ودمرت مثلها ، وتكرر بها ما حدث لعاد ، وكانت دلائل وبراهين أخرى لأقوامها ولكنهم كانوا جاهلين ، وأصرّوا على طغيانهم وكفرهم ، فلم تنصرهم آلهتهم لمّا جاءهم العذاب ، فهلّا نصروهم لو كانوا صادقين؟! فذلك إفكهم وما كانوا يفترون. وقصة ثالثة ترويها السورة عن الجن ، وكانوا نفرا من نحو عشرة ، وافوا الرسول عند منصرفه من الطائف ، وكان يصلّى ويتهجّد بالقرآن ، فوقفوا ينصتون مذهولين ، وفى ذلك توبيخ لأهل مكة الذين كانوا بالقرآن يستهزءون ، فلما انتهى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من تلاوته آمنوا وانصرفوا إلى قومهم يبلّغون ، وقالوا فى القرآن إنه مصدّق لما قبله

٦٦٦

من التوراة ، ويهدى إلى الحقّ ، واستحثوهم إلى الإيمان ، ورهّبوهم بعد أن رغّبوهم. وتقيم السورة الدليل على البعث : أن من خلق أول مرة قادر على أن يحيى الموتى ، وتعرض لمشاهد من الآخرة ، يوم يعرض الكافرون على النار ويقال لهم : ما ذا تقولون الآن : أليس هذا بالحق؟ أكان ما قاله الله افتراء؟ أكان القرآن سحرا؟ وهل هذه النار سحر أيضا؟ فيومئذ يقرّون بالحق ، وكأن القرآن يوبّخهم على استهزائهم الذى كان منهم فى الدنيا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ورسالته. وتختتم السورة بأمره تعالى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أن يصبر كما صبر الرسل من أولى العزم ، ولا يستعجل لقومه العذاب بالدعاء عليهم ، وسيأتيهم فى حينه فى الآخرة ، ويومها يندمون أنهم ما لبثوا فى الدنيا إلا ساعة. وهذا القرآن هو بلاغ لكل الناس : العابدين والكافرين ، ولينذروا به ، ولن يهلك بسببه إلا الفاسقون الذين خرجوا عن أمر الله ، وسبحان الله العظيم.

وفى السورة الكثير من المصطلحات وأوجه البيان ، كقوله تعالى فى يوم القيامة أنه «الأجل المسمى» ؛ وقوله : «الأثارة من العلم» يعنى ضرب الرمل ، يخطون بالإصبع فى الأرض أو الرمل ثم يزجر ، وعرّفوا الأثارة من العلم بأنه الخط الذى كان يخطه «الحازى» ، وهو العرّاف أو الكاهن ، ولم يبق الإسلام مما كان يسمى عند القدماء علوم الغيب ـ وتسمى حاليا علوم الباراسيكولوجيا ـ أى علم النفس الغيبى ، ومنها الطّيرة ، والزجر ، والفأل ، والرؤيا ؛ وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا) (٣٠) (فصلت) ، الاستقامة هى أن لا يلتفتوا إلى إله غيره ، وأن يستقيموا على الطريقة لطاعته ، وعلى أمره ، وعلى شهادة أن لا إله إلا الله حتى مماتهم ؛ وقوله : (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها) (٢٠) ، أى أضعتموها ، وهذه الآية من الآيات التى تؤسس للاشتراكية الإسلامية ، وكذلك الآية : (وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (١٩) ، وفيها يحكى جابر : أن أهله اشتهوا اللحم ، فاشتراه لهم ، فمر بعمر بن الخطاب ، فسأله : ما هذا يا جابر؟ فأخبره جابر ، فقال عمر : أو كلما اشتهى أحدكم شيئا جعله فى بطنه؟! أما يخشى أن يكون من أهل هذه الآية : (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا) ، يقصد عمر أن ينبهه إلى أن العادة قد تتمكّن منه ، فإذا لم يقدر على شراء اللحم يوما تسهل الشبهات فى تحصيله ، فيقع فى الحرام المحض بغلبة العادة واستشراء الهوى ، وانتصار النفس الأمّارة بالسوء ، فأخذ عمر الأمر من أوله ، وحماه من ابتدائه ، فكان من الاشتراكيين المؤسسين لاشتراكية الإسلام ـ بلغة هذا العصر ، وقانون الاشتراكية عند عمر أخلاقى : فعلى كل امرئ أن يأكل وينفق ما وجد طيبا وزهيدا ، ولا يتكلف الطيب الزهيد ويتخذه عادة ؛ وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشبع إذا وجد ، ويصبر إذا

٦٦٧

عدم ، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها ، ويشرب العسل إذا اتفق له ، ويأكل اللحم إذا تيسر ، ولا يعتمد أصلا ، ولا يجعله ديدنا. والحمد لله ربّ العالمين ، أن جعلنا على الإسلام ، وجعل لنا القرآن كتابا.

* * *

٦٢٨. سورة محمد

السورة مدنية ، إلّا الآية الثالثة عشرة التى تقول : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ) (١٣) ، نزلت فى الطريق أثناء الهجرة ، فقد جعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ينظر إلى البيت الحرام وهو يبكى ، فنزلت عليه الآية. وكان نزول سورة محمد عموما بعد «سورة الحديد» ، وآياتها ثمان وثلاثون آية ، وترتيبها فى المصحف السابعة والأربعون ، وفى التنزيل المدنى التاسعة ، وفى التنزيل عامة الخامسة والتسعون ، وسمّيت «سورة محمد» لأنها تتناول ما نزّل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم مما كان ينكره عليه المنكرون ، والسورة بمثابة «إعلان حرب» : على الكافرين ، والمنافقين ، والناكصين عن القتال ، ودعاة المسالمة ، والمهرولين إلى الصلح ، والبخلاء بالمال فى سبيل الله. وتبدأ السورة بداية غير معهودة ، فتذكر أول ما تذكر : (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ) (١) ، تندّد بأهل مكة لكفرهم وصدّهم عن دين الله ، فلمّا ذكرتهم ذكرت بالمقارنة إليهم الذين آمنوا بالله وبما أنزّل على محمد ، والناس إزاء الدين فريقان : فريق المؤمنين : وهم أهل الحق ، كفّر الله عنهم سيئاتهم ، وأصلح لهم دنياهم وآخرتهم ؛ وفريق الكافرين : وهم أهل الباطل ، والله يضرب الأمثال للناس بهؤلاء وهؤلاء. ومنهج الإسلام مع أهل الكفر إذا وقعت الحرب بين المسلمين والكفّار ـ وهى واقعة إلى يوم الدين ، لأنهم الذين يوقدونها دائما ، ويزيدون أوراها ، يريدون أن يطفئوا نور الله ـ أن يقاتل المسلمون بشراسة ويثخنوا القتل فى الكافرين كلما استطاعوا ، ومن يستسلم من الكافرين أسرا فليشدّ وثاقه حتى لا يفلت ، فإذا وضعت الحرب أوزارها ، فإما يطلق سراح الجرحى والمدنيين ومن لا يحسنون القتال ، وإما يفدون ، والأمر فى ذلك موكول بأصحاب القرار السياسى ، وليعلم المسلمون أن الحرب ابتلاء ، وأن الله يعدهم أن لا يضل أعمال من يقتل فى سبيله ، وسيجزيهم أحسن الجزاء ، ويصلح آخرتهم ، ويدخلهم الجنة ، عرّفها لهم ؛ ثم تخاطب السورة المؤمنين بقصد إثارة حميتهم ورفع معنوياتهم : أنّ شرطه تعالى معهم : أن ينصروه فينصرهم ويثبّت أقدامهم ؛ وأما الذين كفروا فالويل لهم ، ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم. وتنبّه السورة إلى غرابة كفرهم ، بعد ما يشاهدونه من آثار فى الأرض تعلمهم بما كان من أمر من

٦٦٨

قبلهم من الأمم التى كفرت بربّها ، والله حتما ينصر المؤمنين وهو مولاهم ، والكافرون لا مولى لهم ، ويدخل المؤمنين الجنة ، والكافرين النار ، وفى السورة أن علامة الكفر : أن الكافرين مطمئنون بكفرهم ، ويستمتعون بحياتهم ، ويأكلون ويعيشون كالأنعام ـ أى كالحيوانات ، وتخاطب السورة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأمّة الإسلام ، تسلّيهم وتطمئنهم ، وتشدّ أزرهم ، فلم تكن مكة أول قرية تخرج نبيّها ، فكم من القرى قبلها كانت أشد قوة من قريته وأهلكها الله ، وليس المؤمن كالكافر ، ولا محمد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كأبى جهل الضال ، وليست الجنة التى وعد المتقون كالنار. وتتحدث السورة عن فئة ثالثة هى فئة المنافقين ، وعلامة هؤلاء أنهم يستمعون للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فإذا خرجوا من عنده شككوا الناس فيما قال ، ونقلوا ما قاله لليهود أسيادهم. وتقارن السورة بينهم ، وبين فئة المصدّقين الذين هداهم الله. وتكثر هذه المقارنات فى سورة محمد ، ثم يكون الاستفهام الإنكارى : (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ...) (١٨) ، يتوعدهم الله تعالى بها ولم يستعدوا لها ، فكيف لهم بالنجاة منها ، ومما كانوا يأتون من المنكرات ، عند ما تلح عليهم ذكرياتها؟! وفى الآية : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهُ) (١٩) ، الخطاب للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقول له : فاذكر أن لا إله إلا الله كما أعلمك ، وجاء بعدها (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (١٩) تأمره بالعمل بعد العلم ، واستغفاره صلى‌الله‌عليه‌وسلم لذنبه برجاء أن يعصمه من الذنب ، وأن لا يقع منه ذنب ، وأن يثبّته على التوحيد والإخلاص ، وفى قوله تعالى : (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) (١٩) : أن يشملهم الاستغفار ، أى يكون استغفارا للأمة كلها ، فأوجبت الآية استغفار الواحد للكل ، واستغفاره صلى‌الله‌عليه‌وسلم للجميع ، وهذا تصريح منه تعالى لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالشفاعة ، وكان المؤمنون المخلصون يدعون أن ينزّل القرآن على نبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم دائما تعليما لهم وتطمينا ، وليجدوا فيه الجهاد فى سبيل الله ، فكلما نزلت سورة تذكّر بالجهاد يتضرر المنافقون ، ويتولّاهم الخوف ، وكان الأولى بهم لو أنهم أطاعوا وقالوا حسنا ، فإذا وقع القتال تقاعسوا وأبدوا الكراهية أن يقاتلوا ، وتعللوا ليقعدوا عنه ، ولو لم يكونوا منافقين لكان بلاؤهم ومصيرهم أفضل ، فكيف لو تولى هؤلاء أمر الحكم فى الأمة كما يطمعون؟ أفلا يفسدون فيها بالمعاصى وبتقطيع الأرحام؟! فلا غرو أن يلعنهم الله ويعمى أبصارهم. وإنه لأمر قد يحيّر البعض فى طريقة تفكير هؤلاء المنافقين ، فهذا القرآن فيه الهدى ، أفلا يتدبرونه ، أم أن قلوبهم قد سكّرت فلم يعودوا يعقلون؟! ومن أجل أنهم لا يعقلون ارتدّوا على أدبارهم عند ما حمى وطبس القتال ، مع أنهم أظهروا الإيمان فى بداياتهم ، ولكن الشيطان سوّل لهم الكفر وزيّنه ، ومدّ فى آمالهم ؛ فتمادوا فى كفرهم وتظاهروا على عداوة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعلى القعود عن

٦٦٩

الجهاد معه ، واتّبعوا ما أسخط الله ، وكرهوا رضوانه ، فكشف أضغانهم وما يضمرون من الحقد ، ولو شاء الله لأرى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هؤلاء الكفار بأعيانهم ، فلا أقل من أن يعرفهم بسيماهم ، وللنفاق سمات ، وباب سمات المنافقين من أبواب علم النفس الإسلامى ، وأبرز سماتهم لحن القول : وهو أن يتكلموا بشيء ويريدون به شيئا آخر ، والجهاد كتبه الله على المؤمنين ، وما جعله إلا ليعلم المجاهدين والصابرين ، ولن يضر الله الذين كفروا وصدّوا عن سبيله وشاقّوا الرسول. وتختتم السورة بالدعوة إلى طاعتهما ـ الله ورسوله ، وأن لا يهن المؤمنون ويدعوا إلى السلم ، ويضعفوا عن الجهاد ، والحقّ معهم ، وحجتهم هى الظاهرة ، وهم الغالبون ، ويأتيهم الأمر بالاستمرار فى القتال حتى النصر ، وأن لا يبخلوا أن ينفقوا فى سبيل الله ، ومن يبخل فالله غنى حميد ، وهو الغنى والناس هم الفقراء ، وإن يتولوا يستبدل غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.

ومن المصطلحات فى السورة ، قوله تعالى : (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) (٤) ، وأوزار الحرب أثقالها ، والمقصود بها السلاح لثقل أحماله ؛ وقوله : (وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) (٧). وتثبيتها أى عدم الفرار من المعركة بتثبيت القلوب بالأمن ، وقوله : (فَتَعْساً لَهُمْ) (٨) كأنه يقول : أتعسهم الله ، أي أشقاهم وجعل لهم التعاسة نصيبا في الدنيا والآخر ، والتّعس : هو الانحطاط والعثار ، وأن يخرّ المرء على وجهه ، وهو بخلاف النّكس : وهو أن يخرّ على رأسه. وفى الحديث : «تعس عبد الدينار والدرهم ... إن أعطى رضى ، وإن لم يعط لم يرض» ؛ وقوله تعالى : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ...) (١٥) ، يعنى أن هذه الأوصاف للجنة أو للنار هى أوصاف تقريبية وليست حقيقية ، تقرّب صورة الجنة والنار بلغة الناس وفهمهم وخبراتهم ؛ وقوله : (ما ذا قالَ آنِفاً) (١٦) طريقة فى استهزاء المنافقين بكلام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وقوله : (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (٢٠) هم المنافقون ، شبّه النفاق بالمرض ، وشبّههم بالمرضى ؛ وقوله : (فَأَوْلى لَهُمْ) (٢٠) تهديد ووعيد ، كما تقول فلسوف ترون ؛ وقوله : (وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) (٢٢) ، والتقطيع تشديد بقطع صلات الرحم. والرحم على وجهين : عامة وخاصة ، فالرحم العامة : هى رحم الدين ، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهل الدين ونصرتهم ، والنصيحة لهم ، وترك مضارتهم ، والعدل بينهم ، والنّصفة فى معاملتهم ، والقيام بحقوقهم الواجبة ؛ وأما الرحم الخاصة : فهى رحم القرابة ، فتجب لهم الحقوق بدءا بالأقرب فالأقرب. والرحم عموما ، قربة ، يجب صلتها. وفى الحديث : «لا يدخل الجنة قاطع رحم» ؛ وقوله : (لَحْنِ الْقَوْلِ) (٣٠) أى فحواه ومعناه ، وفى الحديث : «إنكم تختصمون إلىّ ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من

٦٧٠

بعض» ، أى أبلغ وأفصح ؛ وقوله : (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) (٣٥) أى لن ينقصكم ، ومنه الموتور الذى قتل له قتل ولم ينصفه القانون من قاتله ، تقول : وتره ، يتره ، وترا ، وترة ، وفى الحديث : «من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله» أى ذهب بهما. والسورة حافلة رغم ذلك بالمصطلحات وأوجه البلاغة والبيان ، والقرآن لا حصر لوجوه الجمال فيه ، ونسأل الله العفو إن قصّرنا ، وله الحمد والمنّة.

* * *

٦٢٩. سورة الفتح

السورة مدنية ، وهى تسع وعشرون آية ، نزلت بعد سورة الجمعة ، فى الطريق عند الانصراف من الحديبية ، وكان نزولها ليلا فى ذى القعدة من سنة ست من الهجرة ، وهو على الراحلة ، وسميت بسورة الفتح من استهلالها بقوله تعالى : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) (١) ، والفتح : هو فتح الحديبية ، وكان صلحا بين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمشركين. وعند ما يطلق اسم «الفتح» يلتبس بفتح مكة ، ولكن الفتح فى السورة كان بيعة الرضوان يوم الحديبية ، وكان المسلمون ألفا وأربعمائة ، والصلح من الفتح وإن كان بغير قتال ، وبه أصاب المسلمون ما لم يتهيأ لهم بغزوة من الغزوات ، فما مضت سنتان إلا والمسلمون قد فتحوا مكة فى عشرة آلاف. وقيل : إن مكة لم تفتح عنوة ، والفتح لا يكون فتحا إلا عنوة ، وإذن فالمقصود ليس فتح مكة ، وأيضا فإنه ليس الحديبية ؛ لأن الحديبية صلح ، والفتح لا يكون صلحا ، وإذن فالمقصود شىء آخر ، قيل هو فتح خيبر. وقيل إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا قرأ على الناس بعد الحديبية سورة الفتح ، قال عمر : أو فتح هو يا رسول الله؟! قال : «نعم ، والذى نفسى بيده إنه لفتح» ، يقصد الحديبية.

وسورة الفتح ترتيبها فى المصحف الثامنة والأربعون ، وفى التنزيل المدنى الخامسة والعشرون ، وفى التنزيل عامة الحادية عشرة بعد المائة. وكان نزول السورة والمسلمون يخالطهم الحزن وتخيّم عليهم الكآبة ، فلم يكونوا يرون هذا الصلح كما كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يراه ، فقد صدّهم المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام ، وحالوا بينهم وبين العمرة ، وهادنوهم لعشرة أعوام لاحقة ، على أن يرجعوا عامهم هذا ثم يأتون من قابل ، فأجابهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى ذلك على كره من جماعة الصحابة ومنهم عمر. ونحر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هديه حيث أحصر ورجع ، واعتبر ذلك الصلح فتحا باعتبار ما فيه من المصلحة ، وما آلى إليه. وكان قد بعث عثمان بن عفان إلى أهل مكة ليبلغ عنه أشراف قريش أنه ما جاء إلا معتمرا ، وأنه لا ينوى الحرب. وقبل عثمان اعتذر عمر عن الذهاب للعداوات بين قريش وبينه ،

٦٧١

واحتبست قريش عثمان ، وبلغ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قتل ، فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا نبرح حتى نناجز القوم» ، ودعا الناس إلى البيعة ، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة ، وبايعوه على الموت أو على أن لا يفرّوا ، ولم يتخلف واحد إلا الجد بن قيس. وقال لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أنتم خير أهل الأرض اليوم» ، وقال : «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» ، ونزل القرآن فيهم : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (١٠). والسورة جميعها تتحدث فى أمر هذا الصلح الذى كان بداية الفتح الأعظم : فتح مكة ، فكان هذا الفتح غاية التمكين فى الجزيرة العربية ، فقد دخل الناس الإسلام بعد ذلك أفواجا ، وأبلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أحسن البلاء ، فكافأه الله تعالى ونزلت عليه الآية : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً) (٣) ، فعلمنا أن الأنبياء قد تجرى عليهم الصغائر ، وربما كان ما تقدم من ذنبه قد كان فى الجاهلية ، وربما كان الذنب يوم بدر أو يوم حنين ، فقد كان يدعو يوم بدر : «اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد فى الأرض أبدا» فأوحى إليه : من أين تعلم أنى لو أهلكت هذه العصابة لا «أعبد أبدا»؟! فهذا هو الذنب المتقدم ، وأما المتأخر فيوم حنين ، فلما انهزم المسلمون قال لعمّه العباس ولابن عمه أبى سفيان : ناولانى كفا من حصباء الوادى» ، فناولاه ، فأخذ بيده ورمى به فى وجوه المشركين ، وقال : «شاهت الوجوه حم (حاميم) ، لا ينصرون» ؛ فانهزم القوم عن آخرهم ، فلم يبق أحد إلا امتلأت عيناه رملا وحصباء ، فقال لأصحابه من بعد : «لو لم أرمهم لم ينهزموا» ، فأنزل الله تعالى : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى) (الأنفال ١٧) ، فكان هذا هو الذنب المتأخر. وذلك إذن ما أنعم به الله تعالى على نبيّه فى هذه السورة ، فلما ذكر ذلك عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أتبعه بما أنعم به على المؤمنين ، فقال : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً) (٥) ، فالمغفرة إذن شملت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين من أهل بيعة الرضوان ، فقد غفر لهم وكفّر عن سيئاتهم. وفى الآيات أن الإيمان يزداد وينقص ، وأن المؤمنين هم جنود الله فى الأرض. وقابلت آيات الإحسان للمؤمنين آيات العذاب للمنافقين والمشركين ، ومن هؤلاء كانت منافقات ومشركات ، وعرّفهم ـ أى المنافقين والمنافقات ـ بأنهم الظانون بالله ظن السوء ، وهؤلاء عليهم دائرة السوء : ظنوا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه سيلقون حتفهم فى هذه الرحلة ، أو سيؤسرون ،

٦٧٢

فكيف يلقى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتفه وهو موعود منذ بداية بعثته بأنه شاهد؟ والشاهد لا بد أن يحضر الحدث منذ البداية حتى الختام ، وهو شاهد يشهد عليهم يوم القيامة ، ومبشّر لمن يطيع ربّه ورسوله ، ونذير لمن يعصاهما ، فأما الطاعة للرسول فتكون بالإيمان بما يبلغهم به ، وتعزيره ـ أى تعظيمه وتوقيره ، وأن ينصروه وأن يمنعوه ، وفى ذلك طاعة الله تعالى. وليست بيعتهم للرسول إلا لأنهم يبايعون فى الحقيقة الله ، ولذلك كانت يده تعالى فوق أيديهم : يده فى الثواب فوق أيديهم فى الوفاء ، ويده فى المنة عليهم بالهداية ويده فى الهداية فوق أيديهم فى الطاعة ، وأما من ينكث ويرجع فإن ضرره على نفسه وليس على الله ولا على رسوله.

ومن مصطلحات السورة قوله تعالى : (الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ) (١١) ، وهو ما أطلقه القرآن على أعراب : غفار ، ومزينة ، وجهينة ، وأسلم ، وأشجع ، والدّيل ، وكانوا يسكنون أرباض المدينة ، وتخلّفوا عن صحبة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأعذار مختلفة ، فقالوا : (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) (١١) ، وردّ الله عليهم قال : (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً) (١٢). وفى السورة كثير من المسائل من المستقبل وصدقت جميعا ، وهى إعجاز قرآنى لا شك فيه ، فالإخبار بالفتح والنصر العزيز ، وبما سيحدث فى خيبر والمغانم فيها ؛ واللقاء الموعود مع أولى البأس ، والفتوح الأخرى التى فتحت على المسلمين : كأرض فارس والروم ، جميعه من المستقبل. وسورة الفتح تعطى الكثير من الأمل للمسلمين المؤمنين ، وتطمئنهم إلى ما سيئول إليه أمرهم ، وهى من السور المبشّرات. وفى السورة الثناء على المقاتل المسلم : (وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ) (٢٢) ، ولمّا تسللت إليهم جماعة من المشركين قريبا من جبل التنعيم ببطن مكة ، وكانوا نحو ثلاثين ، وربما سبعين أو ثمانين ، يريدون الإيقاع بالمسلمين قبل عقد الصلح ، فطن المسلمون لهم وأخذوهم أسرى ، وكان ذلك أثناء مفاوضات الصلح ، وأعتقهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهم المسمون «العتقاء» ، ومنهم معاوية وأبوه ، وذلك معنى (كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) (٢٤) ، فلما أمكنه منهم وعده بمزيد النصر ، ليدخل الأنس على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى المؤمنين ، فقال : (وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (٢٥) ، وأخبر أن بمكة مسلمين ومسلمات لم يعلنوا عن إسلامهم ويخفونه ، ولا يعرفونهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين ، ولو لا كراهة أن يوقعوا بهم ويقتلوا منهم دون أن يعلموا ، فينالهم من ذلك الإثم والعيب ، لكان إذنه تعالى للمسلمين ولرسوله أن يدخلوا مكة. ولو تزيّل هؤلاء عن هؤلاء ـ أى لو

٦٧٣

تميّزوا وتفرّقوا وانفصل المؤمنون عن الكافرين ، لعذّب الله الكافرين ، ووصفهم بأن قلوبهم ملأى بحمية الجاهلية ، وهى من مصطلحات القرآن ، وتعنى أنفة وغطرسة وعصبية الجاهلية ، وعلى نقيض ذلك كان المؤمنون ، فقد أنزل الله السكينة عليهم ، وألزمهم كلمة التقوى ، وهى مصطلح قرآنى آخر ، قيل : هى كلمة لا إله إلا الله ، اختارها لهم وكانوا الأحق بها ، فصدقت رؤيا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وكان قد حدّث بها أصحابه ، فرأى فى المنام أنه يدخل مكة وطاف وحلق ، فنزلت الآية : (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) (٢٧) ، وما كانوا وقتها قد دخلوا مكة ، ولا طافوا ، ولا حلقوا ، فعجبوا للآية ، وقالوا : والله ما حلقنا ولا قصّرنا ، ولا رأينا البيت ، فأين هى الرؤيا؟ ووقع فى نفوس البعض شىء من ذلك ، وكان نزول هذه الآية تصديقا للرؤيا وللنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وكان قوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) (٢٨) من المعجزات ، فبشّرت الآية بأن الإسلام سيعلو على كل الأديان ، فما يزال يظهر عليها كل يوم ، وكان ختام السورة أعظم ختام ، وسمّت السورة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم باسمه تكريما وتعظيما ، ونوّهت بأصحابه الأشداء على الكفار والرحماء بينهم ، وزادت تعريفا بهم : أنهم لا يرون إلا راكعين ساجدين يبتغون الفضل من الله ، وسيماهم فى وجوههم من أثر السجود ، فذلك مثلهم فى التوراة ، ومثلهم فى الإنجيل : كزرع صحّ فنبتت فروعه ونمت وغلظت ، واستوى على سوقه وفرح به الزارعون ، ورآه الكفار قويا فاغتاظوا ، وهو مثل فى غاية البيان ، فالزرع هو الإسلام ، والشطء فى الآية هم أصحابه ، كانوا قليلا فكثروا ، وضعفاء فقووا ، ولله الحمد والمنّة.

ومن أحكام هذه السورة فى الجهاد قوله تعالى : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (١٧) فإن تخلّف هؤلاء فلا إثم عليهم. وفى مناسبة هذه السورة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا عرف أن كفار قريش سيرسلون إليه خمسمائة فارس على رأسهم عكرمة بن أبى جهل ، استدعى خالد بن الوليد وكان فى صفوف المسلمين ، وقال له : «هذا ابن عمك ، أتاك فى خمسمائة فارس»؟ فقال خالد : أنا سيف الله وسيف رسوله! فيومئذ سمّى خالد بن الوليد «سيف الله».

* * *

٦٣٠. سورة الحجرات

السورة «مدنية» ، نزلت بعد المجادلة ، وآياتها ثمانى عشرة ، وترتيبها فى المصحف التاسعة والأربعون ، وفى التنزيل المدنى العشرون ، وفى التنزيل عامة السادسة بعد المائة ،

٦٧٤

وموضوعها الأخلاقيات الإسلامية ، ومقصودها التربية ، ويصفها البعض لذلك بأنها سورة الأخلاق ، وكان فى العرب جفاء وسوء أدب فى مخاطباتهم مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والسورة تنبّه إلى ضرورة مراعاة حسن التوجّه إلى الناس ، وهى نقيصة فى الخلق العربى ما تزال محل شكوى ، ومن مساوئ السلوك عندهم تصديقهم لكل ما يقال بلا تمحيص ، ولا مبالاتهم إذا اقتتلت جماعتان أو دولتان من جماعاتهم أو دولهم ، وكان الواجب أن يصلحوا بينهما ، وترسّخ السورة معانى الأخوة فى الإسلام ، لقلة معرفة العرب بمضمون أن يكون المسلمون إخوة ، وتعيب عليهم أنهم قوم تكثر بينهم السخرية بعضهم من البعض ، وسخرية نسائهم من بعضهن البعض ، ولمزهم وتنابزهم بالألقاب ، وسوء الظن ، والغيبة ، والتجسّس ، وتعالى بعضهم على بعض ، وتسمى السورة ذلك فسوقا ، وتعرّف الإسلام بأنه الإيمان بالله ، وجوهر الإيمان التقوى ، ولا فضل لمسلم على مسلم بأصله وفصله ، وجنسه وشعبه وقومه ، إلا بالتقوى ، وإذا كان الإسلام هو النطق بالشهادتين ، وأداء الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من وجوه العبادات ، فإن الإيمان بالله هو التقوى ، وذلك هو الفارق بين الإسلام والإيمان. وتنسب السورة الإسلام إلى الأعراب وهم الجدد فى الإسلام ، ولمّا يدخل الإيمان بعد إلى قلوبهم ، ومظهر هذا الإيمان هو طاعة الله ورسوله ، وباطنه أن لا يخالط الشك إيمانك ، وأن تجاهد بالمال والنفيس ، فذلك هو الإيمان الصادق ، وأصحابه هم المؤمنون حقا ، وليس الإيمان هو الإعلان من آن لآخر أننا قد آمنا ، نريد بإعلاننا أن نمنّ على الله بإسلامنا ، فالله تعالى هو الأولى أن يمن علينا أن هدانا ، وهو العالم بحقيقة إيماننا ، والبصير بما يعمل الناس.

والسورة أصل فى وجوب ترك التعرّض لأقوال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ووجوب اتباعه والاقتداء به ، بشرط أن لا يعارض ما ينسب إليه من أقوال أو أفعال القرآن ، ولا أن يضاد العقل السليم والعلم الصحيح ، فكل معقول مشروع ، وكل مشروع معقول. ومن مصطلحات السورة : «التقديم بين يدىّ الرسول». وهو أن لا يسبقوه بالجواب إذا عرضت مسألة ، ولا يبتدءوا بالأكل إذا حضر الطعام ، ولا يمشوا أمامه إذا ذهبوا معه إلى مكان ، ونهوا أن يقاطعوا كلامه ، وأن يقضوا أو يقطعوا بأمر دونه ، تعظيما له ولرسالته ، وما جاء به ما عند ربّه ، والتقديم بهذا المعنى من مطالب الآداب العامة ، وهو من علم السلوك أو البروتوكول ، وإن كان ضروريا مع الغير فهو أكثر ضرورة مع أنبياء الله ، ومع نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم خاصة ، ويتمثّل فى خفض الصوت فلا يرفعونه على صوته ، ولا يجهروا له بالقول بمخاطبته بيا محمد ، وإنما ينبغى أن يقال له. يا نبىّ الله ، ويا رسول الله ؛ والجهر بالقول : هو

٦٧٥

جرأة عليه فى الكلام ، وقول ما ينبغى بصوت عال لا أدب فيه ، وكان المنافقون يرفعون أصواتهم عند النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ليقتدى بهم الضعفة ويقل احترامهم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ والإحباط فى السورة : (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (٢) من مصطلحات علم النفس والطب النفسى الإسلاميين ، ومنه الإحباط النفسى : وهو حالة اليأس والقنوط تترتب على إحباط الأعمال أى ذهابها سدّى ؛ وغضّ الصوت : يعنى خفضه ، ويروى أنه لمّا نزل قوله : (لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ) (١) ، وقوله : (لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ) (٢) قال له أبو بكر : والله لا أرفع صوتى إلا كصوت السرّار ـ أى كصوت الذى يسرّ لأخيه بشيء ، أو قال : والله لا أكلمك بعد هذا إلا كأخى السرّار. وقيل : إن عمر استفهمه عن كيفية خفض الصوت ، ولما ذا يخفضه؟ فنزلت : (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) (٣) ، ومعنى (امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى) أى أخلصها للتقوى ، يقال : امتحنت الفضة ، أى اختبرتها حتى خلصت ، وكل شىء نجهده فقد امتحناه ؛ والحجرات فى قوله : (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (٤) ، هى مساكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومنازل أزواجه ، ومن هذه الآية كان اشتقاق اسم السورة (الْحُجُراتِ) ، والآية ذمّ لجفاة الأعراب الذين ما كانوا يتأدّبون فى ندائهم للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والحجرات جمع الحجر ، جمع حجرة ، فهى جمع الجمع ، وأكثرهم لا يعقلون : يعنى الغالب عليهم الجهل ؛ والآية : (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) (٦) من آيات ما يمكن تسميته بالإعلام الإسلامى ، وفيها تفرقة بين «الإخبار والإعلام والتبيّن» : والأول هو الجهر بالخبر ؛ والثانى هو إخبار به عن قصد ، لضرورة تجدها : أن يعلم بالخبر آخرون ؛ والثالث هو أن تستوثق أو تتثبت من الخبر ، وأنه لم يذع لإعلام يستهدف التمويه أو الوقيعة ؛ والفاسق : هو الكاذب الذى لا يستحى أن يخبر كذبا ، أو الذى يتحرى الفساد بما يتوخى إعلام الآخرين به ، وسمى الخطأ الذى يمكن أن يحدثه الخبر الكاذب والإعلام المغلوط دون قصد «جهالة» ، أى عدم دراية بالحقيقة ، والكفر والفسوق والعصيان : ثلاثة مصطلحات من المصطلحات التى ينفرد بها القرآن ، والكفر : هو جحد نعم الله وإنكار وجوده ، وأصل الكفر أن يستر الشيء ويغطّى ، تقول كفر الشيء بثوبه ، أى غطّاه ؛ وكفر بالخالق أى نفاه وعطّله. والكفر ضد الإيمان ، وضد الشكر. والفسوق : هو الخروج عن الطاعة ، مشتق من قولهم فسقت الرّطبة يعنى خرجت من قشرتها ؛ وفسقت الفأرة أى خرجت من حجرها ؛ والعصيان : هو إتيان المعاصى ؛ والكفر أشد الثلاثة ، ثم الفسوق ، ثم العصيان ؛ والآية :

٦٧٦

(وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ...) (٩) هى أصل الدعوة لتأسيس «محكمة عدل إسلامية» ، مهمتها دعوة المختصمين من المسلمين إلى كتاب الله ، فإن بغت إحداهما وتطاولت وأفسدت ، فالمحكمة تدعو المسلمين كجماعة وأمة أن يحاربوا الفئة الباغية ، أى يعادوها بما يسمى «العقوبات الذكية» كالمقاطعة الاقتصادية والثقافية مثلا ، إلى أن تفيء إلى أمر الله ، وربما يحتاج الأمر إلى «قوات دولية إسلامية للفصل بين المتحاربين» ، وهو مقتضى الآية. وفى الآية دليل على وجوب معاداة الفئة الباغية المعلوم بغيها بعد استنفاد كافة الطرق للصلح بين الفئتين ، وردّ الحقوق إلى أصحابها ؛ وفيها أيضا فساد قول من طالب بمنع اشتراك القوات المصرية والسورية فى عمليات تحرير الكويت ، احتجاجا بالحديث : «قتال المؤمن كفر» ، وهو كفر حقيقة ولكن فى حق الباغى ، والصدّيق قاتل من تمسّك بالإسلام ولكنه منع الزكاة ، واستندت الفرق الإسلامية المتنازعة إلى هذه الآية بدعوى كل منها أن الأخرى هى الباغية ، ومن ذلك الحديث الموضوع : «تقتل عمارا الفئة الباغية». وإلى هذه الآية استند علىّ بن أبى طالب فى حربه فى موقعة الجمل مع جماعة عائشة التى تطالب بالصلح بين المسلمين ، وإليها استند فى حربه مع الخوارج ، ومع معاوية ، واستند إليها العلويون فى حربهم ضد الأمويين والعباسيين ، و «يزيد» فى قتله للحسين ، وهو ما دفع علىّ أن يقول قولته : «إن القرآن حمّال أوجه» ، يعنى أن هؤلاء وأولئك يمكن أن يستند كل منهما إلى القرآن فى تعزيز وجهه نظره. وقتال الفئة الباغية فرض على الكفاية ، وإذا قام به البعض سقط عن الباقين ؛ وقوله تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (١٠) أصل من أصول الاجتماع الإسلامى ، والمسلم أخو المسلم فى الدين والحرمة لا فى النسب ، ولهذا قيل : أخوّة الدين أثبت من إخوة النسب. وفى الحديث : «ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تجسّسوا ، ولا تحسّسوا ، ولا تناجشوا ، وكونوا عباد الله إخوانا» أخرجه البخارى. وفيه أيضا : «المسلم أخو المسلم : لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره» ، وفيه : «كل المسلم على المسلم حرام : دمه ، وماله ، وعرضه» أخرجه مسلم. وفى تفسير «بغى المسلم على المسلم» ، أن عليا سئل عن قتال «أهل البغى» من أهل الجمل وصفّين : أمشركون هم؟ قال : لا ، من الشّرك فرّوا.

فقيل له : أمنافقون؟ قال : لا ، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. وقيل له : ما حالهم؟ قال : «إخواننا بغوا علينا». وهذه العبارة الأخيرة ينبغى أن تكون قاعدة من قواعد التعامل بين المسلمين ، أفرادا ودولا. والسخرية فى قوله تعالى : (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (١١) هى

٦٧٧

الاستهزاء ؛ واللمز : يكون استهزاء باليد أو العين ، أو اللسان ، أو الإشارة ؛ والهمز : لا يكون إلا باللسان ؛ والنّبز : يقال : نبزه ينبزه أى لقّبه ، والمقصود التلقيب بألقاب السوء وليس بالألقاب الحسنة ، ولقب الصدّيق لأبى بكر ما يزال مستعملا لأنه حسن ؛ والظن فى الآية : (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ) (١٢). هو التهمة ، وفى الحديث : «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» ، والظن المنهى عنه هو الظن الكثير ، وبعضه إثم ، ويسمى أيضا «ظن السوء» ؛ وفى زماننا ظن فى الناس ما شئت ؛ والتجسّس : طلب الاطلاع على الأسرار ، والبحث عنها ، واتّباع العورات ؛ والتحسّس مثل التجسّس ، وهو تلمّس الأخبار والأشهر التجسّس ؛ والغيبة : أن تذكر الناس بما فيهم من عيوب ، فإن ذكرتهم بما ليس فيهم فهو البهتان ، والآية : (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ) (١٢) مثل ، فيه تشبيه الوقيعة بين الناس بأكل لحومهم. والغيبة تكون فى الدين ، وفى الخلق ، وفى الخلقة ، وفى الحسب ، وليس من ذلك غيبة الفاسق الذى يجهر بفسقه ، ومن يلقى عنه لباس الحياء فلا غيبة له ، وفى الحديث : «اذكروا الفاجر بما فيه كى يحذره الناس». وصاحب الهوى لا غيبة له ، والحاكم الجائر. والنقد الفنى والأدبى ، والتحقيق العلمى ، ليسا غيبة ، والشكوى من ظلم الظالم ليس غيبة ، والتذكير بشحّ الغنى ، وسرقة الرأسمالى لحقوق عماله ، وجور القوانين ومن استنّها ، والطعن فى الاستفتاءات الشكلية وفى الانتخابات المزورة ليس غيبة ؛ وقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) (١٣) أصل من أصول علم الاجتماع الإسلامى ، وهى أعظم آية تنهى عن الاستعلاء الطبقى ، والازدراء بالفقراء ، والاستكبار العرقى ، وتردّ كل الشعوب إلى آدم ، فلا يصبح هناك معنى للتفاخر بالأنساب ، ويكون على الناس جميعا أن تعتنى بأوطانها ، والوطنية بخلاف الشعوبية ، لأن الوطنية هى حب الوطن ، وأما الشعوبية فهى نزعة عنصرية تقول بتفوق عنصر ما تفوقا ليس له ما يبرره ، وبدعوى أن الجنس الأبيض مثلا هو سيد الأجناس ، أو أن الجنس الآرى هو أعلى الأجناس ، أو أن الفرس أفضل من العرب ، وأن اليهود شعب الله المختار دون سائر الشعوب ، أو أن النصارى هم أولاد الله ، أو أن الشعوب السامية هى أرقى الشعوب. وفى الآية أن أكرم الشعوب عند الله أتقاهم ، وأن الأفضلية للتقوى وليس للأعراق ، وفى خطبة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمنى فى أيام التشريق ، قال وهو على البعير : «يا أيها الناس ، ألا أن ربّكم واحد ، وإن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربى على عجمىّ ، ولا لعجمى على عربىّ ، ولا لأسود على أحمر ، ولا لأحمر على أسود ، إلا بالتقوى ـ ألا هل بلّغت؟ قالوا : نعم. قال : «ليبلّغ الشاهد الغائب». رواه البيهقى وابن مردويه. وفى الحديث : «إن

٦٧٨

الله لا ينظر إلى أحسابكم ، ولا إلى أنسابكم ، ولا إلى أجسامكم ، ولا إلى أموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ، فمن كان له قلب صالح تحنّن الله عليه ، وإنما أنتم بنو آدم ، وأحبكم إليه أتقاكم». ومن أقوال علىّ بن أبى طالب فى ذلك :

الناس من وجهة التمثيل أكفاء

أبوهم آدم والأم حوّاء

نفس لنفس وأرواح مشاكله

وأعظم خلقت فيهم وأعضاء

فإن يكن لهم من أصلهم حسب

يفاخرون به فالطين والماء

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم

على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرئ ما كان يحسنه

وللرجال على الأفعال سيماء

وضد كل امرئ ما كان يجهله

والجاهلون لأهل العلم أعداء

وإذا كانت الوطنية أعلى من الشعوبية ، فهى أعلى من العولمة ، ولا تلغيها العولمة ، فحتى أمريكا وفرنسا وبريطانيا ودول أوربا جميعا وروسيا ، لم تقل دولة منها بإلغاء الوطنية أو القومية فى مقابل العولمة ، وهذا هو ما ينصرف إليه معنى الآية ، فالله خلقنا شعوبا وقبائل وعائلات وأسر ، وأنسابا وأصهارا ، لنتعارف ونتواصل ، للحكمة التى قدّرها وهو أعلم بها ، فصار حتما أن يكون لكل أحد نسب ، فإذا نفاه أحد عن أحد ، أو سبّه بعائلته أو بوطنه ، استوجب المساءلة وحدّ القذف ، مثلما يفعل الإسرائيليون وهم يتكلمون عن العرب ، فيقولون باشمئزاز وتقزّز «يا عربى» ، وكأن العربية بالعرب سبّة ، فما لهذا خلق الناس أعراقا ، ولا ليتعالوا على بعضهم البعض ، وإنما خلقوا للتعايش ، والتساكن ، والتعارف ، والتثاقف ، ولتبادل التجارة والفنون والآداب ، وليعتز كل شعب بخصائصه ، ليعرفها عنه الآخرون ويحترموها فيه ، وهكذا فى الأديان ، فمع أن معناها ومؤداها جميعا واحد ، إلا أن لكل مجموعة لغوية ديانتها وأنبياءها وكتابها ، والواجب أن نطالع ذلك عنها ونعرف أسبابه ومراميه عندها ، وهو مضمون اصطلاح الحضارة. والقرآن بدعوته هذه من أعظم الكتب إنسانية وحضارة وتقدّما. ونظرية القرآن التى تطرحها هذه الآية ، وتفسّرها السنّة ، ينفرد بها الإسلام صريحة وواضحة كل الوضوح ، ومثلها «نظرية الوعد» عند اليهود والنصارى ، إلا أن الوعد عند اليهود يقتصر عليهم من الله ، بزعم أنه اصطفاهم شعبا مختارا له ، وبدعوى أنهم الصفوة المرشحة لحكم العالم ؛ وأمّا النصارى فقد ادّعوا أنهم أولاد الله وأحباؤه ، والصفوة من عباده ، اختصّوه بالعبادة فاختصّهم بالجنّة. وهؤلاء وهؤلاء فى زعمهم قد وعدهم الله الخلاص وحدهم ، وزاد اليهود فقالوا أن وعده لهم خالص حتى

٦٧٩

إن لم يتّقوه ، وهو وعد أبديّ لا ينقض أبدا (التكوين ١٣ / ١٥ ـ ١٥ / ٧ ـ ١٧ / ٦ ـ ٧ ـ ٨) ، وحفظ العهد عندهم ليس بالتقوى ولكنه بالختان!! فهو علامة الله يميّزهم بها!! وعند النصارى فسّر بولس الموعد أو العهد ، بأنه والإيمان به يجعل النصرانى بالتبعية من أبناء الله.

والخلاصة : أنه شتّان بين نظرية تخالف الحضارات وتنوّع الأجناس فى القرآن وفى التوراة والإنجيل ، وأن رقىّ هذه النظرية فى القرآن عنها فى الكتابين الآخرين ، لدليل على أن القرآن من لدن الله ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو رسوله ، والحمد لله أولا وأخيرا على نعمة الإسلام ونعمة القرآن.

* * *

٦٣١. سورة ق

السورة مكية ، إلا الآية ٣٨ التى تقول : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) (٣٨) ، فقد نزلت فى يهود المدينة ، وكانوا يقولون إن الله خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، أولها يوم الأحد ، وآخرها يوم الجمعة ، واستراح يوم السبت! فجعلوا يوم السبت هو يوم سبوتهم أى راحتهم ، والاعتراض فى آية القرآن على استراحة الله يوم السبت ، فهل الله يتعب حتى يرتاح؟! فنزلت الآية تصحّح ذلك ـ واللغوب هو التعب والإعياء. وعدد آيات سورة ق خمس وأربعون آية ، وترتيبها فى المصحف الخمسون ، وفى التنزيل الرابعة والثلاثون. وموضوعها كغيرها من السور المكية : البعث والنشور ، والتوحيد ، والرسالة ، وأصول العقيدة ، وتحفل بالكثير من وجوه البيان والبديع ، وأسلوبها فيه السموق ، ويتميز بموسيقى خاصة ، ولها وقع شديد على الحسّ ، وألفاظها لها رجع رهيب ، والمعانى التى تطرحها تثير الخوف بما فيها من الترهيب ، وتستثير الرجاء بما تسوقه من الترغيب. والحديث فيها منذ البداية عن الحياة بعد الموت ، والبعث بعد الفناء ، والبعث هو القضية الخلافية الكبرى بين القرآن والكفار ، وأن يكون الرسول إليهم منذر منهم ، فهذا شىء عجيب. والسورة تستحثهم إلى الإيمان ، وتحاول أن تلفتهم إلى ما فى الكون من آيات تثبت أن الذى قدر على أن يخلق كل هذه المخلوقات والكائنات أول مرة ، يقدر على أن يبعثها بعد موات ، ويحيها بعد فناء. وتضرب السورة المثل بالأمم السابقة الذين كذّبوا الرسل فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، وتحذّر أهل مكة من نفس المصير ، ومن يوم الحساب العتيد ، فإذا جاء الموت فله سكرات ، وعند الحشر تحدث الأهوال ، فإذا كان الحساب فحدّث كيفما تشاء عمّا يلاقى الناس فيه من شدائد وكوارث ، فإذا كانت الإدانة فالجحيم هو النهاية ، وتستعيد الصورة مشاهد يوم القيامة ، ونداء المنادى ،

٦٨٠

وصيحة الخروج من القبور ، وتشقّق الأرض عن الموتى ، وتخبر السورة بأن الله تعالى يعلم ما يقول الكفّار تكذيبا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واستهزاء وتحقيرا بالقرآن ، ويطمئن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأنه ليس إلا مبشرا ونذيرا ، ولم يبعثه الله متسلطا ولا مصيطرا يجبر الناس على الإسلام ، ويغصبهم على الإيمان ، وإنما عمله أن يذكّر بالقرآن من يخاف الله ووعيده ، ولا عليه من هداهم.

و (ق) التى تبدأ بها السورة ، من الحروف المقطّعة التى فى بداية بعض سور القرآن ، مثل : ص ، ون ، والم ٢ : ١ ، ونحو ذلك ، وحاول البعض أن يوجد لها معنى ، فقيل إن ق جبل ، واشتهر جبل ق فى الأدب الشعبى الإسلامى ، ودارت حوله حكايات. وقيل ق تعنى قضى الأمر ، مثل حم التى تعنى حم الأمر. وقيل : ق اسم من أسماء الله تعالى أقسم به ، أو أنه اسم من أسماء القرآن ، أو أنه إشارة إلى بعض صفاته تعالى التى تبدأ بالحرف ق مثل قدير ، وقاهر ، وقريب ، وقاض ، وقابض ، وكل ذلك اجتهادات وتخمينات ، والصحيح أنها إشارة إلى حروف الهجاء التى تصنع الكلمات التى كانت

منها آيات القرآن ، وهذه الحروف من آيات الله ، مثلما العناصر التى خلقت منها الشمس والقمر والنجوم ... إلخ من آياته الكونية ، وحروف الهجاء هى آياته التى ترمز للقراءة والكتابة ، وهما أعظم آياته للإنسان ، لأنهما أساس اللغات ، وبهما كانت الثقافات ، وصنعت الحضارات. والقرآن كتاب فيه من كل علم ، ومصنوع من حروف الهجاء ، وهو كتاب للحضارة والرقى والتمدّن. وسورة ق من السور العظيمة فى القرآن وتتميز بالعنصر الحضارى اللغوى ، ولذا كان التنبيه لذلك بهذه البداية من حروف الهجاء ، وجاء مباشرة بعد الحرف ق القسم بالقرآن المجيد ، أو أن القسم بهما معا ـ الحرف ق والقرآن ، لأن الحرف وحدة بناء القرآن الذى هو صرح منيف ، وصفه تعالى بأنه مجيد ، يعنى رفيع القدر. وجواب القسم : هو مضمون الكلام بعده ، وهو إثبات النبوة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإثبات المعاد. وفى السورة أنهم يتعجبون مما يقوله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مما لم يعتادوه ، وتنكر السورة تعجّبهم مما ليس بعجب. وفى السورة القصص عن السابقين : أصحاب الرس : أى البئر ؛ وأصحاب الأيكة : أى البستان الكثيف ؛ وقوم تبّع اليمانى ، يسلّى بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويسرّى عنه ، وينذر بها الكفرة.

ومن مصطلحات السورة : «الوسوسة» ، والقرآن يجعلها من أحاديث النفس كما يجيء عنها فى علم النفس الغربى ، وهى بمثابة الكلام الخفى ؛ و «المتلقيان عن اليمين وعن الشمال» : هما الملكان المفوّضان بالإنسان ، أحدهما عن اليمين ويكتب الحسنات ، والآخر عن الشمال ، ويكتب السيئات ؛ و «القرين» : هو الشيطان المقيّض لكل إنسان ؛ و «الرقيب العتيد» :

٦٨١

هو المصاحب للإنسان يرقب كل قول منه ، وهو عتيد يعنى متهيأ لعمله ؛ و «يوم الوعيد» : الذى وعده الله للكفّار ؛ و «السائق والشهيد» : فالسائق يسوق النفس ، والشهيد يشهد عليها ؛ وقيل السائق هو الملك ، والشهيد من أعضاء الجسم كالأيدى والأرجل ؛ وقيل السائق والشهيد ملكان ، أحدهما يسوقها ، والآخر يشهد عليها ؛ و «الأوّاب الحفيظ» : هو الرجّاع إلى الله عن المعاصى ، فكلما أذنب يرجع عن ذنبه ؛ «والقلب المنيب» : هو المقبل على الطاعة أو المخلص لله ، وعلامته أن يعرف حرمته تعالى ويواليه ، ويتواضع لجلاله ؛ و «يوم الخلود» : هو يوم أن يخلد المؤمنون فى الجنة ، فلا يموتون أبدا ، ولا يظعنون ، ولا يبغون عنها حولا ؛ و «التسبيح» : هو قول : «سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلىّ العظيم» ، وأوقاته : قبل طلوع الشمس ، وقبل الغروب ، ومن الليل ، وأدبار السجود ـ يضيف إليها فى سورة الذاريات : وإدبار النجوم ، أى عقب الركعتين بعد المغرب ؛ و «الصيحة» : هى صيحة القيامة أو البعث ؛ و «يوم الخروج» : هو يوم الخروج من القبور للحساب.

ومن مأثورات السورة قوله تعالى : (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (١٦) ، والوريد هو الوتين بالقلب ، وهذا تمثيل للقرب ؛ وقوله : (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) (١٩) ، والسكرة شّدة الموت وغشيته ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى موته يقول : «لا إله إلا الله ، إن للموت سكرات» ، ويقال لمن جاءته سكرة الموت ، ذلك ما كنت تفر منه وتميل عنه ؛ وقوله : (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ) (٢٢) يعنى كشفنا عنك عماك ، وهو تمثيل يقال للغافل ؛ (فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (٢٢) تمثيل يراد به بصر العقل ، فيبصر شواهد الأفكار ونتائج الاعتبار ، أو يراد به بصر العين ، أى صار قويا نافذا ؛ وقوله : (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (٣٠) تمثيل واستفهام على سبيل التصديق لخبره ، والتحقيق لوعده ، والتقريع لأعدائه ، والتنبيه لعباده ؛ وقوله : (هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) (٣٦) : يعنى هل من مهرب ، تقول : «ما عنه محيص» ، أى ما عنه محيد ومهرب ؛ وقوله : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى) (٣٧) : تذكرة وموعظة.

ومن أخبار خلق السموات والأرض فى هذه السورة قوله : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) (٣٨). ومن براهين وجود الله فيها قوله : (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) (١٥) ، والسؤال للتوبيخ ، والمعنى أنه تعالى لم يدركه الإعياء بالخلق الأول ، فهل يدركه الإعياء بالبعث؟ يعنى هو القادر على الخلق وعلى البعث ، لأنه الواحد سبحانه مالك السموات والأرض.

* * *

٦٨٢

٦٣٢. سورة الذاريات

السورة مكية ، وآياتها ستون ، ونزلت بعد الأحقاف ، وترتيبها فى المصحف الواحدة والخمسون ، وفى الترتيب السابعة والستون ، واسمها الذاريات من قوله تعالى فى مستهلها : (وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً) (٤) يقسم بآية من آياته كالشأن فى السور المكية ، وهى هذه المرة الرياح ، لها أحوال أربعة مختلفة ، وإذا أقسم الربّ بشيء أثبت له شرفا : فالرياح تكون ذاريات : لأنها تذروا الأمطار ذروا. فصارت ذاريات ؛ وتكون حاملات الأوقار ، والمفرد وقر ، يعنى تحمل أنصبة كل بلد أثقالا من الأمطار ؛ وتكون جاريات يسرا : تجرى رخاء ، ويسمونها الرياح التجارية ، لأنها تسيّر المراكب إلى حيث تقصد ؛ وتكون مقسّمات ، فمنها العاصف ، والطيبة ، والقاصف ، والرواكد ، والرخاء ، والممطرة ، والعقيم ، والصرصر العاتية ، واللواقح ، والمبشّرات. وجواب القسم : أن الذى يعدكم به هذا القرآن من البعث والنشر والحساب والعقاب لأمر واقع. وكما أقسم الله تعالى بالريح فإنه يقسم بالسماء ويصفها أروع وصف أنها «ذات الحبك» ، يعنى محبوكة البناء ، متناسقة ، مرفوعة ، متسعة الأرجاء ، أنيقة البهاء ، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات ، موشّحة بالكواكب الزاهرات. ثم يتوجه بالقسم إلى المنكرين فيقول : (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) (١٠) ، يقصد بهم أهل مكة الذين اختلفوا فى أمر محمد والقرآن ، وهم بين مصدق ومكذّب ، فمن قائل بأنه ساحر ، أو شاعر ، أو مجنون ، أو كاهن ، أو أن هذا القرآن ليس سوى أساطير الأولين ، أو أنه افتراه ، ومنهم من نفى الحشر ، ومن شكّ فيه ، ولا يؤفك ويصرف عن الإيمان إلا الضالون الغمور المأفونون الذين لا أفهام لهم ، وإنهم لخرّاصون كذّابون ، ساهون غافلون فى غمرتهم ولهوهم ، ولقد تساءلوا عجبا واستهزاء عن يوم الدين ، فجزاؤهم جهنم يفتنون عليها ويعذّبون. ثم تتحدث السورة عن المتّقين وهم المؤمنون ، وما أعد لهم فى الآخرة من النعيم والكرامة ، لأنهم كانوا فى الدنيا محسنين ، فبعد أن ذكر الله تعالى الكفار ومآلهم فى الجزء السابق ، ذكر المتقين ومآلهم فى هذا الجزء ، على طريقة القرآن الجدلية فى الترحيب والترغيب ، وإيراد المتقابلات ، لتتضح المقارنة وتقع المفاضلة ويتم الاختيار. ثم تنتقل السورة إلى ما يقوّى فى الناس اختيار الإيمان ، بإيراد الدلائل على وجود الله ، وعلى قدرته المطلقة ، كقوله تعالى : (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (٢١) ، والأرض فى مختلف بقاعها حافلة بالآيات والعبر ، وفى خلق الناس من نطفة وعلقة ومضغة ولحم وعظم آيات وآيات ، وفى أرزاق كل إنسان ، وكيف كانت الأرزاق

٦٨٣

مطرا ، ثم زرعا ، وحصادا وتجارة ، وفى ذلك جميعه براهين على أنه لا خالق ولا رازق ولا عليم ولا حكيم إلا هو. ولقد أقسم تعالى بآياته فى السماء والأرض بأن البعث والحساب حق وواقع فقال : (مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (٢٣) ، خصّ النطق دون سائر الحواس ، لأن الإنسان يكون به إنسانا ، وفى التعريف أن الإنسان حيوان ناطق ، والمعنى أنه حيوان عاقل ، ومن يعقل ، ولا يشكو الأفن ، وليس به الحمق ، فهو الذى يقر بوجود الله. ثم يكون دور التسلية للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين ، بالقصص القرآنى ، فيه عظة وعبرة ، وبشارة ونذارة ، ومداره الأمم السابقة ، وكيف انتهى أمرها لمّا كفرت بربّها وأمعنت فى غيّها ، فلما أفسدوا خلف عليهم ملوك من طبعهم ، فكانوا طغاة ساموهم العذاب ، وعرضت السورة مشاهد ولقطات من قصص إبراهيم مع ضيفه ، وحديثهم معه عن قوم لوط ، وما فعلوه بهم جزاء جرمهم ، وأطرافا من قصة موسى مع فرعون ، وقصص العقاب لقوم عاد ، وثمود ، ونوح. والقصص القرآنى تتناوله مختلف السور ، ولكنه ليس تكرارا ، وإنما من وجوه شتى بحسب الدروس المرتجاة والفوائد المنتقاة. وخلاصتها فى جميع السور التنبيه إلى قدرة العلىّ المتعال ، والآيات عليها أوضح وأجلى ما تكون : إنها السماء التى رفعها بقوة ، وخلق غيرها أكبر وأوسع وأبدع ، وإنه تعالى لموسع ويقدر على كل شىء ؛ والأرض المبسوطة وهو تعالى نعم الماهد ؛ وخلق من كل شىء زوجين ، فلا أقل من أن يدينوا له بالشكر ، وأن يفروا إليه من معاصيهم إلى طاعته ، وأن يوحّدوه ، ويصدّقوا رسالة نبيّه ، ويتوقفوا عن اتهامه مرة بالسحر ومرة بالجنون ، وهو دأبهم مع كل الأنبياء ، فلا لوم ولا تثريب على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والقصص يسرّى بها عنه ويسلّى المؤمنين ، وليكمل بها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم رسالته ، ويذّكّر عن طريقها المتفكّرون ، فالذكرى تنفع المؤمنين. وتختتم السورة ببيان أنه تعالى لم يخلق الجن والإنس إلا ليعبدوه ، ولكى يعبدوه لا بد أن يعرفوه ، والطريق إلى معرفته بمعرفة أسبابه فى الكون ، فكأن غاية المعرفة هى العبادة ، وفقه ذلك أن العلم ما لم يؤد بصاحبه إلى الإيمان فهو علم عقيم. وما كانت عبادتهم له تعالى من غير معرفة به ، ولا يحتاج لمثلها ، ولكنه يريد الشكر والعرفان من الإنسان والجان على كريم ما أسدى ورزق ، وتنتهى السورة بوعيد للظالمين والكافرين.

والسورة ـ كما ترى ـ حافلة ورائعة ، وأفكارها متراتبة ، وتكثر بها المصطلحات القرآنية ، منها : «الخرّاصون» : وهم الكذّابون المرتابون الذين يتخرّصون بما لا يعلمون ، والخرّاصون جمع خارص ، والخرص هو الكذب ، والخرّاص هو الكذّاب. وتقول السورة عن الخراصين : (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) (١٠) يعنى لعنوا ؛ والمتقون : يأتى فى وصفهم أنهم محسنون لا يهجعون إلا القليل من الليل ، ويستغفرون بالأسحار ، وفى أموالهم حق

٦٨٤

للسائل والمحروم ؛ و «السائل» : هو الذى يسأل الناس النفقة ؛ وقد يسأل فى علم ، وعن عمر قال لسائل فى العلم : ويلك ، سل تفقها ولا تسأل تعنتا ؛ و «المحروم» : هو الذى حرم المال ، وهو المحارف الذى لا يتيسر له الكسب ، ومعنى محارف المحدود الرزق ، تقول حورف كسب فلان إذا شدّد وضيّق عليه فى معاشه.

وفى السورة كثير من الأمثال والصور البلاغية ، كقوله تعالى : (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) (٨) ، وهو مثل يقال للمختلفين غير المتفقين فى أمر شىء ؛ وقوله : (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) (٩) يقال لمن قلّ عقله وكثر حمقه ، فصار لا يصدّق أى شىء ؛ وقوله : (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) (٢٢) ، ونظيره قوله : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) (هود ٦) ، يعنى الرزق مكتوب لكل مخلوق ، وهو فى السماء يعنى فى أم الكتاب ، وما توعدون من الخير والشر ، والجنة والنار ، والثواب والعقاب ؛ وقوله : (هَلْ أَتاكَ) (٢٤) من أساليب القرآن التى تتكرر فيه ، كقوله : (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ) (ص ٢١) ، (وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) (٩) (طه) ، والسؤال للتشويق والتفخيم ؛ وقوله : (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) (٣٩) أوى إلى من يعاضده وهم جماعته ، كقوله : (آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) (٨٠) (هود) ؛ (تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ) (٤٣) مثل يقال وعيدا وتحذيرا ؛ وقوله : (بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (٤٧) يقوله الصانع البارع القادر على الكمال ؛ وقوله : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) (٤٩) فيه إعجاز علمى لأنه قانون الوجود ، سواء فى الجماد ، أو النبات ، أو الحيوان ، أو الطير ، أو الإنسان ، أو الهوام والحشرات ، وفى العناصر هناك السالب والموجب كزوجين ، وحتى فى الخناث فإن فى الكائن الواحد الذكورة والأنوثة حاصلة ، وفى السحاب تكون بعض الأيونات موجبة وبعضها سالبة وهكذا ، فإن الزوجية تبدو فى الكون كأساس للخلق والإبداع والاجتماع ؛ والحمد لله رب العالمين.

* * *

٦٣٣. سورة الطور

السورة مكية ، وآياتها تسع وأربعون آية ، نزلت بعد سورة «السجدة» ، وترتيبها فى المصحف الثانية والخمسون ، وفى التنزيل السادسة والسبعون. والطور الذى تبدأ به السورة هو اسم الجبل الذى كلم الله عليه موسى ، والمراد به طور سيناء ؛ وليس صحيحا أن اسم «الطور» سريانى ؛ والذين قالوا بذلك نسبوا سيناء إلى الشام وليس إلى مصر!! وكان الأقرب أن يقال أن الاسم مصرى قديم ، وقيل إن كلمة «الطور» تعنى الجبل وليست اسما للجبل ، وأنها بهذا المعنى فى القرآن فى عشر آيات ، وثمانى سور ، والذين يقولون إنها ليست كلمة

٦٨٥

عربية يعتمدون فى ذلك على أنها لا تنصرف. وقيل : الفرق بين الطور والجبل : أن الطور به شجر ، والجبل يخلو منه ، اعتمادا على الآية : (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ) (المؤمنون ٢٠) ؛ والذين قالوا إن الطور كلمة سريانية ، اعتمدوا على أن بمدين جبل يسمى طور زيتا ، ومدين بالشام ، وإذن تكون الكلمة سريانية. والصحيح أن مدين بمصر على ساحل البحر الأحمر وليست بالشام ، وأن قبيلة مدين من القبائل العربية ، وأهلها هو قوم شعيب ، وشعيب نبىّ عربى. وهذه الأقوال فى نسبة الطور وسيناء إلى الشام يراد بها فى الحقيقة أنهما من فلسطين ، ويصبحان على ذلك من إسرائيل ، ويحق سلخهما من مصر ، فهل نفهم ذلك؟

وسورة الطور ـ ككثير غيرها من السور المكية ـ تبدأ بالقسم ، وهو فى هذه المرة قسم بخمسة أشياء معجزة ، ولها مكانتها عند الله تعالى ، وهى : الطور : وشرفه أنه المكان الذى كلم الله فيه موسى ؛ والقرآن : لأنه كلام الله إلى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ والبيت المعمور : قيل هو بيت فى السماء يقابل الكعبة على الأرض ، والصحيح أنه الكعبة ، معمورة بالمصلين والمؤمنين إلى أبد الآبدين ؛ والسقف المرفوع : هو السماء لأنه تعالى قال : (وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) (٣٢) (الأنبياء) ؛ والبحر المسجور : من قوله تعالى : (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) (٦) (التكوير) وهو معجزة ، فأن يكون بحرا ومع ذلك تشتعل فيه النيران وتتفجر منه الحمم ، فذلك شىء يومئذ عجيب! وقيل : الكتاب المقسم به ، والذى صفته أنه مسطور ومنشور فى الرقاق ، هو أى كتاب سماوى ، ومعنى أنه مسطور يعنى مكتوبا ، ثم إنه ليس كتابا محفوظا فى حرز كأم الكتاب ، وإنما هو منشور يقرأه الناس ، ومسطور على رقاق ، والرقاق من أشياء الدنيا ، ومن ثم فالقسم يكون قسما بكتاب من كتب السماء المنزلة إلى الدنيا ، غير أن هذا القرآن الذى منه هذه السورة المعنية ، مخاطب به أهل الإسلام ، فلا يكون هذا الكتاب إلا القرآن الذى يخصهم ويعنيهم. وجواب القسم : (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ) (٨) ، وهما آيتان من أشد الآيات وقعا على النفس ، وتصدّعان القلب ، وتسلمان إلى الخوف الشديد ، وفى ذلك يقول جبير بن مطعم : لمّا سمعت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقرأ «الطور» فى صلاة المغرب ، أسلمت خوفا من نزول العذاب ، وما كنت أظن أن أقوم من مقامى حتى يقع بى العذاب!

وتتناول سورة الطور موعد وأشراط وعلامات الساعة : فذلك يوم تمور السماء مورا : فتضطرب اضطرابا ، ويموج بعضها فى بعض كموج البحر ؛ ويوم تسيّر الجبال سيرا كسير السحاب : (تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) (النمل ٨٨) ، فيومئذ الويل للمكذّبين ،

٦٨٦

الذين جحدوا الدعوة ، وكذّبوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكفروا بالله ، وخاضوا فى القرآن يستهزءون بآياته ، فيوم القيامة يصلون الجحيم ، ويذهلون مما يرون ، وقولهم : (أَفَسِحْرٌ هذا) (١٥) تذكير لهم بما كانوا يتقوّلونه على القرآن ، وعلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فاليوم يقال لهم نفس الشيء : (أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ) (١٥) ، وهى طريقة فى الاستفهام ، ومعناه التوبيخ والتقريع ، يوبّخهم على ما كان منهم ، ويتهمهم بأنهم ما كانوا يبصرون ولا يعقلون وهم فى الدنيا. وتقابل السورة بين عذاب هؤلاء المكذّبين وهناء المتّقين ، ومنهج المقابلة هو منهج القرآن ، والمنطق الجدلى هو طريقته فى الحوار ، والمؤمنون ، لأنهم آمنوا ، فهم على عكس الذين كذبوا ، فى جنات النعيم ، فاكهين ، منعمين ، على السرر متقابلين ، ولهم أزواج من الحور العين ، ويلحق بهم ذريتهم ممن اتبعوهم ؛ وتتعدد مشاهد النعيم الحسيّة والمعنوية من المأكل والمشرب ، والهناءة والسرور والطمأنينة والسكينة ؛ وهم فى الجنة يتعبّدون ويذكرون الله ويشكرون ، ولا لغو فى الجنة ولا تأثيم ، وإنها لحياة تجعلهم فى عجب ، فما كانوا يصدّقون وهم فى الدنيا ، أن يكونوا فى هذا النعيم فى الآخرة ، وكانوا يشفقون على أنفسهم من يوم القيامة ، وها هم اليوم قد وقوا عذاب السموم ، أى النار ، واستجاب الله لدعواهم ، وكان بهم برا رحيما. وتخلص السورة من المقارنة إلى أن دور النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو أن يذكّر بالقرآن ، بمثل هذه السور والآيات ، ومنها سورة الطور ، وكان كثيرا ما يصلى بالناس يقرأها عليهم. وتنفى السورة عنه اتهاماتهم له بأنه كاهن يؤلف الكلام تأليفا فى الدين والآخرة والحساب ، كشأن الكهّان ، ولا هو مجنون يهذى كشأن المجانين ، ولا هو شاعر يوهم الناس بالكلام والأحلام. وكانوا يمنون أنفسهم أنه ربما يموت فيريحهم موته ، فقيل لهم انتظروا أن يموت كما تشاءون! وكانوا يفخرون أنهم من أولى الألباب وأصحاب الأحلام ، فسخرت منهم السورة : أفهذا إذن ما تأمركم به أحلامكم؟ أم أنتم فى حقيقة الأمر لا عقول لكم ولا أحلام ، فطاش صوابكم وطغوتم؟ أم أنكم تفترون عليه ، وتنسبون له أنه يفتعل هذا القرآن ويتقوّله؟ وتتحداهم السورة إن كان من الممكن أن يتقوّل الإنسان مثل هذا القرآن ، فليتقوّلوا هم مثله؟! وعدّدت السورة كل أنواع البهتان التى رموا بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقرآن ، وما يزال هذا حتى الآن دأب هؤلاء المكذّبين والجاحدين ، وعهدنا قريب بتقوّلات روايات وزارة الثقافة المصرية ، والجامعة الأمريكية فى مصر ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعن القرآن ، وما زالت وكالات الأنباء تنشر وتذيع تخرّصات علماء البيولوجيا عن الاستنساخ ، ويأتى الردّ على هؤلاء الأخيرين بالآية : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ) (٣٥) ، فالنعجة دوللى لم يخلقها العلماء من العدم ، ولكنهم صنعوها من المادة التى خلقها الله ،

٦٨٧

وبالقوانين والأسباب التى وضعها الله ، ومن إعجاز القرآن العلمى أن يأتى الردّ على هؤلاء فى القرن الواحد والعشرين ، وهو أيضا ردّ على من يتقوّل بأن القرآن كتاب لعصره ولا يصلح لعصور غيره؟! فذلك رد على خاصة الخاصة من علماء عصر العولمة ، وفيه إثبات بأن القرآن كتاب الله المنزّل لكل زمان ومكان ، وأنه للعالمين ، يعنى بهذا المصطلح «بنى الإنسان» أينما كانوا وفى أى زمان. ويأتى الردّ الأبلغ على هؤلاء ، بأن الاستنساخ مسألة من فضل الله ، ولكنها بسيطة وإن ضخّموا فيها ، فمتعلقها بنعجة أو فرد أو عضو من الأعضاء ، أو حتى الإنسان ، فما ذا بشأن السموات والأرض؟ فليقرّوا بأنهم غير خالقين ، وأنهم ليسوا إلا متشبّهين ، وما يقرّون ، لأنهم لم يوقنوا ، وما كانوا موقنين وهم يقولون ما قالوا ، وما كان لهم من العلم إلا القليل ، والعلم خزائن عند ربك ، ودعاواهم ليست إلا تسلّطا ومزاعم ، ولو تسمع إليهم فكأنهم يعلمون الغيب ، وكأنهم يصعدون إلى السماء يسترقون السمع ، ويعرفون ما لا يعرفه الناس ، ولو كانوا يعرفون لكانت لهم البيّنة المعلّاة. وكأن السورة حشدت كل ما يوجّه إلى هؤلاء المكذّبين المدّعين ، ومنهم قوم زعموا أن الملائكة بنات الله ، فحاجّتهم السورة : لما ذا وأنتم لا تحبون البنات وتؤثرون البنين؟ أفتجعلون لله ما تكرهون؟ ومن هؤلاء المتخرّصين ، اليهود الذين يقولون إنهم شعب الله المختار ، والنصارى الذين يقولون المسيح ابن الله ، والسورة توبّخ هؤلاء وهؤلاء ، وتردّ كراهيتهم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى أوهام عندهم ، وكأن النبىّ يتقاضى منهم أجرا على تبليغه رسالة ربّه ، وكأنما هم مثقلون بما تكلفهم هذه الرسالة. وربما كانوا فى تكذيبهم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصدرون عن علم خاص بهم ، يجعلهم واثقين وهم ينفون إمكان القيامة ، ويكذّبون وجود شىء اسمه الجنة والنار. وربما كان تكذيبهم مكرا بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من باب المكايدة ، والحق أنهم الممكور بهم والمكيدون ، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. وربما أن ما يدعوهم إليه القرآن والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يتوافق مع إيمانهم بإله آخر يشاركه تعالى فى الملك ، وسبحان الله عما يشركون. وتعرض السورة لما بلغه عناد المعاندين ، حتى أنهم ليتحدّون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يسقط عليهم كسفا من السماء ـ أى يسقط بعض السماء عليهم ـ كعقاب لهم ، ومع ذلك فلو رأوا الكسف بأعينهم ، وشاهدوه ببصائرهم ، لماروا فيه وادّعوا أنه مجرد سحاب مركوم! وأمثال هؤلاء لن ينفع معهم سوى أن يتركوا حتى يلاقوا يومهم الموعود من العذاب ، وحينئذ لن ينفعهم كيدهم ، وتختم السورة بأعظم ختام : (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ) (٤٩) ، وهى عظة للنبىّ وخطّة عمل للمرحلة القادمة ، فليس سوى الصبر على هذا البلاء الذى ابتلى به من قومه ، فهو بأعين الله وفى رعايته

٦٨٨

وحفظه ، ويسبّح بحمد الله على كل شىء ، وفى كل حين : حين يقوم من نومه ، ومن مجلسه ، وحين ينهض إلى الصلاة ، ويذكره فى جوف الليل ، وفى الصلاة ، وعقب السجود ، وعند إدبار الليل ، يقول مرة : «سبحانك اللهم وبحمدك» ، ويقول أخرى : «سبحان الله بكرة وأصيلا» ، و «سبحان الله والله أكبر» ، و «سبحان ربّى العظيم» ، و «سبحان ربّى الأعلى».

ومن مأثورات هذه السورة قوله تعالى : (إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ) (٨) ، ففي ذلك إخبار بنهاية التاريخ وقيام القيامة ووقوع البعث وإجراء الحساب ، وأن الجنة والنار حق ؛ وقوله : (إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٦) فيه إخبار بأن الجزاء بحسب العمل ، ومثل ذلك قوله : (كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ) (٢١) فأهل الجنة وأهل النار مرتهنون بأعمالهم ، وكل إنسان مرتهن بعمله فلا ينقص أحد من ثواب عمله ، وأما الزيادة على الثواب ففضل من الله ؛ وقوله : (لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ) (٢٣) ، كلام عن الجنة ولكنه دليل على مطلوب الله من الإنسان فى الدنيا والآخرة : أن لا لغو ولا تأثيم ؛ وقوله : (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ) (٣٤) يتحدّاهم أن يتقوّلوا قرآنا كالقرآن وهيهات.

ومن مصطلحات السورة : «البيت المعمور» أى شبيه الكعبة فى السماء أو هو الكعبة ؛ و «الحور العين» : الواحدة الحوراء ، وهى الأنثى البيضاء ، بضّة البشرة ، صافية اللون ، رائعة الحسن ، وسميت الحور حورا لأنها يحار الطرف فى حسنهن وبياضهن وصفاء لونهن ، أو لحور فى أعينهن ، والحور شدّة بياض العين فى شدّة سواد ، فتشبّه المرأة الحوراء بالظباء. والعين (بالكسر) جمع عيناء ، وهى الواسعة العينين ، النقية بياض العين ، والشديدة سواد الحدقة.

* * *

٦٣٤. سورة النجم

السورة كلها مكية ، وقال البعض : إلا آية منها هى قوله تعالى : (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى) (٣٢) ، والصحيح أن السورة بأكملها مكية خالصة. وسورة النجم كانت أول سورة يعلنها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بمكة ، وأول سورة فيها سجدة ، فلما نزلت صلّى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فقرأ بسورة النجم ، فلما بلغ فى القراءة : (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) (٦٢) ، سجد ، فما بقى أحد من القوم إلا سجد خلفه. وقيل : إن رجلا من المصلين لم يعجبه أن يسجد فانسحب قائلا : يكفينى هذ! وقيل : اسمه أمية بن

٦٨٩

خلف. وذكر زيد بن ثابت أنه قرأ على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سورة النجم فلم يسجد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا وصل إلى آية السجود ، وقيل : السجود هو سجود تلاوة القرآن أثناء الصلاة فقط ، كلما كانت الآيات فيها سجود ، وعددها خمس عشرة آية ، أولها خاتمة الأعراف ، وآخرها خاتمة العلق ، وقيل هى أربع عشرة سجدة ، وقيل : إحدى عشرة سجدة ؛ وقيل : إنها أربع فقط. وقيل : المراد سجود الفرض فى الصلاة وليس سجود التلاوة.

وآيات سورة النجم اثنتان وستون آية ، وكان نزولها بعد سورة الإخلاص ، وترتيبها فى المصحف الثالثة والخمسون ، وفى التنزيل الثالثة والعشرون. وبدايتها القسم بالنجم ، والنجم يقال على الواحد والكثير ، ويسمى العرب الثريا نجما مع أنها عدة نجوم ، قيل هى سبعة نجوم : ستة ظاهرة ، وواحد خفى يمتحن الناس به أبصارهم. والثريا تهوى ، يعنى تختفى ، مع الفجر ، والنجوم يكون اختفاؤها من السماء فى الفجر ، وكأنها انطفأت أو هوت. وأصل اشتقاق النجم من نجم الشيء ينجم (بالضمّ) نجوما ، أى ظهر وطلع. وفى الآية : (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ) (٦) (الرحمن) فإن سجود النجم هو أفوله ، ومعنى هوى يعنى أفل ، وهى ظاهرة عجيبة وآية من آياته تعالى تستأهل أن يقسم الله تعالى بالنجم وبالنجوم ، يقول تعالى : (وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) (٢) (التكوير) ، ويقول : (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) (٨) (المرسلات) ، وهما تعبيران آخران عن أفول النجوم بالانكدار ، وبالطمس أيضا ، وهو نفسه المقصود بقوله تعالى : (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) (١). وعن ذلك أيضا فى القرآن : (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) (٧٦) (الواقعة) ، ومواقعها يعنى حيث تقع ، أى مساقطها ومغاربها يوميا ، أو انكدارها وانتثارها يوم القيامة. وفى العلوم الحديثة فإن وقود النجوم الذى تضيء به هو عملية الاندماج النووى لذرّات الهيدروجين ، وهناك نجوم أشد حرارة من الشمس حتى لتبلغ مئات الملايين من الدرجات المئوية ، بينما حرارة الشمس ما بين ١٥ إلى ٢٠ مليون درجة مئوية ، وهذه النجوم يسمونها لذلك المستعرة ، وبها يتخلّق الحديد ، فإذا صار لبّ النجم المستعر كله من الحديد ، انفجر وتناثرت أشلاؤه فى صفحة الكون ، فيدخل فى نطاق جاذبية الأجرام والنيازك التى قد ترتطم بالأرض. ومن هذه النيازك كان دخول الحديد إلى باطن الأرض ، حتى صار هذا الباطن كله من الحديد ، وأقلّه فى قشرتها الظاهرة. وهذا إذن هو المقصود بقوله تعالى : (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى) ، فهو إعجاز علمى يسبق به القرآن ، ويتهافت معه كل تفسير آخر. وجواب القسم : ما ضلّ محمد عن الحق ، وما حاد عنه ، وما تكلم بالباطل ، وما كان له أن يقول ما قال عن هواه ، ولا أن يخرج نطقه عن رأيه. والخطاب : لكفّار

٦٩٠

عليه مع طول صحبتهم له ، فعبّر عن ذلك بلفظ (صاحِبُكُمْ) (٢). وموضوع هذه الآيات : هو الإسراء الذين لم يصدّقوه فيه ، فلقد روى لهم أن جبريل استوى بقوته فى الأفق ، وكان فى صورته الملكية ، ورآه النبىّ على هذه الصورة ، وكان بحراء ، فطلع له من المشرق وسدّ بهيئته الأفق الأعلى ، وتدلّى حتى دنا منه ، فأوحى إليه ما أوحى ، فهذه هى المرة الأولى ، وما كذّب فؤاده ما رأته عيناه ، ووعاه بصره ولا شك فيه ، وما كان ينبغى أن يماروه فيما رأى ، ولا أن يجحدوه. ثم رآه مرة أخرى فى ليلة الإسراء ، نازلا إليه ، عند سدرة المنتهى حيث انتهى به المعراج ، والسدرة يغشاها ما يغشاها ، وعندها جنة المأوى ، وما جاء فى هذه الآيات من المصطلحات من أمور الغيب. وما يرويه مما رأى ، هو ما أبصره بعينيه ، ووعاه بعقله ، وما زاغ بصره ، ولا ضلّ عقله ، ولا جاوز حدود ما أطلع عليه ، ولقد أطلع على الكثير ، وكلها آيات كبرى.

ثم يأتى الجزء الثانى من السورة ، وأوله : (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) (٢٢) ، فلما ذكر الوحى والإسراء والمعراج ، وذكر من آثار قدرة الله ما ذكر ، حاجّ المشركين فى عبادتهم لما لا يعقل ، ولاعتقادهم فى أصنام من حجر ، وردّ عليهم قولهم بأن اللات والعزّى ومناة هن بنات الله ، مثلما الملائكة التى قال بها هن بنات الله فى زعمهم ، فكيف إذا اختاروا لأنفسهم يختارون أن يكون لهم أولاد من الذكور ، وإذا اختاروا لله يختارون له البنات؟ وما كان ما يعبدونه إلا أسماء أسموها لا وجود لها فى الواقع ، فكأن ما يقوله فلاسفة الوضعية المنطقية حاليا يستقونه من هذه الآية ، لأنهم أنكروا الإقرار بالوجود إلا لما يكون من الواقع ، فما ليس من الواقع وإن كان فى كلامنا ، فوجوده nil ، أى معدوم ، والآية تقول ذلك ، وترد الموجودات المتوهّمة إلى : (الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ) (٢٣) ، وتبطل دعواهم أنهم ما يعبدونها إلا زلفى أى للشفاعة ، فلا أحد من المخلوقات يملك أن يتشفع من تلقاء نفسه إلا أن يأذن له الله ، وحتى الملائكة لا تملك أن تتشفع لأحد إلا بإذنه تعالى ، والحال مع هؤلاء هو الإعراض عنهم طالما هذا هو اعتقادهم ، وهو كل مبلغهم من العلم ، وأما المؤمنون فسيكون جزاءهم الحسنى.

ثم يكون الجزء الثالث من السورة عن واحد من الذين كفروا وأساءوا ، وهو الوليد بن المغيرة ، فقد تولّى وبخل واستغنى ، مع أنه يعلم مما جاء فى كتب السابقين ، أن الإنسان ليس له إلا ما يسعى ، وأن سعيه سوف يرى ، وأنه إلى الله المنتهى ، وأنه تعالى العادل لا تتعدى عقوبته غير المجرم ، وهو تعالى القادر الذى يميت ويحيى ، ومثلما خلق من لا شىء ، فبوسعه أن يعيد ما خلق ، وأن يغنى ، وأن يفقر ، وهو ربّ الأكوان والأزمان ،

٦٩١

وأهلك الأوائل لمّا كفروا. ويأتى الخطاب إلى من كفر ، بعد أن ينبههم إلى نعمه وخيراته ، وإلى قدرته وعلمه ، ليسألهم : لما ذا إذن الكفر؟ ولما ذا تكذّبون بالقرآن؟ ، ولما ذا تضحكون مستهزئين لاهين وكان الأولى بكم أن تبكوا؟ وتختتم السورة بالأمر الإلهى : اسجدوا لله واعبدوه ، فذلك أحرى بكم.

والسورة حافلة بالمصطلحات ، ومن مأثوراتها قوله : (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) (٤) ، وفيه أن السنّة كالقرآن كلاهما من الوحى ؛ وقوله : (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى) (٩) يقال لتصوير شدّة القرب ؛ وقوله : (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) (١٨) ، قالوا : رأى الله تعالى ببصره ؛ وقال آخرون : بقلبه ؛ وقالت عائشة : رأى جبريل وما رأى ربّه. وكيف يراه وهو تعالى يقول : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) (الأنعام ١٠٣) ؛ وقوله : (تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى) (٢٢) أى قسمة جائرة عن الحق ، ومائلة عن العدل والإنصاف ، من ضاز فى الحكم أى جار ، وضاز حقّه أى نقصه ؛ وقوله : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها) (٢٣) يعنى اخترعوها ولا دليل على صحتها ؛ وقوله : (ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) (٣٠) يقال تصغيرا لعلم الخصم ؛ وقوله : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) (٣٩) ، وقوله : (أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) (٣٨) يعنى أن الإنسان يجزى بعمله ، ولذلك لم يجز بعضهم الصيام والصلاة والحج عن الميت ، ولم يقرّ بالشفاعة ؛ وقوله : (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) (٤٢) فمنه ابتداء المنّة ، وإليه انتهاء الأمان ؛ وقوله : (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى) (٤٣) أى لا فاعل إلا هو ؛ وقوله : (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ) (٦١) : استفهام توبيخ.

ومن مصطلحات السورة : «سدرة المنتهى» : والسدرة شجرة ، وعندها كانت نهاية المعراج ، وهى التى ينتهى ويقف عندها الملائكة ؛ ومثلها مثل شجرة الحياة أو شجرة المعرفة التى ذاق آدم وحواء ثمارها فانكشفت لهما عورتاهما ؛ ومثل شجرة الزقوم التى تخرج فى أصل الجحيم ؛ فهذه ثلاث شجرات من الغيب ؛ وجنة المأوى : من الغيب ، ولا نعرف إلا موضعها عند سدرة المنتهى ؛ واللات : صنم لثقيف بالطائف من لفظ الله ، و «العزّى» : صنم لقريش وبنى كنانة من لفظ العزيز وهو الله ؛ و «مناة» : صنم لبنى هلال وهذيل وخزاعة ، يقال : منى الله الخبر لفلان أى قدّره ، وقيل : هذه الأسماء عندهم أسماء بنات الله ، الأولى : اللات ، والثانية : العزّى ، والثالثة : الأخرى (أى وهذه الأخرى الثالثة) وهى مناة. «وكبائر الإثم» : كل ذنب ختم بالنار ؛ و «الفواحش» : كل ذنب فيه الحدّ ؛ و «اللّمم» : هى الصغائر ، ولا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله ؛ و «أزفت الآزفة» : قربت الساعة ؛

٦٩٢

و «ربّ الشّعرى» : والشّعرى هى الكوكب المضىء الذى يطلع بعد الجوزاء ، وطلوعه من شدة الحر ، وهى شعريان : الشعرى العبور ، والشعرى العميصاء ، وكان العرب يعتقدون أنهما أختا سهيل. وهو تعالى ربّ الشعرى وإن كان ربّا لغيره ، فلأن العرب كانوا يعبدون الشعرى ، فإنه تعالى أعلمهم أنه ـ أى الشعرى ليس بربّ ، ولكنه مربوب ، والله تعالى هو الربّ ؛ و «عاد الأولى وثمود وقوم نوح والمؤتفكة» : أمم قديمة ، «وعاد الأولى» هم قوم صالح وهؤلاء أهلكوا بالريح الصرصر ، وسمّوا عادا لأنهم من ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح ، ومعنى أنهم الأولى أن لدينا عادا ثانية ، قيل : هى ثمود ، قوم هود ، وكانوا أقارب لعاد الأولى ومن نسل عاد ، ويقال أيضا هم عاد الآخرة وكانوا قوما جبّارين. وقيل : عاد الثانية أو الآخرة هى الولايات المتحدة فهذه فعلت أكثر مما فعلت عاد الأولى ؛ فإن كان الله قد فعل ما فعل فى عاد الأولى ، فما الذى سيفعله فى عاد الثانية هذه وأعمالها فى الكفر والفساد فاقت كل ما صنعه القدماء مئات المرات؟!! وقوم نوح أهلكوا قبل عاد وثمود ، وسبب هلاكهم كما قال : (إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى) (٥٢) فلما طالت مدة نوح فيهم ، وطالت رسالته معهم كثر ظلمهم وطغيانهم ؛ أو أن المشركين من العرب كانوا أظلم وأطغى من كل هؤلاء. والمؤتفكة : هى مدائن قوم لوط ، ائتفكت بهم ، أى انقلبت وصار عاليها سافلها ؛ و (النُّذُرِ الْأُولى) (٥٦) : هم الأنبياء من قبل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهى أيضا الأمم السالفة التى أنذرت كما أنذر العرب.

* * *

٦٣٥. سورة القمر

السورة مكية ، وآياتها خمس وخمسون ، نزلت بعد الطارق ، وترتيبها فى المصحف الرابعة والخمسون ، وفى التنزيل السابعة والثلاثون ، وهى من أولها لآخرها حملة مضادة لأكاذيب أعداء الإسلام ، وفيها كل صفات وشروط الردود على حملات الأكاذيب التى يشنّها عادة أعداؤنا من يهود ونصارى ومستعمرين ومستشرقين ، من الأجانب أو العرب أو المسلمين ، ضد الإسلام والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقرآن ، ومن ثم كانت السورة بمثابة المنشور أو الإعلان الدعائى للدعوة إلى الإسلام ودحض كل تخرّصات المتخرّصين ، وافتراءات المفترين ، ثم إنها إعجاز علمى يتناول ناحية من نواحى الوجود الكونى ، واختير له القمر كاختيار الشمس فى سور أخرى ، لأنهما أوضح ما يكونان لكل ذى بصر ، فإذا اجتمعت له البصيرة مع البصر لأدرك أن الكون لا يمكن أن يكون قد تخلّق عشوائيا ، ولا عبثا ، وأن له معمارا هائلا عظيما لا يمكن إلا أن يردّ إلى مهندس مبدع ، وعالم عليم ، وإله قادر

٦٩٣

قدرة مطلقة. وتتحدث السورة عن يوم القيامة ، ومن أعراضه أن ينشق القمر ، وتسميها السورة «الساعة» ، تشبيها لقصر هذا اليوم حتى أنه ليمر وكأنه ساعة ، أو أن القيامة حين تحين فلها وقت وساعة تقوم فيهما ؛ وانشقاق القمر تصدّعه وانفلاقه فلا يعود قمرا ، ولا تعود له وظيفة القمر ، فلما نزل قوله تعالى : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (١) لم يصدقوا أن ينشق القمر فكانت الآية بعد هذه الآية الأولى : (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) (٢) ، وكان سبب نزولها أن البعض ادّعوا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت له هذه المعجزة ، فقد طالبوه بآية ، فانشق لمطلبهم القمر كآية له ، والشمس والقمر فى ذاتهما آيتان من آيات الله ، أفلا يكفيان؟ ثم إنهما وهما يعملان آيتان أكبر وأعظم مما لو أبطل عملهما؟ وفى الحديث أنهما لا يسجدان لأحد ولا ينشقان ، وفى القرآن أنهما مسخّران لأجل مسمى ، وكما أن الإنسان لا يموت إلا موتة واحدة ، فكذلك موت القمر أو انشقاقه يحدث مرة واحدة حين تحين الساعة لا غير ، والقول إذن بأن القمر انشق بمكة كطلب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الإسرائيليات ، ولو انشق القمر لوقع وانطمس نوره وما عرف الناس الشهور ، وانظر إلى ما يحدث فى الخسوف لتدرك هول ما قد يحدث لو انشق القمر؟! وفى السورة : (كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) (٣) أن القمر بحسبان وأنه يجرى إلى يوم الدين ، فذلك من الأمور المستقرة ولا تبديل لها. ولمن يسأل المعجزة قالت السورة : (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) (٤) ، ولكنهم لم يزدجروا ، وهذا القرآن كان فيه الحكمة البالغة ، والقصص الحق ، ولكن الآيات والنذر ما تغنى عن قوم لا يؤمنون ، فلا معدى أن يتولّى عنهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأن مصيرهم إلى العذاب يوم الدين ، وتصف الآيات أحوالهم فيه ، فهم يخرجون من القبور كالجراد المنتشر ، خشّعا أبصارهم ، مهطعين ـ أى مسرعين إلى الداعى ، لا يقولون إلا عبارة واحدة : (هذا يَوْمٌ عَسِرٌ) (٨). ثم تضرب السورة الأمثال للنبىّ وللمؤمنين بما حدث لأنبياء قبله ، تسلية لهم ، ورفعا لمعنوياتهم ، وقدوة وأسوة ، ولا مراء أن أول من يضرب به المثل هو نوح ، وقد وصفوه بالجنون كما وصفوا به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأخبرت السورة بأنهم ازدجروه ومنعوه من الدعوة وسبّوه مثلما حدث مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فما استطاع إلا أن دعا ربّه : (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) (١٠) ، فاستجاب له ، وأمطرهم بماء منهمر ، وتفجّرت الأرض عيونا ، والتقت المياه فى طوفان عظيم ، ولو لا سفينته التى أمره الله بصنعها من الألواح والحبال لما نجا نوح ومن معه ، وجرت السفينة بأعينه تعالى ، وبحفظه وكلئه ووحيه ، فكانت آية لمن كفر ومن جاء بعد نوح من الأقوام ، فهل من مدّكر؟ وهذا القرآن كسفينة نوح فيه النجاة ، ويسّره الله لمن يتّعظ ، فهل من مدّكر؟ ثم كان قوم عاد

٦٩٤

فكفروا ، فأرسل عليهم ريحا صرصرا كالطوفان ، جعلت يومهم نحسا ، وكانت تنزعهم نزعا كأعجاز النخل المنقعر ، وذكرت قصتهم فى القرآن للعظة والعبرة ، فهل من مدّكر؟ وكذبت ثمود بنبيّهم ، بدعوى أنه بشر مثلهم ، ووصفوه بأنه كذّاب أشر. وكذّب أصحاب الناقة صالحا وائتمروا بناقته فعقروها ، فما كانت إلا صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ، أى حشاش الأرض الجاف فى حظائر الماشية. وقوم لوط تماروا بالنذر ، فأرسل عليهم ريحا حاصبا ترميهم بالحصباء ، صبّحهم بها بكرة لمّا راوده عن ضيفه. وآل فرعون كذبوا بالنذر ، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ، وكل هؤلاء أوردوه عنهم القرآن لعل كفّار مكة يتّعظون ، فهل هم خير ممن سبقوهم وجاءت بأخبارهم الكتب؟ أو أنهم واثقون من النصر بما أعدوه وهيئوه من أسبابه؟ والله غالب على أمره ، ولقد وعد أن يهزم الجمع ويولوا الدّبر ، وأن موعدهم الساعة ، والساعة أدهى وأمرّ ، فهل من مدّكر؟! وتصفهم السورة بأنهم مجرمون ، وعقيدتهم ضلال ، وعذابهم السعر ـ أى جهنم ، يسحبون فيها على وجوههم ، وتسعرهم النار ، وتسوّد وجوههم. وتختتم السورة بموجز للدرس المستفاد منها : أن قضاء الله أسرع من لمح البصر ، وأنه تعالى قد أهلك أمما قبل هؤلاء الكفرة من قريش ، وكانوا أشباههم ، ورصد كل ما فعلوه فى الكتب وأحصاه ، فهل يتعظون؟ فلما ذكر المكذّبين تلا ذلك بذكر المتّقين نقيضهم ، وهؤلاء مقارنة بهم فى جنات ونهر ، لهم مقاعد صدق ومجالس حق ، عند ربّهم المليك المقتدر.

وفى السورة كثير من المصطلحات والأمثال ، فمن المصطلحات : «الساعة» : أى يوم القيامة ؛ واليوم العسر : وهو يوم القيامة أيضا ؛ والعقر : هو النحر ، وقيل : كان اسم الذى عقر الناقة قدار ، فأطلق على الجزّار من ثم اسم قدار ؛ وسقر : هى جهنم ، ويقال لها أيضا لظى ؛ ومقعد صدق : هو مجلس الحقّ ، أى المجلس حين يخلو من اللغو والتأثيم ، ومقاعد الصدق أصلا لا تكون إلا فى الجنة. ومن الأمثال والحكم البالغة قوله تعالى : (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) : تحذير ووعيد باقتراب يوم القيامة ، وأنه لم يبق على ذلك من الوقت لقيامها إلا قدر ساعة ؛ (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (١) تقال عن المستحيل ، إلا ما كان بالنسبة لله تعالى ؛ وقوله : (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) (١٦) : تكررت كاللازمة أربع مرات فى السورة ، ويقال ذلك استعظاما للنذر واستبشاعا للعذاب ؛ وقوله : (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (١٥) : والمدّكر هو المتّعظ ، و «هل» : كلمة استفهام تستدعى حضور الأفهام ، والعبارة كلها حجّة على من يسمع ويقرأ القرآن ولا يتّعظ ، وتكررت كاللازمة ست مرات فى السورة ؛ وقوله : (الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) : عبارة بليغة صارت على الألسنة ؛ وقوله : (سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) (٢٦) : توعّد

٦٩٥

هو قمة فى البلاغة ؛ ثم الاستفهام : (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا) (٢٥) للإنكار ، ومثله السؤال : (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) (٤٤) وقوله : (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ) : إعجاز قرآنى فيه تنبؤ بالمستقبل ، وقد كان وهزموا شرّ هزيمة ؛ وقوله : (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) (٤٦) : من طرق القرآن فى التعبير البليغ ، وفيه استدراك وجزم ؛ وقوله : (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) (٥٣) : أى مسطور ومكتوب ، كقوله : (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) (٥٢) أى فى الكتب. وبعد ... فإن المرء ليحار وهو يختار من بين عجائب سورة القمر ، وإنها لمن معجزات القرآن ، صياغة ، وبلاغة ، وإيقاعا ، ولله الحمد والمنة أن آتانا هذا الكتاب : القرآن.

* * *

٦٣٦. سورة الرحمن

السورة مدنية ، وآياتها ثمان وسبعون آية ، نزلت بعد سورة الرعد ، وترتيبها فى المصحف الخامسة والخمسون ، والحادية عشرة فى التنزيل المدنى ، وفى التنزيل عامة هى السابعة والتسعون ، واسمها «الرحمن» من افتتاحها باسمه تعالى : (الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ) (٤). وقيل لو جمعت الحروف : الر التى تبدأ بها خمس سور ، و «حم» التى تبدأ بها سبع سور ، و «ن» التى تبدأ بها سورة واحدة ، لكوّنت معا اسم «الرحمن». واسمه تعالى «الرحمن» يتكرر فى القرآن سبعا وخمسين مرة ، ولا يسمّى به غير الله ، تقول «الله» وتقصد «الرحمن» ، أو تقول «الرحمن» وتقصد «الله» ، كقوله تعالى : (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) (الإسراء ١١٠) ، ويقترن اسمه «الرحمن» باسمه «الرحيم» أربع مرات فى القرآن ، ففي الفاتحة يأتى : (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (٣) ، والاسمان يشتقان من الرحمة ، أو أن الرحمة تشتق منهما ، فلما كان الله كانت الرحمة وليس العكس ؛ ورحمن أشد مبالغة من رحيم ، وهو تعالى رحمن لجميع الخلق ، ورحيم بالمؤمنين. ولمّا ادّعى مسيلمة النبوة تسمّى باسم رحمن اليمامة ، واليمامة بلده ، ويشاء الله أن يشتهر على العكس باسم مسيلمة الكذّاب. وفى الحديث القدسى : «أنا الله وأنا الرحمن ، خلقت الرحم ، وشققت لها من اسمى». ولمّا سأل أهل مكة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما الرحمن؟ أنزل الله تعالى هذه السورة «الرحمن» جوابا على سؤالهم ، وفى رواية أخرى قيل عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إنما يعلّمه مسيلمة ، فأنزل الله تعالى لهذا السبب هذه الآيات : (الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (٢) ؛ وقيل : علّم نبيّه القرآن ، وعلّمه الحلال والحرام ، والهدى من الضلال ؛ وقيل : علّم آدم : (عَلَّمَهُ الْبَيانَ) (٤) ، يعنى أسماء كل شىء ، وعلّمه اللغات ، وقيل : «البيان» : هو

٦٩٦

الخير والشرّ ، وما ينفع وما يضرّ. «والإنسان» فى السورة : يراد به جميع الناس ، و «البيان» على هذا يكون الكلام والفهم ، فضّل الله تعالى الإنسان بالبيان على سائر الحيوان. وهذه السورة للتعريف بالله خالق الإنسان والبيان ، وهى من السور التى بها الكثير من الفلسفة فى مسائل الإلهيات ، والنشأة ، وعلوم الكون والفضاء والنفس. والبيان الذى علّمه الله للإنسان ، واختصّه به ، ليس مجرد الكتابة والخط بالقلم ، ولا هو مجرد التعبير للتفاهم حول اليوميات ، ولكنه جماليات اللغة وأنماط الأدب ، وجماليات الخطوط والأشكال والرسوم والألوان ، كقوله تعالى : (عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) (العلق). والبيان من آلاء الله ، وآلاؤه أو نعمه لا تعدّ ولا تحصى ، وهذه السورة للفت النظر والسمع والفهم إلى بعض منها ، وتتكرر الآلاء ٣١ مرة ، وفى كل مرة تذكر ، يأتى (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) (١٣) ، والخطاب فيها لاثنين ، قيل هما المؤمن والكافر ؛ وقيل : الخطاب للإنس والجن ، كقوله تعالى : (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي) (الأنعام ١٣٠) ، ومع ذلك فالقرآن ليس كتابا للجن ولكنه كتاب للبشر ، وما قصّه علينا إنما عن رسل البشر وليس عن رسل الجن ، وسورة الرحمن الخطاب فيها ، والحديث فيها يشمل الإنس والجن. وفى القرآن إخبار عن أن الجن استمعوا له واتّعظوا به. وفى الرواية : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قام يصلى الصبح بنخلة ، فقرأ سورة الرحمن ، واستمع لها نفر من الجن ، وذهبوا يبلّغون. وقيل : لمّا نزلت عليه سورة الرحمن خرج على أصحابه يقرأها عليهم من أولها إلى آخرها ، فسكتوا ، فقال : «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن ، فكانوا أحسن مردودا منكم. كنت كلما أتيت على قوله : «فبأى آلاء ربكما تكذبان» قالوا : لا بشيء من نعمتك ربّنا نكذّب ، فلك الحمد» أخرجه الترمذى. وهذا الحديث اتّخذ ذريعة للقول بأن السورة مكية وليست مدنية ، وقالوا : إن روحها روح السور المكية ، وفيها عن الجن مثلما فى سورة الجن وهى مكية أيضا ، وهذه السورة الأخيرة رواية عن الجن فى تسع عشرة آية من ثمان وعشرين آية هى كل آيات السورة. وكذلك سورة الرحمن تلازم فيها الخطاب للإنسان والجن ، وتسميهما السورة : «الثقلان». قيل : سميّا بذلك الاسم ، لعظم شأنهما بالإضافة إلى سائر ما فى الكون من مخلوقات ، أو لعظم ذنوبهما. ولا يستغربن القارئ أن يكون فى القرآن سور وآيات عن الجن ، فإن علوم الفضاء الحالية يؤكد علماؤها أن غايتهم اكتشاف سكان الكون من غير الإنسان ، ويجزمون بأن هناك مخلوقات تسكن الكواكب وتعمّ الكون بخلاف الإنسان ، فلما ذا لا يكون هؤلاء هم الذين يسميهم القرآن الجن؟ ولقد بيّنت سورة الجن مدى قدرات الجن ، وأنهم يتنصتون على الملأ الأعلى فى السماء ؛ وفى سورتى النمل وسبأ :

٦٩٧

أن سليمان استخدم الجن لعلمهم ومهارتهم ، والجن إذن من ثوابت القرآن ، وليس فى القرآن أن نبيّنا تعامل مع الجن أو خاطب الجن ، وكل ما فيه أن الجن استمعوا إلى القرآن ، كقوله تعالى : (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ) (الأحقاف ٢٩). وفى القرآن يتكرر الخطاب والرواية عن الجن والإنس ، إحدى عشرة مرة ، ومنها مرتان كان الخطاب فيهما لهما معا ، فكانت الجن تقدّم على الإنس : (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (٣٣) ، فنفهم أن الجن بمصطلح سورة الرحمن هم : «أثقل الثقلين». واستهلال آلاء الله على الإنسان بالقرآن ، دليل على أن القرآن هو نعمة الله الكبرى ، ويسبق فى الذكر خلق الإنسان ذاته وتعليمه البيان. وتخلص السورة إلى بقية الآلاء فى تراتب قيمى ، فبعد القرآن ، والإنسان ، والبيان ، تأتى الشمس ، والقمر ، والنجم ، والشجر ، والسماء ، والمقصود تعداد ما أنعم الله به على نوع الإنسان ، حثّا لهم على شكره ، وتنبيها على تقصيرهم فى هذا الشكر. وكل هذه الآيات خلقها تعالى بميزان ، أى بتقدير وحساب ، فالميزان شرعته تعالى ، وبدون الميزان لا يستقيم الكون ، ومن ثم كانت موعظته تعالى للإنسان بأن يقيم الوزن بالقسط ، أى بالحساب والتقدير ، بحسب القصد والغاية ، فبالميزان وضع الله تعالى الأرض كوضعه للسماء ، ويسّر الأرض للناس ، فكل شىء لا بد أن يكون بميزان وبغاية ، والأرض كانت كذلك بغاية معاش الإنسان ، فذلّلها له ، وخلق له فيها كل ما لذّ وطاب ، ومن الإعجاز الفكرى والحضارى للقرآن أن خلقه جاء قبل خلق الإنسان ، لأنه قبل خلق الإنسان لا بد أن يوجد سبب للخلق ، وأن يحدّد للإنسان منهج ، والقرآن خلقه الله للإنسان ليرجع إليه ، وكل علم لا بد فيه من مرجع ، والقرآن هو الكتاب المرجع الأكبر ، والقراءة والكتابة أساس كل حضارة ، والبيان هو أعلى علوم الإنسان ، ولذا قال تعالى فى سورة الرحمن : (عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ) (٤) ، فكان القرآن أولا قبل الإنسان. ومن الإعجاز العلمى : أن الشمس والقمر بحسبان ، والحسبان عند العرب هو الرحى ، يعنى قطب الشمس أو القمر ، فهما يدوران فى مثل القطب ، فنبّه القرآن إلى دورانهما حول نفسيهما ، وحول كواكب أخرى ، ولكل نظامه ، مثلما للنجم والشجر نظامهما ، وسجودهما يعنى انتظامهما فى النظام المنوط بهما ، كقوله تعالى فى سورة النور : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) (٤١) ، وقوله فى سورة الإسراء : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (٤٤) ، ونفهم أن يكون للملائكة والإنسان تسبيح وصلوات ، لأن لهما عقول وفهوم ، وأما الشجر والحيوان والطير والنجوم ، فهى مسخّرة ، وصلاتها وتسبيحها هو

٦٩٨

قيامها بالمنوط بها ، فالنجوم لتضىء وتدور فى الأفلاك تربط هذا بذاك ، والشجر ليثمر ويعطى الحبّ والفاكهة ، فذلك هو سجودهما. ووضع الأرض هو سجودها ، أى تسخيرها ، فإذا كان الكون كله فى صلاة وتسبيح وسجود ، فكان الأحرى بالإنسان والجان وقد خلق لهما العقل ، أن يعبدا الله حقّ عبادته. وقوله تعالى : (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) دليل على أنهما مكلّفان. ويخبر تعالى بصدق القرآن ، بدليل خلق الإنسان والجان ، فالإنسان خلقه من تراب ، والجان خلقه من نار ، وبرهان ترابية الإنسان أنه إذا مات يتحلّل إلى عناصر هى نفس عناصر التراب. وفى سورة الرحمن يأتى عن خلق الإنسان قوله تعالى : (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ) (١٤) ، وفى سورة الحجر أنه خلقه : (مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (٢٨) ، وفى سورة الصافات : (إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) (١١) ، وفى سورة آل عمران : (كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) (٩٥) ، وكلها معان متفقة ، غير متعارضة على عكس ما يقول المستشرقون ، ففي البداية كان خلق الإنسان من تراب الأرض ، عجن حتى صار طينا ، وتخمّر فصار كالحمإ المسنون ، ثم اشتدّ فصار صلصالا كالفخار. وجاء خلق الجان مقارنا بخلق آدم ليدل على طلاقة قدرة الله تعالى ، والخطاب فى سورة الرحمن للاثنين الإنس والجن ، والجن خلقهم (مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ) (١٥) أى من لهب من النار ، أو من خلط النار ، والجان واحد الجن. فهذا هو خلقه لكل هؤلاء ، وجميعها دلائل على قدرته ، فبأى هذه الدلائل تكذبان يا معشر الإنس والجان؟ وهو تعالى ربّ مشرقىّ الأرض ومغربيهما ، وذلك دليل علمى آخر على كروية الأرض ودورانها حول الشمس ، فالشمس إذا أشرقت على نصفها الشمالى كان الوقت غروبا فى النصف الجنوبى ، وإذا كان الوقت نهارا فى الجنوبى ، كان ليلا فى الشمالى. ومن آياته أنه أرسل البحر الملح والبحر العذب يتجاوران ويلتقيان ولا يمتزجان ، وبينهما حاجز من قدرة الله لا يطغى أحدهما على الآخر ، ومن الماء يخرج اللؤلؤ والمرجان كما يخرج من التراب الحبّ والعصف والريحان ، فسبحان الواحد المنّان! وأجرى السفن فى البحر مرفوعات الشراع ، فكانت كالجبال فى البرّ ؛ فكأنه تعالى أحصى الأصول فى هذه الأربعة : التراب ، والماء ، والهواء ، والنار ؛ فالتراب خلق منه الإنسان ؛ والماء : خلقت منه الأنهار والبحار ، وخلق طينة الإنسان ، وسقى الزرع والحيوان ، وأخرج من الأنهار والبحار الدّر والمرجان ؛ والهواء : جفّف الطين الذى قدّ منه الإنسان ، وأجراه فيه فبعث فيه الحياة وتنفّست رئتاه ، وجعل الهواء لكل شىء حىّ ، وحتى السفن فى الماء تندفع بالهواء ؛ والنار : خلق منها الجان ، وسوّى بها طينة الإنسان ، ولها الفوائد الجليّ فى توليد الطاقة وغير ذلك ، فهذه هى العناصر الأربعة الأصول لكل الأشياء ، فأى

٦٩٩

حجة من هذه الحجج يمكن أن يدحضها الإنسان أو الجان؟ ثم إن الموت يفنى كل ذلك ولا يبقى سوى الله ، وهو برهان يشهده الإنسان والجان كل يوم ، فهل يستطيعان له دفعا؟ وفى الآية : (وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (٢٧) أن وجهه تعالى هو وجوده وذاته ، فإن اعتبرته صفة فهى زائدة على ذاته بلا تكيّف ، ويحصل بها الإقبال على من أراد الربّ تخصيصه بالإكرام ، والجهة التى يتقرّب بها إليه ، وإلّا فلا وجه ولا جسم ، ولا تبعيض ولا تجسيم ، وهو تعالى : (ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (٢٧) جلّ وعلا أن يكون له ندّ أو شبيه ، فأكرموه بالتوحيد وهو المستحق للتوحيد ، يسأله أهل السموات والأرض ، وهو كل يوم فى شأن : يحيى ويميت ويقرّ فى الأرحام ، ويعزّ ويذل ، ويرزق ويمنع ، والدهر كله يومان ، يوم للدنيا وآخر للقيامة ، وشأنه فى الدنيا الابتلاء والاختبار ، بالأمر والنهى ، والإحياء والإماتة ، والإعطاء والمنع ، وشأنه يوم القيامة الجزاء والحساب ، والشئون يبديها ولا يبتديها. ويتحدى الله تعالى الإنس والجن أن ينفذوا من أقطار السموات والأرض إلا بإذنه كما فى المعراج ، والعلم الذى يستعان به هو من إذن الله ، وهو تعالى لا يكشف العلم للإنسان إلا فى حينه ، ومتغيرات الفضاء التى لم يخلق لها الإنسان ولا الجان من شأنها أن تصيبهما بالاحتراق ، كما تحترق النيازك والشهب إذا وقعت من مواقعها فى الفضاء. ودخلت أقطار الأرض. وشواظ النار والنحاس هى النيكل المحمى الذى ثبت أن النجوم والكواكب مركبة منه بفعل الانفجارات النووية فيهما وفى الشمس ، وانشقاق السماء يوم القيامة لأن الانفجار النووى الأكبر يكوّرها ويجوّفها ويجعل لها شكل الوردة ، كصبّ الدهن تكون له الألوان ، تتغير بتأثير الحرارة إلى اللون الأحمر كالوردة. ويوم القيامة لا يسأل الناس عن ذنوبهم ، لأن كتبهم فيها الكفاية ، ولوجود الشهود عليهم ، وتكفى سيماهم أو سماتهم ، وفى الطب النفسى ضمن علم النفس الإجرامى ، والطب النفسى الإجرامى ، فإن للمجرمين سمات فى الخلقة وفى السلوك ، وفى الكلام والتفكير ؛ والكلام والتفكير من السلوك ، ومن علماء هذا العلم لمبروزو العظيم الذى حدد بعض هذه السمات ، وقال بها القرآن قبل أهل العلم ـ وذلك من معجزاته العلمية ؛ والملائكة تتعرف على المجرمين بسماتهم ، وتقبض عليهم من نواصيهم وأقدامهم ، جزاء بما كانوا يكذّبون ، فهذه جهنم التى كذّبوها ، ورواحهم فيها بين الجحيم والحميم ، وبين النار والشراب ، وشراب النار شراب آن ، يعنى حمّى عليه حتى بلغ القمة فى الغليان. فلما ذكرت السورة العذاب تلته بالثواب ، لتكمل المقارنة ، ولمن شاء أن يختار ما يشاء ، فهذا عذاب المكذّبين ، وهذا ثواب المصدّقين : جنتان ذواتا أغصان ، وبهما سعة وفضل ، وتسقيهما عينان تجريان ،

٧٠٠

وفيهما الفاكهة من جميع الألوان ، جزاء لكل من خاف قيام ربّه واطّلاعه عليه ، ولمن همّ بالمعصية فتذكّره تعالى فتركها خوفا منه. وفى الجنتين فرش من الديباج ، وثمر الشجر دان عليهم ، وعلى الفرش نساء بكر محتشمات حيّيات ، شديدات الجمال والصفاء ، حتى لكأنهن الياقوت والمرجان فى الصفاء والبياض ، وهذا بعض إحسان الله للمحسنين ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ومن دون هاتين الجنتين جنتان أخريان ، فيهما العيون الفوّارة ، والفاكهة ، والنخل والرمان ، ونساؤهما خيّرات ، ليس أحد فى حسنهن ، فعيونهن حور ، وتسترهن الخيام ، تفرشها البسط الخضراء ذات الحواشى والرفارف ، وذلك فضل الله يؤتيه المحسنين ، فهل بعد ذلك من عذر أو حجة للتكذيب والجحود والنكران؟ وهكذا نأتى إلى ختام السورة ، بأحسن كلام فى الله تعالى وتمجيده والثناء عليه ، بقوله تعالى : (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) (٧٨) أراد به اسمه الرحمن الذى ابتدأ به السورة ، كأنه يعلّم أمة محمد : أن كل هذا الخلق كان خروجه من رحمة الله ، فمن رحمته أنه خلقنا وخلق السموات والأرض ، وخلق الخلق والخليقة ، والجنة والنار ، وكل ذلك من اسمه «الرحمن» يثنى بكل ذلك على نفسه ، ثم قال إضافة لاسمه «الرحمن» (ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) ، لأنه الجليل فى ذاته ، والكريم فى أفعاله. فله الحمد والمنّة.

* * *

٦٣٨. سورة الواقعة

السورة مكية ، قيل : إلا الآية : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (٨٢) ، وقيل : إلا أربع آيات ، منها الآيتان : (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) (٨٢) نزلتا فى سفره إلى مكة ، والآيتان : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (٤٠) ، نزلتا فى سفره إلى المدينة من مكة ، والصحيح أن السورة كلها مكية ، وآياتها ست وتسعون ، وترتيبها فى المصحف السادسة والخمسون ، وفى التنزيل السادسة والأربعون ، وموضوعها : القيامة وما يتلوها ، واسم القيامة فى السورة هى الواقعة ، من استفتاح السورة بقوله تعالى : (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) (١) ، أى إذا قامت القيامة ، وهى واقعة حتما ، وجواب إذا : (لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ) (٢) ، يعنى وليس من شىء يكذّب أنها ستقع. ولأنها واقعة سميت بهذا الاسم ، كتسميتها فى سور أخرى الصاخة لأن لها دويا يصخّ الآذان ؛ والآزفة : لأنه قد أزف موعدها وحان ؛ والطامة : لأنها تطمّ على كل شىء مفظع.

وتتكون السورة من تسعة مشاهد أو أجزاء ، تنضم معا وتكوّن وثيقة مستندية لأوصاف يوم القيامة ، فمن أراد أن يعرف عن وقائع هذا اليوم ، وفئات الناس فيه ، وأنباء أهل

٧٠١

الجنة ، وأهل النار ، وأهل الدنيا ، فهذه السورة فيها أو فى بيان ؛ واسمها كذلك الخافضة الرافعة : لأنه بالقيامة يخفض أقوام كانوا فى معصية الله فيلقون فى النار ودركاتها خفيضة ، وكان هؤلاء فى الدنيا مرفوعين ، فيخفضون بالعدل ؛ ويرفع أقوام كانوا فى طاعة الله ، وكانوا فى الدنيا مخفوضين ، فيرفعون بالعدل والفضل ، والخافض والرافع فى الحالتين هو الله ، يخفض على الحقيقة ، والخافض والرافع من أسمائه تعالى ، وهو يخفض المنكرين له إلى أسفل سافلين ، ويرفع أولياءه إلى أعلى علّيين وفى القسم الأول ترجّ الأرض رجّا ، وتزلزل يوم القيامة ، وينكسر كل شىء عليها من جبال وغير جبال ، وتبسّر وتتفتت ، وينسفها الله تعالى نسفا حتى لتصير كالهباء المنبث ، وكالغبار والشرار المتطاير. وفى القسم الثانى : نعلم أن الناس فى هذا اليوم ثلاث فئات أو طوائف : ففئة هم أصحاب الميمنة : يؤخذون ذات اليمين إلى الجنة ، ويؤتون كتابهم بيمينهم ، وهم الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة ، وأهل الحسنات ، وأصحاب التقدّم ؛ وفئة أصحاب المشأمة : وهم المشائيم على أنفسهم بالأعمال السيئة ، يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار ، ويؤتون كتابهم بشمالهم ، وهم أصحاب التأخر ، وزاد فى وصف هؤلاء وهؤلاء فقال : (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ) (٩) ، والتكرير فى الآية الأولى للتفخيم ، وفى الثانية للتفظيع ، ولتعجيب السامع من شأن الفريقين أو الفئتين ، فى الفخامة والفظاعة ، كأنه يقال : فأصحاب الميمنة فى غاية حسن الحال ، وأصحاب المشأمة فى غاية سوء الحال ، والمقصود تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب ، وما لأصحاب المشأمة من العقاب. والفئة الثالثة هى فئة السابقين : كرر الله تعالى السابقين فقال : (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) (١١) ، وكأن المعنى : والسابقون ويا ما شاء الله على السابقين ، أولئك المقربون إلى الله ، فى ظل جواره وفى ظل عرشه ، وفى دار كرامته ، وهم الذين إذا أعطوا الحق قبلوه ، وإذا سئلوه بذلوه ويحكمون للناس كحكمهم لأنفسهم ، وكانوا السابقين إلى الإيمان ، وإلى الصلوات ، والجهاد ، وإلى التوبة ، وهم من أمة الإسلام أمثال أبى بكر ، وعمر : (يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ) (٦١) (المؤمنون) ، (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) (التوبة ١٠٠). والناس ثلاثة : فرجل ابتدأ بالخير فى حداثة سنّه وداوم عليه حتى خرج من الدنيا ، فهذا سابق مقرّب ؛ ورجل ابتدأ عمره بالذنوب وطالت غفلته ، ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها ، فهذا من أصحاب اليمين ؛ ورجل ابتدأ عمره بالذنوب ، ولم يزل عليها حتى ختم له بها ، فهذا من أصحاب الشمال. وفى السورة تأخر ذكر السابقين وتقدّم ذكر أصحاب اليمين ، وكان الأولى أن يتقدم ذكر السابقين ، ويذكرهم

٧٠٢

أولا ، إلا أن السورة بدأت بمشاهد يوم القيامة تخويفا للناس ، فجعلهم لذلك إما محسنين فيزدادون رغبة فى الثواب ، وإما مسيئين فيرجعون عن غيّهم ، فقدّم أصحاب اليمين ليسمعوا ويعوا ويرغبوا ، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا ، وبعد ذلك ذكر السابقين ، لأن هؤلاء لا يرهبهم يوم الفزع الأكبر ، ولا يحزنهم ، ولا يكدّرهم ؛ ولأنهم بذكره ينبسطون ، وتنشرح له صدورهم ، وتبتهج قلوبهم ، لما ينتظرهم من جوائز الله ، وهم (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) (١٣) ممن مضى من الأمم السابقة ، (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (١٤) من أمة محمد ، كانوا قلة بالإضافة إلى من كانوا قبلهم ، فمن سبقوا زمنيا كان أنبياؤهم كثيرين ، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم ، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمة محمد ، وفى الحديث : «إنى لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، بل ثلث أهل الجنة ، بل نصف أهل الجنة ، وتقاسمونهم فى النصف الثانى» ، فالأمر سباق بين الأمم إلى طاعة الله ، وفى السباق هناك المتقدّمون والمتأخرون ، والسابقون من الأمم كافة يكونون أكثر من السابقين من أمة واحدة ، وأما أصحاب اليمين من هؤلاء وهؤلاء فهم متساوون : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (٤٠) ، وقيل بل الثلتان من أصحاب اليمين ، ومن السابقين من أمة محمد ، فمنهم من هو فى أول أمته ، ومنهم من هو فى آخرها ، مثل قوله : (فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ) (فاطر ٣٢). وفى الحديث : «خيركم قرنى». والثلّة : من ثللت الشيء ، أى قطعته ، فمعنى ثلة كمعنى فرقة. وتستطرد السورة فى القسم الثالث إلى وصف نعيم السابقين ترغيبا لأهل السبق ، وجنّتهم التى خصصت لهم هى جنة النعيم ، والجنات أنواع ؛ وسررهم أو مجالسهم فيها موضونة ، أى منسوجة ومرمولة بخيوط الذهب ؛ يجلسون متقابلين ويخدمهم ولدان لا يكبرون فى السن ولا يشيخون ، ويشرف على خدمتهم حور عين ، واسعات العيون ، فى غاية الجمال والبهاء ، كأنهن اللؤلؤ فى الصفاء والنقاء ، يطوفون بأكواب وأباريق وكئوس ملؤها الخمر ، يجلبونها من العيون ، فلا تستخرج بعصر وتكلّف كخمر الدنيا ، ولا تنصدع بها الرءوس ، ولا تذهب العقول ، ويقدّمون لهم الفاكهة مما يحبون ويختارون ، ولحم مما يشتهون من الطيور ، جزاء ثوابا بما كانوا يعملون. وفى جنة النعيم لا لغو ولا تأثيم ، ولا باطل ولا كذب ، إلا قيلا سلاما ، فيردّ السامع يقول : سلاما ـ فهذه تحيتهم ، وهكذا تحييهم الملائكة. وفى الجزء أو المشهد الرابع : تقارن السورة بين أحوال السابقين وأحوال أصحاب اليمين ، والأخيرون ظلّهم ممدود ، أى دائم وباق لا تنسخه شمس ؛ ويشربون الماء الجارى المسكوب ؛ وفواكههم كثيرة لا تنقطع كانقطاع فواكه الدنيا فى الصيف والشتاء ، ولا يحظر بعضها ويباح بعضها ؛

٧٠٣

وأشجار السدر المخضود والطلح المنضود فى كل مكان ، والأول هو النبق لم يعد له شوك ، والثانى هو الموز المتراكب بعضه فوق بعض ؛ وفرشهم أو مجالسهم مرفوعة ، وتطوف عليهم جميلات ، عرب بسّامات لطيفات ، أتراب متشابهات فى السن. ثم تأتى المقارنة بين جزاء السابقين وجزاء أصحاب اليمين ، وجزاء أصحاب الشمال ، وفى الجزء أو المشهد الخامس : الأخيرون ظلهم من يحموم وهو الدخان الأسود ، وتلفحهم رياح السموم الحارة تدخل فى المسام ، ويسقون من حميم يحرق الكبد بحرارته وغليانه ، لا هو بارد ولا كريم ، كقوله : (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) (الزمر ٦) ، وهؤلاء كانوا فى الدنيا مترفين ، وويل للمترفين المتنعّمين ؛ وفى القرآن تأتى المترفون ثمانى مرات ، يتوعّدهم الله فيها جميعا ، وعندهم ما ثم غير الحنث العظيم ، أى الشّرك ، وليس من مترف إلا وفى قلبه شك وكفر بالآخرة والبعث والحساب ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ ومن بعده أصحاب البلاغ والدعوة من أمة الإسلام ـ يقسم لهم كمقابل لقسمهم أو حنثهم بالباطل ، بأنهم مجموعون لهذا اليوم المعلوم ، وعندئذ يعذّبون ، وبدلا من طعام الدنيا المترف سيكون طعامهم شجرة الزقوم ـ أنتن وأبغض أنواع الشجر ، قيل يزقم أو يزكم الأنوف من رائحته الكريهة ، وليس لهم من طعام إلا لحاء هذه الشجرة ، يعضّون عليه ويملئون منه بطونهم حتى الشبع ، فلا يجدون لظمئهم إلا ماء الحميم المغلى ، يعبّونه كالحيوانات الهيم العطاش. وهكذا تنتهى هذه الأجزاء الخمسة من السورة ، وقد استنفدت وصف المنازل الثلاثة للفئات الثلاث يوم القيامة.

ثم يكون الجزء السادس : ويعالج أدلة وبراهين وجود الله وقدرته ، يسوقها حتى لا يكون هناك عذر لمعتذر : ويبدأ الحجاج فى هذا الجزء بعبارة منطقية تحتمل التكذيب والتصديق ، فقال تعالى : (نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ) (٥٧) ، إلا أن منطق الحال فى الكون يقضى بصدق العبارة ، لأنه إن لم يكن لهذا الكون خالق ، فكيف إذن كان الكون؟ هل خلق نفسه؟ فلا بد من التسليم بأن الخالق هو الله ولو ادّعى آخر بأنه الخالق لتشككنا فى الله ، ولكن لم يدّع آخر بأنه الخالق ، فلم يعد إلا التسليم بدعوة الله أنه الخالق. فلو صدّقنا ذلك ، فهلا صدّقنا أيضا بالبعث ، لأن الإعادة كالابتداء ـ وتترى الآيات بالحجج أنه تعالى الخالق ، وهى خمس حجج : الأولى حجة المنىّ : فهذا المنىّ الذى نشهده يصب فى الأرحام ، كيف جاء ، ومما خلق؟ أليس الخالق هو الله؟ ثم الحجة الثانية هى : حجة الموت والخلق ، فمن يستطيع أن يميتنا فى الحقيقة؟ أليس هو الله؟ ومن يخلق من يحل محلنا ويأتى بعدنا ، أليس هو الله؟ ألا يخلق الناس جيلا بعد جيل ، ونشأ بعد نشء ولم يكونوا من قبل شيئا؟ فلما ذا لا يستطيع أن يبعثنا من جديد؟ والذى أنشأنا النشأة الأولى قادر على أن ينشأنا النشأة الثانية! والحجة

٧٠٤

الثالثة هى : حجة الزرع ، فهل نحن الذين ننبت هذا الزرع ونخرجه سنابل وثمرا؟ فإذا أقررنا بأنه الله ، فلما ذا ننكر عليه أن يخرج الأموات من القبور؟ ولما ذا لا نعتقد بوجوده وقدرته وقد أخرج لنا الحبّ والثمر ، وكان بوسعه أن يفسدهما فنندم على ما كان منا ، وما غرمنا من النفقة وحرمنا من الثمرة ، كقوله تعالى : (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها) (الكهف ٤٢). والحجة الرابعة : حجة الماء : وهو الذى به حياة النفوس ، فمن أنزله من السحاب؟ ولو يشاء الله لجعله مالحا ، ولكنه صنعه عذبا فراتا ليصلح للزرع والشرب ، فلو لا نشكره تعالى على هذه النعمة؟ والحجة الخامسة : حجة النار : والنار نوقدها وقتما نشاء ، فمن أنشأ وقودها؟ ومن سبّب أسبابها ووضع قوانين عملها واندلاعها ونشوبها؟ ولنار الدنيا هذه النار الصغرى خير برهان على وجود نار الآخرة أو النار الكبرى ، ثم إن نار الدنيا فيها فوائد ، فهى تبصرة للناس من الظلام ، ومتاع لهم فى الخبز والطبخ والاصطلاء والاستضاءة. فهذه خمس حجج على عظمة الله تعالى ، فلننزّهه ولنسبّحه باسمه العظيم. ثم يقسم تعالى بمواقع النجوم فى الجزء السابع ، يقول : «لا أقسم» تأكيدا للقسم ، وإثباتا لعظمة النجوم ، بمنازلها وأماكن دورانها فى أفلاكها ، وباجتماعها وانطراحها وانجذابها ، وبما يجرى فيها من تفجيرات نووية ، وما كانت عليه قبل أن تكون نجوما ، وما آلت إليه ، وأوضاعها فى السماء ، إن كانت للزينة أو كانت مخازن للعناصر ، ومضابط للحركة فى الكون والفضاء ، فكما أن النجوم ليهتدى بها فى ظلمات البرّ والبحر فكذلك القرآن يهتدى به على ظلمات الكفر ، والضلال ، والظلم ، والجهل ومن ثم كان كتابا كريما على ربّه ، وكريما على المؤمنين ، وكريما فى ذاته ، لما فيه من كريم الأخلاق ، وعظيم القيم والمعانى ، وإنه لمكنون محفوظ الأصل ، مصان عند الله تعالى ، لا تتنزّل به إلا ملائكة كرام بررة ، فيكتب فى الصحائف ، ويصنع مصاحف تقتنى لتقرأ ويتعلمها المتعلمون ، ويعوا ما فيها ويترسمونه معاملة وخلقا ، فالمصحف أيضا كتاب كريم ، لا يمسه ولا يقرأه إلا المطهّرون ، طهّروا أنفسهم من الأحداث والأنجاس ، وطهّروها من الشرك ، وآمنوا بآياته ، يتفهمون معانيها ويهتدون بتعاليمها ، ويوحّدون ربّهم ، فالتوحيد هو رسالة القرآن ومضمونه ، ومن لم يؤمن بالله فلن يفهم تفسير القرآن ، ولن يدرك تأويله. وينبّه الله تعالى إلى أن سورة الواقعة بما فيها من أحاديث لن تعجب الكافرين والمنافقين ، فهؤلاء لا يهوون الصراحة ، وصنعتهم النفاق ، يودّون أن يدهن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ أى ينافق ـ فيدهنون ، وبدلا من أن يشكروا الله على ما أولاهم من نعم ، جعلوا شكره أن ينافقوا ويكذبوا ، ويحذرهم الله أن يحين أجلهم فحينئذ تبلغ الروح الحلقوم ، والأهل من حول الميت

٧٠٥

ينتظرون ولا يقدرون على شىء ، والله أقرب إليه ممن حوله ولا يبصرونه ، فإن كان المنكرون غير محاسبين ، ولن يجازوا بأعمالهم ، وإن كان بوسعهم أن يمنعوا أن يحاسبوا ، فإنهم قطعا يقدرون كذلك على أن يمنعوا موت أهليهم ، حتى لا تقوم قيامتهم ويحين حسابهم وتبدأ مجازاتهم؟ ولن يستطيعوا! فلا يتبقى لهم إذن إلا أن يتركوا الأمر ، لصاحب الأمر القادر عليه ، وأن يعلنوا عن إيمانهم بربّهم.

وتعود السورة فى الجزء الثامن إلى ما قالت به فى البداية ، وهو تقسيم الناس يوم القيامة إلى فئات ثلاث : ففئة المقربين : وهم السابقون لهم الرّوح أى الرحمة ، والريحان أى طيب الاستقبال وحسن الجزاء ، قيل : يلقون بعد الموت بأغصان الريحان المعروف ، وهو النبات طيب الرائحة ؛ وفئة أصحاب اليمين : وهؤلاء سالمون من العذاب ، ومنهم آل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ وفئة أصحاب الشمال : وهم المكذّبون الضالون ، وهؤلاء مشربهم من حميم ، أى الماء المغلى ، ويصلون الجحيم.

وتختتم السورة فى الجزء التاسع بحاشية على ما سبق : (إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ) (٩٥) ، أى خالص اليقين ، أضاف الحق إلى اليقين ، كقولنا «عين اليقين» ، و «محض اليقين» ، من باب إضافة الشيء إلى نفسه لتوكيده ، فأضيف المنعوت إلى النعت على الاتساع والمجاز.

واليقين ضربان : فأما المؤمن فأيقن فى الدنيا فنفعه ذلك يوم القيامة ، وأيقن الكافر يوم القيامة حين لا ينفعه اليقين! فسبحانه ربّنا العظيم ، وعظنا بها فقال : (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) (٩٦) ، ولمّا نزلت هذه الآية قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اجعلوها فى سجودكم» أخرجه ابن ماجة فسبحانه ، له الحمد والمنّة ، ونسأله تعالى أن يحيينا ويميتنا على الكتاب والسنّة ، اللهم آمين.

* * *

٦٣٩. سورة الحديد

السورة مدنية ، نزلت بعد الزلزلة ، وآياتها تسع وعشرون آية ، وترتيبها فى المصحف السابعة والخمسون ، وفى التنزيل المدنى الثامنة ، وفى التنزيل عامة الخامسة والستون ، واسمها «سورة الحديد» لقوله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) (٢٥) ، والحديد آية من آيات الله ، وهو تعالى قد شرع القتال ولا بد أن تكون له آلة ، وآلة القتال غالبا من الحديد ، ومنافعه كثيرة فى السلم كما فى الحرب ، ومنه تصنع الكثير من العدد والآلات ، وما من زراعة أو صناعة إلا والحديد يدخلها. والحديد أحد عناصر الشمس ، وقوله «أنزلنا» فيه إعجاز علمى لا شك فيه ، لأن الحديد هو المكوّن

٧٠٦

الرئيسى فى رماد النجوم ، ومنه ومن النيكل تكونت النيازك والشّهب ، وتكونت الأرض من حديد هذه النيازك ، وجوفها يسيل بالحديد والنيكل ، ويتألف كوكب عطارد من الحديد ، ويسمى لذلك الكوكب الحديدى. والحديد مفيد للصحة ، ويتحد بالبروتين ويكون هميوجلوبين الدم ، فالحديد إذن نعمة كبرى. وفى الآية أن الله تعالى أنزل على الإنسان أربع نعم كبرى : الأولى : الرسل أرسلهم بالشرائع ، ولو لا ذلك لعاش الإنسان بشريعة الغاب ، ولمّا عرفنا الحرام من الحلال ، ولا الجميل من القبيح ، ولكانت الحياة للأقوى والأشرس وليس للأصلح. ولو لا الرسل لما عرفنا عن الأخلاق والتربية ، ولا عرفنا عن الله ربّ الأكوان ؛ وما وحّدناه تعالى ؛ والثانية : الكتب السماوية التى نزلت بالحق ، وتعلّم الإنسان أن يكتبها صحائف ، ويصنعها مجلدات ، وتعلم القراءة ، والكتابة والحروف ؛ والثالثة : الميزان والعدل ، وبالميزان يمكن للعقل أن يزن الأمور ، وتأسس الاجتماع على العدل ، وقامت عليه المدنيات والحضارات ، ويرمز للعدل بسيدة معصوبة ، يعنى لا تعرف المحاباة. والعدل أساس الملك ؛ والرابعة : الحديد ، أنشأه وكل ما هو من جنسه من المعادن ، وأنزله الله إلى الأرض ، واكتشفه الإنسان. فلما كانت قوة القيم : بالرسل والكتب والميزان ، كانت القوة المادية لتظاهر قوة القيم وتدفع عنها ، والحديد فيه البأس ، أى الردع الشديد لمن يأبى الحق ويعانده ، وحينئذ يكون القتال والحرب ، فهما من شرعة الله ، وأساسهما الحديد ، ولذا كانت حقبة التاريخ التى تم فيها اكتشاف الحديد لاحقة لثبوت القيم ، فصنع الإنسان منه الفأس للزراعة ، والسندان والمطرقة للصناعة ، والسيف للقتال وجميعها قيم مادية تظاهر القيم معنوية فأى نعمة كبرى هى نعمة الحديد؟! فلا غرابة أن تسمّى به سورة كاملة. (انظر الحديد فى باب القرآن والعلم). وسورة الحديد من السور المسبّحات التى تستفتح بقوله تعالى : (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١) والمسبّحات ثلاث سور ، هى : الحديد ، والحشر ، والصف. والحديد أولاها ، والتسبيح تذكير به تعالى ، ولفت للانتباه إلى أن الكون كله خاضع له ، يدبّره ويصرّفه ويسيّره على مقتضى إرادته. والتسبيح من السباحة وهى الانبساط والانتشار والإبعاد فى السير ، والمسبّح يمعن فى التفكير فيه تعالى ، فلا يملك إزاء عجائب ملكوته إلا أن يقول : سبحان الله!! تعجبا وتنزيها له تعالى عن كل نقص. والتسبيح ضربان : تسبيح دلالة ـ تقول : سبحان مالك الملك! سبحان الذى رفع السماء بلا عمد! سبحان مقلّب القلوب! تدلّ على صنعته تعالى ؛ وتسبيح مقال ـ تقول : سبحان الله وبحمده! سبحان ربّى العظيم! والتسبيح فى السورة من النوع الأول ، ويأتى فى ست آيات ، فيها : أنه تعالى العزيز الحكيم ، الذى له ملك السموات والأرض ، والذى يخلق من عدم ،

٧٠٧

فكان الله ولم يكن الكون ، وهو يميت ، والموت من عالم الشهادة ، ويبعث ، والبعث نشهده فى الأرض يحييها الماء ، فتضج بالمخلوقات والنباتات. وهو تعالى الأول : ليس قبله شىء ، والآخر : ليس بعده شىء ، والظاهر : لم يظهر عليه شىء ، والباطن : فليس وراءه شىء ، وهو وراء كل شىء ، وحقيقة كل شىء ، خلق السموات والأرض فى ستة أيام ، واليوم هو الوقت الاصطلاحى ، أو الوقت مطلقا ، من يمّم أى قصد وتوخّى ، فهو الوقت الذى يستغرقه إتمام القصد ، والأيام الستة قد تكون من أيام الأرض ، كناية عن سرعة خلقه تعالى للكون بقوله كن ، وقد تكون من أيام الآخرة ، كل يوم بألف سنة من سنين الأرض ، والعدد ألف يقال مجازا عن طول المدة ، والحقيقة أنه لا علم لنا بالمدة التى استغرقها الخلق ، فكلها أقوال تقريب الخلق العظيم من أفهام المخلوقين ، وهو فى الأول والآخر الخالق المبدع والعالم القادر ، سبحانه. والعرش هو الكون بأسره ، ما نعرف منه وما لا نعرف. والاستواء : هو التمكّن والسيطرة ، فصار الكون إليه ، وصار تدبيره عليه ، وتحقق علمه به ، وبما يلج ويعرج فيه ، وبما يتنزّل منه ، وهو فى كل مكان ، ومع كل إنسان ، والزمان من إبداعه ، والليل والنهار من اختراعه ، وخلق لهما أدواتهما من شمس وقمر ، وأرض وسماء ، وشروق وغروب ، وأحاط علمه بكل شىء ، ولا يخفى عليه ما فى الصدور ، ولا ما تتحدّث به النفوس ، وتحتشد له النوايا والسرائر. وبمثل ذلك بدأت السورة ، فكانت قمة فى التسبيح والتمجيد لله ، فأرشدت المؤمن الحائر ، ودلّت القلب الواعى ، فكأن هذا الجزء من السورة هو مقدمة للجزء الثانى عن دعوة الإسلام ، فى مثل قوله تعالى : (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) (٧) ، ليس لأن الله يحتاج إلى من يشهد له ، وإنما لأن فى الإيمان بالإسلام صلاح للبشرية وللأحوال فى الأرض ، والصلاح قوامه المال ، والمال يؤتيه الله من يشاء ويستخلفه فيه ، لينفقه صاحب المال فى الخير ، وربطت السورة بين الإيمان والإنفاق ، بقوله تعالى : (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (٧) ، ونظرية الأجر من نظريات القرآن ، والأجر هو الثواب والعقاب على العمل ، ومن يجحد الثواب والعقاب جاحد لله ولتعاليم القرآن. والإنفاق من ركائز اشتراكية الإسلام ، وأساس هذه الاشتراكية أن المال لله ، وأن الإنسان مستخلف عليه ووكيل عن الله فيه. وقوله تعالى : (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٨) استفهام للإنكار والتوبيخ ، والآية فيها أن النبوة ضرورية لمعرفة الله ، ولسدّ حاجة الإنسان للشرائع ، وأن الإيمان طبع مركوز فى الإنسان ، وهو الميثاق : شدّ الله به وثاق الإنسان بنصب القدرة فيه على الاستدلال ، وأن يتفهم الحجج والبراهين فيتأكد من وجوده تعالى ، ويتوثّق من وحدانيته. والآية تحضّ

٧٠٨

الإنسان على أن يؤمن حالا وليس مستقبلا ، فإن كان به ميل للإيمان ، فليؤمن الآن وليس غدا ، والآن أحرى الأوقات لاستكناه الدلائل واستنباط البراهين ، ومهمة النبىّ : هى تبديد ظلمة الجهل بالله ودحض إنكاره ، وما يتلوه النبىّ من كتاب هو نور لأصحاب البصر والبصيرة. وليس لجحود الإنسان بالله من سبب سوى أن للإيمان تكاليف ، والإنسان لا يريد ديانة مكلّفة تستنفد منه المال ، مع أن هذا المال سيتركه إذا مات ليرثه غيره ، وكان الأولى به إذن أن ينفقه لصالح نفسه فى الدنيا والآخرة. وشتّان بين أن تؤمن وتنفق والإسلام لمّا ينتصر بعد ، ولا مطمع لك فى شىء ، ومنطق الحال يجزم أنك تنفق على قضية خاسرة وغير مضمونة ـ وبين أن تؤمن وتنفق بعد انتصار الإسلام وأنت متأكد مما سيأتيك من المغانم ، وكلا وعد الله الجنة ـ الذى أنفق من قبل والذى أنفق من بعد ، ولكن مع تفاوت الدرجات. وسمّى الله الإنفاق قرضا من الإنسان لله ، يردّه له مضاعفا يوم القيامة ، والنور يسعى بين أيدى المؤمنين والمنفقين فى طريقهم إلى جنة الخلد. وفى السورة وصف لجانب مما فى الآخرة من تمييز بين الجنة والنار يفصل بينهما سور ، باطنه من جهة المؤمنين المنفقين رحمة ، وظاهره من جهة المنكرين الأشحاء من قبله العذاب. وتحذر السورة المؤمنين أن يكون حالهم حال اليهود ، فلمّا نسوا الله قست قلوبهم وشاع بينهم الفسق ، وتحضّهم على التزوّد بتعاليم الله من القرآن ، وباتباع سنّة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لتظل قلوبهم حيّة فلا تموت عنها الرحمة ، ومثل ذلك المطر ينزل على الأرض الميتة فيحييها ، وكذلك الإقبال على العلم والأخذ بالدين. وأبلغ ما تدعو إليه هذه السورة هو الإنفاق ، وإن شئت تصنيفها فهى سورة الإنفاق ، فكما أن هناك سورا فى التعبئة العسكرية ، وسورا فى القتال ، وسورا فى التوحيد ، وهكذا ، فكذلك هذه السورة فإنها فى اشتراكية الإسلام ، ومدارها : أن المال لله ، وأن الأغنياء وكلاؤه ، وأنه بشرع الله ينبغى أن يكون دولة بين الناس جميعا ، فلا تستأثر به طبقة دون طبقة ، بل يستطرق فى كل الطبقات. وتعرّف السورة المصدّق والمصدّقة : بأنهما اللذان يقرضان الله قرضا حسنا. والقرض اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء ، وما يسلف من العمل الصالح ، ويكون فى المال يقرض للناس ، أو يقرض لله ، وتمثيل الصدقة بالقرض ، تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه ، وتشبيه لعطاء المؤمن فى الدنيا بما يرجو به الثواب فى الآخرة ، وكنّى الله عن الفقير المتلقى للصدقة بنفسه العليّة المنزّهة عن الحاجات ، فقال : إن الصدقة قرض لله ، ترغيبا فى الصدقة. وهى قرض حسن ، لأن نيّة التصدّق بالصدقة نيّة حسنة ، وليس فيها منّ ولا أذى ، وجزاء القرض : (يُضاعَفُ لَهُمْ) (١٨) أى كقوله : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) (الأنعام ١٦٠) ، وقوله : (فَيُضاعِفَهُ

٧٠٩

لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً) (البقرة ٢٤٥) ، يعنى قد تكون الحسنة بعشرة أمثالها ، أو بأكثر من ذلك حتى سبعمائة ضعف ، كقوله : (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ) (البقرة ٢٦١) ، وإذن فالمصدّقون والمصدّقات هم حقا الصدّيقون ، أى الذين صدّقوا وأخلصوا حتى الشهادة. ثم تنتقل السورة إلى وصف الدنيا وتسمّيها دار لعب ولهو وزينة ، وتفاخر وتكاثر فى الأموال والأولاد ، وتدعو الناس أن يتسابقوا فى الإنفاق ، لتكون لهم الجنة. واللهو بالنسبة للصدّيق هو ما يلهى عن الآخرة ؛ والزينة هى ما يرضى غرور الجهلاء من فاخر الثياب والرياش ؛ والتفاخر هو المباهاة بالأحساب والأنساب والأموال والأولاد. والله يعلم حقائق الناس ، ويعرف ما يمكن أن يصيبهم من مكاره ، وما يحدث فى الأرض من مصائب ، وكلّ تصيبه المصائب وتأتيه النّعم بقدر وسعه ، فلا ينبغى أن نحزن على ما يفوتنا ، ولا نغتر بما نحصّله ، ولنترك القنوط تركنا للأشر والبطر ، ولننفق ونوسّع على الناس ، ولا نبخل ولا نأمر بالبخل. وما أرسل الله تعالى الرسل ، ولا نزّل الكتب ، ولا الميزان ، ولا الحديد ، إلا لتوضيح الحق ولنصرة الدين. والرسل تتابعت منذ نوح وإبراهيم ، ومن بينهما وبعدهما حتى عيسى بن مريم ، وجميعهم يدعو بدعوة واحدة ، فاهتدى بهم من اهتدى وفسقت الكثرة عن أمر ربّها ، والمهتدى ـ كأنصار عيسى ، كانت بهم رأفة ورحمة ، وابتدعوا الرهبنة ابتغاء رضا الله ، وأما من ضلّ فهؤلاء أفسدوا كل شىء حتى الرهبنة التى ابتدعوها. وتختتم السورة بالدعوة إلى تقوى الله ، والإيمان برسوله ، فيكون للمؤمنين المتّقين نصيبان من الرحمة ، نصيب كأجر للتقوى ، ونصيب كأجر للإيمان. ومن مزايا الإيمان أنه نور لصاحبه يهديه السبيل ، وبالإيمان يغفر له. ورسالة محمد ليست إلا الإخبار بكل ذلك والوعد به ، والنبوة لم تكن وقفا على اليهود كما يدّعون ، ولكنها فضل الله يأتيه من يشاء من عباده.

والسورة فيها الكثير من المصطلحات ووجوه البلاغة ، كقوله تعالى : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ) (١١) وهو تعبير جميل فيه ندب إلى الإنفاق فى سبيل الله ؛ وفى قوله تعالى : (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) (٦) دليل على كروية الأرض ، فما كان من نصف الأرض مواجه للشمس كان نهارا ، والآخر البعيد يكون فى الظلام ، وبدوران الأرض حول نفسها ودوراتها حول الشمس يصبح النهار ليلا ، والليل نهارا ؛ وفى قوله : (ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها) (٤) دليل على أن باطن الأرض يستقبل ما ينزل من السماء ، ولقد استقبل الحديد والنيكل ونفذا إلى باطن الأرض ، فكان هذا الباطن كله منهما. وأما قوله عن السماء : (وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها) (٤)

٧١٠

دليل على أن كل ما فى الأرض أصلا من السماء ، والسماء ليست واحدة ولكنها سبع سماوات ، والطريق بينها علميا معرّج ، وكل هذه الآيات من معجزات القرآن العلمية ؛ وقوله : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِ) (١٦) عتاب للإدلال ، وفى الآية أن المؤمنين لم تخشع قلوبهم بعد لذكر الله ، وأنه تعالى يستبطئهم بالخشوع ، وكان ذلك بعد الهجرة بسنة ، وهؤلاء آمنوا فى العلانية باللسان ولكن كانت ما تزال بهم آثار كفر ، وبعضهم مال إلى المزاح والضحك لمّا أترف فى المدينة ، فكان التحذير من أن يكون مصيرهم مصير أهل الكتاب ، فلمّا طال عليهم الأمد قست قلوبهم ، حتى اخترعوا كتابا من عند أنفسهم ، ليشبع فيهم غرورهم ، ويرضى نزعاتهم إلى الاستعلاء والاستكبار اللذين نشهدهما فيهم الآن. وهذه الآية كانت سبب إيمان كثيرين ، ومنهم عبد الله بن المبارك ، والفضيل بن عياض ، فكان ابن المبارك يحب أن يجالس أصحابه ، ويضرب العود ويستمتع بالطعام والشراب ، فسمع مقرئا يقرأ الآية ، فكسر العود ، وصرف من كان عنده ، فكان ذلك أول زهده وتشميره. وأمّا الفضيل ، فكان يعشق جارية فواعدته ليلا ، فبينما هو يرتقى الجدران إليها ، إذ سمع قارئا يقرأ الآية ، فرجع القهقرى يقول : بلى والله قد آن! ؛ وفى قوله تعالى : (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) (١٧) الدليل على البعث ، فبعد أن تموت الأرض ـ أى نباتها وحيوانها فى الشتاء ومع الجدب ، إذا بالمطر ينزل فيخرج النبات وتنشق الأرض بالمخلوقات ، وإذن يمكن البعث بعد الموت ، والحمد لله ربّ العالمين ، والله سبحانه الموفّق للصواب.

* * *

٦٤٠. سورة المجادلة

السورة مدنية إلا من قول البعض أن العشر آيات الأولى منها مدنية والباقى مكية ؛ وقيل : كلها مدنية إلا قوله تعالى : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ) من الآية السابعة. والصحيح أن آياتها جميعا مدنية ، وعددها اثنتان وعشرون آية ، وترتيبها فى المصحف الثامنة والخمسون وفى التنزيل المدنى التاسعة عشرة ، وفى التنزيل بعامة الخامسة بعد المائة. وتتناول موضوعات كثيرة ، منها : أحكام الظهار والكفّارة عليه ، وأصول التناجى ، وآداب المجالس ، والصدقة عند مناجاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحزب الشيطان من المنافقين أولياء اليهود ، ممن يحادّون الله ، وحزب الله من المؤمنين ، ممن لا يوادّون من حاد الله ورسوله. والسورة نزلت استجابة لحاجة يومية ، وتشريعاتها أملتها ضرورات من حياة الناس ، فالإيلاء مثلا والظهار كانا يكثران فى الجاهلية ، ويعتبران طلاقا ، وظاهر فى عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم

٧١١

كثيرون وكان أولهم أوس بن الصامت شقيق عبادة بن الصامت ، وامرأته خولة أو خويلة ، وقيل جميلة بنت ثعلبه بن مالك ، وقيل : بنت حكيم ، أو بنت دليج ، أو بنت خويلد ، والأصح أنها خولة بنت ثعلبة ، وكان زوجها أوس قد حلف عليها فقال : «أنت علىّ كظهر أمى» ، فخشيت أن يكون ذلك طلاقا ، فأتت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، إن أوسا ظاهر منى وإنّا إن افترقنا هلكنا ، وقد نثرت بطنى منه وقدّمت صحبته! وشكت إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهى تبكى ، وجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول لها : «يا خويلة ، ابن عمك شيخ كبير فاتقى الله فيه». ولم يكن قد نزل فى القرآن شىء عن الظهار ، وما برحت المرأة تجادل عن نفسها وتقسم للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتقول : والله ما ذكر أوس طلاقا! ثم قالت : أشكو إلى الله فاقتى ووحدتى ووحشتى ، وفراق زوجى وابن عمى وقد نفضت له بطنى! وقالت : يا رسول الله ، قد نسخ الله سنن الجاهلية ؛ وما طلّقنى زوجى ولكن ظاهر منى! فقال لها : «ما أوحى إلىّ فى هذا شىء؟» فقالت : يا رسول الله ، أوحى إليك فى كل شىء وطوى عنك هذا؟! فقال : «هو ما قلت لك» ، فقالت : إلى الله أشكو لا إلى رسوله! فأنزل الله صدر سورة المجادلة : (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (١) ، وتسمّى آية الظهار ، وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأوس تكفيرا : «اعتق رقبة» ، فقال أوس : ما لى بذلك يدان ، يعنى أنه فقير لا أرقاء عنده. فقال له : «فصم شهرين متتابعين» ، فقال : أما أنى إذا أخطأنى أن آكل فى يوم ثلاث مرات يكلّ بصرى ـ يعنى أنه أضعف من أن يصوم. فقال له : «فأطعم ستين مسكينا» ، فقال : ما أجد إلا أن تعيننى منك بعون أصله. فأعانه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بخمسة عشر صاعا (مكيالا).

والظهار من الظهر ، والموجب لحكم الظهار تشبيه الظهر المحلّل بظهر محرّم ، فمن قال لزوجته : أنت علىّ كظهر أمى ، صار مظاهرا. والرجل لا يركب ظهر المرأة وإنما يركب بطنها ، ولكن كنّى عن ركوب البطن تأدّبا ، بركوب الظهر ، لأن ما يركب من الحيوانات فإنما يركب ظهره ، فكنّى بالظهر عن الركوب وليس عن النساء بالحيوان. ومعنى «أنت علىّ كظهر أمى» ، أن المرأة صارت محرّمة عليه ولا يحلّ له ركوبها إلا بعد كفّارة والظهار لذلك على الرجال ، وليس على النساء ظهار. والمظاهر لا يقرب امرأته ولا يباشرها حتى يكفّر ، ولا يصحّ ظهار غير المدخول بها. والظهار ضربان : صريح وكناية ، فالصريح بقوله : أنت علىّ كظهر أمى ؛ والكناية كقوله : أنت علىّ كأمى ، أو مثل أمى. وقوله : (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) (٣) ، لا يعنى أن كفارة الظهار لا تكون إلا إذا ظاهر الزوج امرأته للمرة الثانية ، وإنما يعنى العود والعزم على مواصلة

٧١٢

الحياة الزوجية ، ومن ثم تكون الكفارة واجبة قبل العود. وحكم الظهار ناسخ لما كانوا عليه فى الجاهلية من كون الظهار طلاقا ، ولا ظهار الآن ، وإن حدث مثله بين الزوجين فلا يحق لهما كتمانه ، كما لا يحق لهما الانتقاص من الكفّارة عنه طالما فى استطاعتهما. والكفّارة على الزوج ، وواجب المرأة أن تعينه بحسب قدرتها ، ويسمّى القرآن العمل بغير حدود الله محاداة ، أى مخالفة الحدود ومعاداتها ورفضها. والمحاداة : من حدّ ، وأصلها الممانعة ، ومنها الحديد : وهو المعدن المنيع ، والحدّاد : والله تعالى يحصى على المحادين محاداتهم ، وهو المطّلع والشهيد.

وتتطرق السورة إلى النجوى : وهى ما يكون من خلوة ثلاثة : يسرّون شيئا ويتناجون به ، كأن يكون الظهار مثلا أو كفارة الظهار ، ولا يريدون التصريح به ، ويؤثرون أن يسرّوه ، والسّرار : ما كان بين اثنين. وأصل النجوى من النّجوة ، وهى ما ارتفع من الأرض ، فالمتناجيان يتناجيان ، ويخلوان بسرّهما كخلو المرتفع من الأرض عمّا يتصل به ، والله يعلم ما يقول الواحد لنفسه ، ويعلم ما يتناجى به الاثنان ، والثلاثة ، والأربعة ، والخمسة ، ولا تخفى عليه خافية ، وهو معهم بعلمه حيثما كانوا ، من غير زوال ولا انتقال. والسورة تنبّه إلى صفة من صفات المنافقين عموما ، واليهود خصوصا ، هى النجوى ، والنجوى من مصطلحات علم النفس والطب النفسى الإسلاميين. وقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) (٨) فى اليهود والمنافقين ، كانوا حلفا واحدا ، وكثيرى النجوى فيما بينهم ، ويتغامزون على المسلمين بأعينهم ، وقد شكا المسلمون ذلك إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا ، فنزلت الآية. وكانت بين اليهود والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم موادعة : أى هدنة ، فكانوا إذا مرّ بهم مسلم تغامزوا عليه وتناجوا ، حتى ليظن المسلم أنهم يدبّرون له شرا ، فيلوى عن طريقه. وكانوا يدافعون عن بعضهم البعض إذا سألهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن سبب إتيانهم للنجوى ، وسمى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم دفاع الرجل عن الرجل بالباطل الشرك الخفى ، يعنى أنه يعمل له بدلا من أن يعمل لله. وذكرت الآية ضمن مساوئ اليهود وانحطاط خلقهم ما هو أسوأ من النجوى ، وهو أن يحيّوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما لم يحيّه به الله ، فإذا دخلوا عليه قالوا «السام عليك» ، يريدون بالسام السلام ظاهرا ، وهم يعنون تمنّى الموت له باطنا ، والسام هو الموت ، فكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يردّ عليهم فى أدب ، وبحسب نواياهم : «وعليكم» ، واعتبروا ذلك ضعفا فيه وفى ربّه ، وإلا لعاقبهم الله غيرة على نبيّه. وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «لا أحد أصبر على الأذى من الله. يدعون له الصاحبة والولد وهو يعافيهم ويرزقهم». وعلّم المحيطين به

٧١٣

فقال : «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليك ما قلت» ، وفى ذلك نزلت الآية : (وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (٨) ولمّا ذكرت السورة أن المنافقين واليهود يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثنّت فنهت المؤمنين أن يفعلوا ذلك ، وأمرتهم أن تكون نجواهم بالبرّ وتقوى الله الذى إليه يحشرون. ووصفت النجوى بأنها من الشيطان ، وردّت الدافع إليها عند غير المؤمنين هو إدخال الحزن على المؤمنين ، والدافع النفسى أقوى من أى دافع مادى ، وإحباط المسلمين إصابتهم بالاكتئاب وبلبلة تفكيرهم ، والفتّ فى عضدهم ، وهو نوع من الحرب النفسية المقصود بها اختراق الدفاعات النفسية للمسلم ، وإضعاف جبهته الداخلية ، وخلخلة مقاومته ، وإنهاك قواه الذاتية ، وذلك كله لا يمكن أن يتحقق مع إيمان المؤمنين ، فالإيمان يكسبهم مناعة ذاتية ، وهو بمثابة الدرع الواقى. والتناجى لا يضر أحدا ، إلا لو كان هذا الضرر قد كتبه الله على المضرور من قبل وقوع الضرر ، ولا ضرر من التناجى إذا توكل المؤمنون على الله حقّ التوكل ، وفوّضوا إليه أمرهم ، واستعاذوا به من أذى المتناجين ، ويشبه التناجى فى العمليات النفسية ما يسمونه «التأثير عن بعد» و «التأثير بالإيحاء» ، وكلاهما من أبواب التحليل والطب النفسى. والوصفة الطبية التى يصفها القرآن لإبطال مفعول التناجى هى وصفة نفسية ، وهى المزيد من الإيمان بالله ، والأخذ بأسبابه والاعتقاد جازما أنه ما أصيب مؤمن ولا نجا إلا بإذنه تعالى ، وعن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر ، حتى تختلطوا بالناس ، من أجل أن يحزنه» ، أى حتى لا يقع فى نفسه ما يحزن لأجله ، ولا يظن أن حديث الاثنين عنه بما يكره ، أو أنه ليس أهلا ليشركوه فى حديثهما ، والخطاب للمؤمنين ، والتعليم لهم ، فلا يتناجى أربعة دون واحد ، ولا عشرة ، ولا ألف ، والآية ضمن باب آداب السلوك فى الإسلام. وطالما أننا بصدد الآداب العامة للسلوك فى الاجتماع ، فإن السورة تطرّقت إلى آداب المجالس ، تقول : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) (١١) ، والخطاب والتعليم للمؤمنين ، أمروا أن يفسحوا لإخوانهم فى المجالس أيا كانت ، سواء كانت للعلم ، أو للذكر ، أو للمداولة فى أمور السياسة والتجارة ، أو للصلح ، فإن لكل واحد من السامعين أو المشتركين مكانا فيها حتما ، وهو أولى به بحسب أحقيته ، والمعيار فى ذلك هو الإيمان والعلم ، فأهل الصلاح والعلماء لهم السبق إلى صدور المجالس ، وهؤلاء يرفعهم الله درجات عن غيرهم من السواد والعامة ، ولهم الرفعة ، والمؤمن مرفوع بإيمانه أولا ، ثم

٧١٤

بعلمه ثانيا ، لأن العلم يؤدى إلى الإيمان وليس العكس ، والإيمان هو الغاية من العلم ، فأهل الإيمان مقدّمون على أهل العلم.

وتتطرق السورة إلى مجال آخر من مجالات الأدب مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تقول : (إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٢) ، ومناجاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هى أن يخلصه بسرّ ، وكان المسلمون يكثرون المسائل عليه حتى شقّوا عليه ، وكان بعضهم يشغلونه ويناجونه ، فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونه بالنجوى ، فشقّ عليهم ذلك ، فأمروا بالصدقة عند النجوى ليقطعوا عن استخلائه. وكان اليهود والمنافقون يناجونه ويقولون : هو أذن يستمع لكل شىء ولا يمنع أحدا من مناجاته. ولم يذكر لصدقة النجوى أى مقدار معين ، فالأمر متروك للمتصدّق ، وإن لم يجد فلا شىء عليه ، وبعضهم كالمنافقين ، كانت الصدقة بوسعه ولكنه بخل ، فنزلت الآية : (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) (١٣) ، والتوبة تعنى إعفاؤهم منها ، وذلك ليس نسخا للآية قبلها كما قيل ، وإنما هى تأكيد لما قبلها فى قوله : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٢) ، وتكفى الزكاة وأداء الفرائض لأمثال من أراد أن يستعفى من صدقة النجوى. وقيل إن أحدا لم يتقدم بشيء من هذه الصدقة ، والذين نسبوا لعلّى أنه كان أول من تصدّق ، ولم يكن أحد بعده ، ادّعوا ذلك ليقدّموه على غيره ، وهؤلاء من شيعته ، وقالوا إنه تصدّق بخاتم. وواضح من الآيتين بعد ذلك فى قوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (١٤) وقوله : (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) (١٦) أن الذين كانوا يشوّشون على تعاليم القرآن وتعليم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هم المنافقون واليهود ، ومن الأولين عبد الله بن أبىّ ، وعبد الله بن نبتل ، وكانا يجالسان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم ينقلان ما يسمعان إلى اليهود ، وإذا عوتبا كذّبا التهمة وحلفا بالله أنهما لصادقان. وفى أمثالهما نزلت الآيات المتبقية من سورة المجادلة ، تنبّه إلى العذاب المنتظر لهؤلاء ، ولكل من يحادّ الله ورسوله ، والله غالب على أمره ، وتحذّر المؤمنين أن يوادّوا من حادّ الله حتى لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، وتقسّم الناس إلى حزبين : حزب الشيطان : وأعضاؤه الكاذبون الذين نسوا الله ، وهم من المترفين أصحاب المال والحسب والنسب ، وحزب الله : وأفراده من المؤمنين الذين يعمر الإيمان قلوبهم ، والذين يؤيدهم الله بروح منه ، ولا يحادّون الله ورسوله ، ولا يوادّون من حادّ الله. والأوّلون حزبهم هو الخاسر ، والآخرون حزبهم هو الفالح.

ومن مصطلحات هذه السورة : الجدل فى قوله تعالى : «التى تجادلك» ، وهو حوار بين أطراف لبلوغ الحقّ ، ودعوة إلى كلمة سواء ، وكانت حجة خولة بنت ثعلبة قوية فى رفض

٧١٥

الظهار ، وكان الرسول يدفع عن نفسه ويقول : «ما أوحى إلىّ فى هذا شىء». وإيراد آداب النجوى والمجالس والسلام والتحية ضمن سورة المجادلة ؛ لأن هذه الآداب من الأمور التى قد يدور حولها الجدل وتحتاج إلى إقناع من نريد إقناعهم بها ؛ والحوار والمحاورة : فى قوله تعالى : (تَحاوُرَكُما) من حار الشيء يحور إذا رجع ، فالحوار هو المراجعة ، وأن يتحاورا : يعنى يتراجعا ، وكلا المتحاورين يذكر دفوعه ويراجع أقوال الآخر ويفنّدها ، ومن ذلك الحواريون جمع حوارى وهؤلاء تلاميذ المسيح كانوا يتعلمون منه ويتحاورون معه ويجادلونه ؛ والكبت فى قوله تعالى : (كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : من مصطلحات التحليل النفسى والطب النفسى الإسلاميين ، وصف به الذين حادوا الله ورسوله ، فإنهم لم يصرّحوا بحقيقة تفكيرهم ومشاعرهم وكبتوها ، وأظهروا أفكارا أخرى ومشاعر مختلفة ، ظاهرها الحق ، وباطنها كراهية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والكفر بالله ، ولذلك سموا منافقين ؛ وتحرير رقبة فى قوله : (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) ، والرقبة فى اللغة هى العنق أو مؤخّره ، أو هى العبد المملوك ، وتسميته بالرقبة من باب تسمية الكل بأشرف أجزائه ، وتحريره هو عتقه وإطلاقه من أسر العبودية ؛ والزور فى قوله : (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً). هو الكذب ، فقد جعلت السورة الظهار كذبا ، لأن المظاهر يجعل امرأته كأمّة : (إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ). وقيل فى الظهار إنه يحرم لأربعة أسباب : الأول : قوله : (ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) تكذيب لقول المظاهر «أنت علىّ كظهر أمى» ؛ والثانى : تسميته منكرا ؛ والثالث : تسميته زورا ، والرابع قوله : (وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) (٢) فإن العفو والمغفرة لا يقعان إلا فى ذنب ، والمظاهر إذن مذنب وتلزمه الكفّارة ؛ والستون مسكينا : فى شأن الكفارة ، لأن المظاهر بدلا من الصيام شهرين ، والشهر ثلاثون يوما ، فيصبح مجموعه ستين ، باعتبار إطعام مسكين كل يوم ؛ والفسحة فى قوله : (يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ) : هى التوسعة ، تكون فى المكان ، كما تكون فى الرزق ، والقبر ، والجنة ، والصدر ، وتقول سعة الصدر يعنى الصبر والاحتمال. والله تعالى الموفّق للصواب.

* * *

٦٤١. سورة الحشر

السورة مدنية ، نزلت بعد سورة البيّنة ، وآياتها أربع وعشرون آية ، وترتيبها فى المصحف التاسعة والخمسون ، وفى التنزيل المدنى الخامسة عشرة ، وفى التنزيل بعامة الواحدة بعد المائة ، وهى من السور الحربية ، وموضوعها غزوة بنى النضير ، ولذا سمّاها البعض سورة بنى النضير ، وتشتق اسمها «الحشر» من استهلالها بقوله تعالى : (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) (٢) والسورة تبرز مشاهد جلاء بنى النضير عن

٧١٦

ديارهم : (وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ ...) (٣) ، وكأنهم فى يوم الحشر وهم خارجون منها وقد حملوا متاعهم على الجمال ، ومنها الأبواب والأسقف وكل شىء ، وساروا على أقدامهم تتبعهم نساؤهم وأطفالهم. والسورة من الإعجاز القرآنى لأن «لأول الحشر» قد تعنى أن جلاءهم من تلك الأرض كان جلاء أبديا ، وأنهم لن يعودوا إليها حتى يوم الحشر الذى هو يوم القيامة ، وفى التوراة أن اليهود خرجوا من مصر وساروا مثل هذه المسيرة وكأنهم فى يوم الحشر ، وسمى ذلك بالخروج ، وأطلقوا على السفر الثانى من أسفارهم اسم «سفر الخروج» ، وشاع عنهم مصطلح «الخروج Exodus» ، غير أنهم فى سفر الحشر لم يكن خروجهم مجرد «خروج» ولكنه «إخراج» ، وفى المصطلح القرآنى هو «جلاء» ، والجلاء : هو مفارقة الأوطان ، يقال جلا بنفسه جلاء ، وأجلاه غيره إجلاء. والفرق بين الجلاء والإخراج وإن كان معناهما فى الإبعاد واحدا ، من وجهين : أحدهما أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد ، والإخراج قد يكون مع بقاء الأهل والولد. والوجه الثانى : أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة ، والإخراج يكون لواحد ولجماعة. وتذكر السورة سبب هذا الجلاء : (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) (٤) ، أى عادوه وخالفوا أمره ، وكانوا قد عاهدوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى أول الأمر ألا يكونوا عليه ولا له ، أى على الحياد ، فلما ظهر يوم بدر قالوا عنه : هو النبىّ الذى نعت فى التوراة فلا ترد له راية. فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا ، فخرج كبيرهم كعب بن الأشرف فى أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا قريشا على المسلمين ، وتعاهدوا عند الكعبة ، فقتل المسلمون كعبا ، قتله محمد بن سلمة الأنصارى ، وأبو نائلة سلكان بن سلامة بن وقش ـ وكان أخا لكعب ابن الأشرف من الرضاعة ـ وعبّاد بن بشر بن وقش ـ والحارث بن أوس بن معاذ ، وأبو عبس بن جبر ، ثم صبّحهم المسلمون فأمروهم بالخروج من المدينة ، فقد كان بنو النضير من سكان ضواحيها ، وما كان من الممكن أن يستمروا فى مجاورة المسلمين وقد بدروا بالعداوة ، ورفضوا النزوح وتنادوا بالحرب ، وتناوشوا مع المسلمين ولكنهم لم يقاتلوهم ، واستمهلهم الرسول عشرة أيام ليتجهّزوا للخروج ، فدسّ إليهم المنافقون من اليهود من بنى قريظة أن لا يخرجوا وسيكونون معهم ، يقاتلون لو قوتلوا ، وسيخرجون معهم لو أخرجوا ، وتدرب المسلمون أثناء ذلك على ما نسميه الآن بحرب المدن ، وفى أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان الأجدر أن تسمى حرب الأزقة ، واستمر تدريبهم إحدى وعشرين ليلة ، وكانوا ينقبون حصونهم من خارج ، واليهود يرممونها من داخل ، ويسدون الأزقة بالمتاريس ، وكانت لهم أربعة حصون : الوطيح ، والنّطاة ، والسّلالم ، والكتيبة ، وكان اليهود فى ذاك الزمان مثلهم اليوم أهل حلقة ،

٧١٧

وهذا مصطلح إسلامى ، ومعناه أهل سلاح ، وحصونهم منيعة ، وكانوا أهل حضارة فعلا ، ولمّا لجأ المسلمون إلى عقر نخلهم اعتبروا ذلك تخلّفا من المسلمين ، وقال شاعرهم سماك اليهودى :

ألسنا ورثنا الكتاب الحكيم

على عهد موسى ولم نصدف

وأنتم رعاء لشاء عجاف

بسهل تهامة والأخيف

ترون الرعاية مجدا لكم

لدى كل دهر لكم مجحف

فيا أيها الشاهدون انتهوا

عن الظلم والمنطق المؤنف

لعل الليالى وصرف الدهور

يدلن من العادل المنصف

بقتل النضير وإجلائها

وعقر النخيل ولم تقطف

وكان خروج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إليهم فى ربيع الأول ، أول السنة الرابعة من الهجرة. ومن الإسرائيليات أن النبىّ أمر بقطع نخيلهم وإحراقها وهذا كذب ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى عن مثل ذلك ، وهناك أدبيات للحرب عند المسلمين استنّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، منها أن لا تقتل امرأة ولا طفل ، ونفت الآية : (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) (٥) (الحشر) ، فكما ترى كان هناك فريقان من المسلمين ، فريق تحمّس أكثر من اللازم وسارع بقطع النخيل ، وقالوا فى تبرير ذلك ليغيظوهم ، وفريق لم ير ذلك ، لأن هذا النخل نفسه سيكون من نصيب المسلمين ، فليس معقولا أن يدمروه وكأنهم يعاقبون أنفسهم ، ونزلت الآية تحلّ من الإثم من قطع النخل ، وتصدق من نهى عن القطع ، وتقضى فى الخلاف بين الفريقين بأن من نهى إنما نهى بإذن الله ، ومن قطع فإنما قطع بإذن الله ، يعنى أن كلا منهما كان يصدر فيما ذهب إليه بدافع المصلحة وغيرة على الإسلام. وأما بنو النضير فقد توجهوا بعد الخروج وجهتين ، فجماعة ذهبوا إلى فلسطين ، وجماعة رحلوا إلى خيبر وانضموا إلى اليهود فيها ، ومن أكابر هؤلاء كان حيى بن أخطب ، وسلام بن أبى الحقيق ، وكنانة بن الربيع ، فأما حيى فكان والد صفية بنت حيى التى سباها المسلمون وبنى بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل إنه تزوجها.

وسورة الحشر من السور التى اهتمت بتحليل الشخصية اليهودية وتضرب بسهم كبير فى إنشاء علم نفسى جمعى مداره اليهود. وكانت بداية السورة بتمجيد الله وتنزيهه وإبراز عزته وحكمته كقوله تعالى : (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١) ، والآية عبارة عن مقدمة للموضوع ، وكلماتها تنبئ عن ذلك الموضوع ،

٧١٨

فالله له العزة وله الحكمة ، وقد أخرج اليهود إخراجا أبديا لن يعودوا بعده إلى تلك الديار حتى يوم الحشر ، ذلك لأن إيمانهم بأنفسهم وليس بالله ، وقد ظنوا قديما أن حصونهم مانعتهم من قدر الله ، مثلما ظنوا اليوم أن خط بارليف يمنعهم من قدره ، فهذه أول صفة فيهم ، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ، والذى لم يحتسبوه هو ذكاء الآخرين ، لأنهم يظنون أنهم الشعب المختار ، والصفوة ، وغيرهم أغيار أميّون ، وتمثّل هذا الذكاء فى ضرب قياداتهم فى مقتل ، فلمّا قتل كعب بن الأشرف صاروا جسدا بلا رأس. والصفة الثانية : أن اليهود بهم جبن غريزى ، والجبن لا يكتسب ولكنه طبعى ، والمسلمون عرفوا فيهم الجبن فحاربوهم بالرعب ، وفى الحديث عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «نصرت بالرعب بين يدىّ مسيرة شهر» ، يعنى أنه بالرعب خلال شهر واحد هزمهم نفسيا. وثالث هذه الصفات : أن مقولة شمشون : «علىّ وعلى أعدائى» تصدق عليهم دائما ، كالفأر إذا احتبس عن طريق ذيله ، فإنه يقضمه ، وكذلك الأبرص والسحلية ، وهو فعل اليهود دائما ، كقوله تعالى : (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) (٢) ، ففي التاريخ اليهودى يزعمون أن أول انتحار جماعى لهم كان بعد عبادتهم للعجل ، فأمروا أن يقتلوا أنفسهم وأصحابهم وأقاربهم ، وقام بنو لاوى بتلك المهمة ، فسقط من الشعب فى ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف (الخروج ٣٢ / ٢٧ ـ ٢٨) ، وجاء عن ذلك أو نحوه فى القرآن : (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ) (البقرة ٥٤). وقيل إنه فى قلعة الماسادا آثر ٩٦٠ من الرجال والنساء اليهود أن ينتحروا انتحارا جماعيا ولا يقعون فى الأسر مخافة التعذيب. والذين نافقوا كقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) (١١) هم إخوان اليهود وليسوا منافقى المدينة كعبد الله بن أبىّ بن سلول كما تقول كتب التفسير ، فابن سلول ليس أخا لهم ، وإنما «إخوانهم» يهود بنى قريظة ، ولأنهم منافقون فإن المسلمين هزموهم بالقتل ، بينما هزموا يهود بنى النضير بأن أجلوهم عن ديارهم على أن يصحبوا معهم ما تستطيع الإبل أن تحمله ، والقرآن يشهد بنفاقهم ، وأنهم يعدون ويخلفون ، ويخذلون من يعاهدون ، ومن دأبهم الفرار فى الحرب ، لأن الحياة عندهم أكبر من أى شىء ، وفى سفر المقابيين من أسفارهم ، وسفر يشوع ، حشدوا أنواع من بسالاتهم وشجاعتهم وهم كاذبون ، والسورة حسمت الأمر فيهم وقررت أنهم يرهبون المسلمين أشد من رهبتهم من الله ، وأنهم لا يفقهون ، وقتالهم فى قرى محصنة أو من وراء جدر ، وبأسهم بينهم شديد ، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ، وهم لا يعقلون ، ومثلهم مثل من قبلهم أى بنى قينقاع ، وهم يهود أيضا ، أمكن الله المسلمين منهم قبل بنى النضير ، وهؤلاء أمكن الله منهم قبل بنى قريظة ـ

٧١٩

، وكان بين هزيمة هؤلاء وهزيمة هؤلاء سنتان ، وكانت وقعة بدر قبل غزوة بنى النضير بستة شهور ، وشبّهت السورة حال اليهود من بنى قريظة بحال الشيطان ، أرادوا غواية بنى النضير ليستمروا يقاتلون ، فكان عاقبتهما شرّ الهزائم ، كالشيطان ومن يغويه ، مصيرهما إلى النار ، وفى الآية : (نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (١٩) أن اليهود وقد نسوا حقّ الله أنساهم حقّ أنفسهم ، ونسوه فى الرخاء ، فنساهم فى الشدائد.

وفى السورة بيان عن وجوب السنّة فى قوله تعالى : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (٧) ، فكل ما أمر به النبىّ فيما ورد عنه من الأحاديث الصحيحة فهو أمر من الله تعالى ، وقد حكم الرسول فى هذه السورة أن يقسم الفيء إلى خمسة مصارف خصّ بها المهاجرين ، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر محتاجين ، منهم : أبو دجانة سماك بن خرشة ، وسهل بن حنيف ، والحارث بن الصّمة. وهؤلاء جميعا كانوا فقراء ووزعت عليهم أموال بنى النضير إلا اثنين ، هما : سفيان بن عمير ، وسعد بن وهب لم يكونا قد أسلما. وجاء فى تخصيص الفيء للفقراء من المهاجرين : (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) (٧) ، أى حتى لا يتداول المال ويحصر بين الأغنياء ويحرم منه الفقراء ، فيزداد الأغنياء غنى ، ويزداد الفقراء فقرا ، وتتسع الهوة بين الطبقات ، وهذه هى اشتراكية الإسلام ، وقوامها التقريب بين الدخول. وخصّ المهاجرون لأنهم أخرجوا بسبب الإسلام من أموالهم وديارهم ، وتلك أكبر علامة على صدق إيمانهم. ولم يكن الأنصار أقل إيمانا ، فقد كان منهم جماعة أسلموا قبل هجرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهؤلاء لا يحسدون المهاجرين على ما أخلصهم الله ، ويؤثرون على أنفسهم مع شدّة حاجتهم. و «الإيثار» فى السورة من مصطلحات علم النفس الإسلامى ، وهو تقديم الغير على النفس رغبة فى الحظوظ الدينية عن الحظوظ الدنيوية ، وتدفع إليه شدة اليقين. و «الإيثار بالنفس» فوق «الإيثار بالمال» ، ومن الأمثال السائرة : «والجود بالنفس أقصر غاية الجود». ومن أمثال السورة قوله تعالى : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٩) ، والشّح أشد من البخل ، والشّح بخل مع حرص ، والشح فى الآية أن تؤثر نفسك على أخيك ، والشح من مصطلحات الطب النفسى ، والشحيح نمط من أنماط الشخصية ، والشح إطلاقا هو الظلم واتباع الهوى ، والميل عن الإيمان ، وترك الفرائض ، و «من يوقى شح نفسه» هو الذى لا يفعل ما حرّم الله ونهى عنه. ويتجاوز الثناء فى السورة إلى التابعين ، وهم الفرقة الثالثة من فرق مجتمع المدينة بعد المهاجرين والأنصار ، كقوله تعالى : (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) (١٠) ، وهذا الدعاء دليل على وجوب محبة الصحابة ومحبة من يحبهم.

٧٢٠

وتختتم السورة ببيان عظمة هذا القرآن الذى لم يفرّط فى شىء ، وأنه لو خوطبت به الجبال مع تركيب العقل فيها لانقادت لمواعظه ، وخشعت لوعده ، وتصدّعت لوعيده ، بينما الإنسان لم تظهر له خشية ، ولا تبدو عليه رهبة. والخطاب فى الآية : (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) (٢١) هو خطاب لكل الناس وللإنسان عموما. والقرآن هو كتاب الله ، ومن يتّعظ بالقرآن فلا بد أن يؤمن بالله ، وقد يسأل السائل : وما الله؟ والجواب تورده الآيات : (هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٢٤) ، والغيب والشهادة : هما الآخرة والدنيا ؛ والرحمن : الذى وسعت رحمته كل الناس ؛ والرحيم : يؤتى رحمته المؤمنين أكثر من غيرهم ؛ والقدّوس : المنزّه عن كل نقص ، والطاهر عن كل عيب ؛ والسلام : الذى يسلم من كل نقص ؛ وسلم العباد من ظلمه ، ويسلّم على عباده فى الجنة ، كما فى قوله : (سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) (٥٨) (يس) ؛ والمؤمن : هو الذى يصدق ما وعد ، ويؤمن عذابه وظلمه ، والذى وحّد نفسه وشهد على نفسه أنه واحد ؛ والمهيمن : الذى له الهيمنة والسلطة والنفوذ ؛ والعزيز : الذى يعزّ على الكافرين أن ينالوه بشيء ، ويغلب لا يغلب ؛ والجبّار : الذى له السطوة ، والذى يجبر الكسير ويغنى الفقير ؛ والمتكبّر : الذى يتكبّر بربوبيته فلا شىء مثله ، والكبر فى صفات الله مدح ، وفى صفات المخلوقين ذمّ ؛ والقادر : أى المقدّر ؛ والبارئ : المنشئ ؛ والمصوّر : المبدع ، يقال : الله مصوّر آخرا ، وقدير أولا ، وبارئ بينهما ؛ والأسماء الحسنى : هى الدالة على محاسن المعانى. وهذه الأسماء هى التى جعلت لخواتيم سورة الحشر هذه البركة المشهورة بها.

ومن مصطلحات السورة : اللّينة : وهى النخلة عند ما لا يكون تمرها لم ينضج بعد ؛ والتبوّؤ : التمكين ، والمدينة مثلا تبوأت بالإيمان والهجرة ، وغيرها من القرى افتتحت بالسيف ؛ وأهل القرى : القرى هى : النضير ، وقريظة ـ وهما بالمدينة ؛ وفدك وهى بين المدينة وخيبر ؛ وقرى عرينة وينبع ؛ وهذه جعلت خمسة أسهم ، لله وللرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم منها الخمس ، والخمس مردود فيهم ، وما خلفه من المال لا يورث. وكان ينفق من الخمس على عياله ولا يتأثل ، يعنى لا يجمع مالا ، وإنما يأخذ بقدر حاجة عياله ، ويصرف الباقى فى مصالح المسلمين والله أعلم.

* * *

٧٢١

٦٤٢. سورة الممتحنة

هى الممتحنة (بكسر الحاء) ، لأنها تمتحن إيمان الناس فإما أن يبرّءوا ، وإما أن يفضحوا ، : ولذلك سميت : سورة براءة ، والسورة الفاضح ؛ وهى أيضا الممتحنة (بفتح الحاء) : لأن موضوعها المرأة التى تهرب من بلاد الحرب إلى بلاد الإسلام ، مهاجرة من أجل دينها. والسورة مدنية ، لبيان أحكام موالاة الأعداء حتى لو كانوا من الأهل والأقارب ، وأحكام من لم يعادوا المسلمين ، وأحكام مهاجرة النساء ووجوب امتحانهن عند الهجرة للتأكد من حقيقة إيمانهن ، وصيغة مبايعة النساء. وترتيب السورة فى المصحف هو الستون ، وفى التنزيل المدنى هى الخامسة ، وفى التنزيل عامة هى الواحدة والتسعون ، وكان نزولها بعد سورة الأحزاب ، وفى أسباب نزولها : أن حاطب بن بلتعة ـ وكان رجلا من أهل اليمن ، وله حلف بمكة فى بنى أسد بن عبد العزيز ، كتب كتابا إلى قريش بمكة يحذّرهم فيه مما أعدّ لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لفتح بلدهم ، وسلّم الكتاب لامرأة من مكة كانت مولاة لعمرو بن صيفى بن هشام ، وطلب إليها أن تسلّمه إلى مولاها ، ومنحها أجرا لذلك عشرة دنانير وبردا وكانت المرأة قد التقت بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وسألها عن سبب حضورها ، وعرف أنها لم تأت مهاجرة ولا مسلمة وإنما لترتزق ، وكانت مغنية ، ولمّا رحلت فجأة شكّ فيها ، فأرسل وراءها عليا وآخرين ، وأحضروا الكتاب الذى كان معها ، فعرف نفاق بلتعة ، وذاعت خيانته ، ودافع عن نفسه أنه أراد تملّق كفّار مكة ليحموا قرابته فيها ، وأنه لم يفعل ما فعل كفرا ولا ارتدادا عن الإسلام. ونزلت السورة تنهى عن مودة أعداء الله والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأعداء الإسلام ، وتعلن أن هناك آخرين بين صفوف المسلمين من أمثال بلتعة يعلمهم الله ، وتحذّر السورة من الطابور الخامس ، ومن عملاء الداخل ، وتخاطب المؤمنين بعامة ، لعلهم يعوا النصيحة وينصاعوا للأمر ، سواء فى زمن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو بعد ذلك ، تقول : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِ) (١٠) ولقد عفا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن بلتعة ، ففهم المسلمون من ذلك أن هناك فرقا بين الجاسوس الحربى ـ وهذا جزاؤه القتل ، والجاسوس المسلم أو الذمىّ ، وهذان يعاقبان. ولقد حدث أن جاسوسا للمشركين ـ وكان مسلما ـ ضبط فى المدينة ، اسمه فرات بن حيّان ، فكان أول جاسوس مسلم فى التاريخ ، فحكم عليه بالقتل ، فلمّا همّوا بقتله صرخ : أأقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟! فأمر به النبىّ فعوقب بغير القتل ، وخلّى سبيله. وآية : (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) أصل فى النهى عن موالاة الأعداء حتى لو كانت موالاة فى الظاهر ، وحذّرت الآية منه فقالت : (وَمَنْ يَفْعَلْهُ

٧٢٢

مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) (١) وبيّنت أسباب هذا النهى فى قوله : (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) (٢) يعنى إن تمكنوا منكم ، فظفروا بكم ، وواتتهم الفرصة عليكم ، فلن يفرّطوا فيها وسيسفرون عن عدائهم لكم ، ويمتد إليكم عدوانهم ، وستطولكم ألسنتهم وإذاعاتهم وصحفهم ، يودون لو تتخلوا عن مبادئكم وعقيدتكم ، فلا تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم. وبيّنت السورة بقوله تعالى : (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) (٣) أن القرابة والنسب والصحبة والمودة فى هذه الحياة لن تنفع الناس يوم القيامة ، فلا توالوا أعداء الحق باسم هذه العلائق ، وضربت المثل بإبراهيم عليه‌السلام والذين معه ، فقد تبرءوا من قومهم ومما يعبدون لما ظهر أنهم كافرون ، كقوله : (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) (٤) حتى أن إبراهيم تبرّأ من أبيه ، وكان قد وعده أن يستغفر له ربّه ، فكان وعده له استثناء منقطعا ، فلما تبيّن له إصراره استغنى بالله عنه وعن قومه جميعهم ، ودعا ربّه فقال : (رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٥) وتحضّ الآية على اتخاذ إبراهيم أسوة حسنة ، يقتدون به ويتأسّون. وفى السورة قوله تعالى : (لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) (٨) (الممتحنة) استثناء مما سلف ، ونهىّ عن معاداة غير الأعداء ، بل والبرّ بهم وصلتهم ، كقوله تعالى : (عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً) (٧). وهذه السياسة التى ينصح القرآن بها المسلمين فى الحرب والسلم ، هى التى دعت الكثيرين إلى اعتناق الإسلام بعد فتح مكة ، بل إن الرسول ليهادن أعداء الإسلام تزوّج من أم حبيبة بنت عدو الإسلام أبى سفيان ليتألّفه ، وتزوج صفية بنت حيىّ بن أخطب رأس اليهود ليتألّف اليهود ، وتزوّج جويرية بنت الحارث ابنة رئيس بنى الحارث ليدخل أهلها الإسلام ، وبالإضافة إلى ذلك أن زواجه منهن كان مساعدة لهن ، وحماية لهن فى غربتهن ، وبذلك ثبت أن الإسلام لا يعادى إلا من يسفرون عن عدائهم للمسلمين ، ويوالى من يوالونهم ، كقوله : (إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) (٩) ، فحددت الآية فى ثلاثة أمور من تجب عدم موالاتهم من غير المسلمين ، وهم أولا : الذين يجاهدون المسلمين على دينهم ؛ وثانيا : الذين يستولون على بلادهم ويطردونهم من بيوتهم ، ويتلفون أراضيهم ؛ وثالثا : الذين يعاونون على كل ذلك سواء بالمشاركة فيه أو بالموافقة عليه.

٧٢٣

ثم تنتقل السورة إلى مناقشة أمر آخر يتعلق بأمور الموالاة ، وهو هجرة نساء العدو إلى بلاد الإسلام ، طلبا للإسلام ، وكان منهن زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : سعيدة بنت الحارث الأسلمية ـ زوجة صيفى بن الراهب ، وأم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط ـ زوجة عمرو بن العاص وكان وقتها من حزب الكفار ، وأميمة بنت بشر ـ زوجة ثابت بن الشمراخ ، فنزلت آية امتحان النساء ، تقول : (إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ) (١٠) ، فأوجبت امتحانهن ، عسى أن يكن يردن الإضرار بأزواجهن والفرار منهن ، بترك البلاد إلى المدينة ، فأمر المسلمون أن تستحلف المهاجرة بالله بأنها ما خرجت من بغض زوجها ، ولا رغبة من أرض إلى أرض ، ولا التماسا للدنيا ، ولا عشقا لرجل من المسلمين ، بل حبا لله ولرسوله ، فإذا حلفت ردّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مهرها لزوجها الكافر. وما أنفق عليها ، ولم يردّها ، وكذلك يطلّق المسلم المرأة الكافرة ، ويحصل على ما أنفق عليها ، فذلك قوله تعالى : (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا) (١٠). ولمّا فتحت مكة قدم النساء ، يبايعن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الإسلام ، فنزلت آية مبايعة النساء تقول : (إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَ) (١٢) ، فهذه الأركان الستة هى أركان النهى بالنسبة للنساء ، وعلى أساسها تتم البيعة. و «قتل الأولاد» : هو ما يعرف بالوأد ؛ و «افتراء البهتان بين اليدين والرجلين» : هو الحمل من غير الزوج وأن تنسبه إليه. وهذه الأركان الستة بخلاف أركان الإسلام الستة ، وهى : الشهادة ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحجّ ، والوضوء والاغتسال. ومناهى النساء أكدت عليها الآية لأن الكثير من النساء كن يرتكبنها ، فخصّتها الآية بالذكر.

وختمت السورة بمثل ما بدأت به من التحذير من موالاة أعداء الله ، فتناسق الكلام فى البدء والختام ، فكان نعم البدء ونعم الختام. والله سبحانه وتعالى الموفّق للصواب.

* * *

٦٤٣. سورة الصف

السورة مدنية ، نزلت بعد التغابن ، وآياتها أربع عشرة ، وترتيبها فى المصحف الواحدة والستون ، وفى التنزيل المدنى الثالثة والعشرون ، وفى التنزيل عامة هى التاسعة بعد المائة ، وكان نزولها فى وقت كان المسلمون فيه قد فرض عليهم القتال دفاعا عن دينهم ، وعن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وبيوتهم وبلادهم ، ولذلك كان مدارها القتال ، وجاء تعليم

٧٢٤

الله تعالى للمسلمين أن يكونوا فى مواجهة أعدائهم صفا واحدا كالبنيان : (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) (٤) يستحيل عليه اختراق تماسك جماعتهم ، والترويج لإشاعة الفرقة بينهم ، وضرب جبهتهم الداخلية ، ولا يمكن أن تخرج أهداف أى جيش عن طلب النصر والفتح ، فهذان ما يحب أن يحققه كل جندى ، وينشده أى قائد ، ومنهج القرآن لبلوغ هذه الغاية : هو تربية الجماعة على أن تقول ما تفعل ، وأن لا تعد إلا بما فى استطاعتها أن تفعله ، ولا تأخذ على عاتقها أن تقوم بأى عمل إلا ما كانت تقدر عليه. ومنهج الإسلام فى التربية : أساسه الإيمان بالله ، والثقة فيه ، والتوكل عليه ، والاعتقاد بأنه الهادى ، وأنه لا يمكن أن يتخلّى عن المؤمنين ، وتصديق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والطاعة له كرسول وقائد ومعلم ؛ ومحصلة ذلك : أن يجاهد المؤمنون كما طلب منهم ، طالما كان الجهاد بأمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وطاعة لله تعالى ؛ والجهاد نوعان : بالنفس وبالمال ، ومن يأخذ بهذا المنهج فهو الرابح فى تجارته ، فقد اشترى آخرته بدنياه ، وضمن الدنيا والآخرة ، وتحقق له الفوز ، ولنا فى نبيّين مثل نبيّنا أسوة ، فبنوا إسرائيل آذوا موسى أشد الأذى ، مع أنهم علموا أنه رسول الله إليهم ، وضلّوا عن السبيل فأضلهم الله ، ثم أرسل إليهم عيسى ، مصدّقا للتوراة ، ومبشرا بنبىّ بعده اسمه أحمد ، فجحدوه وافتروا على الله الكذب ، والنبيّان كانا من أولى العزم ، وقوبلا بما قوبلا به ، يريد الله بقصتيهما أن يسرّى عن نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويسلّيه ، ويرفع معنويات المسلمين ، والله لا يمكن أن يحقق للكافرين النصر ، وإنما النصر والفتح للمؤمنين ، ولا يمكن أن تتاح للكافرين فرصة أن يطفئوا نور الله بأفواههم ، يعنى يفشّلوا دعوته إلى الحق بما يذيعون من افتراءات وأكاذيب وتخرّصات وإشاعات ، ودين الله هو الظاهر حتما ولو كره الكافرون. والسورة تحفل بالمصطلحات والصور البلاغية والأمثلة والحكم ، ومن ذلك اسم أحمد ، وهو اسم نبيّنا ، بشّر به عيسى ، وكانت لنبيّنا أسماء عدة ، وفى الصحيح عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «لى خمسة أسماء» ، ذكر منها محمد ، وأحمد ، ولم يذكره عيسى باسم محمد ، لأن حمده لربّه كان قبل حمد الناس له ، فهو أحمد أولا لأنه دائم الحمد لله ، ثم هو محمد لأن الناس صارت تحمد خصاله وخلقه. وفى الحديث أيضا : «اسمى فى الإنجيل أحمد ، واسمى فى القرآن محمد» ، وهما اسمان منقولان من صفة ، وكل الأنبياء حامدون لله ، ومحمودون من الناس ، إلا أن أحمد صيغة أفعل التفضيل ، فنبيّنا أحمد الحامدين ، أى أكثرهم حمدا ، وهم محمودون ولكنه محمد ، كالفرق بين الممدوح والممدّح ، ونبيّنا قبل البعث كان أحمد ، وصار بعد البعث محمدا ؛ وأما مصطلح «التجارة» فى قوله : (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) (١٠) فقد

٧٢٥

شبّه به الإيمان ، فجعل المعنى المجرد محسوسا ، وجاء التشبيه بالتجارة مما كان يمتهنه أهل مكة والمدينة ، كقوله : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ) (التوبة ١١١) ، وقوله : (الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) (البقرة ١٦) ، وقوله : (وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً) (النحل ٩٥) ؛ ومصطلح آخر معناه من الإنجيل ولكن مبناه قرآنى بحت ، وهو «أنصار الله» و «الحواريون» والاثنان فى الإنجيل بلفظ «تلاميذ المسيح» ، والتلميذ يقصر عمله على التعلّم ، ولكن النصير هو الذى ينصر ، والحوارى هو الذى يحاور ويسأل ليصل إلى الحقيقة ، فهذا هو عمله ، فمثل ما هو يتعلم فإنه يعلّم ، فالمصطلح العربى أوسع وأفضل ، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهؤلاء ناصروه بالنفس والمال والأهل والولد ، وهاجروا معه ، ثم هم تلقوا عنه وكانوا مبلّغين ومعلمين وفقهاء وعلماء. ومن المصطلحات كذلك فى السورة «عيسى بن مريم» ، أكد على بنوّه لمريم ، إنكارا لقول النصارى أنه ابن الله ، أو كما يدعونه الربّ ؛ وافتتاح السورة بقوله تعالى : (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) تمجيد لله وتنزيه له ، قيل هو تسبيح مقال وليس تسبيح دلالة ، أى بظهور آثار الصنعة على المخلوقات ، فلو كان تسبيح دلالة لما قال الله تعالى : (وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء ٤٤) ، وإذن فهو تسبيح مقال أو كلام ؛ وقوله تعالى : (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) (٢) سؤال توبيخ : فليس أمقت عند الله من أن نقول ما لا نفعل ، وأن نعد بما لا ننجز ، ومن يلتزم بشيء يلزمه شرعا ، والسؤال حجّة فى ذمّ المنافقين ، وهم هذا النمط من الناس الذين يشكون اضطرابا فى الشخصية ويقولون ما لا يفعلون ، والوفاء بالعهد أو بالوعد أو بالنذر من الإيمان ، وهو آية المؤمن ؛ ومثله سؤال موسى لقومه : (لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ) ؛ والسؤال ـ كما ترى ـ سؤال تعجّب ؛ يتعجب أنهم يؤذونه رغم علمهم أنه رسول الله كقوله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ) (٧) ، وهو سؤال بمعنى النفى ؛ وكذلك السؤال : (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ) (١٠) ، وهو استفهام للتشويق. وفى السورة أسباب كثيرة للتنزيل ضمّناه «باب أسباب النزول» ، فنرجو الرجوع إليه ، كما أن فيها عبارات كثيرة تصلح أمثالا وحكما ، ضمّناها أيضا «باب أمثال القرآن» ، ولله الحمد والمنّة ، وبه التوفيق والعصمة.

* * *

٦٤٤. سورة الجمعة

السورة مدنية ، وآياتها إحدى عشرة آية ، منها تسع آيات كمقدمة لموضوع السورة ،

٧٢٦

وثلاث آيات عن يوم الجمعة والصلاة فيه. وترتيب السورة فى المصحف الثانية والستون ، وفى التنزيل المدنى الرابعة والعشرون ، وفى التنزيل عموما السادسة والثمانون ، وكان نزولها بعد سورة الحج ، ويأتى اسمها من قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) (٩) فدلّ ذلك على أن الخطاب فى السورة للمكلّفين ، ما عدا المرضى والزمنى ، وأصحاب العاهات ، ومن هم على سفر ؛ ونداء الصلاة يوم الجمعة ، هو اختصاص بوجوب صلاة الجمعة على أهل المصر ، وأنها لا تجب إلا بالنداء أى بالأذان ، ولا يكون النداء إلا بدخول الوقت. وصلاة الجمعة فرض عين على كل مسلم ؛ والسعى لها واجب مطلقا من غير شرط ؛ والغسل لها أفضل من الوضوء ، والذكر فى الآية : هو الخطبة والمواعظ والصلاة ، وجميعها واجبة فيها ، كقوله : (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً) (١٠) ، وفضله تعالى : هو طلب الرزق ، أو طلب العلم ، أو زيارة الأهل والمرضى ، وصلة الأرحام ، وحضور الجنائز ... إلخ ؛ و «ذكر الله» : بالطاعة واللسان ، وبالشكر. وفى مناسبة الآية : (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً) (١١) : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يخطب ، وإذا بالطبل يدق معلنا قدوم تجارة من الشام لدحية الكلبى ؛ فيها ما يحتاجه الناس من برّ ودقيق وغيره ، فخرجوا يشترون ، فلهتهم عن الصلاة ، ولم يبق منهم فى المسجد إلا ثمانية ، أو أحد عشر ، وقيل ربما كانوا أربعين ؛ وثبت أن من بين الذين لم يخرجوا كان : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلىّ ، وطلحة ، والزبير ، وسعد بن أبى وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسعيد بن زيد ، وبلال ، وعبد الله بن مسعود ، وجابر ، فهؤلاء أربعة عشر. وقيل إنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلى الجمعة أولا ثم يخطب ، فكان خروجهم بعد الصلاة وليس قبلها. وقيل إنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات ، فكانوا فى كل مرة يتسللون ، فنزلت الآية : (قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً) (النور ٦٣) ، وكان السبب فى كل مرة هو قدوم عير من الشام موافقة ليوم الجمعة. والجمعة يمكن أن تنعقد باثنين ، وبثلاثة ، وباثنى عشر ، ولا اعتبار للعدد فى القرى ، حتى لو كان فيها ثلاثة. والخطيب فى الجمعة يخطب واقفا ، لقوله تعالى : (وَتَرَكُوكَ قائِماً) ، ويروى أن أول من خطب قاعدا كان معاوية لكبر سنّه ، وخطب عثمان قائما حتى رقّ فخطب قاعدا ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب قائما ، ثم يقعد ، ثم يقوم ، وإذا قعد لا يتكلم.

وتبدأ سورة الجمعة بالشكر لله والحمد له وتوحيده ، وتذكّر المسلمين أنهم كانوا أمة أميّة ، فأرسل إليهم رسولا منهم يعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم ، وذلك من فضله تعالى عليهم وعلى غيرهم ممن سيأتون من بعدهم من أمة الإسلام فى قابل الأيام ، فلا ينبغى

٧٢٧

لهم أن ينسوا كما نسى اليهود ، فلمّا حمّلوا التوراة لم يعملوا بها لأنهم لم يفقهوها ، وكانوا كالحمار يحمل كتبا على ظهره ولا يعرف ما فيها ولا يفهمها ، وتعلّل اليهود بأنهم أبناء الله وأولياؤه ، وأنهم الصفوة التى اختارها لعبادته فاختصّوه بالتوحيد ، واختصهم بالعبودية ، فلو كانوا أحباب الله لتمنّوا الموت لتكون لهم الجنة وهى خير من الأرض ، ولكنهم لا يتمنونها أبدا لأنهم يعرفون أنهم ظالمون ، ولقد ظنوا أن ربّهم يرضى عنهم لو جعلوا السبت عيدا لهم ، يستريحون فيه ويتبطّلون عن كل عمل ، لأنه ـ بدعواهم ـ هو يوم الله ، فلقد عمل ستة أيام خلق فيها العالم ، فلما انتهى منه استراح فى السابع وهو يوم السبت ، وقدّسوا السبت لذلك ، وجعلوه عيدهم الدينى والقومى. وقلّدهم النصارى وخالفوهم ، فجعلوا الأحد عيدهم ، ولكنهم لم يجعلوه يوم راحة بل يوم خدمة وتعبّد ، وضلّ هؤلاء وهؤلاء عن يوم الجمعة. والمسلمون وإن كانوا آخر أمّة فى التنزيل إلا أنها الأولى فى العبادة ، وهداهم الله ليوم الجمعة عيدا دينيا وقوميا لهم ، وبه تكون لهم هوية ، وبدونه تنتقص هويتهم. وتنطق الجمعة بتسكين الميم ، أو بضمها فيقال الجمعة ، تثقيلا وتفخيما ، وجمعهما جمع وجمعات ، ومعنى أنه يوم جمعة أنه يوم اجتماع ، وفى الأدب الشعبى أنه الجمعة لأن الله جمع فيه خلق آدم وخلق كل شىء ، فاجتمعت فيه المخلوقات ، أو أنه الجمعة لتجتمع فيه الجماعات ، أو لاجتماع الناس فيه للصلاة. وأصحاب الفضل الأول فى اتخاذ يوم الجمعة عيدا ، وتسميته بيوم الجمعة هم : الأنصار ، فقد حاوروا اليهود فى المدينة ، وكان اليهود يعتبرونهم أغيارا ، يعنى من الأمم أو الجويم بالعبرية ، بينما اليهود هم الصفوة والمختارون ، وهم شعب الله ، وهذا الإحساس القومى اليهودى أزكى الإحساس القومى العربى عند الأنصار ، وهو ما دفعهم أيضا إلى اعتناق الإسلام لأنه دين عربى خالص ، وكانوا اثنى عشر رجلا ، ولكنهم أرادوا أن يكون لهم يوم يجتمعون فيه ويصلّون ، ويشكرون لله ، فاتخذوا اليوم القومى للعرب ـ وهو يوم العروبة ـ عيدا لهم ، ثم اشتهر عندهم بيوم الجمعة ، فأطلقوا عليه هذا الاسم ، وكان ذلك قبل أن يهاجر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وكان كعب بن لؤى أول من سمّاه يوم الجمعة ، وأول من جمع المسلمين فيه ، وعاونه أسعد بن زرارة ، وصلّيا بالناس ركعتين وارتجل كعب كلمة ذكر فيها الله وحمده وكبّره ، واحتفل سعد بهم وأو لم لهم. وكان مجىء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من مكة يوم الاثنين ، الثانى عشر من ربيع الأول ، حين اشتد الضحى ، ومن تلك السنة بدأ التاريخ الإسلامى الهجرى ، وأقام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه بقباء وبدأ يبنى المسجد ، وخرج يوم الجمعة فأدركته الصلاة فى بنى سالم بن عوف فى بطن واد لهم اتخذوا فيه مسجدا ، فجمع بالناس وخطب ، فكانت أول جمعة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالمدينة ،

٧٢٨

اليوم السادس عشر من ربيع الأول ، وأول خطبة له فى المدينة ، وكانت ثانى جمعة له فى قرية قرب المدينة يقال لها جواثى. ونزلت سورة الجمعة تخاطب المؤمنين ، وتخصّهم بيوم الجمعة عيدا لهم ، وفى الحديث : «فاليوم لنا ، وغدا لليهود ، وبعد غد للنصارى» ، وفيه أيضا : «نحن الآخرون الأولون» يعنى إن كنا آخر أمة ، إلا أننا أعطينا أول يوم وهو الجمعة ، وظلت أسماء أيام الأسبوع الأخرى كما هى ، وإن كان فيها أن الأحد هو أول يوم من أيام الأسبوع.

ومن مصطلحات السورة : «الأميون» وواحدته «الأمّى» ، ويوازى فى العبرية nokhri أو goi ، والأميون هم الأغيار أو غير اليهود ، وفى القرآن الأميون هم العرب ، من كان منهم يكتب ومن لم يكن يكتب ، وهم أميون لأنهم ليسوا أهل كتاب ، فى حين أن الأمية فى العبرية تفيد أنهم ليسوا يهودا ، ومن ثم فليسوا من الصفوة ولا من شعب الله المختار ، فالمصطلح العربى مصطلح حضارى ثقافى ، والمصطلح العبرى أجناسى عرقى! وفى قوله تعالى : (وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) (٧) إعجاز لأنهم فعلا لم يتمنّوه ، ولو كانوا صادقين لتمنّوا الموت وكذّبوا القرآن. ولمّا لم يتمنّوه أبطلوا دعواهم من الولاية ، وأنهم شعب الله المختار وأحباء الله. ومن الحكم المأثورة فى السورة قوله تعالى : (إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) (٨) ، ومن شعر زهير فى ذلك :

ومن هاب اسباب المنايا ينلنه

ولو رام أسباب السماء يسلّم

من شعر طرفة :

كل شىء سوف يلقى حتفه

فى مقام أو على ظهر سفر

والمنايا حوله ترصده ليس

ينجيه من الموت الحذر

ومن أجمل الأمثلة فى السورة قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) ، فشبّههم بالحمار لا يدرى أكتاب على ظهره أم زمبيل! وفى ذلك تنبيه من الله لمن يحمل الكتاب أن يتعلم معانيه ويعلّم ما فيه ، لئلا يلحقه من الذم ما لحق هؤلاء ، ولله الحمد والمنّة ، وبه التوفيق والعصمة.

* * *

٦٤٥. سورة المنافقون

السورة مدنية ، ولأن النفاق ظهر فى المدينة فإن اهتمام السورة كان بالمنافقين ، وكانوا

٧٢٩

ظاهرة جديدة فى المجتمع الإسلامى ، فقبل المدينة كانت مشكلة الإسلام مع الكفر ، فلما ظهر الإسلام وصارت له شوكة فى المدينة ، دخلته جماعات من أهلها نفاقا ، وعانى الإسلام منهم كثيرا ، والسورة يبلغ عدد آياتها إحدى عشرة آية ، منها عن النفاق والمنافقين ثمانى آيات ، وتليها ثلاث آيات عن مواعظ تحذر من النفاق وتهدى إلى نبذه واجتنابه. والسورة نزلت بعد الحج ، وترتيبها فى المصحف الثالثة والستون ، وفى التنزيل المدنى الثامنة عشرة ، وفى التنزيل عموما الواحدة والثمانون. وفى السورة تحليل للنفاق ، ووصف للمنافقين ، وأمثال مما جرى معهم ، حتى صار اسم السورة عن حق هو «المنافقون» ، وتذكرهم فى أول آية منها مرتين ، تقول : (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) (١) وهذه الآية موجز للسورة ، وإشارة إلى أسباب نزولها ، فلقد كان المسلمون فى غزوة بنى المصطلق ، فاستمع نفر منهم إلى عبد الله بن أبىّ رأس النفاق ، يحرّض الأعراب أن يكفّوا عن إطعام أصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأن ينفضّوا من حوله ، وبتعبير السورة : (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) (٧) ، وقال لهم متوعدا المسلمين : لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ ـ يحث أصحابه على الغدر بالمسلمين. فهؤلاء كانوا المنافقين فى عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهم اليوم شرّ منهم ، فالسابقون كانوا يكتمون نفاقهم ، والحاضرون يظهرونه جهرا عيانا نهارا. وفى الحديث فى آيات النفاق : آية المنافق ثلاث : «إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان» ، وفى الحديث الآخر تزيد هذه الآيات واحدة ، يقول : «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر» ، فجاء العهد فى مكان الوعد وهما سواء ، وكانت الخصلة الجديدة هى الفجور فى الخصام ، وخلاصة ذلك كله أن المنافق لا أمان له ، ونقيضه المؤمن ، وفى الحديث : «المؤمن إذا حدّث صدق ، وإذا وعد أنجز ، وإذا ائتمن وفى». وفى السورة أن منافقى المدينة كانوا كل ذلك ، وكانوا كاذبون ، يشهدون للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ظاهرا ، وينكرونه باطنا ، ويتعايشون مع المسلمين والحقد والضغينة قد طبعا قلوبهم ، حتى ران عليها الكفر فما عادوا يفقهون شيئا ، ولا يستمعون لحق ، تنظر إليهم فتعجبك أجسامهم ، وإذا تحدّثوا تحب أن تستمع إليهم ، وفى الحقيقة هم أشباح بلا أرواح ، وأجسام بلا أحلام ، يستبد بهم قلق دفين ، وخوف مريب ، ويظنون الناس إذا تناجوا فإنما يلغطون فيهم ، وإذا تنادوا يحسبون أنهم ينادون عليهم ،

٧٣٠

وأنهم عمّا قريب سيكشف أمرهم ، وتنفضح نواياهم ، وتبين حقيقتهم ، كقوله تعالى : (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (٤) ، وهى أبلغ عبارة يمكن أن تقال فى النفاق والمنافقين ، وقوله : (هُمُ الْعَدُوُّ) غاية وقمة فى لفت الانتباه إلى خطورة تواجد المنافقين كعملاء وجواسيس وطابور خاس ضمن المواطنين ، فشغلهم الشاغل أن يذيعوا الإشاعات ويثبّطوا الهمم ، ومنهم بخلاف عبد الله بن أبى : جدّ بن قيس ، ومعتّب بن قشير. وقوله : (قاتَلَهُمُ اللهُ) جملة دعائية ، و (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) استفهام إنكارى ، يعنى أخزاهم الله ، فكيف لم يروا الهدى وعموا عنه إلى الضلال ، رغم كل هذه الدلائل والبراهين والتحذيرات؟ وفى السورة أن المنافقين يتسمون باللامبالاة ، وملكة التصوّر عندهم تكاد تكون معطلة كما عطّلت ملكة التمييز ، وأعراض مرض النفاق تظهر عليهم جلية كلوازم تصيب أعناقهم فيلوونها ، أو يهزّونها ، والاستكبار يشعّ من وجوههم ونظراتهم ، ويبين فى مشيتهم وأقوالهم ، يترفعون عن الناس رغم وضاعتهم ، وينسبون إليهم الحمق وهو بهم مرض يلازمهم. وتختتم السورة بالتحذير مما يمكن أن يدفع الناس إلى امتهان النفاق ، فالحرص على الدنيا ، واكتناز المال ، والانشغال بمستقبل الأولاد ، قد يجعل الناس يلجئون إلى النفاق كوسيلة تقرّب إلى السلاطين ، واستغفال الآخرين ، والنجاة من ذلك بالحرص على التقوى وذكر الله ، وليس هناك أدلّ من الإنفاق على أن صاحبه ليس من المنافقين ، فما عهدنا فى أصحاب النفاق أن ينفقوا فى سبيل الله ، والسورة تحضّ على الإنفاق من قبل أن يحضرنا الموت فعندئذ قد نطلب تأجيل الموت ، ولكن هيهات ، فالله لا يؤخر نفسا جاء أجلها. ولو لا الحرص على الدنيا والكفر بالله ما كان عبد الله بن أبىّ ينهى الناس عن أن يطعموا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأصحابه ، مع أن المال هو مال الله ، وله تعالى خزائن السموات والأرض سبحانه.

وفى السورة الكثير من التعابير البليغة والمصطلحات الغنية بالمعانى ، كقوله تعالى : (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) يعنى توسلوا بالحلف إلى إخفاء حقيقة نواياهم ؛ وقوله : (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) ، وهو مثل ، شبّههم بالخشب التى تآكلت فهى مسندة بغيرها ، وخشب جمع خشبة ؛ وقوله : (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) يظنون أن كل نداء هم المقصودون به ، لأنهم يتوقعون الشرّ لما يكتنفهم من الرعب والاستكبار ، كأنما ليس أحد غيرهم يمكن أن ينادى عليه ؛ وقوله : (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها) وهو حكم ومبدأ من مبادئ الحياة والعيش ، لئلا ينسى الإنسان أنه

٧٣١

مائت ، وأن الموت سيخترمه فى يوم من الأيام حينما يجيء أجله ، فلا يستأخره ولا يستقدمه. وبعد ـ فالحمد لله أن كان القرآن هو كتابنا ، وسلام على المرسلين ، والصلاة والسلام على نبيّنا الكريم.

* * *

٦٤٦. سورة التغابن

السورة مدنية ، وآياتها ثمانى عشرة ، وترتيبها فى المصحف الرابعة والستون ، وفى التنزيل المدنى الثانية والعشرون ، وفى التنزيل عموما السادسة والثمانون ، وسميت بسورة التغابن لقوله تعالى فيها : (ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ) (٩) ، وهو يوم القيامة ، من الغبن وهو النقص ، يقال : غبنه غبنا إذا أخذ الشيء منه بدون قيمته ، وسمّى يوم القيامة يوم التغابن ، لأن أهل الجنة يغبنون فيه أهل النار ، فيأخذ أهل الجنة الجنة كلها لأنفسهم ، على طريق المبادلة ، فيقع الغبن على أهل النار ، لأنهم بادلوا الخير بالشر ، والجيد بالرديء ، والنعيم بالعذاب ، ويتمثل الغبن فى الشراء والبيع كما قال تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) (البقرة ١٦) فما يربح هؤلاء فى تجارتهم ويغبنون ، وأهل الجنة اشتروا الآخرة بترك الدنيا فغبنوا الكفّار الجنّة ، فكأنه وقع التبادل فحصل التغابن. وكما ترى ـ فالجو العام لسورة التغابن هو جو السّور المكية التى مدارها الكفر والإيمان ، وأصول العقيدة ، والتخويف من الآخرة ، والتبشير لأهل الجنة ، ولذلك قال البعض : إن السورة مكية ، ومن هؤلاء ابن عباس ، قال : إن سورة التغابن نزلت بمكة إلا آيات من آخرها ، فأنزل الله عزوجل : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٤) ، أنزلها فى عوف بن مالك الأشجعى لمّا شكا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم جفاء أهله وولده.

وفى البداية تستهل السورة بالحديث عن جلال الله وعظمته ، وأن له الملك ، وهو على كل شىء قدير ، وتصنّف الناس إلى كافر ومؤمن ، وكلّ بعمله ، والكافر كفره فعل له وكسب ، والمؤمن إيمانه فعل له وكسب ، والكافر اختار الكفر بإرادته ، والمؤمن اختار الإيمان بإرادته ، وكلّ علمه الله فيه قدرا عليه ، ووجود خلاف المقدور عجز ، وخلاف المعلوم جهل ، وفى ذلك سلامة من الجبر والقدر ، وكلاهما لا يليق بالله الذى خلق بالحق ، وصوّر فأحسن الصّور ، ويعلم الغيب والشهادة ، والأولى بنا لذلك أن نؤمن ولا

٧٣٢

نفعل كالأمم السابقة ، الذين كفروا فذاقوا وبال أمرهم ، وكانت تأتيهم رسلهم بالبينات فتولوا عنهم بدعوى أنهم بشر مثلهم ، فاستغنى الله ، وهو الغنى الحميد. وتدعو السورة الناس إلى الإيمان بالله ورسوله ، وبما مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من النور وهو القرآن ، وتحذّر من يوم الجمع ، أى يوم القيامة ، يوم يجمع الذين كفروا والذين آمنوا للحساب ، وتبشّر من يطيع الله ورسوله ، وتحدد مهمة الرسول : أنها البلاغ المبين ، أى الدعوة إلى الله الواحد الذى لا إله إلا هو ، العليم القدير ، ما نصاب من مصيبة إلا بإذنه ، والأحرى بنا إذن أن نتوكل عليه ، فذلك هو الإيمان الحق. وتلفت السورة انتباهنا إلى أن بعض أهلينا وأولادنا قد يخوّفانا أن نجاهد فى سبيل الله ، وقد نحذر الإنفاق فى سبيله مخافة عليهم من الفقر ، وتحذرنا أن الأموال والأولاد فتنة ، والأحرى بنا أن نتقى الله ما استطعنا ، وأن نطيع ، وأن ننفق خيرا لأنفسنا ، وتسمّى السورة الإنفاق فى سبيل الله «قرضا حسنا» ، نقرضه الله خيرا لأنفسنا ، فالشحّ مهلكة ، وما نفعله من خير أو سوء يشهده الله ، عالم الغيب والشهادة الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء ، ولا فى أنفسنا. والخطاب فى الآية : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ) (٧) للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهذه الآية تلخص السورة جميعها ، وتشرح الهدف منها ، وهى ردّ على مزاعم الزاعمين المنكرين للبعث ، يعلّمه الله تعالى لرسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولأمّة الإسلام من بعده ، ومن ثم كان اسم السورة «التغابن» لأنها بكاملها شرح لحجته تعالى ، بأن البعث حقّ. و «الزعم» هو القول بالظن ، ولكل شىء كنية ، وكنية الكذب «زعموا» ، قيل : نزلت فى العاص بن وائل السهمى مع خبّاب ، فكان لخبّاب دين على العاص فأراد أن يتقاضاه ، فسخر منه العاص أن سيعطيه إياه فى الآخرة ، وقول العاص كقول الكفار ، والسورة ردّ عليهم تلخصه هذه الآية : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا).

وتتضمن السورة آيات من البيان والبلاغة ، كما فى السؤال التقريرى : (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٥) ، وكما فى الاستخدام الجميل لكلمة (ذلِكَ) فى قوله : (ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (٦) ؛ الكثير من الحكم والأقوال المأثورة ، كما فى قوله : (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) (١١) ، وقوله : (اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١٣) ؛ وقوله : (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (١٤) ؛ وقوله : (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (١٥) ؛ وقوله : (إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ) (١٧).

٧٣٣

ومن مصطلحات السورة : «النور» وهو القرآن ؛ و «يوم الجمع» يعنى يوم القيامة ؛ (وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) أى : اسمعوا ما توعظون به وأطيعوا فيما تؤمرون به وتنهون عنه ، وهذه الآية محل خلاف وجدل ، فقد استخدمها طواغيت المسلمين للتمويه على الناس باسم الدين ، وتضليلهم عن حقوقهم ، وتبرير مظالمهم ، كما فعل الحجّاج بن يوسف الثقفى يبرر بها مظالم عبد الملك بن مروان ، فقال تطبيقا للآية : «لو أمرت رجلا أن يخرج من باب المسجد فخرج من غيره لحلّ لى دمه»!!! مع أن الآية نزلت فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى وجوب الطاعة له ، ثم من بعده لأصوات الحق من أهل العلم والصلاح والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر. والسماع والطاعة فى الإسلام سورهما «الشورى ، والعدل ، وسواء السبيل» ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٤٧. سورة الطلاق

السورة مدنية ، وآياتها اثنتا عشرة آية ، وكان نزولها بعد سورة «الإنسان» ، وترتيبها فى المصحف الخامسة والستون ، وفى التنزيل المدنى الثالثة عشرة ، وفى التنزيل عموما التاسعة والتسعون ، واسمها «الطلاق» من استفتاحها بقوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) ، ومن عنايتها بموضوع الطلاق فى الإسلام ، وأحكامه وما يترتب عليه من عدة ، ونفقة ، وسكنى ، وما تتكلفه تربية الصغير من عناية بغذائه ورعايته وكسوته ، وأجور يقتضيها كل ذلك. وتسمى السورة لذلك سورة النساء القصريّة ـ أى المقصورة على بعض شئون النساء ، تمييزا لها عن سورة النساء العميّة التى موضوعها مسائل النساء عموما. وفى مناسبة نزولها ، قيل : إنها نزلت لمّا طلّق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حفصة ، فأتت أهلها ، فأنزل الله تعالى عليه : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ) (١) ، وذلك لمّا أسرّ إليها حديثا فأظهرته لعائشة فطلقها تطليقة ، وهذا غير صحيح ، وفى حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب : أنه فى قصة التحريم ذهب يتحرّى الأمر من ابنته فلم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم طلقها ، وقال لها عمر : «ولو لا أنا لطلّقك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم». ولمّا دخل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال له : «فإن كنت قد طلقتهن فالله معك». ولم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد طلق أيّا من زوجاته ، ولم يطلق حفصة. ولمّا دخل أبو بكر على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وجده جالسا وحوله زوجاته ، وقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هن حولى كما ترى يسألننى النفقة» ، وواضح أن طلاقه لحفصة فرية مما كان يروّجه المنافقون واليهود والكفار ، عليه وعلى بيت النبوة. والصحيح أن هذه الآيات فى الطلاق نزلت فى عبد الله بن عمر حين طلّق امرأته وهى حائض ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم

٧٣٤

فيه : «ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فتلك العدّة التى أمر بها الله تعالى». وفى رواية : «فتلك العدّة التى أمر الله أن يطلّق لها النساء». والخطاب فى السورة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) والحكم عام لأمّته : (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ) يلفظ الجماعة. وصيغة الخطاب : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) لم يخاطب بها نبىّ آخر فى القرآن ، واختص بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ثلاث عشرة مرة ، وكان خطابه تعالى لكل نبىّ باسمه مجردا ، كقوله : «يا إبراهيم» ، و «يا نوح» ، و «يا عيسى بن مريم» ، و «يا موسى». وفى صيغة : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) المراد بها المؤمنون ، يخاطبهم الله تعالى من خلال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو بواسطته ، فإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى جميعا ، أى الرسول نفسه دون المؤمنين ، فإنه تعالى يقول : (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ) ، ويأتى ذلك فى القرآن مرتين (المائدة ٤١ و ٦٧). وإحصاء العدّة فى الآية هو تحديد ابتدائها وانتهائها ، لئلا تطول مدتها على المرأة فتمنع من الزواج بعد طلاقها ، أو لئلا تقصر عن مدتها فلا يتبين أن المرأة حامل وتتزوج وهى حامل ، فتختلط الأنساب. والعدّة لصالح الزوجين معا كما يقول تعالى : (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) (١) ، وكانت «أول امرأة يصير لها عدّة فى الإسلام» : أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية ، ولم يكن قبلها للمطلّقة عدّة. وليس لغير المدخول بها عدّة. ومن طلق فى طهر لم يجامع فيه نفذ طلاقه وأصاب السنّة ، وإن طلّقها حائضا أو جامعها فى طهر قبل طلاقها ، نفذ طلاقه وأخطأ السنّة. وطلاق السنّة : أن يطلقها فى كل طهر طلقة ، ومن يطلق ثلاثا فى كلمة واحدة فطلاقه باطل ، لأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر ابن عمر أن يراجع امرأته حين طلقها فى حيض فقال : «مره فليراجعها» ، وهذا يدفع الثلاث. وقوله تعالى : (لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) (١) هى الرجعة ، لعل الزوج يندم على طلاقها ويجد فى قلبه رجعتها ، وإذن يبطل دخول الطلقات الثلاث تحت الآية : ومعنى لعدتهن» لقبل عدتهن ، و «قبل العدّة» هو آخر الطّهر ، لأن الطلاق فى الحيض ممنوع ، وفى الطّهر مأذون ، وإحصاء العدة : موكول بالزوجة والزوج معا ، ويهم القاضى الذى قد يحكم بالطلاق. والمرأة فى عدّتها لا تخرج من بيتها ، ولا إذا تمّ طلاقها ولها أطفال لصريح الآية : (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) (١) ، لم تقل الآية أنها لا تخرج فى العدّة ، بل وزادت فأضافت البيوت إليهن فقالت : «بيوتهن» ، وكان من المستحيل أن تستمر المرأة فى بيت أهل الزوج بعد طلاقها ، ولذلك فسّر الأوائل الآية بأنها خلال العدّة ، وقالوا إن الإضافة إضافة إسكان وليست إضافة تمليك. وفسّروا النهى عن الخروج تفسيرا آخر خلاف ما فى الآية ، وأفتوا بأنها تحبس فى البيت ، مع أن المعنى ينصرف إلى أن تقرّ فى البيت هى

٧٣٥

وأولادها طالما أنها تحترم مسكنها وجيرانها وعقد الإيجار بين مطلقها وصاحب البيت ، فإن ارتكبت فاحشة مبيّنة ، كأن تعرف بسوء الخلق لكثرة خروجها ، أو لتردد الرجال عليها ، أو تضبط فى قضية آداب ، فليس لها السكن ، وينزع منها أولادها الذين هم فى حضانتها. وفى قوله : (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (٢) ، والإمساك بالمعروف هو المراجعة ، والمعروف هو نية عدم المضارة فى الرجعة ، فلا يراجعها ثم يطلقها وهكذا ، تطويلا للعدة. وقوله : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) (٢) لوجوب شهادة اثنين إذا راجعها وإذا طلقها ، ويقتضى ذلك الإثبات والتوثيق ، ويستوجب أن يكون أمر الطلاق والرجعة بيد القاضى ، فلا يكون هناك مجال للتجاحد بينهما. وإذا وجب الإشهاد فى الرجعة ، فإن القول بأن الرجعة لا بد فيها أن تقبل المرأة بها ، لأنه إذا كان يشترط القبول فى الزواج ، فالرجعة لا بد أن يشترط فيها كذلك القبول ، لأنها أولى بهذا الشرط من الزواج ، لأنها بعد نزاع ، ويسقط بذلك أن يراجع الرجل امرأته بدون علمها. ويشترط فى الشاهدين أن يكونا من ذوى العدل ، يعنى من مستوى الرجل والمرأة الاجتماعى ، فلا يصح أن يشهد على زواج أو طلاق من لهما مكانة اجتماعية شاهدان من سفلة القوم ، أو شاهدان مخموران ، أو لا وعى ولا دراية لهما بما يشهدا عليه ، ومن ثم قال : (وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ) (٢) ، أى تقرّبا إلى الله ، فالشاهدان لا بد أن يكونا من الأتقياء الصالحين. وتستطرد السورة إلى النساء الآيسات اللاتى لم يعد لهن حيض ، والصغيرات فى السن اللاتى لم يحضن ، فتجعل عدّتهن ثلاثة أشهر ، وأما أولات الحمل فعدّتهن أن يضعن حملهن. وفى العدة تسكن المرأة فى بيت الزوجية ، ولا يصح أن يساكنها مطلّقها ، ولو كان يصحّ ذلك ما قالت الآية : (أَسْكِنُوهُنَ). وإذا كان لها أولاد تظل فى بيتها وينفق عليها كما ينفق على المعتدة ، وللمرأة نفقة إعالة وإعاشة كاملة ، وتقدير النفقة أولى بالتشاور وبالمعروف ، ومن يتعاسر من الزوجين يحتمله الآخر. وفى قوله تعالى : (مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ) (٦) يعنى من سعتكم ، كقوله : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) (٧) ، والآية مبدأ من مبادئ العدل فى الأحوال الشخصية ، وفى الحديث لهند قال لها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف» ، فأحالها على الكفاية حين علم السعة. والآية أصل فى وجوب النفقة للولد على الوالد دون الأم ، والأصحّ من ذلك أن تكون النفقة على الأبوين على قدر الميراث. وختمت السورة بموعظة عامة ، أن لا نتعدى الحدود كالأمم السابقة التى عتت عن أمر ربّها فحاسبها حسابا شديدا ، وأشارت السورة إلى قدرته تعالى فى خلق السموات

٧٣٦

والأرض ، فمن قدر على هذا الملك العظيم ، فهو على ما بينهما من خلقه أقدر ، ومن العفو والانتقام أمكن ، وهو المحيط بكل شىء علما ، فسبحانه الذى شرّع الزواج والطلاق ، وجعل لهما قداسة ، وحذّر وأنذر من اللهو بهما والاستخفاف بأمرهما.

وفى السورة الكثير من الحكم والأقوال التى يمكن التمثّل بها ، كقوله تعالى : (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) ؛ وقوله : (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ) ؛ وقوله : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) ؛ وقوله : (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) ؛ وقوله : (إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ) ؛ وقوله : (قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) ؛ وقوله : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) ؛ وقوله : (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً) ؛ وقوله : (وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ) ؛ وقوله : (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ) ؛ وقوله : (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) ؛ وقوله : (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللهُ) ؛ وقوله : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً). والحمد لله ربّ العالمين على نعمة القرآن ، وبالله وبكتابه التوفيق والعصمة.

* * *

٦٤٨. سورة التحريم

السورة مدنية ، وموضوعها لذلك من نوع موضوعات السور المدنية ، وتتناول مسائل من أحكام الشريعة المتصلة بالحياة العملية ، وفى هذه السورة يتصل التشريع بحياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وببيت النبوة وأمهات المؤمنين ، كنموذج للبيت المسلم وما ينبغى أن تكون عليه المرأة المسلمة. والسورة آياتها اثنتا عشرة آية ، وكان نزولها بعد سورة الحجرات ، وترتيبها فى المصحف السادسة والستون ، وفى التنزيل المدنى الواحدة والعشرون ، وفى التنزيل عموما السابعة بعد المائة. وتستهل بعتاب الله تعالى لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولكنه ليس أى عتاب ، وبقدر منزلته صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند ربّه ، بقدر التلطّف فى صيغة هذا العتاب. تقول السورة : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (١)؟ ، وصيغة السؤال من صيغ التلطف فى العتاب ، وكذلك قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) ، فلم يحدث أن خاطبه تعالى كغيره من الأنبياء ، كأن يقول : «يا محمد» ، وإنما يخاطبه إما بقوله (يَسْئَلُونَكَ) كما فى الآية ١٨٩ من سورة البقرة ، ويتكرر ذلك خمس عشرة مرة ، ويجيب فيقول : «قل» كما فى نفس الآية السابقة ، وهى صيغة السؤال والجواب من صيغ التعليم القرآنى ، وإما يخاطبه بقوله : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) ، بينما كان خطابه لآدم : (يا آدَمُ) (البقرة ٣٣) ، ولإبراهيم : (يا إِبْراهِيمُ) (هود ٧٦) ، ولنوح : (يا نُوحُ) (يونس ٤٦) ، ولموسى : (يا مُوسى) (الأعراف

٧٣٧

١٤٤) ، ولعيسى (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) (المائدة ١١٠) ، فبقدر عزم الأنبياء بقدر تفضيله تعالى لهم ، بقوله تعالى : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) (البقرة ٢٥٣) ، وقوله : (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ) (الإسراء ٥٥). وفى القرآن تأتى (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) ثلاث عشرة مرة ، و (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ) مرتين كما فى الآية ٤١ من سورة المائدة ، وفى كل مرة كان يعلنه تعالى بأمر من أمور الدعوة ، أو يسرّ له بمسألة تخصّ البيت النبوى. ولمّا كانت السورة تتناول التحريم الذى فرضه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على نفسه ، إرضاء لأزواجه ، دون أن يأتيه ذلك عن ربّه ، سأله : (لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) وفى الإسلام ليس من سلطة أحد تحريم ما أحلّ الله ، ولا تحليل ما أحلّه ، إلا أن يأتى الأمر بذلك منه تعالى. ولهذا التحريم قصة لم توردها السورة ولكنها أشارت إلى مجملها دون الدخول فى تفاصيلها ، لأن الناس ليس لهم من تفاصيل حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا مجملها وما له صلة بدينهم ، وللقصة مغزى ومعنى ومفاد ، وهذه هى مطلوباتها كقصة من الأدب الدينى ، وفيها الوعظ والإرشاد والتأسّى بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى حياته الخاصة فيما يجب وما لا يجب. وقد ذهب المفسّرون مذاهب شتى فى التكهّن بالتفاصيل وتخمين أسماء شخوص القصة من نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومدار الخلاف الذى جرى ، فذكروا أن حفصة شاهدت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع أم ولده إبراهيم فى حجرتها وعلى سريرها! وكانت حفصة قد توجهت لزيارة أبيها ، ولمّا عاتبته طلب إليها أن تكتم ذلك وأقسم أن لن تكون له بأم إبراهيم علاقة من بعد! فكأنه حرّمها عليه مع أنها محللة! وقالوا إنها لمّا رأته ساومها على أن لا تذيع ذلك على زوجاته ، وفى مقابله يخصّها بخبر يفرحها ، وسألته عن الخبر ، فقال لها : إن أباها عمر بن الخطاب وكذلك أبا بكر الصديق سيخلفانه من بعده ، أبو بكر أولا ثم عمر! ولقد أفشت حفصة السرّ ، وأطلعت عليه عائشة فانتشر منها إلى كل زوجاته وعلمن به ، فنبّأه ربّه بما جرى! وكذلك تعلقت المسألة بناحية أخرى من الأدب الزوجى هو إفشاء الزوجة لأسرار زوجها ، الأمر الذى استوجب غضب الرسول حتى كاد أن يطلق زوجاته لمّا تظاهرن ضده وطلبن زيادة الإنفاق عليهن! وقيل عن ذلك أن الأمر تعلّق بالمرأة التى وهبت نفسها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهى أم شريك! وقد أغضب ذلك زوجاته فتظاهرن ضده! وكل ذلك القيل والقال من نوع الرجم بالغيب ، ويتنافى مع العقل ، ويتطلب أن يكون أصحاب القصة بلا خلاق ولا مبادئ! وكانت الشائعة مادة خصبة للإسرائيليات ، وكثير مما قيل حولها يقوم على الجهل ، ويدفع إليه التصور المغرض ، وهو من نوع التشنيع على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى زوجاته ـ وأخصّهن عائشة وحفصة ، لأنهما كانتا بنتيّ خليفتى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأكثر فيهما الشيعة والرافضة

٧٣٨

واليهود ، وهؤلاء الثلاثة ألد أعداء الإسلام السّنّى. (انظر مناسبة الآية ضمن باب أسباب النزول). ومما قاله الزمخشرى مثلا ـ وهو صاحب باع طويل فى الإسرائيليات وترويج الإشاعات ـ أن التحريم من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان زلة! ولم يراع الزمخشرى مقام النبوة ، ولم يلاحظ أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يحلل لنفسه حراما ، ولكنه حرّم على نفسه وضيّق عليها ما وسّعه الله! والقرآن أرادنا أن ننتبه إلى ذلك : أن لا نحرم ولا نحلل إلا ما حرّم الله وما حلّله. وعتابه تعالى لنبيّه كان كرامة له ، وتنزّل القصة قرآنا فيه رحمة للمسلمين ، ومثل ذلك قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ) (المائدة ٨٧). وفرض الكفارة تحلة للإيمان من أنواع الرحمة للمسلمين ، فمن قال لزوجته : أنت علىّ حرام ولم ينو طلاقا ولا ظهارا ، استوجب على نفسه كفارة اليمين ، ولو خاطب كل زوجاته بهذا اللفظ فعليه كفارة واحدة ، وكذلك لو حرّم على نفسه أى شىء من طعام أو غيره تجب به الكفارة ، وما لم يحرمه الله فليس لأحد أن يحرمه. ولمّا أتى ابن عباس رجل يقول له : إنى جعلت امرأتى علىّ حراما ، قال له ابن عباس : كذبت! ليست عليك بحرام ، وتلا عليه الآية وفرض عليه كفّارة.

وأما مسألة إفشاء السرّ بين الأزواج ، فقد تناولته الآية : (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (٣). والآية كما ترى تفسّر السبب الذى من أجله كان التحريم وكان مدار القصة ، وهو سرّ بين أصحاب القصة ليس لنا أن نتكهن به. وقد خاطبهما الله تعالى ـ أي عائشة وصفية احتمالا ـ فقال : (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) (٤) ، وقيل : الآية من بركات عمر بن الخطاب ، فلما دخل عليه بعد أن سمع خبر إيذائهن للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال له : يا رسول الله ، ما يشق عليك من شأن النساء ، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل ، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك». قال عمر : وقلّما تكلمت بكلام ـ أحمد الله ـ إلا رجوت أن يكون الله عزوجل يصدّق قولى الذى أقول ، ونزلت هذه الآية ـ آية التخيير : (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ) (٥) ، والآية : (وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) (٤). والتظاهر هو ما كانت تفعله زوجتاه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وذلك ما أغضبه منهما علاوة على إفشاء السرّ ، وهو ما استوجب كذلك أن يخوّفهما الله فيقول : (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ) (٥) ثم وصف هؤلاء الأزواج بأحسن الصفات المعنوية كما

٧٣٩

ينبغى أن تكون عليه الزوجة ، فقال : (مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً) (٥). و «عسى» فى الآية تأتى بمعنى الوجوب ، وقيل كل «عسى» فى القرآن فهى وعد من الله ، وقوله : (عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَ) يعنى يعده الله بذلك. ويأتى أيضا فى الآية : (تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) (٨) يعنى يعدهن إن تبن بصدق أن يغفر لهن سيئاتهن ، ولذلك كانت النصيحة : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً) (٦) والمؤمن إذا وقى أهله من النار يقى نفسه كذلك ، وأهل الرجل هم نساؤه فى المقام الأول ، واستدعت قصة التحريم ـ هذه النصيحة لتعلقها بالأهل أى بنساء الرجل ، وسورة التحريم كما رأينا مدارها أهل بيت النبوة ، والتوصية بالأهل من نوع رعاية الراعى لأهل بيته ، ومسئوليته عنهم ، كما فى الحديث : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ...» ، وسورة التحريم كلها تعليم للنساء وللمؤمنين جميعا : (تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً) (٨) ، وكانت مثار أمر آخر بخلاف التربية المعنوية لهؤلاء ، فقال تعالى للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (٩) ، وقوله : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) كقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ، فبعد وفاة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يئول الجهاد إلى أئمة المسلمين ، وجهاد الكفار إذا اعتدوا واجب ، قتالا بقتال ، وقتال المنافقين باللسان ، وكان الكفار والمنافقين قد أكثروا الذمّ للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وزوجاته ، وللقرآن والإسلام ، كما يحدث الآن ، وروّجوا الشائعات. ثم أوردت السورة نموذجين تربويّين لنساء المسلمين وأزواجهن ، تخييرا لهن فى أى نموذج شئن ، فى قوله تعالى : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) (١٢). وخيانة امرأتى نوح ولوط ليست الفحشاء ولكنها عصيانهما والانضمام إلى حزب الكفّار ، وذلك نقض أصيل لعقد الزوجية يرقى إلى مرتبة الخيانة ، لأنهما كانتا تفشيان سرّهما وتبلغان رهطهما بما يدبّران. وامرأة فرعون كانت مؤمنة صابرة ، ودعت ربّها حسن الثواب ، وأن ينجّيها من فرعون وكفره وظلمه ، ومن قومه الظالمين. ومريم أحصنت نفسها وآمنت بوعد الله لها ، وبما أنزل من كتب ، والتزمت فروضها ، وكانت كثيرة الذكر لربّها. فهذان هما النموذجان اللذان للنساء وللرجال أن يفاضلوا بينهما ويختاروا بملء حريتهم أيهما يناسبهم. والسورة تؤكد حرية إرادة النساء والرجال ، وحرية اختيارهم رجالا

٧٤٠

ونساء بين الإيمان والكفر ، وتثبت أن للنساء استقلالية كاستقلالية الرجال ، وربما كانت تظاهرة نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أول تظاهرة نسائية فى التاريخ ، ولقد نسبوها لعائشة وحفصة ، وعائشة التى تظاهرت كما روت السورة ـ تطالب بالنفقة للنساء ، وإلا فكان الأحرى أن لا يتزوجهن ، هى نفسها التى تظاهرت تطالب بدم عثمان وتوجهت إلى البصرة تظاهر الحق. والسورة حافلة بصور شتّى تطالعنا بجوانب من الجهاد ، وفيها من المصطلحات الكثير ، كمصطلح «تحلة الإيمان» : يعنى تحليل اليمين ، أى كفّارته ؛ ومصطلح «السائحات» : يعنى الصائمات ، يسمّى الصائم سائحا لأن السائح «قديما» كان يمشى لا زاد معه ويأكل حيثما يجد من يطعمه ؛ و «الثيب» : سميت ثيّبا لأنها تثوب إلى بيت أبويها بعد أن يتركها زوجها ؛ و «البكر» : هى العذراء ، لأنها على أول حالتها التى خلقت بها ؛ و «الملائكة الغلاظ» : هم الملائكة الزبانية الشداد ؛ و «التوبة النصوح» : الصادقة. (انظر أيضا قصص امرأة نوح ، وامرأة لوط ، وامرأة فرعون ، ومريم بنت عمران ضمن باب قصص القرآن). ومن الدعاء الجميل المحيط فى السورة ، قوله تعالى : (رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٨). نسأل الله العافية ، وأن يحيينا ويميتنا على كتاب الله وسنّة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مبدّلين. آمين.

* * *

٦٤٩. سورة الملك

السورة مكّية ، وتسمّى «تبارك» ، كما تسمى «الملك» ، لاستهلالها بقوله تعالى : (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ، وكان نزولها بعد سورة الطور ، وترتيبها فى المصحف السابعة والستون ، وفى التنزيل السابعة والسبعون ، وآياتها ثلاثون ، وتوصف بأنها الواقية ، والمنجية ، والمانعة ، قيل : تقى وتنجى وتمنع من عذاب القبر وتشفع لقارئها من النار ، وعذاب القبر لم ينصّ عليه فى القرآن ، ولا شفيع للناس إلا أعمالهم. وكشأن السور المكية ، فإن سورة الملك تتناول موضوعات العقيدة ، وتبيّن قدرة الله ، وتثبت له الوحدانية ، وتبرهن على وجوده ، فهو الذى يميت ويحيى ، وينشئ ويفنى ، ويرزق ، ويغنى ، وهو الذى رفع السماء طباقا ، وزيّنها بالكواكب ، وبسط الأرض وإن شاء خسف بها ، أو يرسل ريحا حاصبا تحصد المكذّبين. ومحور السورة هو : التكذيب ليوم القيامة ، فهل يكثر على الله الذى خلق الطير لا يمسكها شىء فى السماء إلا رحمته ، والذى لا مهرب من عقابه وعذابه ، أن ينشئ الخلق من جديد ويبعثهم ليوم الدين؟ وأن يسعّر نارا تحرق من يمارى فى وجوده تعالى وفى قدرته أو رحمته؟ وتضرب السورة المثل للمؤمن والكافر بمن يمشى سويا يأمن العثار ، ومن يمشى مكبّا يعتسف ولا يهتدى ، فالأحرى أن يؤمن الناس ، وما يمارون فيه

٧٤١

ـ وهو البعث ـ حقّ لا ريب فيه ، وعلم الساعة عنده تعالى لا يعلمها إلا هو ، فلا يصح أن يسأل فيها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لأنه ليس سوى نذير مبين ، وقد فعل وأنذر وأبان.

والسورة فيها الكثير من وجوه البيان والبديع ، كالمطابقة بين الموت والحياة ، والاستعارة فى قوله : (تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) ، والتمثيل فى قوله : (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا) ، والسجع فى قوله : (كَيْفَ نَذِيرِ) ، و (كانَ نَكِيرِ) ، وفى قوله : (غُرُورٍ) و (وَنُفُورٍ) ، والكناية فى قوله : (بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ... إلخ ، ولله الحمد والمنّة ، وبه التوفيق والعصمة.

* * *

٦٥٠. سورة القلم

سميت السورة باسم ما جاء فى ابتدائها (الْقَلَمِ) ، الذى أقسم الله تعالى به لما فيه من البيان ، وبدأها بحرف الهجاء «نون» كما فى سائر مفاتيح السور ، وقيل اسم السورة (ن) وأما (الْقَلَمِ) فهو المقسم به ، قيل : هو أول ما خلق ، والنون كانت الدواة. ومن خرافات التفسير أن يقال : النون هو الحوت الذى يحمل الأرض! وقيل : القلم لمّا خلق كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة! وقيل : نون افتتاح أسمائه تعالى نصير ، ونور ، وناصر ، وآخر حرف من الرحمن! والصحيح أن القلم نعمة من الله ، وكذلك حروف الهجاء من أمثال نون ، لأن منها بناء الكلمات التى بها تتألف العبارات ، وبها يتعلم الناس ويعلّمون ويحفظون التراث. والسورة مكية ، وكشأن المكيات فإنها تتناول أمور العقيدة ، وتردّ على الشّبه التى أثاروها وما يزالون على الدعوة ، وعلى قيام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بها ، واستحقاقه كنبىّ ورسول ، وفيها الكثير مما يمكن أن يضرب للوعظ والإرشاد كقصة أصحاب الجنة ، وكانوا ظالمين طاغين ، فلم تنفعهم أموالهم ، ولا أنجتهم سعة عيشهم لمّا حاق بهم غضبه تعالى. والسورة تروى عن أحوال المكذّبين ، وبدأت بالقلم ، لأن ما قالوه وفعلوه بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد أحصى عليهم وكتب وسجّل ، وما كان بالمجنون كما ادّعوا ، وما تحمّله منهم لا بد أن يؤجر عليه من ربّه ، لا منّا ولا تفضّلا وإنما عن استحقاق ، فهو صاحب الخلق العظيم ، ولسوف يبصرون يوم القيامة هل كان هو المجنون أم كان المكذّبون هم المجانين الذين فتنتهم شياطينهم؟ وما كانوا سوى منافقين لا يمشون إلا بالنميمة ، وإذا حلفوا أكثروا الحلف المهين ، واستقووا بأموالهم وأولادهم ، وقالوا عن القرآن إنه ترهات وخرافات السابقين ، وما دروا ما أعدّ الله لهم من عذاب ، وما ادّخره للمتقين من ثواب ، وليس المسلمون كالمجرمين ، يوم يكشف عن ساق ، ويدعون إلى السجود ، أى الإقرار بالحق ، ويبدو لهم وقتها العذاب الصراح. وتنتهى السورة بدعوة النبىّ صلى الله عليه وسلم إلى الصبر ، وتنهاه عن أن يكون كصاحب الحوت يونس عند ما ضجر وعجل ، وليترك أمر المكذّبين ، يستدرجون ويملى لهم من حيث لا يعلمون.

٧٤٢

والسورة حافلة بالصور البليغة الرائعة ، ومن ذلك صيغ المبالغة فى كلمات مثل حلّاف ، وهمّاز ، ومشّاء ، ومنّاع ؛ والجناس : فى مثل مجنون ، وممنون ؛ والكناية : فى مثل : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ) ، كقول القائل عن الحرب : شمّرت عن ساقها ؛ والطباق : فى مثل : المسلمين ، والمجرمين ؛ والتوبيخ الفائق ، فى مثل : (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)؟ (أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ)؟ والسجع المحبوك : فى مثل : (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ). والحمد لله ربّ العالمين على نعمة القرآن ، والله سبحانه وتعالى الموفّق للصواب.

* * *

٦٥١. سورة الحاقة

الحاقة من السور المكية التى مدارها العقيدة ، وترتيبها فى المصحف التاسعة والستون ، وكان نزولها بعد الملك ، وترتيبها فى التنزيل الثامنة والسبعون ، وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية ، وقيل فيها إنها تجير من الفتنة ، وهى نور لقارئها يوم القيامة. ومعنى الحاقة : يوم القيامة ، وهو يوم الحقّ ، لأن الأمور تحقّ فيه من غير شك ، فلأقوام تكون الجنة ، ولأقوام تكون النار ، ويصير كل إنسان حقيقيا بجزاء عمله ، من حاققته فحققنه أحقّه ، أى غالبته فغلبته ، فالقيامة حاقة لأنها تحقّ كلّ محاقّ فى الدين بالباطل ، أى كل مخاصم ، ويقال لها الحاقة ، والحقّة ، والحقّ. والسورة كل مدارها لذلك يوم القيامة أو البعث ، وصورها البلاغية عن هذا اليوم ، وفيها الوصف التفصيلى لمآل المنكرين له ، وقد أنكرته ثمود ، وعاد ، وفرعون ، وقوم نوح ، والمؤتفكات ـ أى قوم لوط ، فأخذهم الله أخذة رابية ـ أى شديدة. فإذا كان هذا اليوم ونفخ فى الصور ، فإن الواقعة تقع ، فتدكّ الجبال ، وتنشق السماء ، ويبعث الناس يعرضون على الحاسبين ، فلا تخفى منهم خافية ، فمن يؤتى كتابه بيمينه فهو فى عيشة راضية ، فى الجنة العالية ، ومن يؤتى كتابه بشماله فهو فى الجحيم يصلى نارا حامية ، استحقاقا بإنكاره لله ، وعزوفه عن الصلاح. وتثنى السورة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتؤكد أن ما يبلّغه من القرآن هو قول رسول كريم ، وتنفى عنه أنه شاعر أو كاهن ، أو أنه يتقوّل على الله ، وإذن لأخذ منه باليمين وقطع منه الوتين ، وقوله هو حق اليقين ، يعنى به القرآن ، لا مرية فيه ولا شك ولا ريب ، فسبحان الله العظيم الذى أنزله!

والسورة بها الكثير من وجوه البيان ، من مثل الإطناب تهويلا فى قوله : (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ) ؛ ولجوئه للتفصيل بعد الإجمال فى قوله : (فَأَمَّا ثَمُودُ وَأَمَّا عادٌ) ؛ واستخدامه التشبيه المجمل فى قوله : (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) ؛ والاستعارة فى قوله : (لَمَّا طَغَى الْماءُ) ؛ والجناس فى قوله : (وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) ؛ والمقابلة فى قوله : (بِيَمِينِهِ) (الحاقة ١٩)

٧٤٣

و (بِشِمالِهِ) (الحاقة ٢٥) وطباق السلب فى قوله : (تُبْصِرُونَ* وَما لا تُبْصِرُونَ) ؛ والسجع المرصّع يفصل به بين الآيات ، فى قوله : «رّاضية» ، «عالية» ، «دانية» ، فغلّوه» ، «وصلّوه» ، «فاسلكوه».

ومن المصطلحات الإسلامية الخالصة فى هذه السورة : «الأذن الواعية» ، تسمع وتفهم ، وتعى وتحفظ ؛ و «النفخة الواحدة فى الصور» ، قيل هى ثلاث نفخات : الأولى «نفخة الفزع» ، ثم يعقبها «نفخة الصعق» ، تصعق من فى السموات والأرض إلا من شاء الله ، ثم «نفخة البعث» ، فيبعث الناس ويعرضون فلا تخفى منهم على الله خافية ، فهو العرض الكاشف الفاضح ، ومنه ثلاث عرضات : اثنتان منها جدال ومعاذير ، والثالثة هى : «العرض الأكبر» ، وفيه تطير الصحف فى الأيدى ، فآخذ بيمينه ، وآخذ بشماله. وفى السورة نعرف أن عرشه تعالى يحمله ثمانية ، قيل هم ملائكة يكونون «ثمانية» صفوف ، وهذا العدد من المتشابه ، وفيه أقوال كثيرة ، وأكثرها خرافات ورجم بالغيب. وفى قوله تعالى : (وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ) ، يعنى أن كلام القرآن يباين صنوف الشعر ، ولم يرد بسبّ ولا قذف ولا شتم. ويروى عن عمر بن الخطاب ، أنه قبل أن يسلم خرج يتعرّض للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فوجده قد سبقه إلى المسجد ، فقام خلفه ، فاستفتح النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بسورة الحاقة ، يقول عمر : فجعلت أعجب من تأليف القرآن! وقال : هذا والله شاعر كما قالت قريش! فقرأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ) (٤١) ، فقال عمر : هذا قول كاهن ، فقرأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٤٣)! قال عمر : فوقع الإسلام فى قلبى كل موقع ، فهذا من جملة أسباب إسلام عمر.

والسورة فيها الاعتبار بمن سبقوا من المكذّبين ، والتحرر عمّا فعلوا ، وألّا يصيبنا ما أصابهم. والدرس المستفاد : أن أمة الإسلام غير الأمم الأخرى ، فأولئك عجّلت لهم العقوبة ، وأمة الإسلام أجّلت وأخّرت إلى يوم القيامة. وأما خاصة أمة الإسلام .. وهم أتقياؤها ـ فلو أضاعوا الأدب يعاقبهم برياح الحجبة ، تطيح بالاحتشام من قلوبهم ، وتعصف بأحوالهم فيمتحنوا ، ويصيروا على خطر أن يدركهم سخط الحقّ. وأما منّته على أوليائه فإنه يسلمهم فى عافية ، فلا يتنازعون ، ولا يتحاسبون ، ويسلمون من الناس ، ويسلم منهم الناس.

وبعد : فهذه هى سورة الحاقة : من أروع سور القرآن العظيم ، ولله الحمد والمنّة ، وبه التوفيق والعصمة.

* * *

٧٤٤

٦٥٢. سورة المعارج

من السور المكية ، وموضوعها لذلك : العقيدة الإسلامية ؛ ومدارها : حول القيامة وأهوالها ، وأحوال المؤمنين والمجرمين فيها ، ومن قبل ذلك فى الدنيا ، والإنسان عموما إذا مسّه الخير أو الشر ، وأوصاف الناجين فى الآخرة ، والكفّار فى مكة خصوصا ونفورهم من دعوة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأمره له بالصبر عليهم ، وترك أمرهم لله حتى يلاقوا يوم البعث الذى يوعدون.

والسورة نزلت بعد الحاقة ، وهى السبعون فى ترتيب المصحف ، والتاسعة والسبعون فى النزول ، وآياتها أربعة وأربعون ، واسمها المعارج مما جاء بها من وصفه تعالى بأنه ذو المعارج ، أى ذو العلوّ والدرجات الفواضل والنّعم ، وذو العظمة والعلاء. والمعارج : هى مراتب إنعامه على الخلق ، وهى المعروفة بمعارج السماء ، أو معارج الملائكة والروح ، تعرج إلى السماء ما بين أسفل الأرض إلى عرشه تعالى مسيرة خمسين ألف سنة ، والعدد للتمثيل لا للحصر ، بدليل أنه فى آية أخرى يقول : (يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (٥) (السجدة) ، ومع ذلك فالأقوال فى هذا العدد رجم بالغيب ، فالخمسون ألف سنة يمكن أن تكون المدة التى يستغرقها نزول الملائكة والروح ـ أى جبريل ـ من السماء الدنيا إلى الأرض ، أو هى مدة رحلة الملائكة والروح من يوم خلق الله الأرض إلى يوم القيامة حين اللقاء به تعالى ، أو هى عمر يوم الحساب يستنفده الملائكة والروح محسوبا بسنين الدنيا ، وكلها اجتهادات فى التفسير عن ظن وليس عن علم ، وفى الحديث : «يحاسبكم الله تعالى بمقدار ما بين الصلاتين ، ولذلك سمّى نفسه سريع الحساب وأسرع الحاسبين» ، وكما يرزق الله الناس فى ساعة ، فكذلك يحاسبهم فى لحظة ، وإنما على قدر الفهوم تكون الظنون ، وهو تعالى القائل : (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ) (لقمان ٢٨). وأجمل ما يقال من التفسير فى التناقض بين أن يكون هذا اليوم ، مرة خمسين ألف سنة ، ومرة ألف سنة ، أن هذين اليومين هما من أيام الله ، يقدرهما بتقديره ، وهو أعلم بما يكونان ، ولا يحسن أن يقال فيهما بما لا نعلم ، والغالب الذى نرجّحه : أن العدد فى الآيتين لتصوير طولهما ، تصويرا نفسيا يكاد يكون كالواقع ، ويوصف بما يوصف به الواقع ، تهويلا وتقريبا للأفهام ، والعرب يصفون ما لا يقدرون على عدّه ، أو ما لا يحتملون مشقته وشدّته ـ بالطول ، كما يصفون ما يحبون أن يستمر معهم من الأوقات المرغوبة بالقصر.

وتبدأ السورة بقوله تعالى : (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ) (١) ، لأن نزولها كان لدعوة الكافرين بالعذاب يقع عليهم كبرهان على صدق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما يخبرهم به عن البعث وعذاب يوم القيامة ، قيل إن السائل : هو النضر بن الحارث ، قال : (اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ

٧٤٥

الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٣٢) (الأنفال ٣٢) فنزل ما سأل ، وقتل وعقبة بن معيط يوم بدر صبرا ، ولم يقتل صبرا غيرهما. وقيل : إن السائل هو الحارث بن النعمان الفهرى ، فما أن قال سؤاله حتى جاءه حجر فى دماغه فقتله. وقيل : السائل هو أبو جهل ؛ وقيل السائل ـ من سياق السورة ـ هو الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفسه ، ولذلك قال له ربّه : (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) (٥) ، أى لا تستعجله لهم فإنه واقع بهم لا محالة.

وفى السورة الكثير من وجوه البلاغة ، كالطباق فى قوله : بعيدا وقريبا ، واليمين والشّمال ، والمشارق والمغارب ؛ والجناس فى قوله : (سَأَلَ سائِلٌ ،) وتعرج المعارج ؛ والتشبيه ، فى قوله : (يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) ، كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ) ؛ والكناية ، كقوله : (إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) (٣٩) كناية عن المنىّ ؛ والسجع المرصّع فى قوله : (إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى) (١٧) ؛ وذكر الخاص بعد العام لفضله وشرفه ، فى قوله : (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ) ؛ والعام بعد الخاص فى قوله : (لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ) (١٤) ؛ والمقابلة كما فى قوله : (إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) (٢١) ؛ والاستفهام الإنكارى تقريعا وتوبيخا فى قوله : (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ) (٣٨).

ومن جوامع الكلم فى هذه السورة قوله : (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) (٢١) ، وهى حكمة بالغة عن طبائع البشر. وقوله : (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) (٥) هو الصبر بالله ولحكمه ، ويجزى به العبد مرتين ، ومن مصاحباته وطقوسه التسبيح بحمد الله. والصبر والمصابرة من عزم الأمور. ومن أروع المشاهد فى هذه السورة : صور العذاب فى يوم القيامة : (يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى) (١٨).

ومن المصطلحات المأثورة فى السورة : «الجامع الموعى» فى الآية السابقة ، وهو الذى يجمع المال ويوعيه أو يوكيه ويغلق عليه. وفى تفسير : (وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) الحديث : «شرّ ما فى الرجل شحّ هالع وجبن خالع» ، وكلاهما «الشّح الهالع والجبن الخالع» مصطلحان من تصنيفات الشحّ والجبن. ومن المصطلحات : جنة النعيم ، ويوم الدين ، واليوم الذى يوعدون. وقوله : (بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) لأن الكون ملىء بالكواكب ، ولكل منها مشرقها ومغربها ، والله تعالى ربّها جميعا. وقوله : (إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ) كقوله : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ) (٣٨) (محمد) فيهما

٧٤٦

نظرية الإسلام فى التولّى والاستبدال ، وهو أن يذهب الله تعالى ريح المكذّبين من الأمم ، ويأتى بأمة تطيعه ولا تعصيه. والسورة فيها الكثير مما يشدّ القارئ أو السامع ، سواء فى أسلوبها أو حكمها ، وإحالات عباراتها وألفاظها إلى مختلف العلوم والفنون. ولله الحمد والمنّة ، نحمده تعالى أن جعل القرآن كتابنا ، وجعل محمّدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم رسولنا ، وجعل الإسلام ديننا وملّتنا ومذهبنا فى الحياة وبعد الممات.

* * *

٦٥٣. سورة نوح

السورة مكية ، يعنى تتعلق بالعقيدة ، ويأتى ترتيبها فى المصحف وفى التنزيل الواحدة والسبعون ، وآياتها ثمان وعشرون آية ، وكان نزولها بعد النحل ، وسميت بسورة نوح لأن مدارها النبىّ نوح ، وما كان من أمره مع قومه المكذّبين له ، وقصته من بداية الدعوة إلى أن أخذهم الله بالطوفان فأغرقهم بخطاياهم ، وعذّبهم فى النار بكفرهم. وفى السورة : أن نوحا من المرسلين والمنذرين ، قيل هو أول رسول منذر ، وأحد أولى العزم الخمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد. وعاش فى قومه عمرا مديدا ، ويطلق عليه لذلك شيخ الأنبياء ؛ ومدار رسالته : الإيمان بالله وتقواه ، وأن يقرّوا به نبيا مرسلا ، ويطيعوه فيما يأمرهم به أو ينهاهم عنه عن ربّه ، وأن يصدّقوه فيما يعدهم به لو عبدوا الله حقّ عبادته ، فسيغفر لهم ربّهم ويمنع عنهم العذاب ، ويكلؤهم بعنايته ، ويبارك لهم فى أعمارهم ويؤخّر آجالهم. ويفسر البعض قوله : (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) (٤) أى لا يعجّل عذابهم ، غير أن المعنى المستفاد من طول حياة نوح وبنيه ، أن تأخيره تعالى لآجالهم هو أن يطيل أعمارهم إذا اتّقوا الله ، فالتقوى والصالحات تطيل العمر ، والدعاء بطول العمر إذن جائز ، وقد طال عمر نوح وبنيه فعلا ، فعاش نوح ٩٥٠ سنة ، و «سام» ابنه قيل : عاش ٦٠٢ سنة ، وكذلك بقية أبنائه ونسائهم وأحفاده جميعا ، فلما آمنوا وأطاعوا نسئ فى أعمارهم. وفى قوله : (إِنَّ أَجَلَ اللهِ) أضاف الأجل إليه سبحانه ، فهو الذى يثبت ويمحو ، ويطيل العمر ويقصّره. وفى السورة أن الأنبياء يستنفدون كل طرق الإقناع فى الدعوة إلى الله ، ولقد دعاهم نوح ليلا ونهارا ، وكلما دعاهم أصرّوا واستكبروا ، ودعاهم جهارا وأظهر دعوته لهم وأعلنها ، وأسرّها ، أى أتاهم فى منازلهم يحادثهم سرّا ، متلطفا ومبالغا فى الإصرار على دعوتهم. ولمّا كانوا قد عانوا الجفاف ، وماتت زروعهم فقلّت أموالهم ونفقت حيواناتهم ، وتهددت المجاعة أولادهم ، وعدهم نوح لو آمنوا أن يرسل ربّه عليهم المطر ، لتنمو الزروع ويأكل الحيوان ، ويكثر المال ، فيكون بوسعهم أن يتزوجوا وينسلوا ، وتكون

٧٤٧

لهم الجنات والبساتين والأنهار ، ومن فقه ذلك : أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار. ويلجأ نوح فى منهج الدعوة إلى المنطق والحوار ، ويستخدم الحجة والبرهان ، ويسوق الأدلة على وجود الله ، ووحدانيته وقدرته ، ومن ذلك خلقه للناس أطوارا ، يعنى نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، إلى تمام الخلق ؛ وخلقه كل شىء أطوارا : فالحضارات والمدنيات دول وأدوار ، وحتى التعلم والفهم والوعى على مراحل ، والأطوار قانون الوجود كله ، وهى فطرة الله فى خلقه وسنّته التى لا مبدّل لها. وحتى السماوات والأرض كانت أطوارا طباقا. وذلك من دلائل قدرته ووحدانيته. ومن ذلك خلقه للشمس والقمر. وقوله : (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَ) ، قال المستشرقون : إن القرآن أخطأ حيث جعل الشمس والقمر لكل السموات والأرض ، وهما للسماء الدنيا وحدها ، ولأماكن من الأرض دون أماكن؟! والخطأ هو خطأ المستشرقين ، أو أنه بالأحرى مغالطة منهم وفساد فى الاستنتاج ، لأنه فى اللغة العربية قد يقال : إن القمر جعله تعالى فى السموات نورا ، والمقصود فى إحدى السماوات وليس كل السماوات ، كقول القائل : أعطنى الثياب وهو يقصد الجلباب فقط دون كل الثياب. وفى السورة من دلائل قدرته تعالى : إنباته للناس من الأرض ثم يعيدهم فيها ، ومعنى إنباتهم أنه ينمّيهم فيكبرون بعد الصغر ، ويطولون بعد القصر ، ومن كان يستطيع ذلك فبوسعه أن يميتهم ثم يعيدهم بعد موتهم ، أى يبعثهم. ولم يقتنع قوم نوح وعصوه ، واستمعوا للأغنياء منهم ، أصحاب المال والبنين ، وعبدوا آلهتهم : ودّ ، وسواع ، ويغوث ، ويعوق ، ونسرا ، ووضعوا لها التماثيل والصور ، ومكروا المكر الكبّار ، أى الشديد ، و «المكر الكبّار» من المصطلحات القرآنية ، وكانت هذه الأسماء للآلهة من قبل نوح ، لأناس من واقع الحياة اشتهروا بالأذى بما جعل الناس تخشاهم ، صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأن الأغنياء كان من صالحهم أن يستذلوا الناس بهم ، ويستنزفوا دخولهم لصالحهم ، وقد نبّههم نوح إلى هذا ، وتوجه إلى الفقراء يحذرهم وينذرهم ، والفقراء تابعون دائما ، وما لم يتقدمهم الأغنياء ينكصون أن يخاطروا بالتسليم لنوح ، فدعا عليهم جميعا : (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) (٢٧) ، وينبّه إلى الوراثة الروحية ، فالكافر يلد الكفّار مثله ، وهو الفاجر الفاسق. وكان لا بد أن يستغفر لنفسه بعد أن دعا على قومه ، فقال دعاءه الخالد : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً) (٢٨) ، والبيت هو المسجد الذى ابتناه لعبادة الله ، وقوله : (لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) يعم الأحياء منهم والأموات ، فاستحب هذا الدعاء اقتداء بنوح ، وختمه بالدعاء الذى يردده كل المظلومين : (وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً) والتبار هو الهلاك والخسار فى الدنيا والآخرة.

٧٤٨

ومن صور البيان فى هذه السورة العظيمة : الطباق كما فى قوله : «أعلنت لهم وأسررت» ، و «جهارا وإسرارا» ، و «ليلا ونهارا» ، و «يعيدكم ويخرجكم» ؛ والمجاز فى مثل قوله : (جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ) ؛ والاستعارة فى مثل قوله : (أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً) ؛ وذكر المصدر للتأكيد : (وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً) و (أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً) ، وهو إطناب أيضا ، ومن باب الإطناب : ذكر الخاص بعد العام ، كما فى قوله : (لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً) ، وعكسه ذكر العام بعد الخاص ، كما فى قوله : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ). ومن صور البيان أيضا السجع المرصّع لرءوس الآيات كما فى قوله : («مِدْراراً) ، و (أَنْهاراً) ، و (وَقاراً) ، و (أَطْواراً»).

وقيل : إن الآية : (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً) فيها الدليل على عذاب القبر ، فبرغم أنه لم يرد به نصّ صريح فى القرآن ، إلا أنه مصرح به فى هذه الآية فى قوله : (فَأُدْخِلُوا ناراً) ، فلمّا كانت القيامة لم تقم ، وعذاب الآخرة لم يحن ، فإن إدخالهم النار لا يعنى إلا عذاب القبر ، وينفى هذا الرأى أن عذاب القبر وقتى ، وإدخالهم النار أبدى ، ولا يكون إلا فى الآخرة ، وقيل : قد يجوز الإدخال إلى النار فى الدنيا كما فى الآية عن قوم فرعون : (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا) (غافر ٤٦) ، غير أن هذا العذاب لقوم فرعون ليس عذاب قبر ، وإنما هو عذاب أكبر وأشمل وأطول ، ولذا فهو عذاب آخرة. ومع ذلك فتفسير الآية بخلاف كل ذلك ، ولا يعنى إلا أن قوم نوح عذّبوا بالنار مع الغرق ، فالمطر الشديد الذى أغرقهم كان معه برق ورعد تندلع بهما الحرائق ، ويشتعل الماء ، كما فى قوله تعالى : (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) (٦) (الطور) ، أى الذى يوقد ماؤه وذلك يكون يوم القيامة ، كقوله تعالى : (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) (٦) (التكوير) أى أضرمت فتصير نارا تتأجج وتحيط بأهل الموقف ، فبمثل ذلك كان عذاب قوم نوح بالنقيضين : الماء والنار ، والله أعلم ، وهو على كل شىء قدير وهو سبحانه الموفّق للصواب.

* * *

٦٥٤. سورة الجن

السورة مكّية ، وترتيبها فى المصحف الثانية والسبعون ، وبحسب النزول هى الأربعون بعد الأعراف ، وككل السور المكية فإن سورة الجن تتناول مسائل من العقيدة ، وتروى حكاية عن الجن استمعوا للقرآن يتلوه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فعجبوا له ، وما فيه من حكمة ، وما اتّسم به من نظم وحبكة. وكان سبب إنصاتهم للقرآن أنهم قبل ذلك كانوا يتنصّتون على السماء ، يخطفون ما يصادف سمعهم من أنبائها فيزيدون عليه ، ويروونه للناس كحقائق

٧٤٩

من الغيب ، والناس تطاوعهم فيما يروون ، وتصدّقهم ، لعل حياتهم تتيسّر بما نبّئوا به ، فلا ينالهم منه إلا الرّهق. وحارت الجن فيما صارت إليه السماء من الحرس الشديد والشّهب ، فانتشروا يتلمسون السبب ، ووجدوه فى ظهور هذا النبىّ الجديد الذى يبشّر بالحقّ من ربّه ، فعرفوا أن عملهم إلى تبار ، ونفوذهم على الناس إلى الزوال ، وكان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذى يستمعون إليه يتلو القرآن العجب ويصلّى بالمسلمين ، والأرض لهم مسجد ، وما كان يدعو إلا الله ، وله وحده يسجد المسلمون ، والمساجد بيوت الله ، ولا ذكر فيها لغيره تعالى. وقوله : (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) (١٩) الإشارة إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو عبد لله كما أن كل الرسل عباد له تعالى ، وكل المؤمنين من عباده ، وقيل إن «عبد الله» من أسماء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى الآية فإن عبد الله داعية لله ، والشأن مع الدعاة أن يجتمع الناس عليهم ، ويزدحموا يحرصون على الاستماع لهم ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمسلمون من بعده ، دعاة إلى الله ، ودعوتهم ليست إلا له تعالى ، وهو الواحد الأحد ، لا يشركون به ، وما كان محمد فى اعتقاده واعتقاد المؤمنين بالله ، إلا بشرا رسولا ، لا يملك للناس ضرّا ولا رشدا ، ولمّا قيل له : اترك ما تدعو إليه ونحن نجيرك ، قال : (إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (٢٢) أى ملتجأ ألجأ إليه ، ونصيرا ووليا ، وحرزا ، ومذهبا ، ومسلكا ، وما كان له أن يتقوّل على الله من نفسه ، فما أمر إلا أن يبلّغ ما يوحى إليه ، ولو عصى الله لكانت النار مأواه ، وكيف يعصاه والملائكة من بين يديه ومن خلفه ترصد ما يقول وتسجله عليه؟ والله يحيط بما لديه ولديهم ، ويحصيه عددا ، إن قولا أو فعلا؟ ولو تقوّل عليه بعض الأقاويل لأخذ منه بالوتين! وما كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعلم عن الساعة ما يلحّون أن يعرفوه عن ميقاتها ، فالله وحده هو عالم الغيب ، ولا يدرى أقريب موعدها أم بعيد ، لأنها غيب ، وهو تعالى لا يطلع رسله على الغيب إلا بما يخدم رسالاتهم ويثبت لهم الدعوة ، ويظهر لهم المعجزات يصدّقهم بها الناس ، ومن ذلك قول عيسى لقومه : (وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) (آل عمران ٤٩) ، وقول يوسف : (لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) (يوسف ٣٧) ، قيل ذلك هو العلم اللّدنّى ، أى من لدن الله. وربما كان المراد بقوله تعالى : (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ) (٢٨) أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد تحصّل له العلم بأن الرسل قبله قد أبلغت عن الله ، أو ليعلم أهل الشرك أن الأنبياء قد أبلغوا رسالات ربّهم ، أو ليعلم الله تعالى أن الرسل قد أبلغوها ، كقوله فى آيات أخرى : (وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ) (١١) (العنكبوت) ، وهذا التفسير الأخير ، بجعله الضمير يعود إلى الله تعالى ،

٧٥٠

فإن الله يجعل علمه تعالى بهم علم ظهور ، أو علم مشاهدة ، لا علم بداء ، ولكنه تعالى يعلم بما كان وبما سيكون ، ولا يخفى عليه شىء من أمور الكون : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) (٥٩) (الأنعام) ، ولذلك كان هذا التفسير قاصرا ولا يصح.

والجن فى هذه السورة جنس كالبشر ، من جنّ أى خفى واستتر ، فهم المستترون أو المختفون ، استتروا على الإنسان وخفوا عنه. وسفيههم الذى يحكون عنه فى السورة هو إبليس ، وقوله فى الله هو الشطط. والجن لمّا سمعت القرآن آمنوا ، وإيمانهم تقريع للعرب أنهم لم يؤمنوا بعد ، وذلك فى زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبعد زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإن الآية تقريع للناس جميعا أنهم لا يؤمنون وعندهم كتاب الله حجّة عليهم. وعند الجن فإن أكبر فرية افتراها الإنسان فى حق الله أن جعل له تعالى صاحبة وولدا ، يعرّضون بديانة النصارى الذين عبدوا المسيح ونسبوا إليه أنه ابن الله من مريم. ونعلم عن الجن أنهم مثلنا ، منهم المسلمون ، ومنهم القاسطون ، والمسلمون لمّا سمعوا الهدى آمنوا به وأسلموا ، فهؤلاء هم الصالحون ، لا يخافون بخسا ولا رهقا ، وأما القاسطون ، أى الظالمون لأنفسهم ، فهؤلاء دون الصالحين ، وهم فرق وطرق ومذاهب ، ظنوا أنهم يعجزون الله فى الأرض ، ولو قد أسلموا ونهجوا الطريقة المثلى ، أى الإيمان ، لسقاهم ربّهم ماء غدقا ، يعنى لوسّع فى رزقهم ، وهذا هو الغدق المادى ، ولرضى عنهم وأرضاهم وأنزل سكينة وطمأنينة الإيمان على قلوبهم ، وهذا هو الغدق الروحى أو النفسى ؛ والماء الغدق هو نعمة الأخذ بالقيم ، كقوله تعالى فى آيات أخرى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) (الأعراف ٩٦) ، وقوله لأهل الكتاب : (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (المائدة ٦٦) ، والبركات جمع بركة وهى الزيادة ، يبارك الله لهم فى أرزاقهم ، ويزيدهم من أفضاله ونعمه ، ويوسّع عليهم ، وهذا هو الغدق المادى والروحى معا ، لا يتحصّلونه إلا بالإيمان. وفى قوله تعالى : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ) (١) رواية عنهم فيها الدليل على أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بشر من بشر ، ولم يرسل إلا للبشر ، وأنه ما رأى الجن ولا خاطبهم ، وما كان يمكن أن يعلم بقصتهم لو لا أن أوحى إليه بها. والإسلام كما هو واضح فى السورة ضد اللجوء للجن وما شابه الذى يروّج له البعض ويأخذون به. وتحفل السورة بوجوه البلاغة ، كما فى الوصف بالمصدر فى قوله :

(قُرْآناً عَجَباً) ، وفيها من بدائع البيان الطباق والجناس والاستعارة والسجع ، والأول كما فى قوله : (فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ) ، و (الْإِنْسِ) و (الْجِنِ) ، و (ضَرًّا) و (رَشَداً) ، و (الْمُسْلِمُونَ

٧٥١

والْقاسِطُونَ) ؛ وأما الجناس فكما فى قوله : (نَقْعُدُ مَقاعِدَ) ؛ وأما الاستعارة فكما فى قوله : (كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) ؛ وأما السجع فكما فى قوله : «أحدا ، وولدا ، ورصدا ، ورشدا ، وصعدا ، وعددا» ويسمونه السجع المرصّع ، لأنه يرصّع رءوس الآيات ، ومن أجمل التعابير قوله : (يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً) يعنى يكلّف المكذّب أن يرتقى الصّعود ، وهو الجبل الأشم على قمته صخرة ملساء ، فإذا بلغها بعد جهد انزلق فينحدر من حالق إلى أسفل ، فيضرب ليصعد من جديد ، لينزلق مرة أخرى وثالثة ورابعة ... إلخ ، وذلك هو العذاب الذى ما بعده عذاب ، وعلى منواله فى الأدب العالمى ، أسطورة سيزيف اليونانية ، فإنه بلعنة من الآلهة صار على سيزيف أن يصعد الجبل بالحجر ، حتى إذا شارف القمة تدحرج بالحجر من عل إلى أسفل لينهض ويحاول من جديد بلا نهاية ، وهذه الصورة للعذاب مما يضرب به المثل ، وتتكرر فى القرآن مرة أخرى فى سورة المدّثر فى الآية : (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً) (١٧). فهذا بعض ما فى هذه السورة المباركة من الكمال والجمال والحق والخير ، والحمد لله على نعمة القرآن والإسلام.

* * *

٦٥٥. سورة المزمل

رقمها الثالثة والسبعون فى المصحف ، وترتيبها فى التنزيل الثالثة ، وتأتى بعد القلم ، وآياتها عشرون آية ، وهى من السور المكية ، إلا الآيات ١٠ و ١١ و ٢٠ فمدنية ، وتتناول جانبا من حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى تبتّله وقيامه الليل ، وفى تلاوته للقرآن ، وصبره على المكذّبين ، ومن ثم كان اسم السورة «المزمّل» ؛ والمزمل أصلها المتزمّل ، قيل زمّل الرسالة ، أو النبوة ، أو القرآن ، أى حمّلها ولكنه فتر عنها ، أو أن المعنى أنه المزمل زمّل نفسه بالثياب ، فكان ـ كما تقول عائشة ـ يتزمّل بمرط ، لا هو خزّ ، ولا قزّ ، ولا شعر ماعز ، ولا إبريسم (أى حرير) ، ولا صوف : سداه الشّعر ، ولحمته الوبر» ، ومن قول عائشة هذا اعتبروا السورة مدنية ، لأن عائشة لم تكن معه إلا فى المدينة ، غير أن كلام عائشة رواية لما سمعته ولكنها لم تشاهده ، والجمهور على أن السورة مكية إلا من بعض آياتها ، وقيل : إنه حتى فى المدينة كان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يبلغه سوء قول المشركين فيه ، فيشتد عليه ، فيتزمّل فى ثيابه ويتدثّر ، ولذا كانت السورة التى تليها فى النزول تخاطبه بنفس الطريقة : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) ، والصحيح أن السورتين نزلتا فى ابتداء ما أوحى إليه ، فلما جاء الملك ، واستمع إليه ، ارتعد وارتجف ، وأتى أهله فقال الكلمة المشهورة : زمّلونى ودثّرونى ، وذلك هو التفسير المادى ، وإنما هناك التفسير الرسالى ، وهو أبعد من أن يتصل بالأغطية والدثر ، أو بما طرأ عليه من

٧٥٢

عوارض نفسية كالخوف وغيره ، فإنه لمّا نزلت هاتان السورتان : المزمل والمدثر ، كان قد تزمّل أو تدثّر عن تبليغ الرسالة ، يعنى كان قد فتر عن التبليغ ، ولم تكن المزمل أو المدّثر من أسمائه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما قال البعض ، ولا يصحّان اسمين له ، وإنما هما اسمان مشتقان من حالته التى كان عليها حين الخطاب. ومن دأب العرب أن تسمى الناس عند مخاطباتهم ـ إذا أرادوا ملاطفتهم ـ بأسماء مشتقة من أحوالهم ، والاسمان المزمل والمدثر هما للتأنيس والملاطفة ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فعل ذلك مع علىّ ، فناداه : «يا أبا تراب» ، ونادى حذيفة : «يا نومان» فأشعرهما أنه غير معاتب لهما. على أن السورتين كسورتين من السور أو الآيات التى تخاطب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقصد بهما كل مسلم ، وخاصة بعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأمّة الإسلام أمة شاهدة ومكلّفة بالتبليغ ، وهى أمة بلاغ ، والمسلم إنسان رسالى ، أى صاحب رسالة هى الإسلام ، وكل مسلم بما أنه كذلك فهو مكلّف بما كلّف به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإن ذكرت له صلى‌الله‌عليه‌وسلم صفة ، أو وصفت له طريقة ، فإنّ المعنىّ بها الآن ـ بعد وفاة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو المسلم أو المسلمة ، والمزمل والمدثر مخاطب بها كل مسلم ، وتأمرانه بأن لا يفتر عن التبليغ فكل مسلم (وكل مسلمة) هو خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو المؤتمن على رسالته. والسورة على ذلك تعهد إلى المسلمين أن يبلّغوا القرآن للناس ، وقبل ذلك أن يستعدوا بدنيا وروحيا ، ومن ذلك إحياء الليل فى العبادة ، كما فى قيام شهر رمضان ، نصفه ـ أى نصف الليل ، أو أقل من النصف ، أو زيادة عليه ، ومن فقه ذلك أن صلاة الليل أو آخر الليل مستحبة على أوله. وقوله : (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً) أى ساعاته وأوقاته ، وكل ساعة منه ناشئة ، وأشد وطأة ، وأقوم قيلا ، يعنى أجمع للخاطر من قيام النهار ، لأن النهار وقت السبح الطويل ، أى السعى طلبا للقمة العيش وسدّ الحوائج. وقالوا إنّ حكم الآية : (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً) نسخه حكم الآية : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) ، وكانوا فى أول عهدهم بالإسلام يقومون الليل لا أقل من ثلثه ، ولا أكثر من ثلثيه ، حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ، فنسخ القيام الطويل هذا بقوله : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) مثل قوله : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) (الإسراء ٧٩) ، وبذلك تكون آخر السورة قد نسخت أولها ، ولا نرى أن فى ذلك نسخا ، لأن آية (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً) خاصة بصلاة الليل ، وأما آية (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) فخاصة بقراءة القرآن وحده دون أن يكون ضمن صلاة. وفى السورة : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) (٢٠) أى أن هذه الصلاة ، كان يقوم بها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وطائفة من المؤمنين ، يعنى أنها من النوافل يأتيها البعض دون الآخرين ، وهو المعنى فى الآية : (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً) (الإسراء

٧٥٣

٧٩) يعنى زيادة على الصلوات المعتادة ، ومع ذلك فإن قيام الليل إطلاقا من الفروض ، وإنما فرضه كان فرض كفاية لا فرض عين ، وأراد به الله تعالى أن يمارس المسلمون مشقة القيام ، فتكون لهم التربية البدنية والروحية التى تؤهلهم لما سيناط بهم من بعد من مهمة التبليغ إلى الأمم ، وما سيواجهونه من مشاق فى ذلك ، وقد يجبرون على القتال ، وقد يعانون الحصار والجوع وتنالهم الهزائم ، فلا محيد لهم عن أن يصبروا ، ومن أين يأتى الصبر إن كانت أبدانهم لم تعتد الشدائد ، وكانت نفوسهم لما تعان الضغوط والضوائق ، فكان فرض قيام الليل ليخلق أجيالا من المسلمين الأشداء ، وكان الصيام ليتمرّسوا بكل ما يمكن أن يجرّه عليهم الإسلام من العناء ، وليس أشد عناء من الجوع ، ولا أشد ابتلاء من أن يقاتل المسلم ، ويخرج من داره ، ويطرد من بلاده ، ويمنع من التعبّد لله. وليس صحيحا إذن أن قوله : (ما تَيَسَّرَ مِنْهُ) مرتبط بقيام الليل أى بالصلاة ، وإنما هى خاصة بقراءة القرآن فى غير الصلاة ، وأمّا قيام الليل فهو فرض وإنما على القادر عليه ، ولذلك قيل فى مدة القيام ربما نصف الليل ، أو أقل أو أكثر ، وربما الثلثان أو الثلث ، فعلى الموسع قدره ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وقد يصلى ثلاث ركعات ، أو أربعا ، أو خمسا ، أو ستا ، أو سبعا ، أو ثمان ، أو تسعا ، وقد صلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كل ذلك حتى إحدى عشرة ركعة ، وثلاث عشرة ... إلخ. ويروى عن عائشة قولها : كنت أجعل للنّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حصيرا يصلى عليه من الليل ، فتسامع الناس به ، فلمّا رأى جماعتهم كره ذلك ، وخشى أن يكتب عليهم قيام الليل ، قال : «أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يملّ من الثواب حتى تملوا من العمل ، وإن خير العمل أدومه وإن قلّ» ، يعنى فمن كان يستطيع أن يقوم الليل فليفعل ذلك بأى عدد يقدر عليه ، فالمهم أن يأخذ نفسه بما تستطيعه ، وأن يداوم عليه ، والله تعالى يثيب كلا على قدر تعبّده. وأما قراءة القرآن فنفهم أنها فرض كذلك ، ولكل أن يقرأ على قدره ، والمهم أن يقرأ (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) ، ومطلق الأمر فى السورة على وجوب القراءة ، ووجوب القراءة ، يعنى وجوب حفظ ما يتيسر منه ، وبذلك يعى المسلم لما ذا القرآن معجز ، وأنه كتاب محيط ، ويلمّ بدلائل وجود الله ، ودلائل قدرته ومنصرفات هذه القدرة ، ومعنى أسمائه ، ويعرف عن رسالات الرسل ، وأقل ما يجب على المسلم أن يحفظه ثلاث آيات ، وهو مقدار أقصر سورة منه ، ليمكنه أن يقيم بها صلاته ، والوجوب إطلاقا أن يكون بوسعه أن يقرأ القرآن كله وأن يعاود القراءة بانتظام ، لأن الله قد يسّره على العباد ، أو أن يتمرّس بقراءة ثلثه ، أو أكثر من ذلك أو أقل. ومن فقه ذلك أن الأمىّ الذى لا يقرأ ولا يكتب ، إيمانه ناقص ، لأنه لن يستطيع أن يقرأ القرآن أو بعض آياته ، ولن يكون بوسعه أن يرتله ترتيلا

٧٥٤

كما جاء فى السورة. وربما يفهم أن التلاوة تكون فى الصلاة ، والقراءة تكون فى غير الصلاة ؛ والتلاوة والقراءة كلاهما له أصوله ، والتلاوة تكون عن تمهل وفهم وتدبّر ، وربما كان المقصود بالقراءة ، المصاحبة للصلاة ، وكانت عائشة تقول : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقرأ السورة فيرتلها ، حتى تكون أطول من أطول منها. وعن أنس عن قراءة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : كانت مدا ، ثم قرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» يمدّ بسم الله ، ويمدّ الرحمن ، ويمدّ الرحيم. وعن أم سلمة عن قراءته صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قالت : كان يقطّع قراءته آية آية ، يقول مثلا : (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (٤). وفى الحديث عن تحسين الصوت بالقراءة : «زيّنوا القرآن بأصواتكم» ، و «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن». وعن ابن مسعود قال : «لا تنثروه نثر الرمل ، ولا تهذوه هذّ الشعر. قفوا عند عجائبه ، وحرّكوا به القلوب ، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة». وفى قوله : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) (٥) هو العمل به ، أو أن القرآن له عظمة تثقل به وقت نزوله ، وعن زيد بن ثابت قال : أنزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفخذه على فخذى ، فكادت ترضّ فخذى. وفى قوله : (وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) (١٠) ، «ما يقولونه» هو السبّ والاستهزاء فلا يجزع من قولهم ، ولا يمتنع من دعائهم ، ولا يتعرض لهم ، ولا يشتغل بالتفكير فى محاربتهم. و «الهجر الجميل» هو الذى لا عقاب معه. وقوله : (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ) (١١) فيه أن المكذبين هم الأغنياء ، وفى القرآن يأتى التكذيب لله تعالى مترافقا مع «الترف» ثمانى مرات ، ويأتى التحذير من الغنى الذى يحرّض على الإنكار والمكابرة ست مرات.

وتحفل سورة المزمل بالمواعظ والدروس والعبر ، وتثير الكثير من الأسئلة ، ومن ذلك الآية : (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) (١٩) ، فليست سورة المزمل وحدها التذكرة وإنما القرآن كله تذكرة ، والقرآن كله كالسورة الواحدة ؛ و «السبيل» : هى طريقة الإسلام التى بها ينال رضا الله ورحمته ؛ وقيل إن هذه الآية ، وكذلك قوله : (فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) (المدثر ٥٥ ، وعبس ١٢) ، نسختها «آية السيف» التى تقول : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة ٥) ، والصحيح أنه لا نسخ هناك ، لأن آية المزمل خاصة بالإيمان ، وتخيّر الناس بين التصديق أو الإنكار ، بعد أن أظهر الله لهم الحجج والدلائل ، وأما «آية السيف» التى أطلقوا عليها ذلك الاسم بهتانا ، فتحضّ على قتال المشركين بعد الأشهر الحرم ، بعد أن ثبت أنه لا عهد لهم ولا أمان معهم. وفى سبب تسمية «آية السيف» بذلك الاسم ، أن ابن عباس قال فيها : أمر الله نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم

٧٥٥

يدخلوا فى الإسلام». فبسبب التعبير «يضع السيف» سميت بآية السيف. ودليل بطلان القول بأن قتلهم كان على إطلاقه ، ولم يكن له أسبابه من نقضهم العهود ، أن الآية : (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) (محمد ٤) جاءت بعدها وتحضّ على قتال الكفار ، ولكنها تقرّ بأن يكون هناك أسرى ، وللمسلمين بعد الحرب ، إن شاءوا منّوا عليهم وأطلقوا أسرهم مجانا ، وإن شاءوا فادوهم بالمال ، وإن شاءوا قتلوهم ، وهذا الحكم مشرّع لحالة الحرب وحدها إلى أن تضع الحرب أوزارها. وعلى ذلك فإن آية سورة المزمل التى تقول : (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً) (١٩) لم تنسخها آية أخرى كما يدّعى البعض ، يعنى أن سورة المزمل تؤكد حرية الناس أن يؤمنوا أو يكفروا ، فلا إكراه فى الدين. وكغيرها من سور القرآن لها جمالياتها ، ففيها من السجع المرصّع ، أمثال : «قليلا ، وترتيلا ، وثقيلا ، وقيلا ، وطويلا ، وتبتيلا ...» إلخ ؛ ومن الطباق ، أمثال : «المشرق ، والمغرب ، واللّيل والنّهار» ؛ ومن الجناس ، أمثال : أرسلنا الرسولا ؛ ومن التأكيد للتبيين والإيضاح ، أمثال : «رتّل ترتيلا ، وتبتّل تبتيلا» ؛ ومن الاستعارة أمثال : (وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً) ولله الحمد والمنّة ، وهو الموفّق للصواب.

* * *

٦٥٦. سورة المدّثر

السورة مكية ، نزلت بعد المزمل ، وترتيبها فى المصحف الرابعة والسبعون ، وفى التنزيل الرابعة ، وعدد آياتها ست وخمسون ، وتتحدث عن بعض أمور الرسالة فى ابتدائها ، واعتراضات المعترضين عليه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما ينتظرهم من العقاب والعذاب ، فكل نفس بما كسبت رهينة ، ولا تنفع شفاعة الشافعين. وفى مناسبة تسمية السورة أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بعد تكليفه فى حراء (بكسر الحاء) ، فتر عنه الوحى لمدة ورآه بعدها عند ما كان يهبط يوما إلى بطن الوادى ، فتملكه الخوف لدى رؤيته ، وذهب إلى زوجته خديجة يقول لها : «دثّرونى وصبّوا علىّ ماء باردا». فنزلت : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (٧). وفى رواية أخرى أن الوليد بن المغيرة ، أحد زعماء قريش وزنادقتها ، وكان يعادى الإسلام ويبغض الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، جمع قريشا على طعام وقال لهم : إن الناس يأتونكم أيام الحج فيسألونكم عن محمد ، فتختلف أقوالكم فيه ، فيقول هذا : كاهن. ويقول هذا : شاعر. ويقول هذا : مجنون. وليس محمد يشبه واحدا مما يقولون ، ولكن أصلح ما يقال فيه : «ساحر» ، لأنه

٧٥٦

يفرّق بين المرء وأخيه ، والزوج وزوجته! ـ وفى رواية أخرى أن قريشا لمّا سألها المغيرة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال بعضهم هو «ساحر» ، ونفى بعضهم أن يكون ساحرا. وقال بعضهم هو «كاهن» ، ونفى بعضهم أنه كاهن. وقال بعضهم : هو «شاعر». ونفى بعضهم أنه شاعر ، وقال بعضهم : هو «مجنون». ونفى بعضهم أنه مجنون. واجتمعوا آخر الأمر على أنه ساحر يؤثر ، وحضّهم المغيرة أن لا يقولوا إلا ذلك. وسمع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما دبّروا وأجمعوا ، فحزن ، وقنّع رأسه ، وتدثّر ، فأنزل الله : (يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) (٧). ومعنى (قُمْ فَأَنْذِرْ) : لا تفكر فى قولهم وبلّغهم الرسالة. وكان رفضهم لكل الصفات إلا صفة السحر ، لأنهم علموا أن كل هذه الصفات لا يمكن أن تجتمع لشخص واحد ، فسمّوا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم باسم واحد يجتمعون عليه وتأخذه العرب عنهم. وقيل : إن الذى جمع العرب هو عتبة بن ربيعة ، وهو الذى أذاع عنه أنه ساحر. وقيل : إن المجتمعين كانوا : أبا لهب ، وأبا سفيان ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، ومطعم بن عدىّ. وكان اعتراض الوليد أن كلام محمد لا يشبه كلام أحد من الشعراء ، ولا يشبه كلام الكهنة ، وقال : لأن الكاهن يصدق ويكذب وما عرفنا أن محمدا قد كذب من قبل ، ولا يشبه كلام المجانين ، لأن المجنون يخنق الناس ، وما خنق محمد أحدا قط.

والمدّثّر من دثره بالثوب ، وتدثّر وادّثر ، يعنى اشتمل به وتلفف ، فهو متدثّر ومدّثّر ، والدثار هو الثوب الذى يستدفأ به ويتغطّى به النائم. والمدثر فى الآية تعنى : أنه تدثّر بالنبوة وركن إلى تكليفه بها دون أن يبذل جهدا فى إبلاغ الناس بمضمونها ، فما كان قد نهض بعد بالرسالة ، وكان فى بداية عهده بها ، ولم يتمكن من فهم أبعادها ولا مراميها ، فكان يحتاج إلى مثل هذه السورة يتفهم عنها ما سيبلّغه. والمقصود بالخطاب هو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وليس المدثر اسما من أسمائه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ينادى به ، ولكنه وصف لحاله ، ونودى به على سبيل الملاطفة والمؤانسة ، كندائه فى سورة المزمّل فى الآية : (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) (١) ، وكما فى نداء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعلىّ بن أبى طالب : «يا أبا تراب» ، وكان قد غضب من زوجته فاطمة فنهض مسرعا يريد الخروج ، فانسدلت عباءته من فوق كتفيه على الأرض وأصابها التراب ، فناداه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا النداء ليستشعر اللين. ومثله نداؤه صلى‌الله‌عليه‌وسلم على حذيفة : «يا نومان» لمّا استغرقه النوم ولم يدر بنفسه ، فأيقظه بهذا النداء إشعارا لترك العتب والتأنيب. وقوله تعالى : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (٣) أى عظّم ، وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع فى تكبير العبادات بقوله : «الله أكبر» ، وقام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا نزلت : (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) (٣) وقال :

٧٥٧

«الله أكبر» ، فكبّرت خديجة. وقوله : (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) (٤) المراد بالثياب على الظاهر : الملابس ، وعلى المجاز العمل ، أو القلب ، أو النفس ، أو الجسم ، أو الأهل ، أو الخلق ، أو الدين ، أو ذلك كله. وقوله : (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (٦) يعنى لا تمتن على ربّك أو على الناس ، تستكثر من الخير ، أو الأجر ، أو الثواب ، أو تستكثر بعملك. وقوله : (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) (١١) من أكمل العبارات فى الوعيد والتهديد ، ومعنى «وحيد» أنه لم يكن شيئا حين خلقه ، ولم يكن له مال ولا ولد ، ثم أعطاه كل ذلك فما شكر ولا حمد. والآيات من ١١ حتى ٢٩ كلها عن الوليد بن المغيرة ، وماله الوفير ، وأولاده الكثر وكانوا ثلاثة عشر ، ومنهم خالد بن الوليد ، وأطماعه فى الزيادة ، وعناده ، وكفره ، وما ينتظره من العذاب ، وكان وصفه تعالى فى الآيات من ١٨ حتى ٢٥ من أروع ما قيل فى التفكير والتبييت ، قال : (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) (٢٥) ، فالوليد فكّر فى شأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهيّأ فى نفسه ما يقول عنه ، ولقد قدّر ما قدّر ، قاتله الله ولعنه ، وتدبّر ما يردّ به الحق ويدفعه ، وقطّب بين عينيه فى وجوه الناس ، وكلح وجهه ، ووقف لا يتقدم ولا يتأخر ، ثم ولّى وأعرض ، وتعظّم أن يؤمن ، واستكبر على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال : إن هذا الدين ليس إلا سحرا يؤثر» ، و «السحر» إظهار الباطل فى صورة الحق ، و «يؤثر» يعنى يرويه الناس عن بعضهم البعض ، و «ما هو إلا كلام بشر» ، يقصد بذلك أنه من وحى من يدعى سيارا ، كان عبدا لبنى الحضرمى ، وكان يجالس النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنسبوا إليه أن سيارا كان يعلّمه ، وقيل كان الكاهن عدىّ الحضرمى هو الذى يلقنه.

وفى السورة تأتى أوصاف «سقر» الموعود بها الوليد وأصحابه ، وفتنة العدد تسعة عشر ، وهو عدد خزنة جهنم ، وقال أبو جهل لقريش استهزاء : «أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم! وقال أبو الأسود بن كلدة الجمحى : لا يهولنكم التسعة عشر! أنا أدفع بمنكبى الأيمن عشرة من الملائكة ، وبمنكبى الأيسر التسعة ، ثم تمرون إلى الجنة. وقال الحارث بن كلدة : أنا أكفيكم سبعة عشر واكفونى انتم اثنين! ـ والحق أن هذا العدد قيل اختبارا لتصديق المؤمنين ليستوثقوا من كتابهم القرآن ، وليتأكد أهل الكتاب أن القرآن من لدن الله ، وما كان هذا العدد تسعة عشر إلا مثلا ، والأمثال يجد فيها الكافرون فرصتهم فى التقوّل ، ويطمئن بها المؤمنون ، والقول فى عدد خزنة جهنم من الغيب ، وجنود الله لا يعرف عددهم إلا هو ، وما جعل الله هذا العدد تسعة عشر إلا فتنة للذين ضلّوا ليزدادوا ضلالا ،

٧٥٨

والفتنة ذكرى للناس وعظة لهم وتذكرة ، وهؤلاء الضالون أعرضوا عنها كالحمر النافرة ، يريد كل منهم أن يؤتى بكتاب وحده ليقتنع ، وفى الرواية أن أبا جهل قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا محمد! ايتنا بكتب من ربّ العالمين مكتوب فيها : إنى قد أرسلت لكم محمدا!! وقال ابن عباس : كان أهل قريش يطلبون من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إن كان صادقا أن يأتى كل رجل منهم صحيفة فيها براءته وأمنه من النار! فلم يكونوا يقدرون على الاتّعاظ والتذكّر ، ولو فعلوهما لوجدوه تعالى أهلا للتقوى والمغفرة ، وفى الحديث عند الترمذى : «قال الله تبارك وتعالى ، أنا أهل أن أتّقى ، فمن اتّقانى فلم يجعل معى إلها فأنا أهل أن أغفر له».

وفى السورة الكثير من وجوه البيان والبديع ، ومن ذلك الاستفهام للتهويل كقوله تعالى : (وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ) ؛ والسجع المرصّع فى مثل قوله تعالى : (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ) ، و (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ) ؛ وقوله : (إِذْ أَدْبَرَ) يرجّح كثيرون أنه (إِذْ أَدْبَرَ) لأنه أكثر موافقة للحروف التي تليه : (إِذا أَسْفَرَ) ، فكيف يكون أحدهما (إِذْ) والآخر (إِذا)؟ وليس فى القرآن قسم تعقبه (إِذْ) وإنما يتعقبه (إِذا). ومن وجوه البيان بخلاف ما سبق : الطباق كما فى : «عسير ويسير» ، و «تقدّم وتأخّر» ؛ والمقابلة كما فى : (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ) ؛ والتقريع الجميل ، كما فى الآية : (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) ؛ والتشبيه كما فى قوله : (مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) ؛ والجناس كما فى (نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) إلى آخر ذلك من وجوه جمال الأسلوب القرآنى ؛ وأسلوب التأكيد فى قوله : (كَلَّا وَالْقَمَرِ) ، وجاءت الصورة فى القسم بالقمر فى ساعات الليل الأخيرة ، والصّبح يقارب الإسفار ، غاية فى الجمال ، ولها التأثير الوجدانى المطلوب للإحساس بهول النار بعد ذلك مباشرة ووصف القرآن لها بأنها إحدى الكبر ، أى العظائم. وأصحاب اليمين مصطلح قرآنى ، وهم أصحاب الحقّ وأهل الإيمان ، وغيرهم «المرتهنون» ، وهو مصطلح آخر ، يعنى بهم الذين يدخلون فى «الرهن» ، كقول تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (٣٨) أى «مرتهنة» بكسبها ومأخوذة بعملها ، فإما يخلّصها عملها وإما يوبقها ، باستثناء أصحاب اليمين ، فهؤلاء لا يرتهنون بذنوبهم ، وفى قوله : (فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ) (٤٨) يقصد بهم المرتهنون ، وقيل إن هذه الآية دليل على صحة الشفاعة للمذنبين من أهل التوحيد ، ولا شفيع يشفع للمكذّبين. فذلك وأمثاله كثير ، هو بعض ما فى هذه السورة العظيمة من معان كبيرة ، ووجوه للجمال رائعة.

* * *

٧٥٩

٦٥٧. سورة القيامة

السورة مكّية ، وآياتها أربعون ، وترتيبها فى المصحف الخامسة والسبعون وفى التنزيل الواحدة والثلاثون ، وكان نزولها بعد القارعة ، ومثلها مثل الكثير من السور المكّية تتناول وصف يوم القيامة ، ولذا كانت تسميتها سورة القيامة ، وهو يوم من أيام الله الكبرى ، بل هو قمة هذه الأيام ، ولذا أقسم به مع أنه غيب ، وقرن الغيب بالحاضر ، وأقسم بالنفس اللوامة وهى أخصّ خصائص الإنسان ، ورمز للأخلاق ، وهى حاضر الإنسان ، وفى الطبوغرافية النفسية هى الضمير أو الأنا الأعلى ، فإن قلنا إنها الضمير فإنها من ضمر أى ستر ، لأن النفس مستورة تدرك عقلا ولا ترى بصرا ، وإن قلنا إنها الأنا الأعلى ، فلأن الجهاز النفسى أقسام ، أدناه الهوId المنوط به الغرائز ، وأوسطه الأناEgo المنوط به الحاضر ، وأعلاه الأنا الأعلى Superego ، وهو هذه النفس اللوامةThe upbraiding self ، تلوم صاحبها على الخير لم لم يستكثر منه ، وعلى الشر لم فعله؟ وقيل اللوامة بمعنى اللائمة وهى صفة مدح ؛ أو بمعنى الملومة ، أى المذمومة ، وهى صفة ذمّ ، وهذا المعنى الأخير هو الذى أخذ به المستشرقون من أمثال : مكدونالد ، وفريد لاندر ، ولا نداور ، وقد أخطئوا وترجموهاthe commanding ـ to ـ evil ـ self ، يعنى النفس الأمّارة بالسوء ، وهى بخلاف النفس اللوّامة! والأولى : شرّيرة ؛ والثانية : مؤمنة ، وتوّابة ، ومنيبة ، وشتّان ما بين الاثنتين! ولكنه جهل المستشرقين فما ذا نقول فيه؟! والسورة من أكثر السور احتفالا بالتحليل النفسى ، وبها الكثير من وجوه جمال الأسلوب وبديع البيان ، ومن ذلك الاستفهام الإنكارى كقوله تعالى : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ) (٣) ، يقصّد به التوبيخ والتقريع ، وهو جواب القسم بيوم القيامة وبالنفس اللّوامة ، يقول سنجمع عظامه للبعث. والآية نزلت فى عدىّ بن ربيعة ، قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : حدّثنى عن يوم القيامة متى يكون؟ وكيف أمر القيامة وحالها؟ وقال : لو عاينت ذلك اليوم يا محمد لم أصدقك ، ولم أو من به! وقال : أو يجمع الله العظام؟! ولهذا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو : «اللهم اكفنى جارىّ السوء ـ عدىّ بن ربيعة ، والأخنس بن شريق». وقيل : بل نزلت فى أبى جهل حين أنكر البعث بعد الموت. وكانت الآية : (بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) (٤) هى الردّ على سؤال عدىّ ؛ وقوله «بلى» من جماليات السورة ، وهى وقف حسن بمعنى نحن قادرون ؛ وتسوية البنان حجة على قدرة الله ، ونبّه بالبنان على بقية الأعضاء ، والبنان أصغر عظام الإنسان ، يقول : بلى قادرين على أن نعيد السلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى تستوى ، ومن يقدر على هذا فهو على جمع العظام الأكبر منها أقدر. وفى العلم الحديث : كشف أن البنان به تجاويف وخطوط على شكل أقواس أو عراو أو دوامات ، وبهذه التجاويف لا يشبه

٧٦٠

إنسان إنسانا آخر ، وهو ما يسمى عند علماء الهوية علم بصمة الإبهام. وفى السورة تتكرر لفظة «الإنسان» خمس مرات ، وهو اسم جنس بمعنى ابن آدم ، كما نقول فى الإنجليزيةMan أو فى الفرنسيةL\'Homme ، والتكرير للّفظة من الجماليات فى السورة ، مثل تكرير «كلا» ، و «لا أقسم» ، و «بلى» ، وقوله : (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ) (٥) تأكيد أن من دأب الإنسان أن لا يفكر فى البعث والحساب لأنهما من الغيب ، ولذلك يسأل (أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ) (٦)؟ أى متى يكون؟ يقول ذلك إنكارا للموت ، فقلما يذكره ، ومن ثم لا يتوب ، ويزيد به الأمل فى الدنيا حتى ليكذّب أن يأتيه الموت ، وذلك هو قمة الفجور والجحود ، فإذا قامت القيامة فعلا كانت المفاجأة والدهش ، وحينئذ يرى ذلك فى عينيه ، يقول تعالى : (فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ) (٧) ، وبرق البصر لمعانه من شدة الشخوص والتحيّر ، وهو من أعراض الموت ، والعينان عند الموت لا تطرفان ، ومثل ذلك يوم القيامة ، وفيه لا يقتصر على ما يلم بالناس وإنما الكون كله يتغير ، فيخسّف بالقمر والشمس ، ويقرنان كثورين عقيرين : (يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) (١٠) ، وأين المفر؟ سؤال يطرحه فى فزع ، والجواب عليه بالنفى : «كلا» ، أى لا مفر! وفسّره فقال : «لا وزر» ، أى لا مهرب ، ولا ملجأ ولا محيص : (إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) (١٢) ، كما فى قوله : (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) (٤٢) (النجم) ، أى مصيرنا جميعا إلى الله. و «بل» فى قوله : (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ) (١٥) من الألفاظ المتكررة للتصحيح والتوضيح ، واستخدامها فيه بيان وبلاغة ، وتأتى «بل» فى السورة مرتين ، ومن شأنها سلب الحكم عمّا قبلها فتجعله لما بعدها ، فيصير المعنى : إن الإنسان على نفسه بصيرة ، أى شاهد ، وشهوده على نفسه بأن تشهد عليه جوارحه ، والهاء فى بصيرة للمبالغة ، ومعاذيره هى الأعذار يعتذر بها من الذنوب. وفى الآيتين دليل على قبول إقرار المرء على نفسه بشهادته ، أو باعترافه عليها. وبعد هذه المقدمة فى الموت ويوم القيامة تتطرق السورة إلى التعليم للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى كيفية تلقّيه الوحى من الملك ، والاستماع له ، والانتباه إلى بيانه ، وما ينبغى حفظه. وترصد السورة طريقته صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى ذلك ، فكان إذا نزل عليه الوحى عرف فى تحريكه شفتيه ، يحركهما بالقرآن خشية أن ينسى ، ولا يفتر منه ، فأنزل الله : (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) (١٦) فكان بعد هذه الآية إذا أتاه جبريل أطرق ، فإذا ذهب عنه قرأه كما أقرأه له. والقرآن إذن كما فى هذه السورة ، هو الذى ينبه إلى البعث والآخرة ، ويحيل إليهما ، ويذكّر بهما بقوله : (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) (٢١) ، يعنى أن شغلهم بالدنيا هو الذى يصرفهم عن التفكير فى الآخرة ، وفى الآخرة يعرف المجرمون بوجوههم الكالحة العابسة الكاسفة ، لأنهم قد صاروا إلى يقين مما ينتظرهم من البلاء ؛ وأما المؤمنون

٧٦١

فوجوههم ناضرة ومشرقة ، وإلى ربّها ناظرة ، والنظر إليه تعالى لا يكون بالبصر ، فهو تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) (الأنعام ١٠٣) ، وإنما النظر هو الانتظار ، تقول : نظرته ، أى انتظرته ؛ فإذا أردت به التفكير والتدبّر تقول : نظرت فيه ، وقد غلط من فسّر النظر بأنه الإبصار فى الحديث : «إنكم سترون ربّكم عيانا كما ترون هذا القمر ، لا تضامون فى رؤيته» ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أليس كلكم يرى القمر»؟ وأجاب : «فالله أعظم ، فإنما هو خلق من خلق الله ـ يعنى القمر ـ فالله أجلّ وأعظم» أخرجه أبو داود. وعند النسائى قال : «فيكشف الحجاب فينظرون إليه» ، وعن جابر قال : «يتجلّى ربّنا عزوجل حتى ينظروا إلى وجهه» ، وفى هذه الأحاديث جميعا فإن النظر فى نطاق : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) ، بمعنى ينظرون إليه لا تحيط أبصارهم به من عظمته ، ونظره تعالى يحيط بهم وذلك شىء من الغيب يتجاوز خبراتنا ومداركنا. ونعود إلى مشاهد يومىّ الموت والقيامة ، يمزج بينهما ، لأن من يريد أن يعرف إمكان البعث فإن عليه أن يتدبّر الموت ، فمثل ما كنا عدما فأحيانا ثم أماتنا ، فهو تعالى قادر على أن يبعثنا. ومن مشاهد الموت أن النفس تبلغ فيها التراقى : (كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ) (٣٠) ، كقوله : (إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) (٨٣) ، والتراقى أعلى الصدر ومقدم الحلق وموضع الحشرجة ، وقوله : «كلا» أسلوب قرآنى فيه التنبيه ، وتفصل «كلا» بين المشاهد ، والمشهد كله معجز ، وتجرى العبارات تصويرا لحوار متخيّل بين الحاضرين للموت ، فيتساءلون : هل من طبيب يراه ويرقيه لعله يشفى؟ فلما استيأسوا منه وأصابه اليأس من حالته ، عندئذ يعلم أنه الموت ، فإذا عاينه التفت الساق بالساق ، أى تخاذلت أعضاؤه على بعضها ، أو أنها التفت قيل ذلك وفيه بعض الرمق ، وقد أخذت الرهبة منه كل مأخذ ؛ أو أن الساق هى الشدّة ، كقول القائل : «قامت الدنيا أو الحرب على ساق» ؛ وفى الموت تجتمع على الإنسان شدّة كرب الموت ، مع شدّة هول المطلع ، وتتابع عليه الشدائد ، فأهله يجهّزون جسده ، والملائكة يجهّزون روحه ، فذلك هو التفاف الساق بالساق ، أو أن الساق الأولى ، أى الكرب الأول ، هى حشرجة الموت ، والساق الثانية هى الكروب عند البعث وشدائده ، وفى كل الأحوال فرجوعه إلى الله يساق إليه سوقا. قيل : وهذا كله هو فى أحوال أبى جهل : (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (٣٢) ، فهو لم يصدق الرسالة ، ولم يصلّ ، وكذّب بالقرآن ، وتولّى عن الإيمان. واستخدام «لا» فى قوله : (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى) بمعنى «لم» يصدق ولم يصلّ. وأعطت «لا» للعبارات نكهة خاصة من البيان ، والعطف فى : (وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) أكد المعنى. ثم انظر إلى بقية السورة فى قوله : (ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) (٣٣) أى فلمّا كابر انصرف متباهيا يتبختر

٧٦٢

افتخارا ، فكان أسلوب التهديد له من بعد ذلك : (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) (٣٥) بمعنى الويل لك ، فهذه أربعة تهديدات تناسب خصال أبى جهل الأربع : (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (٣٢) فترك التصديق خصلة ، والتكذيب خصلة ، وترك الصلاة خصلة ، والتولّى عن الله خصلة ، فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربع ، وفى ذلك روعة هندسية معمارية فى بناء السورة ؛ ثم يجيء الاستفهام الإنكارى بغرض التوبيخ : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (٣٦) ، وهو الثانى بهذه الطريقة البلاغية ، وفيه الردّ على الوجوديين والعبثيين والعدميين والفوضويين ، فهل يخلى الإنسان بلا مسئوليات ولا واجبات ولا فروض؟ وهل يكون وجوده للاشيء؟ وهل هو غير مسئول فلا ينهى عن رذيلة ، ولا يؤثّم إذا أتى بذنب ، بدعوى أنه حرّ يضع لنفسه ما يشاء من القيم؟ كقول القائل فى إبله : إنها سدى ، أى مسيّبة ترعى بلا راع ؛ فهل الإنسان بلا راع ، وهل هو مخلوق بلا خالق؟ وهل إذا مات ترك فى قبره لا يبعث؟ أو لن يحاسب عمّا اقترف؟ وتذكّره الآيات بأطواره ، فلقد كان لا شىء يذكر ، وكان مجرد نقطة منى ، فصار نطفة ، ثم علقة ، وتمّت خلقته ، واعتدل وتميّز ذكرا أو أنثى ، فمن كان وراء كل ذلك؟ ومن خلق القوانين التى دفعت إلى ذلك؟ (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى) (٤٠) ، يعنى يحييها بعد البلى ، ولمّا سمع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هذا الاستفهام الإنكارى قال : «سبحانك اللهم ، وبلى» ، فكل من يقرأ سورة القيامة إلى آخرها صار يقول : «سبحانك اللهم ، بلى». فالحمد لله ربّ العالمين على منّة الإسلام والقرآن.

* * *

٦٥٨. سورة الإنسان

آيات هذه السورة إحدى وثلاثون ، وترتيبها فى المصحف السادسة والسبعون ، وفى التنزيل الثانية عشرة ، وكان نزولها بعد الرحمن ، والجمهور على أن مقدمة السورة مدنية ، ومن قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً) (٢٣) حتى الآية الواحدة والثلاثين وهى نهاية السورة ، فمكية ، فالتنزيل لم يبدأ إلا فى مكة ، إلا أن الآيات من أمثال : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً) (١١) فمدنية ، لأنها تتحدث عن الأسر ، وهناك أسر فى مكة ، فالأسر كان فقط فى المدينة ؛ وقيل : هذه الآيات نزلت فيمن بأسرى بدر ، وهم سبعة من المهاجرين : أبو بكر ، وعمر ، وعلىّ ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد ، وأبو عبيدة ، وقيل نزلت فى مطعم بن ورقاء الأنصارى ، واسمه مطعم على مسمّى ، فقد أطعم فى يوم واحد مسكينا ويتيما وأسيرا ، فقد جاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رجل يسأله الطعام ويقول إنه مجهد ، فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «والذى نفسى بيده ، ما عندى ما أطعمك» ، فأخذه مطعم الأنصارى إلى بيته ،

٧٦٣

وأطعمته امرأته وسقته ؛ ثم جاء النبىّ يتيم ، فقال نفس مقالة الرجل السابق ، وأجابه النبىّ بمثل ما أجابه ، وأخذه مطعم إلى بيته ، فأطعمته امرأته وسقته ، ثم جاء النبىّ ثالث ، أسير ، فجرى معه مثل ما جرى على السابقين ، فنزلت : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) (٨). وقيل : نزلت هذه الآيات فى علىّ وفاطمة وجارية لهما اسمها فضة ، وكان الحسن والحسين قد مرضا ، فعادهما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعادهما عامة العرب ، فقال أبو بكر : يا أبا الحسن ، لو نذرت عن ولديك شيئا؟ وكل نذر ليس له وفاء فليس بشيء. فقال علىّ : إن برأ ولدي صمت لله أيام شكرا. وقالت فاطمة مثل ذلك. وقالت جاريتهم فضة مثله ، وقال الحسن والحسين مثلهم. فألبس الغلامان العافية ، وصاموا ثلاثة أيام وفاء بالنذر ، فلما انتهى اليوم الأول قامت الجارية وجهّزت خبزا من شعير ، وقدّمته لآل علىّ مع الملح الجريش فطرا لصيامهم ، فجاء مسكين ووقف بالباب يستجدى ، فأطعموه طعامهم ، وباتوا لم يذوقوا الطعام ، ثم إن اليوم الثانى من الصيام انتهى ، فصنعت الجارية لهم مثلما صنعت أول يوم لإفطارهم ، فجاء يتيم بالباب يستجدى ، فأعطوه طعامهم ، ومكثوا ليلتهم لم يذوقوا إلا الماء القراح ، فلما كان اليوم الثالث من الصيام فعلت الجارية مثلما فعلت فى اليومين السابقين ، ووضعت لهم المائدة ، فجاء أسير ينشد الطعام ، فأعطوه ما عندهم ، وهكذا مكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلا الماء القراح. ثم إن عليا ذهب بولديه وفاطمة فى اليوم الرابع إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد بدا الإعياء عليهم جميعا يرتعشون من شدّة الجوع ، فنزلت الآيات : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) (١) إلى الآية : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً) (٩)! والحديث كلّه ملفق ومنمّق ومزوّق ، ولا يعقله عاقل! وواضح أن واضعيه هم الشيعة ، وعلىّ كان معروفا بالسمنة وليس بالهزال ، والمسلم غير مأمور أن ينفق إلا ما يزيد عن حاجته : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (البقرة ٢١٩) ، يعنى الفضل الذى يفضل عن حاجة المتصدّق وحاجة عياله ، وفى الحديث : «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» ، والحديث : «وابدأ بنفسك ثم بمن تعول» ، والحديث : «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت». وقيل إن الأسير لما طاف على بيت علىّ وفاطمة قال لهما : تأسروننا ولا تطعموننا ، فنزلت : (إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً) (٩). ومثل هذه الحكايات من الإسرائيليات ، وقد جعلوا عليا لذلك يستدين من يهودى ليطعم من أطعمهم فى القصة ، ولما ذا يستدين علىّ من اليهودى؟ ولما ذا كلما كانت هناك استدانة تكون من يهودى؟ واليهود يتعاملون بالربا ، والقرآن نهى عن التعامل بالربا. وفى الرواية كذلك كان النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم استدان أيضا من يهودى؟! وتوفى مدينا له! وكلها قصص ملفقة ، ولا تروج أمثال هذا القصص إلا على الحمقى والجهّال ، وهب أن عليا آثر على نفسه هذا السائل ، فهل

٧٦٤

كان يجوز له أن يحمل زوجته على ذلك؟ وهل يجوز له أن يجبر جاريته عليه؟ ثم هل يجوز له أن يحمل أطفاله على أن يجوعوا ثلاثة أيام بلياليهم؟ ومن أجل ذلك ذهب بعض المفسرين إلى أن وضّاع هذه الحكايات كانوا من أهل السجون وقد طال بهم الحبس فيؤلفون مثل هذه الأحاديث المفتعلة ، ويضعون لها شعرا ركيكا يصاحبها ، يلهوهم فى السمر وأشباهه ، وما من شىء إلا وله آفة ومكيدة ، وآفة الدّين ومكيدته أكثر من آفة ومكيدة أى شىء آخر. والصحيح فى هذه الآيات أنها نزلت عامة فى جميع الأبرار ، ومن أجل ذلك كان الخطاب فى السورة كلها إلى الإنسان ، وهو اسم جنس ، فهو خطاب عام ، وسميت السورة باسم «سورة الإنسان» لهذا السبب ، وقيل أيضا هى سورة الدهر لأنها بدأت بقوله تعالى : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ). ومن المفسرين من الشيعة من يزعم أن السورة برمتها نزلت فى علىّ أبى بن طالب ؛ ومن الصوفية من لفق لها مناسبة تتصل بمذهبهم ، فقالوا : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نزلت عليه هذه السورة وعنده رجل يتلقى عليه ، فقرأها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى بلغ صفة الجنة فى الآيات من ١٢ إلى ٢٢ ، فزفر الرجل زفرة فخرجت نفسه ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أخرج نفس صاحبكم ـ أو أخيكم ـ الشوق إلى الجنة» ذكره السيوطى من رواية بن وهب ، والشوق إلى الجنة إلى حدّ الموت من أحوال الصوفية ولم يعرف فى زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا زمن الخلفاء ، ولم يسمع به إلا فى القرن الثانى الهجرى مع ازدهار التصوف ، والحديث لذلك موضوع مائة فى المائة.

ومن روائع سورة الإنسان أن تبدأ بالسؤال : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) (١) ، و «هل» تكون جحدا أو تكون خبرا ، أو تكون استفهاما ، وجميعها تقريرية جوابا عن السؤال الذى تفتتح به السورة ، والمعنى قد جاء على الإنسان وقت لم يكن على شىء من القدر والأهمية ، ثم صار له هذا القدر وتلك الأهمية ، وبعد أن كان حيوانا كالحيوانات صارت له رتبة الإنسانية ، وبعد أن كان على هيئة بربرية وحال همجية وله طباع وحشية ، صار إلى حضارة ومدنية وعلم ورقىّ ؛ وبعد أن كان عدما صار خلقا ، فلقد خلقه تعالى على أطوار ، فكان فى بدايته منيّا يمنى ، فصار نطفة أمشاج يختلط فيها ماء الرجل بماء المرأة ، وصار علقة ، ثم مضغة ، وأتمّ خلقه المادى ، وجعل له مشيئة الخير والشر ، ليبتليه ، وجعل له السمع والبصر ، أو صنعه عاقلا مميزا ، وهداه النجدين ، (إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (٣) ، فدلّت الآية على أن الإنسان له إرادة واختيار ، فلو شاء آمن ولو شاء كفر ، ولا إكراه فى الدين ولا إجبار. وهذه الآية على ذلك من جملة الآيات التى تؤكد أن الإسلام يقوم على التخيير وليس على الإجبار ، وأن الإيمان من عدمه هو مسألة إرادة

٧٦٥

واختيار ، وعلى هذا كانت المسئولية والحساب ، فإما العقاب وإما الثواب. وتحفل السورة بمشاهد وصور من الجنة والنار ، وبأوصاف للأبرار والمقرّبين. وفى الرواية عن ابن عمر أن حبشيا لمّا سمع هذه الآيات قال للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فضّلتم علينا بالصور والألوان والنبوة! أفرأيت إن آمنت بما آمنت به ، وعملت بما عملت ، أكائن أنا معك فى الجنة؟ فقال له الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نعم والذى نفسى بيده» ، ثم قال : «من قال لا إله إلا الله كان له بها عند الله عهد. ومن قال سبحان الله والحمد لله كان له بها عند الله مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة» ، فقال الرجل : فكيف نهلك بعدها يا رسول الله؟ فنزلت : (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) (١) إلى قوله : (وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً) (٢٠) ، فسأل الحبشى : يا رسول الله! وإن عينىّ لترى ما ترى عيناك فى الجنة؟ فقال له النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نعم» ، فبكى الحبشى حتى فاضت نفسه ، فلما دلّوه فى الحفرة سمع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : (إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً) (٢٢). وروى أن أبا جهل قال : إذا رأيت محمدا يصلى لأطأنّ على عنقه! فأنزل الله : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) (٢٤) ، و «أو» فى الآية من جمالياتها ، وأوكد مما لو استخدم الواو ، لأن «الواو» لو استخدمها فأطاع أحدهما لم يأثم ، وأما «أو» فدلت على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى. وقيل : «أو» بمعنى لا ، والآثم المنافق ، والكفور الكافر الذى يظهر الكفر ، والمعنى : لا تطع منهما آثما ولا كفورا. وروى أن الآية نزلت فى عتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة ، وكانا قد أتيا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرضان عليه الأموال والتزويج ، على أن يترك ذكر النبوة. والذى عرض التزويج عتبة ، قال : إن بناتى من أجمل نساء قريش ، فأنا أزوّجك ابنتىّ من غير مهر ، وارجع عن هذا الأمر. وقال الوليد : إن كنت صنعت ما صنعت لأجل المال ، فأنا أعطيك من المال حتى ترضى ، وارجع عن هذا الأمر ـ وبسبب هذا العناد من أهل مكة من أمثال أبى جهل ، وعتبة ، والوليد ، تنزلت الآيات تسلّى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتخفّف عنه فى قوله : (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً) (٢٦) ، ثم ذكّره تعالى بأنهم ما عاندوا ولا كابروا ولا كفروا إلا لأنهم يحرصون على الدنيا ، ويتناسون أن هناك يوما للقيامة والحساب ، ولقد خلقهم الله وأحكم خلقهم فما شكروا ولا ارعووا ، ولو شاء لبدّلهم ، ولم تكن هذه السورة ـ سورة الإنسان ـ ولا القرآن برمته ـ إلا تذكرة وموعظة لمن يريد أن يتذكر ويتّعظ وينزجر ، وتكون له طريقة إلى ربّه ، والله تعالى يهدى من يشاء ، وهو العليم الحكيم ، يعلم من يستحق الهداية ويطلبها واختارها لنفسه فيدخله فى رحمته ، وييسّر له أسبابها ، وأما من يكفر فله العذاب الأليم.

٧٦٦

والسورة تحفل بالجماليات من اللغة والمصطلحات ، من أمثال : «نطفة أمشاج» ، و «مزاج الكافور» ، و «عين السلسبيل» ، و «السندس الأخضر» ، و «الإستبرق» ، و «اليوم القمطرير». ومن التشبيه : (حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً) وليس ـ ولا يكون ـ فى التشبيه أحسن من ذلك ، ولا فى المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن. وفى السورة الكثير من وجوه البيان والبديع ، كالطباق فى : «شاكرا وكفورا» ، و «بكرة وأصيلا» ، و «شمسا وزمهريرا» ، و «يحبون ويذرون» ؛ والمجاز فى : «يوما عبوسا» ، و «فوقاهم ولقاهم» ، و «يطعمون الطعام» ؛ والسجع المرصّع فى «منثورا ، وطهورا ، ومشكورا ، وكفورا». نسأل الله الهداية ، وأن يكون فهم القرآن غاية علمنا ومنتهى أملنا ، ولله الحمد والمنّة.

* * *

٦٥٩. سورة المرسلات

السورة مكية نزلت بعد الهمزة ، وترتيبها فى المصحف السابعة والسبعون ، وفى التنزيل الثالثة والثلاثون ، واسمها «المرسلات» من قوله تعالى : (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً) (١) يقصد بالمرسلات الرياح تتتابع ويقفو بعضها إثر بعض ، فوصفها بأنها «عرف» تمسك بأعراف بعضها البعض ، والبعض قالوا : المرسلات هى الملائكة ، بل إن الآيات الخمس الأولى كلها محمولة على الملائكة. والبعض قال : بعضها على الملائكة والبعض على الرياح ، والأظهر أن المرسلات هى الرياح ، ولذلك عطف عليها بالعاصفات وهى الرياح أيضا ، وأما الناشرات : فالأظهر أنها الملائكة ، ولذا عطف عليها بالفارقات فرقا والملقيات ذكرا ، فجعل عطف المتجانسين بالفاء ، فقال : «المرسلات فالعاصفات» ، وعطف المتخالفين فى الجنس بالواو ، فقال «والناشرات». وأقسم بالملائكة وبالرياح جميعا ، والملائكة غيب ، فقرّب الغيب بالواقع الحى وهى الرياح ، ووصف كلا بوظيفة متشابهة ، فالرياح قد تكون رخاء وقد تكون عاصفة ، وكذلك الملائكة هى عذر أو نذر. وهذه المقابلات تحفل بأمثالها السورة ، وتكثر بها الصور والمشاهد الجمالية ، والعبارات البلاغية ، وكلها بهدف التدليل على قدرته تعالى ، ومن ثم وحدانيته ، وتخيير الناس بين التصديق والإنكار ، والإيمان والكفر. وفى قوله : «عرفا ، وعصفا ، ونشرا ، وفرقا» محسنات لفظية تزيد الأسلوب جمالا. وكان قسمه تعالى بخمسة أشياء : بالمرسلات ، والعاصفات ـ وكلتاهما رياح ، والناشرات ، والفارقات ، والملقيات ذكرا وهى الملائكة. وجواب القسم : (إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ) (٧) ، ووقوعه يوم القيامة ، ويصفه أروع وصف وأبلغه ، ففيه تنطمس النجوم ، وتشق السماء ، وتنسف الجبال. وهو يوم الفصل الذى كان مؤجلا ووقّت للرسل ليشهدوا أمام الديّان على أممهم ،

٧٦٧

وأتى بالاستفهامين : (لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ) (١٢) ، و (وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ) (١٣) لتعظيم هذا اليوم والتهويل ؛ وجواب الاستفهام : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) (١٥) ، يكرر هذا الوعيد خلال السورة عشر مرات ، يريد به فى كل مرة غير الذى أراد بالأخرى ، وفى كل مرة يطرح قضية ويعقّب عليها بويل يومئذ للمكذّبين ، يكذّبون ما قال ، وهكذا فى كل مرة من المرات العشر ، ففي الأولى : كان المطروح يوم القيامة ؛ وفى الثانية : ما ينزل بالمجرمين فى ذلك اليوم ؛ وفى الثالثة : أنه الخالق للإنسان من الماء ؛ وفى الرابعة : أنه خلق الأرض ورواسيها وأنزل الماء ؛ وفى الخامسة : مآل المجرمين فى الآخرة وما يلقونه من نكال ؛ وفى السادسة : أحوال المجرمين فى هذا اليوم ؛ وفى السابعة : تحدّاهم أن يكيدوا لو استطاعوا ؛ وفى الثامنة : ما أعدّ للمتقين من أنواع الإفضال والإكرام ؛ وفى التاسعة : هزأ من المجرمين ومصيرهم مقارنة بمصير المتّقين ؛ وفى العاشرة : بيّن لما ذا كان المجرمون على ما هم عليه. وفى كل مرة يكون فيه الوعيد للمكذّبين ، تكون القضية المطروحة مثار جدل ، وتقارع الحجة بالحجة ، وتفنّد الدفوع بالبراهين ، ويكشف عن المغالطات. ومن المنطق حسن العبارات وانتظامها ، ومنه أن تحفل السورة بأمثال هذا الطباق : «الأولين ، والآخرين ، والمجرمين ، والمكذّبين» ، وأحياء وأمواتا». ومنه أيضا التكرار الجميل لأسلوب الاستفهام ، مثل قوله : (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ) (١٧) ، وقوله : (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) (٢٣) ، والآيات دليل على القدرة والتوحيد ، وتثبت صحة القول أن خلق الجنين إنما هو من ماء الرجل وماء المرأة ، وفى «قدرنا» فى قوله : (فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) (٢٣) إما أنها مشدّدة من التقدير ، وإما مخففة من القدرة ، والأولى قدّرنا وقت الولادة ، أشقيا أم سعيدا ، وطويلا أم قصيرا ؛ والثانية قدرنا بالفتحة ومن ثم كان قوله : (فَنِعْمَ الْقادِرُونَ) (٢٣). ومن الاستفهام أيضا : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً) (٢٧) ، والكفات أى اجتماع الأحياء على ظهرها ، والأموات تجمعهم فى بطنها ، فالمقابر كفات الموتى ، والبيوت كفات الأحياء ، وكان يسمون أرض البقيع «كفتة» أى مقبرة. أو أن الأرض تنقسم إلى حىّ ينبت ويتوالد ، وميّت لا ينبت ولا يتوالد ، وفيها ذلك جميعا ، وهى كفات له. والجبال رواسى للأرض ، وهذه النظرية يطرحها القرآن وتخلو منها التوراة والأناجيل ، فلما جعل الجبال أنزل عليها المطر يسيل إلى الأودية ، وجعل الجبال مخازن الخيرات للأرض ، وهى أمور أعجب من البعث ، فكيف يكذّبونه؟ والويل لهم فى الآخرة وهم يشاهدون النار عيانا يرتفع منها الدخان كأنه الظل ، فيخيل إليهم أن بوسعهم الاحتماء به ، وظل النار ذو ثلاث

٧٦٨

شعب ، وهى حقيقة من العلم المشاهد ، يطلق القرآن على كل شعبة منها اسما : فشعبة هى : الضريع (كالثدى للمرأة ،) وشعبة هى الزقوم (كالطعام المسموم) ، وشعبة هى غسلين (وهو ما يسيل من نتن من جلود أهل النار) ؛ أو أن الشعب الثلاث هى : اللهب ، ثم الشرر ، ثم الدخان ، فهى ثلاثة أحوال فى وصف النار إذا اضطرمت واشتدت. ووصفه الظل بأنه لا ظليل ولا يغنى من اللهب ، مثل قوله : (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ) (٤٤) (الواقعة) ، يعنى : لا يظلهم من حرّ النار ، ولا يكنّهم من لهبها ، وليس إلا دخان يرتفع منه ويتفرّق شعبا ثلاثا ، وسمّى العذاب «ظلا» تهكما واستهزاء بالمشركين ، وبالمقارنة : فالمؤمنون فى ظلال وعيون ، بينما المجرمون فى سموم وحميم ، وظل من يحموم (الدخان الأسود القاتم) ، شبّهه بالشرر كالقصر ، فكل شرارة كشوامخ القصور ، وكأنها فى تطايرها الجمالات الصفر ، أى الإبل فاقعة اللون المعروفة بسرعتها وقوتها ، فجاءت التشبيهات قمة فى البلاغة ، وقيل : هى قلوس السفن ، أى حبالها ، شبّه بها الشرر المتطاير ؛ وقيل هى جمالات بالضم ، وهى الضخام من الأشياء أو الإبل. فكان من هول هذا اليوم أن أخرس المكذّبون ، لا يؤذّن لهم فيعتذرون ، ولا يقبل لهم عذر ولا حجة ، ولا تنفع الظالمين معذرتهم. ومن هذه الآيات نعرف أن ليوم القيامة مواطن ومواقيت ، والأحوال فى هذا اليوم من المتشابهات ، فمرة يقول لا يتكلمون فيه ، وفى آية أخرى قال : (فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) (١٠٨) (طه) ، وفى آية أخرى قال : (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) (٢٧) (الصافات) ، وقال أيضا : (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ) (١٠٨) (المؤمنون) ، يعنى كلما همّوا بالكلام أسكتهم وألجمهم. فأى هؤلاء الصحيح؟ وفى آية سورة المرسلات الكلام عن المكذّبين ، ولا يمكن أن يكونوا كذلك ويسمع لهم يوم القيامة ، يقول : (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) (٣٦) ، وأما الآيات الأخرى فلها ملابساتها المختلفة وقوله بعد ذلك : (هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ) (٣٨) زيادة فى التعريف بهذا اليوم ، فكل من كذّبوا منذ بدء الخليقة جمعهم ، فيقول : (فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ) (٣٩) يعنى يقاوون الله لو استطاعوا! ومن أساليب القرآن فى المقابلة ـ وهى من الجدل من أبواب المنطق ـ أنه بعد أن يسرد أحوال المكذّبين وعذاباتهم ينوّه بأحوال المتّقين بالمقارنة ، فتكتمل الصورة الجمالية بزيادة ما فيها من تفاصيل متضاربة ومتخالفة : فالظل يقابله النور ، والفواتح تقابلها القواتم ، وها هم المجرمون يقابلهم المتّقون ، ويحتمى المجرمون بظل ذى ثلاث شعب ، وأما المتقون فهم فى النعيم وتحت الظلال ، يتمتعون هم وأزواجهم ، ما بين سمر ، وذكر ، وطعام مما يشتهون ، يقال لهم : (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (٤٣) ، مقابل ما يقال للمجرمين : (فَإِنْ كانَ

٧٦٩

لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ). وفى قوله : «ويشتهون ، وتعملون ، والمحسنين والمكذبين» جناس غير تام ، وسجع مرصّع تتوافق به الفواصل. وقوله : «كلوا وتمتعوا قليلا» تقابل «كلوا واشربوا هنيئا» ، والأولى تقال على سبيل التوبيخ والتقريع ، فاستحقوا أن يقال لهم «مجرمون» ، والثانية على سبيل التكريم والأنس. والسؤال : فما كان دليل جرم الأولين؟ والجواب : لم يكونوا يركعون ، وهو مجاز مرسل أراد بالركوع الصلاة ، فأطلق البعض على الكل. قيل نزلت هذه الآية فى ثقيف لمّا امتنعوا عن الصلاة وقالوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : حطّ عنا الصلاة فإنّا لا ننحنى! إنها مسبّة علينا! فأبى ، وقال : «لا خير فى دين لا صلاة فيه». وهذا هو الكلام الذى ليس بعده كلام ، تنزّل به القرآن ، فإن كذّبوا به مع كل ما اتصف من بيان ووضوح ، وحجج بالغة ، وبراهين دامغة : (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (٥٠)!! فالحمد لله الذى رزقنا القرآن وهدانا إلى الإسلام ، له كل الحمد والمنة!

* * *

٦٦٠. سورة النبأ

هذه السورة يبدأ بها الجزء الثلاثون من المصحف ، وهو المعروف بجزء عمّ ، وتسمى سورة عمّ حيث تبدأ بلفظ الاستفهام «عمّ» ، واسمها كذلك سورة النبأ ، لأن مدارها «النبأ العظيم» الذى هو يوم القيامة والبعث والنشور ، وصفه الله تعالى بالعظمة لأنه نبأ خطير ، اختلف أهل مكة من المشركين لما جاءهم ، فكانوا بين مصدّق ومكذّب ، وجاء وصفه بالعظمة لأنه يوم الفصل ، ويوم الميقات المقدور ليحشر الخلق فيه إلى ربّهم ، فيفصل بينهم ، ويقضى بين الحق والباطل. والسورة مكية ، وتتناول لذلك مسائل العقيدة ، إلا أن محوّرها هو هذا النبأ المشكل والمحيّر لهم ، أى البعث. وتحفل آيات السورة الأربعون بمشاهد من الآخرة ، ودلائل على البعث ، وبيان عمّا ينتظر المكذّبين والمتقين من عذاب أو نعيم. وترتيب السورة فى المصحف الثامنة والسبعون ، وفى النزول الثمانون ، وتأتى بعد سورة المعارج. وعمّ ـ التى تبدأ بها ـ لفظ استفهام ، ولذلك سقط منها ألف «ما» ، ليتميز الخبر عن الاستفهام ، وأصلها «عن ما» فأدغمت الميم فى النون لمشاركتها فى الغنّة ، وكل ذلك لتفخيم الاستفهام ، فهو ليس استفهاما عاديا ، لكنه استفهام عن شىء كبير وحدث ضخم ، وهو البعث كما سبق. والجواب على الاستفهام بعبارة : (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ) (٤) ، وفيه ردع وزجر ، ويكرر هذا الردع تأكيدا للوعيد وتكريرا للتهويل ، ثم يبدأ فى سرد الأدلة على «قدرة الله تعالى» التى لا يمكن أن يمارى فيها إلا مكابر ، وتستحضر السورة أحد عشر دليلا على هذه القدرة ، فالأرض التى نسكنها لم يمهدها ويبسطها للسكنى إلا الله ، وهو الذى

٧٧٠

أرساها بالجبال لتتوازن فلا تضطرب ، وخلق كل شىء أزواجا ، حتى الصفات زاوج بينها ، والكلام والمنطق جعله جدلا فيه الفرض والنقيض ، وخلق الإنسان والحيوان والنبات ، فيه القصير والطويل ، والقبيح والحسن ... إلخ ، لتختلف الأحوال فيكون الاعتبار ، ويشكر الفاضل ويبصر المفضول. ومن أدلته «النوم» جعله راحة للأبدان ، وجعل الليل سكنا ، والنهار معاشا ، وبنى السماء سبعا طباقا ، وجعل فيها الشمس سراجا ، وأنزل الماء سيّالا من السحاب ، فأخرج به الحبّ كالحنطة وغيرها ، وأنبت به الأعشاب للحيوان ، وسقى الزروع والجنّات حتى تكاثف شجرها والتف ، أفبعد ذلك يشك فى قدرته تعالى على البعث يوم النشور؟ وتأتى الآيات فى ذلك بديعة فى تركيبها اللغوى ، فيها التشبيه كقوله : (الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً) (٨) ، وفيها المقابلة كما فى : (وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً). فإذا نفخ فى الصور جمع الأولون والآخرون واحتشدوا فى موضع العرض ، يأتون زمرا ، ويحشرون أشتاتا ، وتنشق السماء ، وتكشط الجبال ، وتسيّر من مكانها وتقلع ، وتعود كالسراب يظنه الرائى ماء وليس بماء ، أو تستحيل كالهباء المنثور ، وتترصّد جهنم للطاغين المجرمين ، وتترقّبهم يئوبون إليها ، فيمكثون بها الأحقاب بعد الأحقاب ، لا برد فيها يخفّف حرّها ، ولا شراب إلا من ماء يغلى ويشوى ، وصديد يكوى ، فكان جزاؤهم هو الجزاء الوفاق ، فما كانوا يرجون بعثا ولا حسابا ، وكذّبوا فما أنصفوا ، وكل ما فعلوه مكتوب ومرصود : (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً) (٣٠) ، قيل : ليس فى القرآن عن أهل النار آية هى أشد من هذه الآية ، كلما استغاثوا بنوع من العذاب أغيثوا بأشد منه. وفى مقابل هذه المشاهد المفزعة ، هناك المشاهد الأخرى المفرحة لما يوعد به المتّقون ، فلقد وعدوا النجاة وذلك هو الفوز العظيم ، ولهم الجنة حدائق وأعنابا ، وكواعب أترابا ، والكاعب هى الناهد ، والأتراب هن العذارى فى السن المتقاربة ، ولهم فيها الخمر : (لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ) (٤٧) (الصافات) ، وفى الجنة لا يسمعون لغوا أى باطلا ، ولا كذّابا ، أى كذبا ، جزاء من ربّك حسابا ، أى يعطيهم حتى يقولوا حسبنا. وهو القادر على ذلك ، لأنه ربّ السموات والأرض وما بينهما ، شملت رحمته كل شىء مع أنه سبحانه يرهبه كل من يحضره ، ويصطف الملائكة وجبريل على رأسهم خاشعين أمامه ، لا يتكلمون بالشفاعة إلا من يأذن له وينطق الصواب ، فإذا كان هذا هو منتهى حال الملائكة فى حضرته سبحانه ، فكيف بالبشر الخطاة؟ ولسوف يمثلون أمامه ، فهذا حق ، ويوم الفصل حق ، والبعث حق ، والسورة تذكّر من لم يعد يذّكر ، لعله يتخذ لنفسه سبيلا إلى ربّه ، ويحسب حساب هذا اليوم الذى يرى فيه كلّ ما قدّم من خير

٧٧١

أو شرّ ، وكل ما فعله سيجده محضرا ، وعندئذ سيقول الكافر : يا ليتنى كنت ترابا ، ولم أخلق إنسانا ، ولم أخرج إلى الوجود. وقيل إن الكافر المقصود هو أبو جهل ، إلا أن السورة عامة فى كل الناس. وقيل إن قوله تعالى : (ما قَدَّمَتْ يَداهُ) (٤٠) تنزّل فى أبى سلمة بن عبد الأسد المخزومى ، وقوله : (يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً) (٤٠) تنزّل فى أخيه الأسود بن عبد الأسد. وهو شبيه بقوله تعالى : (يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ) (٢٥) (الحاقة). وفسّر البعض الكافر بأنه إبليس ، لأنه عاب آدم أن الله خلقه من تراب ، وافتخر أنه خلقه من نار ، فإنه يرى آدم يدخل الجنة يتمنّى لو كان من تراب مثله. يقول : يا ليتنى خلقت من التراب ولم أقل أنا خير من آدم!

وبعد .. ، فهذه هى سورة النبأ ، فيها الكثير من الغيب ، وتتميز عباراتها بالحركة والديناميكية ، وتأتى غاية فى الحبكة ، وآية فى الوصف ، وفيها الكثير من التفاصيل الدقيقة ، والمعانى اللطيفة. والحمد لله على أن أعطانا القرآن وهدانا إلى الإسلام.

* * *

٦٦١. سورة النازعات

«النازعات» من السور المكّية التى تتناول مسائل العقيدة ، وتركّز على الردّ على المتشككين فيما ورد عن القرآن والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من القول بالبعث ، وأن هناك يوما موقوتا تكون فيه الساعة وتقوم القيامة. وتخوّفهم مما حاق بفرعون موسى لمّا كذّب مثلهم ، فاستحق ما نال من نكال الدنيا والآخرة ، فما من متأمّل للكون يرى خلق الله للسماوات والأرض ، وكيف أرسى الأرض بالجبال ، ورفع السماء ، وأنزل منها الماء ، وفجّره عيونا فى الأرض ، وأنبت به الزرع ، متاعا للناس ولأنعامهم ، إلا ويدرك أن من يقدر على خلق كل ذلك فهو أقدر على رجعه وبعثه بعد موته أو فنائه ، لأن الإعادة أسهل من الإنشاء ، فإن أنكر وأصرّ فليعلم أن مآله النار ، وإن آمن فالجنة مأواه ومستقره ، وأما المتشكك المرتاب فلن يسعه أمام الأدلة على إمكان البعث إلا أن يدع السؤال عن الساعة. وتنفى السورة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يكون عالما بالساعة وموعدها ، وكان اليهود يلحّون عليه بالسؤال ، فلمّا سأل جبريل عنها أجابه : «ما المسئول عنها بأعلم من السائل» ، يعنى : أنه مثله لا يعلم عنها ، فالساعة من الغيب ، والله وحده يستأثر بعلمه ، والنبىّ لم يكلّف إلا بتذكير الناس وتحذيرهم من هذا اليوم ، وفيه يموت الجميع إذا نفخ فى الصور أول نفخة ، فإذا كانت النفخة الثانية قام الأموات يحتشدون زمرا إلى الحساب ، ولو سألتهم كم بقوا فى الدنيا ، لقالوا ما كانت حياتهم فيها إلا سويعات من ليل ونهار.

٧٧٢

وفى قصة موسى مع فرعون ، تربط السورة بين ما جرى لفرعون عند ما أنكر موسى وما يمكن أن يجرى لقريش بإنكارهم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ويتهم المستشرقون النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالنقل عن التوراة لمّا احتك باليهود فى المدينة ، وأن ما تعلمه من اليهود أذاعه ضمن القرآن كوحى من الله. غير أن سورة النازعات تثبت بطلان ما زعموا ، لأنها من السور المكّية ، ولم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقت نزولها قد عرف اليهود بعد! وما ورد فى السورة عن موسى وفرعون لا يختلف فى كثير أو قليل عمّا ورد عنهما فى السور المدنية ، الأمر الذى يثبت أن كل ما ورد بالقرآن ، على ظن أنه منقول من التوراة ، ليس إلا وحيا ، وأنه جاء مصدقا بالتوراة إلا ما حرّف منها.

واسم النازعات ـ كعنوان للسورة ـ من قوله تعالى فى بدايتها : (وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً) ، يقسم بالنازعات ، وهم صنف من الملائكة من خمسة أصناف جرى القسم بهم فى مقدمة السورة ، وهم أولا : النازعات الذين وصفهم بالغرقى ، لأنهم الملائكة المنوط بهم الإماتة للأحياء ، والإفناء للأشياء ، ولأن عملهم يستوجب العنف ، ويستغرقهم ، كإغراق النازع فى القوس أن يبلغ به غاية المدّ ، وكل نزع يستلزم القوة ، فهم أقوياء ، وعلى الأرجح شداد غلاظ ، وقيل فى ملك الموت أنه ينزع الأرواح كما ينزع اللحم عن السّفّود ـ وهى الحديدة التى يشوى عليها ، فيكون اللحم ملتصقا بها يتطلب نزعه جهدا. وكذلك الأشياء يتطلب إفناؤها نزعا يستغرق النازع. وأما الصنف الثانى فهم : الناشطات نشطا من الملائكة ، وهم العمّال والشغّيلة ، كمثل شغّيلة النمل أو النحل ، يدأبون على العمل لا يملّون ولا يكلّون. والصنف الثالث من الملائكة هم السابحات سبحا ، يسبحون ، أى يسيحون ويجولون فى الكون ، فهم يستكشفون ويراقبون. والصنف الرابع هم : السابقات سبقا ، لأنهم يسبقون إلى الإبلاغ إلى ربّهم وعن ربّهم ، وينقلون عن الملائكة السابحات وإليهم. وأما الصنف الخامس فهم : المدبّرات أمرا ، وهم الملائكة ، يدبرون قضاء الله وأمور الناس والعالم ، وأحوال الأرض والطقس ونظام الكون ، وكان الناس فى الديانات الوثنية ينسبون التدبير للنجوم ، وما يزال ذلك دأب المنجّمين. وجواب القسم لما سبق : هو أن البعث حق ، ويوم القيامة صدق ، وأنه يوم يتزلزل فيه الكون ويرجف ، وتوجف القلوب. وقيل عن الراجفة فى السورة : أنها الصيحة الأولى التى تكون بها الزلزلة وفناء كل شىء ، وأن الرادفة : هى الصيحة الثانية تردف الصيحة الأولى وتتلوها ، ويقوم بها الأحياء سعيا إلى الله ، وفى الحديث : «جاءت الراجفة تتبعها الرادفة : جاء الموت بما فيه» ، والنصف الأول من الحديث يفسّره النصف الثانى.

٧٧٣

وتأتى سورة النازعات فى ترتيب المصحف التاسعة والسبعين ، وفى التنزيل الواحدة والثمانين ، بعد سورة النبأ. والسؤال الذى تدور حوله هو : هل نردّ بعد الموت أحياء؟ وهل بعد أن نموت ونبلى ونكون عظاما نخرة ، نرجع أحياء وأسوياء ، نعى ونفهم ، وتكون لنا مسئولية ونحاسب؟ ومن الجديد من المصطلحات والكلام الجامع فى السورة ، قول فرعون : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) (٢٤) ويضرب مثلا لتفكير الطغاة عند ما لا يرون فى الكون إلا أنفسهم ، فهم كفرعون ، كل ما يقولونه ويفعلونه هو الصواب ، فلا رأى سوى رأيهم ، ولا فعل لأحد غيرهم. وعلى العكس منه قول موسى ـ وهو النبىّ : (هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى) (١٩) وهو طلب فى صيغة استفهام رفع إليه الأدب والتواضع ، ومن تأدّب مع الناس رفعوه ، ومن تواضع لهم أحبه الله وآثره. وكلام موسى من أدب المخاطبات ، وفيه عرض أريب. والصور البلاغية فى هذه السورة كثيرة ، ومنها أسلوب التشويق فى قوله : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) (١٥) ، وهو استفهام يرغّب فى معرفة هذا الحديث ـ أى القصة. ومن وجوه البيان والبديع فى السورة توافق الفواصل فى الآيات ، فى مثل قوله : «ضحاها ، ودحاها ، ومرعاها ، وأرساها» ، ويصطلح عليه فى باب المحسنات باسم السجع ؛ والمقابلة بين قوله : (السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها) وقوله : (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها) (٣١) ؛ والمقابلة بين قوله : (فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا) (٣٨) وقوله : (وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى) (٤٠) ؛ والطباق فى قوله : «الآخرة والأولى» ، وقوله : «عشية وضحاها» ، وقوله : «الجنة والجحيم» ، وقوله : «السماء والأرض». ومن المصطلحات التى تنفرد بها السورة تسمية يوم القيامة بالطامة فى قوله : (فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى) (٣٤) وهى الداهية أو المصيبة تفوق ما سواها ، وتطم كل شىء أى تفنيه ، ووصفها بالكبرى لأنه ليس كمثلها شىء. وأيضا فإن هذه السورة تشارك سورة طه فى اسم الوادى المقدس طوى عند جبل حوريب الذى كلم الله عنده موسى ، والتوراة تخلو من اسم طوى ، وتكتفى بالقول «الموضع المقدس» (الخروج ٣ / ٥). وقصة موسى برمتها فى هذه السورة لم ترد كقصة ، مثلما جاءت فى التوراة سردا ، ولكنها فى القرآن عظة وعبرة ، ليعلم المنكرون أن مصيرهم كمصير فرعون ، وليتسلّى بها المسلمون عموما ، أى يتقوون ، والنبىّ خصوصا ، إذ يعلمون أن الله ينال من الطاغين ، وأنه تعالى يدحر المكذّبين.

وكانت الآية : (فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى) (٢٠) مثار خلاف بين المفسّرين ، وأذكت الكثير من الجدل ، والإجماع على أن هذه «الآية الكبرى» هى تحوّل عصا موسى إلى حيّة تسعى ؛ ولا نرى إلا إنها مشاهدة موسى للجبل يندك دكا لمّا طلب إلى الله أن ينظر إليه : (قالَ رَبِّ أَرِنِي

٧٧٤

أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (١٤٣) (الأعراف) ، يعنى بأول المؤمنين أنه آمن به ولم يره رأى العين ، وإنما رأى فعله ، فاكتفى به ، وتاب إليه أن يسأله الرؤية مرة أخرى ، فهذه هى المعجزة الكبرى ، رؤيته للجبل يتصدّع لما تجلّى له نور الله ، وبسبب ذلك صعق موسى صعقا.

ومن الإعجاز العلمى للقرآن فى هذه السورة ردّه تعالى على من استكثر على الله أن يبعث الخلق قال : (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) (٣٣) فأضاف الليل إلى السماء ، لأن الأصل فيه هو الظلام ، ثم بعد ذلك خلق الضياء لمّا خلق الشمس ، فأظهر بضيائها الضّحى ؛ وقوله الأرض بعد ذلك دحاها ، لأنه علميا بترتيب الخلق ـ فإن السماء كانت أولا ثم كانت الأرض ، بعكس ما تقوله التوراة : أن الأرض كانت أولا ثم كانت السماء (التكوين ١ / ١ ـ ١٠). والأرض فى التوراة مستوية ولا ذكر فيها للجبال ووظيفتها ، بعكس القرآن الذى أرسى الأرض بالجبال ، وجعلها كالدحية أى البيضة ، منبعجة من ناحية ومسحوبة من ناحية أخرى ، يعنى أنها ليست كروية ولكنها كروانيةSpheroid أى شبيهة بالكرة ، وما دامت كذلك فهى دوّارة ، وفى دورانها تنبسط وتتطاول Prolate من ناحية وتنبعج oblate من ناحية أخرى ، وانبساطها يعنى اتساعها ، والتوراة تنقل عن البابليين ، وكانوا يقولون الأرض مسطحة منبسطةFlat ، وكان المصريون أول من فكر أنها كرويةSpherical ، وأخذ فيثاغورس واليونان عنهم ذلك ، وأكده أرسطو فى القرن الرابع قبل الميلاد ، وأقام عليه إراتوسنيس علم الجيوديسياGeodesy ـ علم دراسة شكل الأرض بقياس سطحها ـ ولم يقل أنها كالدحية إلا كوبرنيق المتوفى سنة ١٥٤٣ م ، بينما توفى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سنة ٦٣٢ م ، يعنى التأثر يكون من كوبرنيق وليس من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم!! لأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم الأسبق! وذهب إلى نفس الرأى نيوتن ، وكان أيضا بعد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم (توفى سنة ١٧٢٧)! ونظرية القرآن ليست لتقرير الحقيقة ، بقدر ما هى للوعظ والتدبّر ، وللردّ على المكذّبين ، وأما نظرية التوراة فهى للتقرير. وفى التوراة يكون النهار قبل خلق الشمس!! وعكس ذلك فى القرآن ، فذلك ما يثبت أن القرآن كتاب من عند الله ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم نبىّ مرسل من عنده تعالى ، وليس معنى مصادقة العلم على القرآن ، أنه كتاب فى العلم ، ولكنه كتاب لا يناقض العلم ولا يخالفه. والحمد لله على نعمة الإسلام والقرآن.

* * *

٧٧٥

٦٦٢. سورة عبس

السورة مكية ، وترتيبها فى المصحف الثمانون ، وفى التنزيل الرابعة والعشرون ، وآياتها ثنتان وأربعون ، ومناسبة نزولها أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان مجتمعا مع بعض الكبراء من قريش ، فجاءه ابن أم مكتوم «الأعمى» يقول : يا رسول الله أرشدنى ، فجعل رسول الله يعرض عنه ويقبل على من كانوا معه ، وابن ابن مكتوم يلاحقه ويلحّ عليه حتى رؤيت الكراهة فى وجهه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وحتى عبس وبسر. وكان من المجتمعين به : الوليد بن المغيرة ، أو أنه كان أمية بن خلف ، وربما كان المجتمعون به جماعة ، قيل هم : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبىّ بن خلف. وربما لم يكن معه إلا العباس بن عبد المطلب ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحاول إقناعهم بالإسلام ويستميلهم إليه لعلهم يهتدون فيهتدى بهم آخرون ، وبدا كأن اعتراضهم كان منصبّا على نوعية المؤمنين به ، من أمثال ابن أم مكتوم الأعمى ، والعبيد كبلال ، والسفلة كعمّار ابن ياسر.

وآيات السورة تجىء موجزة ومحكمة ، وفيها من وجوه البيان والبلاغة الكثير ، فهناك الجناس : كما فى قوله : «يذّكر ، والذكرى» ؛ والطباق : كما فى قوله : «تصدّى وتلهّى» ، والكناية : كما فى قوله : «ثم السبيل يسّره». ومن وجوه الجمال فى السورة أن تبدأ بقوله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى) (١) تخبر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالغائب ، تعظيما لقدره ، فلم تقل «عبست وتولّيت» ، ثم يواجهه الله تعالى بالخطاب فيها تأنيسا له فيقال : (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى) (٤) فبيّن أن المؤمن مخلص لربّه رغم فقره ، وسعيه لله على الحقيقة ، والكافر مستغن بماله وعياله لا أمل فيه ولا رجاء. وما كان له وهو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يتعرّض للمستغنى ويلحف عليه ، ولا أن يتغافل عن المؤمن ويتلهّى عنه ، فترك الأولى ، ولم يجعل نذارته للجميع على السواء ، لا يختص بالهداية أحدهم دون الآخر. والسورة إعلان بالمساواة بين الناس ، بصرف النظر عن أن هذا شريف وذاك ضعيف ، أو أنه غنى والآخر فقير ، أو أنه من الكبراء والآخر من الصغراء ، فالإسلام دين المساواة ، وهو أول دين يحفل بالمعوقين ، ويوليهم كل العناية ، ويرفع عنهم الحرج ، يقول : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (النور ٦١) ، وأول دين يؤكد أن الناس عند الله بتقواهم وليسوا بأموالهم ولا أهاليهم. «وأمّا» فى السورة للتفصيل ، فالناس إما مؤمنون مصدّقون ، وإما كفرة مكذّبون. وقوله تعالى : (كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ) (١١) فيه تشديد على النهى عن معاملة الناس على أساس التفرقة بينهم إلا بالحق ، وفيه الحثّ على المساواة بين الناس فى إبلاغ العلم ، فلا تمييز فى العلم بين شريف ووضيع ، أو بين معوّق وصحيح. ومن

٧٧٦

جوامع الكلم فى السورة قوله : (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) (١٧) وهو أسلوب فى قمة البلاغة للتعجب ، وقيل فى عتبة بن أبى لهب ، وكان قد آمن فلما نزلت «النجم» ارتد ، وقال : آمنت بالقرآن كله إلا النجم! فقد ظن أن السورة بها أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى ربّه ؛ فكان عتبة ممن ذكرتهم الآية : وأنزل فيه : (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) يعنى لعنه الله وطرده من رحمته ، ثم صارت هذه العبارة قولا عاما فى الإنسان كجنس ، وحكمة يوعظ بها ، فما كان عتبة وحده الذى كفر بعد أن آمن ، وإنما الكفر ممتد بالإنسان ، وإلا فلينظر هذا الإنسان مما خلق ، والاستفهام فى السورة : (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)؟ توليدى كما يقول المناطقة ، والجواب عليه لا يكون إلا تفصيلا ، فبعد الإيجاز والتعجّب فى قوله : (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) يأتى البيان والتفصيل والإقناع فى قوله : (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ) (٢٢) فوافق بين رءوس الآيات ، واستخدم السجع للفت الانتباه ، ولخّص حياة الإنسان كلها فى هذه الآيات الأربع ، منذ أن كان جرثومة فى منىّ الرجل لا شأن لها ولا اعتبار ، إلى أن تخلّق نطفة ، فعلقة ، فمضغة ، فتكسى لحما وتكتمل جنينا ، وتيسّرت ولادته طفلا ، ليكبر إلى أن يشيخ ويموت ، ثم يأتى البعث بأمر الله ، فكان المفروض إذا عرف ذلك عن نفسه أن يؤمن ، ولكنه ما فعل ، فلم يؤدّ حق الله عليه ، ولم يقم بما هو مفروض منه ، وقوله : (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ) (٢٣) فيه ردع وزجر ، فلما انتهى القول فى الإنسان عن نفسه وذاته وتكوينه ، لفته إلى نعمه عليه ، وأولى هذه النعم طعامه ، وفعل الأمر : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ) (٢٤) طلب فيه الحثّ على التفكير والمعرفة بأحوال الطبيعة سواء فى الإنسان أو البيئة ، وأن ينبنى علم الإنسان بهما على المشاهدة والتجريب والتحليل والاستقراء والاستدلال والاستنباط ، وهى أدوات أهل العلم ، وكل ما فى الكون يقضى بوجود الله تعالى ، وأنه لا بد أن يكون له خالق ، وأنه قادر ومريد وعالم ، وأنه واحد لا إله إلا هو ، إلا أن «المستغنى» كما فى الاصطلاح القرآنى ، جاحد ولا يعتبر. والقرآن يلجأ إلى تفصيل الحجج وتبيين الدلالات ، ويتناول أسباب حياة الإنسان مهما كان ، ويتطرّق إلى طعامه الذى به قوام هذه الحياة ، فالماء أنزله الله من السماء ، وشقّ له فى الأرض سبلا ، ويسّر على النبات أن يمهد لنفسه فيها طرقا ، فخرج منه الحبّ والعنب والعشب ، وأثمر الزيتون ، وأنضج النخل بلحا وبسرا ، ورطبا وتمرا ، وكانت البساتين يكثف فيها الشجر الكريم ، فمنه الفاكهة الزكية النكهة ، ومنه الأبّ تأكله الدواب وترعاه ، وفى كل ذلك متاع وأى متاع للإنسان وللحيوان ، فبأى آلائه تعالى يكفر هذا الإنسان ويجحد؟! ألا إنه ما أكفره عن حق ، وملعون هو عن صدق ، وليس إلا يوم

٧٧٧

القيامة ـ يوم الصاخة كما تسميه السورة وتنفرد به دون سائر سور القرآن كلها ، وفيه تصخّ الأسماع ، أى يكون صوت الصور ، أى النفير ، من العلو بحيث يخرق حاجز الصوت ، فيحدث الموت دون تدمير ، لعدم قدرة الجهاز العصبى على الاحتمال ، وكما نقول ينفجر الجهاز العصبى مع زيادة أحمال الصوت عليه أكثر مما يمكن أن يستطيعه فى أسوأ الحالات ، وهو إعجاز علمى لم يكشف عنه إلا مع اختراع الطائرات التى تسير بسرعة أكبر من سرعة الصوت وتخرق حاجزه ، فكانت نوافذ المنازل تتحطم ، ويتدمّر الزجاج. ويأتى أروع بيان ليوم القيامة فى قوله تعالى : (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (٣٧) ، والصورة أبلغ من أى كلام ، والهول الذى ترسمه ألفاظا هول عظيم ، والخطب الذى تخطّه عبارات ، خطب جليل ، فكل إنسان يلقى من كان ألصق الناس به قرابة ، وأحبّهم إلى نفسه ، فلا يعرفه ، فلا قابيل يعرف هابيل ، ولا هارون يعرف موسى ، ولا آدم يعرف حواء ، ولا نوح يعرف ابنه ، ولا إبراهيم يعرف أباه ، ولا لوط يعرف امرأته ، وكل واحد منهم لا يقول إلّا : «نفسى! نفسى!». ولمّا قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعائشة إن الناس يوم القيامة يبعثون عراة ، استهولت ذلك وسألت : أو يرى بعضنا عورة بعض؟! قال : يا عائشة! الأمر أشدّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض! : «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه»! ـ وفى هذا اليوم يأتى أن الناس صنفان ، فإما مسفر الوجه ضاحك مستبشر ، فذلك هو المؤمن ، وإمّا مغبّر الوجه أسوده يغطيه الكسوف ، فذلك هو الكافر الفاجر ، وكما قالت عائشة : وا سوأتاه من يوم القيامة! وكما فى الحديث الصحيح فى أمر الشفاعة فى هذا اليوم من شدّة الخطب على الناس أنه : حتى عيسى ابن مريم يقول : لا أسأل الله اليوم إلا نفسى! لا أسأله مريم التى ولدتنى! ـ يعنى لا يسأل ربّه الشفاعة فى أمه! فأى يوم هذا على الكافرين عسير! وهذه السورة إنما ليتعظ الكافرون ، ويعتبر المؤمنون ، فهل من مذكّر؟ نسأل الله النجاة والعافية ، والحمد لله ربّ العالمين على منّة الإسلام ونعمة القرآن المبين.

* * *

٦٦٣. سورة التكوير

السورة مكية ، والسور المكية عموما تتناول من موضوعاتها العقيدة ، وتخصّ بالكثير من آياتها يوم القيامة ، وأكثر السور المكية احتفالا بهذا اليوم ثلاث سور : التكوير ، والانفطار ، والانشقاق. وكان نزول سورة التكوير بعد سورة «المسد» ، وآياتها تسع وعشرون آية ، وترتيبها فى المصحف الواحدة والثمانون ، وفى التنزيل السابعة. ويشتق اسمها من استهلال السورة بقوله تعالى : (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (١) ، وتكويرها لا يكون إلا يوم

٧٧٨

القيامة ، فتتفجّر الشمس تفجيرات نووية ، تبلغ من شدّتها أن يتجوّف داخلها ، وتمور كالدوامة وتسوّد ، وتصبح كالكرة يتقاذفها الفضاء ، وذلك من علامات هذا اليوم الحافل بالأحداث والانقلابات الكونية : فالنجوم تنكدر وتنطفئ ، وتذهب عنها ماهيتها : فهى لم تسم نجوما إلا لأنها تنجم ، أى تظهر بضوئها ، فإذا انكدرت واظلمّت وتساقطت ، لم تعد نجوما ؛ والجبال تسيّر : (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً) (الكهف ٤٧) ، يعنى أن الأرض تسرع عن سرعتها العادية ، فتبدو الجبال عليها كما لو كانت تسير فى الفضاء ، وتمخر السحاب ، أو أنها تصبح هباء منثورا ، وتكون سرابا ، أو مثل السراب الذى ليس بشيء ، أو أن الأرض تنسطح وتستحيل قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ؛ والعشار تعطّل : فكل ما كان من الممكن أن يلد ، فلا يلد ، وتتوقف الوظائف الحيوية لكل كائن ، فلا الناس أو الحيوانات تطلب الطعام ، ولا النبات ينشد الماء ، ولا النساء الحوامل يضعن ، فالطبيعة كلها معطلة ، وقوانينها وسننها لا يعمل بها ؛ والوحوش تحشر وتجمع ؛ والبحار تسجّر ، وتمتلئ بالماء وتفيض ، وتغرق اليابسة ، وتأتى على الأخضر واليابس ، ولا فرق بين بحر وبحر ، ولا بين بحر ونهر ، وما كان بينها من برازخ صارت لا تعمل ، فاختلطت المياه ، وبطلت خواصها ، فلم تعد تطفىء النيران ، وصارت كأنها تطفح بالمواد المشتعلة ؛ وتتأجج ، وذلك من عجائب هذا اليوم ، وأهل العلم يفسرون هذه الظاهرة بأن قيعان البحار ملتهبة ، فإذا كان يوم القيامة اندفعت الحمم من القاع فتشتعل سطوح الماء بها. فهذه ستة ظواهر للطبيعة من خارج الدنيا من علامات القيامة ، وهناك ستة أخرى تخصّ الآخرة. ، هى : أن تزوّج النفوس ، ويقرن كل إنسان مع الذين كانوا يعملون عمله فى الدنيا ، فالفاجر مع الفاجر ، والبار مع البار ، وكل شكل بشكله من أهل الجنة أو أهل النار ، جعلوا أزواجا على أشباه أعمالهم ، وتقرن الأرواح بالأجساد وتردّ إليها ، وتقرن النفوس بأعمالها ؛ وأن تسأل الموءودة بأى ذنب قتلت ، والموءودة حقيقة : هى التى يقتلها أبوها عند مولدها خشية العار ، أو الإملاق ، أو السبى والاسترقاق. والموءودة مجازا : هى كل امرأة كانت لها مظلمة تسأل لما ذا ظلمت؟ وقيل : كانت المرأة فى الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة وتمخّضت على رأسها ، فإن ولدت جارية رمت بها فى الحفرة وردّت التراب عليها ، وإن ولدت غلاما احتفظت به. وقوله : (وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ) (٨) سؤال توبيخ لقاتلها ، مثل قوله تعالى لعيسى : (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) (المائدة ١١٦) على جهة التوبيخ والتبكيت لمن ألّهوه ، فكذلك سؤال الموءودة توبيخ لوائدها ؛ وأن تنشر صحف الأعمال ، ويعرف ما فيها من خير وشر ؛ وأن تكشط السماء كما يكشط الجلد ، وتنزع من مكانها

٧٧٩

وتطوى (كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) (الأنبياء ١٠٤) ؛ وأن تسعّر الجحيم وتوقد ، وتضرم للكفرة الفجرة ، يسعّرها غضب الله وذنوب العباد وخطاياهم ؛ وأن تزلف الجنة ، ويقرّب منها المتّقون ؛ وأن تعلم كل نفس ما أحضرت من خير وشر. فتصبح مجموع علامات الساعة : اثنتا عشرة علامة ، ستة فى الدنيا ـ كما قلنا ، وستة فى الآخرة. وقوله تعالى : (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) (١٤) جواب (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (١) وما بعدها من آيات ، والمعنى : (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (١) وكانت هذه المجريات ، علمت نفس ما أحضرت من عملها. وقيل : (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (١) قسم وقع على قوله : (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) (١٤).

وتتكون سورة التكوير من ثلاثة أجزاء ، والقسم الأول وجوابه يشكّلان الجزء الأول ، ويبدأ من : (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (١) حتى : (وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) (١٣) وجوابه : (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) (١٤) ؛ ويبدأ الجزء الثانى بالقسم كذلك ، ويستهل بقوله تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) (١٨) فهذه الظواهر الثلاث من الطبيعة أيضا ، فالخنّس هى النجوم والكواكب التى تخنس بالنهار وتكنس ، أى تختفى وتستتر كما تكنس الظباء فى المغار ، وتظهر بالليل ، وأكبرها : زحل ، والمشترى ، وعطارد ، والمرّيخ ، والزّهرة ، سميت خنّسا لتحيّرها بين الظهور والاختباء ، وسميت مخابئها كنس جمع كناس. وعسعسة الليل : إقباله أو إدباره ، فهى من الأضداد ، والمعنى مرجعه واحد ، وهو ابتداء الظلام فى أوله وإدباره فى آخره ، وبعد الليل يتنفس الصبح ، أى يقبل ويظهر بنوره وضيائه. وقوله : «لا أقسم» من أساليب القرآن ، وتأتى فيه ثمانى مرات ، مثل : (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ) (٧٥) (الواقعة) ، وقوله : (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (٢) (القيامة) ، وقوله : (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) (المعارج ٤٠) ، و «لا» لتأكيد القسم لا لنفيه ، وليست زائدة كما يقول البعض ، فلا شىء زائد فى القرآن. وجواب القسم قوله : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) (٢٥) ، والرسول المقصود هو جبريل وليس النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما قال البعض ، وهو كريم على الله ؛ وذو قوة عند ذى العرش أى الله تعالى ، يعنى له منزلة ومكانة ؛ وهو مطاع ثم ، أى مطاع هناك ، يعنى فى السموات ، وأمين : مؤتمن على الوحى. وقوله : (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) (٢٢) جواب القسم ، يعنى بصاحبكم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وصفه بأنه صاحبهم ، من الصحبة أى الرفقة والزملة ، والصاحب هو الملازم ، والملازمة قد تكون بالبدن وأكثرها الملازمة المعنوية ، فالصاحب صاحب ولو تناءت الديار والأجسام ، وبعدت

٧٨٠

المسافة بين الأصحاب. وكانوا قد اتهموه صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالجنون ، لأنه إذا أوحى إليه يعرق بشدة ويسكن جسده إلى أن يرتفع عنه الوحى ، وكان يقول إنه رأى جبريل فى صورته كما هو عند ربّه ، فكان ذلك سببا آخر أن يوصف بالجنون ، والسورة تنفى عنه التهمة وتؤكد للمؤمنين صدقه فيما قال : (وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) (٢٦) ، وقوله : (رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) ، فلأن جبريل كان ضخما يسدّ الأفق ، ووصف الأفق بالمبين أى الواضح ، بحيث أن رؤيته له كانت حقيقة وليست وهما. وأما من قال إن «الهاء» فى «رآه» تعنى الله سبحانه وتعالى ، فذلك أمر بعيد ، فالله تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ) (الأنعام ١٠٣) ، وإنما كانت الرؤية لجبريل بصورته الملكية مرتين ، فمرة : (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) (٢٣) (التكوير) و (بِالْأُفُقِ الْأَعْلى) (٧) (النجم) ، ومرة : (عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) (١٤) (النجم) ـ (انظر هل رأى محمد ربّه؟ ضمن باب «النبوة والنبىّ») ، وتصف الآية النبىّ بأبلغ بيان : (وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) (٢٤) أى لا يضن عليهم بما يعلم ، تصديقا لقول عائشة فيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أنه ما كتم شيئا من الدين. والغيب هو القرآن وخبر السماء. ورؤيته لجبريل من الغيب. ولو نجحت خطة المنافقين وشككوا الناس فى رؤيته لجبريل ، لكان معنى ذلك أنه متّهم كذلك بشأن القرآن ، ولذا يجيء فى هذه السورة : (وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) (٢٥) ، وبه يبدأ الجزء الثالث من السورة ، و «هو» المقصود بها القرآن ، وكانوا يتقوّلون : أنّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يأتيه شيطان أبيض فى صورة جبريل يريد أن يفتنه ، وأن القرآن من وحيه ـ أى وحى الشيطان. وردّت الآية عليهم بسؤال إنكار وتوبيخ : (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) (٢٦) ، يعنى : ما هذا الهراء الذى تقولون؟ وإلى أى درك من قلة العقل والحمق يأخذكم الكفر والعناد والجحود؟ والجواب على السؤال : (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٢٩) ، أى إن هذا القرآن موعظة وذكر لكل الناس ، فمن أراد منهم الهداية واتّباع الحق ، فلا هداية فيما سواه ، وأنهم ما يقدرون على شىء إلا بتوفيقه تعالى ولطفه ، فلنسأل الله التوفيق. قيل : (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (٢٨) قال أبو جهل : الأمر إلينا إذن ـ إن شئنا استقمنا ، وإن شئنا لم نستقم. فأنزل الله : (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٢٩) ، فبيّنت الآية أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق من الله ، ولا شرا إلا بخذلان من الله ، فالله أولا وأخيرا ، والحمد لله ربّ العالمين ، نسأله التوفيق ، فمنه وبه التوفيق والعصمة ، وفى كتابه الفلاح والحكمة.

* * *

٧٨١

٦٦٤. سورة الانفطار

السورة مكية ، وآياتها تسع عشرة ، وكان نزولها بعد سورة «النازعات» ، وترتيبها فى المصحف الثانية والثمانون ، وفى التنزيل الثانية والثمانون أيضا ، وتشبه سورة «الانشقاق» ، وتبدأ مثلها بذكر انفطار السماء ، بقوله تعالى : (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ) (١) ، كقوله فى سورة «الانشقاق» : (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) (١) ، وانفطارها أو انشقاقها يعنى انصداعها ، ولا يكون ذلك إلا يوم القيامة ، فتمور السماء وتنفرج وتنكشط ، فهى كالمهل ـ أى كالرماد ـ وهى يومئذ واهية ، والحدث جليل ، ومن أشراط الساعة وعلاماتها. وفى ذلك اليوم تنتثر الكواكب فلا شىء منها فى مكانه ، وتتفجّر البحار ، وتغرق اليابسة ، وتتبعثر القبور وتنشق عن الأموات يبعثون أحياء يسعون إلى ربّهم : (ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) (٤٢) (ق) ، مهطعين إلى الداعى ، وقد تيقّنوا أن ما كان قد دعاهم إليه الرسل حق ، ولكنهم لم يولوه اهتمامهم ، وانصرفوا عنه بأمور دنياهم ، وقدّموها على أمور الآخرة ، فلم كان ذلك؟ ولما ذا هذه اللامبالاة من الإنسان؟ وما الذى يجعله يكفر ويعصى؟ يقول تعالى : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (٦) ، فوصف نفسه بالكرم لأنه يتجاوز ويعفو عن كثير ، وغرّ الإنسان كرمه تعالى به ، ولو لا كرمه ما عصاه ولا أخطأ ؛ أو أن الإنسان كما قال عمر : غرّه شيطانه الخبيث ، أو شيطانه المسلّط عليه ، أو قال : غرّه حمقه وجهله. ولما قرأ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (٦) قال : «غرّه الجهل» ، أو قال : «غرّه جهله». وقال عمر : كما قال الله تعالى : (إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (٧٢) (الأحزاب). وقيل : غرّه عفو الله ، لأنه لم يعاقبه فى أول مرة. وسئل الفضيل بن عياض : لو أقامك الله تعالى بين يديه يوم القيامة ، فقال لك : (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)؟ ما ذا كنت تقول؟ قال : كنت أقول : غرّنى ستورك لى ، لأنك الكريم ، والكريم ستّار. وقيل : إن المؤمن يثق بحسن إفضال الله ، ويغتر بطول إمهاله ، فيرتكب الزلّة ، لا يستحلها ، ولكنه طول حلم الله تعالى عنه يحمله على سوء خصاله ، ومع ذلك فلم تتوقف أفضاله ، فهو الذى خلقه فى أحسن تقويم ، وسوّاه فى بطن أمه ، وأنشأه معتدل القامة ، وركّب أعضاءه على الوجوه الحكيمة ، وفى أى صورة ما شاء ، لا يتشابه اثنان ولا يتماثلان فى الخلقة ولا فى الخلق ، وعلّمه ورزقه ، ومع ذلك يكذّب بالدين ، وينكر يوم القيامة ، ويجحد ربّه ، ويسفّه البعث والحساب! وكل ذلك مرصود عنه ، يكتبه ملائكة رقباء لا يفارقونه ، كقوله تعالى : (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (١٨) (ق) ، فلا تخفى عليهم أعماله وأقواله ، كقوله : (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) (١٢). ويوم القيامة ينفرق الناس فريقين ، كقوله تعالى : (إِنَ

٧٨٢

الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ) (١٥) ، والأبرار : هم المؤمنون وهم اليوم فى نعمة العصمة ، وغدا هم فى الكرامة والنعمة ؛ والفجّار : هم العصاة الكفرة ، وهم اليوم باستحقاق اللعنة والإصرار على الشرك الموجب للإدانة ، وغدا هم فى النار على وجه التخليد والتأبيد. ونعيم الأبرار الحسّى : الجنة بما حوت من طعام وشراب ونساء ورفاهية ؛ ونعيمهم المعنوى : فى روح الذكر ، وفى الأنس بالله. وجحيم الفجار الحسّى : النار والشّوى والحرق ؛ وجحيمهم المعنوى : ضيق القلوب ، والتّسخّط أنهم أساءوا التقدير والتدبير والاختيار. ويوم الدين هو يوم الحساب ، كقوله : (وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) (١٨)؟ يتكرر عنه السؤال ، تهويلا وتخويفا وإنذارا وتحذيرا ، وذلك من أساليب القرآن ، وفى التكرار تأكيد وتنبيه ، كقوله تعالى : (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) (٩) ، «وكلّا» للتأمين والتأكيد والتنبيه بمعنى حقا ، أى إنكم حقا لتكذّبون بالدين. ومن مصطلحات السورة : يوم الدين : وهو يوم الحساب ، يصدّق به الأبرار ، ويكذّب به الفجّار ، يقولون : (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (٤٦) (المدثر) وقوله : (وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) لا يرد إلا فى هذه السورة ، وكلما أريد التهويل والتضخيم كان استخدام «ما أدراك» ، يقول : (وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ) (٥) (الهمزة) ، (وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ) (٣) (القارعة) ، (وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) (٢) (القدر) ؛ ويوم الدين : الأمر فيه لله من قبل ومن بعد ، وفيه تنقطع الدعاوى. وفى قوله : (فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) (٨) ، الصورة : مصطلح من الفلسفة ، ولكل إنسان صورتان ، الأولى هى : الصورة الجسمية : وهى ما يكون الشيء عليه بالفعل وهى صورة ناقصة ، وتسمى الصورة المخصوصة ؛ والثانية هى : الصورة الباطنة : وهى الشكل أو السمت الذى عليه جنس من الأجناس ، وصورته الباطنة بمعنى أن كل الناس مثلا وإن اختلفوا ظاهرا ، إلا أنهم باطنا بشر ، ولهم صورة واحدة كامنة كبشر ، ولأنها للجميع فهى كاملة وتامة ، وتسمى لذلك الصورة الكاملة. وفى السورة فإن المعنى الذى تنصرف إليه الصورة فى الآية : أنها الصورة الباطنة ، لأن الخطاب فيها للإنسان ، وصورة الإنسان هى أكمل صورة خلقية لأى من المخلوقات الدنيوية ، وفيها قال تعالى : (فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) (٨) ، وعند الإغريق يعطون الصورة الكاملة المسوّاه المعدولة اسم الانتلخيا يعنى المنوال أو القالب. وكان ابن عربى (١١٦٥ ـ ١٢٤٠ م) كفيلسوف إسلامى معنيّا بالتفسير القرآنى الباطن ، ولمّا تناول صورة الإنسان لم يتحدث إلا عن الصورة الكاملة دون الصورة الجسمية فقال : ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان ، فإنه تعالى خلقه حيّا ، عالما ، قادرا ، مريدا ، متكلما ، سميعا ،

٧٨٣

بصيرا ، مدبّرا ، حكيما ، وهذه صفات الربّ سبحانه. وفى الخبر : «إن الله خلق آدم على صورته» ، يعنى على صفاته هذه السابقة ، وقيل : خلقه على ما هو عليه ، أى على الصورة التى عليها آدم ، ولذا نقول عن الصورة الكاملة أنها أيضا الصورة الآدمية ، وهى مقصود الآية التى نحن بصددها ، وإلا فإن الصورة الجسمية أو الواقعية التى هى لكل إنسان على حدة ، قد تكون على القبح ، أو مشوهة ، أو بها عاهة ، وتتفارق الصور ، والناس على القبح والجمال ليسوا سواء ، والمصاب بالجذام ليس على أحسن صورة بالقطع ، وإذن فالكلام فى الآية عن هذه الصورة الكاملة ، وهى الصورة المسوّاة المعدولة ، والكلام فيها من باب الحكمة التى يعطونها عند الغربيين اسم الفلسفة ، والله تعالى هو الحكيم ومعلّم الحكمة ، والقرآن كما هو كتاب فى التشريع ، وفى العلوم ، فهو أيضا كتاب فى الحكمة أو فى الفلسفة ، وصدق الله تعالى وقد قال فيه : (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام ٣٨) والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

* * *

٦٦٥. سورة المطففين

السورة مكية وكانت آخر سورة تنزل بمكة ؛ وقيل إنها مدنية لمّا قدم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم المدينة وكان أهلها أخبث الناس كيلا فأنزلها الله ، غير أن السورة لها نفس أهداف السور المكية ، وتعالج مثلها أمور العقيدة ، ولها أسلوب ومنهج السور المكية. وقيل السورة نزلت فى رجل يعرف بأبى جهينة ، واسمه عمرو ، وكان له مكيالان ، أحدهما ناقص والآخر زائد ، فإذا أخذ لنفسه أخذ بالمكيال الزائد ، وإذا أعطى الناس أعطاهم بالمكيال الناقص. وفى القرآن أن الله تعالى أهلك قوم شعيب لبخسهم الميزان ، والميزان لا يكون فقط فى الأشياء الحسية ولكنه أيضا فى الأشياء المعنوية : (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) (الأعراف ٨٥) ، والأشياء قد تكون أعمالا تجارية أو صناعية أو فنية ، والتطفيف قد يكون فى الوضوء والصلاة ، وفى الأحكام ، والرواية ، ولكل شىء وفاء وتطفيف. والمطفّف مأخوذ من الطفيف وهو القليل ، وعلى ذلك فالمطفّف : هو المقلّ لحقّ من الحقوق مهما كان ، وقيل للفاعل مطفف لأنه لا يكاد يسرق من المكيال والميزان إلا الشيء الطفيف الخفيف ، أخذ من الطّفّ للشيء أى من جانبه. وفى قوله تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) (١) توعّد لهم بالهلاك والعذاب ، وتهويل بما سيحدث لهم يوم الحساب. وفى السورة تعجّب وإنكار من حال هؤلاء المطففين : (أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) (٤) ، والاستفهام الذى صيغ به الإنكار والتعجب يزيد الصورة قتامة ، لأنهم إن كانوا يعلمون أنهم سيبعثون ليوم

٧٨٤

الحساب فعلمهم مصيبة عليهم ، وإن كانوا لا يعلمون فمصيبتهم أدهى وأمرّ؟! واليوم العظيم : تعريف بيوم القيامة : (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (٦) : يقومون عقابا وعذابا ، فلأن ذنبهم عظيم فإن يوم حسابهم كان عظيما. ويبدأ الجزء الثانى من السورة بالردع والتنبيه ويحفل بالمتقابلات ، يقول : (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ) (٩) ، وتقابل : (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ) (٢٠) ، فكلّا فى الآية الأولى كلمة ردع وزجر ، وكلا فى الآية الثانية تعنى حقا ؛ والفجار تقابل الأبرار ، والفاجر هو الذى ما عاد يخشى أحدا ولا يهمه حساب ولا نار ولا قيامة ، وعكسه البار من البرّ الذى هو الخير. والفجّار يناسبهم سجين ، وهو أحط درك من دركات جهنم ، وكأنه السجن الذى لا يوصف لفرط بشاعته ، وقيل لذلك ربما هو ضرب مثل وإشارة إلى أن أعمالهم السيئة لا تصعد إلى الله ، وإنما حبيسة الدناءة والسفالة اللتين كانتا له ؛ وعكسه علّيون : أى الذرى حيث الجنة ، فإذا كان الفجار فى أسفل سافلين ، فالأبرار فى عليين. وقوله : «وما أدراك ما سجين» ، «وما أدراك ما عليون» استفهام للتعظيم والتهويل ، يعنى : هل تعلم ما سجين ، وما عليون؟ والكتاب المرقوم أى المرقّم ، فلم تسقط منه ورقة ، ولا ضاع منه شىء ، وإنما هو كتاب محفوظ. والمكذّبون فى السورة الذين يتوعدهم ، كذّبوا بيوم القيامة وبالبعث والنشور ، وهم فى التعريف معتدون آثمون ، كلما تلا عليهم القرآن ألغوا فيه وقالوا أساطير الأولين ، يعنى خرافات السابقين من الأمم ، ومن هؤلاء كان الوليد بن المغيرة ، وأبو جهل ونظراؤهما ، كسبوا الكفر فران على قلوبهم ، والران هو أن تتراكم الذنوب على بعضها ، فكلما أذنب ذنبا اسودّت نقطة فى القلب وصار الذنب كالثقب ، حتى ليصبح القلب كالمنخل أو الغربال الصدئ ، ويوم القيامة يحجب عنهم ربّهم رحمته ، ويصلون الجحيم جزاء وفاقا. وأما الأبرار : فكتابهم مفخرة لهم ، ومن فرط طهارته فإن الملائكة تقبل عليه وتنظر ما به من صالحات. والنعيم مقام الأبرار ؛ وللنعيم نضرة ، وسقياهم من رحيق مختوم بالمسك ، ومزاجه من تسنيم ، جاء فى تعريفها أنها عين يشرب بها المقرّبون ، وكل ذلك من الغيب ونتصوره فنرضى به ونسعد وتشحذ هممنا إليه ، ويتنافس عليه المتنافسون. وخلاصة هذا النعيم فى الآية : (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) (السجدة ١٧). وعكس هؤلاء وفى مقابلهم المجرمون وكانوا يستهزءون بالمؤمنين ويتغامزون عليهم ويتفكهون بهم فى رواياتهم ، ويصفونهم بالضلال ، مع أنهم لا شأن لهم بهم ، ولم يوكلوا عليهم ، وها هى الآية قد انقلبت فصار المؤمنون فى النعيم يضحكون مما آل إليه أمر الكفار. نسأله تعالى أن يرينا فى المجرمين بعض الذى وعدهم ، وهو عليهم مقتدر ، وحسبنا الله.

* * *

٧٨٥

٦٦٦. سورة الانشقاق

السورة مكية ، وآياتها خمس وعشرون ، وكان نزولها بعد «الانفطار» ، وترتيبها فى المصحف الرابعة والثمانون ، وفى التنزيل الثالثة والثمانون ، وتتناول فى جزئها الأول بعض مشاهد من يوم القيامة كالشأن مع السور المكية ، وتستهل بتصدير ما يحدث فى الكون عند قيام الساعة ، فالسماء تنشق ، والسورة لهذا تسمى سورة الانشقاق ، وانشقاق السماء من أشراط وعلامات هذا اليوم ـ يوم القيامة ، والانشقاق هو الانصداع والانفطار ، ومن أوصاف ذلك فى سور أخرى ، قوله : (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ) (الفرقان ٢٥) يعنى تكشط ويملأ مكانها الغمام ، فيغم الكون وتغتم له القلوب ؛ وقوله : (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ) (٣٧) (الرحمن) يعنى تنشق ويستحيل لونها إلى الاحمرار ، كأنها الوردة ألقى عيها دهن مذاب أحمر من شدة طبخه بالنار ، فاحمرّت لذلك ؛ وقوله : (وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ) (١٦) (الحاقة) يعنى لم تعد متماسكة واسترخت من أطرافها. وهذا هو الانشقاق إذن كما فى السورة ، والله غالب على أمره ، والسماء يحقّ لها أن تسمع وتطيع يوم القيامة ، وكذلك الأرض ، فتجرى عليها حوادث ذلك اليوم ، فتدكّ جبالها ، وتنبسط ، ويمدّ أديمها لتتسع لما يأتيها من بطنها من الأموات ، تلقى بهم وبما استودعت ، ومما استحفظت. والسورة بدأت بإذا ، وجوابها : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (٦) ، فليعش ما يشاء ، وليحبّ ما يشاء ، وليعمل ما يشاء ، فإنه ميّت ويفارق الكل ، ويلاقى فى خاتمة المطاف ربّه يوم الحساب ، والآية على ذلك تضرب مثلا ، والإنسان مثلما فى الدنيا أحد اثنين ، فإما هو كافر ، جاحد ، منكر ، ويعمل الشرّ ، وإما هو مؤمن ، مسلّم لله ، شاكر له نعمه ، ويعمل الخير ، وكتابه يوم القيامة إما بيمينه ، وإما بشماله ، كقوله : (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً) (٩) وهذه صورة ، ويقابلها صورة أخرى هى النقيض : (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ) (١٤) ، والثبور هو الهلاك ، والسعير هى النار ، ويحور يرجع حيا.

وفى الجزء الثانى من السورة يقسم الله تعالى بآيات كونية مما نعرفها فى الدنيا ، وذلك عكس المقدمة التى أتى فيها بمشاهد أخروية ، يقول : (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) (١٩) ، والشفق حمرة المغرب ، ويقصد به النهار بطوله ، ويقابله الليل الذى فيه يجتمع الناس إلى بعضهم البعض ، والمخلوقات كلها تسكن ، وهو معنى «وما وسق» يعنى ما حوى ، وكأنه أقسم بالنهار والليل ، أو بالنهار مدبرا

٧٨٦

وبالليل مقبلا ، أو بالنور والظلمة ، وفى الليل يظهر القمر ويتسق ، أى يستدير ويكتمل ، وكل ذلك آيات دالة على قدرته ، والذى صنع وأبدع وسوّى كل ذلك يقدر أن يبطله ويزيله ويمحوه يوم القيامة ، فالعالم ليس للأبد ، فلكل ما خلق عمر ينصرم وينقضى ، وفى النهاية تأتى الساعة وتكون القيامة. وقوله : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) (١٩) جواب القسم ، والحياة أطباق ، يعنى أحوالا وأطوارا ، والناس فيها من طور إلى طور ، ومن حال إلى حال ، ومن ذلك طور الموت ، وطور البعث ، وطور الخلود فى الجنة أو فى النار. وكل مخلوق من جماد ونبات وحيوان له أطوار ، ويركب طبقا بعد طبق ، وهذا إعجاز علمى فى القرآن ، ونظرية الأطوار فى القرآن ليس فيها أن الإنسان كان قردا كما يقول دارون ، وإنما أنه مرّ بالحالة الحيوانية ، كما مر بالحالة النباتيةVegetative ، وهذه الحالة الأخيرة تعنى أنه كان فى مرحلة ينمو ولم تنضج عنده الغرائز بعد ، فإذا نضجت انتقل إلى المرحلة الحيوانية ، أو ركب الطبق الحيوانى ، وقبل المرحلة النباتية يمرّ بالمرحلة الجمادية ، فكان لا يعدو العناصر الستة عشر التى تتركب منها الكائنات ، وبعد المرحلة الحيوانية تكون المرحلة الإنسانية الخاصة بالجنس البشرى homo sapiens ، ويتميّز فيها الإنسان بالعقل والوعى ، ويتمثّل المستقبل ، ويكون له مشروع ، وهذه هى مرحلة الإنسان العامل ، ثم تأتى مرحلة الإنسان الحكيم أو العالم بعد الإنسان العامل ، ثم مرحلة الإنسان العابد ـ وهى أعلى مراحل الرقىّ. فإذا انتهى العمر ركب طبقا آخر يحمله إلى غيب لا يعلمه إلا الله. وكل ذلك أفكار تثيرها وتذكّرنا بها السورة ، وتدعونا إلى التفكّر والتدبّر ، فيأتى السؤال : (فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) (٢١) ، وهو استفهام إنكارى ، ينكر على أهل الكفر كفرهم ، ويتعجب من موقفهم ، ويوبّخهم على ترك الإيمان بعد كل هذه الآيات. وليس من سبب لموقفهم هذا إلا أن قلوبهم قد ران عليها ، وصارت غلفا ، وعميت أبصارهم حتى صاروا لا يعقلون ولا يفقهون ، والله أعلم بما يضمرون من التكذيب والكفر ، وما يكتمون من النوايا الخبيثة ، وما يفعلون من الأعمال السيئة وتختتم السورة بمقارنة حال هؤلاء بحال المؤمنين الذين يعملون الصالحات ، كطريقة القرآن دائما إذا ذكر الكفر والكافرين والعذاب بجهنم ، قابل ذلك بذكر الإيمان والمؤمنين ، ووعد النعيم بالجنة ، فإن كان العاصون قد نالوا أجرهم فى الدنيا ، فأجرهم ينقطع بالموت ، وأما أجر المؤمنين فموصول بعد الموت وباق أبد الآبدين.

ومن المصطلحات فى هذه السورة : «الحساب اليسير» : قال فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ذلك العرض» ويكون بعد الموت مباشرة ، ويقابله الحساب العسير يوم القيامة. من الأمثلة فى السورة قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (٦) : والمعنى

٧٨٧

أنه مكتوب على الإنسان أن يعمل وينصب حتى يلقى ربّه بكتاب عمله ؛ أو أن المعنى أن الإنسان يكدح فى الدنيا ويظن أنه لن يلق ربّا ، أو أن بوسعه أن يهرب من ربّه ، فأينما هرب ، فإن طريقه الذى يتخذه سينتهى به حتما إلى الله ، وإذن فليفعل الإنسان ما يشاء ، ويكفر كيفما أراد ، وليفسد فى الأرض كما يحلو له ، فلا بد يوما أن يلقى الله ، وحينئذ يكون الحساب العسير والعقاب الخطير ، وقانا الله شرّهما ، آمين.

* * *

٦٦٧. سورة البروج

السورة مكية ، نزلت بعد سورة «الشمس» ، وآياتها ثنتان وعشرون ، وترتيبها فى المصحف الخامسة والثمانون ، وفى التنزيل السابعة والعشرون وموضوعها الاستشهاد فى سبيل الله ، وتحكى عن قصة أصحاب الأخدود ، وحديث الجنود الذين يجنّدون لحرب الرسل والأنبياء والمؤمنين. وتحفل السورة بأسماء من أسمائه تعالى : فهو تعالى «الشاهد المشهود» : شهد بالبراهين ، وأثبت بدلائل اليقين ، وأوضح بالآيات البيّنات ، أنه لا إله إلا هو. وشهد بجلال قدره وكمال عزّه. وهو تعالى المشهود : لأنه شهد لنفسه وشهد له الخلق والملائكة والكون بأسره. ثم إنه (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (٩) ، ولا يقال عزير إلا للقويّ الذى إذا شاء أوقع الانتقام وقدر عليه ، والجبّار أعلى من العزيز ، وهو الشديد البطش ، وفى السورة : (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) (١٢) أى أخذه الجبابرة والطغاة والظلمة : (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (١٠٢) (هود). وهو «الحميد» : مستوجب للحمد ، وله المحمدة ، ومحامده هى صفاته الجلالية والجمالية والكمالية ؛ ومن محامده أن : (لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (٩) ، فهو المتصرّف والمدبّر والمالك ، وإنما عن علم وحكمة ، والعلم والحكمة من محامده ؛ ومنها أنه تعالى : (يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) (١٦) ؛ فهو المبدئ لأنه بدأ الخلق ؛ وهو المعيد : لأنه يعيده ، كقوله : (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) (الأنبياء ١٠٤) ، وقوله : (إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (يونس ٤) ؛ ثم إنه الغفور لأنه يغفر الذنوب ، والغفور أبلغ من الغافر. ولأنه يغفر ويرحم فإن عباده يودّونه وهو لذلك الودود ، بمعنى المودود : وهو يودّهم فى المقابل ، وودّه تعالى يعنى رحمته بهم ولطفه وإحسانه ، والود إرادة إنعام مخصوص ؛ وهو ذو العرش : لأن له الملك كله ، وله قوام الأمر ؛ والمجيد : من المجد ، وهو النهاية فى العلو والعظمة والعزّ والرفعة ؛ ومن مجده أنه فعّال لما يريد ، لا يمنع عليه شىء يريده ، فلأنه مالك الملك فلا حجر عليه ولا حظر : (يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) (١٤) (الحج) ، و (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ

٧٨٨

(٢٣) (الأنبياء) ، وهو (مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ) (٢٠) : محيط بما استمكن منهم من البطر ، وما داخلهم من الرياء ، وبما بيّتوا ؛ ومحيط : يعلم ما بهم ولا تخفى عليه خافية : (أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) (١٢) (الطلاق).

والسورة أربعة أجزاء ، يبدأ الأول منها بالقسم ، بقوله تعالى : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ) (٣) ، والمقسوم به السماء ، لجرمها العظيم ، وما تحويه من أفلاك عظيمة لله تعالى ، والقسم بها لذلك عظيم ، ووصفها بأنها ذات بروج ، يشير إلى امتدادها حتى لتسع منازل كل النجوم والكواكب ، وسمّاها بروجا لظهورها ، ثم إن البروج هى القصور ، فشبّه هذه المنازل بها لعلوها وارتفاعها ؛ وقيل البروج اثنا عشر برجا ، هى : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسّنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، والدّلو ، والحوت ؛ ويسير القمر فى كل برج يومين وثلث يوم ، فذلك ثمانية وعشرون يوما ، ثم يستسر ليلتين ؛ وتسير الشمس فى كل برج منها شهرا. فإذا كان القسم بالسماء قسما عظيما ، فالقسم باليوم الموعود أعظم ، وهو يوم القيامة ، وهو موعد اجتماع أهل الأرض وأهل السماء ، واليوم الذى وعد الله المؤمنين والكافرين ، وهو موعود لنهاية الدنيا وبداية الآخرة ، وموعود لبداية النعيم أو الجحيم. والقسم بالشاهد والمشهود أعظم من القسم بالسماء وباليوم الموعود ، لأنه تعالى كما ذكرنا من قبل ، الشاهد والمشهود والشهيد معا ، فكأنه أقسم بنفسه : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (الأنعام ١٩) ، وكما بيّنا من قبل فإنه الشاهد ، لأنه شهد خلقه وأفعالهم ، ويشهد عليهم ، وهو مشهود لأنهم يشهدان له بالتوحيد ، وهو شهيد لأنه مؤتمن آمين فى شهادته. وجواب القسم فى السورة قوله تعالى : (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ) (٧) ، والأخدود : مقبرة جماعية كالمقابر التى كان الصرب يحفرونها للمسلمين ؛ وفعل الروس مثلهم ، ثم الأمريكان واليهود ، وهذه المقبرة القديمة قدم التاريخ ، أو الأخدود كما يسميها القرآن ، حفرها يهود نجران لجماعة دينية فى بلدهم كانوا يوحّدون الله ، وكانوا نيفا وثمانين رجلا وامرأة ، قبض عليهم يوسف بن ذو نواس بن تبّع الحميرى ، ونصب لهم أخدودا وألقاهم فيه وأوقد عليهم النار. وأصحاب الأخدود فى السورة هم هؤلاء اليهود الذين عذّبوا الموحدين ، وكانوا يقعدون على الأخدود يرقبون تحريقهم ، ونقموا عليهم إيمانهم. وقوله تعالى : (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ) (٤) دعاء عليهم كقولنا : قاتلهم الله! دعا الله بها على اليهود منذ فجر التاريخ ، وما يزال دعاؤه عليهم ساريا حتى اليوم ، قاتلهم الله ولعنهم. وقاتل كل من يؤذى المسلمين ولعنهم!

٧٨٩

وفى الجزء الثانى من السورة يوجه الله تعالى إنذاره لأمثال هؤلاء اليهود : (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (١١) ، والعقاب ـ كما ترى ـ من جنس العذاب الذى أنزلوه بالمؤمنين ، فتحريق بتحريق ، والفرق أن الأول بالنار الصغرى وهى نار الدنيا ، والثانى بالنار الكبرى وهى نار جهنم. وفى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ...) (١٠) ، وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) مقابلة بين مصير المجرمين ومصير المؤمنين. وفى الجزء الثالث من السورة خبر عن بعض هؤلاء المجرمين الذين فتنوا المؤمنين ، فكان مصيرهم كمصير أصحاب الأخدود ، قال : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ) (١٩) ، والحديث هو الخبر ، والجنود هم جماعة الكافرين فى كل عصر ، أمثال فرعون وجنوده ، من دعاة الاستعمار القديم والجديد ، وأصحاب الإمبرياليات القديمة والجديدة ، ومنهم حاليا زعماء العولمة من الاحتكاريين والرأسماليين ، والعملاء الوطنيين. الذين تجنّدوا وتحزّبوا لحرب الإسلام باسم صراع الحضارات ، فى العالم قاطبة. وفى قوله : «هل أتاك» استفهام للتشويق ، يريد به أن يؤنس الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويسليه ، ومن بعده المؤمنين إلى أن يرث الله الأرض وما عليها بحكايات الطغاة والجبارين والمستقويين ، وكان فرعون منهم فضرب الله به المثل لطغيان الأفراد ، وكانت ثمود أمة كفرت بأنعم الله ، فضرب بها المثل لانحرافات الأمم ، فأنزل الله بهم ما نعرف مما نزل بفرعون وجنوده ، ومما حاق بثمود ، فلمّا كانوا طغاة أهلكوا بالطاغية ، والمنكرون فى كل مكان يقرءون عن هؤلاء وهؤلاء ، وما تزال النذر تأتيهم ، وما زالوا مستمرين على التكذيب ، فبعدا للظالمين ، وبعدا لقوم لا يؤمنون.

* * *

٦٦٨. سورة الطارق

السورة مكية ، نزلت بعد سورة «البلد» ، وآياتها سبع عشرة آية ، وترتيبها فى المصحف السادسة والثمانون ، وفى التنزيل السادسة والثلاثون ، وتبدأ كأغلب السور المكية بلفت انتباه السامع أو القارئ لآيات الله فى الكون مما نراه يوميا ولا يستثير انتباهنا لكثرة ما اعتدناه ، والمعجز الذى يراد منا أن نتفكر فيه هو هذه النجوم التى تطرق السماء ليلا ثم تختفى ، فكم منا يعلم عنها كما يعلم علماء الفلك؟ وهل نعرف أحجامها ، وحركتها ، ودورانها؟ ومما تتكون؟ وإلى أين تسير؟ ولما ذا تسطع؟ ولو قرأنا ما يقوله العلم عنها لهالنا أمرها وقدّرنا أنه لا بد للكون من خالق ، وأنه واحد لا يمكن أن يشاركه شريك. وتستهل السورة بقسمه

٧٩٠

تعالى بالطارق ، ويسميه الطارق الثاقب ـ أى النافذ. وقسمه به يجعل منه شيئا هائلا يستحق أن يقسم به ، وقوله : (وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ) (٢) تهويل من شأن هذا المقسم به. وكل ما فى القرآن : (وَما أَدْراكَ) إنما ليلفت انتباهنا إليه ويعظّمه لنا ، وكل ما فيه : (وَما يُدْرِيكَ) (الأحزاب ٦٣) إنما ليعلمنا بقلة درايتنا وقلة وعينا به. والطارق هذا من هوله قد يجعلنا نخاف على أنفسنا ، فمن يحفظنا منه لو أصابنا منه أذى بما أنه ثاقب ، ولهذا قال تعالى : (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) (٤) ، كقوله : (لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) (الرعد ١١) ، وما من وسائط تحفظنا فى الحقيقة لأن الحافظ هو الله. ولا بد أن التفكير فيما يحفظنا سيجعلنا نفكر فى حقيقتنا ونتساءل : ممّا خلقنا؟ وقوله تعالى : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ) (٥) تنبيه للإنسان على ضعف أصله ، وأننا خلقنا من المنىّ المهين ، ومع ذلك صرنا إلى ما صرنا إليه من الضخامة والفخامة. أفمن فعل كل ذلك لا يقدر أن يبعثنا بعد الموت يوم القيامة؟ وإن يوم القيامة ليوم موعود ، وفيه تبلى السرائر ، وتنكشف الضمائر ، ويظهر المستور من النفوس ، ولا حول ولا قوة للإنسان فى ذلك اليوم ، فلا ناصر له ، ولا مغيث. ثم يكون الجزء الثانى من السورة ، ويقسم فيه الله تعالى بالسماء التى ترجع بالمطر دوما ، والأرض التى تنشق عن النبات ، وهما آيتان من آياته تعالى ، كالطارق فى بداية السورة ، وجواب القسم : أن هذا القرآن المنزّل على محمد ، قوله فصل ، أى يفصل بين الحق والباطل ، وما هو بالهزل ، والهزل ضد الجد ، وفى حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن القرآن قال : «هو الفصل ، ليس بالهزل» ، ومع ذلك فقد كذّبوا بالقرآن ، وصدّوا عن سبيل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكادوا له ، وكيد الله أكبر ، وكيده تعالى هو استدراجهم من حيث لا يعلمون ، ثم يقول لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) (١٧) أى أنظرهم قليلا ولا تستعجل لهم. والسورة تحفل بالأدلة القاطعة ، والبراهين الدامغة على قدرة الله وعظمته ، وعلى أن البعث حقّ وواقع ، وأن القرآن كتاب من لدن الله تعالى ، وأنه الكتاب الفارق الميسر للذكر ، فصّلت آياته ، وضرب فيه للناس من كل مثل. ولله الحمد والمنّة.

* * *

٦٦٩. سورة الأعلى

السورة مكية ، نزلت بعد سورة التكوير ، وآياتها : تسع عشرة ، وترتيبها فى المصحف : السابعة والثمانون ، وفى التنزيل : الثامنة ، والاستهلال فى السورة بالأمر بالتسبيح لله العلىّ الأعلى ، قال : (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (١) يعنى نزّهه عن السوء وعما يقوله الملحدون

٧٩١

فيه ، ولما سمعها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «اجعلوها فى سجودكم». فكانوا إذا قرءوا السورة فى الصلاة ، فعند ذكر «فسبّح اسم ربّك الأعلى» ، يقطعون القراءة ويقولون : «سبحان ربّى الأعلى» ، ولم يكونوا يقولون : سبحان اسم ربّى الأعلى ، لأن الاسم هو المسمى ، وظن البعض أن قول : «سبحان ربّى الأعلى» تزيّد فى السورة ، وقال آخرون تبريرا بل لقد أمرنا بشيء فقلناه ، فسبحان ربّنا الأعلى الذى خلق الخلق فسوّى خلقتهم ، وسوّى الأجنة فى بطون أمهاتها ، وسوّى الأفهام ، وسوّى الإنسان وجعله قابلا للتكليف ، وقدّر كل شىء وهداه لقانونه ، ووفّقه لشكله وسمته ، وأرشده لما قضى به له من السعادة والشقاوة ، والهداية أو الضلال ، ولما قدّره من الأرزاق والمعايش له وللناس كافة وللحيوان والطير وكل المخلوقات ، وكما قال : (أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (٥٠) (طه) ، يعنى قدّر فى الأشياء منافعها ومضارها ، وقدّر ما يصلح كل إنسان وحيوان ، وأخرج المرعى ، وأنبت الزروع ، حتى استوت واخضرّت ونضجت على أعوادها ، فذلك قوله تعالى : (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى) (٥).

والجزء الثانى من السورة هو قوله تعالى : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلَّا ما شاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى) (٧) وهو يخصّ طريقة قراءة القرآن ، وقراءته على أى حال واجبة على الناس : (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزمل ٢٠) ، وعلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (٣) (العلق) ، وما سمّى القرآن قرآنا إلا ليقرأ ، وللقراءة أركان : فقبل القراءة تكون الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم (النحل ٩٨) ، وعند القراءة يكون الاستماع والإنصات (الأعراف ٢٠٤) ، وتكون القراءة للتدبّر (محمد ٢٤) ، وبالنسبة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فالقراءة إما تلاوة أو ترتيل ، وفى كل الأحوال هى قراءة لحفظ واستذكار ، وما جعلت قراءة القرآن أصلا لينسى ، وإنما ليحفظ ويذكر ، ولتكون آياته منهج حياة ، كقوله تعالى : (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) (القمر ١٧) ، وعلى ذلك فليس صحيحا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أو كل جبريل أن يحفّظه القرآن ، بدعوى أنه كان أميا ، وكان لذلك ينسى! ومن ثم نزلت ـ بزعمهم ـ الآية : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) (٦) بمثابة الوعد من الله تعالى بأنه لن ينسى من بعد هذه الآية! ولا دليل فى الآية على أن حاله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى حفظ القرآن هو حال الإنسان الأمى ، وإنما الآية تلحق بما يشبهها فى هذا المعنى ، وبما يفسّرها أيضا ، كقوله تعالى : (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) (طه ١١٤) ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يكن يعطى صحفا ليقرأ منها ، وإنما كان القرآن يتلى عليه ، ومنذ أول سورة نزلت عليه ، وهى سورة «اقرأ» ، كان يستظهر ما يقال له ، ويعيه سرّه ويذكره قلبه ، وتحفظه ذاكرته ، والمعنى إذن لقوله : (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى

٧٩٢

(٦) إِلَّا ما شاءَ اللهُ) : أن قراءته للقرآن ، باعتباره نبيا ، كانت قراءة استظهارا بحيث لا ينسى ، والاستثناء فى الآية (إِلَّا ما شاءَ اللهُ) ، يعنى أن ما يقدّر أن ينساه هو ما يشاء الله له أن ينساه منه ، ولم يحدث أن شاء الله له أن ينسى منه شيئا ، كقوله تعالى : (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ) (هود ١٠٨) ، فلم يحدث أن شاء الله عكس ما قضى أولا. ونحن فى الكلام العادى نقول : لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئت ، أو إلا أن أشاء أن أمنعك» ، وتكون النية مع ذلك على ألا نمنعه شيئا ، يعنى أن الاستثناء ـ بنيّة الخالق ـ هو التمام ، والله تعالى قد وعده ألا ينسى مما يحفظ شيئا ، فلم يحدث أن نسى شيئا. وأحسن ما قيل فى ذلك : أن معنى (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) ، أن لا تنسى العمل بما تقرأ من القرآن ؛ أو أن المعنى تعليمه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وأمّته من بعده ـ أن لا يغفل عن قراءة القرآن وتكراره فينساه أو ينسونه. وفى الآية : (إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) (٣٠) (الفرقان) شكوى من أنهم لم يكونوا يقرءونه. ومن دأب الذاكرة أن تنسى شيئا فشيئا ما سبق لها أن حفظته ، والقرآن ليس استثناء ، وإذا لم يقرأ مرارا ، فإن مشيئة الله أن ينسى الغافل أحكامه وحكمه ، فهذه سنّة الله فى الذاكرة ، وهى من خلقه تعالى ، وقد فطرها على ذلك ، ومن ثم كان التعليم فى الآية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : أن يقرأ القرآن بنية أن لا ينسى استظهار ما قرأ ، ولا ينسى العمل بما قرأ ، والنيّة يعلمها الله : (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى) (٧) كقوله : (وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً) (يونس ٦١). والطريقة اليسرى فى القراءة أن تكون قراءة استدبار ، يعنى أن يتفكر ويستدبر كلما قرأ ، ومع تكرار القراءة ، تتيسّر المعانى وتتضح ، كقوله تعالى : (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى) (٨) يعنى نيسّرك لهذا النوع من القراءة. ثم يكون الجزء الثالث من السورة ، من قوله تعالى : (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى) (٩) ، حتى قوله : (الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى) (١٧) ، فبعد هذا التعليم للقراءة الميسّرة ، يأتى دور التبليغ ، وأن يقرأ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم القرآن على الناس ، ولا ينسى ذلك ، ولا يغفل منه شيئا ، إلا ما شاء الله أن لا يكون متعلقا بما يشرح للناس من موضوعات ، فليس ما يذكره منه فى حينه إلا ما يرتبط بما يتناوله مع الناس من مسائل الدين والدنيا. والتذكير بالقرآن وآياته واجب ، بأن تستحضر ذاكرتنا من الآيات ما يناسب الموقف ، والذكرى أو التذكير قد ينفع مع البعض ولا ينفع مع البعض الآخر ، وتذكرة أو تذكير الخاشع أبلغ وأرجى ، ولن يتجنّب الوعظ ويأنف منه ولا يلتفت إليه إلا الشقى الذى. مآله النار الكبرى ، وهو اصطلاح القرآن لنار جهنم ، باعتبار أن نار الدنيا هى النار الصغرى. والشقى كذلك من المصطلح القرآنى ، والمقصود به فى الآية أمثال الوليد ابن المغيرة ، وعتبة بن ربيعة. ونقيض الشقى من وصفه

٧٩٣

تعالى بالفلاح فقال : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) (١٥) ، وقيل إن المقصود بالصلاة فى الآيتين السابقتين : صلاة العيد ، وبالزكاة : زكاة الفطر ، ونسى من قالوا ذلك أن السورة مكية ، وفى مكة لم تكن صلاة عيد بعد ، ولا عيد ، وما كانت زكاة الفطر قد فرضت. وفى تفسيره صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) (١٤) ، قال : «هو من شهد أن لا إله إلّا الله ، وخلع الأنداد ، وشهد أنى رسول الله». وخلع الأنداد هو أن لا يجعل لله تعالى مثيلا ولا شريكا. وقيل : نزلت الآية فى عثمان بن عفان ، وقيل : فى أبى بكر الصدّيق. وكلّ منهما قد أفلح ، أى قد فاز وظفر ، والفلاح صلاح الحال ، والفوز ، والنجاة ، وفى الأذان : حىّ على الفلاح ، أى هلمّوا إلى طريق الفوز والنجاة. وقوله : (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) (١٥) ، أى ذكره فى قلبه تزكية ، فصلّى خشوعا وكبّر راجيا ، وذلك هو الفالح المزكّى ، على نقيض الشقىّ المؤثر للحياة الدنيا ، والآخذ بالعاجل على الآجل. وقوله تعالى : (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى) (١٧) صار مثلا ، وهو من الحكم المأثورة التى تحفل بمثلها الصّحف الأولى : (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) (١٩) يعنى الكتب المنزّلة السابقة ، مما نزل على إبراهيم وموسى ، وعن أبى ذرّ فيما أورده السيوطى : أنه سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : فيما كانت صحف إبراهيم؟ قال : «كانت أمثالا كلها : ـ «أيها الملك المتسلّط المبتلى المغرور ، إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكن بعثتك لتردّ عنى دعوة المظلوم ، فإنى لا أردّها ولو كانت من فم كافر» ، وقال : «وكان فيها أمثال : ـ وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات : ساعة يناجى فيها ربّه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، ويفكر فيها فى صنع الله ؛ وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل ألا يكون ظاعنا إلا فى ثلاث : تزوّد لمعاد ، ومرمة لمعاش ، ولذة فى غير محرم. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه ، مقبلا على شانه ، حافظا للسانه. ومن عدّ كلامه من عمله ، قلّ كلامه إلا فيما يعنيه». وقال أبو ذرّ : قلت : يا رسول الله ، فيما كانت صحف موسى؟ قال : «كانت عبرا كلها : ـ عجبت لمن أيقن بالموت ، كيف يفرح؟! وعجبت لمن أيقن بالقدر ، كيف ينصب؟! وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلّبها بأهلها ، كيف يطمئن إليها؟! وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ، ثم هو لا يعمل». وقال أبو ذرّ : قلت : يا رسول الله ، فهل فى أيدينا شىء مما كان فى يدىّ إبراهيم وموسى ، مما أنزل الله إليك؟ قال : «نعم ، اقرأ أبا ذرّ : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) (١٩)». وفى سورة النجم عن صحف إبراهيم وموسى ، قوله تعالى : (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ

٧٩٤

لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى) (٤١) الآيات إلى آخرهن ، قيل : إن معنى : (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) (١٩) أن مضمون سورة الأعلى جاء فى صحف إبراهيم وموسى ، وهذا نفسه تفسير الآيات التى أكدت أن القرآن نزل مصدّقا لما كان قبله من الصحف والكتب ، كقوله تعالى : (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) (آل عمران ٣). فالحمد لله على نعمة القرآن ، ولله المنّة ، وبه التوفيق والعصمة.

* * *

٦٧٠. سورة الغاشية

السورة مكية ، وعنوانها «الغاشية» ، من اسم موضوع السؤال الاستهلالى فى السورة وهو قوله تعالى : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ) (١) والغاشية : هى ، القيامة سميت لذلك لأنها تغشى الخلق بأفزاعها وشدائدها ، من غشى أى غطّى وحلّ ، نقول غشى الليل يعنى أظلم ، وأغشى الله على بصره : غطّاه. والسورة فى المصحف الثامنة والثمانون ، وفى التنزيل الثامنة والستون ، وكان نزولها بعد الذاريات ، وتتضمن ثلاثة مشاهد : الأول عبارة عن سؤال وجواب عن الغاشية ، ما هى؟ والخطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خصوصا ، ولكل مسلم عموما ، والاستفهام للتشويق إلى استماع الجواب ، واستخدام الاستفهام من طرق القرآن للتنبيه إلى خطورة وعظم شأن موضوع السؤال ، ويتناول الجواب ، على طريقة الجدل القرآنى ، أحوال الكافرين والمؤمنين يوم القيامة ، نعرفها مما يرتسم على وجوه هؤلاء وأولئك ، وتصنيف الوجوه من علم النفس القرآنى ، فالكافر : وجهه متعب ، خاشع ، ذليل ، يشقيه ما يحمل من أصفاد ، وما يثقل عليه من سلاسل وأغلال ، ويسقمه لهيب النار ، وشدّة حرارة جهنم ، فيتمنى لو يشرب ليطفئ ظمأه ، فلا يجد إلا ماء أشدّ حرا يحرق جوفه ، وإذا جاع فليس إلا الشوك يأكله ، لا يسمن ولا يشبع ، ويصرخ منه ويجأر ، وكل ذلك يبين على وجهه. وأما المؤمن : فوجهه تظهر عليه النعمة ، وينعكس عليه رضا نفسه بالعيش فى الجنة ، يصفها بأنها عالية ، أى صافية الجو عليلة الهواء ، يشملها الهدوء وتلفها السكينة ، فلا لغو ولا صخب ولا نصب ، إلّا من خرير ماء يتدفق من عين جارية ، يسرّ بها الناظرون ، يشربون منها إذا رغبوا ، والأكواب متوافرة يعبون بها الماء ، فإذا أحبوا أن يناموا فالأسرّة جاهزة فخيمة ومريحة ، والوسائد كثيرة. والمشهد الثانى من السورة : يتناول من دلائل وجود الله وقدرته تعالى ووحدانيته ، نماذج من المخلوقات والموجودات من الحياة ، يراها كل أحد ، ويقدّرها حق قدرها فى كل زمان ومكان ؛ فهذه الإبل العجيبة وما تقوم به من وظائف

٧٩٥

فريدة ، حتى ليطلقوا عليها سفينة الصحراء ، دليل وأى دليل على وجوده تعالى وقدرته وعلمه. وهذه السماء المرفوعة بغير عمد ، والممتدة إلى اللانهاية ، والجبال الشامخة المنصوبة كالأعمدة المغروسة فى الأرض تثبّتها ، والأرض الممهدة للزرع والانتقال عبرها فى الأسفار ، كلها دلائل ، على عظم قدرته تعالى ، وأنه الصانع والخالق ، وليس من صانع وخالق مثله. والمشهد الثالث : هو النتيجة لما فات من المقدمة ، ويقرر المطلوب الذى نخلص إليه بعد هذا الطرح المنطقى السالف : أن عمل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو تذكير الناس ، وأن يدعوهم بالترغيب والترهيب إلى عبادة الله ، ولا يقسرهم ولا يجبرهم على الإيمان ، فلا إكراه فى الدين ، ومن يتولى ويعرض بعد هذه النذارة أو البشارة ، فأمره إلى الله يعذّبه بنار جهنم ، وعذابها هو العذاب الأكبر. نسأل الله العافية ، والحمد لله تعالى على نعمة القرآن.

* * *

٦٧١. سورة الفجر

السورة مكية ، نزلت بعد سورة الليل ، وآياتها ثلاثون ، وترتيبها فى المصحف الثامنة والتسعون ، وفى التنزيل العاشرة ، وتتكون من أربعة أقسام : الأول : تنبيه إلى بعض قوى الطبيعية التى هى دلائل على قدرته تعالى ، وأنه واحد لا شريك له ؛ والثانى : تذكير بمن سبق من أمم لم تؤمن بالله ، ولم تفهم دلائله ، وعتت عن أمر ريّها ورسله ، وطغت فى الأرض وأفسدت فاستحقت العذاب ؛ والثالث : هو نتيجة تخلص إليها السورة ، وهى أن الإنسان جبّار كفور ، لا يحمد لله لو أكرمه ، ويجحده إذا ما ابتلاه ، ولو تبيّن وتعقّل لأدرك أن الخير والشر ، والغنىّ والفقر ، قسمة فى الحياة ، وأنهما من سنن الوجود ، ولكنه هكذا دائما ، يستميله الكفر على الإيمان ، والبخل على الإنفاق ، ويدأب على الخصال السيئة ، ويحب المال يجمعه جمعا ، فلا يحسن على يتيم ، ولا يطعم مسكينا ؛ وفى القسم الرابع : يأتى التحذير من يوم الحساب ، وفيه التذكير والتذكّر ، وأنّى له يوم الحساب أن يفلت من العقاب ، ولن يفيده التحسّر ، فالعذاب يومئذ رهيب ، ولن يستطيع حياله شيئا ، وأما المؤمن فهو الراضى المرضى ، المستحق أن يكون من عباد الله ، وأن تكون له الجنة.

ومن مصطلحات السورة : الاستفهام التقريرى فى قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ) (٦) ، وهو من أساليب القرآن ، ويتكرر فيه ٣١ مرة ، تبدأ فيها الآيات جميعا بصيغة السؤال : (أَلَمْ تَرَ) ؛ وكذلك قوله : (كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) (١٧) فهو من أساليب القرآن ، ويتكرر فيه خمس مرات ، للتنبيه والزيادة فى التوبيخ والعتاب ، وتبدأ جميعها بصيغة : (كَلَّا بَلْ ..) ؛ و «الفجر» المعنىّ فى السورة : هو فجر أى يوم ، فهو آية من الآيات ، وفيه

٧٩٦

تنفجر الظلمة عن النهار ؛ وقيل الفجر : هو فجر اليوم الأول من محرّم ، ومنه تنفجر السنة ؛ وقيل : هو فجر يوم النحر ، فكل يوم له ليلة قبله وليلة بعده ، إلا يوم النحر فليست له ليلة قبله ولا ليلة بعده ، والحج إدراك الموقف إلى طلوع فجر يوم النحر ؛ وقيل : الفجر المقسوم به : هو فجر ذى الحجة ، لأنه تعالى قرن الأيام به فقال : (وَلَيالٍ عَشْرٍ) أى الليالى العشر من ذى الحجة ؛ وقيل : هو فجر يوم الجمع آخر الأيام العشر إذا دفعت من جمع ؛ (وَلَيالٍ عَشْرٍ) : هى العشر من ذى الحجة ، أو العشر فى قصة موسى : (وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ) (الأعراف ١٤٢) ؛ وقيل : هى العشر الأواخر من رمضان ، أو العشر الأولى من المحرم التى عاشرها عاشوراء ؛ والصحيح أنها ربما كل ذلك ، وأن الله تعالى يقسم بها لهذا السبب ؛ (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) (٣) : هما الصلاة ، بعضها شفع وبعضها وتر ؛ وقيل : الوتر : يوم عرفة لأنه تاسع الأيام العشر ؛ ويوم النحر هو الشفع : لأنه عاشرها ؛ وقيل : الوتر هو الله ، وهو اسم من أسمائه تعالى ، بينما الشفع خلقه ، كقوله : (وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً) (٨) (النبأ) ، (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ) (الذاريات) ، والحياة تقوم على المتقابلات ، ومنطقها جدلى ، فالكفر يقابله الإيمان ، والشقاوة تقابلها السعادة ، والليل يقابله النهار ، والموت تقابله الحياة ، والجنة تقابلها النار ، والهدى يقابله الضلال ، والنور تقابله الظلمة ، والحر يقابله البرد ، والشمس يقابلها القمر ، والصيف يقابله الشتاء ، والسماء تقابلها الأرض ، والملائكة يقابلها الشياطين ، والإنسان يقابله الحيوان ، والعزّ يقابله الذل ، والقدرة يقابلها العجز ، والقوة يقابلها الضعف ، والعلم يقابله الجهل ، والبصر يقابله العمى ، والسمع يقابله الصمم ، والكلام يقابله الخرس ، ومنهج القرآن يقوم على هذه الجدلية التى تقوم عليها الحياة والوجود ، وهكذا الإنسان تجتمع فيه المتناقضات فهو شفع ، إلا الله فهو وتر ، لأنه تعالى عزّ بلا ذل ، وقدرة بلا عجز ، وعلم بلا جهل ، وقوة بلا ضعف ، ووحدة بلا كثرة ، وفى السورة القسم بالشفع والوتر ، أى به تعالى وبخلقه ، من باب القسم بأسمائه وصفاته ، أو بأسمائه وبأفعاله. وقيل : الشفع : الجنة لأن درجاتها ثمان ، والنار : وتر لأن دركاتها سبع ؛ وقيل : الشفع : الصفا والمروة يقسم الله تعالى بهما ، والوتر : الكعبة ؛ وقيل : الشفع : الأيام والليالى ، والوتر : اليوم الذى لا ليلة بعده وهو يوم القيامة ؛ وقيل : الشفع : الحيوان والنبات ، والوتر : الجماد ؛ وقيل : الشفع فى الحج : هو التمتع بالعمرة إلى الحج وأن تقرن بينهما ، والوتر : هو الإفراد فى الحج ؛ وقيل : أقسام الحساب شفع ووتر.

ومن المصطلحات قوله : (لِذِي حِجْرٍ) ، والحجر هو العقل واللب ، ويقال لمن ملك نفسه ومنعها : إنه لذو حجر ؛ و (بِعادٍ إِرَمَ) : هى عاد الأولى من الأمم البائدة ؛ وثمود هم

٧٩٧

عاد الثانية ؛ و (ذاتِ الْعِمادِ) : قيل إنهم كانوا طوال القامة ، ومبانيهم لذلك عالية ، وأما ثمود فكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ؛ وأما (ذِي الْأَوْتادِ) فهو فرعون ، صاحب الأهرامات التى تشبه الجبال ، والله جعل الجبال أوتادا ، والفراعنة بنوا الأهرامات كالجبال ؛ وقوله : (وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ) (١٦) ذهب مثلا ، وصار حكمة مأثورة ؛ و «التراث» مصطلح جديد يعنى إرث اليتامى ، وأصله الوراث من ورث يرث ، فأبدلت الواو تاء ؛ وقوله : (وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا) (٢٠) ذهب مثلا وحكمة مأثورة ؛ وقوله : (وَجاءَ رَبُّكَ) ليس كما يجيء الإنسان ، فالله ليس كمثله شىء ، ومجيؤه يعنى أن الخلق صارت لهم الحاسة بحضوره ، ومن ثم ظهرت آياته وقدراته تعالى وامتلأ الموقف ، فاستشعره الوقوف ، وكأنه جاء الآن فقط ، والله تعالى لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان ، وأنّى له التحوّل والانتقال ولا مكان ولا أوان ، ولا يجرى عليه وقت ولا زمان ؛ والنفس المطمئنة من مصطلحات علم النفس الإسلامى ، وهى النفس المؤمنة الموقنة التى لا يخامرها شك ، ولا تعصف بها ريبة ، وهى النفس الراضية بقضاء الله ، قد اطمأنت بالإيمان. ومن العلاجات فى الطب النفسى العلاج بالإيمان ، بإعادة تربية المريض فتصير له ثوابت اعتقادية تصادم دوافع الشك وتزيلها عنه ، فيزول عنه بالتبعية الشك والتردد. وقيل : إن الآيات (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي) (٢٩) نزلت فى حمزة بن عبد المطلب لما استشهد ، وقيل : نزلت فى أبى بكر ، والصحيح أنها نزلت عامة فى كل مؤمن يستشرف الموت ، ولذلك أمرنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ندعو فنقول : «اللهم إنى أسألك نفسا بك مطمئنة تؤمن بلقائك ، وترضى بقضائك ، وتقنع بعطائك». والحمد لله على نعمة الإسلام ، ونعمة القرآن ، وله المنّة ، وبه التوفيق والعصمة.

* * *

٦٧٢. سورة البلد

السورة مكية ، وكان نزولها بعد «سورة ق» ، وآياتها عشرون آية ، وترتيبها فى المصحف التسعون ، وفى التنزيل الخامسة والثلاثون ، والغرض منها : بيان فساد موقف المنكرين ، وإقامة الدليل على خبث عقيدتهم ، والتنبيه إلى ما عليه الإنسان عموما من زيغ وضلال ، وكان الأحرى به أن يؤمن ، فقد أمدّه الله تعالى بكل النّعم ، وأسبغ عليه من كل الفضائل ، فما حمد ولا شكر ، ولا سلك مسلك أهل الإيمان لا انصرف عن عبادة الشيطان ، ولا تصدّق وأنفق فى الخير ، ولو آمن وتعاهد على الصبر على مطلوبات الإيمان ، وعلى طاعة الرحمن ، لكان من (أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) وهم أهل الجنة ، ولو ثبت على الكفر والعصيان لعدّ

٧٩٨

من (أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ) وهم أهل النار. وقيل : السورة نزلت فى أبى الأشد بن كلدة ، وكان جبّارا فى الأرض عصيا ، ينفق المال بسخاء فى محاربة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومناوأة الدعوة.

وتحفل السورة بالمصطلحات ، ومن ذلك قوله تعالى : (لا أُقْسِمُ) : لا يريد به نفى القسم ، ولكنه كقولنا : «لا والله لا فعلت كذا» ، و «لا والله ما كان كذا» ، و «لا والله لأفعلن كذا» ، وهو أسلوب متبع فى القرآن ويتكرر ثمانى مرات ، كقوله : (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ) (١) (القيامة) ، (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (٢) (القيامة) ؛ والبلد : هى مكة ، وهى البلد الحرام ، أم القرى ، شرفت بالكعبة بيت الله ، فكانت مقصد الحجيج من الشرق والغرب ، وبها ولد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبعث ، وفيها بزغت شمس الإسلام ، وعلى أرضها نزل القرآن ، فحقّ أن يقسم بها الله تشريفا وتعظيما لها على سائر البلاد ، كما حقّ أن يقسم بمن ولدوا فيها من الأطهار ، ومنهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان للمؤمنين والدا ، وفى الحديث : «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلّمكم» أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى وابن ماجة وابن حبان عن أبى هريرة ، ومن ثم أقسم الله تعالى بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبأمّته ، بعد أن أقسم ببلده ، مبالغة فى تشريفه عليه‌السلام ؛ وقوله : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) (٤) أى فى شدّة وعناء ونصب ، فكابد الدنيا والشهوات والأهواء وتحصيل لقمة العيش ، نقول : تكبّد اللبن إذا غلظ وخثر واشتد ، ومنه الكبد لأنه دم متغلّظ ؛ والآية القرآنية ذهبت مثلا وصارت من مآثر الأقوال ، والله لم يخلق خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم ، فقد خصّه بالوعى ، وعلّمه التاريخ وأن يكون له مستقبل يكابد لتحقيقه ؛ وكذلك ذهب مثلا قوله تعالى : (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) (٥) يقال كلما زاد طغيان الطاغية ؛ والنجدان : هما طريق الخير والشر ، هدانا الله إليهما هداية دلالة ؛ وقوله : (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) (١) : يضرب به المثل لمن لا يصرف جهده إلى اقتحام الصعاب وطلب المعالى ؛ والاقتحام : هو رمى النفس بلا روية ، والعقبة : المرقى الصعب ، وإنه لمرقى صعب أن يؤمن من يؤمن ، وأن يفعل الخير ، ولذا قال تعالى : (وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ) (١٢)؟ تضخيما فى صعوبتها. ومن العقبة : أن نفك حصر العانى ، وأن نساعد المحتاج ـ فى زمن قلّ فيه العمل ، وزادت البطالة ، وندر المال حتى لكأن الناس فى مجاعة ـ وأن نعيل المساكين الذين لا مكان لهم إلا الشوارع ، وبالاختصار فإن أعمال البرّ هى المرقى الصعب ، وهى العقبة الكئود ، لفطرة الإنسان على الشّح والبخل ، وأصحاب الميمنة : هم الذين يؤتون كتبهم بيمينهم يوم الحساب ، وهم أصحاب الجنة ؛ وأصحاب المشأمة هم الذين لا يقدرون على حمل كتبهم إلا بشمائلهم ، وهم أصحاب النار المشائيم على أنفسهم. نسأل الله أن نكون من أصحاب الميمنة ولا نكون من أصحاب المشأمة ، والحمد لله على نعمة الإسلام ونعمة القرآن.

* * *

٧٩٩

٦٧٣. سورة الشمس

السورة مكية ، وكان نزولها بعد القدر ، وآياتها خمس عشرة ، وترتيبها فى المصحف الواحدة والتسعون ، وفى التنزيل السادسة والعشرون ، واسمها «الشمس» من قوله تعالى استفتاحا للسورة : (وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (٨) ، يقسم بها ، من باب تعديد آياته تعالى الكونية ، إثباتا لوجوده تعالى كخالق لهذا الكون المعجز ، وتأكيدا لوحدانيته ، فالذى قدر أن يخلق كل هذه الآيات العظيمة ، فهو أيضا يقدر أن يخلق هذه النفس الإنسانية العجيبة ، والإعجاز فى خلقها كالإعجاز فى خلق الشمس والقمر ، والضحى والنهار والليل ، والسماء والأرض ، ويخبر أن النفس بفطرتها سوية ، وأنه ألهمها الفجور والتقوى ، فلها أن تختار بينهما فى حرية ، ولها إرادة الاختيار ، وقوة المفاضلة ، فمن يزكّى نفسه ويطهرها بالتقوى والأخلاق والحق ، فقد فاز وأفلح ، ومن يدسّ نفسه ويحقّرها بالكفر والعصيان ، واتّباع الباطل ، والأخذ بالرذائل ، فقد خاب ونقص من عداد العقلاء الأذكياء ، وانضاف إلى الجهلة الأغبياء. والسورة إذن تنقسم ثلاثة أقسام ، فالقسم الأول : عن الآيات الكونية ، ومجاله علوم الفلك والفيزياء والجيولوجيا والفضاء الخارجى ، ويؤسّس لعلم إسلامى يشمل هذه البحوث من منطلق إيمانى ، فمن العلماء من يتعلم للعلم ، ولكى يقال إنه عالم وأنه سبق غيره ، ولكن أهل الفلسفة دائما يتساءلون بعد أن يحوزوا العلم ، ويتبحروا فيه : فما ذا بعد؟.So What فالعالم يبلغ بالعلم أرقى المدارج فى سلّم الخلق ـ إلا سلّمة واحدة تتبقى له ، وهى أن يعرف ربّه بعد أن عرف أسبابه فى الكون ، وإلا فعلمه عقيم. ومدارج الرقى أعلاها مدرج الإنسان العارف بالله Homo religiosus. والسورة تنبّه أهل العلم ليقفزوا القفزة الأخيرة ، ويظفروا بأنفسهم إلى خاتمة كل معرفة : وهى المعرفة بالله. وعلوم الكون من فيزياء وفلك وچيولوچيا وفضاء ... إلخ علوم مادية (فيزيائية) ، وأعلى العلوم هو العلم بالنفس ، ولذا يأتى فى السورة كعلم متمم وخاتم ، والقرآن كما يؤسس لعلم الظاهر أو العلوم الفيزيائية ، من جهة نظر إيمانية ، فإنه يؤسس لعلم نفس إيمانى وهذا هو موضوع القسم الثانى من السورة. فأما القسم الثالث : فهو يضرب المثل بناقة صالح من قوم ثمود ، فكأن القسمين الأوّلين تذكير للخاصة من أهل العلم ، وكأن القسم الثالث لإفهام العامة بطريقة الأمثال. وقصة الناقة بالنسية للعامة من القصص الرمزى ، وأما الخاصة ـ وهم أهل التقوى ـ فإنهم يؤوّلونها ، فالناقة هى النفس ، والتعليم الإلهى بإزائها أن لا يفسد الإنسان فطرتها ، وأن

٨٠٠

يكون عيشها فى الحياة بحسب ما خلقها الله ، فالصانع أعرف بما صنع ، وبما يصلحه ؛ وعقر النفس : هو ذبحها بالعصيان والكفر ، واتباع الهوى ، والميل عن الحق ، والأخذ بالطغيان ، والإنسان «حرّ» إزاء الخير والشر ، والحق الباطل ، والإيمان والكفر ، وله أن «يختار» أيهما ، فحينئذ يكون قد «اختار فى حرية» ، ويصير «مسئولا عن اختياره» ، فإذا جوزى بالعقاب ، فهو عن جدارة ، وعقاب الله هو العقاب ، والله يسأل عباده ولا يسأل ، وينزل العقاب بالمسىء ولا ينزّل به عقاب سبحانه ، لأنه تعالى الحق : فلمّا كان الله كانت القيم. وفائدة السورة : أن من يطهّر نفسه عن الذنوب والعيوب ، والأعواض والأغراض ، ويبعدها عن الاعتراض ، فإنه يتطهّر ويرقى ويفوز ، وهو «الإنسان» حقا وصدقا ؛ ومن يخون قانون صنعة نفسه ، ويدنّس طبيعتها ، ويهمل المعانى ويزدرى القيم ، وتستغرقه المظالم إلى حدّ أن يغرق سفينة نفسه فى بحر الشقاء ، فهو الخائب.

ومن مصطلحات السورة : (ثَمُودُ بِطَغْواها) (١١) ذهبت مثلا ، كأن نقول : «أمريكا بطغواها» أو «إسرائيل بطغواها» ؛ وفي قوله : (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها) (١٢) وروى أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سأل : «أتدرون من أشقى الأوّلين؟» وأجاب «عاقر الناقة». قيل : كان اسمه قدار بن سالف ، فصار مثلا عند أهل علم النفس الإسلامى ، لأنه عقر نفسه التى هى ناقة الله ، وقلّده قومه فعقروا نفوسهم مثله لمّا وافقوه على رأيه وفعله. وفى الأدب السياسى الإسلامى يضرب بعاقر الناقة المثل للطاغية ، وقوله تعالى : (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (٨) وإلهام النفس هو تعليمها التمييز بين الخير والشرّ ، وإرشادها. والآية جواب على الجبرية والقدرية الذين يقولون يأن الإنسان لا يفعل إلا ما قدّره الله له وقضى به ، وأنه مجبور عليه. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يرجع إلى هذه الآية والسورة كلها فى دعائه : «اللهم آت نفسى تقواها ، وزكّها أنت خير من زكّاها ، أنت وليّها ومولاها». وفى الرواية عن عائشة أنها افتقدت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من مضجعه فلمسته بيدها فى الظلام ، فوقعت عليه وهو ساجد يدعو : «ربّ أعط نفسى تقواها ، وزكّها أنت خير من زكّاها ، أنت وليّها ومولاها» أخرجه أحمد.

وفى سورة «الشمس» تكثر المتقابلات ، ومنهج القرآن هو منهج يقوم على الجدل بالمتقابلات ، والسورة نموذج لهذا المنهج الجدلى ، أو منهج المتقابلات ، كقوله : الشمس كمقابل للقمر ، والفجور كمقابل للتقوى ، وقوله : (وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها) (٣) ، كمقابل لقوله : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها) (٤) وقوله : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) (١٠) ، والله أعلم ، وله الحمد والمنّة.

* * *

٨٠١

٦٧٤. سورة الليل

السورة مكية ، ولذلك تعتنى بإثبات وجود الله ، وبيان صفاته ، كشأن السور المكية ؛ وآياتها إحدى وعشرون آية ، فتعدّ من قصار السور ، وترتيبها فى المصحف الثانية والتسعون ، وفى التنزيل التاسعة ، وكان نزولها بعد سورة الأعلى ، وموضوعها : بيان حال الإنسان فى الإيمان والكفر ، ومآله فى الحالين. ويبدأ الجزء الأول بالقسم ببعض الآيات الكونية ، بما يفيد قدرته تعالى ، والقدرة صفة فعلية من صفاته ، وتشير إلى ذاته ، وليس أوضح من آيتى الليل والنهار : كآيتين للزمان ، وآيتى الذكر والأنثى : كأصل لكل حياة ، ولتباين الأنواع والأجناس وليس ألزم للحياة من الليل والنهار ، فالليل لباس ، والنهار معاش ، وليس ألزم للحياة من أن تكون الكائنات والمخلوقات بها ذكورا وإناثا للتكاثر وصنع الأجيال ، ومع أنه لا يتشابه ليل مع نهار ولا نهار مع ليل ، ولا يتماثل ذكر مع أنثى ، ولا أنثى مع ذكر ، فقد جعل بين هذين التوالى ، وبين هذين الوفاق ، فليس عجيبا أن يكون القسم بهما قسما عظيما ، وجواب القسم هو قوله تعالى : (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) (٤) ينبّه إلى حقيقة من حقائق الحياة. وبهذا الجواب يبدأ الجزء الثانى من السورة ، ويؤكد أن المساعى فى الحياة متباينة ، والأعمال شتى ، وكذلك اعتبارات كل إنسان تتباين وتتفارق عنها عند غيره من الناس ، وقد يكون أحد الناس مؤمنا بينما يكون الآخر كافرا ، وقد يكون عاصيا ، والآخر مطيعا ، وقد يكون هذا جزاؤه الجنة ، والآخر عقابه النار. وفى هذا الجزء يتضح المنهج الجدلى فى القرآن الذى قوامه المتقابلات ، فمن يعطى وينفق ويتقى ويصدّق بالحسنى تتيسر له اليسرى ، يقابله من يبخل ويستغنى ويكذّب بالحسنى فتتيسر له العسرى ، والله تعالى يهدى ويرشد ويخبر عن الطريقين : اليسرى والعسرى ، ويوضح الحالتين ، حتى إذا حاسب كان حسابه العسير ، ومن يتردّى فى النار فما يغنيه عنه ماله الذى كان يبخل به ، وهو تعالى مالك الدنيا والآخرة ، وإن يشأ يعذّب من يستحق فى الدنيا أو فى الآخرة. ثم يكون القسم الثالث من السورة : وفيه النذارة للأشقى : وهو الذى كذّب بالرسل وبالبعث والحساب ، وأعرض عن الإيمان ، فذلك له النار تلظّى ، وسيتجنّبها الأتقى : وهو الذى يؤتى ماله يتزكّى ، ليس لأن الغير لهم عنده أياد ، وإنما لوجه الله ، ولسوف يعطيه الله فى الآخرة إلى أن يرضى ، ووعده كريم لأنه ربّ رحيم. وفى الحديث : «لا يدخل النار إلا شقىّ» ، قيل : ومن الشقى؟ فأجاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الذى لا يعمل بطاعة ، ولا يترك لله معصية» ، وقال : «كل أمّتى تدخل الجنّة يوم القيامة إلا من أبى» قالوا : ومن يأبى يا رسول الله؟ قال : «من أطاعنى دخل الجنة ، ومن عصانى فقد أبى». وقيل فى السورة : إنها نزلت فى أبى

٨٠٢

بكر حينما رأى بلالا يعذّب فاشتراه ليعتقه ، فقال المشركون : إنما اشتراه ليد كانت له عنده ، فذلك قوله تعالى : (وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى) (٢١).

ومن المصطلحات فى السورة : «الحسنى» فى قوله تعالى : (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) (٦) ، وقوله : (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى) (٩) وهى الخلف من الله على عطائه ؛ وقيل : هى قول «لا إله إلا الله» ؛ وقيل : هى الجنة ، ودليل ذلك قوله : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) (يونس ٢٦) ، والحسنى هى الجنّة ، و «اليسرى» ، كقوله : (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) (٧) قيل هى الجنة ، وقيل : هى أسباب الخير والصلاح. ولمّا سألوه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا رسول الله ، أفلا نتّكل ، فمن كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة ، ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء؟ قال : «بل اعملوا ، فكل ميسّر ، أمّا من كان من أهل السعادة فإنه ييسّر لعمل السعادة ، وأمّا من كان من أهل الشقاء فإنه ييسّر لعمل الشقاء» ، ثم قرأ : (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) (١٠) ؛ «والعسرى» نقيض اليسرى ، فإذا كانت اليسرى هى الخير ، فإن العسرى هى الشّر ، وإن كانت اليسرى هى الجنة ، فالعسرى هى النار. وسئل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن العمل الذى يتيسر ، هل هو العمل الذى جفّت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فى شىء يستأنف؟ فقال : «بل فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير» ، قيل : ففيم العمل إذن؟ قال : «اعملوا فكل ميسّر للعمل الذى خلق له» ، قيل : فالآن نجدّ ونعمل. والسورة إذن تحضّ على العمل والعطاء : بأن يعمل الميسور ويعطى ويبذل للمعسر ، وأن يعمل الصادق ويعطى الصدق من قلبه ، وفى الحديث أن دعوة الملائكة : «اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا تلفا». وفى قوله : (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) (١٠) قد يسأل السائل : هل فى العسرى تيسير؟ والجواب : أن ذلك كما فى قوله : (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) (٢١) (آل عمران) ، فالأصل فى التيسير وفى البشارة أنها للمفرح والسّار ، فإذا جاء التيسير فى الكلام لحالين متقارنين أحدهما خير والآخر شر ، فمعنى ذلك أن التيسير لكليهما ، وكلاهما ميسّر لمن يطلبه ، ولكلّ أن يختار ما يشاء ، وهو مسئول عن اختياره ، نسأل الله الهداية وحسن المآل ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٧٥. سورة الضحى

السورة مكية ، نزلت بعد سورة «الفجر» ، وآياتها إحدى عشرة آية ، وترتيبها فى المصحف الثالثة والتسعون ، وفى التنزيل الحادية عشرة ، قيل : احتبس الوحي عن النبىّ

٨٠٣

صلى‌الله‌عليه‌وسلم مدة طالت قليلا ، فقال المشركون : إن محمدا ودّعه ربّه وقلاه! ولو كان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء! فنزلت هذه السورة تقول : (وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) (٥) وتتناول النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وشخصيته ، وما آثره الله به ، وما أنعم عليه من الفضل فى الدنيا والآخرة. والسورة أجزاء تترى وتتكامل ، ففي الجزء الأول : يقسم الله تعالى على جلال قدر نبيّه بالضحى ، وبالليل إذا سجى ، وكلاهما من الزمان ، وهما آيتان من آياته العجيبة والعظيمة ، فربما أن المعنى : أنه تعالى على مرّ الأيام وكرّ الليالى لن يودّع محمدا ، ولن يقليه أى يبغضه ، وربما المعنى : أنه مثلما الليل الساجى ، والضحى يكون أول النهار وفيه الهدأة والسكون ، فكذلك محبة الله لنبيّه هى المحبة المستقرة. ويقال «سجا الليل» يسجو إذا سكن ودام ، وربما المعنى من قوله تعالى : (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى) (٨) ، هو التنبيه إلى حال من يؤمن بالله ، فإنه تعالى يضمه إليه ، ويهديه ، ويغنيه ، ويحوطه ، وينصره ، ويرفع من قدره ويوقّره ، ويكفّ عنه أذى الناس ، فهكذا فعل مع نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم مما نعلمه من تاريخه وسيرته ، فآواه أهله وانتصروا له ، ثم استقبله الأنصار مهاجرا فآووه ونصروه ، وكان حاله فى الدين حال الضال الحائر فهداه وأنعم عليه بالإسلام ، وحاله فى المال حال المعوز الفقير المحتاج ، فأغناه عمّن سواه ، وجمع له بين مقامى الفقير الصابر ، والغنى الشاكر. واليتيم الذى كانه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الوحيد المفرد بسبب يتمه ، والعرب يصفون كل شىء يعزّ النظير له بأنه يتيم ، كقولهم : درة يتيمة ، إذا لم يكن لها مثل ، ويكون مجاز الآية أنه تعالى وجده فريدا فى الشرف والخلق ، لا نظير له ولا مثيل ، فآواه بأصحاب يحفظونه ويحوطونه. وأما قوله : (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) (٧) فهو أيضا من باب قوله : (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ...) (٥٢) (الشورى) ، فالضلال بالمعنى المعروف ما كان للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى يوم من الأيام ، فما سجد لصنم ، ولا أشرك بالله ، وكان على حنيفية إبراهيم ، وإنما الضلال أنه كان قبل البعثة يسأل متحيرا ، ويطلب المعرفة ، وأنه بالبعثة وبالقرآن عرف وتعلّم وصار يعلّم. وفى قوله : (وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى) (٨) ، فبالمعنى الحسّى : ان خديجة أغنته ؛ وبالمعنى المعنوى : أنه تعالى وجده فقير النفس فأغنى قلبه ، وفقيرا من الحجج فأغناه بها ، ولم يكن عنده كتاب يرجع إليه ، فزوّده بكتاب ، وكذلك كان الجزء الثالث من السورة : وصية من ثلاثة بنود ، مقابل النّعم الثلاث التى أنعم بها عليه : (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (١١) ، فكانت

٨٠٤

بها خاتمة السورة ، وختامها مسك. وفيها خصّ اليتيم بأول وصية ، لأنه إنسان لا ناصر له إلا الله ، فغلّظ فى أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه ، وليس فى أى كتاب سماوى بخلاف القرآن مثل هذه الرعاية التى لليتيم ، ولا تكلم نبىّ سوى نبيّنا بمثل ما تكلّم به فى اليتمى ، وانظر إلى النهى القرآنى عن قهر اليتيم ، واختياره لكلمة «قهر» يعنى الشدّ عليه والتغليظ له وزجره ، فلا يجد من يشكو إليه ويحنو عليه ، فيغلب على أمره ، وينكسر قلبه ، وتعاف الحياة نفسه. وفى الحديث يعالج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قسوة القلب عند الناس فيقول ناصحا : «إن أردت أن يلين قلبك فامسح رأس اليتيم ، وأطعم المسكين» ، ولأنه كان يتيما قال : «أنا وكافل اليتيم ، كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى ، والكافل : هو القائم بالأمر من نفقة وكسوة وتربية وتأديب. وكان صلى‌الله‌عليه‌وسلم أدرى الناس بحال اليتيم ـ ولا يحدّثك مثل خبير ، فقال : «إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن ، فيقول الله لملائكته : يا ملائكتى ، من ذا الذى أبكى هذا اليتيم الذى غيّبت أباه فى التراب؟ فتقول الملائكة : ربّنا أنت أعلم. فيقول الله تعالى لملائكته : يا ملائكتى! اشهدوا أن من أسكته وأرضاه ، أن أرضيه يوم القيامة». وثانية الوصايا : النهى عن نهر السائل ، وفى الحديث : «لا يمنعن أحدكم السائل» ، والحديث : «ردّوا السائل ببذل يسير أو ردّ جميل» ، أو أن المراد بالسائل : الذى ينشد المعرفة والعلم ، والردّ عليه فرض على العالم ، كإعطاء سائل البرّ سواء. وثالثة الوصايا : النشر عن أنعم الله ، والتحدّث بها بالشكر والثناء. وفى الحديث : «من أعطى خيرا فلم ير عليه ، سمى بغيض الله ، معاديا لنعم الله». وقال : «من لم يشكر القليل ، لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس ، لم يشكر الله ، والتحدّث بالنعم شكر ، وتركه كفر ، والجماعة رحمة ، والفرقة عذاب». والخطاب فى السورة حول الوصايا الثلاث للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولكن الحكم عام له وللمسلمين.

وقد يقال فى اهتمام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم باليتيم كما يقول التحليل الطبى النفسى : أن دافعه إليه كان يتمه هو نفسه ، فقد نشأ يتيما خالص اليتم ، سواء من الأب أو من الأم ، فالأب مات وهو بعد فى بطن أمه ، والأم ماتت وهو فى نحو السادسة ، وكفله جدّه ، وكان من الممكن أن يعوّضه عن أبويه ، فالجدود بهم حنان وعطف على أحفادهم خاصة ، ولكنه مات كذلك والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الثامنة ، فصار إلى عمّه أبى طالب يكفله ، وكان بيته يعجّ بالنساء والأولاد ، والكل مشغول بنفسه ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعيش فى وحدة ، ويفتقد أن يحادثه أحدهم ، أو يقول له كلمة حب ، أو يرعاه بكساء أو طعام ، حتى تعقّدت نفسه من اليتم ، وتحصّلت له منه «عقدة نفسية» ، دار حولها سلوكه ، وكان يتصرّف بدافعها. غير أن العقد النفسية تجعل من أصحابها شخصيات جامدة ، وتصنع منهم مرضى نفسانيين ، وما

٨٠٥

كانت أقواله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا أفعاله تتسم بشيء من الشذوذ ، والعقد مجال بحث علم نفس الشواذ ، وفى حالة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فإن مجال البحث فى شخصيته هو علم النفس التكاملى ، وهو فرع الطب النفسى المعنىّ بدراسة العظماء والأولياء والأنبياء ، وجميعهم من الشخصيات السوية ، بل إن استواءها ليزيد عن استواء الحدّ العادى ، حتى وصف بأنه استواء يتجاوز الطبيعى super normal ، ونقيضه الشاذabnormal ، أو شبه الشاذsubnormal. وهذه التفرقة هى التى لم يدركها المستشرقون ، وما علموا بها ، فاتسمت كتاباتهم فى «العقدة النفسية» عند الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالسطحية ، والجهل الشديد ، والتعنّت والتحريف البغيض ، ولعل هذه السورة خير الردود عليهم ، وإنى لأعتبرها مثلا حيّا فى نوع الكتابة عن الشخصية المتكاملةintegrated personality. وتكامل شخصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو الذى جعله يتحدث عن نعم الله عليه ويشكرها ، وفى الحديث عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «واجعلنا شاكرين لنعمتك ، مثنين بها عليك ، قابليها ، وأتمّها علينا». وما علمنا فى تاريخ الطب النفسى عن إنسان معقّد شاذ يشكر على النعمة ويدعو للشكر عليها. ومن هذه السورة المباركة تعلّم المسلمون : أن من شكر النّعم أن يحدّثوا بها ؛ ولما نزلت سورة الضحى وفيها : (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (١١) كبّر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ربّه فرحا وسرورا ، ومن ثمّ يستحب عند قراءة السورة التكبير فى آخرها ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٦٧٦. سورة الانشراح

السورة مكية ، نزلت بعد سورة «الضحى» ، وآياتها ثمان ، وترتيبها فى المصحف الرابعة والتسعون ، وفى التنزيل الثانية عشرة ، وهى سورة «الانشراح» وسورة «الشّرح» أيضا ، من استهلالها بقوله تعالى : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (١) ، وهو تقرير وإن كان فى شكل استفهام. و «لم» فى الآية جحد ، وفى الاستفهام طرف من الجحد ، وإذا وقع الجحد ، رجع إلى التحقيق ، كقوله تعالى (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) (٨) (التين) ، يعنى أنه تعالى أحكم الحاكمين ، وكذا قوله : (أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ) (٣٦) (الزمر) ، يعنى أنه تعالى يكفى عبده.

وتعدّد السورة نعمه تعالى على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتذكر منها ثلاث نعم كبرى ، الأولى : أنه تعالى شرح صدره للإيمان ، أو للإسلام ، كقوله : (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) (٢٢) (الزمر) ، أو شرحه للعلم والحكمة والعرفان ؛ والثانية : أنه وضع عنه وزره الذى أنقض ظهره ، وحطّ عنه ذنوبه ، ورفع عن كاهله عبء معاناتها ، وأسقط عنه

٨٠٦

الخطأ والنسيان ؛ والثالثة : أنه رفع له ذكره ، فلا يذكر اسمه تعالى إلا وذكر معه اسم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، سواء فى التشهّد ، أو الأذان ، أو الإقامة ، أو يوم الجمعة على المنابر ، أو أيام الفطر ، والأضحى ، والتشريق ، وعرفة ، وعند رمى الجمار ، وعلى الصفا والمروة ، وفى خطبة النكاح ، وعند النسيان ، وعند الغضب ، إلخ ، كقوله الشاعر :

وضمّ الإله اسم النبىّ إلى اسمه

إذا قال فى الخمس المؤذن أشهد

وشقّ له من اسمه ليجلّه

فذو العرش محمود وهذا محمد

وهذه النعم الثلاث قدّمت للسورة ، تسلية وتأنيسا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لتطيب بها نفسه ، ويقوى رجاؤه ، وليؤكد له أنه وقد أكرمه كل هذا الكرم ، لا يمكن أن يتخلّى عنه ، وسيظهره على أعدائه ، وسينصر دينه ، ويبدّل العسر الذى هو فيه ، بيسر قريب ، كقوله : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (٦) ، وقيل : العسر الأول هو نفسه الثانى ، وأما اليسر فتعدّد ، والعسر الواحد لا يغلب يسرين ، وهذا المعنى مدخول ، لأنه يجيء على منوال ذلك إذا قال أحدهم : «الجندى معه سلاح ، الجندى معه سلاح» ، فقد يظن أن هناك جنديا واحدا وسلاحين! وإنما معنى التكرار للآية ، أن العسر الأول : متعلقة بالدنيا ، وله يسره الذى يرفعه ، والعسر الثانى : عسر الآخرة ، وله أيضا يسره الذى يغلبه. ويسر الدنيا قد يكون لغير المؤمن وقد يكون للمؤمن ، وأما يسر الآخرة فهو للمؤمن فقط ؛ ومع أن الخطاب فى السورة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. إلا أن معناه يصبح قضية عامة تخصّ جميع المؤمنين فى أى مكان وزمان. وصارت الآية القرآنية مما يضرب به المثل فى الملمّات والشدائد انتظارا للفرج من الله. فاستحق أن يأتى ختام السورة بوصيّة أخرى للمؤمن أيضا ، كما هى للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تقول : (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (٨) ، يعنى أن نعطى الدنيا الاهتمام الواجب لها ، ولكننا إذا فرغنا منها ، فلنتفرغ لأعمال الآخرة من الصلاة والعبادة ... إلخ ، وبعد أن يفرغ من أمور الخلق ، فلنتفرّغ لفروض الخالق. ورحم الله من قال :

صبرا جميلا ما أقرب الفرجا

من راقب الله فى الأمور نجا

من صدّق الله لم ينله أذى

ومن رجاه يكون حيث رجا

* * *

٦٧٧. سورة التين

السورة مكية ، نزلت بعد سورة «البروج» ، وآياتها ثمان ، وترتيبها فى المصحف الخامسة والتسعون ، وفى التنزيل الثامنة والعشرون ، وقوامها أربعة أقسام ، والأول عبارة عن قسم ،

٨٠٧

يقول تعالى : (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (٣) ، والتين والزيتون شجرتان مباركتان ، ففضلا عن أن التين فاكهة من فواكه الجنة ، فإن آدم وحواء خصفا عورتيهما بأوراقه (الأعراف ٢٢) ؛ وأما الزيتون فقد قال تعالى فيه : (شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ) (٣٥) (النور) ، وقال : (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) (٢٠) (المؤمنون) ، ودهن الزيتون زيته ، وهو من أحلى الزيوت وأنفعها ، ويصطبغ به الأكل ، وفى الحديث : «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة» ، ومن دهنه علاج للأمراض ، كأوجاع الظهر ، والركبتين ، واليدين ، ووجع الرقبة والجروح والقروح ، والبرد فى الصدر. وخصّ طور سينين ـ أى سيناء ـ بالتين والزيتون لأنهما أول ما نبتا كانا فى طور سيناء. وقيل ربما الزيتون إشارة إلى مدينة بيت المقدس التى بعث الله تعالى فيها عيسى ، والتين إشارة إلى طور سيناء أو سينين ، وهو الجبل الذى كلّم الله عليه موسى ، وأما و «البلد الأمين» فهو مكة ، ومن دخله كان آمنا ، وفى مكة أرسل صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهبط عليه الوحى بالقرآن ، وفيها بنى إبراهيم وإسماعيل الكعبة ، فهذه ثلاثة أماكن مقدسة ، رتبت بحسب معانيها الرسالية ومكانة أنييائها الوجودية ، فأقسم بالأشرف ، ثم الأشرف منه (وهو الزيتون أو بيت المقدس) ، ثم بالأشرف منهما (وهو مكة) ، وفى ذلك المعنى من أقوال أسفار اليهود : جاء الله من طور سيناء (حيث كلم موسى) ، وأشرق من ساعير (يعنى جبل بيت المقدس) ، واستعلن من جبال فاران (ويأولها المسلمون بأنها جبال مكة حيث أرسل محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم). والقسم الثانى من السورة به جواب القسم ، يقول : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (٦) ، يخبر بأن الإنسان أحسن خلق الله باطنا وظاهرا ، فهو الجميل الهيئة ، البديع التركيب ، ولا شىء من المخلوقات أجمل منه ولا أحسن ، والله خلقه عالما ، قادرا ، مريدا ، متكلما ، سميعا ، بصيرا ، مدبّرا ، حكيما ، وهذه من صفات الربّ سبحانه ، وعنها جاء القول المشهور : «إن الله خلق آدم على صورته» ، يعنى على صفاته تعالى ، فإن قيل على هيئته وشكله وسمته ، فإنا نقول : ومن أين تكون لله صورة متشخّصة؟ فلا يتبق إلا أن تكون «على صورته» يعنى أنه على صفاته. ثم إن الله يردّ الإنسان إلى أرذل العمر ، أو أنه بحكم وجوده فى الدنيا تثقله الخطايا ، ويتدنس ويتنجّس ـ وهو معنى «أسفل سافلين» ، أو أن معناها أنه يردّ إلى الضلال كما فى قوله : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) (٣) (العصر) ، أى إلا هؤلاء فلا يردّون إلى أسفل سافلين. وفى الجزء الثالث والأخير من السورة ، يتوجّه الخطاب إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ،

٨٠٨

يتساءل : فمن بعد ذلك يمكن أن يكذّبك بالدين يا محمد ، أو يا أيها الإنسان؟ يواسى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين عبر الأزمان ويسليهم ، يقول : استيقن مع ما جاءك من الله ، أنه تعالى أحكم الحاكمين ، قضاء بالحق ، وعدلا بين الخلق. ومع أن «ليس» للنفى ، إلا أنها مع ألف الاستفهام : «أليس» ، يصبح المعنى بالإيجاب ، يعنى هو أحكم الحاكمين فعلا. وقيل : إن «فما يكذّبك بعد بالدّين» مجرد نفى لأن يستطيع أحد تكذيبه فى القول بالبعث والحساب ، وقيل : إن هذه الآية نسخت بآية السيف ـ هكذا أطلقوا عليها ، وهى التى تقول (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (٥) (التوبة) ، غير أن آية التكذيب لها معناها ومجالها ، وآية القتال لها أيضا معناها ومجالها ، ولا تنسخ إحداهما الأخرى.

* * *

٦٧٨. سورة العلق

وهى أيضا سورة «اقرأ» ، قيل آياتها الخمس الأولى (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) ، وهى أول ما نزل من القرآن فى مكة على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأول أمر إلهى يصدر للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، بأن يذكر التسمية فى ابتداء كل سورة ؛ وأول علم لدنىّ يتعلّمه من السماء ؛ وأول إعلان عالمى يصدر إلى بنى البشر يأمر يمحو أمّيتهم ، ويأمر بأن يتعلموا المسلم القراءة والكتابة ؛ وأول بلاغ يدحض كذب المدّعين من اليهود والنصارى بأن الإنسان لا يعدو أن يكون حيوانا كقول أرسطو مثلا أو دارون. ولقد رفض إبليس أن يطيع أمر الله بأن يسجد لآدم ، لبديع صنعه تعالى فيه ، بدعوى أن آدم من تراب ، والتراب أخسّ العناصر ، فيكون آدم وبنوه أخسّ المخلوقات! والسورة تردّ على إبليس صاحب هذه الدعوى وعلى العلماء من حزبه ، وهى أول بلاغ علمى بأن الإنسان مخلوق من حيوان منوى (علقة) ، وما كان الناس أيام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم (القرن السادس الميلادى) يعرفون هذه الحقيقة ، وما كانوا يبصرونها أصلا ، وما علموا بها إلا بعد اختراع الميكروسكوب فى القرن التاسع عشر ، وهذا الإعلان الذى تضمنته السورة هو أول إعجاز علمى يطرحه القرآن ، وكأنه يعلن على البشرية أن الكتب السماوية قبله كانت أساطير بسبب تحريفها ، وأن هذا الكتاب ، أى القرآن ، ابتداء من هذه السورة ، سيكون كتابا للعلوم لسائر العصور ، ولكل الأزمان. وهذه الآيات الخمس الأولى تؤسّس لعلم الحضارة ، وتقيمه على القراءة والكتابة والعلوم ، وبهذه النعم الثلاث يكون الله تعالى بكرمه وإحسانه ، قد أكرم الإنسان كل الكرم ، وأخرجه من حالة الخسّة إل حالة الرفعة ، وهو ما حسده عليه إبليس ، وهذه الرفعة فى الإنسان هى ما استوجب أن تسجد له

٨٠٩

الملائكة ، وما كانت تسجد لآدم كآدم ، فمن اسمه أنه من الأديم أى التراب ، ولكنها سجدت للعلم ، كقوله تعالى : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (٣٣) (البقرة) ، فكأن آدم تعلّم مباشرة عن الله ، وهو تعالى العليم الحكيم ، فصار هو أيضا عليما حكيما بالتبعية ، فذلك ما سجدت له الملائكة فى آدم ، وهو أول درس يتعلمه محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكأنه آدم آخر ، وشتّان بينهما ، فآدم الأول عهد الله إليه : (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (١١٥) (طه) ، وآدم الثانى ـ نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ عهد إليه فأوفى ، وكان من أولى العزم ، وأول الآيات التى تنزلت عليه كانت للعلم ، وكانت بمثابة المقدمة الضرورية ، وتلتها أربع عشرة آية (السورة كلها ١٩ آية) نزلت من بعد الخمس ، وتشكّل أول تعاليم الرسالة المحمدية ، فإن كان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سيتعلم العلم عنه تعالى ، فإنما ليعلّمه بدوره وليس ليختزنه ، فالعلم المختزن هو العلم العقيم. ورسالة الإسلام : إذن : هى التعليم ونشر العلم ، ومن يعلم العلم الحقّ يعبده تعالى ويوحّده عن حقّ. وأول سطر فى الرسالة : أن الإنسان بعد أن خلقه الله وأضفى عليه من النّعم وكرّمه ، استكبر على ربّه وطغى ، فقد صار غنيا وذا مال ، فأشر وبطر ، ونموذجه فى السيرة أبو جهل ، يقابله أبو بكر فقد تعلم ووعى الدرس فآمن وتواضع لله وأنفق ماله فى سبيل الله ، وشتّان بين النموذجين.

فلما أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتبليغ قام خطيبا فى عشيرته الأقربين ومنهم أبو جهل ، فسخر من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وسخّفه ، ولما رآه يصلى نهاه ، والآية : (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى) (١٠) تعجب من حال أبى جهل ، ويصفه تعالى بالطغيان ، وكان يتباهى ويقول : لئن رأيت محمدا يصلى لأطأنّ عنقه! ـ وكان الأولى بهذا الدعىّ أن ينظر فيما أتى به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما ذا تعنى صلاته؟ وما ذا يقول فيها؟ وهل كان يحضّ على التقوى؟ ولكنه أعرض عن أن يفكر ، وآثر إلا أن يكذب ، ورفض أن يسمع وتولّى ، وكل ذلك فى أبى جهل ولكنه أيضا يسرى على كل من يؤذى المؤمنين ويعطل الدعوة ويقبّح الإسلام ، ويسجن الداعين ، ويحظر على المسلمين أن يأخذوا بالجانب الإيجابى من دينهم ، ويريدهم أن لا يروا فى الإسلام إلا الجانب الطقوسى أو العبادى ، وأن يسقطوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والنصح بالتى هى أحسن ، والجهاد بالحوار والكلمة الطيبة ، إلا إذا أخرج المسلمون من ديارهم وأوذوا فى دينهم فعندئذ فقط يتوجب عليهم أن يقاتلوا فى

٨١٠

سبيل الله. والله ينذر الطاغية إن لم ينته سيأخذه أخذ عزيز مقتدر ، ومهما استنفر ناديه وعسكره وأنصاره فمآله الخسران. وتختم السورة بالأمر للنّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم خصوصا والمسلمين عموما ، فى حالات الاضطهاد ، أن لا يطيعوا ما يدعوهم الطاغية إليه ، وأن يتوجهوا لربّهم دائما مصلّين ساجدين ، ويتقرّبوا إليه بالدعاء ، لعل الله يأتيهم بالفرج والخلاص. والحمد لله دائما وأبدا.

* * *

٦٧٩. سورة القدر

السورة مكية ، وآياتها خمس ، وكان نزولها بعد سورة «عبس» ، وترتيبها فى المصحف السابعة والتسعون ، وفى التنزيل الخامسة والعشرون ، وتتحدث عن نزول القرآن فيها ، وكأنما القرآن تنزّل سورة واحدة ، ويأتى فى الآية : (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) (١٨٥) (البقرة) ، أنه تنزّل فى رمضان ؛ وفى الآية : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ) (٣) (الدخان) : أنه تنزّل فى ليلة واحدة وكانت لذلك ليلة مباركة ؛ وفى الآية : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) (١) (القدر) : أن هذه الليلة كانت ليلة القدر ، وقيل : كان نزول القرآن كالسورة الواحدة أو الجملة الواحدة ، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، ثم كان جبريل ينزّله على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نجوما نجوما ، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة. وفى سورة القدر تتكرر «ليلة القدر» ثلاث مرات تشريفا وتعظيما لها ، وسمّيت «ليلة القدر» ، لأن الله تعالى يقدّر الأمور فيها إلى مثلها من السنة القابلة ؛ أو لأن الطاعات فيها لها قدر كبير وثواب جزيل ؛ أو لأن القرآن نزل فيها وهو الكتاب ذو القدر ، ونزل به ملك ذو قدر ، على رسول ذى قدر ، وأمّة ذات قدر ؛ أو لأن الله تعالى يقدّر فيها الرحمة على عباده. وقوله فيها : (وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) (٢) فكل (وَما أَدْراكَ) فى القرآن يعنى «هو يدرى به» ، وهى استفهام بغرض التفخيم والتعظيم ؛ وفى أسباب نزولها ، قيل : إن رجلا من بنى إسرائيل لبس السلاح وجاهد فى سبيل الله ألف شهر ، يعنى أكثر من ثلاث وثمانين سنة! وهو قول يتّضح من أوله أنه من الإسرائيليات ، قيل : وعجب النبىّ والمسلمون من القصة ، وتمنّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأمته مثل ذلك العمر الطويل ، فقال : «يا ربّ ، جعلت أمتى أقصر الأمم أعمارا وأقلها أعمالا» ، وهذا قول آخر يثبت أن الحكاية ملفقة ومزوّرة على الإسلام! قيل : فأعطاه الله ليلة القدر! يسأل المسلمون الله فيها ما يشاءون! يعنى يكون لهم ما يشاءون بالدعاء وليس بالكسب والتحصيل وصالح الأعمال ، وهو معنى ليس حسنا. ومع كلّ فإن ليلة القدر على الصحيح من أكثر الليالى بركة لما اختصت به من الفضل من ثلاثة

٨١١

أوجه : فهى أولا : خير من ألف شهر ، يعنى هى بكل أعمار الأمم الأخرى ، والعمل الصالح فيها بكل الأعمال الصالحة بها فى ألف شهر ، يعنى أن يكون المسلم فيها فاعلا نشيطا إيجابيا ، وليس سلبيا يأخذ من غير استحقاق. وقوله ألف شهر لأن العرب تذكر الألف فى غاية الأشياء ، كما فى قوله تعالى : (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) (٩٦) (البقرة) ؛ وهى ثانيا : تتنزّل الملائكة والروح فيها بكل الأمور التى يقدرها الله ؛ وهى ثالثا : سلام على كل الناس من أول الليل حتى طلوع الفجر. وفى موعدها قيل : هى الليلة السابعة والعشرون أو التاسعة والعشرون ، أو أنها فى العشر الأواخر من رمضان ، وفى وتر ، ربما فى الليلة الثالثة والعشرين ، أو الخامسة والعشرين ؛ وقيل هى تنتقل فى العشر الأواخر ؛ وقيل : لا تنتقل. وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعتكف فى العشر الأواخر ؛ وسألته عائشة : إن وافقت ليلة القدر ، فما أدعو؟ قال : «قولى : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى» أخرجه أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجة.

وليلة القدر من خصائص أمة الإسلام ، ولا وجود لمثلها فى اليهودية ولا النصرانية ، وما ذكر شىء يقارنها فى التوراة أو الأسفار أو الأناجيل ، ووجودها فى رمضان لا غير وليس فى كل السنة ، ورمضان هو الشهر الكريم ، وفى العشر الأواخر من أيام وداعه وليس فى كل رمضان ، وفيها الاعتكاف ، وهو خصيصة أخرى من خصائص أمة الإسلام ، وما أكثر خصائص هذه الأمة وما أعظمها!

* * *

٦٨٠. سورة البيّنة

السورة مدنية ، نزلت بعد سورة الطلاق ، وترتيبها فى السور المدنية الرابعة عشرة ، وفى المصحف الثامنة والتسعون ، وفى التنزيل عموما المائة ، وآياتها ثمان ، وسميت «البيّنة» يعنى الدليل والبرهان ، من بان بيانا وتبيانا يعنى اتضح وظهر ، والبيان هو المنطق المعبّر ؛ وسمّيت السورة كذلك سورة «لم يكن» ، والتسميتان من قوله تعالى فى بدايتها : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (١) ، والبيّنة التى اشترطوها ليؤمنوا ويتركوا الكفر هى القرآن ، بمعنى أن يكون للنّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم كتاب مثل كتابهم ، فهذا هو دليل نبوته ، ولقد جاءهم بالكتاب ، صحفه مطهّرة من الدنس ، لا ضلال فيها ، وكتبه أى السور التى اشتمل عليها ، والأحكام والمواعظ والقصص والعلوم والبراهين التى تضمّنها ، جميعها قيّمة ، فما آمنوا ، وعبر تاريخ أهل الكتاب فإنهم كانوا كلما بعث إليهم نبى كذّبوه واختلفوا فيه ، وكلما تنزّل عليهم كتاب افترقوا حوله ، فلما جاءهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم

٨١٢

مصدّقا لما معهم أنكروه ، وما كان مطلوبه منهم إلا أن يعبدوا الله مخلصين له العبادة ، وأن ينصرفوا عن الزيغ والهوى ، ويتركوا المذاهب الباطلة ، والملل الضالة ، وأن يقيموا الصلاة وهى التى يصدق بها إيمانهم ، ويؤدّوا الزكاة التى تطهّرهم وأموالهم ، وتلك مقتضيات الديانة الحقّة. وتختم السورة بنذارة وبشارة ، فأما النذارة فللكافرين ، بأن مآلهم لجهنم ، لأنهم بكفرهم صاروا شرّ خلق الله ، وأما البشارة فللمؤمنين ، رضوا عن الله ورضى عنهم ، فمآلهم جنة الخلد ، وذلك جزاء كل من يخشى الله ويتّقيه حقّ تقاته.

ومن مصطلحات السورة : «أهل الكتاب» : وهم اليهود والنصارى ؛ و «المشركون» : قيل هم كفّار قريش بمكة ، والكفار عموما فى المدينة ؛ وقيل المشركون وصف لأهل الكتاب ، لأنهم لم ينتفعوا بكتابهم وتركوا التوحيد ، فالنصارى مثلّثة ، وعامة اليهود مشبّهة ، والنصارى يعبدون على الحقيقة المسيح فسمّوا المسيحيين ، لأنهم المؤمنون به ، وسمّوا النصارى لأنهم أتباع عيسى الناصرى ، أو لأنهم أنصاره ؛ واليهود ألّهوا شعبهم وأعظموا قدر أعراقهم ، وقالوا إنهم شعب الله المختار ، وحرّفوا التوراة ، ليمجّدوا فيها أنفسهم ، فهم عبدة أنفسهم ، وكل هؤلاء مشركون ؛ والحنيفية : هى ملّة إبراهيم ، الذى مال عن الضلال إلى التوحيد ، فأطلق عليه قومه اسم الحنيف ، أى الزائغ عن الحق ، كما أطلق كفّار مكة على النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم اسم «الصابئ» ؛ ودين القيمة : اصطلاح أضاف الدين إلى القيمة من باب إضافة الشيء إلى نفسه ؛ وخير البرية وشرّ البرية : فيهما طباق وهو من وجوه البديع ، ومن ذلك المقابلة بين نعيم الأبرار وعذاب الفجّار. جعلنا الله من خير البرية وأثابنا جنات الخلد ، اللهم آمين.

* * *

٦٨١. سورة الزلزلة

السورة مدنية ، وآياتها ثمان ، نزلت بعد سورة «النساء» ، وترتيبها فى المصحف التاسعة والتسعون ، وفى ترتيب تنزيل السور المدنية هى السابعة ، وسميت «الزلزلة» ، يعنى ارتجاف الأرض واهتزازها ، لاستهلالها بقوله تعالى : (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) (١) ، وزلزال الأرض أكبر ما يكون يوم القيامة ، وبه تخرج الأرض ما فى جوفها ، والإنسان يعجب مما يحدث ويشاهد ويجرى تحت سمعه وبصره ، ويعجب لاضطراب الأرض كل هذا الاضطراب ، والرجفة التى تأخذ كل شىء ، والناس ينسلون من بطونها ، ويسرعون أشتاتا إلى الحساب ، فمن يعمل مثقال ذرة من خير يره مرصودا ، ومن يعمل مثقال ذرة من شرّ يبصره مكتوبا. وموضوع السورة ومشاهدها وأسلوبها ، كموضوعات ومشاهد وأسلوب

٨١٣

السور المكية. ولمّا نزلت واستمع لها أبو بكر بكى ، فقال له النّبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو لا أنكم تخطئون وتذنبون ويغفر الله لكم ، لخلق أمة يخطئون ويذنبون ويغفر لهم ، إنه هو الغفور الرحيم».

* * *

٦٨٢. سورة العاديات

السورة مكية ، وآياتها إحدى عشرة ، وكان نزولها بعد سورة «العصر» ، وترتيبها فى المصحف المائة ، وفى التنزيل الرابعة عشرة ، وفيها يقسم الله تعالى بخيل المجاهدين يغزون عليها ،. والعاديات جمع عادية ، من عدا يعدو عدوا ، يعنى جرى وركض. وقيل : أقسم الله تعالى بنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : (يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) (٢) (يس) ، وأقسم بحياة نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال : (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (٧٢) (الحجر) ، وفى هذه السورة يقسم بخيله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى القتال ، فقال : (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) (٥) ، والسورة تنبيه إلى الروح الجهادية عند المسلمين ، وتهييج لها عند الزحف ، والمستشرقون على أن الساميين ليسوا حربيين ، والسورة عكس ذلك تماما ، والأحرى أن يقال : إن المسلمين جهاديون. ومحبة الجهادى أو الحربى لفرسه كمحبته لروحه ، ووصف الخيل خلال الغزو صورة سينمائية بانورامية فريدة ، ولنا أن نتصور الخيل تعدو بالفرسان وتضبح ـ أى تتنفس بقوة بلا صهيل حتى لا يحذرها العدو ، وتضرب بحوافرها الأرض ، فينقدح الشرار ، ويثار الغبار ، ثم إنها لتسرى فى الليل ، وتغير على العدو صبحا ، وتقتحم صفوفه وتتوغل فى بلاده ، ويفاجأ بها وبفرسانها وقد صاروا وسط جمعهم. والسورة تذكير بهذه النعمة الجلىّ ، نعمة الخيل فى الحرب ، ولكن أنّى للإنسان أن يتفكّر ويتدبّر نعمه تعالى فى كل مجال ، ليشكره ويعبده وحده؟

وإن الإنسان لكفور بربّه ، كنود جاحد ، ولو سألته لأقرّ بكفره ، وشهد على نفسه ، فهو يعرف ما فيه وما جبل عليه. والسورة بدأت بذكر الجهاد ووسيلته الكبرى ـ وهى الخيل ـ فى الغزو ؛ والجهاد والغزو يكونان عن إيمان يحدوه الشكر والحمد لله والثناء عليه. وفى الجهاد تضحية بالنفس والمال ، ورباط الخيل جهاد بالمال ، والإنسان مفطور على الحب الشديد للمال ، يحوزه ويكتنزه. وختام السورة يذّكر بأن الآخرة لا ينفع فيها مال مما فى الجيوب ، ولن تعثر فى بقايا الأجداث فى القبور على أى مال ، إلا ما كان فى الصدور من نوايا وأسرار وأعمال ، يعرفها الله عن أصحابها معرفة المطّلع الخبير ، لا يخفى عليه منها خافية. وآيات السورة ـ وما فيها من صور ومشاهد ، صارت مأثورات تضرب بها الأمثلة كقوله : (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (٨)

٨١٤

وهى ثلاث حكم متتابعة ، وكان نزولها بشارة للنّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأن السرية التى بعث بها إلى بنى كنانة حققت المطلوب منها ، ونجحت فى غزوها ، وأن فرسانها كانوا أبطالا ، وخيلهم كانت آية من آياته تعالى ، وكانت أخبار هذه السرية قد أبطأت حتى أن المنافقين روّجوا أنها أبيدت عن آخرها. والكنود صفة عامة من صفات الإنسان ، وتعنى أنه كفور بنعم الله ، ومن دأبه أن يعدّ المصائب وينسى النّعم ، وأنه يشهد على ذلك بنفسه ويقرّ به ، ويظهر كنوده فى أقواله وأفعاله ، وقوله تعالى : (وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ) (٧) كقوله : (شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ) (١٧) (التوبة) ، والكفر هو كفر النّعم ، ومنه أن يشهد الإنسان على نفسه بحبه الشديد للمال ، والخير فى الآية ، كقوله : (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (٨) هو المال ، يحبه حبّا جمّا ، ويجهد فى جمعه ، ويحرص عليه ويبخل به ولا ينفقه فى سبيل الله. وهذه الحكم الثلاث تعقيب على حال الذين نكصوا عن القتال ولم يسهموا فيه. والجهادية أو الحربية فى السورة لها شقان ، أحدهما المشاركة فى القتال والغزو بالنفس والبدن ، والثانى المساهمة بالمال لمن لا يقدر على القتال لمرض أو عجز أو زمانة ، والمسلم الجهادى هو من يضحى بالنفس والبدن والمال معا. والآيات الخمس الأولى من سورة العاديات فيها البشارة بالنصر ، والفرحة بالعزة ، بينما الآيات الست الأخيرة فيها التوبيخ للمنافقين الذى يبخلون أن ينفقوا فى سبيل الله ، والإخبار بأنه تعالى يعلمهم فيجازيهم أوفى الجزاء يوم القيامة. نسأل الله العافية ، وله الحمد والمنّة.

* * *

٦٨٣. سورة القارعة

السورة مكية ، وترتيبها فى المصحف الواحدة بعد المائة ، وفى التنزيل الثلاثون ، وكان نزولها بعد سورة قريش ، وآياتها إحدى عشرة آية ، وموضوعها : القيامة بأهوالها ، والآخرة بأفزاعها ، وتستهل بسؤال عن القارعة : ثم يأتى التعريف بها من خلال الجواب. وطريقة التعليم بالسؤال والجواب Katechismus (D.) ;Catechese) F. (;Catechism) E. (من الطرق التعليمية للقرآن ، وقوله (الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ) (٣) أبلغ استهلال لبيان عظم شأن هذا الحدث الذى لا يمكن أن يتصوره خيال. وتكرار القارعة ثلاث مرات من باب التهويل والتشويق لمعرفة ما يكون عن الكون والناس بسببها ، فأما الناس : فعند نزول القارعة ينسلون من الأجداث متفرقين فزعين كأنهم الفراش المبثوث. والفراش هو الهمج الطائر من هوام وجراد وغيرهما ، شبّه الناس بّه يوم الحشر ، لأنهم يبعثون يموج بعضهم فى بعض : (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) (٧)

٨١٥

(القمر) ، ويركب بعضهم بعضا كالغوغاء فى يوم زحام ، ولا تقرع القارعة الناس وحدهم ، ولكنها تقرع الكون كله أى تضربه ، فهى القارعة لأنها تقرع بالدواهى ، وتصيب بالنوازل ، فالجبال الصلبة تتداعى تحت قرعاتها ، فتصبح كالعهن المنفوش ، أى الصوف المندوف المتطاير والمنتثر. وفى ذلك اليوم ينقسم الناس قسمين ، ويكونون صنفين ، فمن ترجح أعماله الصالحة وتثقل موازينه ، فقد فاز بالعيشة الراضية ، وكانت له جنة النعيم خالدا فيها ، ومن تقلّ حسناته وتخفّ موازينه ، فأمّه هاوية ، والهاوية هى جهنم ، سماها «أمّا» لأنه يلتصق بها وتضمه إليها وكأنها أم تضم صغيرها ؛ وسميت «هاوية» لأنه يهوى فيها ، كالذى يهوى من حالق إلى القاع. ويتساءل تهويلا : وما الهاوية؟ ويجيب : هى النار الحامية التى لا تقارن بها نار الدنيا. وفى الحديث : «إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم «سبعين» إنما للتمثيل ، والعرب تتمثل بالأعداد سبعة ، وسبعين ، وألف. وفى حديث آخر ، قال عن نار جهنم : «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرّت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت ، فهى سوداء مظلمة» ، والحديثان لتقريب صورة النار ، وإلّا فلا شىء يشبهها من نار الدنيا! والسورة عموما لبيان قدر الحق والباطل ، فإنما يثقل ميزان من يثقل ميزانه ، لأنه يضع فيه الحق ؛ ويخف ميزان من يخف ميزانه ، لأنه يضع فيه الباطل ، وحقّ لميزان يكون فيه الباطل أن يكون خفيفا ، وحقّ لمن خفّ ميزانه أن يكون مصيره النار!!

* * *

٦٨٤. سورة التكاثر

السورة مكية ، وآياتها ثمان ، نزلت بعد الكوثر ، وترتيبها فى المصحف الثانية بعد المائة ، والسادسة عشرة فى التنزيل ؛ وموضوعها انشغال الناس بالدنيا وانصرافهم إليها ، إلى أن يأتيهم الموت بغتة فينقلهم من القصور إلى القبور كقول القائل :

الموت يأتى بغتة

والقبر صندوق العمل

والتكاثر فى قوله تعالى (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) (٢) : المباهاة بالمال والأولاد والأهل ؛ وتكاثر الأموال هو جمعها من غير حقّها ، ومنعها من حقها ، واكتنازها فى الأوعية. وفى الحديث فى معنى «ألهاكم التكاثر» : «يقول ابن آدم مالى مالى ، وإنما له من ماله ثلاث : ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى ، أو تصدّق فأمضى ، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان : الحرص والأمل» ، وعنه أيضا قال : «يتبع الميت ثلاثة ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد : يتبعه أهله وماله ، يبقى عمله». ولم يأت

٨١٦

فى القرآن ذكر المقابر إلا فى هذه السورة. وسياق السورة يزهّد فى زيارة القبور فلا شىء فيها إلا التراب ، وأما الأحباب فعند الله ، فما كان من تراب فمآله للتراب ، وما كان من الله فإليه يعود ، والثياب إذا بليت ألقى بها ، فكذلك الأجساد ، وذلك دليل على أن الإنسان روح وليس جسدا. فإذا كانت زيارة القبور للاتّعاظ والاعتبار ، ولوجه الله تعالى ، وإصلاح فساد القلب ، فذلك أليق وأنسب ، ومن يرد علاج قلبه من القساوة ، فعليه أن يكثر من التفكّر فى الموت ، والتفكير فيه يميّز الإنسان عن سائر الموجودات ، وكذلك مشاهد المحتضرين ، وعيادة المرضى فى مرض الموت ، والسير فى الجنازات ، وزيارة القبور ، فهذه أربعة أمور تؤتى كعلاج نفسى دينى. وليس كذكر الموت تنبيه للغافل بما إليه المصير ، وليس كمشاهدة المحتضرين مدعاة للتفكير ، وليس كزيارة القبور موعظة للقلب اللاهى ، والخبر ليس كالمشاهدة والمعاينة. والتكرار فى قوله تعالى : (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) (٤) : فى الأولى يتأتى العلم عند معاينة الموت ، وفى الثانية يتأتى العلم عند البعث ؛ وقيل : فى الأولى يتأتى عند انتزاع الروح ، وفى الثانية عند دخول القبر وسؤال منكر ونكير ؛ وقيل : إن علىّ بن أبى طالب قال : كنا نشك فى عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة ـ يشير إلى قوله تعالى : (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) يعنى فى القبور ، والحديث مشكوك فيه ، لأن السورة مكية! ووقتها لم يكن علىّ قد أدرك بعد ، وإنما متعلق القسم فى السورة بما بعدها : (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ) (٧) ، والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار. فلما نزلت : (لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (٨) قيل إن أبا بكر سأل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أكلة أكلوها معا ، وكانت مجرد تمر وماء ، هل هى من النعيم الذى يسألون عنه؟ فأجاب : «ذلك للكفار» ، ثم قرأ : (وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (١٧) (سبأ) ، يعنى : لن يسأل عن النعيم إلا أهل النار ، فلمّا كفروا يسألون عن كل شىء كان من النعيم حتى الماء والهواء! وهؤلاء يرون الجحيم مرتين : مرة بعين قلوبهم تصوّرا وتخيّلا ، ومرّة بعين رءوسهم مشاهدة ومعاينة ، فما كان «علم يقين» يصير «عين يقين». والنعيم المسئول عنه فى السورة : يتراوح بين الضروريات والكماليات ، فعن أبى هريرة أن الناس تساءلوا : أى نعيم نسأل عنه؟ فإنما هما الأسودان : التمر والماء ، يعنى ما كان إلا شظف العيش ، فقال الرسول : «إن ذلك سيكون» ، يعنى حتى الأسودان تسألون عنهما ، أو يسأل عنهما كل جاحد كافر بأنعم الله ، وأما المؤمن فهو مقرّ بنعم الله وشاكر حامد عليها ، ويتحدّث بها دوما ثناء على الله. ومضمون سورة التكاثر : أن النعيم هو نعيم المتكاثرين المتباهين المترفين ، وفى القرآن أن الإنسان لا يسأل يوم القيامة عمّا كان يسد به جوعه ، ويروى عطشه ، ويستر عورته ، ويحتمى

٨١٧

تحت سقفه ، بدليل أن آدم أسكنه الله الجنة وقال له : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) (١١٩) (طه) فكانت هذه الأشياء الأربعة مضمونة له ولأبنائه من بعده ، وليست من النعيم ، ولا يسأل عنها ، ولا يحاكم أو يقاضى بها لو حصّلها من أى طريق : ما يسدّ به الجوع ؛ وما يدفع عنه العطش ؛ وما يقيه سقفه الأعين والبرد والحرّ ؛ وما يستر عورته من اللباس. فهذه هى الضروريات التى تقوم على القول بها الفلسفة الاشتراكية للإسلام ، وأضيف إليها خمسة أشياء : ما يتعلمه ويقيه الجهل ؛ وما يعمله ويقيه البطالة ؛ وما يتداوى به ويقيه المرض ؛ وما يعيله فى شيخوخته ويقيه الحاجة ؛ وأن تكون له زوجة وأولاد. فهذه أشياء لا بد منها ، وما زاد عليها فهو من النعيم حقا. وفى اشتراكية الإسلام لا بد أن توفر الحكومة ، أو الدولة ، أو المجتمع ، أو النظام العام ، هذه الأشياء للجميع ، لأن فيها الحدّ الأدنى لإنسانية الإنسان ، ولن يكون الإنسان إنسانا إلا بها ، وفى الحديث : «ليس لابن آدم حق فى سوى هذه الخصال : بيت يسكنه ، وثوب يوارى عورته ، وجلف الخبز (أى الخبز وإن كان بلا إدام) ، والماء» وفى الحديث الآخر : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ» ، فنعلم : أن ما يحتاجه الإنسان فى شطر منه ضروريات ، وفى شطر منه لوازم ، وفى شطر منه كماليات. ومضمون السورة يتحدث عن الكماليات التى هى مدار التكاثر عند الأغنياء. على أن الجميع من النعم : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) (٣٦) (الإسراء) وفى الحديث : «يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له : ألم نجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا؟» فهذه جميعا من النعم تكون للمؤمن والكافر ، فأما المؤمن فيستخدمها فى الصلاح فلا يسأل عنها ، وأما الكافر فاستعماله لها فى الفساد فهو عنها مسئول. والسورة على ذلك فيها الكثير من التعليم وفلسفة الاجتماع والفلسفة الاشتراكية ، وفيها الوعظ ، والتوبيخ ، والتهديد ، والإنذار.

* * *

٦٨٥. سورة العصر

السورة مكية ، وآياتها ثلاث ، نزلت بعد الشرح ، وترتيبها فى المصحف الثالثة بعد المائة ، وفى التنزيل الثالثة عشرة ، وتعتبر وسورة التكاثر أصغر سورتين فى القرآن ، وموضوعها سعادة الإنسان وشقاوته ، ونجاحه وخسرانه ، وفيها قسم بالعصر ، أى الزمان الذى دأبه النقصان ، فينصرم بسرعة ولمّا يستعد الإنسان لآخرته ، ويفجؤه الموت ولم يلحظ أن عمره ينقضى ، وحياته إلى زوال ، وأنه الخسران فى نهاية المطاف ، فلا هو كسب الدنيا ، ولا فاز بالآخرة ، كقول القائل :

إنا لنفرح بالأنام نقطعها

وكل يوم مضى نقص من الأجل

٨١٨

والخسران : هو الذى يفضّل العاجلة على الآجلة ، وليس صحيحا أن القسم فى السورة بصلاة العصر ، كقسمه تعالى بالضحى ، وبالفجر ، فالسياق العام لا يتفق مع هذا التفسير ، وإنما القسم بالزمان ، لأن وجود الإنسان فى العالم وجود زمانى ، ووجوده تعالى لا زمانى ، ولا يجرى الزمان عليه ولا يتعين وجوده به. والزمان هو أخطر وأهم ما فى وجود الإنسان ، فالإنسان يعيش فى الزمان ، والزمان يطبق عليه ، ولا يوجد الإنسان بدون الزمان ، ولذلك يقسم الله تعالى به. والسورة من الإعجاز الفلسفى والنفسى للقرآن ، لأن الزمانية فيها ليست مجرد ماض وحاضر ومستقبل ، وليست زمانية ستاتيكية ، لأن الزمان فى السورة سيّال ، ومجراه مستمر ، وزمانيته ديناميكية ، وشعورنا بالزمان الذى يجرى هو ما أسميه الزمانية النفسية ، ودليلها الاستثناء فى السورة من الخسران بأربعة أشياء : بالإيمان ؛ والعمل الصالح ؛ والتواصى بالحق ؛ والتواصى بالصبر ؛ فنجاة الإنسان تكون بأن يعيش الزمان لا كميا وإنما نفسيا. بالإيمان والعمل الصالح ، يكمّل بهما نفسه ، وينصح الغير بطلب الحقّ والصبر عليه ، فيكون قد جمع بين حقّ الله وحقّ العباد ، وهذه هى الزمانية المعاشة كأعمق ما يمكن أن تعاش ، وهى زمانية المؤمن ، وهى زمانية سرمدية ، فمن يريد ألا يخسر الزمان ، وأن يحياه عن حق ، فليؤمن.

* * *

٦٨٦. سورة الهمزة

السورة مكية ، وترتيبها فى التنزيل الثانية والثلاثون ، وترتيبها فى المصحف الرابعة بعد المائة ، وآياتها تسع ، وكان نزولها بعد سورة القيامة ، وموضوعها أخلاقى : يتناول المشّائين بالنميمة ، وفى الحديث : «شرار عباد الله : المشّاءون بالنميمة ، المفسدون بين الأحبّة ، الباغون للبرآء العيّب» ، والهمزة : الذى يغتابك من ورائك ؛ واللّمزة : الذى يغتابك فى وجهك ، كقول القائل :

تدلى بودّى إذا لاقيتنى كذبا

وإن أغيب فأنت الهامز اللّمزة

وقيل : السورة نزلت فى الأخنس بن شريق وكان يلمز الناس ويعيبهم ، ولكنها مرسلة على العموم من غير تخصيص ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وتذمّ السورة الذين همّهم الأكبر فى الحياة جمع المال وتكديسه ، يحسبون أنهم بالمال سيخلّدون فى الدنيا ، وتختم السورة بتحذيرهم وتوعّدهم بأقسى النار عذابا ، وهى الحطمة : التى تحطم من يلقى فيها ، وتكسر عظامه ، وتحرقه فيكون حرقه كالفرقعات ، فيه تهشيم وتحطيم وتكسير ، ولا يستطيع الإفلات منها ، لأنها تحيط به ، وتحبسه داخلها ، وتربطه إلى

٨١٩

أعمدتها ، وبقدر ما فى قلبه من عصيان بقدر ما يلقى فيها من عذاب ، لأنها نار تطّلع على الأفئدة ، وتعرف ما بداخلها من أسرار ونوايا وخفايا ، نسأل الله العافية ، ونعوذ به من هذا العذاب المهين.

* * *

٦٨٧. سورة الفيل

السورة مكية ، وآياتها خمس ، وكان نزولها بعد «الكافرون» ، وترتيبها فى المصحف الخامسة بعد المائة ، وفى التنزيل التاسعة عشرة والسورة من النّعم التى امتنّ بها الله على قريش ، وتحكى عن قصة أصحاب الفيل ، وتستفتح باستفهام تقريرى : (أَلَمْ تَرَ) ، وهو من أساليب القرآن المكررة ويأتى ٣١ مرة ، والخطاب خاص للنّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولكنه عام لكل المسلمين ، تقول السورة : ألم تروا ما فعل الله بأصحاب الفيل؟ ولقد رأى العرب حدث الفيل وعاينوه ، وكانت ولادة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عام الفيل ، وقيل : يوم الاثنين ، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ؛ وقيل : يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول ؛ وقيل : إن عام الفيل كان قبل مولده صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأربعين سنة ، وقيل بثلاث وعشرين سنة. وروى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قوله : «ولدت عام الفيل» ، أو قال «يوم الفيل» ؛ وقيل : كانت ولادته يوم عاشوراء من شهر المحرم. ومناسبة هذه الاجتهادات والاختلافات ، قوله تعالى فى السورة (أَلَمْ تَرَ)؟ يعنى يا محمد ، وهو لم ير ، ولكنه سمع وفهم ووعى ، والرؤية هنا المقصود أنها : بالبصيرة. ولقد أكرم الله قريشا بسبب بيته «الكعبة» ، فكان وجود الكعبة فى مكة نعمة لم تقدّرها قريش ، فبسبب البيت حفظت من العدوان ، ومن كراماته أن دعا لهم إبراهيم ، لأنهم حوله ، قال : (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ) (١٢٦) (البقرة) ، فكان الحجاج يأتون من كل فجّ ومعهم من كل الثمرات ، وبورك لهم فى رحلتى الصيف والشتاء ، فكأن سورة قريش هى المكملة لسورة الفيل ؛ والفيل : حيوان ضخم الجثة ضعيف العقل ، وكذلك أصحاب الفيل ، كانوا كثرا ، ولكن قيادتهم كان بها حمق وبله ، والعرب تقول : رجل فيل الرأى ، أى ضعيف الرأى ، والجمع أفيال ، ويقولون : فال ـ أى ضعف عقله. وأصحاب الفيل كانوا على الحقيقة يتخذون الفيل سلاحا يخيفون به العرب ، وكانوا أيضا مجازا ضعاف العقول ، يظنون أن الكثرة والقوة سبب للنصر ، ولم يعوا أن النصر بيده تعالى ، يعزّ من يشاء ، ويذلّ من يشاء ، فمن تكون له عزّة يعزّ بها الناس ، وينتصف بها للمظلوم من الظالم ، ويمنع بها استقواء المستقويين ، أعزّه الله ؛ ومن تكون العزّة فيه تجبّرا وطغيانا وظلما وعسفا بالناس ، أذلّه الله ، وأصحاب الفيل كانوا جبابرة ، ويرأسهم أبرهة ، وكان من الطواغيت ،

٨٢٠

فلما قدم مكة غازيا يريد هدم البيت ، عاب على عبد المطلب أن يكلمه فيما استولى عليه أبرهة من إبل قريش ، ولا يكلّمه بشأن البيت ، فردّ عليه ردّه المأثور : إنى أنا ربّ الإبل ، وإنّ للبيت ربّا سيمنعه! ولقد كان ، وتحقق ما قاله عبد المطلب ، فأرسل الله تعالى على جيش أبرهة (طَيْراً أَبابِيلَ) (٣) ، أى كالجراثيم الكثيرة ، (تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) (٤) ، أى بحجارة من جهنم ، يعنى لها تأثير قاتل ، لقوله فى قوم لوط : (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) (٧٤) (الحجر) ، فقيل : هى حجارة من طين حمى عليها بنار جهنم ، كقوله تعالى : (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) (٣٤) (الذاريات) ، أى تسومهم وتترك بهم علامات الموت ، وقيل : كان جلدهم ينفط منها كنفط الجدرى ، ولربما كان ابتلاؤهم بالجدرى ، وربما بما هو ألعن ، وربما كانت الطير الأبابيل هى فيروس هذا المرض ، أو مرض غيره ، وكأن الحرب المعلنة على جيش أبرهة كانت حربا بيولوجية ، أو حربا جرثومية ، فلم يكن بوسعهم أن يدفعوا عن أنفسهم ابتلاء السماء ، فكانوا (كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) ـ أى كورق الشجر المأكول الذى تهرّأت بقاياه ، فإن كان ذلك ممكنا الآن لدول كأمريكا وانجلترا وحتى إسرائيل ، أفلا يكون ذلك محققا لله تعالى وهو ربّ القدرة والإمكان؟ والسورة على ذلك من معجزات القرآن العلمية ، وكان تفسيرها قديما يشق على الناس ، ولكنه يتيسّر الآن : بالمخترعات العلمية والكشوف فى مجال البيولوجيا الحربية والحرب الميكروبية.

فهل يتعظ أصحاب المزاعم العريضة كأمريكا وإسرائيل ، وأىّ من الطغاة المعادين للإسلام ، فإن الله مع الحق ، والمسلمون فى حرمه تعالى سواء فى مكة أو فى خارجها ، فالأرض كلها والكون ، بيت محرّم من بيوت الله ، وكل بيت مسلم هو حرم آمن بإذن الله ، والله مع الصابرين. (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (٢٢٧) (الشعراء). (انظر قصة أصحاب الفيل ضمن باب قصص القرآن).

* * *

٦٨٨. سورة قريش

السورة مكية ، وآياتها أربع ، نزلت بعد «التين» ، وترتيبها فى المصحف السادسة بعد المائة ، وفى التنزيل التاسعة والعشرون ، وفيها إخبار بما كانت عليه قريش من نعم ، وعمّا اختصت به من أمن وأمان وخير وسعة ، بسبب أنهم كانوا أهل بيت الله ، ولو لا البيت ما كانت لهم هذه النّعم ، فالبركة بسبب البيت ، والأمر كله موكول برضاء الله. وتتصل معانى السورة بمعانى سورة الفيل التى تأتى قبلها فى المصحف وفى التنزيل ، حتى لكأنما هما سورة

٨٢١

واحدة ، لو لا أن فصلت بينهما «بسم الله الرحمن الرحيم». فلولا حماية الله للبيت ما انهزم أصحاب الفيل ، وبسببه كانت معجزة الطير الأبابيل ، ونعمة الأمن والخير كانا بسبب البيت ، وسورة الفيل تبدو كافتتاحية لسورة قريش ، وسورة قريش كتكملة لسورة الفيل ، إلا أن السورتين منفصلتان ، وكان عمر يقرأ سورة قريش فى الصلاة كسورة مستقلة ، وقرأ المسلمون سورة الفيل كسورة مستقلة كذلك ، ومع ذلك فالسورتان متصلتان ، ولم يهلك أصحاب الفيل إلا لتأمن أو تألف قريش ، وبسبب أنهم أهل بيت الله أمنوا الناس ، وألفوا أن يقوموا برحلتين للتجارة فى الصيف والشتاء. وفى مكة يشكل الشتاء نصف السنة ، والصيف نصفها الآخر ، وكان جلّ قريش تجارا ، وأسفارهم فى الصيف إلى بلاد باردة كالشام ، وفى الشتاء إلى بلاد حارة كاليمن ، وفى الحالتين يكون سفرهم للمنافع ، وما يربحونه اعتادوا أن يقسموه بينهم وبين الفقراء ، حتى صار فقيرهم كغنيّهم ، وجاء الإسلام وهم على هذا الحال ، فلم يكن من العرب من هو أكثر منهم مالا وأعزّ نفرا ، ببركة بيت الله. وكان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة من بنى مناف : هاشم ، وعبد شمس ، والمطلب ، ونوفل ؛ فأما هاشم فإيلافه أو اختصاصه الأمنى : الشام ؛ وإيلاف عبد شمس الحبشة ؛ والمطلّب اليمن ؛ ونوفل : فارس. ومعنى يؤلفون الناس : أن يؤمّنوهم الناس ويجيروهم ؛ فكأن هؤلاء الإخوة يدعون المجيرين ، أى الحرّاس على أمن الناس ، ومعنى «يجيرونهم» أن يسكنوهم إلى جوارهم ويقبلوا جيرتهم فيكونون لهم عونا وغوثا ونجاة. وكان كل التجار يسافرون تحت مظلتهم فلا يتعرض لهم أحد ، وما كان لسكان مكة زرع ولا ضرع ، فكانوا يميرون فى الشتاء والصيف آمنين ، بينما الناس من حولهم يتخطّفون ، كقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) (٦٧) (العنكبوت) فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا : نحن أهل حرم الله ، فلا يتعرض الناس لهم. ومن الله تعالى عليهم بالبيت ، وبالرحلتين ، وبنعمتي الأمن والغنى. ونفيد من ارتحالهم فى الشتاء والصيف جواز أن يرتحل أهل الإسلام فى الزمانين بين محلين ، يكون حالهما فى كل زمان أنعم من الآخر. وحقّ على قريش بما خصّوا به أن يؤمنوا بالله ، كقوله : (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ) (٣) وقوله (إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها) (٩١) (النمل) ، وحقّ عليهم أن يوحّدوه ، وأن يحمدوه ويثنوا عليه ، ولكنهم لم يفهموا ولم يعوا سبب ما هم فيه من نعم ، ولم يقدّروا أن للبيت ربّا ، وأنهم به شرفوا على سائر العرب ، فكان عليهم أن يهجروا ما وضعوا فى البيت من أوثان ، وأن يجرّدوا عبادتهم لله وحده ، والأوثان ليست فقط ما نعرف من الأحجار المرسومة والموسومة ، ولكنها المعانى والأسماء التى مدارها الكفر

٨٢٢

والإلحاد والشكر لغير الله ، والأسماء نخترعها بأنفسنا ونجعل لها المعانى ـ كالعولمة والليبرالية ، وبعد أن نصنعها نتعبّدها ، ونجمد على تقديسها : والسورة تعلن الثورة على أصنام الحضارات ، وأوثان الثقافات ، وتردّ الأمور إلى نصابها ، وإلى خالق كل شىء ، العلىّ العظيم ، والواحد الكريم ؛ بديع السموات والأرض ، الذى يطعم من جوع ويؤمن من خوف ، لا لقريش وحدها ، وإنما لكل من كان فى مكة وما حولها ، والحرم ليس الكعبة وحدها ، ولكنه مكة أو بكّة والقرى من حولها ، ومكة بالنسبة لهذه القرى كالأم ، وكانت بحق أم القرى ، وأىّ من كان طالما هو فى هذه القرى فهو ، فى حرم الله. وكان العرب يغيرون على بعضهم ، فأمنت قريش دون العرب لأنهم أهل الحرم ، وأكرمهم الله ببيته فى بلدهم ، كقوله : (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٥٧) (القصص) ، بدعوة نبيّنا إبراهيم : (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ) (البقرة) ، فلما لم يعلموا ، ولم يحمدوا الله ويعبدوه ، وأنكروا القرآن وآذوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، صدق فيهم قوله تعالى : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) (١١٢) (النحل) فكانت دعوة الإسلام ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب فى قريش ، يقول : (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ) (٢) ، ويحكم يا معشر قريش ، اعبدوا ربّ هذا البيت الذى أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف». فهكذا يجزى المؤمنون لأنهم فى ذمة الله ، والسورة بآياتها تخصّ ، وبمعانيها تعمّ.

* * *

٦٨٩. سورة الماعون

عدد آيات السورة سبع ، ونزلت بعد التكاثر ، وقيل : إن الآيات الثلاث الأولى منها مكية ، والآيات الأربع الباقية مدنية ، إلا أن مناسبة نزول السورة تجزم بأنها مكية ، فقد نزلت فى العاص بن وائل السّهمىّ ؛ وقيل : نزلت فى الوليد بن المغيرة ؛ وقيل فى أبى جهل ؛ وقيل فى عمرو بن عائذ ؛ وقيل : فى أبى سفيان ، وهؤلاء جميعا كانوا من نزلاء مكة ، وكان أهلها لا يورثون النساء ولا الصغار ، ويقولون : إنما يحوز المال من يطعن بالسنان ويضرب بالحسام! ودعّ اليتيم : هو نهره ؛ والمسكين : هو من لا يجد قوت يومه ، فلمّا حضّ الله تعالى على إطعام المساكين قالوا مقالة أهل الكفر : (أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ) (٤٧) (يس) وهاتان الصفتان نهر اليتيم ، وعدم الحضّ على طعام المسكين ، من صفات المكذّب بالدين ، الذى لا يؤمن بالآخرة والبعث والحساب. وقد يعتنق الدين لسبب من الأسباب ، فتلزمه

٨٢٣

الصلاة ، ولكن لأنه فى باطنه كافر وإن أظهر التقوى شكلا ، فإنه يسهو دوما عن الصلاة ، فلا يصليها لوقتها ، ولا يتذكر هل أتمّها أو لم يتمها ، وهل سجد سجدة أو سجدتين ، ولا يهمه إن تركها ، ولا يعتقد أن لها أجرا ، فصدق عليه قوله تعالى : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (٥٩) (مريم) ، وقوله (وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلاً) (١٤٢) (النساء) ، ولو كان الكلام فى السورة عن الساهين عن صلاتهم فقط ، لكان المقصود بهم المؤمنون ، ولكنه حدّدهم فقال : (الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ) ، فنعلم أنهم المنافقون. والسهو «عن» الصلاة فعل المنافقين ، وأما السهو «فى» الصلاة فهو فعل المؤمنين ، لأنه ما من مؤمن إلا ويسهو «فى» صلاته ، والسلامة من السهو محال. والمنافقون يصلون تقيّة ، ليقال أنهم يصلون. والمراءاة أو النفاق أسلوب حياة ، يمارسه المنافق إذا لبس ، أو صلّى ، أو تصرّف مع الغير. والمنافق فى مجال العلم يتعالم. والإظهار نفاقا أو رياء ليس كالإظهار لصالح الأعمال. والرياء : هو طلب الشهرة والسّمعة. وكلمة رياء تعنى : أن يرى الناس بعيونهم المصلّى وهو يصلّى ، فيثنون عليه. والصلاة كفريضة فيها العلن ، ولكن الزكاة تفعل سرّا ، ولهذا يظهر المرائى الصلاة ويمنع الزكاة ، وهو معنى : (وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ) (٧). والماعون هو الزكاة ، فلو خفيت الصلاة كما خفيت الزكاة ، ما صلى المراءون. وقيل الماعون إطعام الطعام ، أو هو المعونة أيا كانت.

* * *

٦٩٠. سورة الكوثر

السورة مكية ، وآياتها ثلاث ، وكان نزولها بعد «العاديات» ، وترتيبها فى المصحف الثامنة بعد المائة ، وفى التنزيل الخامسة عشرة ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد توفى ابنه القاسم فشمت فيه الكفّار ، وتحدّثوا بأنه قد صار أبتر ، أى منقطع الولد ؛ وقيل : إن الذى وصفه بذلك العاص بن وائل ؛ وقيل : عقبة بن أبى معيط ، أو أبو لهب ؛ وقيل : أبو جهل ؛ وقيل : إن قريشا لمّا أوحى إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ودعا إلى الله ، قالوا : انبتر محمد ، أى انقطع عنا وخالفنا ، فنزلت السورة تخبر أنهم هم المبتورون ، وأن من يكرهه ويكنّ له البغض هو الأبتر ، بتر نفسه عن رحمة الله. ويناسب ذلك أن يخير الله تعالى نبيّه بأنه فى المقابل قد أعطاه نقيض ما ذكروا عنه ، وهو الكوثر ، أى كثرة الأصحاب والأتباع ، والمؤمنين برسالته إلى يوم الدين ، وهؤلاء فى كل أنحاء العالم لا يعدّون ولا يحصون ، وكلهم إذا ذكر اسمه تلهج ألسنتهم بالصلاة والسلام عليه ، ويحيون سنته. والكوثر فى لغة العرب : هو الشيء الكثير : يقال : عنده المال كوثرا ، وهو رجل كوثر ، أى خيره عميم. ومن قال : إن الكوثر

٨٢٤

نهر فى الجنة ، أو حوض فيها ترد عليه أمته ، أو أنه الخير ، أو الشفاعة ، أو الهداية ، أو النبوة ، أو القرآن ، أو السنّة ، فقد ذهب بعيدا ، فالسورة يتطابق الكوثر فى أولها مع الأبتر فى آخرها ، على معنى الكثرة العددية من الأصحاب والأتباع ، مقابل الانفراد ، والوحدة ، والانقطاع ، فلا يكون له من يذكّر به فى الدنيا وينسب إليه ، وأحسب لذلك أن كل الأحاديث فى أوصاف الكوثر ، كالقول بأنه نهر فى الجنة يجرى على الدر والياقوت ، وتربته من المسك ، وماؤه أحلى من العسل ـ أحاديث مادية من الإسرائيليات ، إذ ما ذا سيفعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بنهر هذه أوصافه؟ وأمّا أن يكون له المؤمنون به فى كل الآماد ، وعلى دوام الآباد ، وإلى يوم الميعاد ، فذلك الأليق والأصح والأنزه ، وهو معنى الكوثر. وفى قوله : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (٢) يعنى صلّ له شكرا لتفضّله عليك بنعمة رضاه عنك ، وكان المشركون إذا صلّوا يصلون مكاء وتصدية ، أى كالصفير أو رجع الصدى ، وإذا نحروا ينحرون للأصنام ، فأخبر الله تعالى نبيّه أن تكون صلاته له وحده ، وأن ينحر لوجهه لا لغيره ، وهو أمر بالتوحيد والإخلاص فيه ، فلا يكن عمله إلا لمن خصّه بالكوثر. وقالوا : إن الصلاة المقصودة هى صلاة الصبح المفروضة بجمع ، والنحر هو نحر البدن بمنى ، وهى إذن ليست الصلوات الخمس لأنه لا نحر فيها ، وليس صلاة العيد لأنه ما كانت هناك صلاة عيد فى مكة ، حيث السورة مكية ولا يتبقّى إلا أنها الصلاة بالمزدلفة المقرونة بالنحر ، ولا صلاة غير هذه الصلاة فى يوم النحر قبل النحر ، وخصّها بالذكر من دون الصلوات لاقترانها بالنحر. وقوله : «فصلّ لربك وانحر» فيه البدء بالصلاة ثم النحر ، والمقصود بالآية حجّاج بيت الله ، لأنه لا يصلّى فى المزدلفة غيرهم. وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلّى العيد ثم ينحر نسكه ويقول : «من صلّى صلاتنا ونسك نسكنا ، فقد أصاب النّسك ، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له».

* * *

٦٩١. سورة الكافرون

السورة مكية ، نزلت بعد الماعون ، وآياتها ست ، وترتيبها فى المصحف التاسعة بعد المائة ، وفى التنزيل الثامنة عشرة ، وفى الحديث عن أنس : «قل يا أيها الكافرون ـ تعدل ربع القرآن» ، وعن ابن عمر : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلى بأصحابه الفجر فى سفر فقرأ «قل يا أيها الكافرون» ، و «قل هو الله أحد» (الإخلاص) ، ثم قال : «قرأت بكم ثلث القرآن وربعه» ، فالثلث : «قل هو الله أحد» ، والربع «قل يا أيها الكافرون» ، وتوصف بأنها سورة البراءة ، أو سورة البراءة من الشرك ؛ وقيل : هى توحيد وبراءة من الشرك. وقيل : السورتان اللتان تبرئان «قل هو الله أحد» و «قل يا أيها الكافرون» ، ويقال لهما «المقشقشتان» ، من قولنا : تقشقش

٨٢٥

المريض ، يعنى : تقشّر جلده إذا برأ ، وقوله «يأيها الكافرون» تشمل كل كافر على وجه الأرض ، سواء المخصوصون بخطاب السورة : وهم كفّار قريش فى الماضى ، أو أى كفّار من المستقبل.

والسورة هى جوابه تعالى على طلب كفّار مكة ، أن يتبادلوا مع المسلمين العبادة لله وللأصنام ، فيعبدوا الله جميعا لمدة سنة ، ثم يعبد الرسول وأصحابه آلهتهم لمدة سنة ، وهكذا ، فأنزل الله هذه السورة ، وأمر رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يتبرّأ من دينهم بالكلية فقال : (لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) (٥) وهو غاية التبرؤ من الكفر والكفّار ، والتأكيد على عبادة الله الواحد القهّار. ومعنى الجملتين الأوليين : (لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) (٣) الاختلاف التام فى المعبود ، ومعنى الجملتين الأخريين «(وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) (٥) الاختلاف التام فى العبادة ، وكأنه يقول : لا معبودنا واحد ، ولا عبادتنا واحدة. والتكرار فى «لا أعبد ما تعبدون» لأن الكفار كرروا عليه عرضهم المرة بعد المرة ، فكرر عليهم الردّ تغليظا ، فقال : «لا أعبد» حاليا ، «ما عبدتم» ماضيا ، «ولا أنتم عابدون» مستقبلا. وقوله «ما» لأن ما يعبدونه أصنام وأوثان ولا يصلح لها «من». وفى قوله «لا أعبد ما تعبدون» : نفى الفعل حيث الجملة فعلية ، وأما فى قوله «ولا أنا عابد ما عبدتم» : نفى الجملة الاسمية ، ونفيها أكد من نفى الجملة الفعلية ، فكأنه نفى بالكلية إمكان أن يعبدوا ما يعبدون ، واقعا وشرعا. وفى قوله «لكم دينكم ولي دين» معايشة بين الأديان ، وقيل : كان هذا قبل الأمر بالقتال فنسخت بآية السيف وقيل : السورة كلها منسوخة ، وهو غير صحيح تماما فى الحالتين ، فلا هى منسوخة جزئيا ولا كليا ، لأنها خبر ، والخبر لا ينسخ ، والسورة جواب لمسألة ، وما اشتهر باسم آية السيف جواب لمسألة أخرى ، والقتال فى آية السيف ليس هو الحلّ للكفر ، والقتال غير مباح فى الإسلام إلا دفاعا. وفى آية السيف يقول تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥) (التوبة) وواضح أن المقصود بها أعداء الإسلام أينما كانوا ، لما استحرّ القتال بينهم وبين المسلمين ، وصارت المسألة بينهما : إما نحن وإما أنتم ، وإلا فلا عدوان ولا قتل فى الإسلام : وقوله «لى دين» لم يقل «دينى» لأن الآيات بالنون فحذفت الياء ، كقوله (فَهُوَ يَهْدِينِ) (٧٨) (الشعراء) ، و (وَيَسْقِينِ) (٧٩) (الشعراء) ، (يَشْفِينِ) (٨٠) (الشعراء) ...

* * *

٨٢٦

٦٩٢. سورة النصر

السورة مدنية ، وهى آخر ما نزل من السور ، وكان نزولها فى منى فى حجّة الوداع بعد أيام التشريق ، تبشّر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بفتح مكة ، ولذلك سميت سورة الفتح ، ولأن البشارة فيها كانت بالنصر فسميت «سورة النصر».

فلما فتحت مكة صار العرب يقدمون إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أفواجا أفواجا يعلنون إسلامهم ، وأمره الله إذا وجد ذلك وفتح عليه ، أن يستغفره ويتوب إليه. وتساءل المستشرقون والمشركون : لا بد أنه أذنب قبل الإسلام وبعده وإلّا فلما ذا يؤمر بالاستغفار؟ والجواب : الاستغفار كان دأبه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان يدعو : ربّ اغفر لى خطيئتى وجهلى وإسرافى فى أمرى كله ، وما أنت أعلم به منى. اللهم اغفر لى خطئى وعمدى ، وجهلى وهزلى ، وكل ذلك عندى. اللهم اغفر لى ما قدّمت وما أخّرت ، وما أعلنت وما أسررت ، أنت المقدّم وأنت المؤخّر ، إنك على كل شيئ قدير». أخرجه البخارى ، فكأنه كان يستقصر نفسه لعظم ما أنعم الله عليه ، وكان يرى قصوره عن القيام بحق الشكر فيستغفر ، والاستغفار تعبّد يجب إتيانه ، ليس طلبا للمغفرة وإنما تعبدا ، وهو تنبيه لأمة الإسلام حتى لا تترك الاستغفار. فإذا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وهو المعصوم ـ يؤمر بالاستغفار فما الظن بغيره؟ وفى رواية للبخارى عن عائشة : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يكثر بعد نزول هذه الآية ـ أن يقول فى ركوعه وسجوده : «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك. اللهم اغفر لى» ، وفى رواية أخرى قالت : كان يكثر فى آخر أمره من قول : «سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه» ، وكان يقول : «إن ربّى كان أخبرنى أنى سأرى علامة فى أمّتى ، وأمرنى إذا رأيتها أن أسبّح بحمده وأستغفره إنه كان توّابا ، فقد رأيتها : (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) (٣). وفى رواية أم سلمة قالت : كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ، ولا يجيء ولا يذهب ، إلا قال : سبحان الله وبحمده ؛ استغفر الله وأتوب إليه ـ فإنى أمرت بها». وفى رواية أبى هريرة قال : اجتهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد نزول سورة الفتح حتى تورّمت قدماه ، ونحل جسمه ، وقلّ تبسّمه ، وكثر بكاؤه». وقيل : إنه ما كان قط أشد اجتهادا فى أمور الآخرة ما كان منه عند نزولها ـ أى نزول سورة النصر. ولما نزلت سورة النصر ، قرأها على أصحابه ففرحوا واستبشروا ، إلا العباس فإنه بكى ، وسأله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ما يبكيك يا عمّاه؟ قال : نعيت إليك نفسك!» فكأن السورة كانت علامة تؤذنه بحضور أجله ، وأسرّ بذلك لعائشة. وقيل إنه بعد نزولها ، نزلت : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (٣) (المائدة) فعاش بعدها ثمانين يوما ، ثم نزلت آية الكلالة ،

٨٢٧

تقول : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) (١٧٦) (النساء) فعاش بعدها خمسين يوما ، ثم نزلت : (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) (١٢٨) (التوبة) ، فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما ، ثم نزلت : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) (٢٨١) (البقرة) ، فعاش بعدها واحدا وعشرين يوما. والسورة لذلك تسمّى سورة التوديع.

* * *

٦٩٣. سورة المسد

السورة مكية ، وآياتها خمس ، نزلت بعد الفاتحة ، وترتيبها فى المصحف الحادية عشرة بعد المائة ، وفى التنزيل السادسة ، وتسمى «سورة اللهب» ، و «سورة المسد» ، و «سورة تبّت» ، وكلها أسماء من السورة نفسها. وأبو لهب كان اسمه عبد العزّى ، وكان عمّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وامرأته هى أم جميل وكانت أخت أبى سفيان ، وكما غلبت عليها كنيتها : «أم قبيح» أو «العوراء» ، كما غلبت على زوجها كنيته : «أبو لهب» ، فقد كان غضوبا فيحمر وجهه كاللهب ، فكان اسمه أشرف من كنيته ، وحققت له الكنية نسبته بأنه من أصحاب النار ، بل وأبّ لها ، فكانوا يتطيّرون به لهذا السبب ، أو أنهم كانوا يتطيّرون به فسمّوه لذلك أبا لهب ، وكانت زوجته شديدة العداوة للنّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وسبّه أبو لهب مرة وقال له : تبا لك! فنزلت : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) (١) ومعناها خسرت يداك ، وضلّ سعيك وعملك ، وتبّ الثانية أى وتحقق هذا فعلا. وكانت امرأته تسيء إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتقول فيه إنه : مذمّم وليس محمدا ، باعتبار مذمم هى النقيض لمحمد ، وكانت تمشى بين النساء تحمل له الذمّ ، وتنمّ عليه ، فقد توعدها الله بأن تحمل الحطب ، وأن تربط من عنقها بحبل من المسد أو الليف ، وقد كان فى عنقها عقد من خرز فباعته لتنفقه فى عداوة محمد كما قالت. وكان من الممكن أن يعلن أبو لهب وامرأته إسلامهما بعد هذه السورة ، ليظهرا كذب القرآن ، وأن تقرير النار لهما هو دعوى لا غير ، فلم يفعلا ، وماتا على الكفر ، فصدق فيهما القرآن ، أنهما يصليان النار. وفى الإخبار عن كفرهما الدائم معجزة للقرآن ، وقيل ماتت امرأة أبى لهب مخنوقة بحبل ، ومات أبو لهب بالطاعون ، وتركوه ثلاثة أيام حتى أنتن ، يخشون العدوى ، واجتمع أولاده على جثته يرشونها بالماء من بعيد ، ورموا عليه ما يبعد عنهم العدوى ، ثم احتملوه إلى أعلى مكة وردموا عليه بالحجارة. والدرس المستفاد : أن أعداء الإسلام ما يفيدون قط من عداوتهم للإسلام ، وأنهم على الباطل وضد الحق ، والباطل هو جحود الخالق وإنكار أنه الواحد ، والحق أن ندين له بالعبودية ونشهد بوحدانيته ، والحق يعلو ولا يعلى عليه ، وإنّ ربّك لبالمرصاد.

* * *

٨٢٨

٦٩٤. سورة الإخلاص

السورة مكية ، نزلت بعد «الناس» ، وآياتها أربع ، وترتيبها فى المصحف الثانية عشرة بعد المائة ، وفى التنزيل الثانية والعشرون ، وكان نزولها جوابا لأهل الشرك لما قالوا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : صف لنا ربّك ، أو انسب لنا ربّك؟ فنزلت السورة بالردّ عليهم ، وتحدّثت عن صفاته تعالى ، فهو : واحد ، وتر ، وصمد ، لم يزل ولا يزال ، ولم يلد ولم يولد ، فما من شىء يولد إلا سيموت ، وليس شىء يموت إلا ويورّث ، وهو تعالى لا يموت ولا يورّث ، فهو صمد ، ولا شبيه له ، ولا عدل ، وليس كمثله شىء. وهو تعالى لم يلد كما ولدت مريم ، ولم يولد كما ولد عيسى وعزير ، والسورة لذلك فيها ردّ على النصارى واليهود ، فالنصارى قالوا عيسى ابن الله ، واليهود قالوا عزيز ابن الله ، أو اليهود أبناء الله ، وهو تعالى لا يلد ولا يولد ، وكيف تولد بشرية من إلهية؟! فشأن سورة الإخلاص عظيم لذلك ، لأنها فى التوحيد ، والتوحيد ثلث القرآن ، وهذه السورة تعدل ثلث القرآن ، وقد أقرّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يقرأها أحد صحابته على الناس فى كل صلاة ، فكان هذا دليلا على أنه يجوز تكرار السورة فى كل ركعة.

* * *

٦٩٥. سورة الفلق

السورة مكية ، وآياتها خمس ، نزلت بعد الفيل ، وترتيبها فى التنزيل العشرون ، وفى المصحف الثالثة عشرة بعد المائة ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يتعوّذ بها ، وبسورتىّ «الناس» و «الإخلاص». واشتهرت سورتا الفلق والناس بأنهما المعوّذتان ، وكان يقرأ بهما فى الصلاة ، وعن عائشة أنه كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث ، وكانت تقرأ عليه بهما لما اشتد وجعه فى مرضه الأخير ، وتمسح عنه بيده.

والتعوّذ فى سورة الفلق من الشرور كافة ، ومما يمكن أن يأتى به الليل من أنواعها ، مما يخفى على الناس أمره ، ويطويه الظلام بحجابه فلا تبصره عيونهم ، ومن الوحشة تشتد كلما أوغل الليل وغاب القمر ، فيفاجئنا اللصوص ، وتتبعنا السباع ، وتغشانا الهوام ، وتقطع الطرق ، ويروّع الآمنون ، ويقل الغوث مع ندرة الناس. والسحر ليس من العلم فى شىء ، والقرآن يتعوّذ من السحرة وليس من السحر ، ومن الحاسدين وليس من الحسد ، والتعوّذ منهم لما يعنيه ما يمارسونه من طوايا خبيثة ونوايا فاسدة. وكل حديث عن سحر اليهود للنّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم كذب وافتراء ، فكيف يؤتمن على التبليغ عن ربّه إذا كان من الممكن أن يسحر له؟ ولما ذا اليهود بالذات؟ أليس ليظهر من هذه الأحاديث أن اليهود مهيمنون على النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن ثم

٨٢٩

على الإسلام؟ وأحاديث السحر له جميعها من الإسرائيليات (انظر باب الإسرائيليات) وكذلك أحاديث الحسد. ومن شرّ ما خلق فى السورة هو إبليس ، وهو الشرّ عموما فى الكون ، سواء كان أذى ، أو مرضا ، أو عوزا ، أو ظلما. والنفث فى العقد : من طقوس السحر سواء كان أبيض أو أسود. (انظر أيضا السحر والحسد ضمن باب المصطلحات).

* * *

٦٩٦. سورة الناس

السورة مكية ، وآياتها ست ، وكان نزولها بعد «الفلق» ، وترتيبها فى المصحف الرابعة عشرة بعد المائة ، وفى التنزيل الواحدة والعشرون ، وهى مثل الفلق ، إحدى المعوّذتين ، وفيها التعليم للمسلمين بأن يكون تعوّذهم من اثنين من أعدائهم : هما شياطين الإنس وشياطين الجن ، بل إنهما لأعدى الأعداء ، يوسوسون خفية ، ويوعزون ويغمزون ويوغرون الصدور. والوسوسة : من مصطلحات التحليل النفسى ، يقال وسوست إليه نفسه ، يعنى همست إليه ، والوسوسة فى اللغة هى أصوات الحلىّ ، وفى الخبر : أن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا غفل عن ذكر الله وسوس إليه ، وإذا ذكر الله خنس ، أى خرس ولم ينطق ، وتأخر أو أقصر ، ولذا كان التعوّذ باسمه تعالى ، الذى من صفاته : الربوبية (ربّ الناس) ، والملك (ملك الناس) ، والإلهية (إله الناس) ، وذكره تعالى لصرف الوسوسة هو من نوع العلاج الطبي النفسى الدينى.

* * *

انتهى «باب موجز سور القرآن» ، فالحمد لله ، وله المنّة ، ويبدأ إن شاء الله

«باب قصص القرآن» ، وهو الباب السابع من الموسوعة

* * *

٨٣٠

الباب السابع

القصص فى القرآن

فن القصة فى القرآن

القصة من القصّ الذى هو تتبع الأثر. والقصة فى القرآن عمل فريد ليس كالقصص فى الآداب ، فهى ليست حكاية تراعى الحكى وما قد جرى ، وليست رواية تروى عن حدث وفيها التخييل ، ولكنها عمل أدبيّ راق ينهج نهجا واقعيا ، كقصّ الأثر ، يتتبعه ولا يتجاوزه ، وفى القرآن أنه تعالى يقصّ أحسن القصص ، يعنى يقصّها بأبدع أسلوب ، وأبلغ بيان ، عن أخبار الأمم السالفة من العصور الخالية. ولا يستخدم القرآن فى القصّ لفظ الحكاية بدلا من القصة ، لأن الحكاية تقليد وليست واقعا ، وقصص القرآن واقع ، وتتناول أحداثا من التاريخ ، وأنباء ، وتصحّح قصصا أخرى مثلها من التوراة ، وتأتى بما لم تأت به التوراة ، وجميعها من الماضى ، ومنها قصص نزلت تثبيتا لفؤاد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو للعظة والعبرة ، أو شرحا لحكم شرعى ، أو حادث تاريخى ، أو لتبرئة متهم ، أو تجريم مجرم ، أو حلا لمشكلة ، كقوله تعالى : (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ) (يوسف ١١١) ، وقوله : (كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ) (طه ٩٩) ، وقوله : (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) (هود ١٢٠) ، وقوله : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ) (الكهف ١٣). وقيل : إن قصص القرآن تتجاوز حاجز الزمن ، وحاجز المكان ، والحاجز النفسى ، وتلتزم فى السرد المنهج الواقعى ، ومنهج الصدق ، بأسلوب موجز ، وعرض مركّز.

والقصة فى القرآن أنواع ، فهناك القصة المطولة : كقصة يوسف ؛ وهناك القصص القصيرة : كقصة ذى القرنين ؛ وهناك القصة تتنزّل بطلب من الناس : كقصة أصحاب الكهف ، والقصة تتنزّل بغير طلب : كقصص نوح وآدم وغيرهما. وبعض القصص تشتمل عليها السورة بأكملها ، وبعضها كقصة موسى عبارة عن مشاهد ولقطات تصوّر أوضاعا وأحوالا وأحداثا تتناسب معها ، ويأتى الكلام فيها ، فيه الإشارة والإيجاز والحذف ، يناسب بذلك سليقة العرب ، وعلى عكس ذلك تماما يكون الكلام كلما توجه الخطاب إلى بنى إسرائيل ، وهم على ما فى توراتهم يحبون التطويل. وبعض القصص فيها الحيوان أو الطائر شخصية رئيسية فى الحدث الدرامى ، مثل هدهد سليمان ، وحوت يونس ؛ وبعضها فيها عن مخلوقات غيبية كعفريت سليمان ، والجن فى قصة استماعهم للقرآن ؛ وبعضها فيها عن حيوان ليس له دور فى العرض ؛ وأكثرها حوار كما فى المسرح ، وأقلها سرد كما فى الرواية ، والأحداث فيها تتنامى حتى القمة ، وأشخاص القصص من البشر من الصفوة ، وهم كبار القوم ، أو شخصياتهم النابهون أصحاب الفاعلية. والمرأة ليست من سواد النساء

٨٣١

ولكنها من مكتملات العقل والشخصية ، وكل نساء القصص القرآنى لهن أدوارهن ، وحتى الأطفال ليسوا أطفالا عاديين إنما لهم منطقهم ، وأحاديثهم كأحاديث الكبار ، ولهم رؤاهم ، وحركة الناس فى الأحداث تأتى دائما من اللاوعى إلى الوعى ، وتؤثر الحق على الباطل ، وتفضل الشهادة ، وأن نموت بكرامة على الحياة فى ضلال وذلّ. والصراع فى هذه القصص بين الخير والشر ، والصدق والكذب ، والمستكبرين والمستضعفين ، وبين قيم الماضى ، وقيم المستقبل ، وسواد الناس وأعيانهم ، والتعليم الجديد والتعليم القديم ، والإيمان والكفر. وإذا كان القرآن يؤثر الحوار كحلّ للمشاكل فإن الناس تؤثر الصدام ، وكذلك يدعو القصص القرآنى إلى الحوار بين الحضارات ، وأصحاب الحضارات يؤثرون الحرب ؛ وهناك الحبكة القصصية حيث قد تبدأ القصة بعبارات معينة وتنتهى بالعودة إلى هذه العبارات لبيان مصداقيتها. والمكان والزمان مطلقان بلا قيود. ومن فنّيات القصّ فى القرآن استخدام المناجاة كلما ساد العماء فى الموقف ، أو ساء الحال ، أو حارت الشخصية فى شىء. وللقضاء والقدر مداخلات توجّه الأحداث ، وقد تنهيها معجزات وخوارق. والإيجاز صفة عامة فى القصص ، ويتمثّل أحيانا فى حذف مشاهد يمكن فهمها ، ويسمون ذلك الإضمار القصصى. ولا تخرج أى قصة عن إطار السورة بل تمتزج بها موضوعيا فلا تنفصل عنها ، وهى جزء من نسيجها وليست إضافة عليها ، وتتناسب مع غايات التنزيل. وفى قصة موسى مثلا تتعدد المشاهد ، ومع تعدّدها تنتقى الأحداث لتتناسب مع الموضوع ، وينتفى التكرار باختلاف الألفاظ والأساليب والمعانى والسياق والمقام والغايات ، فمرة يكون بطريق السرد ، ومرة بطريق الحوار ، بحسب ما يقتضيه تحريك الأحداث وتصعيدها ، وأحيانا يقتضى ذلك بسط بعض القصص بسطا مطولا ، وأحيانا يقتضى اقتضابها أشد الاقتضاب ، أو بسطها ثم اقتضابها دواليك ، ويجيء الإجمال فى السرد كأنه فى مرحلة العرض والتعريف ، ثم يكون التفصيل من بعد. والإجمال والاقتضاب من باب الإضمار ، وتفرضه الحبكة. ومن أمثلة هذا الإيجاز أو الإضمار القفز بالحدث عبر الزمان والمكان ؛ والوصف للتعريف واختصار الوقت والكلمات ؛ والتكثيف.

* * *

٦٩٧. الخلق وقصته فى التوراة والقرآن

خصّص التوراة لقصة الخلق الفصل الأول والثانى من سفر التكوين فذكر : أن أول ما خلق الله السموات والأرض ، وكانت الأرض خربة تغمرها المياه ، وكان الظلام ، فخلق الله النور وفصله عن الظلام ، وفرق النهار عن الليل ، وفصل الله ماء عن ماء الأرض ، وجعله

٨٣٢

كالجلد وأعطاه اسم السماء ، وانتهى من ذلك فى مساء اليوم الأول. وبدأ فى صباح اليوم الثانى ، فجمع ماء الأرض فى مكان واحد سمّاه البحار ، وأظهر اليابسة ، وأنبت الأرض نباتها وأشجارها بحسب أصنافها ، وانتهى من ذلك فى مساء اليوم الثانى ؛ وفى صباح اليوم الثالث خلق النيّرات فى السماء ، تفصل بين النهار والليل ، وتصنع أوقاتا وأياما وسنين ، وتضيء الأرض ، وخلق الشمس والقمر ، فالشمس للنهار ، والقمر لليل ، والاثنان يضيئان الأرض ، وانتهى من ذلك فى مساء اليوم الثالث ؛ وفى صباح اليوم الرابع خلق من الماء الأسماك والحيتان والمائيات والطيور ، كلا بحسب أصنافه ، وباركها لتنمو وتكثر ، وانتهى من ذلك فى مساء اليوم الرابع ؛ وفى صباح اليوم الخامس خلق البهائم والوحوش بحسب أصنافها ، وخلق الإنسان على صورته تعالى ذكرا وأنثى ، ليتسلّط على سمك البحر وطير السماء والبهائم ، وليخضع له كل ما يدبّ على الأرض ، وليتسيّد على جميع الأرض ، وبارك بنى البشر لينموا ويكثروا ، وليكون لهم العشب وبذره وبقوله ، والشجر وثمره ، مأكلا ومطعما ، وانتهى من ذلك فى مساء اليوم السادس ؛ واستراح فى اليوم السابع وقدّسه كيوم راحة». ونلاحظ أن كاتب سفر التكوين اليهودى قد قال : إن الله كان خلقه للسماوات والأرض وفق مبادئ وضعها وخلق الخلق وفقها. ولم يكن العشب والشجر ينبت قبل أن يمطر الله المطر على الأرض ، وهنا تناقض واضح ، لأنه قال قبل ذلك : إن الأرض كان يغمرها الماء ، وقال فى العبارة ٦ من الفصل الثانى إن البخار كان يصعد من الأرض فيسقى جميع وجهها ، وإذن فالماء متوفر بها ولا تحتاج للمطر ، فلما ذا شرط الماء للنبات والشجر وكل ما عداه ، مع أنه كان متوفرا؟!

وتقول التوراة : إن الله لمّا خلق الإنسان على مثاله ، جبله من تراب الأرض ، ونفخ فى أنفه فصار نفسا حية ، وأعدّ له جنة أرضية شرقية أسماها جنة عدن وهيّأها بالطيّب الحسن من الأشجار ، ومنها شجرتان جعلهما وسط الجنة ، هما شجرة الحياة ، وشجرة معرفة الخير والشر ، ومن هذه الجنة كان يخرج نهر يسقى شجرها ، ويتشعب بعد ذلك أربعة شعب هى أنهار الدنيا الأربعة الكبرى : فيشون الذى يروى الحويلة ، وجيحون الذى يجرى بالحبشة ، وحد اقل الذى يجرى فى آشور ، ونهر الفرات ، وعلميّا ليست هذه أنهار الدنيا الكبرى!

وتقول التوراة : إن الله أسكن الإنسان الأول جنة عدن «ليفلحها ويحرسها» (التكوين ٢ / ١٥) ، وأمره أن يأكل من جميع الشجر إلا شجرة معرفة الخير والشر ، لأنه لو أكل منها مات. وعرض الله على الإنسان المخلوقات جميعها ، من حيوانات البرية ، ووحوش الصحارى ، وطيور السماء ، ليرى ما ذا يسمّيها ، وأوجب لها الأسماء كما أطلقها عليها.

٨٣٣

ولم يرد اسم الإنسان الأول فى التوراة إلا بمناسبة أسماء المخلوقات ، فى العبارة ١٩ من الفصل الثامن من سفر التكوين ، وجاء أنه آدم ، ويبدو أنه اشتكى من العمل الكثير ، وأبدى السأم من الوحدة ، فأوقع الله به النوم ، واستل أحد أضلاعه وسدّ مكانه باللحم ، ومن هذا الضلع استنسخ حواء وأتى بها آدم ، فلما عرف أنها من ضلعه سمّاها امرأة ، لأنها مأخوذة من امرئه ، ولزمها أنها من جسده ، ولهذا يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فيصيران جسدا واحدا.

فهذه قصة الخلق كما وردت بالتوراة ، وتلتها قصة الخروج من جنّة عدن ، ليشقى آدم وامرأته فى الأرض. فما ذا يأتى من ذلك فى الأناجيل؟ لا شىء البتة ، فالأناجيل شغلها الشاغل أن تروى عن المسيح وأعماله ، وأن تمجّده وتغرس دعوته فى النفوس وتشرب بها العقول. ولم يكن إعطاؤها اسم المسيحية من فراغ ، لأنها الديانة التى مدارها المسيح ، فكل ما يتعلق بالمسيح ترويه الأناجيل ، والكلام فيها ليس عن الله وإنما عن المسيح ، والدعوة فيها ليست لله وإنما الدعوة للمسيح ، ولتأليه المسيح ، وعبادة المسيح. والتوراة فيها من ذلك بطريقة أخرى ، فمدارها اليهود ، وتاريخهم ، وما جرى لهم ، وما جرى منهم ، وما قالوه وفعلوه ، واعتقاداتهم ، ومركز هذه الاعتقادات تأليه الشعب اليهودى ، واليهود جعلوه شعبا مختارا ، وقالوا : إنه شعب الله ، والنصارى قلبوا كل تعاليم اليهود ونقضوها ، ولم يؤلّهوا الشعب كاليهود ، ولكنهم ألهّوا واحدا منه أعطوه اسم المسيح أو يسوع ، وبدلا من مقولة شعب الله قالوا : ابن الله ، واعتمدوا على رواية التوراة فى قصة الخلق أو التكوين ، بدعوى أنهم يكملون اليهودية ، ويصلحون ما أفسده اليهود منها وما حرّفوه.

والإسلام أورد عن قصة الخلق ، واليهود يدّعون أن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يفعل إلا أن سرق روايتهم فى الخلق وجعلها قرآنا! وذلك كذب وبهتان ، لأن هذه القصة فى التوراة لم تأت إلا كمقدمة لمجيء اليهود ، وهى فى القرآن لإثبات وحدانية الله ، وأنه ينفرد بالخلق ، وأن الخلق من أفعاله ، فهو الخالق ، والمبدع ، ولو كان فى الوجود إله غيره لعلا أحدهما على الآخر ، ولاختلفا ، وهذا غير وارد بالكلية فى التوراة. وظل القرآن يردد عن قصة الخلق فى سورة بعد سورة ، وآيات بعد آيات ، ليثبت بالبرهان القاطع ، والحجّة الدامغة : أن الله واحد لا شريك له ، وأنه قد خلق الإنسان ليعبده ، وعبادته سبحانه بالعمل الصالح ، يقلّده فيه ، ويتواصل به معه ، ويذكره به ، ويتّقيه من خلاله.

ثم إن الخلق فى التوراة لم يؤسس على مبادئ علمية كما يدّعى عزرا الكاتب مؤلّف التوراة فى عبارته الرابعة من الفصل الثامن من سفر التكوين ، وكانت كتابته للتوراة بدءا

٨٣٤

من سنة ٤٥٧ قبل الميلاد ، أى بعد زمن موسى بنحو ألف سنة أو أقل ، ولم تكن عنده مصادر محررة وموثقة إلا ما يرويه الأحبار ويتناقلونه فيما بينهم بعد ما أضافوا وحرّفوا وزادوا من الأقوال لصالح اليهود حتى جعلوا من التوراة كتابا فى الوطنية اليهودية ، وانتحلوا فيه لأنفسهم وعدا من الله بأرض ليست لهم ، وسيادة لم يميّزهم بها ، وروّجوا لأكاذيبهم وأضاليلهم بمختلف الطرق ، ومتباين الوسائل.

ويحفل القرآن بعبارات عن الخلق صيغت بأجمل بيان ، وقد حوت كل ما سبق وأشارت إليه التوراة وأكثر منه ، وصحّحت ما أخطأت فيه ، والخلق فى القرآن استغرق ستة أيام ولكن اليوم السابع من الأسبوع لم يكن للراحة ، ولكنه كان عيدا يجتمع فيه الناس ويصلون جماعة شكرا لله وحمدا ، يقول : (اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (٥) (السجدة) ، والجديد عمّا جاء فى التوراة هو «تدبير الأمر وتنزّله فى يوم مقداره ألف سنة من حسابنا الزمنى». ويقول : (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (١٢) (فصلت) ، والجديد فى هذه الآيات قوله : إن الأرض خلقها فى يومين ، وأنه جعل فيها رواسى وقدّر فيها أقواتها وذلك فى أربعة أيام ، وأنه استوى إلى السماء ، وكانت السماء دخانا ، وأنه أمر الأرض والسماء فأطاعتا ، فقضى السماء سبع سماوات فى يومين ، وجعل لكل سماء ما يخصها ، وأما السماء الدنيا فزيّنها بالنجوم والكواكب وجعل لها ما يحفظها ، وكل ذلك جديد فى نظرية الخلق لم تأت به نظريته فى التوراة اليهودية. ويقول عن السماء : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) (١) (البروج) ، والبروج هى منازل الشمس والقمر ، وهى اثنا عشر برجا تسير الشمس فى كل واحد منها شهرا ، ويسير القمر فى كل واحد منها يومين وثلثا ، فذلك ثمانية وعشرون منزلا ويستسر ليلتين. ويقول : (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (المنافقون ٧) أى له خيراتها وكنوزها التى يعلمها وحده ، ويعلم مكانها ، وهو وحده المتصرّف فيها فى أوانها. ويقول : (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) (٤) (الفتح) يعنى أن له تعالى وسائله التى تتحقق بها مشيئته فى السموات والأرض ، وهى الملائكة وغير ذلك. ويقول : (اللهُ الَّذِي رَفَعَ

٨٣٥

السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) (الرعد ٢) ، يعنى أنه من كمال قدرته وعظيم سلطانه قد رفع السموات بغير عمد ، ولكن بإذنه وتسخيره ، وقد رفعها عن الأرض ، فالسماء الدنيا تحيط بكل الأرض والماء والهواء ، وترتفع عليها ، لا يدرك مداها أحد ، والسماء الثانية تحيط بالأولى ، بعدا عنها ، وهكذا إلى السماء السابعة. والكون أكبر من ذلك ، وفى الحديث أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ما السموات السبع وما فيهن ، وما بينهن فى الكرسى ، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، والكرسى فى العرش المجيد كتلك الحلقة فى تلك الصلاة» ، فانظر يا أخى كم هى علمية نظريات الإسلام فى الكون ، فلقد تحدث إينشتاين وآخرون عن لا نهائية الكون ولا شىء من ذلك تقول به التوراة. وفى الرواية : «العرش لا يقدر قدره إلا الله عزوجل» ، يعنى أن الإنسان العالم قد يقول باللانهائية ولا يقدرها مع ذلك قدرها ، إنما الذى يقدرها قدرها هو الله وحده. واستواؤه تعالى على عرش الكون أى سيطرته عليه وتمكّنه منه ؛ وتسخيره للشمس والقمر أى أمره لهما أن يجريا بلا انقطاع ؛ وذكره تعالى للشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة التى هى أشرف وأعظم من الثوابت ، وإلا فالنجوم أيضا مسخرة بأمره ، كقوله : (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٥٤) (الأعراف) ، وتسخيره للشمس والقمر والنجوم إنما ليضيء للإنسان : (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) (٣٣) (إبراهيم) ، ففي الأصل كان الكون عماء وظلاما ، فخلق الشمس فأوجد النهار ، وألحقه بالليل ، وجعل القمر لينير الليل ، كقوله : (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ) (يونس ٥) ، والتسخير فى الموجودات كالسجود فى الصلاة عند الإنسان ، كقوله : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (الحج ١٨). ومن آياته أن الشمس لا تلحق بالقمر ، ولا القمر يلحق بالشمس ، وكذلك الليل والنهار ، وهذا معنى السجود لله ، أى الطاعة ، فلا عصيان ولا تمرد ، وإنما خضوع كامل : (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (٤٠) (يس) ، وهو تعالى الذى وقّت الأزمان بالقمر والشمس ، وبالليل والنهار ، وبالضحى ، والظهر ، والعصر ، والمغرب (الشمس ١) ، وهو تعالى الذى يفلق الإصباح (الأنعام ٩٦) ، وجعل الليل سكنا ولباسا ، والنوم سباتا ، والنهار معاشا (النبأ ١٠) ، وسخّر البحر والفلك والأنعام (الزخرف ١٢) ، ويفلق الحبّ والنوى (الأنعام ٩٥) ، وينبت فى الأرض من كل شىء (الحجر ١٩) ، ومن كل زوج كريم (الشعراء ٧) ، وينبت فيها الحدائق ذات البهجة (النمل ٦٠) ، وينزّل من السماء الماء المبارك فينبت

٨٣٦

الجنات (ق ٩) ، ويشقّ الأرض ، وينبت الحبّ والعنب والقضب (عبس ٢٧) ، وخلق الإنسان من تراب الأرض وأطعمه نباتها وحيوانها (نوح ١٧) ، وقال بالأطوار وشرحها فى خلق الإنسان فقال : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) (١٤) (المؤمنون). وبالاختصار : لا شأن لنظرية القرآن فى الخلق بنظرية التوراة فيه. ولو أفردنا للخلق فى القرآن الصحائف لزاد ما نفرده منها عن أوراق التوراة جميعا والأناجيل معها ، ولا نسبة بين ما يحدّثنا الله به فى القرآن عن الخلق ، وبين ما يحدثنا به عزرا مؤلف التوراة ، ولو قارنا ، بين كلام القرآن وكلام التوراة لتذكّرنا ملخصات الطلبة فيما يشرحه الأساتذة من الدروس ، فالتوراة ملخص بسيط فيه أخطاء وقصور وإيجاز مخل ، والسبب أنه كتاب لم يصنع للدعوة إلى الله وإنما لتمجيد شأن اليهود ، وأما القرآن : فهو كتاب الله ، ويدعو إلى الله ، ويلفت إلى آياته ، وينبّه إلى عظمته وقدرته ، ويقول بألوهيته ، ويؤكد على وحدانيته. فافهم يا أخى المسلم ويا أختى المسلمة ، ولنحمد الله على الإسلام.

* * *

٦٩٨. خلق آدم وحواء

لم يذكر التوراة عن خلق آدم من تراب ، ولم يجيء بها سوى أنه خلقه فى اليوم الخامس ، وخلق منه حواء بعد اليوم السابع بزمن طويل ، وحواء هى زوج آدم ، وفى التوراة : أن الربّ أوقع السبات على آدم Adam ، واستل إحدى أضلاعه وسدّ مكانها بلحم ، وبنى الضلع التى أخذها من آدم امرأة ، وعرف آدم أنها منه فقال هى امرأة ، لأنها خلقت من امرئى» (التكوين ٢ / ٢١ ـ ٢٤). ولا شىء من ذلك فى القرآن ، إلا الآية : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً) (النساء ١) ، والآية : (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ) (الأعراف ١٨٩) ، وإجماع المفسرين على أن النفس الواحدة هى آدم ، وأن حواء خلقت منه ، وأن سبب خلق الله تعالى لحواء : «ليسكن إليها» أى ليأنس بها ويطمئن ، وأيضا ليكون لآدم منها الذرية ينتشرون فى الأرض ويعمرونها ، كقوله : (وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً) (النساء ١) ، وحصر ذريتهما فى نوعين كنوعيهما ، فلما كان آدم ذكرا وحواء أنثى ، خلق منهما الذكر والأنثى ، واقتضى ذلك أن الخنثى وهو من تجتمع فيه الذكورة والأنوثة ، ليس بنوع ، وإنما هو مردود إلى هذين النوعين فيلحق

٨٣٧

بأحدهما بحسب غلبة أعضائه الذكرية أو الأنثوية عليه. ولم يتناول القرآن حكاية الخلقة من الضلع وتناولتها الأحاديث ، وفيها : «خلقت المرأة من ضلع عوجاء» ، وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن المرأة خلقت من ضلع» ، وفى رواية : «وإنّ أعوج شىء فى الضلع أعلاه ، ولذلك لن تستقيم المرأة لك على طريقة واحدة ، فإن استمتعت بها ، استمتعت بها وبها عوّج ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها ، وكسرها طلاقها» أخرجه مسلم. وهذه الأحاديث هى قطعا من الإسرائيليات ، لأنه لا إشارة لحدث عظيم كهذا فى القرآن ، فأن يخلق الله آدم من تراب آية ، وأن يخلق حواء من آدم آية أخرى ، إلا أن القرآن يقول إن خلق حواء من آدم كان من نفسه ، يعنى على منواله وفيها كل بشريته ، وخلقها صورة منه فى جنس أنثى ، ولم يذكر حكاية الضلع هذه ، والخلق من النفس أعظم ، وفيه أن الذكر والأنثى شقائق ، بينما الخلق من الضلع فيه إعلاء لشأن الرجل من جهة قوته وسطوته ، وقيل إنه تعالى خلقها من ضلعه لتكون الأقرب إلى قلبه ، وليكون الأعطف عليها. ولا أعرف فى علم التشريح أن الذكر أو الأنثى يقل عدد أضلاع أحدهما عن عدد أضلاع الآخر! ولا فى أى حيوان من الثدييات! فنظرية القرآن فى خلق حواء هى النظرية الأصحّ والأكثر معقولية والأقرب إلى العلم من نظرية التوراة.

* * *

٦٩٩. الخروج من الجنة وقصته فى التوراة والقرآن

قصة خروج آدم وحواء من الجنة يشملها الفصل الثالث من سفر التكوين من أسفار التوراة الخمسة ، ويتألف الفصل من ٢٤ عبارة. وليست جنة آدم هى الجنة التى يتحدث عنها القرآن ، ويأتى اسمها فى التوراة جنة عدن ، وعدن اسم سريانى ومعناه البهجة ، والجنة بستان أو حديقة ، وجنة عدن إذن بستان ، كل ما فيها يبهج النفس. وتقول التوراة : إن الحيّة وهى أمكر حيوانات البرية ، احتالت على حواء وشككتها فى أمره تعالى أن لا تأكل هى وآدم من الشجرة التى فى وسط الجنة وإلّا ماتا ، وأبلغتها أن الله يعلم أنهما سيأكلان منها ولن يموتا ، وإنما سيعرفان الخير والشرّ كالآلهة. وداخل حواء السرور وهى تطالع الشجرة وكانت شجرة جميلة ، وراودتها نفسها أن تتذوق ثمرها ، وتناولت بعضه وأكلته ، وأعطت آدم منه فأكل ، فكأن حواء أغوتها الحية ، وأغوت حواء آدم ، وفى الحال انفتحت عيونهما ، وإذا بهما قد تعرّيا ، فأسرعا إلى ورق شجر التين ، وصنعا منه مآزر لهما. وكان الله يسير فى الجنة يتنسّم هواءها ، فاختبأ آدم وحواء منه بين الأشجار كى لا ينظر عريهما ، وناداه الربّ فاعتذر بأنه عريان ، فسأله الربّ وكيف عرفت أنك عريان؟ لا بد أنك أكلت من الشجرة

٨٣٨

التى نهيتك عنها! وتعلل آدم بأن حواء أغوته ، وتعللت حواء بالحيّة ، فلعن الله الحيّة من كل البهائم ، وعاقبها بأن جعلها تزحف على صدرها ، وبثّ العداوة بينها وبين حواء ، وبين نسلها ونسل حواء ؛ فهم يسحقون رأسها وهى تلدغ أعقابهم ، وعاقب المرأة بأن تحمل فى مشقة ، وتلد فى مشقة ، وأن تتحكم فيها أشواقها الجنسية ، وأن يتسيّد عليها رجلها. ولعن الله الأرض بسبب آدم ، وعاقبه بأن لا يستخرج ما يأكله منها إلا بمشقة ، وأن لا يجنى أحيانا من نبات الأرض الشوك والحسك وعشب الصحراء ، وأن يكد ويكدح ليجد الخبز ، وأن يعمل فى كبد طوال حياته إلى أن يوارى التراب الذى خلق منه وإليه يعود ، وصنع الرب لآدم وحواء أقمصة من جلد كساهما بها ودارى عورتيهما. وأصبح آدم وقد طعم من شجرة «معرفة الخير والشر» كالآلهة ، وخشى الربّ أن يحاول آدم أيضا أن يطعم من «شجرة الحياة» فيعيش للأبد ، فأخرجه من جنة عدن ، فصار عليه أن يحرث الأرض التى خلق منها ليجد ما يطعم ، وفرض الله حراسة حول شجرة الحياة ليمنع آدم عنها. ولم تقل التوراة أن الربّ طرد حواء أو عاقبها ، ولم تقل أنه طرد الحيّة ، وافترضت أنه بطرد آدم طردت حواء والحيّة ، ولما تعرّى آدم وحواء عرفا بعضهما البعض جنسيا فولدت له البنين والبنات ، وأطلق عليها من ذلك الحين اسم حواءEve لأنها قد صارت تلد أحياء. وكانت هذه هى قصة الخروج من جنة عدن كما جاءت فى التوراة ، وجنة عدن فى التوراة أرضية وليست سماوية ، ومفسرو التوراة يقولون أنها كانت فى أرمينيا ، لأن الفرات من أنهارها ، وهو من أرمينيا ، وبعضهم يقول إن عدن كانت بين دجلة والفرات جنوبى العراق ، لأن مواصفات التوراة لها أنها شرقى فلسطين ، وبقربها كوش وكانت تعرف قديما باسم كاشو ، وكان سهل بابل معروف فى القديم باسم عدنو ، والحويلة المذكورة فى التوراة هى الجزء الشمالى من جزيرة العرب المتاخم للعراق. والجنة فى القرآن على العكس سماوية ، وهى مكان أعدّه الله للمؤمنين ، وليست جنة واحدة وإنما جنّات تجرى من تحتها الأنهار ، والناس فى إيمانهم لا يستوون ، وهم أصناف ، ولذلك لا يدخلون جميعا جنة واحدة ، وفى الحديث عن أبى هريرة أن النّبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن فى الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين فى سبيله ، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله ، فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ، ومنه تفجّر أنهار الجنة ، وفوقه عرش الرحمن» أخرجه الشيخان. وفى تفسير الفردوس يقول مجاهد : إنها البستان بالرومية ، وورد عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم برواية سمرة وإخراج ابن جرير قال : «الفردوس ربوة الجنة ، أوسطها وأحسنها». وترد جنة عدن فى القرآن إحدى عشرة مرة ، وفى التوراة لا ترد إلا مرتين ، وكان الاسم ـ كما ذكرنا ـ عند البابليين عدنو.

٨٣٩

وعن أنس أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال عن جنة عدن : «خلق الله جنّة عدن بيده لبنة من درة بيضاء ، ولبنة من ياقوتة حمراء ، ولبنة من زبرجدة خضراء ، ملاطها المسك ، وحصباؤها اللؤلؤ ، وحشيشها الزعفران ، ثم قال لها : انطقى فقالت : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) ، فقال الله : وعزّتى وجلالى لا يجاورنى فيك بخيل» ، ثم تلا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر ٩). وهذه الصورة الحسيّة لجنة عدن إنما هى كناية لما لا سبيل إلى وصفه منها بلغة البشر ، وتصويرها بهذه الصورة المادية لتجسيم المعنى المعنوى وجعله أسهل للفهم وألصق بالذاكرة. وفى التوراة لا يرد إطلاقا اسم الجنة فى أى من الأسفار بخلاف هاتين المرتين التى ورد فيهما مضافا إلى عدن ، وثواب اليهود فى الدنيا ، ينعّم فيها الله المؤمنين ، وعقاب العاصين فى الدنيا أيضا. وجهنم عندهم هى هنوم ، تنسب لواد على مشارف القدس كانت تحرق به الزبالة ، ثم أطلق على محرقة الأجساد رمزا للهلاك الأبدى.

وقصة الخروج من الجنة تختلف فى كل تفاصيلها فى القرآن عن التوراة ، ففي القرآن أن الله قضى بأن يخلفه آدم وبنوه على الأرض ، وأنه تعالى علّمه أسماء الموجودات ، وأنه التقى بالملائكة لينبئهم ، ولمّا لم يفهموا وأبدوا التخوّف طمأنهم أنه علّام الغيوب ، وعرض آدم عليهم فأنبأهم بالأسماء ، ودهشوا لعلمه ما لا يعلمون ، وسجدوا له بأمر الله إلا إبليس فقد أبى واستكبر. وأسكن الله آدم وزوجته الجنة ونهاهما عن الاقتراب من الشجرة ، فأزلّهما الشيطان عنها ، فوجب خروجهما من الجنة ، وهبطوا إلى الأرض جميعا ، آدم وزوجته وإبليس ، بعضهم لبعض عدو ، وتاب آدم بما تلقى من الله من كلمات ، وعاش وزوجته على الأرض يتناسلان وبنوهما ، فمن يتّبع هدى الله لا يحزن ولا يخاف ، ومن يكفر ويكذّب فأولئك أصحاب النار (البقرة ٣٠ ـ ٣٩) ، وهذه تفاصيل لا يوجد إطلاقا ما يشبهها فى التوراة ؛ والقصة برمتها فى القرآن فى غاية السمو ، والحبكة فيها فى غاية القوة.

وفى سورة أخرى يأتى الخلاف مع إبليس ، وعناده وإصراره على الاستكبار حسدا لآدم واستعلاء ، ويلعنه الله ، فيطلب أن ينظره إلى يوم البعث ، ويعده أن يغوى بنى البشر أجمعين ، وأن يقعد لهم كل مقعد ، وبدأ بآدم وحواء ، وأوقعهما فى المكروه فذاقا الشجرة المحرّمة ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، واعتذرا لله أنهما ظلما نفسيهما وطلبا المغفرة ، فأهبطهم جميعا إلى الأرض ، يستقرون فيها إلى حين ، متخاصمين ومتعادين إلى أن يموتوا فيها ثم يبعثوا منها يوم القيامة (الأعراف ١١ ـ ٢٥). وفكرة الشيطان ، والصراع الأجناسى بين إبليس وآدم ، وتوعّده لبنى البشر ، وطلب آدم وحواء للمغفرة ، وحكم الله فيهما ، كل ذلك غير موجود فى النصّ العبرى.

٨٤٠

وفى سورة أخرى يقص القرآن : أن الله قد عهد إلى آدم فنسى ولم يكن له عزم ، وسجد له الملائكة إلا إبليس ، فحذر الله آدم وزوجته منه ، لئلا يخرجهما من الجنة فيشقيا ويعرفا الجوع والعرى والظمأ وشدة الحرّ ، وعصى آدم ربّه فغوى ، وأكلا من الشجرة المحرّمة وبانت سوءاتهما ، واستغفر آدم وتاب ، واجتباه ربّه فتقبل منه وهداه ، وقضى الله تعالى أن يهبطوا جميعا أعداء لبعضهم البعض إلا من اهتدى (طه ١١٥ ـ ١٢٣) ، وليس فى النص القرآنى أن حية غوت حواء ، أو أن حواء غوت آدم ، وإنما كانت الغواية من إبليس لآدم ، وتابعته امرأته على ما فعل ، وتاب آدم وأناب وهداه الله ، وكان عليهم أن يتركوا الجنة ويهبطوا للأرض ليشقوا ويتعادوا إلا من هدى الله ، وجميعها تفاصيل لا يشبهها شىء فى التوراة!

وفى سورة أخرى يبلغ الحواريين الله تعالى وبين إبليس ذروة درامية رفيعة ، وتسبق ذلك وتمهد له عبارات آية فى الجمال ، ويختلط السرد بالحوار ، ويأتى ردّ إبليس : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (الأعراف ١٢) ، ويكون الحكم الإلهى : (فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ) (٨٨) (ص) ، ويحاور إبليس ويداور ثم يقول قولا منكرا : (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (٨٣) (ص) ، وينهى الله تعالى الحوار نهاية يوجز بها قصة الخروج فيقول : (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (٨٥) (ص).

فالقرآن كما ترى أغنى فى التفاصيل ، وما يرويه أكثر معقولية ، وروايته رواية شاهد يعرف ما يقول ، ويشهد بما يعرف ، وبما يعنيه ويتضمنه ويشتمل عليه من نتائج ودروس مستفادة ، وشتّان بين روايته والرواية الفجّة التى يسردها التوراة!

* * *

٧٠٠. دخول آدم وحواء فى الجنة للسكنى لا للإقامة

لمّا كفر إبليس أخرجه الله تعالى من الجنة وأبعده عنها ، وبعد إخراجه قال لآدم : (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة ٣٥) ، والسكنى تعنى الإقامة ، والإقامة لا تكون إلا لمدة ، ومن لحظة أن قال لهما (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ) كان ينبغى أن يفهما أن سكناهما الجنة هى سكنى مؤقتة ، وعليهما أن يرتقبا خروجهما ، وسكناهما إذن من نوع «السّكنى الرّقبى ، أى السكنى ومراقبة أن تكون لمدة ، بعكس السّكنى العمرى ، أى السكنى طوال العمر ، أو السكنى مع حق الإعمار فى السكن ، كما فى قوله تعالى : (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) (هود ٦١) ، أى أسكنكم فيها لأعماركم ، ولكى تعمروها ، وفرق بين أن

٨٤١

يسكن آدم وحواء الجنة سكنا لمدة ، وبين أن يسكن الإنسان الأرض طوال حياته ولكى يعمّرها. وفى الحديث : «العمرى جائزة لمن أعمرها ؛ والرّقبى جائزة لمن أرقبها» أخرجه ابن ماجة.

* * *

٧٠١. شجرة المحنة

الشجرة التى أكل منها آدم وحواء رغم نهى الله لهما عنها ، قيل : هى الكرم : ولذلك حرّمت علينا الخمر ؛ وقيل : هى الحنطة ، ولذلك جعلها غذاء آدم وبنيه من بعد ذلك لمّا تاب عليه ؛ وقيل هى التين : ولذلك تعبّر فى الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم وحواء على أكلها. وليس فى شىء من هذا التعيين ما يعضده خبر ، والصواب أن نعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فقال : (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) (٣٥) (البقرة) ، فخالف هو إليها وعصى بالأكل منها ، فكما عصى إبليس ربّه كان أيضا عصيان آدم ، ولكن عصيان إبليس لم يكن عن اختيار ، ولا هو محنة ، على عكس اختيار آدم فقد كان محنة وأى محنة!

* * *

٧٠٢. آدم لم يكن له عزم

قيل الإنسان من النسيان ، والله تعالى عهد إلى الإنسان فنسى العهد ، كقوله : (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) (١١٥) (طه) ، فكأن العهد كان لآدم ولبنيه من بعده ، والنسيان كذلك كان صفة فيه وفى بنيه من بعده ، ولم يقل الله تعالى «عصى» وإنما قال «نسى» ، لأن عصيان آدم كان بتأويل ، وكان آدم يعتقد ألا يأكل من الشجرة ، فلما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده ، والشيء الذى عهد إلى آدم هو : ألا يأكل من الشجرة ، وأعلم لذلك أن إبليس عدو له. والعزم هو الصبر ـ صبره عن أن يأكل من الشجرة ، وأن يواظب على التزام الأمر ، ومن ذلك قوله تعالى : (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (الأحقاف ٣٥). وقيل : إن الله تعالى نهاه عن شجرة بعينها ، وخدعه إبليس بأن النهى وقف عليها وليس على نوعها ، وترك آدم الاستدلال ، أو أنه لم يطبّقه ، وما تعرفه ولا تطبّقه فكأنك تجهله ، وكأن آدم لم يكن يعرف الاستدلال ، فترك الشجرة المنهى عنها وأكل من أختها التى من جنسها ، وكان أكله منها تأويلا وليس نسيانا ، فمن قال بالنسيان أخطأ. وقيل : إن آدم لم يكن من أولى العزم من الرسل وقيل : إنه ما من نبىّ إلا وقد أخطأ أو همّ بخطيئة ، فلو خرج آدم من جملة أولى العزم بسبب خطيئة ، لخرج جميع

٨٤٢

الأنبياء. وذلك غير صحيح ، فكل نبىّ حالة خاصة وله ظروفه ، وآدم فيما يبدو قد تعهّد وأصرّ على الوفاء ، وأخذ نفسه بالالتزام بالأمر بصرامة ، فهذا هو العزم ، ولكنه فى الحقيقة تهاون واستخف ، وهذا هو معنى أنه لم يكن له عزم. والحق يقال أنه كان واقعا تحت ضغوط نفسية من أشد ما عرفته البشرية من الضغوط النفسية : ضغط إبليس ثم ضغط حواء ، فلا عجب أن ضعف عزمه ، فعذره ربّه ، وغفر له.

* * *

٧٠٣. ذنب آدم لا يزرى به

الزراية هى الاحتقار ، ويزرى به أى يعيبه ، ومنها الزرىّ وهو الذميم المحتقر ، والزراية لآدم ، لأنه كقوله تعالى : (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) (١٢١) (طه) ، فما فعله آدم هو عصيان وذنب لا شك فيه ، إلا أن ذنوب الأنبياء مغفورة لأنهم يستغفرون منها ويتوبون ، وذنوبهم بالنسبة لغيرهم حسنات مع ذلك ولكنها فى حقّهم سيئات ، بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم ، والوزير قد يؤاخذ بما يثاب عليه ساعى مكتبه ، أو جندى الحرس عنده ، وفى الخبر أن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين ، ومع أن الأنبياء تقع منهم الذنوب إلا أنها لا تخل بمكانتهم ، ولا تقدح فى رتبتهم ، وفى الحديث عن أبى هريرة عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «احتجّ آدم وموسى ، فقال موسى : يا آدم ، أنت أبونا وأخرجتنا من الجنة؟ فقال آدم : يا موسى ، اصطفاك الله عزوجل بكلامه وخطّ لك بيده يا موسى! أتلو منى على أمر قدّره الله علىّ قبل أن يخلقنى بأربعين سنة! فحجّ آدم موسى ثلاثا» ، ومعنى حجّه أى غلبه بالحجة. وصحّت حجة آدم لأن الله قد غفر له خطيئته وتاب عليه ، وما كان لموسى أن يعيّره بخطيئة قد غفرها الله له.

* * *

٧٠٤. آدم أول نبىّ

فى الحديث الصحيح أن نوحا هو أول رسول ، يقول : «ولكن ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض» ، فهو الأول لأنه كان أول من جاء بشريعة ، إلا أن آدم أيضا باعتباره أول البشر كان له تعليمه من الله ، وكان يعلّم أبناءه أوامره ونواهيه ، وإذن كان آدم نبيا ، وكان أول نبىّ بغير إشكال ، ولم يكن معه إلا النبوة ، ولكن لم تفرض له الفرائض ، ولا شرّعت له المحارم ، وإنما كانت أقواله تنبيها على بعض الأمور ، واقتصارا على ضرورات المعاش ، وأخذا بوظائف الحياة والبقاء. وفى الآية : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) (٣٣) (آل عمران) ثبت أنه تعالى اختار لهؤلاء دينهم

٨٤٣

وهو الإسلام ، واختار لآدم النبوة ، ولإبراهيم النبوة ، ولنوح الرسالة ، ولآل إبراهيم وآل عمران أن يكون منهما الكثير من الأنبياء والرسل ، فمن آل إبراهيم كان : إسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، والأسباط ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ ومن آل عمران : موسى ، وعيسى. وقيل إن «آل إبراهيم» هو نفسه ، و «آل عمران» هو نفسه ، والصحيح أن الله تعالى خصّ هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء والرسل من نسلهم.

* * *

٧٠٥. كلمات آدم

قيل فى الآية : (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة ٣٧) ، أن كلماته تعالى التى تاب آدم بها هى : (رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ) (الأعراف ٢٣) ، أو قوله : (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) (القصص ١٦) ، أو قوله : (لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (٨٧) (الأنبياء) ، أو أن هذه الكلمات التى نطق بها لسانه وعبّرت عن حاله هى : «لا إله إلا أنت ، سبحانك وبحمدك ، عملت سوءا وظلمت نفسى فتب علىّ إنك أنت التواب الرحيم. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ، عملت سوءا وظلمت نفسى فارحمنى إنك أنت أرحم الراحمين» ، وفى كل ما سبق لم يتجاوز آدم الاستغفار المعهود عند ارتكاب الذنوب ، وكان يبكى ، ويدعو ، ويبدى الندم ، ويعتصره الحزن.

* * *

٧٠٦. آدم خليفة الله فى الأرض

فى الآية : (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة ٣٠) ، قيل الخليفة هو آدم وذريته من بعده ، فهم يخلفونه تعالى فى الأرض ، ويهتدون بهديه ، ويأخذون بأسبابه ، وأولهم آدم فهو الخليفة الأول ، ومؤسس الخلافة الآدمية ، وهو الذى كان عليه أن يعلّم أولاده ، وقيل كان رسولا إلى أولاده الذين تكاثروا من بعده كما قال تعالى : (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً) (النساء ١).

وخلافة آدم هى الأصل فى تنصيب الرئيس للدولة أو للحكومة ، لتجتمع به الكلمة ، وتنفذ به أحكام الدولة.

* * *

٧٠٧. آدم أول العلماء من البشر

فى الآية : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) (البقرة ٣١) : أن «آدم أول من تعلم العلم» ، وأن

٨٤٤

تلقّى العلم كان أولى مهامه ، وكان عبادته لله تعالى ، وأن أول دروس العلم هو معرفة أسماء الأشياء والأشخاص والموجودات ، وأن الله تعالى كان مدرس آدم ، يعنى أن العلم بالأشياء فى الإنسان فطرة ، وأن الأمر فى تعليم الصغار هو أن نحيى فى فطرتهم ما علّمه الله لآدم وانتقل فيهم چينيا ، وتعليمه تعالى ـ والتعليم عموما ـ هو التعريف بالأسماء ، والله تعالى عرّف آدم بها ، وكان تعليمه له إلهاما ، والأسماء مفردها «اسم» ، وهو اللفظ الموضوع على جوهر أو عرض لتعيينه ولتمييزه ، ويراد به الاسم والمسمى ، فالاسم كقولنا أسد ، من ثلاثة حروف ، والمسمى هو الحيوان الذى له صفات معينة ، وقوله : «كلها» للإحاطة والعموم ، وفى الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفا ، والله تعالى علّم آدم أسماء ما خلق وأبدع مما لم تعلمه الملائكة ، ومعنى أنه سمّى له كل شىء باسمه ، أنه ذكر له منفعته ومضاره ـ فذلك سبب إعطائه الاسم ، وقيل : علّمه الأسماء فى مختلف اللغات ، فلم يكن آدم يتكلم لغة واحدة ، واللغات كلها أسماء. والآية فى عمومها دليل على فضل العلم وأهله ، وباعتبارها فإن آدم هو «أول علماء بنى البشر» ، وهو «رأسهم» ، وفى الحديث أن الله يباهى الملائكة بأهل عرفات ، وهم العلماء ، وسجود الملائكة إنما لصفة العلمية عند آدم ، وسجودهم ليس تذللا وخضوعا ، ولا سجود عبادة ، وإنما سجود تكريم لما حباه الله من العلم ، وكان سجود الملائكة تعليما للبشر أن يسجدوا للعلم ، فالناس إما علماء وإما جهلاء ، والعلماء هم بنو آدم عن حقّ.

* * *

٧٠٨. إبليس

«إبليس» اسم عين للشيطان ، وقيل اسم أعجمى أصله diabolos اليونانية ، وشتّان بين الاسمين ، فإبليس عربى من البلس وهو الشرّ ، ويطلق على ثمر كالتين ، وعلى العدس المأكول ؛ والبلسان شجر كشجر الحناء ينبت بعين شمس فى مصر ، وأبلس يئس وتحيّر ، وبلبيس من مراكز مصر ، وبولس سجن بجهنم ، فكما ترى أن اسم إبليس عربىّ صميم. وفى القرآن يتكرر إحدى عشرة مرة ، يقترن فيها جميعا بالعصيان والبهتان ، والكبر والحسد ، والمكيدة والحيلة ، والرفض والجحد والعناء ، وفى القرآن : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) (١٢) (الروم) ، يعنى يسكتون وتنقطع حجتهم ، ومن هذا المعنى كان اشتقاق الاسم إبليس على وزن إفعيل ، لأنه انقطعت حجته. ومن يقول أن الاسم أعجمى يتعلّل بأنه غير منصرف فى القرآن ، ولو كان عربيا لانصرف. والصحيح أنه لم ينصرف لأنه معرفة ولا نظير له فى الأسماء ، فلم يعرف أحد باسم إبليس إلا هو ، فشبّه بالأسماء

٨٤٥

الأعجمية. والمبلس هو اليائس ، كقوله : (كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) (٤٩) (الروم) ، أى يئسوا وأصابهم من شدة يأسهم الاكتئاب ، وفى المقابل يقول تعالى : (إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (٤٨) (الروم) فجعل المبلسين نقيض المستبشرين.

وكما تنفرد العربية باسم إبليس فلا نعثر عليه فى كتب اليهود ، فإنه فى النصرانية غير موجود كذلك ، ويأتى فى الترجمات العربية لبعض كتبهم كمرادف عربى لشيطان ، فالاسم إبليس عربى قحّ ، ومترجم إنجيل متّى بدلا من شيطان devil استخدم إبليس (٤ / ١) ، وجعله يجرّب المسيح ؛ والمترجم العربى لرؤيا يوحنا استخدم إبليس كذلك (١٢ / ٩) ، ووصفه بأنه التنين العظيم ، أى الحية القديمة المسماةdiabolos ، أوdiofol ، أوtiufal ، أوdjofull ، وقصد إلى أن يستخدم الاسم الشائع فى العربية للاسمين devil وsatan ، فترجم الأول إبليس ، والثانى الشيطان ، وإلا فلا وجود لاسم إبليس فى أى من اللغات إلا العربية. ثم إن هناك اختلاف بين قصة إبليس فى القرآن وقصته فى التوراة فى سفر التكوين ، ثم فى الإشارات عنه عند متى (٤ / ١ ـ ١١) ، وعند لوقا (٨ / ١٢) ، وبطرس الأولى (٥ / ٨) ، وإفسس (٦ / ١١) ، وتيموثاوس الثانية (٢ / ٢٦) ، وكورنثوس الثانية (١١ / ٣) إلخ. والقصة القرآنية شديدة الحبكة ، والحركة فيها سريعة ، والعبارات والكلمات تترى مناسبة للمواقف الخطيرة ، وشخوص القصة واضحة المعالم لها إرادتها وخياراتها ، وسقوطها من نفسها له دوى فظيع ونتائج ملحمية كبرى ، وليس كذلك القصة فى التوراة ، فهى تروى عادية ، وتسرد وقائعها سردا فى سطور قليلة ، وتؤدى الحيّة دور الشيطان ، والجنّة فيها جنة أرضية يرادف اسمها اسم البستان ،. وليس بالقصة التوراتية المشاهد العظيمة الكبرى التى فيها الحوار بين الله تعالى وبين إبليس والتى تأتى فى القرآن ، وإنها لمشاهد فى قمة السمو الفكرى ، والتعبير فيها آية فى البلاغة ، والكلمات اصطلاحية وحافلة بالرمزية ، ولعمرى لم لم يتناول المستشرقون هذه القصة وينبّهوا إليها ولو باعتبارها من عيون الأدب والفكر الفلسفى العالميين ، إلا أن يكون هو الحسد دفعهم إلى ذلك ليغمطوا القرآن حقّه ، وأنه الكتاب المنزّل من لدن الله ، وأن قصصه هو القصص الحق.

وإبليس فى قوله تعالى : (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) (٣٤) (البقرة) لا يعنى أنه من الملائكة فالاستثناء منقطع ، والله تعالى وصف الملائكة بأنهم : (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) (٦) (التحريم) ، وقال فى إبليس : (إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (الكهف ٤٨) ، والجنّ غير الملائكة ، والجنّ خلقوا من نار السموم ، وخلقت الملائكة من النور. وقيل سمّى الجنّ جنّا من

٨٤٦

الجنّة ، لأنهم كانوا خزنتها ، وكانوا يأتون الأعمال الباهرة العجيبة ، ومن ذلك قولنا : به جنّة ، أى يقول عجبا! فلما فسق إبليس عن أمر ربّه تبعته الجنّ ، فهؤلاء جنوده فى الآية : (وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ) (٩٥) (الشعراء) ، وغضب الله على إبليس وجنوده فمسخهم شياطين ، من شطن أى بعد عن الخير ، وصار إبليس هو الشيطان ، لبعده عن الحق وتمرّده ، وصار كل عات متمرّد من الجن والإنس شيطانا أو يقال له شيطان.

* * *

٧٠٩ ـ قالت المعتزلة : إبليس ما دخل جنة الخلد

المعتزلة على القول بأن الجنّة فى قوله تعالى لآدم : (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة ٣٥) ، المقصود بها البستان الذى بأرض عدن ، وأخذوا هذا القول عن اليهود : أن جنة عدن شرقا أعدّها الله فى الأرض لسكنى آدم وزوجته وجعلها كالبستان ، وأنبت فيها الشجر المثمر والزهور الطيبة ، وأجرى فيها الماء (التكوين ٢ / ٨) ، غير أن قول اليهود كان نتيجة خلو اعتقادهم أصلا من الجنة والنار فى الآخرة ، وعندهم الجنة والنار فى الدنيا وعلى الأرض ، والمعتزلة اعتقدوا فى الجنة والنار الأخرويين ، ولكنهم قالوا إن جنة آدم أرضية ومعناها البستان وليس المعنى المتعارف عليه. وحجة المعتزلة : أن جنة آدم لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس أصلا ، فإنه تعالى يقول : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) (٤٥) (الحجر) ، وإبليس لم يتق الله ليستحق دخول الجنة. ثم إن ما قاله لآدم وحواء غواية والغواية من اللغو والتأثيم وهو تعالى يقول : (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً) (٣٥) (النبأ) ، ويقول : (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً) (٢٦) (الواقعة). ولقد طرد إبليس من الجنة لما عصى ربّه ، فكيف دخل ثانية ليكيد لآدم وحواء ، إلا أن تكون الجنة المعنية هى جنة الأرض وليست جنة الخلد؟ وجنة الخلد يدخلها الداخلون فلا يخرجون منها لقوله تعالى : (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) (٤٨) (الحجر). ولو كانت جنة آدم هى جنة الخلد ما استطاع إبليس أن يكيد لآدم وحواء ويخرجهما منها ، فالجنة موضع مقدس عن الخطايا والمعاصى ، ومطهّر عنها ، وإبليس قد لغا فيها وكذب أكبر وأفدح كذبة فى الوجود ، والمعتزلة التى قالت بذلك أول فرقة انتصرت للعقل على النقل ، وأعملت العقل فى كافة النصوص الدينية ، فاعتزلوا أهل الجماعة والسنّة ، فقيل فيهم إنهم المعتزلة لهذا السبب ، وكان ذلك فى النصف الأول من القرن الثانى الهجرى. ويحبط أقوال المعتزلة أن الله تعالى عاقب آدم وحواء وإبليس وسائر المخلوقات بأن أمرهم بالهبوط ، وهو النزول من أعلى إلى أسفل ، يعنى من جنة السماء إلى الأرض ، فلا يصحّ أن يكون الهبوط من أرض إلى أرض!

* * *

٨٤٧

٧١٠. إبليس أول من عصى وكفر

إبليس فسق عن أمر ربّه كقوله تعالى : (إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (الكهف ٥٠) ، أى تمرّد وعصى ؛ كقوله : (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) (البقرة ٣٤) ، فأول عصيان من مخلوق لخالقه هو عصيان إبليس رفض أن يمتثل لأمره تعالى بالسجود لآدم ، بدعوى أن آدم خلقه من تراب بينما إبليس خلقه من نار ، فبزعم شرف النار على التراب تعلّل بأن لا يسجد ، فأول من كفر هو إبليس ، والسؤال هو : هل كان كفره عن عناد أم عن جهل؟ والجواب : لم يكن إبليس يصدر عن جهل وقت أن عصى ، لأنه كان يعرف ويعلم ، إلا أنه كان من «الجاهلين» ، بالمعنى الذى جاء فى قصة عمر لمّا دخل عليه الأعرابى يسبّه ويقول : والله ما تعطينا الجزل يا ابن الخطاب ، ولا تحكم بيننا بالعدل ـ والجزل هو الشيء الكثير. فغضب عمر ، فانبرى أحد الجالسين يقول : يا أمير المؤمنين. إن الله قال لنبيّه : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩) (الأعراف) ، وهذا من الجاهلين! ـ وبعد هذه الآية مباشرة يأتى قوله تعالى : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) (الأعراف ٢٠٠) ، والتعوّذ بالله مما تثيره فى النفس جهالة أحدهم كهذا الذى سبّ عمر. وكذلك كان إبليس من الجاهلين ، وكان عصيانه نزغا من طبيعته النارية العنيفة ، ونزغه كان هذا الحسد والكبر فيه ، فذلك الذى دعاه إلى الكفر فعصى الله. فإذا كانت خطيئة المرء فى حسده وكبره فلا ترجه ، وإن كانت خطيئته فى معصية كآدم ، فارجه. ولو قارنا خطيئة آدم بخطيئة إبليس ، لتبيّن أن خطيئة آدم كانت معصية ، بينما خطيئة إبليس كانت الحسد والكبر ؛ وهما بطر للحقّ وغمط للناس ، وبطر الحق : تسفيهه وإبطاله ؛ وغمط الناس : هو الاحتقار لهم ، والازدراء بهم ، قال إبليس : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (١٢) (الأعراف) ، وقال : (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً) (٦١) (الإسراء). وقال : (لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (٣٣) (الحجر)! فأول معصية فى الوجود كانت الحسد والكبر ، والاثنان وجهان لعملة واحدة ، وكلاهما يؤدى للآخر ، وإبليس حسد آدم على ما فضّله به ربّه ، وهذا هو المقصود فى تعريف الكبر بغمط الناس ، فلما حسده تكبّر عليه ، وهذا هو بطر الحقّ ، أى تسفيهه وإبطاله ، فالمتكبّر بتصرف وكأنه أحسن ممن يتكبّر عليه ، فيزيده تصرّفه توهما بأنه الأحسن ، وطالما أنه كذلك حقّ له أن يتكبّر ، فكأنه وحده الموجود دون الآخر ، فسلوك الكبر يلغى الآخر. وهكذا يكون الحسد يتسرّب إلى النفس ويؤدى إلى ارتكاب الذنوب ، لأنه بداية المرض النفسى والإصابة بهذاءات العظمة ، والاحتقار للآخر وتضخّم ذات المتكبر وأن يعلى من قدر نفسه ، وتسلمه هذاءات العظمة إلى السلوك البارنى (من بارالويا أى جنون توهّم العظمة) ، فيكون ادعاء العظمة عن غير أساس وهو المسمى

٨٤٨

بالكبر ، وهى حالة باثولوجية مؤكدة ، وإبليس كان بكل المقاييس حالة مرضية تستحق الدراسة من حالات جنون توهّم العظمة ، والحسد والكبر هما أساس وخميرة وجود هذا الاضطراب النفسى ـ البارانويا ـ بين البشر ، بمعنى أن الحسد والكبر يولدان هذا الاضطراب.

* * *

٧١١. هل لإبليس ذرية؟

فى الآية : (إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً) (٥٠) (الكهف) ، أن إبليس له ذرية ، فهل ذريته من صلبه؟ وهل له زوجة؟ والجواب : أن الغالب أن ذرية إبليس هم «أعوانه» من شياطين الإنس والجان ، يوسوسون إلى بنى آدم. وليس فى القرآن أى شىء عن زوجة لإبليس ، أو أنه يولد له ، حتى تكون له ذرية من صلبه ، والذى ثبت عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند مسلم أن الشياطين تبيض وتفرخ. وقيل : الشياطين هم ذرية إبليس ، وقيل : فى أسمائهم ضمن الميثولوجيا الدينية الإسلامية : زكنبور : أى «الموقّعاتى» ، وهو شيطان التّجّار ؛ وثبر : أى «المصيبة» أو «صاحب المصائب» ؛ والأعور : صاحب الزوانى ؛ ومسوط أى «المشنّعاتى» ، صاحب الإشاعات ؛ وداسم : أى «الخربى» ، يخرب كل بيت يدخله ، وكل قلب وضمير وعلاقة ؛ والأبيض : أى الكاشف الذى يكشف كل شىء ويجعله «على بياض» ، وهذا عمله مع المصلحين والدعاة والأنبياء ؛ وصخر : أى «القوى الصلب» الذي لا يلين ، وهو اللحوح الخنّاس ؛ والولهان : أى «المتحيّر الحزنان» ، يشيع الحزن بين الناس ويبكى كل إنسان ؛ والأقيس : أى «الصيّاد» ، يصطاد فى الماء العكر ، وأكثر عمله وقت الصلاة ليشغل المصلين عنها ؛ ومرّة : أى المرير الممرور ، وكنيته أبو مرّة ، لأنه يسقى الناس المرّ ويؤكلهم الحنظل ، بالغناء والإنشاد ، فيبكون ويدمعون ؛ والهفّاف : أى «المزوّقاتى» ، وكلامه نزق ونصيحته هواء ؛ ولقوس : أى «العيّاب» ، يعيب كل شىء ولا يعجبه شىء ؛ والمتقاضى : يتقاضى الناس ويخبرهم بما عملوه من شرور منذ زمن بعيد ليخزيهم ؛ والخنّاس : أى «المتخفّى» ؛ وقيل كذلك : خنزب : وهو اسم الشيطان الذى يحضر المؤمن فى الصلاة ليصرفه عنها. وربما كانت هذه الأسماء حالات للشيطان يتلبّسها بحسب المواقف ، وعند مسلم أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم سمّى جهاد المسلم مع الشيطان «معركة الشيطان» ، ومن المصطلحات الإسلامية التى يدخلها اسم الشيطان : «جنود الشيطان» ، و «سرايا الشيطان» ، و «حزب الشيطان» ، وهؤلاء هم فى الغالب «ذرية الشيطان» ، أى أعوانه ومساعدوه.

* * *

٨٤٩

٧١٢. إبليس وقابيل أوّل من أضلونا

فى قوله تعالى : (رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) (٢٩) (فصلت) فإن الذى أضلنا من الجن : هو إبليس ، ومن الإنس : قابيل ، وذلك أن إبليس كان أول من سنّ الكفر ، وقابيل كان أول من سنّ القتل ، وأصل ذلك كله الحسد فى الحالتين.

* * *

٧١٣. واحد من كل ألف لله والباقى للشيطان

فى الآية عن إبليس : (وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) (النساء ١١٨) ، وفى الحديث صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن «النصيب المفروض» : أنهم أتباع الشيطان : «من كل ألف ، واحد لله ، والباقى للشيطان» ، وفى رواية أخرى بنفس المعنى : «من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار ، وواحد إلى الجنة» أخرجه مسلم ، وفى الحديث القدسى عن قوله تعالى لآدم : «أبعث بعث النار ، فيقول : وما بعث النار؟ فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون» أخرجه مسلم ، و «بعث النار» هو نصيب الشيطان من البشر ، أى أتباعه فى الدنيا.

* * *

٧١٤. «الشيطان» فى العربية والعبرية

المستشرقون وأخصهم جولدتسيهر ، ونولدكه وهوروفتس ، على القول بأن فكرة الشيطان منقولة عن كتب العهد القديم ، ولم نعثر على كلمة «شيطان» فى هذه الكتب إلا ضمن نبوءة زكريا وفى سفر أيوب ؛ وفى النبوءة يقول زكريا : «وأرانى يشوع الكاهن العظيم واقفا أمام ملاك الربّ ، والشيطان واقفا عن يمينه ليقاومه ، فقال الربّ للشيطان : لينتهرك الربّ يا شيطان» (٣ / ١ ـ ٢) ؛ وفى سفر أيوب يقول الذى يقصّ الحكاية : «واتفق يوما أن دخل بنو الربّ ليمثلوا أمام الربّ ، ودخل الشيطان بينهم» (الفصل الأول ٦) ، ثم يكون الحوار بين الربّ والشيطان ، ويراهن الربّ على أيوب. وسفر أيوب هو وصف لمحنة أيوب الذى تسبب له فيها الشيطان. وفى اليهودية والنصرانية : الشيطان من Satan العبرية ومعناها «المعاند» ؛ وفى اليونانية الشيطان diabolos ، ومنهاdiable ، وأماlucifer فمعناها «الصفراوى» الذى يكبت التمرد والغضب والكراهية ، وأصل الكلمة يونانى أيضا ، وتختلف الأسماء باختلاف اللغات والأجناس ، وبحسب المفهوم عن الشيطان فى كل ثقافة. وفى النصرانية فإن الشيطان هو بعل زبول (متّى ١٢ / ٢٤) وبليعال (٢ كولوسى ٦ / ١٥) ، ويوصف بأنه رئيس مملكة الهواء ، وقرين أبناء المعصية ، والتنين ، وكبير الأرواح الساقطة ، وينعت بالخبث ،

٨٥٠

والتمرد على الله ، والفساد فى الأرض ، والمقدور عليه أن يظل مطرودا من رحمة الله ، وأن يعادى الإنسان ، وأن يجرّب الناس للخطيئة ، وأن يقاومه المؤمن ولا يخضع له ، وتعاونه عصبة من الأرواح العاصية ، وكلهم يعمل لصرف الإنسان عن الإيمان والخير ، فمن سايره فهو من أبناء الشيطان ، ومنهم «يهوذا الاسخريوطى» وقد دعاه المسيح شيطانا ، وحاول الشيطان مع المسيح ، ومن دأبه أن يتلبّس الناس فيصيبهم منه العته والصرع والجنون ، والخرس ، والعمى ، ونهاية الشيطان أن يطرح فى الآخرة فى بحيرة النار والكبريت (رؤيا يوحنا ٢٠ / ١ ـ ٢ / ١٠).

وفكرة الشيطان فى الزردشتية ، والمانوية ، والعرفانية ، ولم توجد ديانة ولا فلسفة فيها فكرة متكاملة عن الشيطان كالإسلام ، ويأتى ذكره فى القرآن ٨٨ مرة ، ويوصف بأنه كفور ، وعصىّ ، وعدو مبين للإنسان ، يزلّه ، ويوسوس ويسوّل له ، ويتنزّل عليه ويفتنه ، ويتخبّطه من المسّ ، ويستهويه ، ويغويه ، ويعده ، ويخذله ، وله رجز ورجس وهما الإثم والذنب ، وله نجوى ، ويأتى على خطوات ، ويمر كالطائف ، ومن يمسه يتخبّطه بالنصب والعذاب ، وكيده مع ذلك ضعيف ، ولا يعد إلا الغرور ، وأولياؤه هم أتباعه ، وإخوانه ، وحزبه ، وقرناؤه ، يوحى إليهم ، ويستحوذ عليهم ويتعبّدونه ، والشيطان رجيم أى مرجوم ، ومريد أى خبيث وشرير ، وما من نبىّ ولا رسول إلا تمنى وألقى الشيطان فى أمنيته. والتعوّذ من الشيطان يقى منه ، كقوله تعالى : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) (الأعراف ٢٠٠) ، والاستعاذة منه أوجب عند قراءة القرآن : (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٩٨) (النحل) ، يعنى أن يقال : «أعوذ (أو نعوذ) بالله من الشيطان الرجيم» ، والعوذ والعياذ والتعويذ كلها بمعنى واحد ، والمعوذتان دعاء يتعوّذ بهما من الشيطان ، وقوله تعالى : (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ) (٤) (الناس) يعنى الشيطان ، وهو خنّاس لأنه ينقبض ويتأخر عند ذكر الله تعالى ، وفى الصحيح أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن الشيطان يجرى من بنى آدم مجرى الدم» أخرجه البخارى ، وفى قوله : (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (٦) (الناس) أن الجنّة جنس الشياطين ، والمردة وصفهم فى أحوال دون أحوال ، ورئيسهم جميعا إبليس ، وكان خلقهم من النار كما كان خلق الإنسان من الطين. وقيل فى الشيطان إنه شيطانان : فشيطان الجن يوسوس فى الصدور خفية ، وشيطان الإنس يوسوس جهرة ، كقوله تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ) (الأنعام). والشيطان مصطلح عربى أصيل ، ودليل أصالته فى العربية كثرة استخدامه وتصريفه ، ويجمع على شياطين ، ويشتق من شطن يعنى بعد عن الخير ، وتقول شطنت داره إذا بعدت ، وبئر شطون أى بعيدة القعر ، والشّطن

٨٥١

الحبل ، سمّى به لبعد طرفيه. وسمّى الشيطان شيطانا لبعده عن الحقّ وتمرّده ، ويقال لكل عات متمرد من الجن والإنس شيطان. وقيل شيطان من شاط يشيط إذا هلك ، والنون زائدة ، وشاط إذا احترق ، وشيّطت اللحم إذا دخّنته ولم تنضجه ، واستشاط الرجل غضبا إذا اشتد غضبه. وقيل إن الغالب أنه من شيطن وليس من شاط ، ولذلك يقال تشيطن من شطن ، فإذا كان من شاط قيل تشيّط. ومع الشياطين لا قواعد ولا أصول ، وهم يخوّفون الناس الفقر لئلا ينفقوا فى وجوه الخير ، ويثبّطونهم عنه ، ويأمرونهم بالفحشاء ـ وهى المعاصى ، وفى الحديث : «إن للشيطان لمّة (يعنى خطرة) بابن آدم ، وللملك لمّة ، فأما لمّة الشيطان فإيعاز بالشرّ وتكذيب بالحق ، وأما لمّة الملك فإيعاز بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوّذ بالله من الشيطان» ، ثم قرأ : (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ) (البقرة ٢٦٨).

* * *

٧١٥. قصة ابني آدم : قابيل وهابيل

حكاية قابيل وهابيل من الأدب الشعبى «السامى» ، والاسمان هما الصيغة العربية من الاسمين الساميين ، وفى كل لغة «سامية» يختلف نطقهما بحسب الطبع اللغوى لأى من الأجناس السامية ، واليهود كعادتهم يجعلون الاسمين من الأسماء العبرانية ، وفى الموسوعات اليهودية لا تعثر على اسم قايين Cain كما ينطقونه ، أو اسم هابيل Abel ، لشخص من الأشخاص من القدماء أو المحدثين. وقيل إن قايين العبرية تعنى الحدّاد ، بينما هابيل العبرية تعنى النسمة ، وهذا دليل على سوء الفهم المبيّت للاسمين الساميين ، على أنهما اسمان عبرانيان ـ كادعاء اليهود ـ وليسا ساميين. وأسأل : المفترض أن قابيل وهابيل ابنا آدم ، وكان قابيل أول من يولد فى العالم ، بينما هابيل هو الابن الثانى لآدم ، والمولود الرابع له ، فهل كان فى زمنهما أيضا عبرانيون ولغة عبرانية ليكون الاسمان عبرانيين؟! هلا اتقى هؤلاء اليهود الله وكفّوا عن الكذب والانتحال وسرقة تراث الشعوب؟!

وأيا كان الأمر ، فقد نتساءل : فما ذا يعنى الاسمان إذن بصرف النظر عن التخرّصات العبرانية ، وأكاذيب المدراش والسنهدرين ، وادعاءات المستشرقين من أمثال جرينباوم ، وآيزنبرج ، وفايل؟ والأسماء فى نظرية القرآن ، فى قصة تعليم آدم ، هى صفات ، فأسماء الله الحسنى صفات له ، وأسماء الأشياء التى تعلمها آدم وتلقّاها عن ربّه هى صفاتها البارزة ، و «قابيل» كان أول مولود «يقبل» على الدنيا من أولاد آدم ، فسمى «قابيل» ، ونحن نسمّ «القابلة» ، لأنها أول من «يستقبل» المولود ، وقابيل بشهادة اسمه أول مولود فى الدنيا ، وأما

٨٥٢

«هابيل» فقتل شهيدا ، وعرفت أمه بموته معنى الثكل لأول مرة ، نقول «هبلته أمه» ، يعنى ثكلته ، وهى «هابل» ، أى «ثاكل». وقابيل وهابيل على وزن واحد ، والاسمان فى العربية من الأدب الشعبى الدينى وليسا من أسماء القرآن ، ولا تورد القصة القرآنية الاسمين ، وتكتفى بأنهما ابنا آدم ، بينما فى التوراة يأتى ذكرهما كتسجيل للأحداث الإنسانية فيما قبل التاريخ ؛ والقصة فى القرآن لم ترد إلا مرتبطة بما قبلها ضمن السياق العام لسورة المائدة ، فلما ذكر تعالى تمرّد بنى إسرائيل وعصيانهم لأمر الله فى قتال الجبّارين (الآيات من ٢١ إلى ٢٦) ، ذكر قصة بنى آدم ، وعصيان قابيل لأمر الله ، وإقدامه على قتل النفس البريئة التى حرّمها الله ، فكان المعنى : أن اليهود كانوا مثل قابيل ، واقتفوا فى العصيان أول عاص لله فى الأرض ، فطبيعة الشرّ فيهم مستقاة من ولد آدم الأول ، فاشتبهت القصتان من حيث التمرد والعصيان (الآيات من ٢٧ إلى ٣٢).

وفى قصة التوراة : أن قابيل كان عامل زراعة ، بينما هابيل كان راعى غنم ، تقول القصة : وكان بعد أيام أن قابيل قدّم من ثمر الأرض تقدمة «للربّ» ، وقدّم هابيل أيضا شيئا من أبكار غنمه ومن سمانها ، فنظر الربّ إلى هابيل وتقدمته ، وإلى قابيل وتقدمته لم ينظر. فشقّ على قابيل جدا ، وسقط وجهه ، فقال الربّ له : لم شق عليك؟ ولم سقط وجهك؟ ألا إنك إن أحسنت تنال ، وإن لم تحسن فالخطيئة تنتظرك. ثم قال قابيل لأخيه : لنخرج إلى الصحراء (ليخلو به) ، فلمّا كان فى الصحراء وثب على هابيل أخيه فقتله (التكوين ٤ / ٣ ـ ٩). ولمّا سأل الربّ قابيل عن أخيه هابيل حاول الكذب ، وسدّ فى وجهه باب النكران إذ قال له الربّ : إن صوت دم أخيك صارخ إلىّ من الأرض! ولعنت الأرض قابيل ، وفتحت فاها مستقبلة دم أخيه ، وأقر بجريمته وببشاعتها ، وبثّ ربّه خوفه من أن ينتقم منه ، وفرّ لذلك إلى بلاد «نود» ، وفيها بنى قرية ، وولد له ولد دعاه أخنوخ أو حنوك ، والمعنى واحد ، أى المحنّك ، لأنه حنّك فمه قبل الرضاعة ، وفى العبرية الحنوك أو أخنوخ هو المكرّس ، والشيء العجيب أن قابيل لم يكن يعرف هذا المعنى بعد حتى يسمّى ابنه به ، وسمّى قابيل المكان الذى أقام فيه باسم ابنه (التكوين ٤ / ٩ ـ ١٧). وتنتهى القصة فى التوراة بلا ذكر للغراب ، ولا لسبب تقبّل الله قربان هابيل. وليس فيها أن الله عليم بما يجرى من حوادث وبما جرى لهابيل. ولم تطلعنا القصة إلا على جانب الحسد عند قابيل ، ودافع الشر عنده. ولم تظهرنا على مواعظ ودروس القصة ، وكانت عباراتها جافة ، وتقصر ألفاظها عن التعبير عن المعانى.

وأما قصة القرآن فتقول : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما

٨٥٣

أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ) (٣٢) (المائدة) ، وانظر إلى البداية الرائعة فى قوله : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِ) وتسميته للقصة بالنبإ ، ينأى بها أن تكون مجرد قصة ، فمن القصص ما هو خيال ، ولكن هذه القصة «نبأ» ، يعنى من الواقع ، لأن الناس لا «تنبئ» غيرهم إلا بما هو واقع ، وفى ذلك تبكيت لمن يتّبع توراة اليهود ويهجر القرآن ، وتسلية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وللمؤمنين ، لأن النصر فى قصة القرآن للإيمان ، وقوله : «بالحق» أى أنها قصة حقّ ومتمشية مع الحقّ والصدق. ومفسرو المسلمين الذين أخذوا بالإسرائيليات نقلوا عن اليهود أن الخلاف بين قابيل وهابيل كان حول «الجنس» ، وأن قابيل نقم على أخيه أن يتزوج من المرأة الجميلة ويترك له القبيحة. ولا شىء من ذلك فى القرآن ؛ وقوله : (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) بيان لسبب رفض قربان قابيل ، لأن إيمانه كان منتقصا. واهتمت الآيات بالحوار بين القاتل والمقتول ، ويتبين حسد قابيل ، وقصور تفكيره ، ورعونته ، وكلها صفات تصنع الشرير فيه ، وتشير إلى انحطاط فى قوى الإدراك عنده ، وهو شأن المجرمين والعصاة والأشرار دائما. على عكس هابيل ، فمن كلامه أنه كان الأقوى ، إلا أنه آثر أن لا يكون جبّارا فى الأرض ، ولا أن يبدأ أخاه بالعدوان. وكان يمكن أن يدفع عن نفسه ، والدفع عنها واجب ، لكنه رفض البتة أن يلجأ إلى العنف ولو كان لردّ العدوان. وكان حاد الذكاء ، وأدرك أنه إن كان مقتولا بقدر الله ، فليختر أن يكون مظلوما ، لأن الله ينتصر للمظلومين. وفى الفتن ينبغى ترك القتال ، وكفّ اليد عن الشبهة ، ولقد ترك هابيل مدافعة أخيه تحرّجا ، كالشأن مع عثمان بن عفان الذى رضى أن يظلم ليجازى فى الآخرة ، وفى الخبر : «إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم» ، وخيرهما هو هابيل داعية السلام pacifist ، وكان الحشوية ـ وهم فرقة إسلامية ـ لا يجوّزون للمصول عليه الدفع. وفى الحديث : أن القاتل والمقتول إذا التقيا بسيفيهما فهما فى النار ، لحرص كل منهما أن يقتل صاحبه ، وهابيل لم يرد لنفسه ذلك ، فجعل إثمه لو كان قد دافع أخاه ، وإثم أخيه فى قتله ، على أخيه. ولأن قابيل كان أول قاتل فى التاريخ ، وهابيل أول مقتول ، وأول ميت ، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على

٨٥٤

ابن آدم الأول كفل من دمها ، لأنه كان أول من سنّ القتل» ، وشبيه به الحديث : «ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة». وأمثال قابيل قدوة يقتدى بهم القتلة والسفّاحون والمجرمون ، وفى الاصطلاح أنهم أئمة وإنما فى الإجرام ، وفى الحديث : «إن أخوف ما أخاف على أمتى الأئمة المضلّون» ، ويبدو قابيل ابن أبيه ، كما تقول الآية : (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران ٣٤) ، والآية : (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) (يوسف ٧٧) ، وأبوه آدم كان أول من عصى الله من البشر ، وأول من خالف إلى ما نهى عنه ، إلا أنه تاب وعفا الله عنه ، فلم يصبح إماما فى العصيان ، وقابيل أصبح من الخاسرين بقتل أخيه ، ولكنه أيضا أصبح من النادمين بعد أن تلقى الدرس من طائر بسيط هو الغراب ، تعلم منه أن يوارى أخاه التراب ، وكان ندمه أنه ترك جثة أخيه مدة ولم يعرف كيف يتصرّف بها ، ولو كان قد ندم وتاب لتقبّلت توبته ، ولكنه لم يتب كأبيه. وصار إبليس بكفره رأس الكافرين من الجن ، وقابيل بجريمته رأس الخطّائين من الإنس. وهذا ما جعل علماء الطب النفسى يقولون بعقدة قابيل Cain\'s complex : وهى «عقدة الحسد للأخ الأكبر» ، وتمنّى الخير الذى عنده ؛ ونقيضها عقدة هابيل Abel\'s complex ، وهى استسلام الأخ الأكبر لنزوات الأصغر ، وانصياعه له ؛ ومثل ذلك عقدة إسماعيل بن إبراهيم Ishmael\'s Complex : وهى انصياع الابن لأبيه حتى لو طلبه للموت ، ونقيضها عقدة ابن نوح Noah\'son complex : وهى تجبّر الابن على أبيه ، ورفضه لسلطته ، وخروجه عليه ، حتى لو كان فى ذلك هلاك الابن. والجزء الخاص بالغراب فى قصة القرآن قمة فى الحكمة ، والمسلمون الذين يقرءون القرآن ، كلما صادفهم غرابا يذكرون قصة القرآن فيتأملونه بإكبار. والغراب من أذكى الطيور ، وأروى عن غراب عثر على قطعة خبز جافة جدا ، فأخذها بمنقاره إلى ماء متجمّع فى حديقة النادى ، ووضع القطعة فى الماء يبللها ، ثم أخذها فكانت صالحة لأن يأكلها بعد أن زال جفافها! وفعل غراب قابيل فى أخيه الغراب ، فى مواراة جثة الميت ، سنّة باقية فى الخلق ، والفضل فيها لهذا الغراب ، وصار دفن الميت فرضا على جميع الناس على الكفاية. والقبر الذى استنّه الغراب حفرة ، هو الشق ، ومع تقدم المدنية صارت الحفرة لحدا ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم دفن فى اللحد ، وهو أن يحفر فى جانب القبر ويوضع الميت ثم يوضع عليه اللبن ثم يهال التراب. وفى ختام هذه القصة يأتى الدرس المستفاد ، وهو قوله تعالى : (مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (المائدة ٣٢)

٨٥٥

وذلك مبدأ فلسفى ، وأخلاقى ، وقانونى ، عام ، لكل الناس فى كل زمان ومكان ، من جرّاء قصة ابني آدم ، وجريمة قابيل ، وخصّ بنى إسرائيل بالذكر بسبب طغيانهم وسفكهم الدماء ، ومن لا يصدق فلينظر ما ذا يجرى فى فلسطين من المذابح ، ومعنى هذا المبدأ : أن قتل النفس الواحدة يستوى وقتل الناس جميعا ، ومن ترك قتل نفس واحدة ، وصان حرمتها واستحياها خوفا من الله ، فهو كمن أحيا الناس جميعا ، والذى ينتهك نفسا واحدة يلحظ بعين منتهك الجميع ، ومن استحلّ واحدة فقد استحلّ الجميع ، لأنه أنكر الشرع ، وجحد العقل ، وقتل إنسانيته فيه ، والرحمة التى أودعها الله به ، فهو ليس بإنسان ، والتزام الشرع مقياس للتحضّر ، وبمقتضى ذلك فإن إسرائيل والروس وأمريكا وبريطانيا ـ حتى لو أفلحوا فى بلوغ المريخ ، فهم بهذا المقياس غير متحضّرين ، وثقافاتهم ثقافات منحطة ، وذلك بعض ما توحيه قصة القرآن ، فشتّان بينها وبين قصة التوراة ، وإن شئت معيارا لقياس الحضارات فهو هذا المعيار : الكتاب الدينى للأمم ، لأنه ضمير الأمة ، ومرجعها الأخلاقى ، وقصة القرآن فيها الحكمة ، والموعظة ، والعبرة ، والسموق الروحى ، والعلو الفكرى ، والسمو النفسى ، وذلك بعض أوجه الروح العربية مقارنة بالروح اليهودية ، أو الروح الآرية ، والغريب أنهم يقولون عن المسلمين أنهم شعوب منحطة؟!! فحسبنا الله.

* * *

٧١٦. قصة نوح

نوح Noah أوحى إليه كما أوحى إلى الأنبياء ، كقوله تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ) (النساء ١٦٣) ، والوحى إعلام فى خفاء ، وكان نوح من المصطفين ، كقوله : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) (٣٣) (آل عمران) ، وسبب اصطفائه كما قال : (إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً) (٣) (الإسراء) ، وأخذ منه الميثاق كما أخذ من النبيين ، كقوله : (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ...) (الأحزاب ٧) ، والميثاق : هو الإقرار بالله ، ولم يؤخذ الميثاق إلا من أولى العزم من الرسل وأئمة الأمم ويتصدّرهم هؤلاء الخمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد ، وفى الحديث أن نبيّنا قال عن نفسه : «كنت أولهم فى الخلق وآخرهم فى البعث» ، يعنى كان آخرهم بعثا ولكنه أولهم تفضيلا ، وفى الخبر أن نوحا أول رسول ، واختص بأهل الأرض كنبيّنا. وقوم نوح كانوا أول المكذّبين بالأنبياء ، كقوله : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) (١٠٥) (الشعراء) وتتابع من بعدهم أقوام آخرون كذّبوا مثلهم ، كقوله : (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى)

٨٥٦

(الحج) ، وسبقهم إلى التكذيب لأنهم (كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) (٤٦) (الذاريات) ، وكانوا (أَظْلَمَ وَأَطْغى) (٥٢) (النجم) ، أى كانوا أظلم وأطغى من كل أقوام قبلهم أو بعدهم ، وأكفر من مشركى قريش ، قال ذلك تسلية وتعزية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكأنه يقول له : فاصبر أنت أيضا فالعاقبة الحميدة لك ، وكأنه يقول ذلك للمسلمين من بعد فى كل زمان ومكان. وقوم نوح قالوا فى نوح : (مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) (٩) (القمر) واتهموه بفقدان العقل لمّا تجرّأ أن يدعوهم إلى الله ، قال : (يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (٥٩) (الأعراف) ، فزجروه عن دعوة النبوة بالسبّ والوعيد بالقتل والرجم ، قالوا : (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ) (١١٦) (الشعراء) ، واشتهرت دعوة نوح لأن دعوته كانت أول دعوة إلى الناس كافة ، وبهذه الصفة كان أول نبىّ بعث ، وقيل كان مبعثه وهو ابن أربعين أو خمسين ، وقيل : كان ابن ثلاثمائة وخمسين ؛ وبقى فى قومه : («أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) (العنكبوت ١٤) ، قال : (يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ) (٧١) (يونس) ، فكأنه استشعر طول مقامه بينهم ، ولبثه فيهم ، وتذكيره وتخويفه لهم بآيات الله ، حتى ملّوه وزهدوه ، وعزموا على طرده أو قتله ، فقال : فعلى الله توكلت ـ وهذا جواب الشرط ، وما كان إلا متوكلا على الله فى كل حال ، ولكنه بيّن أنه متوكل فى هذا على الخصوص ، ليعرف قومه أن الله يكفيه أمرهم ، فإن لم ينصروه فأمره وأمرهم إلى الله ، وليحرموا شركاءهم وليظهروا ما فى نيّتهم ولا يخفوه ، وليمضوا إليه ولا يتأخرون ، وهو دليل على أنه لم يكن يخشاهم ، وكان واثقا بنصر الله ، ولم يخف كيدهم ، لأنه يعرف أنهم وآلهتهم لن ينفعوه ولن يضروه بشيء لم يرده له الله ، وهو موقف لنوح فيه تعزية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتقوية للمؤمنين ولأمة الإسلام ، وقال : (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٧٢) (يونس) ، فما كان ذلك إلا ليزيدهم فرارا منه وكان جوابهم عليه : (يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٣٤) (هود) ، والإشارة إلى طول مدة دعوته وكانت نحو تسعمائة سنة ، وخلالها كثر الجدل بين نوح والمكذّبين ، والجدل : هو المبالغة فى الخصومة ، مشتق من الجدل وهو شدة القتل. والجدل فى الدين محمود ، ولهذا جادل نوح والأنبياء أقوامهم ، وأما الجدال فهو لغير الحق ، ومقصوده إظهار الباطل فى صورة الحق ، والجدال مذموم فى الدين. وسمّى نوح دعوته نصحا ، والنصح

٨٥٧

إخلاص العمل من الغش ، ومنه التوبة النصوح ، وفى الحديث : «الدين النصيحة» أخرجه مسلم ، وفى الدين يتوجه الناصح بنصيحته لسواد الناس وأئمتهم ، وقوم نوح عزفوا عن النصح وأرادوا الغواية.

وكان نوح يعدّ نفسه أخا لهم ، (إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ) (الشعراء ١٠٦) ، وأخوّته أخوة نسب ومجانسة لا أخوة دين ، ودعاهم فقال : (يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) (٢٥) (المؤمنون). والجنّة التى اتهموه بها هى الجنون ، نسبوا إليه أنه لا يدرى ما يقول ، لأنه كان طاعنا فى السن ، وعزّاهم أنه عما قريب يتوفى ويريحهم. وقالوا تأكيدا وإصرارا : (ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ) (٢٧) (هود) ، والملأ هم الرؤساء ، مليئون بالمال والولد ، وبما يقولون ويفعلون ؛ والأراذل جمع الأرذل ، والرّذل هو النّذل ، أرادوا اتّبعه أخساؤهم ، وسقطهم ، وسفلتهم ، وفقراؤهم ، وما كان عليه فى ذلك عيب ، فالأنبياء والمصلحون والفلاسفة وأصحاب الثورات ليس عليهم أن يؤمن به هذا أو ذاك من الناس ، فما يهمهم هو تغيير المجتمع للأفضل ، وحجب الناس عن الباطل ، وأن يعتقدوا الحق ، ولذا كان عملهم البراهين والآيات ، وما من نبىّ أو مصلح إلا وهو يخاطب الناس كافة فقراءهم وأغنياءهم ، فإذا اتّبعه الدنىء لم يلحق النبىّ أو المصلح من ذلك نقصان. والديانات ثورات كالثورات ، والإسلام ثورة ، وثورة الإسلام ثورة دائمة ، فإن بحثت عن مبدأ الثورة الدائمة الذى يطلبه أهل الفلسفة حثيثا ، فلن تجده إلا فى الإسلام ، وليست الحرب التى يشنونها عليه الآن بعد ألف وخمسمائة سنة من دعوة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إلا لأن الإسلام دائم الثورة! ولو سأل سائل : أى الناس يتّبع الدين؟ وأيهم يظاهر المصلح؟ لكان الجواب : إن الضعفاء هم الذين يتبعون الرسل والمصلحين ، لأن الرئاسة أصلا معقودة فى المجتمعات للأشراف ، وهؤلاء لا يرضيهم أبدا أن ينفكوا منها ، ولذا تكون إراقة الدماء فى دعوات الأديان وفى الثورات عامة. والسيد الغنى يأنف من الانقياد للغير ، وأما الفقير فهو خلىّ عن كل هذه الموانع ، وسريع الإجابة والانقياد ، وهذا غالب أحوال التاريخ وأهل الدنيا. والأرذلون هم ضعفاء العمال ، سمّتهم الثورة البلشفية البروليتاريا ، وسمّاهم القرآن المستضعفين ، وفى التعريف هم سفلة المجتمعات الرأسمالية أو الغنية حيث الثروة هى معيار الناس ، ومن شيمة صغار

٨٥٨

العمال والموظفين أنهم إذا اجتمعوا غلبوا ، وإذا تفرّقوا لم يعرفوا. وقوله : (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ) (هود ٢٧) ، وبادى الرأى يعنى : فيما يبدو من الرأى ، أو فى أول الرأى ، يعنى اتّبعوه إعجابا بظاهر ما قال أولا ، ولو أمعنوا النظر والفكر لم يتّبعوه. وقال نوح : (يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (٣١) (هود) ، واستفهام نوح بمعنى الإنكار ، فلقد زعموا أنه على الباطل ، فسألهم : لو حدث وكان على الحق ، وكان على بيّنة من ربّه؟ ولم يروا بيّنته ، ولم يفهموا براهينه ، وعموا عن رسالته ، فهل كان مع كل ذلك يلزمهم إيمان ، وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله؟ وهل كان يوجبها عليهم؟ ومضمون كلامه أن يردّ عليهم : أنه لا يصحّ قبولهم لرسالته مع الكراهة عليها ، وهذا ردّ أيضا على مشركى العرب ، ومشركى هذه الأيام ، فلا إكراه فى الدين ، وهذا مبدأ أصولى من مبادئ الإسلام. والمستضعفون لم يكرههم أحد على الإيمان ، سواء فى الدين أو فى الثورات ، ولم يحدث أن طرد نبىّ ولا مصلح المستضعفين من جماعته لأنهم مستضعفون ، إلا أحزاب الأغنياء ، وديانات الأثرياء ، ومنها أحزاب الديموقراطيين ، وأحزاب الوطنيين ، وديانتا النصارى واليهود ، فأعضاؤهم وأتباعهم من أصحاب الثراء والجاه والسلطان ، ولهم الأشياع ، وأما الإسلام فكان ـ كما قال نوح ـ «ديانة المنبوذين والأراذل والفقراء والمستضعفين» ، ودعوة الأغنياء والأثرياء ورجال المال والأعمال بطرد العمال والفلاحين وإلغاء نسبة تمثيلهم فى أية برلمانات هى دعوة من يجهلون ، والحال مع هؤلاء كحال نوح مع قومه لما نصحهم وظل يدعوهم وما من مجيب ، يقول تعالى : (وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (٣٧) (هود) ، ومعنى الآية استدامة كفرهم ، فدعا عليهم لمّا أخبر بهذا. (قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً) (٢٢) (نوح) ، وكان يرجو أن يأتى من نسلهم من يؤمن ، فمع طوال عمره وقصر أعمارهم ، ظل يرجو فى الأبناء بعد الآباء ، والناس غالبا ـ كما بيّنا ـ تتبع الأغنياء والكبراء والمترفين ، وهؤلاء هم أصل الشرّ

٨٥٩

فى الدنيا ، ولهم مكر وأى مكر ، والقرآن يصفه بأنه المكر الكبّار ، بالتشديد للمبالغة ، ولقد حرّضوا سفلتهم على قتل نوح ، وعزّروا الناس بما أوتوا من الدنيا من «الولد والمال والسلطان» ، وهذه الثلاث هى مفاتن المستقويين ، فلو لم يكونوا على الحق ، فلما ذا أعطوا الدنيا عن سعة؟ ولما ذا يرسل الله بشرا ليهديهم ولا يرسل ملائكة ، لو لم يكن نوح يطمع أن يسود ، وأن يكون متبوعا وهم له تبع ، وقالوا لم يأت فيما عرفوا من التواريخ مثل دعوته. ونوح حاسب نفسه ، فمع مرور نحو ستمائة سنة ، حقيقة أو مجازا ـ فالدعوات لا تحسب بالأيام والسنين ، وإنما بنتائجها وتحصيلها ـ ولم تكن لدعوته الثمرة المرجوة ، فلم يكن أمامه إلا أن يدعو على من عوّقوا الدعوة وأفسدوها ، فقال : (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) (٢٧) (نوح) ، ولم يدع عليهم إلا بعد أن جاءه من ربّه : (لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ) (هود) ، فأجاب الله دعوته وأغرق أمّته ، وهذا هو الفرق بين نوح ونبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فنوح دعا على الأمة بأسرها ، ونبيّنا خصّ بالدعاء أبا جهل وامرأته ، وعتبة وشيبة ، وأصحابهم. والديّار فى دعاء نوح : هو كل من يسكن الديار من قومه ، أصله من الدار ، تقول : ما بالدار ديّار ، أى أحد ، والديّار هو الساكن أو صاحب الدار. فلما دعا عليهم دعا بالنقيض لنفسه وللمؤمنين : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً) (٢٨) (نوح) ، وبيت نوح هو مسجده ومصلّاه ، والبيت بمعنى الدّين والدخول فيه ، (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (٤٠) (هود) ، والتبار : هو الهلاك والخسران ، دعا بهما للكافرين ، كما دعا لنفسه وللمؤمنين بأحسن الدعاء ، قال : (رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) (٣٠) (المؤمنون) ، «والمنزل المبارك» هو الهبوط والنزول والموضع يوصف بالبركة ؛ «وبأعيننا» يعنى بحفظنا إياك حفظ من يراك. وصدع نوح لأمر ربّه وخصومه يمرون عليه وهو يصنع الفلك فيستهزءون ، كقوله تعالى : (وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ) (٣٩) (هود) ، «وفوران التنور» تفجّر الأرض بالينابيع ، واجتماع ماء الينابيع وماء المطر ، كقوله تعالى : (فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ

٨٦٠

مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً) (القمر) ، «والفوران» الغليان ، والتمثيل للعذاب بالتنّور ـ وهو فرن الخبز ـ كقول القائل : «حمى الوطيس» إذا اشتدت الحرب ، والوطيس هو نفسه التنور. وحمل نوح معه من كل زوجين اثنين ، «والزوجان» بمعى الصنف ، وأهله ولم تكن معه زوجته التى خانته وأفشت سرّه ، وابنه الذى عصاه ، ورافقه بنوه : سام ، وحام ، ويافث ، وأزواجهم ، فهؤلاء سبعة ، وقيل : كان معه من صدّقوه وشكّلوا معا ثمانين ، وسميت لذلك القرية التى مروا بها قرية الثمانين. وتوالت مشاهد القصة وأمرهم نوح : (ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ) (هود) ، وجاء أمر الله تعالى : (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (٤٤) (هود) ، ثم كانت المصيبة الكبرى : (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ) (العنكبوت ١٤) ، «والطوفان» هو السيل المغرق ، ثم انتهى كل شىء وساد الهدوء ، كقوله تعالى : (قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ) (٤٨) (هود). «وركوبهم السفينة» أنهم علوا ظهرها ؛ «وبسم الله مجراها ومرساها» على معنى إجراؤها وإرساؤها ، تقول مجريها بفتح الميم ، ومرساها بضم الميم ، أو بفتح الميم فيهما ، أو بضمها فيهما. وفى الحديث : «أمان لأمتى من الغرق إذا ركبوا فى الفلك : بسم الله الرحمن الرحيم ، بسم الله مجريها ومرساها إن ربى لغفور رحيم». وفى هذه الآية دليل على ذكر البسملة عند ابتداء كل فعل. وجرت السفينة فى موج جاوز كل شىء : (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ) (١١) (الحاقة) ، حتى إذا جاء الأمر توقف المطر ، وبلعت الأرض ماءها ، وأقلعت السماء. وقيل هذه الآية : (يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي) ما وجد فى كلام العرب مثلها على حسن نظمها ، وبلاغة وصفها ، واشتمال المعانى فيها. فلما استوت السفينة على الجودى ـ وهو اسم جبل ـ رست إليه ، قيل : ثلاثة جبال أكرمها الله بثلاثة نفر : الجودى بنوح ، وطور سيناء بموسى ، وحراء بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وغرق قوم نوح جميعا ، ومن نجا مع نوح كانت من نسلهم أمم الحاضر ، وهبط نوح ومن معه بسلام ، وآتاهم الله بركاته ، وأكثرهم عددا ، فكان نوح هو آدم الأصغر ، لأنه من نسله خرجت كل الأمم اللاحقة ، ولم يكن معه فى السفينة من الرجال والنساء إلا من كان من أهله : (وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) (٧٧) (الصافات) ، (وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً) (الفرقان). وكل الأنبياء كانوا إما من ذرية آدم أو ذرية من كانوا مع نوح : (أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ) (مريم ٥٨) ، وقيل عاش نوح بعد الطوفان ثلاثمائة سنة وخمسين ثم مات ، ومن ولده سام

٨٦١

كما يقول سفر التكوين من أسفار اليهود ، ومن ولده الساميون ، ومنهم العرب واليهود ؛ ومن ولده حام كان الإفريقيون السود والزنوج ، وسمر البشرة من الهنود ، والأحباش ، والقبط أى المصريون ، والبربر ؛ ومن ولده يافث كان الصقالية والترك والخزر يعنى الأوروبيين. ويقول الله تعالى : (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (٨١) (الصافات) : يعنى ترك الثناء الحسن عليه عند كل أمة ، حتى أن المجوس سمّوه أفريدون ، ويدعو له الجميع أن تسلم سيرته من كل سوء ، فكلما ذكر اسمه قيل : سلام على نوح فى العالمين» ، وما كانت الملل من بعده إلا صورا لملّته كقوله تعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً) (الشورى ١٣) ، وقوله : (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ) (٨٣) (الصافات) أى من أهل دينه.

* * *

٧١٧. موجز قصة نوح

نوح : هو أول المذكورين من الأنبياء ، وأول من حمل الدعوة إلى الله وجاهد فى سبيلها ، وطال جهاده واستمر السنوات الطويلة ، وكان صاحب تجربة عظمى وحادثة كونية كبرى هى «الطوفان» الذى تسمّى باسمه ، وعرف فى التاريخ باسم «طوفان نوح» ، وملخص القصة فى بضع آيات تسرده سورة القمر فى إيجاز شديد فى قمة البلاغة ، وجرس الكلمات فيه يشد القارئ إلى القصة ووقائعها ، ووقعها ينبئ عن حدث ضخم ؛ وكان الطوفان يناسب الناس فى بداية الخلق ، فكأنه يغسل الأرض من أدرانها ، ويطهّرها من ذنوب سكانها ، ويبعثهم من جديد. تقول السورة فى معرض مقارنة قوم نوح بقوم محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) (١٦) (القمر) ، فهذه سبع آيات تصور كيف كان عذابه تعالى لقوم نوح ، وتنذر قوم محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتلفتهم إلى ما فى القصة من عبر بعبارة صارت مثلا ، تقول : «فهل من مدّكر؟ أى هل من متّعظ ومعتبر؟ ولقد سجل الله تعالى القصة لتكون آية للناس ، وما زالت كذلك ، وما زال قوم نوح يضرب بتكذيبهم المثل ، ويروى عنهم وعمّا فعلوه بنبيّهم ، وجاءت روايتها فى القرآن للتسرية عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والذين معه ؛ وقوم نوح دمغوه بالجنون ، وعابوه ، وسبّوه ، وأمسكوا بخناقه ، و

٨٦٢

حاولوا قتله ، وآذوه فى نفسه وجسمه وعرضه وماله وأصحابه ، تماما كما فعل كفّار قريش بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، غير أن نوحا لمّا نفد صبره ولم يعد فى قوسه منزع كما يقولون ، دعا ربّه عليهم ، ونبيّنا لم يدع على قومه ، وصبر وثابر لعله يخرج من أولادهم من يعبد الله. وعبارة نوح التى دعا بها مشهورة يرددها كل مستضعف ، كلما أعياه أمر الظلمة ، ولم يعد يقوى على مغالبة المستقويين ، تقول : «ربّ ، إنى مغلوب فانتصر» ، والدعاء كبير وخطير ، واستجابت له السماء فورا ، وفتحت له أبوابها ، وانهمر الماء منها يصبّ صبّا على الأرض ويغرقها ، وتفجّرت الأرض بالعيون ، والتقى ماء السماء وماء الأرض ليصنعا أكبر وأخطر وأعظم طوفان فى التاريخ ، ولو لا أن الله أوحى إلى نوح أن يصنع سفينته من ألواح شدّها إلى بعضها البعض بالحبال ، لما بقى فى الدنيا من الأحياء أحد ، وجرت السفينة وسط عباب الماء ، والله يكلؤها بعنايته ورعايته ، ونجا نوح ومن معه جزاء له ولهم على إيمانهم.

* * *

٧١٨. قصة امرأة نوح

لم يتزوج النبىّ نوح إلا امرأة واحدة ، وأنجب منها أربعة أبناء ، مات منهم الابن الكافر ، ويبدو أنه كان أكبرهم ، وعاش ثلاثة : سام ، وحام ويافث. ولم تركب امرأة نوح معه السفينة وأغرقها الطوفان مع الغارقين ، وصنّفت مع امرأة لوط ، وقيل فيهما : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (١٠) (التحريم) ، وامرأة نوح إذن مثل للمرأة الكافرة ، وخيانتها لنوح أنها لم تؤمن به ، فكان بيتهما نصفه مؤمن ونصفه كافر ، وكانت تهزأ به وتسخر من دعوته ، وتصفه مع قومها بأنه مجنون ، وخيانتها له إذن كانت خيانة فى الدين ، وما كانت بغيا ، وكانت تفشى أسرار بيتها ، وتنمّ على زوجها ، وكلما أوحى إليه بشيء أبلغت قومها به ، فكان حسابها عند الله عسيرا ، ومع كل ما لنوح عند الله من كرامة إلا أنه لم يدفع عنها عند ربّه ، ولقد دفع عن ابنه ـ وكان مثلها من الكافرين ، ولم يؤمن بنوح ، ولم يقبل الله فيه شفاعته. والدرس المستفاد من القصة : أن العذاب فى الدنيا والآخرة يدفع بالطاعة وليس بالوسيلة. والقصة ضربت مثلا لكفار مكة ، ليعلموا أن لا أحد مهما علا ، بمنأى عن العذاب طالما هو كافر.

* * *

٨٦٣

٧١٩. قصة ابن نوح

كان نوح أول نبىّ يبعث ، وظل يدعو قومه نحو ستمائة سنة ، وعيل صبره فدعا على قومه ، وأمره الله أن يصنع سفينة ، وأن يحمل عليها من كل مخلوق من مخلوقاته تعالى زوجين ، وأن يصحبه أهله ومن آمن ، وما آمن معه إلا قليل ، فلما حان الحين أمطرت السماء بماء منهمر ، وفجّرت الأرض عيونا ، وغرقت الأرض وصار الموج كالجبال ، وجرت السفينة بسلام ، ولم تركب امرأة نوح مع زوجها فقد كانت مع قومها ، وكانت تسخر منه وهو يصنع السفينة ، فغرقت مع من غرق ، وكذلك ابنه الأكبر ، لم يكن من المؤمنين ، وكان الله قد وعده أن ينجيه ـ أى نوحا ، وأهله دون الظالمين ، قال : (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (٢٧) (المؤمنون) ، والذين ظلموا هم قوم نوح ، وعلى رأسهم امرأته وابنه ، ولم يشفع نوح لامرأته ولكنه شفع لابنه ، وكان قد اتخذ طريقه إلى الجبل لينجو من الماء ، كقوله تعالى : (وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (٤٣) (هود) ، وقوله : (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٤٧) (هود) ؛ ونداؤه ربّه هو دعاؤه أن ابنه من أهله كما وعده ، وتناسى نوح قوله تعالى له : (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) (المؤمنون ٢٧) ، ولم يكن ابنه من أهله باعتراف نوح ، قال : (يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ) (٤٢) (هود) ، وكان من المحال أن يسأل نوح هلاك الكفار فلا يترك منهم على الأرض ديّارا ، ومع ذلك يستثنى ابنه؟! وقوله تعالى : (يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) مع قوله بخصوص امرأته وامرأة لوط : (كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما) (التحريم ١٠) قد يجعل البعض يظن أن ابن نوح هذا كان من زنى ، ونساء الأنبياء لا يزنين ، وخيانة امرأة نوح كانت فى الدين لا فى الفراش ، وإنما المعنى أنه ليس من أهل نوح الذين وعدوا بالنجاة ، وليس من أهل دينه ولا من المؤمنين به ، وقوله : (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) (٤٦) (هود) لأنه كفر بالله وكذّب برسالته. والدرس المستفاد من هذه القصة : أن الصالحين قد يكون من أولادهم فاسدون ، والقصة على ذلك تسلية للخلق عامة وللمؤمنين خاصة فى فساد الأبناء مع صلاح الآباء. وكان ابن الإمام مالك أحمق ، فقال الإمام وفى باله هذه القصة : إن الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات ، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات!

* * *

٨٦٤

٧٢٠. الناجون مع نوح كانوا الخلائف

لمّا أرسل نوح استخفّه قومه ، كقوله تعالى : (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) (٧٣) (يونس) ، «والخلائف» جمع خليفة ، ككرائم جمع كريمة ، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة ، وجعلهم خلائف ، أى يخلفون بعضهم بعضا ، ويخلفون الأمم الماضية والقرون السالفة.

* * *

٧٢١. قصة قوم عاد

تأتى قصة عادAad فى القرآن فى تسع عشرة سورة ، هى بحسب النزول : الفجر ، والنجم ، وق ، والقمر ، وص ، والأعراف ، والفرقان ، والشعراء ، وهود ، وغافر ، وفصلت ، والأحقاف ، والذاريات ، وإبراهيم ، والحاقة ، والعنكبوت ، وأخيرا الحج ، ففي سورة الفجر يقول تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ) (٩) ، فكان اسم عاد : «عاد إرم» ، نسبة إلى عاد بن إرم ابن عوض بن سام بن نوح ، أو نسبة إلى قبيلة إرم ، وعاد إحدى بطونها ، والخطاب فى الآيات للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم لأفراد المسلمين الذين يقرءون القرآن من بعد ، ولم ير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عادا حتى يقال له : «ألم تر» ، والاستفهام لإعمال التفكير ، والرؤية المقصودة هى رؤية القلب ، وكان قوم عاد إرم عمالقة طوال القامة ، وجبابرة ، وكانت لهم أبنية عالية لتناسبهم ، أحجارها ضخمة يقوون عليها ، فكانت قراهم لذلك فريدة ليس لها مثيل.

وفى القرآن لدينا عادان : عاد الأولى ، وهؤلاء هم عاد إرم ، وعاد الثانية أو الأخيرة ، وهؤلاء هم ثمود ، كقوله تعالى : (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى) (٥١) (النجم) ، وسمّيت «عادا الأولى» لأنهم كانوا قبل «عاد الثانية» ، وكانوا أول أمة تبيد بعد نوح ، وفى ترتيب القصص القرآنى فإن قصة عاد تأتى بعد قصة نوح ، وقبل قصة ثمود. وثمود من ولد عادا ، وانحدروا من صلبه ، وكانوا جبابرة كأسلافهم قوم عاد ، وبنوا البيوت الضخمة بالحجارة ، فقطعوها من الجبال ونقلوها إلى الوديان ، وارتبط مصير عاد وثمود ، فارتبط اسماهما ، يأتيان فى القرآن متقارنين غالبا ، وكانوا أول أمتين ضمن قائمة المكذّبين الكافرين بالله والجاحدين بالرسل ، وأهلكت الأولى بالريح الصرصر ، والثانية بالصيحة : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) (١٤) (ق) ، فبعد قوم نوح فى القائمة تأتى ثمود ، وأصحاب الرس ، أى البئر ، وكانوا من ثمود ، وقد تأتى عاد أولا ثم ثمود ، وقد تأتى ثمود

٨٦٥

أولا ثم عاد. والعذاب الذى أصاب عاد عذاب معجز : (كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) (٢١) (القمر) ، والريح الصرصر : شديدة الصوت ، تقول صرّ الباب ، أى له صرير ، أى صوت مزعج ، يعنى أنها ريح عاصف مدوية ، وكانت بدايتها يوم أربعاء ، قال المفسرون ذلك لأن الأربعاء هو يوم الشؤم عند العرب ، ووصف بأنه يوم نحس ، واستمر النحس وهو قوله : (يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) ، وفى سورة فصّلت يأتى أنه استمر عدة أيام : (فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ) ، وبلغ من شدة الريح فيها أنها كانت تقتلعهم كأنهم النخل المنقعر ، أى المنخلع عن أصله ، وكان أهل عاد طوال القامة ، وصفهم فى سورة الفجر بأنهم أصحاب عماد ، والعماد هو القامة ، وفى سورة القمر شبّههم بالنخل من فرط طولهم ، فكانت الريح تنزعهم من الأرض ومن بيوتهم فتدق أعناقهم. وفى سورة الفرقان : (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً) (٣٩) (الفرقان) ، أى لم يكن هناك عذاب بلا جريمة ، وجريمة هؤلاء جميعا : أنهم كذّبوا الرسل ، فجعلهم الله آية ، أى عبرة لمن يعتبر ويتّعظ ، وضربت بهم الأمثال ، وكان عذابهم هو العذاب المتبّر ، أى الشديد الغليظ ، وأصحاب الرس : هم بقايا ثمود ، (وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً) (الفرقان ٣٨) ، أى أمما أخرى لا يعلمهم إلا الله ، بين قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس. وفى سورة الأعراف نعلم عن عاد أكثر من ذلك : (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ) (٧٢) ، فالنبىّ الذى أتاهم كان هودا ، وكان منهم ، والمستشرقون يدّعون أن هودا لم يذكر فى التوراة ولكنه حتما يهودى للمشابهة بين هود ويهود أو يهودى ، والخطأ الذى يقعون فيه أن اليهود لا يرسلون إلى غير اليهود ، ثم إن مصطلح اليهود واليهودى كان بعد دولة يهوذا ، وهناك فرق زمنىّ شاسع بين

٨٦٦

هود وبين دولة يهوذا ودمارها ، وخروج اليهود منها ، ليكون من بينهم هود نبيا لقوم عاد! وحسبنا الله فى هؤلاء المستشرقين الجهلاء! ورسالة هود إلى قومه هى نفس رسالة كل الأنبياء : أن الله واحد ، ولا معبود إلا الله ؛ وجوابهم عليها هو نفس الجواب مع كل نبىّ ، أن الداعى ليس سوى بشر منهم ، فلما ذا يختص بالنصح دونهم؟ ولما ذا يؤثّر عليهم رسولا من هذا الإله الجديد؟ ولما ذا يتركون آلهتهم إلى هذا الإله الواحد الغريب عنهم؟ فذلك ما جعلهم يصفون دعوته بالسفه ، وذكّرهم هود بنعم الله عليهم منذ نوح ، وما آتاهم من بسطة الخلقة وبسطة العيش ، وكان ما يدعوهم إليه بسيطا ومعقولا ، بينما كانوا يجادلون فيما اخترعوه من أسماء لموجودات وآلهة وهمية ، وكلما تعقّد القول فى المعبودات فاعلم أن دعاتها منتحلون كاذبون ملفّقون ، كشأن النصارى فيما يزعمونه عن طبيعة المسيح! وما كان عذاب هؤلاء الكذّابين إلا لتكذيبهم وكذبهم. وما كان إيراد قصصهم فى القرآن إلا من قبيل ضرب الأمثلة. والأمم الكافرة كثيرة ، وأبرزهم قوم نوح ، وعاد وثمود ولوط ، ذكرهم لما اتسموا به من كثرة وقوة ، فإن تكن للعرب كثرة وبأس ، فلهم عظة بقصص هؤلاء ، يذكرون تعزية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتسلية له ، ورفعا لمعنوياته ، وتبشيرا للمؤمنين به ، فكما جرى لهؤلاء الأحزاب أى الأقوام ذوى الكثرة والقوة ، وأصحاب الأنساب والأحساب ، لا يستبعد أن يجرى للعرب مثله لو استمروا على كفرهم وتكذيبهم للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ) (١٤) (ص) ، ويتكرر وصفهم بالأحزاب فى سورة غافر ، يصفهم بذلك مؤمن آل فرعون. وفى سورة الشعراء تحفل الآيات عن عاد بالمعلومات عن حياتهم وطرق تفكيرهم ، تقول : (كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (١٤٠) ، وفى ذلك إخبار بأنهم كانوا من البنات ، وكانت بناياتهم إما مصانع لمختلف الصناعات والحرف ، وإما منازل للسكنى ، يختارون لها الهضاب ، ويعلون فى البناء ، وإما قصورا مشيدة ، وإما دورا للهو والعبث ، يعنى أنهم كانوا أصحاب

٨٦٧

حضارة ، كأمريكا والغرب الأوروبى مع الفارق. وكانوا يصنعون ويبنون للخلود ، وإذا بطشوا بطشوا جبّارين ، يصدق عليهم شبههم بأمريكا ، وأمريكا تتزعم العالم الآن فى الدعوة إلى الليبرالية والإباحية والإلحاد ، ويصدق عليها قول هود : (إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ) (١٣٧) (الشعراء) يعنى يسخرون من الدعوة إلى الله باعتبارها من السلفيات ، ولهذا كرهوا المسلمين لأن منهم بقية ما تزال على الدين ، وهؤلاء يدعون إلى الإيمان والتمسّك بالأخلاق ، وأمريكا وأتباعها يريدونها جاهلية. وفى سورة فصّلت يؤمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ينذر أهل مكة بما عذّب به قوم عاد : (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) (١٣) ، (فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ) (١٦) ، والاستكبار اغترار بالقوة واستعلاء على الدول والشعوب ، كاستكبار أمريكا اليوم ، والدول الصناعية الكبرى التى يقال لها الدول الثمانى ، وردّ الله عليهم بأنه أشد منهم قوة وقدرة ، وأنه إنما يؤخّر عذابهم إلى حين ، كقوله : (فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) (الطارق ١٧) ، وقوله : (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً) (١١) (المزمل) ، ولن يكون عذابهم إلا فى الدنيا والآخرة ، وعذاب الخزى الذى وعدت به عاد فى الدنيا كان بالريح الصرصر ، وعذاب الآخرة أشد وأنكى. وما يزال ربّنا يذكّر هؤلاء وهؤلاء بأنواع العذاب ، يقول : (وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (٢١) (الأحقاف) ، والأحقاف جمع حقف : وهو ما استطال من الرمل ولم يبلغ أن يكون جبلا ، وهى أرض من اليمن من حسمى ، فى حضرموت ، بواد يقال له : مهرة. وفى سورة الذاريات يصف الريح التى كان بها عذاب قوم عاد : (وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) (٤٢) فأما أنها ريح عقيم فقد قيل إن ريح الجنوب النكباء ، لا تدع شيئا إلا وتعصف به وتأتى عليه وتجعله كالرميم ـ أى العظام البالية النخرة. وتصفهم سورة إبراهيم وهم يستمعون لدعوة هود ، يقول : (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (٩) ، يقول الله تعالى : (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ) يعنى فعل المغتاظ ، يضع يده فى فمه يعضّ عليها كلما ذكر الداعية معبوداتهم وسفّهها. وفى سورة الحاقة تحديد أكثر لزمن العذاب وصفة الريح ، تقول : (وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ

٨٦٨

صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ) (٨) ، فزيد فى وصف الريح أنها «عاتية» لا تطاق من شدة هبوبها ، وأنها استمرت معهم بلا توقف ، لا تفتر ولا تنقطع طوال هذه المدة كلها ، ونكّلت بهم ولم تتركهم إلا صرعى كأنهم جذوع نخل منقعر. وما أيسر ما يطاح بجذوع النخل إذا انقعرت. وما كان يوم النحس هذا عند عاد إلا مثالا باهتا ليوم القيامة الذى تكذّب به ، كقوله تعالى : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ) (٤) (الحاقة) ، والقارعة هى التى تقرع الناس لأهوالها ، وهى يوم القيامة ، فالذى فعلته عاد وثمود أنهما كذّبا بيوم الدين ، وبالقيامة ، وبالبعث والنشور والحساب. وفى سورة العنكبوت يأتى أن مساكن عاد كانت ما تزال لها آثار ، وأن مشاهد هذه المساكن تؤكد أنهم كانوا قوما على دراية وعلم ، وهو معنى (مُسْتَبْصِرِينَ) ، وصفوا كذلك لأنهم لم يكونوا حمقى ليكفروا ، فالمسألة معهم أنهم صدّوا عن السبيل ـ صدّتهم الغواية ـ فكفروا : (وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) (٣٨). وفى سورة الحج ، وهى سورة مدنية من أواخر السور ، يأتى آخر ما يذكر عن قوم عاد : (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ) (٤٢) ، والخطاب فيها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يعزّيه الله تعالى ويسليه فى هذه الآية بما حدث للأنبياء من قبله ، فقد كذّبوا فصبروا ، إلى أن أهلك الله المكذّبين. وقصة عاد اشتملت عليها ست وخمسون آية ، كانت مع غيرها من القصص الأخرى ، صورة لما كانت عليه الأمم السابقة ، وهى قصص للعبرة لمن يريد العظة والعبرة فى كل الأمصار والأزمان ، واختلفت بعض كلماتها فى الروايات المتعددة لها ، ولكن المعانى لم تختلف ، وكانت الآيات تتكرر أحداثها وإنما من زوايا مختلفة ، وفى سياقات متباينة ، تضيف إلى الصورة العامة للقصة وتبنى عليها. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٧٢٢. قصة إدريس

يذكر القرآن إدريس Idris ضمن أنبياء آخرين ، قال : (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٨٦) (الأنبياء) ، وقال : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا) (٥٧) (مريم) ، وإدريس إذن كان من الصابرين ـ أى على طاعة الله واجتناب معاصيه ، وأدخله الله فى رحمته ، أى جعله من أهل الجنة ، وكان صالحا ، وصدّيقا نبيّا. ولا شىء آخر يذكره القرآن عنه ، غير أنه فى الأدب الدينى له قصص ، لا سند لها ولا مرجع ، وكلها من الإسرائيليات عن الأدب اليهودى

٨٦٩

الدينى الشفهى ، قالوا : هو أول من خطّ بالقلم ، وأول من خاط الثياب ولبس المخيط ، وأول من نظر فى علم النجوم والحساب ؛ واسمه «إدريس» أعجمى بدليل عدم صرفه ، إلا أنهم قالوا أنه من الفعل درس دراسة ، فهذا الدارس ، لأن إدريس كان قارئا للكتب ، وباحثا فى العلوم. وقيل فيه إنه اطّلع على الجنة والنار ، وصعد به إلى السماء الرابعة ، وقبضت روحه فيها ، وأنه يسكنها ، ولمّا كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المعراج ، وعرّج به إلى السماء ، أتى على إدريس فى السماء الرابعة ، أخرجه مسلم. وقال أصحاب الإسرائيليات : إن إدريس هو النبىّ أخنوخ ، وقال نولدكه إن إدريس هو أندرياس ، أو أندراوس ، وأنه استشهد أو ربما غرق ، أو أنه رفع كما رفع إيليا والمسيح ، فذلك معنى قوله تعالى فى القرآن : (وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا) (٥٧). واسم أخنوخ الذى قيل إنه إدريس معناه «الشاطر» ، ويترجمونه أحيانا «حنوك ، وابن أخنوخ هو متو شالح (تكوين ٥ / ١٨ ـ ٢١) ، قيل إن أخنوخ أو إدريس هو السابع من أحفاد آدم من نسل شيث. وفى التوراة كما فى القرآن أنه كان من الصدّيقين والصابرين ، صدق مع الله وصبر على طاعته (تكوين ٥ / ٢٢) ، وعاش ثلاثمائة وخمسا وستين سنة (تكوين ٥ / ٢٣) ، وكان الكاتب برناردشو يرى أن هذه السن هى المناسبة أن يعيشها المفكر ليفيد مما قرأه وخبره عن الحياة. وفى التوراة أيضا يأتى أنه رفع إلى السماء ، لأنه دعا ربّه أن لا يجرّب الموت (رسالة بولس إلى العبرانيين ١١ / ٥) ، وذلك طبعا من أكاذيب اليهود ، لأنه لا أحد إلا يموت : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران ١٨٥) ، وعند العرب من أصحاب الإسرائيليات أن إدريس قبض فى السماء الرابعة أو السادسة ، وذلك أنسب ، فأينما كان لا بد أن يموت ، والله تعالى وحده الذى يعلم أين نموت ، يقول : (وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (لقمان ٣٤). وفى القصة أن أخنوخ أو إدريس رجا جبريل أن يحمله إلى السماء ليدعو الله أن يؤخّر أجله ، فيزداد شكرا وعبادة ، فقال جبريل : إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها؟! وتقول الرواية : إن جبريل حمله معه ، حتى إذا كانت السماء الرابعة التقى بملك الموت فعرف إدريس ، فقال لجبريل إن الله قد كتب أن أقبض روح إدريس فى السماء الرابعة ، فكنت أعجب : وما الذى يأتى بإدريس إلى السماء الرابعة؟ ثم إنه قبض روحه فى السماء الرابعة! ولأخنوخ أو إدريس سفر كالأسفار يسمى سفر أخنوخ من أسفار اليهود ، وأخنوخ نفسه كان من الأنبياء الصغار ، وسفره مثله صغير فى حجمه من مائة وثمانية فصول ، كتبت بالأرامية ، ولها ترجمة يونانية غير كاملة ، والنسخة الكاملة مكتوبة بالحبشية ، وترجمت عن اليونانية التى ترجمت عن الآرامية ، وهى عبارة عن رؤى عن الآخرة والمسيح المنتظر ، ولهذا لم يعتبر اليهود هذه النسخة من النّسخ المعترف بها ، ومن

٨٧٠

الواضح أنها نسخة محرّفة ومكتوبة فى العهد المسيحى ، ويزعم كاتب هذه النسخة أن المسيح كان موجودا قبل خلق العالم ، وأنه سيكون شاهدا على الناس ، وسيئول إليه أمر دينونتهم. وربما لهذه الافتراءات على إدريس لم يذكر فى القرآن إلا فى آيتين ، واعتبره القرآن كذلك من الأنبياء الصغار ، ولم تكن له فيه مداخلات توضع موضع شك أو تكذيب ، فذكره فى أضيق الحدود.

* * *

٧٢٣. قصة قوم ثمود

ثمود فى التاريخ والقرآن ثمودThamud ، وقوم ثمودThamudenes من واقع التاريخ وليسوا من أساطير الغابرين ، وثبت وجود ثمود فى كتابات سرجون (نحو ٧١٥ ق. م) ، ومؤلفات أرسطو ، وبطليموس ، وبللينى ، وكانوا من الأقوام أو الشعوب البائدة ، وقيل كانوا ينسبون إلى ثمود بن عاد بن إرم بن نوح ، وكانوا فى سعة من العيش ، فخالفوا أمر الله وأفسدوا فى الأرض ، فأرسل إليهم صالحا نبيا. قيل : هو صالح بن عبيد بن آسف بن كاشح بن عبيد ابن حاذر بن ثمود ، وكل هذه الأسماء لا تعدو أن تكون تكهنات لا يوجد ما يثبتها. وكان قوم ثمود عربا ، وكان صالح أوسطهم نسبا وحسبا ، فظل يدعوهم إلى أن شاخ ، وما استجابوا له إلا قليل منهم كانوا مستضعفين. وكانت مساكن ثمود ـ كما ثبت من الحفائر ـ بالحجر بين الحجاز والشام إلى وادى القرى ، وهم من ولد سام ، وسميت ثمود لقلة مائها ، من الثّمد وهو الماء القليل. والمستشرقون. ومنهم فلا يشر ، وكوسان دى بيرسيفال ، وشبرنجر ، وجلازر ، وهوروفتس ، وكيتانى ، وجريمه ، ومينستر ، وفيلبى بيرجر ، على القول بأن قصة صالح من ثمود لها أساس من الواقع ، إلا أنهم متحيّرون : من أين استقى محمد اسم صالح؟ ، ومن أين أتى بقصة الناقة مع قوم ثمود؟ ويعيبون على القرآن أنه يذكر أن العرب لم يأتهم نبىّ من قبل محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم يأتى أن الأنبياء صالح وهود وشعيب كانوا عربا ، وهناك فرق بين أن يكون النبىّ من العرب ، وأن يكون من العرب ، فالعرب أشباه عرب ، وإن لم تكن لغتهم العربية ، ولا تعارض إذن كما يزعم المستشرقون. وناقة صالح هى معجزته إليهم لمّا سألوه أن يأتيهم بمعجزة ، وقوله تعالى : (أَخُوهُمْ صالِحٌ) (الشعراء ١٤٢) لأنه منهم ، وكان لهم رسول أمين ، صدقهم القول وقدّم لهم خالص النصح : وكانت أحوالهم دليل فضل الله عليهم ، فقد كانت لهم جنات وعيون وزروع ونخل طلعها نضيد ، وبيوت فارهة ينحتونها من الجبال. وكانت ناقة صالح كما طلبوها ، عشراء ، ترد الماء فتشرب ، وتغدو عليهم بمثله لبنا ، وكانت تشرب كفايتها من الماء أول النهار لتسقيهم اللبن آخر النهار ، وكان ما تشربه

٨٧١

يعادل ما تشربه بقية مواشيهم وأرضهم وأهاليهم ، فجعلوا الماء قسمة بينها وبينهم ، واشترط عليهم صالح أن لا يمسّوها بسوء ، ولكنهم عقروها وندموا ، ولات حين مناص فقد أخذهم العذاب. والذين أوعزوا بعقرها كانوا رهطا تسعة ، وهؤلاء كانوا المسرفين المترفين من ثمود أبناء الأشراف ، واتهموا صالحا بأنه مسحور ، وأن عقله قد بطل ، واستعجلوا بالسيئة قبل الحسنة ، واطيّروا به وبمن معه ، ودبّروا لقتله وأن يباغتوه وأهله ليلا ، ويشهدوا أنهم ما حضروه ولا رأوه ، وكانت الناقة فتنة فأوعزوا بقتلها ليوغروا الناس عليه ، وفى الأسطورة أن الذى قتلها اسمه قدار ، والعرب تسمى الجزّار قدارا ، تشبيها بقدار هذا قاتل ناقة صالح. فكانت عاقبة مكرهم أن دمّروا وقومهم أجمعون. وكانت بيوت ثمود ما تزال بادية الأثر إلى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولذا قال تعالى : (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا) (النمل ٥٢) ، وهذا هو الدرس المستفاد من القصة يعيه الذين يعلمون ، أن الله ينجّى المؤمنين ويعذّب المكذّبين.

* * *

٧٢٤. أصحاب الحجر هم ثمود

الحجر يطلق على معان ، منها حجر الكعبة ؛ ومن معانيها الحرام كقوله تعالى : (حِجْراً مَحْجُوراً) (٢٢) (الفرقان) أى حراما محرّما ؛ والحجر : العقل ، كقوله : (لِذِي حِجْرٍ) (٥) (الفجر). والحجر ديار ثمود فى الآية : (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) (٨٠) (الحجر) ، وسميت سورة الحجر باسم هذه الديار ، وكانت بين مكة وتبوك ، ويطلق على الوادى هناك اسم وادى الحجر. وأصحاب الحجر هم قوم صالح ، وفى الآية أنهم كذّبوا المرسلين ، ولكنا لم نعرف منهم إلا صالحا وحده ، فمن جاءوا قبل صالح ومهّدوا له ، وكذلك من تبعوه من الأنبياء ، جميعهم كذّبوهم. ولما نزّل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم الحجر فى غزوة تبوك ، أمرهم ألا يشربوا من بئرها ، ولا يستقوا منها ، ومن فعل ذلك وعجن عجينه بمائها ، كان عليه أولا أن يهرق الماء ، وأن يعلف الإبل العجين ثانيا ، وأن لا يستقى إلا من بئر تردها الناقة ، ونبّه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على من كانوا معه ، لمّا مروا على الحجر ، فقال : «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ، حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم». ويأتى عن أصحاب الحجر فى الآيات : (وَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ) (٨٤) (الحجر) ، وآياته تعالى لهم هى الناقة ، وكانت فيها آيات جمّة خارقة ، جميعها من الغيب ، ولا يعلم الغيب إلا الله ، وفى تفسير ذلك قيل إن الناقة خرجت من صخرة ، وعند خروجها كانت على

٨٧٢

أهبة الولادة ، وكانت على هيئة عظيمة فلم تشبهها ناقة مما نعرف ، وكثر لبنها حتى كان يكفيهم جميعا. وكانت لصالح آيات أخرى كالبئر وغيرها ، ولكن أصحاب الحجر أعرضوا عنها ولم يعتبروها ، وكانوا يتخذون من الجبال بيوتا ، أى ينحتونها فى الجبال ، والنحت فى الجبال يحتاج لقوة ، وعرفوا بطول القامة وبالقوة والبأس ، وعاشوا لذلك آمنين ، ولكنهم عبدوا غير الله ، وجحدوا رسالة صالح إليهم ، فأنذرهم ، ثم أتاهم العذاب فى وقت الصبح ، وأخذتهم الصيحة فما أغنى عنهم ما كان لهم من أموال وحصون فى الجبال ، ولا ما أعطوه من قوة ، وسبحان المعزّ المذلّ.

* * *

٧٢٥. ثمود وأخوهم صالح وناقة الله

تناولت قصة «ثمود وصالح والناقة» : إحدى وعشرون سورة ، وكانت أول سورة تعرضها هى سورة الفجر ، ثم النجم ، ثم الشمس ، ثم البروج ، ثم ق ، ثم القمر ، ثم ص ، ثم الأعراف ، ثم الفرقان ، ثم الشعراء ، ثم النمل ، ثم الإسراء ، ثم هود ، ثم غافر ، ثم فصّلت ، ثم الذاريات ، ثم إبراهيم ، ثم الحاقة ، ثم العنكبوت ، ثم الحج ، وأخيرا التوبة. وكانت القصة بحسب هذا الترتيب كالآتى :

فى سورة الفجر فى قوله تعالى : (وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ) (٩) : أن ثمود كانوا جبابرة يبنون بيوتهم من الصخور يقطعونها من الوادى ؛ وفى سورة النجم فى قوله : (وَثَمُودَ فَما أَبْقى) (٥١) أن من أوصافه تعالى أنه يميت ويحيى ، وأنه أهلك الذين لم يؤمنوا من الأمم القديمة ، ويضرب المثل بثمود فلم يبق على أحد منهم ؛ وفى سورة الشمس فى قوله تعالى : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها) (١٥) : أن ثمود كانت أمة يشيع فيها الطغيان والظلم ، وأن رسول هذه الأمة كان له آية معجزة هى الناقة ، وطلب منهم أن يتركوها لشأنها ترعى وتشرب من ماء الله ، فجحدوا ما قال واستصغروه ، وعقروا الناقة وذبحوها ، فاستوجبوا غضب الله عليهم ، فدمر قراهم ، وهدم ما كانوا يبنون حتى سوّاه بالأرض ، وهو الله الكبير المتعال والمنتقم الجبار ، وكل عقاب ينزله بالمستعجبين لعقابه ، هو المتحمّل لنتائجه ، لأن لكل عقاب خطير كهذا ، نتائج خطيرة مثله ، ولا بد أن يتحملها من هو أهل لها ، وذلك هو الله ؛ وفى سورة البروج فى قوله تعالى : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ) (١٨) : أن ثمود كانوا مثل قوم فرعون ، بهم بأس وقوة وبطش ، فكذبوا المرسلين ، والله يعلم ما يدبّرون ، فأنزل بهم

٨٧٣

العذاب وأحاط بهم ؛ وفى سورة ق فى قوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ) (١٢) : أن ثمود كانوا مثل قوم نوح وأصحاب بئر الرس من المكذّبين ، وهؤلاء سبقوا ثمود ، وفى سورة القمر فى قوله تعالى : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) (٣١) : أن ثمود كذّبوا كافة إنذارات نبيّهم صالح ، واستكثروا أن يعظهم واحد منهم ، وأن يسألهم أن يتّبعوه وهو الواحد وهم الكثرة ، ولو فعلوا لضلوا وفقدوا عقولهم ، وقالوا : هل من العقل أن نقبل أن يخصّ من بيننا بالرسالة؟ واتهموه بأنه كذّاب فى ادعائه النبوة ، وأنه والغ فى الكذب ، والله يعلم من الكذّاب ، ويوم القيامة يعلمون كذلك. وطلبوا مكابرة آية منه عبارة عن ناقة لها بركات وكرامات خاصة ، وقبل نبيّهم صالح طلبهم بعد استئذان ربّه ، واشترط عليهم أن يكون لها يوم لا تشرب فيه ماءهم وتدر عليهم لبنها ، وأن يكون لهم يوم يشربون فيه الماء فلا يسقون اللبن ، وارتضوا الاتفاق ، إلا أنهم نقضوه بعد فترة ، وتصدّى أشقاهم وأسوأهم للناقة فعقرها ، وما كان من الممكن أن ينقضوا العهد لو لم يكونوا من الكفرة المكذّبين ، فعذّبهم الله ، وأرسل عليهم صيحة اخترقت حاجز الصوت ، فحطّمت هياكلهم ، وفتتت أجسامهم حتى صارت كالهشيم المحتظر ، أو كيابس أوراق الشجر من نوع ما يوضع فى حظائر الحيوان ؛ وفى سورة ص فى قوله تعالى : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ) (١٣) : انضم من المكذّبين إلى ثمود : قوم نوح ، وقوم عاد ، وآل فرعون وأصحاب الرس ، وقوم لوط ، وأصحاب الأيكة ، وأولئك هم الأقوام الذين اشتهروا فى الديانات بأنهم تحزّبوا ضد أنبيائهم ، وأنهم عذّبوا أيما عذاب ؛ وفى سورة الأعراف فى قوله تعالى : (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا

٨٧٤

فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٧٨) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ) (٧٩) : أن صالحا كان أخا لهم ، يعنى من ثمود نفسها ، وأن دعوته كانت التوحيد ، وأن بيّنته كانت الناقة جعلت آية ومعجزة ، وسيّبت حرة لله تدرّ لبنها على من يطلبه من فقرائهم ومستضعفيهم ، وهؤلاء كانوا المصدّقين والمؤمنين ، بينما الأغنياء استكبروا وكانوا عاتين ، وعقرا الناقة نكاية فى صالح ، وفى الفقراء والمستضعفين ، لأنهم صدّقوا صالحا ، وكانت الناقة تدرّ عليهم لبنها وتسقيهم ، وتحدّوا صالحا أن يأتيهم عذاب الله ، فارتجت الأرض من تحتهم وتزلزلت من قبل أن تأتيهم الصيحة ، وفرّوا إلى بيوتهم يخلدون فيها منتظرين ، وصالح يزعق فيهم : لقد أبلغتكم رسالة ربّى ونصحت لكم ولكنكم لا تحبون الناصحين ؛ وفى سورة الفرقان فى قوله : (وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً) (٣٩) : أن المكذّبين من الأمم القديمة لم يقتصروا على عاد وثمود وغيرهم ممن ذكرنا ، ولكنهم كانوا كثيرين ، وإنما الذين ذكروا بأسمائهم كانوا لضرب الأمثال ، وجميعهم تبّروا تتبيرا وأهلكوا هلاكا ؛ وفى سورة الشعراء فى قوله : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) (١٥٨) : أن المرسلين إلى ثمود لم يقتصروا على صالح وإنما أبرزهم صالح ، ووعظهم بالحسنى ، وذكّرهم أنه لا يطلب منهم عطاء ، ولا مالا ، ولا جاها ، فأجره على الله. وحذّرهم أن الله لن يتركهم هكذا يرفلون فى النعيم ولا يعرفون الفضل له ، فلقد أعطاهم الكثير ، فبساتينهم وارفة ، ومجاريهم عامرة بالماء ، وزروعهم صحيحة ، ونخلهم وافر الغلة وتمره حلو المذاق ، وبيوتهم فارهة بنوها من صخور الجبال ، فكان عليهم أن يؤمنوا ويشكروا ولا يطيعوا المسرفين منهم ، الذين أعملوا فى الأرض الفساد ولا يصلحون ، فاتهموه بأنه مسحور مضيّع العقل ، وأنه لا يعدو أن يكون بشرا مثلهم ، وأولى به أن تكون له آية ، إن كان صادقا ، فكانت آيته الناقة ، لها شرب فى يوم معلوم ولهم شرب ، واشترط أن لا يمسوها بسوء وإلّا نالهم عذاب يوم

٨٧٥

مشهود ، فعقروها ، فأخذهم العذاب ، فكان عذابهم أو قصتهم آية ، وما كان أكثرهم مؤمنين ؛ وفى سورة النمل فى قوله : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ) (٥٣) : أن ثمود حيال ما يدعوهم إليه صالح صاروا فريقين كما أسلفنا : فريق المترفين وأصحاب الجاه والسلطان ، وهؤلاء هم المنكرون المعارضون ، وفريق الفقراء المستضعفين المضطهدين الكادحين ، وهؤلاء آمنوا ، وكانت للفريق الثانى فى الناقة منافع ، فكانوا يستطعمونها ، وأعلن المستقوون الحرب على المستضعفين ، واستعجلوا السيئة ، وبرروا بغضهم للدعوة والداعى بأنهم اطيّروا به وبمن معه ، وكان على رأس حزب المترفين تسعة أنفار من المفسدين ، ممن نسميهم «كبراء البلد» ، تآمروا على قتل صالح وأهله ، فباغتهم الله ودمرهم جميعا ، وبيوتهم الخاوية أثر من الآثار تشهد عليهم ، ونجىّ الله المؤمنين ؛ ولكل ما سبق يأتى فى سورة الإسراء : أنه ما منع الله أن تكون للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم آية ، إلا أن الأولين كذّبوا بآياته ، مع أنها آيات يخوّف الله بها المكذّبين ، كقوم ثمود ، آتاهم الناقة ضخمة يراها كل ذى عين مبصرة ، وكانت آية فى شكلها وطعامها ولبنها ، إلا أنهم لم يؤمنوا وعاندوا : (وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً) (٥٩) ؛ وفى سورة هود : تختلف المشاهد والكلمات وزوايا الرؤية ولا تختلف المعانى ، فاعتراضهم على دعوته ينبع من أن مضمونها متعارض مع مضمون ما كانوا يعبدون وآباؤهم ، فلما ذا يريدهم أن يؤمنوا بإله واحد؟ وأن يفترضوا أن الوجود فى الدنيا إنما بغاية استعمارها؟ وذكّروه بأنه كان فى موضع الاحترام والتقدير منهم ، فلما ذا يختار أن يعارضهم؟ وارجعوا ذلك إلى أسباب خفية مريبة ، فأقواله : كانت ثورة تقلب المجتمع قلبا ، وتلغى الطبقات ، وتؤاخى بين الفقير والغنى ، وتؤسّس الاجتماع على التكافل ، وهذه مبادئ خطيرة لن يرضوها ، ولن يتخلى هو بدوره عنها ، لأنها من الله تعالى ، فهكذا خلق العالم ، وهكذا ينبغى أن يكون. والإيمان هو شرط قيام «مدينة الله» التى يحلم بها المصلحون. وكان ما كان من أمر الناقة ، يقول الله تعالى : (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها

٨٧٦

فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ) (٦٨). والجديد فى هذه الآيات عمّا سبقها أنه حدد لهم لوقوع العذاب ثلاثة أيام ، والعدد ثلاثة من أعداد الله كالعدد سبعة ، ولو لا أن نزل العذاب كوعد صالح لكان قد لحقه الخزى ، ولكنه الله غالب أمره ، ونجّى الله صالحا والمؤمنين ، وأمات الظالمين بالصيحة ، جعلتهم جاثمين هامدين ، كأن لم يكونوا من أهل الدنيا ، وكانت لهم من قبل حركتهم ومعايشهم فيها ، وكانت جريمتهم أنهم كفروا فبعدا لهم. وكتب الله نفس المصير لمدين شعيب ، كقوله : (وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) (٩٥) (هود) ؛ وفى سورة فصّلت ذكر أن العذاب كان بالصاعقة ، فقال : (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) (١٣) ، وقال : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (١٧) ولا فرق بين الصاعقة والصيحة ، فالصاعقة من الصعق وهو شدّة الصوت ، تقول صعق الرعد أى اشتد صوته ، وإذن لم يخطئ القرآن كما يقول المستشرقون ، والصاعقة تصف الصيحة ، وفى التعريف أن الصاعقة هى صيحة العذاب. وفى سورة الذاريات إضافة أخرى هى وصف للجثوم ، تقول : (وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ) (٤٥) ، يعنى أن جثومهم كان عجزا عن القيام ، حيث الصيحة أصابتهم بالعىّ الحركى. ثم فى سورة إبراهيم لمحة أخرى ، تقول : (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (٩) ، فلما جاءتهم الدعوة «ردّوا أيديهم فى أفواههم» ، أى عضّوا على أيديهم غيظا ؛ وهذه لمحة جديدة من لمحات ما فعلت ثمود تعبيرا عن ضيقهم بصالح تنضاف للمحات الأخرى وتنفرد بها الآية ؛ وفى سورة الحاقة تأتى معلومة جديدة عما

٨٧٧

كذّبوه من الدعوة ، بقوله تعالى : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ) (٤) ، وما كذّبوه هو قول صالح بيوم القيامة ، وصفتها الآية بأنها «القارعة» ، لأنها تقرع الناس بالذعر ، وتقرع السماوات بالانفطار ، والأرض بالتصدّع ، والأجرام بالتشقق والانتثار ؛ وفى سورة العنكبوت : يأتى وصفهم بأنهم كانوا مستبصرين ، يعنى كانوا أهل علم ودراية ، فقد كانت لهم عمارة متقدمة فى البناء دلت عليها مساكنهم ، وأصحاب العمائر مخططون ومهندسون ومع ذلك غووا الضلال وعتوا مفسدين ، قال تعالى : (وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) (٣٨) ؛ وأخيرا يجيء فى سورة التوبة عن ثمود ـ وهى السورة قبل الأخيرة من سور القرآن بحسب التنزيل : أن كفار مكة ما كان لهم أن يكذّبوا وقد عرفوا ما حاق بالأمم السابقة قبلهم : (قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (٧٠) ، والدرس المستفاد من كل هذه الآيات قوله تعالى فى سورة الحج : (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ) (٤٢) ، فهذه ست وعشرون آية فى ثمود وصالح والناقة ، وفيما كان منهم ، عرضها القرآن للعظة والاعتبار ، ولتسلية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والمؤمنين. والحمد لله رب العالمين.

* * *

٧٢٦. قصة الرهط التسعة مع النبىّ صالح

أرسل النبىّ صالح Salih إلى ثمود برسالة التوحيد : (فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ) (٤٥) (النمل) ، فقدّموا الكفر وأخّروا الإيمان ، ودعاهم صالح أن يستغفروا لعلهم يرحمون ، فكانت حجّتهم عليه : (اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) (٤٧) (النمل). (وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) (٤٩) (النمل) ، والرهط : هم الجماعة ، قيل هم تسعة ، والجمع أرهط وأراهيط ، وكانوا رؤساء يتبع كل واحد منهم رهط. والمدينة هى مدينة صالح ، وهى الحجر جنوبى تيماء من وادى القرى. وهؤلاء التسعة كانوا من أولاد المترفين ، وهم أصحاب المال والسلطان ، وكل فساد فى الأرض لا يتأتّى إلا من المترفين ، ومن سيطرة رأس المال على مقدّرات الناس ، وعلى التشريع والحكم ، ومن ذلك قوله تعالى : (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) (١١٦) (هود) ، وقوله : (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) (٣٤) (سبأ) ، وقوله : (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا

٨٧٨

الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) (١٦) (الإسراء). والكلام فى أسماء هؤلاء التسعة ، وهم الرؤساء ، نوع من الرجم بالغيب ، ولا تنضبط الرواية فيهم ، وكلها من باب التخمين ، ولا يعلم أسماءهم إلا الله ، وإلا وهب بن منبه ـ هذا اليهودى الذى أسلم وملأ كتب تفسير القرآن بالإسرائيليات ، قال : أسماؤهم : الهذيل بن عبد ربّ ، وغنم بن غنم ، ورياب بن مهرج ، ومصدع بن مهرج ، وعمير بن كردبة ، وعاصم بن مخرمة ، وسبيط بن صدقة ، وسمعان ابن صفى ، وقدار بن سالف ، وهؤلاء التسعة لمّا أعياهم أمر صالح تآمروا عليه ، والأشرار دائما أغبياء ، ولو كان التسعة على شىء من ذكاء ، لقارعوا الحجة بالحجة ، ولكن الطريقة السهلة للشرير الغبى هى اللجوء للقتل ، وهو إعدام للخصم وجوديا ، ظنا بأن الحال سيبقى بعد قتله على ما هو عليه ، غير أن ظهور النبوّات ، وخروج المفكرين والمصلحين بالثورات ، لا يكون دائما إلا بعد نضوج مواصفات التغيير فى المجتمع ، وسواء كان على يد صالح أو غير صالح ، فسيتم ذلك إن آجلا أو عاجلا.

والتسعة الأشرار ، أو عصابة التسعة ، تقاسموا أن يبيّتوا لصالح ولأهله ، والتبييت : هو المباغتة ليلا ، والإجهاز عليهم وقتلهم ، فإذا سئلوا ، يتعلّلون لمن يطالب بالثأر لصالح ، أنهم ما كانوا حاضرين ، وهو ما يسميه أهل القانون «إثبات الغياب عن مسرح الجريمة وقت ارتكابها». وهؤلاء التسعة وأرهطهم هم أنفسهم الذين دبّروا قتل الناقة ، فلمّا أنذرهم صالح بالعذاب وأمهلهم ثلاثة أيام ، قدّروا أن يتخلصوا منه ، ومكر الله تعالى بهم كما مكروا بصالح والناقة ، وما كان لهم أن يأمنوا مكر الله وله المكر جميعا ، والمكر لا يحيق إلا بأهله ، فلم يشعروا بما يحاك لهم ، فجاءتهم الصيحة بغتة فأهلكتهم أجمعين ، ودمّروا تدميرا ، وهلك التسعة فيمن هلك ، فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ، وقد خلت الحجر عن أهلها ، وصارت العمائر خرابا وآثارا لا يسكنها ساكن ، وفى ذلك آية لقوم يعلمون ويستخلصون العظات والعبر ، ونجىّ الله الذين آمنوا بصالح ، وكانوا من المتّقين ؛ وقيل رجما بالغيب إنهم كانوا نحو أربعة آلاف ، وقيل أيضا بلا سند ولا مرجع : أن قتل الناقة كان يوم أربعاء ، وأن هلاك من هلك كان يوم أحد ، وأن الصيحة جاءتهم صحوة ، وكان صالح قد خرج بمن معه إلى حضرموت ، ومات هناك ، فسميت لذلك حضرموت! وبنى من بقى من ثمود مدينة إلى جوار حضرموت سميت على ما قيل «حاضورا». وهكذا تنتهى قصة التسعة باندحار الشرّ ، وإفلاس الأشرار ، وانتصار قوى الخير وجنود الله ، والعاقبة دائما وأبدا للمتّقين ، ولعل أعداء الإسلام الآن يبلسون كما أبلست عصابة التسعة ، وندعو الله أن ينصر المسلمين ، والحمد لله رب العالمين.

* * *

٨٧٩

قصة هود

٧٢٧. هود فى التوراة والقرآن

يكذّب المستشرقون من أمثال : هيرشفيلد ، وفون كريمر ، وجايجر ، وسيل ، ومولين ، وهوروفتس ، وجود نبىّ اسمه «هودHud» ، ومرجعهم فى ذلك التوراة ، ومع ذلك فقد نسبوا «هودا» كما ورد عنه فى القرآن ـ هكذا يقولون ـ إلى عابر ، أحد أجداد إبراهيم الذى ينسب إليه العبرانيون ، ولا أدرى من أين أتوا بهذا الكلام من القرآن؟ ومن أى سورة؟ فلا يوجد فى القرآن ذكر لعابر!! وعابر فى التوراة هو الجد السابع لإبراهيم (التكوين ١١ / ١٤ ـ ٢٦) ، ومع ذلك يأتى فى التوراة أيضا أن اسم العبرانيين أضفاه عليهم الكنعانيون ، فسمّوا إبراهيم : إبراهيم العبرانى (تكوين ١٠ / ٢٤ و ١١ / ١٤ و ١٤ / ١٣) ، لأنه عبر نهر الفرات إلى فلسطين ، أو لأنه كان بدويا رحّاله ، يسافر عابرا وينتقل من مكان إلى مكان ، ومن أرض إلى أرض. واسم «العبرانى» ليس إذن اشتقاق من اسم جدّ أكبر اسمه عابر كما يزعمون. ويدأب المستشرقون أن ينسبوا كل ما يأتى به القرآن إلى اليهود ، واختلقوا لذلك أنسابا لهود ، فقالوا : إن الاسم «هود» من «هود» العربية بمعنى اليهود ، وقالوا : إن «القرآن» يأتى فيه اسم «هود» بمعنى اليهود ثلاث مرات ، كقوله تعالى : (وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا) (البقرة ١٣٥) فمحتمل أن معنى «هود» هو «النبىّ اليهودى» ، وخاصة أنه أرسل إلى قوم عاد باليمن وحضرموت وعمان ، وهؤلاء كان بهم كثرة من اليهود. إلا أن «هودا» صيغة جمع ، والمفرد هائد ، فلو كان المقصود باسم النبىّ هود أنه من اليهود ، لكان اسمه هائد وليس هودا صيغة الجمع. ويريح هيرشفيلد دماغه ويعلن ببساطة أنه لا وجود لنبىّ باسم هود ، وأن الاسم ملفّق ، وحكايته على منوال حكاية محمد مع أهل مكة ، وأن محمدا اخترع هذه القصة وألّفها خصيصا لهم ليقنعهم برسالته هو نفسه!! مع أن القرآن قد ورد به قوله تعالى : (وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ) (العنكبوت ٣٨) ، يعنى أن آثار مساكنهم كانت ما تزال موجودة أيام النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يراها العرب فى رواحهم ومجيئهم رأى العين ، ويعرفون أنها أطلال مدينة عاد ، فلو كانت قصة هود رمزية ، فهل كان يرد ضمنها الإشارة إلى مساكن قوم هود إن لم يكن لهؤلاء الناس وجود أصلا؟!

* * *

٧٢٨. أصحاب الأيكة

يأتى عن أصحاب الأيكةPeople of the Thicket أربع مرات فى القرآن فى قوله : (وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ) (٧٩) (الحجر) ؛

٨٨٠

وقوله : (كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (١٩١) (الشعراء) ؛ وقوله : و (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ) (١٥) (ص) ؛ وقوله : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) (١٤) (ق).

وتناول المستشرقان دالمان وهوروفتس قصة أصحاب الأيكة وجعلا منها مسألة كبرى يدللون بها على غموض القرآن ، وأن آياته ليست كما وصفت : (آياتٌ بَيِّناتٌ) (العنكبوت ٤٩) ، وأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يوضح المقصود بأصحاب الأيكة كما قالت الآية : (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل ٤٤) ؛ ويعلم الله أن هذين المستشرقين لكاذبان ، ففي سورة الشعراء يأتى أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين ، بدليل أن نبيهم كان شعيبا ، وكل نبىّ يكون من قومه ، والعهد بالقرآن أن ينسب النبىّ إلى قومه ، فيقول مثلا : «أخوهم شعيب» ، كما فى الآية ٨٤ من سورة هود ، ولكنه فى سورة الشعراء الآية ١٧٧ لم يفعل ذلك وقال : «شعيب» فقط ، والسبب أنه تعالى نسبهم إلى ما يعبدون وهى الأيكة ، وإن كان شعيب أخاهم على الحقيقة نسبا ، والمستشرقان لم يفطنا لذلك فظنا أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين ، والصحيح أنهم أمة واحدة ، وإنما جاء وصفهم فى كل مناسبة بما يناسبها ، فلما كانت مناسبة الوعظ فقد وعظهم بنفس ما وعظ به أهل مدين ، فدلّ ذلك على أنهم أمة واحدة. والأيكة شجرة ، قيل أنهم عبدوها ـ أى أنزلوها من أنفسهم منزلة التقديس ، فعبادة الطبيعة عموما من العبادات القديمة ، وما تزال عند بعض الناس إن لم نلحظها عندهم ، وقامت فلسفة ماكس مولر على قوله : بعبادة الطبيعةNaturismus ، وفى علم النفس والطب النفسى لدينا تعشّق الأشجارDendrophilia : وهو الكلف الشديد عند بعض الناس وبعض الشعوب ، بالأشجار ، كلفا لا يعلم له سبب ، ويذهب بعض علماء النفس

٨٨١

إلى القول بأن تعشّق الأشجار أو عبادتها هو نوع من الولع الجنسى ، حيث تكون الأشجار رمزا للقضيب ، ويكون تعشق الأشجار فى حقيقته تعشقا للقضيب ، وتعشق القضيب أو عبادته كانت من العبادات القديمة ، ونراه كثيرا عند بعض الرسّامين ، وعند المرضى النفسيين ، فإذا كان الكلف مرضيا بلغ حدّ الهوس ، وتحفل الآثار المصرية واليونانية والرومانية بصور وتماثيل لعبادة الأشجار من هذا النوع المرضى ، ويروى أطباء النفس عن حالات لمرضى يتحدثون مع الأشجار ويواعدونها ويبثونها لواعج أشواقهم ، ويحتكون بها ويقبّلونها ، وقد يستمنى المريض أثناء ذلك. فلا عجب إذن أن يكون أصحاب الأيكة من هؤلاء ، أو أنهم كانوا من الأثرياء من أصحاب الغياض ، كقولنا الآن من «أصحاب الضياع». والأيكة هى الغيضة ، والغيضة هى مجتمع الشجر حيث مغيض الماء ، وهو مكان تجمّع الماء. والغيضة أيضا هى الغوطة. وكانت مدين مشهورة بغياضها أو أيكها ، وربما سميت مدين باسم الأيكة لكثرة الأيك بها ، فدلّ شجر الأيك على القرية ورمز لها وصار اسمها. وقد نسأل عن كنه هذا الشجر ، فنقول إنه ربما شجر الدوم ، وهو وإن ندر الآن ، إلا أنه ما يزال يوجد منه ببلادنا ، وهو شجر عظيم الهيئة ، ويسمونه أيضا المقل ، من فصيلة النخليات ، وسوقه متشعبة ، ويستخرج من ثماره نوع من الدبس ـ أى العسل ، ويناسب المناخ الحار. وربما كانت الأيكة غيضة من أشجار السدر والأراك ونحوهما من نواعم الأشجار ، مما ينبت عادة فى أمثال هذه البيئة ، والسدر هو النبق ، والأراك واحدته أراكة ، وهو شجر له شوك ، وسيقانه طويلة ، ويكثر ورقه وتشتبك أغصانه ، وتتّخذ منها المساوك (جمع سواك). وتلك الأنواع من الأشجار : المقل ، والسدر ، والأراك ، قديمة ، وكانت فى الماضى تنبت بكثرة فى بيئات كبيئة مدين ، وهى نادرة الآن. وكانت تتميز بالأغصان الملتفة ، فتتشابك الأشجار مع بعضها البعض ، وتصلح أن يستظل بها ، والآيات فى قصة أصحاب الأيكة تتحدث عن يوم الظلة ، وهو يوم عذاب أهل مدين الذى حاق بهم لمّا كذّبوا نبيّهم وسلكوا معه كالأراذل ، ومنعوا الناس الحقوق ، وعاثوا فى الأرض مفسدين ، وأنكروا الله ، وأصرّوا على الإنكار ، واستبدّ بهم الاستكبار حتى التحدّى أن ينزل شعيب عليهم كسفا من السماء. ومن فضائل تلك الآيات أمثال هذه المصطلحات الإسلامية : «يوم الظلة» و «أصحاب الأيكة» ، وذهب قولهم : (فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (١٨٧) (الشعراء) مثلا من فرائد الأمثال التى يستشهد بها. والكسف جمع كسفة وهى القطعة والجانب من الشيء ، تقول أعطانى كسفا من ثوبه يعنى قطعا منه. وفى يوم الظلة هذا أسقط الله عليهم هذه الكسف التى سألوه إياها ، حتى أنهم استظلوا منها تحت

٨٨٢

هذا الأيك الكثير ، ثم جاءتهم الصيحة أو الرجفة فأخذتهم فأصبحوا فى ديارهم جاثمين ، والديار هى القرى حيث مساكنهم.

ولم يكن من فراغ أن المستشرقين قالوا بأنه من غير الواضح أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين ، فمن العرب من ذهب هذا المذهب أيضا ، وقال : إن الظلة ، كانت سحابة غطّت قرية الأيكة فعظمت بها الحرارة ، حتى أن النار اشتعلت فى الأيك فأتت عليه وعلى أصحابه ، فكان عذابهم فى هذا اليوم هو عذاب الحريق. وأما عذاب أهل مدين فكان بالصيحة أو الرجفة التى أخذت الظالمين منهم. وبناء عليه فإن أصحاب الأيكة غير أهل مدين. غير أن النقد الموجه لهذا القول أنه لا ذكر للحريق فى يوم الظلة ، ويجوز أنهم استظلوا من وقدة الشمس بالأيك ولكن عذابهم كان بالصيحة أو الرجفة ، والرجفة لها صيحة أو ضجيج عظيم. ويضعف من هذا الرأى أن عذاب الصيحة كان للظالمين فقط من أهل مدين ، بينما أخذ أصحاب الأيكة جميعا. وقد يردّ على ذلك بأنه لا تعارض بين أن يقال إن الظالمين من أهل مدين هم الذين أخذوا بالصيحة وانتقم منهم ، وبين أن يقال إن أصحاب الأيكة ـ وهم من أهل مدين ، قد شملهم هذا العذاب أيضا ولكنهم خصّوا بعذاب أكبر لعظم جرمهم ، ولأنهم ظلموا أكثر من غيرهم ، ولربما كان «عذاب الصيحة» لذلك للسواد من الناس ، بينما «العذاب العظيم» الذى هو «عذاب التحريق» لخاصة الذين وصفوا بأنهم أصحاب الأيكة ، وهم طبقة الملّاك من أصحاب الغياض. وفى الآية : (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً) (هود ٨٤) أنهم بنو مدين ، كما يقال مضر والمراد بنو مضر ، أو أن مدين مدينتهم فنسبوا إليها. وجريمة هؤلاء كما فى الآيات التى تحكى عنهم ، هى نفس جريمة أصحاب الأيكة التى تذكرها آياتهم وتتكامل تماما مع آيات أهل مدين. والآيات فى الحالتين تأتى بعد الآيات عن قوم لوط ، وهذا التجاور فى الآيات ينبئ عن تجاوز فى المكان ، بمعنى أن قرى قوم شعيب وأصحاب الأيكة كانت قريبة من قرى لوط. فإن كان قوم شعيب بخلاف أصحاب الأيكة فهما على الأقل جماعتان لأمة واحدة ، فكان نبيّهما واحدا. والآيات فى القرآن التى تشير إلى تجاور قرى لوط وقرى شعيب تشملها أربع سور ، هى : الأعراف ، وهود ، والشعراء ، والعنكبوت ، ويثبت هذا التجاور المكانى أكثر بالآية : (وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ) (٧٩) (الحجر) ، والإمام المبين هو المكان الواضح المشرف على طريق ، وكل من يسير فى هذا الطريق يرى آثارهما : (وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) (٧٦) (الحجر) ، والسبيل هو الطريق ، والمقيم أى القائم بمعنى أنه ما يزال موجودا.

* * *

٨٨٣

٧٢٩. شعيب أو يثرون فى القرآن والتوراة

شعيب هو نبىّ أهل مدين ، أو بنى مدين ؛ وفى التوراة (تكوين ٢٥ / ٢) أن شعيبا كان من نسل مدين بن إبراهيم من زوجته قطورة ، وكانت قد ولدت له ستة من الأبناء ، ومدين رابعهم ، وأنجب مدين عيفة ، وعفر ، وحنوك ، وأبيداع ، وألداعة ، ومن هؤلاء كان بنو مدين الذين أرسل إليهم شعيب ، واسمه بالمديانى يثرون Jethro ، وفى التوراة هو يثرو ، ومعناه بالعربية الفضل أو ذو الفضل ، أى المتفضّل على الناس ، أو صاحب الفضيلة والإحسان ، وأما الاسم شعيب فهو عربى خالص ، والمستشرقون يتعجبون من أين جاء به محمد؟ فلا توجد مراجع معروفة فيها ذكر لاسم شعيب هذا ، ولكنه فى العربية تصغير لشعب ، وتقال للمصلح ، فيكون شعيب أنه مصلح صغير ، فالاسم العربى أليق به ، وكان شعيب من الأنبياء الصغار حقا ، فلم يكن له كتاب ، وما كان المؤمنون به كثرا. فلما كثرت أقواله عن الله دعوه رعوئيل Reuel ، يعنى خليل الله ، وتقوم شهرة شعيب عند الإسرائيليين على استضافته لموسى بعد هروبه من مصر ، وقد ظل يرعى له غنمه مدة أربعين سنة فى زعمهم ، وتروى التوراة قصة موسى فى سفر الخروج فى الفصول الثانى والثالث والثامن عشر ، فلمّا قتل موسى المصرى منتصرا للإسرائيلى مثله ، وشاع الخبر وطلبه فرعون ، هرب إلى مدين ، وأسست التوراة شعيبا «كاهن مدين» ، فهو ليس من الأنبياء عندهم. وكانت له سبع بنات جئن يوما يستقين ويملأن المساقى ليسقين غنم أبيهم ، فطردهم الرعاة ، وكان موسى بالقرب فرأى ذلك ، وقام مروءة يسقى لهن ، فهو القوى الذى لا يغلب ، وقصّت البنات القصة على أبيهن ، وأنهن لذلك عدن مبكّرات ، ووصفن موسى بأنه مصرى ، وأرسل له الأب ابنته صفورة يدعوه مكافأة له ، واستضافه ، وزوّجه هذه الابنة ، واسمها يعنى العصفورة ، فربما كانت ضعيفة البنية ، وذهب موسى يوما فى رعيه للأغنام بعيدا حتى جبل حوريب ، وهناك كلّمه الربّ وعهد إليه ليتوجه إلى مصر نبيا. فلما عاد موسى بعد الخروج من مصر ، ونزل عند جبل حوريب ، وسمع شعيب بعودته ، وكانت زوجة موسى عنده وقد صار له منها ولدان ، فأخذهم شعيب إلى موسى ، وعند جبل حوريب شاهده يقضى بين الناس ، ونصحه أن يعيّن قضاة لهذه المهمة ويتفرغ لتعليم الفرائض والشرائع ، وفعل موسى ما أشار به عليه ، وهذا هو كل ما ذكرته التوراة عن شعيب. وأما فى القرآن فالأمر مختلف ، والحكاية تروى بكاملها وببلاغة لا مثيل لها ، وتترى أحداثها وتحفل بالتفاصيل ، قال : (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي

٨٨٤

حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨) فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) (٢٩) (القصص). وفى هذه الآيات وغيرها مما سنورده بعد ، يظهر جليا التفاوت بين روايتى القرآن والتوراة ، ورواية القرآن طويلة وفيها صراعات وخلافات ، ورواية التوراة قصيرة ولا نعرف ما دار بين شخوصها ، وفيها أن بنات شعيب كن سبعة ، وذهبن جميعا يستقين ؛ وفى رواية القرآن أنه لم يكن له إلا ابنتان ذهبتا للمورد ، والبنت الكبيرة كانت الناصحة لأبيها ، وطلبت منه أن يستأجر موسى ، فخير من يستأجر هو «القوى الأمين» ، فكأنها بذلك قد وصفت موسى خير الأوصاف ، وكأنه أعجبها ، وهذا ما جعل الأب يعرضها على موسى للزواج. وقصة القرآن تؤرّخ لأهل مدين فى كل أحوالهم ، ومنها نلم بالكثير من عاداتهم وأعرافهم ، فالرعاء الذكور يسقون قبل الإناث ؛ ومورد الماء يجتمع عنده الناس ، فربما يستأجر القادر العاطل ؛ والنساء قد ترعى الأغنام وتزود عنها ، فلم يكن ذلك محظورا عندهم ولا العرف يأباه. ومنذ البداية يظهر قوم شعيب بهتا مطلا لا مروءة عندهم ، ولا يصلح للتعامل معهم إلا القوى كموسى ، ولذا زحمهم موسى وغلبهم على الماء حتى سقى ، وهذا الغلب هو الذى وصفته إحدى ابنتى شعيب بالقوة ، فلما أمرها أبوها شعيب أن تستحضر موسى جاءته على استحياء فى غير خراجة ولا ولاجة ، وعرض عليه شعيب أن يستأجره ، كما نصحته ابنته ، وأن يزوّجه إياها. وفى الإسلام عرض عمر ابنته حفصة على أبى بكر وعثمان ، وعرضت الموهوبة نفسها على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد يرى الولى أن يعرض وليّته ، وقد ترى المرأة أن تعرض نفسها ، اقتداء بالسلف الصالح ، ولا يعتد بأن شعيبا زوّج ابنته دون رأيها ، فإنها مما قالته عن موسى كانت راغبة فيه ، والرغبة رضا ، ورضا الولية شرط للزواج لأنها بلغت حدّ التكليف. وقوله : «أريد أن أنكحك» نستدل منه أن النكاح موقوف على التزويج والإنكاح. وقوله : «إحدى ابنتى هاتين» يدل على أنه عرض لا عقد ، لأنه لو كان عقدا لعيّن المعقود عليها ، ولو أن سياق القصة يفهم منه أن المعروضة

٨٨٥

ضمنا هى التى أرسلها إليه لاستحضاره وهى الكبرى صفورة ، وهى التى خاطبته أن أباهما شيخ كبير ، وأنهما لا يسقيان حتى يصدر الرعاء ، وكثير من المفسرين قالوا إنها الصغرى وهذا غلط غالبا ، لأن الكبرى هى الأكثر حنكة ودراية ، وهى مشيرة أبيها الأمينة ، ولا يعتد باسمها صفورة يعنى العصفورة أنها الصغرى ، وواضح أن موسى دخل على امرأته بعد الاتفاق وحين العقد ، وكان صداقه رعيه الغنم وشروعه فى الخدمة ، والرعى والسّقى والحرث مسمى الخدمة ، والأجل حدّده شعيب ثمانى حجج ، فإن أتمّ موسى عشرا فمن عنده ، أى أنه وكل الاثنتين الزيادة إلى مروءة موسى ، ومن هذه المدة عرفنا أن العقد ثمانى أو عشر سنوات. وقام زواج موسى من ابنة شعيب على الكفاءة ، والكفاءة هى المعتبرة فى النكاح ، ويصح جواز الموالى كموسى إن تحقق الأب من دينه ورأى من حاله وأعرض عما سوى ذلك. ولم يشهد النبيّان على عقدهما أحدا من الخلق ، وكان شاهدهما الله ، فقالا معا : «والله على ما نقول وكيل» ، وينعقد النكاح فى هذه الحالة دون شهود ، لأن عقده عقد معاوضة ، فلا يشترط فيه الإشهاد وإنما الإعلان والتصريح. وقوله : «فلما قضى موسى الأجل» ، فيه أنه قضى الأجل الأبعد ، لأنه أجل المروءة ، وقضى عشر سنوات فى خدمة شعيب ، «وسار بأهله» يعنى ذهب بزوجه وولديه وخرج من مدين ، وفى ذلك دليل على أن أهل الرجل تتبعه حيثما ذهب لما له من فضل القوامية.

فهذه هى الفوائد فى قصة شعيب مع موسى فى القرآن ، وليس منها شىء فى قصة التوراة ، والتوراة فى قصة موسى مع شعيب كالأرض الجرداء تخلو من الخير ولا تزوّد بإفادة. ويقول تعالى مخاطبا موسى : (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) (طه ٤٠) ، والسنين هى السنوات العشر التى قضاها وفاء لعقده مع شعيب ، وذلك قوله تعالى : «فلما قضى موسى الأجل» ، و «الفاء» عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب ، و «لما» حرف وجود لوجود ، أو وجوب لوجوب ، أو ظرف لفعل وقع لوقوع غيره ، ولذلك فمدة إقامة موسى بمدين لم تكن أربعين سنة كما تقول التوراة! ولكنها بالتأكيد عشر سنوات لا غير!

وأمّا قصة شعيب مع أهل مدين ، فإنهم كانوا أهله وفيهم عشيرته ، ولذا قال تعالى : (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً) (الأعراف ٨٥ ، وهود ٨٤ ، والعنكبوت ٣٦) ، ومدين بقرب «معان» من طريق الحجاز ، ولذا قيل شعيب عربى ، وكذلك صالح وهود وإسماعيل ، اعتمادا على أن مدين من جزيرة العرب ، وهذه حجة لا يعتد بها ، فقد كانت خيبر من جزيرة العرب وكان أهلها يهودا ، وكذلك كانت لليهود قبائل وقرى فى اليمن ولم يكونوا يمنيين. ولا ذكر فى التوراة لما كان شعيب (يثرو) يحدّث الناس به ، وكما قلنا : لم تكن له دعوة ، إلا أنه

٨٨٦

فى القرآن يأتى تفصيلا عنه : (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ) (٩٣) (الأعراف). وفى هذه الآيات حسن مراجعه من شعيب لقومه ، وكانوا أهل كفر وبخس للمكيال والميزان ، ويعيبون الأشياء ويزهّدون فيها ، ويخادعون فى قيمتها ، ويأكلون المال بالباطل ، ويفسدون فى الأرض ، ويرتكبون المعاصى ، ويستحلّون المحارم وسفك الدماء ، ويقعدون بالطرق ، ويقطعون السبل ، ويسلبون الناس ، واشتغلوا عشّارين ومتقبّلين ومكّاسين. والعشّار : هو الذى يتقاضى العشر كزكاة مال ، والمتقبّل : الذى يرضى لنفسه أن يأخذ من الجباية أكثر مما يقتضى ، والمكّاس الذى يأخذ ما لا يلزم شرعا من الوظائف المالية بالقهر والجبر.

وقول شعيب : (أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ) (٨٨) (الأعراف) أى لو كنا كارهين أن نخرج من قريتنا ، تجبروننا على الخروج وعلى ترك مساكننا وأهلينا ، أو أن نعود إلى ملّتكم؟ وهذا هو الإكراه فى الدين ، مارسه الآخرون ويمارسونه على المسلمين ، وما مارسه المسلمون عليهم يوما ، لا فى الماضى ولا فى الحاضر. وقوله : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) هى دعوة المسلمين دوما كلما حاق بهم الظلم وأحاط بهم الطغيان. والصيحة التى نزلت بالظالمين هى الرجفة أو الزلزلة ، فإما أنها صيحة زلزلت الأرض من تحتهم ، أو أن الزلزلة كانت لها صيحة أى ضوضاء تصم لها الآذان ، وترجف المساكن ، ويستحيل بها العالى سافلا والسافل عاليا.

وفى كلمات مشابهة ومعان متماثلة ، مع بعض الاختلاف ، يأتى أيضا فى شأن شعيب

٨٨٧

وأهل مدين قوله تعالى : (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ) (٩٥) (هود) ، وفى هذه الآيات : أن شعيبا أخ لأهل مدين ، والدعوة فى الأبيات هى نفس الدعوة فى الآيات السابقة ، وفيها من المأثورات من جوامع الكلم مثل قوله : (بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، وقوله : (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) ، وقوله : (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ).

ومما ترويه هذه الآيات من الأنباء عن مدين وشعيب : أن أهل مدين كانوا بخير ، يعنى فى رغد من العيش ، إلا أن الفساد قد استشرى فيهم ، وأنزل أقوياؤهم الظلم بضعفائهم ، وما أثارهم على شعيب إلا أنه أراد إبطال عبادتهم للأصنام ، وما كانت عقيدتهم إلا نتاج نظامهم فى الحكم القائم على تسيّد الأقوياء اجتماعيا وسياسيا ، وسيطرة الأغنياء على الاقتصاد ، فكرهوا من شعيب أن يبدّل فيما استقر فكرهم عليه ، وما قامت عليه مجتمعاتهم ، وكان شعيب قد آمنت به قلة وطبّقوا طريقته المغايرة ، فدرّت عليهم الرزق الطيب الحلال ، فأطلع أهل مدين على ما فيه وأصحابه من الخير ، ودعاهم أن ينهجوا نهجه ، وما كان يطمع فى أجر منهم إلا أن يصلحهم ما استطاع. ولم يكن وصفهم له بالحليم الرشيد إلا تأنيبا ، فما كانوا يتوقعون منه وهو الحليم أن يطلب إليهم أن يطيعوه ، وأن يأمرهم أن لا يطففوا الكيل ولا أن يبخسوه ، وما انتظروا منه وهو الرشيد أن يطلب

٨٨٨

إليهم أن يغيّروا ما درجوا عليه وآباؤهم. ويستمر حجاجه معهم ، يقول : لا تحملنكم معاداتى على ترك الإيمان فيصيبكم ما أصاب قوم لوط جيرانكم ، ولو استغفرتم وتبتم لرحمكم الله وهو الرحيم الودود. ولكنهم لجّوا فى جدالهم ، وذكّروه أنه فيهم الضعيف لو لا رهطه ، أى عشيرته ، وإلا كانوا رجموه ، ومن الرجم أن يزلقوه بألسنتهم ، ومنه أن يرموه بالحجارة فقد كان عندهم من الصابئين ، وكان عذرهم أقبح من ذنبهم ، فأن لا يقربوه خوفا من عشيرته مع أن الله تعالى أحق أن يخشوه ، هو من قلة فهمهم وسوء تفكيرهم ، ولمّا أيس منهم لم يجد إلا أن يسلّم أمره إلى الله ، فقال قولته المشهورة : (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ) ، (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) ، أى استمروا واثبتوا إذن على ضلالكم فأنا ثابت على إيمانى وقد صرت على بيّنة من ربّى. وقوله من الدروس المستفادة ، فلا رجاء فى فرض رأى على الناس بالقوة ، ولا سبيل لنشر دعوة إلا بالإقناع ، والأمر موكول لهداية الله لمن يشاء له الهدى. ولم يهتد قوم شعيب أو أهل مدين ـ «أصحاب الأيكة» ، وجاء أمر الله فجعلهم مثلا فى الغابرين ، وألحقهم بأهل ثمود جيرانهم ، فأصبحوا هلكى فى ديارهم كأن لم يغنوا فيها ، فبعدا لهم ، والبعد هو اللعنة.

والدرس المستفاد من هذه القصة ومن غيرها ، عن الأمم التى لم تزل قائمة ، أو التى دالت وصارت حصيدا : أن أمثال هذه القصص لم تذكر فى القرآن كأخبار أو معلومات ، وإنما عظة وعبرة ، وأن لكل أمة أعمالها تستوفيها ، وأن الظلم شرك بالله ، وأن الحقّ لا بد أن يزهق الباطل ، ويمحو الله الباطل ، وأن الإسلام هو دين الحق ، وكان دين الأنبياء جميعا ، فمن تبعهم فقد أسلم لربّ العالمين. والقصة بذلك ذكرى للذاكرين.

* * *

٧٣٠. أصحاب مدين

هم المذكورون فى الآية : (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ) (الحج) ، ومدين على البحر الأحمر من أعمال السعودية ، وتحاذى تبوك ، وبها البئر التى استقى منها موسى ، كقوله تعالى : (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ) (القصص ٢٣). ومدين اسم قبيلة تسكن مدين ، وهم المعنيون بقوله تعالى : (وَأَصْحابُ مَدْيَنَ) ، ويسمون أيضا (أَهْلِ مَدْيَنَ) (طه ٤٠) ، وهم قوم النبىّ شعيب.

* * *

٧٣١. قصة القرية الظالمة

ترويها الآيات : (وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا

٨٨٩

أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ) (١٥) (الأنبياء) ، وقالوا اسم هذه القرية حضور ، وكانت بأرض الحجاز من جهة الشام ، وبعث إليهم نبىّ اسمه شعيب بن ذى مهدم ، وهو غير شعيب قوم مدين وقبر شعيب حضور هذا باليمن ، بجبل يقال له ضنين ، كثير الثلج. ووقعت قصة هذه القرية قبل عيسى بزمن ، وبعد سنين من سليمان ، وقام أهلها بقتل نبيّهم ، وكان أصحاب الرّس قد قتلوا فى نفس الوقت تقريبا نبيا لهم اسمه حنظلة بن صفوان ، وأنزل الله العذاب بقوم حضور على يد بختنصر ، فهذا وصف الله لها بأنها قرية ظالمة ، فقد كان أهلها مترفين ، فلما أحسّوا أنهم ارتكبوا الذنوب وكفروا بالله ، لجأوا للفرار خوفا من انتقامه تعالى ، فطالت بهم الغربة بعيدا عن بلادهم ، ولم ينزل بهم أى عذاب ، فعادوا إلى ما أترفوا فيه ، وعمّروا مساكنهم من جديد ، فكان أن سئلوا مرة أخرى ، فاعترفوا هذه المرة بأنهم ظلموا أنفسهم حين لا ينفع الاعتراف ، فما زالوا يرددون أنهم «ظلموا أنفسهم» ، وما زالت تلك دعواهم «يا ويلنا» ، إلى أن حصدهم العذاب حصدا ، وهلكوا للأبد ، فتلك قصة القرية الظالمة.

* * *

٧٣٢. تبّع وقومه : من يكونون؟

يذكر تبّع وقومه فى القرآن مرتين ، فى الأولى قوله : (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ) (٣٧) (الدخان) ؛ وفى الثانية قوله : (وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) (١٤) (ق). والأقوال فى تبّع كثيرة ولا شىء منها مؤكد ، والسياق فى الآية الأولى فيه من قبل ذلك إنكار قريش للبعث ، قالوا : (إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (٣٦) (الدخان) ، وكان أبو جهل يقول : يا محمد! إن كنت صادقا فى قولك فابعث لنا من آبائنا قصىّ بن كلاب ، فإنه كان رجلا صادقا ، لنسأله عمّا يكون بعد الموت ـ وقول أبى جهل أضعف الشبهات ، لأن الله تعالى لا يعيد الناس إلّا للجزاء ، وأبو جهل يريد إعادتهم للتكليف! وقوله كقول من قال : إن كان الله يقدر أن ينشئ بعدنا قوما من الأبناء ، فلم لا يرجع من مضى من الآباء؟! وهذا معنى (فَأْتُوا بِآبائِنا). والسؤال كان مطروحا على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وما يزال مطروحا من قبل ورثة علم أبى جهل ، وهم الملاحدة والعلميون والتنويريون ، ويجبهون به المسلمين فى كل حين. وردّه تعالى عليهم فى الماضى وحتى اليوم والغد : (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧) وَما

٨٩٠

خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) (٤٠) (الدخان) ، والردّ من نوع استفهام الإنكار ، فما هؤلاء الملحدون خير من قوم تبّع وغيرهم من الأمم البائدة ، وأسئلتهم ومطالبهم وحججهم هى نفس الأسئلة والمطالب والحجج ، وأولئك أبادهم الله وأهلكهم ، فكذلك يفعل فى هؤلاء ، والنبت الخبيث يستأصله ، وما لا ينفع الناس لا يمكث فى الأرض ، واستئصالهم لأنهم مجرمون ، والمجرمون نقيض المسلمين ، والله يقول : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) (٣٥) (القلم) ، وسبيل المجرمين الاستكبار على الحق ، وما كانوا ليؤمنوا بالله ولا بمن يدعو إليه ، وفى التصنيف الإسلامى للأمم والناس : أن منهم «مجرمين» وهؤلاء هم المكذّبون للرسل ، أو المكذّبون للحق عموما ، ومن المجرمين عتاة يسميهم القرآن «أكابر المجرمين» ، يقول : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها) (الأنعام) ، وقانونه تعالى فى الدعوات : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ) (الفرقان ٣١) ، والمجرمون هم الأخسرون ، والإنكار فى قلوبهم متمكن ، ولذلك يفترون ، ولهم الصغار ـ أى المذلة ـ فى الدنيا والآخرة ، ومن هؤلاء كان قوم تبّع ، ولم يكن أحد مثلهم فى ظهور النعمة وكثرة الأموال ، ولا كان أحد يضاهيهم فى العزة والمنعة. «وتبّع» ليس اسما ينسبون له ، ولكنه لقب رجل من المؤمنين الصالحين ، كقوله تعالى : «قوم نوح» ، و «قوم لوط» ، و «قوم إبراهيم» ، و «قوم هود» ، و «قوم صالح» ، و «قوم يونس» ، وكان ملوك اليمن يقال لهم «التبابعة» ، والواحد تبّع ، كما نقول الخليفة ، أو كسرى ، أو قيصر ، أو رئيس الجمهورية. وربما سمّى كل واحد تبّعا لأنه يتبع من قبله ، فهم خلفاء لبعضهم البعض ، واشتهر منهم : الحارث الرائش بن همال ذو السدر ، وأبرهة ذو المنار ، وعمرو ذو الأذعار ، وشمر بن مالك ، وقيل : كان منهم أيضا من يدعى أفريقيس بن قيس ، وهذا ساق البربر إلى إفريقية من أرض كنعان ، وقيل : وبه سميت إفريقية!!

والظاهر من الآيات أن المقصود يتّبع واحد من هؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم من المشهورين ، وكان العرب يعرفونه لا باسمه ولكن بلقبه ، فكان يقال : «تبّع» فقط دون أن يعقبه الاسم. ومن التفسيرات العجيبة أن ابن كثير ينسب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حديثا يقول : «ولا أدرى أتبّع لعين أم لا» أو قال : «لا أدرى ألعين تبّعا أم لا؟» فنسب إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه لا يدرى! كالقائلين باللاأدرية! فكيف يكون ذلك وكان جبريل يعلّمه؟ وكان القرآن يتنزّل على قلبه ، لا بحرفه فقط ، وإنما به وبمعناه؟ فهل لو كان لا يدرى فى أمر كهذا تافه ، أيؤتمن على تبليغ رسالة؟ ومما يذكره ابن كثير أيضا عن أحمد والطبرانى وابن أبى حاتم وابن مردويه

٨٩١

الحديث : «لا تسبّوا تبّعا فإنه كان مؤمنا» ، فهو إذن عين ، يعنى شخصا بعينه ، قيل هو أبو كرب أسعد الذى كسا البيت حبرات ، وفى الحديث لعائشة : «لا تسبّوا تبّعا فإنه كان رجلا صالحا» ، يعنى : أنه كان عينا ، وقيل كان من قبائل حمير : فإن شاء القارئ أن يحتسب تبّعا اسما كان بها ، وإن شاء أن يحتسبه لقبا فالأمر سيان ، فالمهم هو العظة من ذكر قوم تبّع هذا. وقيل إن أهل اليمن يفتخرون بهاتين الآيتين فى هؤلاء القوم ، ففي الآية الأولى يأتى أنهم ـ قوم تبّع أو أهل اليمن ، وكانوا أعزّ من قريش وأكثر منعة ، وفى الثانية أدرجوا مع أصحاب الأيكة من أهل مدين وهؤلاء هم طبقة الملّاك أصحاب الأغياض ، وفى الآيتين أنهم كانوا على خير حال لو لا الإنكار للحق. غير أن الآيتين تشتملان على ذمّ ظاهر لقوم تبع ، واقتصر الذمّ عليهم دون تبّع نفسه ، وضرب الله بهم المثل لقريش لقربهم من ديارهم ، ولأنهم كانوا عظاما فى أنفسهم ، فلما أهلكهم ومن قبلهم دلّ ذلك على أنهم كانوا مجرمين لا يفتخر بهم ، فبينما قوم تبّع لم يؤمنوا آمنت قريش ودخلت فى الإسلام جميعها بعد الفتح.

والدرس المستفاد من قصة تبّع وقومه : ما حوته الآيات الثلاث الأخيرة عن القصة كما وردت فى سورة الدخان ، وهى الآيات ٣٨ و ٣٩ و ٤٠ : أن الناس ، من الماضى أو الحاضر أو المستقبل ، عليهم أن يؤمنوا بالله ، فالإنسان لم يخلق عبثا ، ولم يكن الكون بلا غاية ، والتفكير واجب ، والتدبّر ضرورة ، والعلم بالله لا يتأتى إلا بالعلم بما خلق ، فكما أن هذا العالم مستمر فى الوجود استمرارا حقا ، فخالقه لا بد هو الحق ، ولم يكن خلقه له إلا لإقامة الحق وإظهاره ، وتوحيد الخالق والتزام طاعته ، وما منع الناس أن يفعلوا ذلك إلا لأن أكثرهم لا يعلمون ، فالجهل سبب الإنكار ، ولقد أمروا أن يسيروا فى الأرض ، ويعلموا عن الكون ، ويعرفوا قوانين الله فيه ، وإذن ما كان لهم أن ينكروا ، ويوم الفصل هو ميقات كل هؤلاء ، وميقات الطغاة الذين يمنعون شعوبهم أن تتعلم ، والمترفين الذين يجاهدون أن يظل الناس على جهلهم لتسهل قيادتهم ، ولتتيسر سرقتهم ، فلا يثورون ولا يتمردون ، ولا يطالبون بحق ، ولا بإبطال ظلم وإقامة عدل ، وحسبنا الله.

* * *

٧٣٣. قصة أصحاب الجنة

الجنة : بستان من بساتين الأرض ، وهى أيضا نعيم الله فى الآخرة ؛ وأصحاب الجنة : تطلق على أهل جنة الأرض ، وكذلك أهل جنة الآخرة. وقصة أصحاب الجنة فى القرآن : هى التى تعرضها سورة القلم من الآية ١٧ حتى الآية ٣٢ ؛ والدرس المستفاد منها تعرضها

٨٩٢

السورة من الآية ٣٢ حتى الآية ٤١ ، كالآتى : (إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ) (٤١) (القلم) ، كمثل لأهل مكة مضمونه : أنه تعالى ابتلاهم كما ابتلى أصحاب الجنة ، بالأموال والثمار ، ليشكروا لا ليبطروا ، فلما بطر أهل مكة نعمة الله عليهم ، ابتلاهم بالجوع والقحط كما ابتلى أصحاب الجنة. والقرآن لا يهمه فى القصص أماكنها أو أشخاصها ، وإنما اهتمامه بالدرس المستفاد ، ولكن المفسرين كدأبهم تكهّنوا : أين تكون هذه الجنة ، وفى أى زمان كان أهلها؟ وقالوا : كانت بأرض اليمن بالقرب من الحجاز ، على مسافة قريبة جدا من صنعاء العاصمة ، وكانت لرجل يؤدّى حقّ الله فيها ، فلما مات آلت إلى ورثته ، فمنعوا الناس خيرها ، فكان هلاكها بما عصوا الله فيها. وقيل : كانت هذه الجنة ببلدة اسمها «ضوران» ، بالقرب من صنعاء ، ووقعت فى زمن قريب من زمن رفع عيسى عليه‌السلام. وقيل : كان أهلها بخلاء ، فإذا جدّوا التمر جدّوه ليلا حتى لا يدخل عليهم مسكين ، وأضمروا تنفيذ ذلك ، فغدوا على جنتهم فإذا هى قد اقتلعت من أصلها فأصبحت كالصريم ـ أى : كالأرض الجرداء. وقيل : إن الطائف الذى طاف عليها كان جبريل فاقتلعها من جذورها. وفى الأسطورة : أنه طاف عليها واقتلعها ووضعها حيث مدينة «الطائف» اليوم ، ولذا سمّيت الطائف ، وليس فى أرض الحجاز بلدة فيها الشجر والأعناب والماء غير الطائف. وقيل : إن رجلا من قبيلة الصّدف يقال له الدّمون ، بنى حائطا حول البلدة وقال لأهلها ، بنيت لكم طائفا ، فسمّيت الطائف. والدرس المستفاد من القصة : أن من حصد زرعا ، أو جدّ ثمرا ، فعليه أن يواسى منه المساكين ، وذلك معنى : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) (الأنعام ١٤١) ، وهذا الحصيد خلاف الزكاة ؛ وصاحب الأرض عليه أن يترك للمساكين ما أخطأه الحصّادون

٨٩٣

لقطا ، يتحرّاه المساكين بعض قوتهم. غير أن أصحاب الجنة أقسموا أن يحرموهم منه ، وأن يجذّوا نخلهم مبكرين حتى لا يحضرهم مسكين ، وقدّروا أن لا يستثنون ، فعوقبوا على عزمهم ، فكأن الإنسان يؤاخذ بما عزم ، كقوله تعالى : (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) (٢٥) (الحج). وفى الحديث أن المسلمين يلتقيان بسيفيهما : «القاتل والمقتول فى النار» ، قيل : هذا القاتل ، فما بال المقتول؟ قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إنه كان حريصا على قتل صاحبه» ، يعنى أنه عزم على ذلك ، وأصحاب الجنة قد غدوا على حرز قادرين ، أى عن قصد وقدرة فى أنفسهم ، فعوقبوا باحتراق جنتهم ، فلما رأوا ما آلت إليه ، أدركوا خطأهم ، وأسباب حرمانهم من ثمرهم. وفى الحديث : «إياكم والمعاصى ، إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا كان هيئ له» ثم تلا : (فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ). وكان أوسط أصحاب الجنة أمثلهم وأعدلهم ، فقال : لو لا تسبّحون ، يعنى : لو لا أن قلتم سبحان الله والحمد لله ، بدلا من أن تبيّتوا حرمان المساكين؟ وتلاوموا ، وأقرّوا بذنبهم ، أنهم عصوا عند ما حرموا الفقراء حقّهم ، وتابوا وأنابوا ورجعوا إلى الله! والقصة وعظ كلها ، وتدعو للرجوع إلى الله عند كل ابتلاء ، سواء فى الخير أو فى الشر ، مثلما فعل أصحاب الجنة ، والرجوع إلى الله دأب المتّقين ، ويكافئهم ربّهم بالنعيم. وقوله : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) ، وقوله : (ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) ، وقوله : (أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ) ، وقوله : (أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ) ، وقوله : (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ) ، وقوله : (أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ) كلها للتوبيخ والتقريع والإنكار عليهم ؛ والزعيم فى الآيات : هو الضمين والكفيل ، والقائم بالحجة والدعوى. وقوله : (أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ) ذهبت مثلا جاريا. والقصة بوقائعها ، والعظة المستخلصة منها ، والأسئلة التى تطرحها والردود عليها تجعل منها قمة فى الإعجاز البلاغى ، وتصنعها قطعة حيّة من الحوار المنطقى المؤسّس على مقدمات سليمة وخواتيم لا تقبل الجدال ، فلا عجب أن ضربت مثلا لأهل مكة فى حياة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وبعده لكل كفّار عنيد.

* * *

٧٣٤. أصحاب الرّسّ كانوا من المكذّبين

يقص القرآن أحسن القصص ، ووجه الحسن فى قصص القرآن أنها للتفكّر وللتدبّر وليست للهو وإزجاء الوقت. ويأتى ذكر الكثير من الأنبياء فى القرآن ، وبلغ عددهم فيه خمسة وعشرين نبيا ، وتناولت قصصهم ما جرى معهم من أقوامهم ، ومن الأقوام ما ذكر غير مرتبط بنبىّ من الأنبياء ، ومن ذلك أصحاب الرّسّ ، قيل فيهم : (وَعاداً وَثَمُودَ

٨٩٤

وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً) (٣٩) (الفرقان) ؛ وقيل : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) (١٤) (ق). وهؤلاء الأقوام الذين وردت أسماؤهم سبقت إليهم الرسل ، فأنكروا عليهم وكذّبوهم ، فلم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند ما أنكره قومه بدعا إذن ، فموسى آتاه الله التوراة وجعل معه أخاه هارون ، فكذّبهما من أرسلا إليهم فدمّرهم الله تدميرا ؛ وقوم نوح كذّبوا الرسل فأغرقوا. ومن الذين أرسلت إليهم الرسل قوم عاد ، وقوم ثمود ، وأصحاب الرّسّ ، وأقوام بين ذلك كثيرون ، وكلهم تبّروا تتبيرا ـ أى أهلكوا إهلاكا ، كقوله : (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) (الإسراء ١٧) ، وقوله : (ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ) (٤٢) (المؤمنون) ، والقرن هو الأمة من الناس يتعاصرون فى الزمن الواحد ، فإذا ذهبوا وخلفهم آخرون فهم قرن آخر. وأصحاب الرس ذكروا بين الأقوام ، وكانوا قرنا أدرجوا ضمن القرون ، وضربت لهم الأمثال ، أى الحجج ، والمثل يضرب للوعظ والتذكير ، فما آمنوا ، فحقّ عليهم العذاب ، ودمّروا تدميرا.

وفى التعريف بمعنى الرّس مذاهب كثيرة ، وفى كلام العرب الرّسّ هو البئر غير المطوية ، أى القديمة ، فمعنى أصحاب الرّس أنهم اشتهروا ببئر كانت لهم فى واد يقال له الرّس ؛ أو أن نبيّا ظهر بينهم فعادوه وأنكروه واضطهدوه ، إلى أن رسّوه فى هذا البئر حيا ، يقال رسّ الميت ، أى قبر ، ورسست رسّا ، أى حفرت قبرا. وقيل : إنما غضب الله على أصحاب الرّسّ لمّا آذوا نبيّهم ، وكان اجتماعهم يكثر حول هذه البئر ، يسقون منها أغنامهم ، ويقعدون من حولها ، فلمّا اشتد طغيانهم ، وتمادوا فى غيّهم ، واشتطّوا فى أذى نبيّهم ، فبينما هم من حول البئر ومنازلهم مشرفة عليه ، انهارت بهم ، وخسف بديارهم ، وقيل : كان نبيّهم شعيب ، وأرسل إليهم وإلى أهل مدين وأصحاب الأيكة ، فربما الرجعة التى كانت بها أو منها الصيحة ، أودت بهم جميعا. وقيل : ربما كانوا بقية من ثمود قوم صالح. وقيل : بل أصحاب الرّس هم جماعة «صاحب يس» الذى قال لهم : (يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ) (٢٠) (يس) ، فقتلوه ورسّوه فى بئر لهم يقال لها الرّس ، طرحوه فيها. وقيل : إن القصة وقعت فى أنطاكية ، وأن «مؤمن آل يس» الذى وأدوه فى البئر كان اسمه حبيب النجّار. وأغرب ما قيل ما نسب إلى علىّ بن أبى طالب ، فقد رووا عنه أن أصحاب الرّسّ كانوا قوما يقدّسون شجرة ، فكانوا يدعون عندها لتلبّى حاجاتهم ، فسبّ نبيّهم الشجرة وسخّفها لهم ، وكان من ولد يهوذا ، فقتلوه ورسّوه فى بئر ، فأطلق عليهم أصحاب الرّس. وقيل فيهم : كانت

٨٩٥

جريمتهم التى دعا نبيّهم عليهم بسببها ، أن نساءهم كن مساحقات ، وذكورهم لواطيين ، فرسّوه فى بئر عقابا له. وقيل : هم «أصحاب الأخدود» الذين ورد عنهم فى سورة البروج. وقيل : هم المقصودون بالآية : (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) (الحج ٤٥).

والخلاصة : أن أحدا لا يعرف ما هى حقيقة هؤلاء الناس ، وما قصتهم ، وما ذا فعلوا؟ ويتبقى الدرس المستفاد من ذكرهم وآخرين من الأقوام معهم : أن لكل نبىّ عدوا من المجرمين من قومه سواء كان ذلك فى زمنه ، أو فيما بعده من أزمان إلى قيام الساعة. وأعداء محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم قديما كانوا قريشا من أهله ، ومن أهل الكتاب من غير أهله ، وما يزال أهل الكتاب حتى اليوم يناصبونه العداء ، ومنهم المستشرقون الغربيون ، ومنهم مثقفون من العرب أنفسهم ينهجون نهج المستشرقين وقد يدرجون ضمن المسلمين ، وهؤلاء يقال عنهم اليوم أنهم المستشرقون العرب أو المستشرقون الإسلاميون ، من تلاميذ المبشرين والمتأوربين والمتأمركين ممن تلقوا على الثقافة الغربية بأصولها المسيحية اليهودية ، فلما كانت المسيحية واليهودية تعاديان الإسلام ، عادى هؤلاء الإسلام كذلك ، ومن هؤلاء دعاة العولمة والعلمانية والليبرالية ، ومثلهم مثل الذى ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء ، كالدواب السارحة التى لا تفقه ما يقال لها من راعيها ، فكذلك هؤلاء صاروا من الغى والضلال والجهل لا يفقهون مرامى معلّميهم ، وأهداف من يملى عليهم ، وهم كأصحاب الرّس ، ينكرون الإسلام ، ويقدحون فى القرآن ، وفى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يريدون أن يرسّوا كل ذلك ويطفئوا نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون!

* * *

٧٣٥. قصة البئر المعطلة والقصر المشيد

تنبّه إليها الآية : (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) (٤٥) (الحج). والبئر المعطّلة : هى المتروكة ، الخالية من أهلها ودلائلها وأرشيتها ؛ والقصر المشيد : هو الحصين ، وفى الكلام مضمر محذوف أن القصر معطل مثل البئر. وقيل :

القصر والبئر بحضرموت معروفان ، فالقصر مشرف على قلّة جبل ، والبئر فى سفحه ، وأصحاب القصر كانوا ملوك الحضر ، وأصحاب الآبار ملوك البوادى ؛ والقصر والبئر من الآثار ويشاهدان بحضر موت.

وقيل : بل المقصود بئر الرّس فى الآية : (وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِ) (الفرقان ٣٨) ، والآية : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ) (١٢) (ق) ، وكانت البئر بعدن بحضرموت ، فى بلد يقال له حضور ، نزل بها من آمن بصالح ونجوا معه من

٨٩٦

العذاب ، فلمّا مات صالح سمّوا المكان «حضر موت» ، لأن صالحا مات فيه ، وحفروا بئرا حيث مات ، وبنوا عليها ، وأمّروا على حضر موت أحدهم ، قيل : هو العلس أو الجهلس ابن جلاس بن سويد ، وجعلوا له وزيرا هو سنحاريب بن سوادة ، وكانت البئر تسقى المدينة كلها وباديتها ، وكانت لها بكرات منصوبة ، ورجال موكلون بها ، وأبازن من رخام ـ وهى شبه الحياض ، بعضها للناس ، وبعضها للدواب. وتقدم الملك فى السن فكان يطلى وجهه ليظنوه ما يزال شابا ، فلما مات ، صنع أتباعه صنما يشبهه ، وجعلوا يتكلمون للناس من وراء الصنم كأنهم هو ، وادّعوا أن الملك لم يمت ولا يموت ، والناس بين مصدّق ومكذّب ، وكلما تكلم ناصح زجروه وقهروه ، فبعث الله إليهم نبيّا كان الوحى ينزل عليه فى النوم دون اليقظة ، قيل : كان اسمه حنظلة بن صفوان ، فأعلمهم أن الصنم لا روح فيه ، وأن ذلك كيد النهّازين والمحتالين من أصحاب المصلحة ، وحذّرهم سطوة ربّهم ونقمته ، فآذوه وعادوه ، وهو يتعهدهم بالموعظة ، حتى قتلوه فى السوق ، فعند ذلك أصابتهم نقمة ، فباتوا شباعا رواء من الماء ، وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطّل رشاؤها ، فصاحوا بأجمعهم ، وصرخ النساء والولدان ، وضجّت البهائم عطشا ، وعمّ الموت الجميع وشملهم الهلاك ، وخلفتهم فى أرضهم السباع والضباع ، وتبدّلت جنّاتهم وأموالهم بالسّدر والشوك ، فلا تسمع فيها إلا عويل الرياح ، وعواء الذئاب.

وقيل : فأما القصر المشيد ، فقصر بناه شدّاد بن عاد بن إرم ، لم يبن فى الأرض مثله فيما زعموا ، وأصبح حاله كحال هذه البئر فى إيحاشه بعد الأنس ، وإقفاره بعد العمران ، فذكرهما الله فى هذه الآية موعظة وعبرة وتذكرة.

* * *

قصة إبراهيم فى القرآن

٧٣٦. معنى الاسم : إبراهيم

تقول التوراة : كان اسم إبراهيم : أبرام وصار إبراهيم ، ومعنى هذا الاسم : «الأب الكبير» ، وبالسريانية «الأب الرحيم» وقيل : أصله «أبو رهام» (تكوين ١٧ / ٥) أى : «أبو الجمهور ، ويساوى عندنا قولنا : (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) (النحل ١٢٠) ، يعنى تجتمع فيه الفروع ، وينحدر من صلبه الكثيرون ، ولذا يقال عنه الأب الكبيرPatriarch ، لأنه كان يحب أن تكون له أمة ، وأن يكثر أهله ، وكان يشملهم برحمته ، ويتسع لهم قلبه ، وربى أولاده فأحسن تربيتهم ، وتعهد أحفاده وعلّمهم علم الدنيا والآخرة ، فكان منهم الأنبياء ، فقيل عن إبراهيم إنه «أبو الأنبياء» ، ولو قلنا : إن آدم هو أبو البشر ، ونوحا هو أبو المؤمنين ،

٨٩٧

فإن إبراهيم هو أبو الرحماء ، وتوجهت رحمته للأطفال خاصة ، وهو الذى كان يكنّ كل الحب لابنه إسماعيل ولمّا كان طفلا ، فجعل الله الفداء لطفل إبراهيم خاصة ، وجعل لافتدائه قصة هى قصة الذبيح ، وبسببها كان إبراهيم «أبو الأطفال» ، وفى الرواية فى حديث الرؤيا عن سمرة : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى فى الروضة إبراهيم عليه‌السلام وحوله أولاد الناس.

* * *

٧٣٧. إبراهيم كان أمّة

قوله تعالى : (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) (النحل ١٢٠) ، يعنى كان إماما يجتبى ويقتدى للناس جميعا تأتم به ، واجتمعت فيه الصفات المؤهّلة للإمامة فكان كقوله تعالى : (قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (١٢٢) (النحل) ، ولهذا انعقدت له إمامة الدين وإمامة الدنيا وإمامة النبوّة ، وكان معلما وداعيا ، وكبيرا للمعلمين وللدعاة ، وكان مداد تعليمه : الخير والدين ، فكان أمة : لأنه جمع فى نفسه كل صفات المؤمنين ، وكان مؤمنا وحده وكل الناس كفّار ، فكان إيمانه واجتماع أوجه الخير كلها فيه هو حسنة الدنيا أوتيها دون العالمين ، فالمؤمنون جميعهم يدعون : (رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) (البقرة ٢٠١) ، ولم يتحقق ذلك بطريقة مرئية ومحسوسة إلا لإبراهيم وحده ، فآتاه الله حسنتى الدنيا والآخرة معا وحقّقهما له ، وهو الوحيد الذى وصفه الله تعالى فقال : «كان أمّة» فلم يجعل هذه الصفة لأحد سواه.

* * *

٧٣٨. محاجاة اليهود والنصارى فى إبراهيم

يحاجى اليهود والنصارى فى إبراهيم ، وكلّ منهما ينسبه إليه ، فاليهود يزعمون أنهم ينحدرون منه وأنه أبوهم الأكبر ، والنصارى بدورهم ينسبون أنفسهم إليه ، مع أن إبراهيم كان قبل أن يوجد اليهود والنصارى! والآية : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٦٥) (آل عمران ٦٥) حجة على كل من اليهود والنصارى ، لأن التوراة والإنجيل أنزلا من بعد إبراهيم ، وليس فى التوراة ولا الإنجيل اسم ديانة اليهود ولا ديانة النصارى ، والقرآن هو الوحيد الذى فرّق بين الملة والديانة ، فالملة بحسب النبىّ ، وأما الديانة فواحدة وهى «الإسلام» ، وكل نبىّ ذكر فى القرآن دعا «للإسلام» ، وقوله تعالى : (أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٦٥) يعنى تعقلون دحوض حجة النصارى واليهود وبطلان قولهم : يقول تعالى : (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ

٨٩٨

فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٦٦) (آل عمران) ، والآية دليل على منع من لا علم له أن يجادل فيما لا يعلم ، وتحظر على من لا تحقيق عنده أن يخوض فيما لا يعرف ، وعلى عكس ذلك كان حضّه تعالى لمن عنده العلم والمعرفة أن يحاجج فيما يعلم ويعرف ، قال : (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل ١٢٥).

* * *

٧٣٩. إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا

لليهود والنصارى دعاوى عريضة فى إبراهيم ، ومن مزاعم اليهود أنهم وحدهم من نسل إبراهيم (تكوين ١٧ / ١٨) ، وعند النصارى هو أبو بنى إسرائيل (أعمال ١٣ / ٢٦) ، وأبو ملة اللاويين (عبرانيين ٧ / ٥) ، وأبو المسيح (متى ١ / ١) ، وأبو كل النصارى كمؤمنين (غلاطية ٣ / ٢٩ ، ورومية ٤ / ١١) ، والقرآن ينفى أن يكون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا : (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٦٧) (آل عمران) ، فنزّهه من دعاويهم الكاذبة ، وأوضح أنه كان على «الحنيفية» ـ أى «الإسلام» ـ ولم يكن مشركا. و «الحنيف» : هو الذى يوحّد الله ، ويحجّ ، ويضحّى ، ويختتن ، ويستقبل القبلة ؛ و «المسلم» فى اللغة : هو المتذلل لأمر الله ، المنطاع له.

* * *

٧٤٠. الحنيفية ملة إبراهيم

كانت الحنيفية أول ملّة يعطى لها اسم ، وكان إبراهيم حنيفا ، والمسلمون أمروا باتباع الحنيفية : (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) (آل عمران ٩٥) ، وأمر نبيّنا وأوحى إليه أن يتّبعها : (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) (النساء ١٢٥) ، والملّة : هى الدين ، والملة الحنيفية : هى الملّة المائلة عن الأديان المكروهة إلى الحق الذى هو دين إبراهيم. وملة إبراهيم هى الوحيدة التى تسمى بالحنيفية ، وإبراهيم كان أول الحنفاء ، كقوله تعالى : (كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً) (آل عمران) ، وربما كانت الحنيفية قبل إبراهيم ، فلا بد أنه كانت هناك ثلة من المؤمنين وسط طوفان الكفرة الذين يملئون العالم ، إلا أن إبراهيم كان أبرز الحنفاء ، لأنه الذى أعلن الحنيفية ودعا لها ، وكان أول من قال : (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً) (الأنعام ٧٩). وقال : (إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) (الأنعام). وسمّى إبراهيم «حنيفا» لأنه حنف إلى دين الله وهو الإسلام ، فالناس كانوا يسمون الملل بأسماء كهذه تفيد استقبالهم للملة أو انحرافهم عنها ، كالصابئة : فهم الذين صبئوا ، أى خرجوا عن ملّتهم إلى ملّة أخرى ، فهم صابئة وصابئون ، ومفردها صابئ ، فكذلك الحنيفية ، فكان

٨٩٩

اسمها من الحنف عن ملل الكفر إلى دين الله ؛ والحنف فى اللغة هو الميل ، ومنه رجل حنفاء ، ورجل أحنف ، وهو الذى تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها.

* * *

٧٤١. المسلمون أولى الناس بإبراهيم

فى الرواية : أن رؤساء اليهود قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يا محمد ، لقد علمت أنّا أولى الناس بدين إبراهيم منك ومن غيرك ، فإنه كان يهوديا ، وما بك إلا الحسد! فأنزل الله الآية : (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (٦٨) (آل عمران). والأولى هو الأحقّ ، والمسلمون أولى الناس بإبراهيم ، بالمعونة والنّصرة ، وبالحجّة ، وفى الحديث عن ابن مسعود ، أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إنّ لكل نبىّ ولاة من النبيين ، وإنّ وليّي منهم أبى وخليل ربّى» ـ ثم قرأ : (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُ) (آل عمران ٦٨).

* * *

٧٤٢. إبراهيم أبو الأنبياء

رزق إبراهيم على الكبر إسماعيل ، وكان عمره بحسب سفر التكوين (١٦ / ١٦) ستا وثمانين سنة ، ورزق إسحاق وكان عمره مائة سنة (تكوين ٢١ / ٥) ، وولد إسحاق يعقوب وكان عمره ستين سنة ، وولد يعقوب الأسباط الاثنى عشر ومنهم يوسف. ومن نسل لاوى بن يعقوب كان موسى وهارون ، ومن سبط يهوذا كان داود ، وأنجب داود سليمان ، وتنسب مريم لزوجها يوسف ، وقيل يوسف من سبط يهوذا من نسل داود ، وتأتى لذلك سلسلة نسب المسيح من ناحية يوسف زوج أمه ، وذلك شىء عجيب! ويقول تعالى عن أولاد إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) (٧٣) (الأنبياء) ، يعنى كانوا رؤساء يقتدى بهم فى الخيرات وأعمال الطاعات ، بما أنزل عليهم من الوحى والأمر والنهى ، ويهدون بالكتاب. ومن هؤلاء إسماعيل ، ومن نسله كان نبيّنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ومن نسل هؤلاء كان أنبياء آخرون ، وحكماء وأهل علم ودين ، وفى ذلك يقول تعالى : (فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (٥٤) (النساء) ، وقال تعالى فيهم : (أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ) (٤٧) (ص) ، والكتاب الذى آتاهم هو التوراة ، ثم الإنجيل ، ثم القرآن ؛ والحكمة التى خصّوا بها كما فى : مزامير داود ، وأمثال سليمان ، ونبوءات الأنبياء ، وأمثال عيسى ، ورسائل الرسل ،

٩٠٠

وسنّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأحاديثه ؛ و «الملك العظيم» : فليس أعظم من ملك العرب واليهود فى العالم وهم آل إبراهيم ، و «الأيدى» فى الآية هى النّعم ، و «الأبصار» هى البصيرة فى الدين والحكمة والعلم ؛ و «اصطفاهم من الأخيار» يعنى أخلصهم بالعمل للآخرة ، ووهبهم الصدق فكانوا من الصالحين فى الدنيا والآخرة ، قال : (وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (٥٠) (مريم). ومن أجل كل هؤلاء الأنبياء قيل فى إبراهيم : إنه «أبو الأنبياء» ، لكثرة الأنبياء فى أولاده وأحفاده ونسله ، فلم يوجد إنسان انحدر من صلبه أنبياء مؤسسين لأعظم ثلاث ديانات ، قيل فيها إنها «الديانات الكتابية» الوحيدة فى العالم ، وإبراهيم على ذلك أبو اليهودية والنصرانية والإسلام عن حقّ ، فهو أول من بشّر بتعاليمها ومهّد لها ، وأرسى قواعدها.

* * *

٧٤٣. لم يكذب إبراهيم إلا فى ثلاث

عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لم يكذب إبراهيم النبىّ فى شىء قطّ إلا فى ثلاث : قوله : (إِنِّي سَقِيمٌ) (٨٩) (الصافات) ، وقوله لسارة : «أختى» ، وقوله : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) (الأنبياء). أخرجه مسلم ؛ وفى رواية أخرى قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لم يكذب إبراهيم النبىّ إلا فى ثلاث كذبات : اثنتين فى ذات الله : «قوله : إنى سقيم» ، وقوله : «بل فعله كبيرهم» ، وواحدة فى شأن سارة». أخرجه مسلم. والكذب : هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه ، وكذب إبراهيم كان من المعاريض.

* * *

٧٤٤. إبراهيم أرسل شابا

قال ابن عباس فى قوله تعالى : (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) (٦٠) (الأنبياء) : ما بعث الله نبيّا إلا شابا ، ولا أوتى العلم عالم إلا وهو شاب. ثم تلا : (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) (٦٠) (الأنبياء). ونقول إن ذلك كان فى حالة إبراهيم وحده ، وأما نوح فقد بعث كهلا ، وكذلك موسى ، وبعث عيسى فى نحو الثلاثين ، وبعث نبيّنا فى الأربعين!

* * *

٧٤٥. محاكمة إبراهيم أول محاكمة فى التاريخ من نوع محاكم التفتيش

محاكم التفتيش أقامتها الكنيسة الكاثوليكية ضد المسلمين فى أسبانيا بعد سقوط الدولة الإسلامية بها ، تفتش فى محاكماتها فى ضمائر الناس وخبايا صدورهم وقلوبهم ، وتنتحل التهم تستخرجها اعتسافا من أقوالهم أو أفعالهم. وفى الآية : (فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ

٩٠١

لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) (٦١) (الأنبياء) دليل على أن أول محكمة فى التاريخ من هذا النوع كانت لمحاكمة إبراهيم ، فلما رجع قومه من الاحتفالات بعيدهم رأوا تماثيل آلهتهم محطمة كالجذاذ ، وقبضوا على من قبضوا عليهم واستجوبوهم ، وخلصوا إلى أن الفاعل كان فتى يذكرهم يقال له إبراهيم ، فقبضوا عليه وعقدوا له محاكمة علنية بمرأى من الناس ، لتكون أقواله فيها حجة عليه ، وليشهد الناس عقابه فلا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه ، أو لعل آخرين يتقدمون ليشهدوا بأنهم رأوه يكسر أصنامهم ، وليعلموا أنه يستحق العقاب ، واستفهموه : (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ) (٦٢) (إبراهيم) ، فقال لهم على جهة الاحتجاج عليهم : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) (٦٣) ، فعلّق الجواب على اتهامه وتصديقه أو تكذيبه ، على الصنم الكبير إن كان ينطق ، فنبّه على فساد اعتقادهم ، وكأنه كان يستنطق الأصنام الصغيرة أن تشهد إن كانت تنطق ، ويستنطق الصنم الكبير أن يكذّب اتهامه ، إن كان ينطق ، فبيّن أن من لا يتكلم لا يستحق أن يعبد وأبدهتهم حجته : (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) (٦٤) (الأنبياء) ، وهؤلاء كانوا نفرا منهم ، لأنه إذا كان هناك رأى ، فلا بد أن يكون هناك رأى آخر ، ورجوع أصحاب الرأى الآخر هو رجوع المنقطع عن حجّته ، المتفطّن لحجة خصمه ، كقوله : (إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) ، ظلموا أنفسهم بعبادة من لا ينطق ، ولا يملك أن ينطق ، وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس ، من لا يرد عن رأسه الفأس؟!! وهذا رأى كان لا بد أن يدحضه رأى آخر : (نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ) (الأنبياء ٦٥) ، أى أنهم بهذا الرأى عادوا إلى جهلهم وعبادتهم ، وردّوا إلى كفرهم ، فقالوا : (لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ) (٦٥) (الأنبياء) ، فقال يحاورهم ويردّ على مقالتهم وحجتهم : (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (٦٧) (الأنبياء) ، فقطعتهم حجّته وأفحمهم فيما يتقوّلون ، فأصدروا أول حكم من نوعه فى التاريخ : (قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) (٦٨) (الأنبياء) ، وكان هذا التحريق لإبراهيم مدعاة لمزيد من أحكام التحريق عبر التاريخ ، ومن ذلك «أصحاب الأخدود» الذين ورد ذكرهم فى القرآن فى سورة البروج (انظر القصة فى باب قصص القرآن) ، واشتهر اصطلاح التحريق holocaust أوauto ـ da ـ fe ، وفى الخبر أن النمرود بنى صرحا وجمعوا فيه الحطب ثم أوقدوه حتى اشتعلت النار واشتدت ، حتى أن أيا ما يمر من فوقها ليحترق من شدّة وهجها ، وقيّدوه ووضعوه مغلولا فى المنجنيق ليرموا به فيها ، وكانت معجزة الله فى إبراهيم أن أبطل فعل النار ، قال : (يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) (٦٩) (الأنبياء) ، فلم يحترق إلا وثاقه ،

٩٠٢

فاستطاع الخروج منها ، ومن يجعل فى النار هذه الطاقة على الحرق لهو القادر على أن يعطّل السبب ، وهو ما جرى مع إبراهيم ، وعلماء اليوم يفعلون من ذلك الكثير فيوقفون الأسباب ، فلا غرابة فيما فعل الله سبحانه وإن قدروا على ذلك ، فالله أقدر ، وهو تعالى مثلما يحيى فإنه يميت ، ولقد أحيا النار وباستطاعته أن يميتها ويلغى تأثيرها وفعلها. وبعد هذه الحادثة ما كان من الممكن أن يستمر إبراهيم يعايش هذا الحاكم أو أهل بلده ، وقيل : لم يكن إبراهيم قد بلغ الرشد عند ما حرّق وكان فى السادسة عشرة ، فذلك ما جعله يصمم على الهجرة من العراق ويسير إلى فلسطين.

* * *

٧٤٦. دعاء إبراهيم وهم يحرّقونه

روى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «إن إبراهيم حين قيّدوه ليلقوه فى النار ، قال : لا إله إلا الله ، سبحانك ربّ العالمين ، لك الحمد ، ولك الملك ، لا شريك لك» ، قال : «ثم رموا به فى المنجنيق من مضرب شاسع ، فاستقبله جبريل ، فقال : يا إبراهيم ، ألك حاجة؟ قال : أمّا إليك فلا» ، فقال جبريل : فاسأل ربّك. فقال إبراهيم : «حسبه من سؤالى علمه بحالى». فقال الله تعالى وهو أصدق القائلين : يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم».

* * *

٧٤٧. كذبة إبراهيم حجّة له لا عليه

كذب إبراهيم حين أراد إبعاد الشبهة عن نفسه ، فردّ الاتهام على أصحابه ، ونسب لكبير الأصنام أنه الذى كسرها ، بتعليقه الفأس برقبته ليجعله فى موضع الاتهام : (قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) (٦٣) (الأنبياء) ، فبيّن أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد ، وكانت كذبته من «المعاريض» ، وفى المعاريض يمكن الكذب ، وأن يشهد زورا على كبير الأصنام ، وأن يسخر منهم لمّا طلب أن يسألوهم عن الفاعل ، واستنكر أن يسأل عن أحجار خرساء ، فإن كانوا ينطقون فإنهم مصدّقون ، وإن لم يكونوا ينطقون فمن باب أولى لم يقوموا بما اتّهموا به ، وفى كلامه اعتراف ضمنى بأنه الفاعل ، وهو إذن لم يكذب ولا يكذب ، ودلّ أن دفاعه خرج مخرج التعريض ، فطالما أنها لا تنطق ، فهى لا تنفع ، ولا تضر ، فلم يعبدونها إذن؟ ، كقوله : (يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ) (مريم ٤٢) ، فأقام عليهم الحجة منهم. وفى فقه تعريض إبراهيم يجوز فرض الباطل مع الخصم ليرجع إلى الحق من ذات نفسه ، بأقواله هو ، وذلك أقرب فى الحجة ، وأقطع للشبهة. وهذا ما فعله إبراهيم ، وهو

٩٠٣

إذن لم يكذب ، وإنما يحاج بالمنطق. وجواب إبراهيم : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا) هو نفسه سؤال يلزم بلفظ الخبر : لم ينكرون أن يكون قد فعله كبيرهم؟ أى من اعتقد عبادتها يلزمه أن يثبت لها فعلا.

* * *

٧٤٨. إبراهيم مؤسس الفتوة

كان إبراهيم عند ما كسر الأصنام «فتى» كما وصفوه : (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) (٦٠) (الأنبياء) ـ يعنى شابا حدثا ، والحدث من سن البلوغ إلى الثلاثين تقريبا ، ورغم حداثة سنّه فقد اتّسمت فعلته بالجرأة الشديدة ، وكانت له حجج مفحمة ، ومنطق راجح يدل على أن عمره العقلى أكبر من عمره الزمنى ، وأنه ناضج فكريا نضوجا ليس لأترابه ، وله عقلية «الباحث عن الحقيقة» ، وشخصية «الفيلسوف» الراغب فى المعرفة ، واتصفت ردوده بالحدّة شأن ردود الشباب ، كقوله : (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) (لأنبياء ٦٧). وأهل الإسلام بنوا على وصف إبراهيم «بالفتى» مذهبا يقوم على نفس سلوكياته وأخلاقه وطريقة تفكيره ، أطلقوا عليه اسم «الفتوة» ، وكان انتشار هذا المذهب ، وقيام فرق الفتوة خصوصا فى العصر العباسى. وبمفهوم هذا المذهب فإن الفتوة هى الإيمان والهداية ، وهما ما كان عليه «الفتية أصحاب الكهف» ، قال فيهم ربّهم : (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً) (١٣) (الكهف) ، أى كانوا أحداثا مؤمنين كإبراهيم. والأصنام التى كسرها إبراهيم نوعان : الأصنام الحسيّة التى كانوا يتعبّدون لها ، والأصنام النفسية المعنوية التى كانت فى قلوبهم اعتقادات خاطئة ، وأخلاقيات رديئة ، وأفكارا متخلّفة. والفتوة لذلك لها شقان ، الأول : الفتوة الفكرية : وهى الخروج على العرف فيما يخالف العقل ، والجرأة فى الحق ؛ والثانى : الفتوة السلوكية : وهى الانتصار للضعفاء ، ونجدة الملهوف ، وإنصاف المظلومين ، مما يعرف فى الإسلام باسم «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر». وإبراهيم هو المؤسس الحقيقى لهذا المذهب والمنهج معا ، وكان من «الفتيان السالكين» وقد أعلن الحرب ضد الأصنام : أصنام الهوى والشيطان والدنيا والعجب ، وصنم كل إنسان نفسه ، فمن خالف هواه فهو «فتى» على الحقيقة ، وهو «إبراهيمى النزعة» ، و «حنيفى العقيدة» ؛ و «الحنيفية» هى الأساس العقائدى لنظام الفتيان ، والحنيفية تعنى الميل عن الباطل إلى الحق ، مع التسامح فى كل الأحيان ، ولذا يؤثرون تسميتها «بالحنيفية السمحاء» ، أى غير المتزمتة. وأى شباب يحكم لهم بالفتوة فإننا نعنى أنهم «مؤمنون بلا واسطة» كما كان إيمان إبراهيم ، ولا ينبغى أن نظن أن الفتوة هى شكل من أشكال مذهب الربوبيةdeism الذى يقول أن معرفة الله ممكنة

٩٠٤

نبىّ ، وإنما الفتوة مواقف ترصد لأصحابها وتشهد لهم بالإيجابية ، وأصحابها دائما من الشباب المنفتح على الحياة. وأهل اللسان يقولون : الفتوة هى الإيمان يكون عند الشباب خاصة. وقيل : الفتوة بذل النّدى ، وكفّ الأذى ، وترك الشكوى. وقيل : هى اجتناب المحارم ، واستعجال المكارم.

* * *

٧٤٩. إبراهيم أول من هاجر أرض كفر وأول نبىّ ينزل بمصر

الذى قال : (إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (العنكبوت ٢٦) هو لوط ، وإنما قال ذلك تصديقا لعزم إبراهيم على الهجرة ، فصاحب فكرة الهجرة والذى أشرف على تنفيذها هو إبراهيم ، وهو عمّ لوط ، وقد رأى أنه يهاجر من أور الكلدانيين إلى أرض كنعان ، فجاء أولا إلى حاران برفقة لوط ابن أخيه ، وأقام هناك ، ثم تركها إلى أرض كنعان ، ثم إلى موضع شكيم ، ثم إلى بلوطة مورة ، وهناك بنى مذبحا للربّ ، وصحبته فى هجرته سارة امرأته. فكأن إبراهيم كان أول من هاجر من أرض الكفر ، وقيل : كان فى الخامسة والسبعين. وقيل : إن أول من هاجر هو لوط ، وهو الذى قال : (إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي). ويقابل ذلك فى الإسلام أن عثمان بن عفان كان أول من هاجر إلى الله فى الهجرة الأولى بصحبة زوجته رقية ابنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت هجرته إلى أرض الحبشة ، وفى الحديث أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال فى هجرة عثمان ورقية : «صحبهما الله. إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط» ، والحديث فيما يبدو موضوع ، وفى التوراة أن إبراهيم ولوطا سويا ، ومعهما أهلهما ، هاجروا وبصحبتهما سارة ، وذلك هو الصحيح بمنطق التاريخ : أن لوطا لم يسبق إبراهيم فى الهجرة ، ولا تعنى الآية : (إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي) أنه أول من هاجر ، وإنما هو إعلان موافقة منه على ما قرره إبراهيم ، وهجرة إبراهيم كانت بدافع من منازعاته مع السلطة فى بلده ، فهى «هجرة مشروعة» يقضى بها الدين ، وأما هجرة لوط فهى «هجرة صحبة» ، لأنه لم تكن للوط قضية يهاجر بسببها.

وفى التوراة كذلك أن إبراهيم لمّا نزل القحط بفلسطين توجه إلى مصر ، وعاش بها لفترة طويلة ، فكان أول نبىّ يزور مصر وينزل بها ، ووهبه الفرعون ماشية رعاها وتكاثرت عنده جدا ، فصار له الغنم والحمير والبقر ، والعبيد والإماء ، وإبراهيم نزل فى مصر فى «أرض جاسان» (محافظة الشرقية الآن) ، وكانت هذه الأرض محل صراع بين ملوك مصر والفاتحين من آشور ، وقصة إبراهيم مع الفرعون ، وكذلك قصة يوسف ، والأسباط ، وموسى ، لم تجر فى أرض مصر الحقيقيةProper Egypt ، وإنما بأرض جاسان وعاصمتها «تانيس» ،

٩٠٥

ولذلك خلت الآثار المصرية من أية حكايات عن الإسرائيليين فى مصر. وكلمة «فراعنة» ليست مصرية بل آشورية ، وتعنى الجبابرة ، وانتشارها عالميا عن مصر والحضارة المصرية القديمة هو نوع من الغزو الفكرى العالمى لورودها هكذا فى التوراة. وتقول التوراة إن فرعون أتاح له كل ذلك وأغناه ، لأن إبراهيم أعطاه امرأته سارة وكان قد ذكر له أنها أخته ، ولا نعلم ما ذا كانت تفعل سارة فى بيت الفرعون طوال هذه المدة ، إلا أنها فيما يبدو اعترفت للفرعون بأنها زوجة لإبراهيم وأنه من المستحيل أن تتزوج الفرعون ، ولام الفرعون إبراهيم ، وعابه وأرجع إليه امرأته ، وأمره بالمضى من مصر (التكوين ١٢ / ١٠ ـ ٢٠). وهذه إحدى كذبات إبراهيم الثلاث : أنه قال إن سارة هى أخته!!

* * *

٧٥٠. إبراهيم الخليل

كان إبراهيم محبا لله ، وكان محبوبا من الله ، فاتخذه الله خليلا ، كقوله : (وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً) (١٢٥) (النساء) ، ولم يكن أحد من الأنبياء خليلا لله إلا اثنين ، أحدهما ذكره القرآن وهو إبراهيم ، ويدعى لذلك «إبراهيم الخليل» ، والآخر ذكره الحديث : «وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا» أخرجه مسلم ، يعنى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فامتنع عليه لذلك أن يكون له خليل آخر ، قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا» أخرجه مسلم ، فليس له خليل إلا الله. ومعنى إبراهيم خليل الله : أنه الفقير المحتاج إلى الله ، فلم يجعل فقره وفاقته إلا إليه ، كأنه الذى به إصلاح الاختلال أو الخلل فى توزيع الثروة بين الناس ؛ أو أن معنى الخليل : الذى ليس فى محبته خلل ، وإبراهيم هو خليله تعالى لأنه اصطفاه بالمحبة ، ولذا فى الرواية الإسرائيلية لمّا حرّقوه أتاه جبريل وسأله : أله حاجة؟ قال : أمّا إليك فلا! وكلامه شبيه بكلام الصوفية. وقيل بشأن تسميته بالخليل ، أنه ذهب ليحضر طعاما لأهله ـ قال من عند خليل له ، فلم يجده ، فملأ كيسا بالرمل وحمله إلى بيته ، ثم اضطجع لينام ، فلما استيقظ وجد عندهم خبزا فسأل : من أين لكم هذا؟ قالوا : فتحنا الكيس فوجدنا دقيقا فصنعناه خبزا؟ وسألهم : ومن أين الدقيق؟ قالوا : من خليلك! ألم تقل أن لك خليلا سيعطيك؟ فابتسم وقال : بلى ، هو من عند خليلى! يعنى الله تعالى ، فسمّى خليل الله بذلك. وقيل : لمّا دخلت عليه الملائكة فى هيئة رجال ، وجاء بعجل سمين فلم يأكلوا ، وقالوا : لا نأكل شيئا بغير ثمن ، قال لهم : أعطوا ثمنه وكلوا. قالوا : ما ثمنه؟ قال : أن تقولوا فى أوله باسم الله ، وفى آخره الحمد لله ، فقالوا فيما بينهم. حق على الله أن يتخذه خليلا ـ فاتخذه الله خليلا. وفى الحديث : «اتخذ الله إبراهيم خليلا لإطعامه الطعام ، وإفشائه

٩٠٦

السلام ، وصلاته بالليل والناس نيام». والخلّة إذن ليست مسألة إيثار ولكنها استحقاق عن جدارة.

* * *

٧٥١. دليل إبراهيم الكونى على وجود الله

هذا الدليل يسميه القرآن : (مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فى قوله تعالى : (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (٧٥) (الأنعام) ، فاليقين فى حالة إبراهيم يتأتى بالدليل ، وإبراهيم كان إيمانه عقليا استدلاليا ، وبداية تفكيره كانت السؤال المعهود عند أصحاب الفكر من الفلاسفة : كيف خلق هذا الكون ، ومن خلقه؟ والسؤال البسيط يناسب المرحلة الطفولية بالنسبة له كإنسان ، وجوابه عليه يلخص تاريخ الديانات منذ البداية : (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (٧٨) (الأنعام) ، ففي التاريخ تعبّد الناس للكواكب ، وبدءوا بأكبرها وانتهوا إلى القمر ثم الشمس ، فإذا ارتقوا فى التفكير انتقلوا إلى التجريد والتوحيد ، واعتقدوا فى الله فاطر السموات والأرض ، وكانت ديانة التوحيد الأولى فى التاريخ هى الحنيفية ، عنى بها إبراهيم الميل إلى الحق ومجانبة الشّرك. والملكوت فى الآية اصطلاح كالرغبوت والرهبوت والجبروت ، وهو الملك ، زيدت عليه الواو والتاء للمبالغة. وأفول الكواكب فى منطق إبراهيم أقوى من ظهورها فى الاستدلال ، واستدلاله يتميز بمهلة النظر ، وقوله : هذا ربّى» ليس إشراكا ، لأنه على قولهم وليس على قوله ، ولأنهم كانوا يعبدون الكواكب. فلما بلغ اليقين بطريقته كان عليه أن يدعو إلى معتقده ويجادل عنه : (وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (٨٠) (الأنعام) ، والمحاجاة : جدل ومقارعة الحجة بالحجة ، والحجة العقلية تناسبها حجة من نوعها ، والإيمان فى منطق إبراهيم ، فطرى ، ومن يرد التثبّت يثبّته الله ويجلّى بصيرته ، وأكثر ما يظهر الإيمان على الوجه فخصّه بالذكر ، قال : (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (٧٩) (الأنعام) ، ولم يبد أى خوف لأن ما كانوا يعبدونه من دون الله لا يضر ولا ينفع ، وحجّته التى ينوّه بها القرآن هى قوله : (وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ

٩٠٧

عَلِيمٌ) (٨٣) (الأنعام) ، وهى حجة إنكار ، فقد أنكر عليهم تخويفهم إياه بما يعبدون من أشياء ولا يخافون الله عزوجل ، فأيهما أولى أن يخاف : الموحّد أم المشرك؟ وأيهما أولى أن يؤمنوا به : الأصنام التى لا حول ولا قوة لها ، أم الله العلىّ الكبير؟ فكانت هذه هى الحجة التى خاصمهم بها وغلبهم عليها ، وأبان من خلالها أنه مجادل عظيم ، ومفكر كبير ، وصاحب علم ومنطق وفهم ، ويستحق بهذه الصفات أن يؤتى الدرجة الرفيعة ، وأن تنعقد له الإمامة.

* * *

٧٥٢. إله إبراهيم

قال إبراهيم عن ربّه : (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (٨٢) (الشعراء) ، فهو إله : بمنظور الواقع والنفع له ؛ على عكس إله موسى : فإنه إله الخلق والكون ، ومنظور موسى أشمل. وهدايته تعالى لإبراهيم أنه أرشده إليه ، فبعد أن عبد الكواكب والقمر والشمس ، هدى إلى الله ، وهو بالنسبة له كل شىء ، فهو المطعم ، والساقى ، والشافى ، والمميت والمحيى. وهو الرزّاق ، وخالق كل نبات وزرع ، ويخلق المرض ويجعل له الشفاء ، وأوجده من العدم ، وأحياه ، ثم يميته ثم يحييه ويبعثه ، وكان قومه ينسبون الموت إلى الأسباب ، فبيّن أن الله هو الذى يميت ويحيى. وهو يطعمه لذة الإيمان ، ويسقيه حلاوة القبول. وإذا مرض بمخالفته شفاه برحمته. وإذا مرض بمقاساة الخلق شفاه بمشاهدة الحق. وإذا مرض بالذنوب شفاه بالتوبة ، وهو يميته بالمعاصى ويحييه بالطاعات ، ويميته بالخوف ويحييه بالرجاء ؛ ويميته بالطمع ويحييه بالقناعة ؛ ويميته بالعدل ويحييه بالفضل ؛ ويميته بالفراق ويحييه بالتلاق ؛ ويميته بالجهل ويحييه بالعقل. وإبراهيم إن كان يرجو مغفرته تعالى يوم الدين ، فإنه على اليقين فى حقّه ، وعلى الرجاء فى حقّ المؤمنين سواه. وخطيئة إبراهيم فى الآية ربما يوم أن كذب وقال : (إِنِّي سَقِيمٌ) (٨٩) (الصافات) ، أو عند ما ذكر أن سارة أخته كما فى التوراة ، أو عند ما قال : (هذا رَبِّي) (الأنعام ٧٦) وقصد القمر أو أيا من الكواكب. والأنبياء بشر ويجوز أن تقع منهم الخطيئة ، ولا تجوز عليهم الكبائر وقد عصموا منها. وفى حديث عائشة أنها قالت لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ابن جدعان كان فى الجاهلية يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، فهل ذلك نافعه؟ قال : «لا ينفعه! إنه لم يقل يوما ربّ اغفر لى خطيئتى يوم الدين» أخرجه مسلم ، والدعاء فى الحديث إشارة إلى قول إبراهيم : (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (٨٢) (الشعراء).

* * *

٩٠٨

٧٥٣. آزر أبو إبراهيم

يشنّع المستشرقون على القرآن بخصوص اسم «آزر» ، كتشنيعهم على توصيف مريم بأنها (أُخْتَ هارُونَ) (مريم ٢٨) ، وأن (إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) (الأنعام ٨٤ ، وهود ٧١ ، ومريم ٤٩ ، والأنبياء ٧٢ ، والعنكبوت ٢٧) ولدا إبراهيم ، والقرآن برىء مما يلصقه به هؤلاء المستشرقون الجهلة ، فإن مريم أخت هارون يعنى أنها من بيت عمران ومن ثم من بيت هارون ، وأنها متدينة مثل أهل هذا البيت ، وهارون بن عمران ، ومن بيت هارون كان كل كهنة بنى إسرائيل. وليس صحيحا أن مريم من بيت داود ، فالذى من بيت داود هو يوسف النجّار زوجها ، والدليل على أن مريم من بيت هارون أنها قريبة اليصابات أم يوحنا المعمدان (النبىّ يحيى) ، واليصابات من سبط لاوى ومن بيت هارون كما فى الأناجيل والرسائل (لوقا ١ / ٣٢ ـ ٦٩ ، ورومية ١ / ٣ ، و ٢ تيمو ٢ / ٨ ، وعبرانيين ٧ / ١٤) ، ومن ثم فالقرآن لم يخطئ ولكنه صحّح خطأ النصارى. هذا من جهة مريم ؛ وأما من جهة يعقوب وإسحاق ، فإن إبراهيم أنجب إسحاق ، وإسحاق أنجب يعقوب ، فى حياة أبيه دون أمه التى كانت قد ماتت ، فكأن الله آتى إبراهيم : إسحاق ثم يعقوب نافلة ، يعنى كحفيد! وبحسب التوراة كان إبراهيم ابن مائة سنة لمّا ولدت سارة له إسحاق ، وكانت سارة ابنة تسعين ، ولما ماتت كان عمرها ١٢٧ سنة ، يعنى حتى سنّ ٣٧ سنة لم يكن إسحاق قد تزوج ، وبعد وفاة أمه بثلاث سنوات تزوج رفقه بنت ابن عمه ، كما تزوّج إبراهيم قطورة ، وولدت قطورة لإبراهيم ستة أولاد ذكور ، وأنجب إسحاق فى سن الستين ولديه عيسو ويعقوب ، وكان عمر إبراهيم وقتها ١٦٠ سنة ، ومات إبراهيم فى سنّ ١٧٥ ، فكأنه ظل مع حفيده يعقوب ١٥ سنة. والقرآن إذن لم يخطئ عند ما قال إن الله رزقه بإسحاق ثم يعقوب نافلة. وأما بخصوص «آزر» كاسم لوالد إبراهيم ، فإن المستشرقين يتعجبون : من أين أتى محمد بهذا الاسم وهو لم يذكر فى التوراة؟ ومن التحامل البشع على القرآن أن كثيرين من المستشرقين وعلى رأسهم ماراكى وفرانكل ، ذهبوا إلى الرأى بأن القرآن بتسميته والد إبراهيم باسم آزر ، قد خلط بينه وبين اليعازر خادمه للتشابه بين الاسمين! وواضح أن هؤلاء البحّاثة إما أنهم يتعمّدون الخطأ ، أو أنهم يعانون من جهل مستحكم ، فاسم آزر لا يلتبس مع اليعازر ، لأنه من الفعل يؤازر يعنى يعين ، والأزر يعنى القوة ، ومن ثم كان الاسم شائع لا يلتبس بغيره ، والقرآن لم يخطئ ، وكان آزر اسم صنم ، ومن يخدم الصنم يمكن أن يطلقوا عليه آزر أيضا. وكان أبو إبراهيم هو القيّم على الصنم آزر ، وفى الآية الوحيدة التى يأتى فيها هذا الاسم ما يفيد هذا المعنى ، تقول : (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٧٤) (الأنعام) قيل إن آزر صفة ذم ، وتفيد فى الآية تخطئة الأب

٩٠٩

لاتخاذه الأصنام آلهة من دون الله ، فيكون المعنى : أتتخذ يا مخطئ أصناما آلهة من دون الله؟ وربما آزر اسم لصنم ، فيكون المعنى : أتتخذ الصنم آزر إلها من دون الله؟ وقيل : إن الآية : (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (١١٤) (التوبة) تفسّر كلمة «آزر» فى الآية السابقة باعتبارها كلمة سبّ وعيب ، ومعناها فى العبرية المعوّج ، فيكون المعنى : إذ قال إبراهيم لأبيه يا أعوج ، أتتخذ آلهة أصناما من دون الله؟ وهى أشد كلمة يمكن أن يقولها ابن لأبيه ، وهذا نفسه هو تفسير الآية : (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ). وربما آزر بمعنى المؤازر لقومه على عبادة الأصنام ، أو أنها مشتقة من الأزر يعنى القوة كما قلنا سابقا ، فيكون المعنى : أللقوة تتخذ أصناما من دون الله؟ وبعض المقرئين يقرأ : «وإذ قال إبراهيم لأبيه» يتوقف هنيهة ، ثم يقول : «آزر ، أتتخذ أصناما آلهة من دون الله»؟ يعنى أن إبراهيم يقول : «آزر» دهشة واستغرابا ، وبلهجة التوبيخ ، بمعنى أف لك ، وكل هذه المعانى السابقة تعتمد على أن آزر كلمة عبرية ، والقرآن ليس كتابا لنشر اللّغة العبرية ، ونزوله بالعربية إنما ليفهمه العرب ، فلا بد إذن أن آزر هى اسم للأب ، ولكن الأب اسمه تارح بفتح الراء كما يجيء فى التوراة ، وهى فى العبرية بمعنى عنزة ، وأما آزر فبمعنى القوى الصلب الشديد القاسى الذى لا يرحم ، فيكون أن الاسم الحقيقى للأب هو تارح ، ولأنه اسم لا يحبه صاحبه لنفسه ولا يشتهى أن يناديه الناس به ، فإنه اختار لنفسه «آزر» وهو المقابل «لتارح» ، لينادى به فى دائرة أصحابه ومعارفه ، وهو تغيير مشروع ، وكثيرا ما يلجأ إليه ، وعندنا فى مصر قرية كان اسمها ميت خنازير فغيّر أهلها الاسم إلى ميت السباع ، وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يغيّر الاسم القبيح إلى اسم مقبول ومحبوب ، فكان رجل اسمه مضطجع فسمّاه منبعثا. ولا يعيب ورود اسم آزر فى القرآن أنه غير وارد فى التوراة ، فالكثير الغالب من القرآن فى الموضوعات الواحدة لا مثيل له فى التوراة ، كما فى قصص آدم ، ونوح ، وهود ، وشعيب ، ويوسف ، وموسى ... إلخ ، وكذلك يورد القرآن أشياء عن عيسى لا وجود لها البتة فى الأناجيل الأربعة مجتمعة ، وعلى ذلك يكون آزر اسم جنس ، وجائز أن يستخدمه القرآن كاسم ، ولا تثريب أن يكون للأب اسمان ، فإبراهيم نفسه كان له اسمان بالعبرية ، الأول : أبرام ، بمعنى الرفيع الشأن ، والثانى : إبراهيم ، بمعنى «أبو رهام ، أى «أبو الجمهور» ، أى أبو الناس (تكوين / ٥ ١٧) كما فى القرآن : (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) (النحل) ، يعنى كان وحده يساوى أمّة ، أو أنه أمة وحده ، وتتمثل فيه وحده أمة. وكان ليعقوب اسمان ، أحدهما يعقوب يعنى التوأم المولود عقب أخيه ، والثانى إسرائيل أى عبد الله. وكان للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أسماء كثيرة وكنى كثيرة. فلا خطأ فى الآية موضوعنا ، وتعالى الله العظيم عن الزلل والنقص ، والحمد لله ربّ العالمين.

٩١٠

٧٥٤. دعاء إبراهيم لنفسه وأبيه

هو قوله : (رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (٨٩) (الشعراء) ، يدعو الله أن يهبه المعرفة به وبحدوده وأحكامه ، وأن يؤتيه الفهم والعلم ، والنبوّة والرسالة ، ويلحقه بالنبيين من قبله ، وبأهل الجنة ، وأن يجعل له لسان صدق فى الآخرين ، فتجتمع عليه الأمم ، وتتمسك به وتعظّمه ، وقد استجاب له الله ، فجعله على الحنيفية التى أحياها محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويعمل بها المسلمون فى كل أرجاء الدنيا ، وهم يصلون عليه كصلاتهم على نبيّهم ، وخاصة فى الصلوات وعلى المنابر ، والصلاة عليه دعاء له بالرحمة. واللسان الذى يسأله إبراهيم من الله تعالى هو القول ، وأصله جارحة الكلام ، وموضع اللسان هو موضع القول على الاستعارة ، ولسان الصدق أن يمدح ويثنى عليه ، والمؤمن يحب أن يعرف أن عمله يقابل بالثناء لا بالذم ، وأنه عمل صالح بالفعل لا بالقول ، استحبابا لاكتساب ما يورث الذكر الجميل ، والذكر الجميل هو حياة ثانية لصاحبه ، كقول القائل : قد مات قوم وهم فى الناس أحياء. ومن دعوة إبراهيم أن يورثه جنة النعيم ، وفى ذلك ردّ على من يدّعى أن المؤمن لا ينبغى أن يسأل الله جنّة ولا نارا. وقيل إن إبراهيم كان قد وعده أبوه فى الظاهر أن يؤمن ، فاستغفر له لهذا السبب ، فلمّا بان أنه لا يفى بما وعد تبرّأ إبراهيم منه ، ولذلك قال فيه : «إنه كان من الضالين» أى المشركين. ولم يحب إبراهيم أن يفضحه الله به يوم القيامة على رءوس الأشهاد ، فدعا أن لا يخزيه يوم البعث ، وفى الحديث : «إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة» أخرجه البخارى ، والغبرة هى القترة ، وفى الحديث : «يلقى إبراهيم أباه فيقول : يا ربّ إنك وعدتنى ألّا تخزنى يوم يبعثون ، فيقول الله تعالى : إنى حرّمت الجنّة على الكافرين» أخرجه البخارى. ويوم البعث : يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون ، وإنما ينفعه أن يأتى ربّه سليم القلب ، وخصّ القلب لأنه إن سلم سلمت الجوارح كلها ، وإن يفسد فسدت سائر الجوارح. والقلب السليم : هو الخالى من الشك والشّرك ، وأما الذنوب فليس يسلم منها أحد. وقيل : القلب السليم الصحيح هو قلب المؤمن ، لأن قلب الكافر والمنافق قلب مريض ، كقوله تعالى : (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (البقرة ١٠). ولا يكون القلب سليما إلا من آفة المال والبنين. والقلب السليم كاللديغ من الخوف من الله ، ويعلم أن الله حق ، والساعة قائمة ، والبعث حق ، وفى الحديث : «يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» يريد أنها مثلها خالية من كل ذنب ،

٩١١

وسليمة من كل عيب ، ولا خبرة لها بأمور الدنيا ، كما قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أكثر أهل الجنة من البلة» وهم البله عن المعاصى ، والأبله بهذا المعنى هو المطبوع على الخير ، والغافل عن الشر ، وغلبت عليه سلامة الصدر وحسن الظن بالناس.

* * *

٧٥٥. قصة إبراهيم مع النمرود الذى حاجّه فى ربّه

هى القصة التى يوردها القرآن دون أن يذكر فيها أن طرفها الآخر اسمه النمرود ، تقول : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (٢٥٨) (البقرة). واسم النمرود غير موجود فى كتب اليهود الخمسة المسماة بالتوراة ، وليس فى التوراة قصة لإبراهيم مع النمرود. واسم النمرود إضافة على القصة القرآنية ، مما أثبتته لها الإسرائيليات ، وقالوا فيه إنه : النمرود بن كوش بن حام ، مؤسس الأسرة الحاكمة فى بابل وشنعار وأكاد (تكوين ١٠ / ٨ ـ ١٠) وبانى البرج المشهور بها ، وكان من الملوك الجبّارين (يعنى الفراعنة) وادّعى الألوهية. والمستشرقون على القول بأن قصة النمرود وإبراهيم مأخوذة من الهجادا العبرية ، أى المرويات اليهودية الشعبية الشفهية ، وروّجها فى كتب التفسير : الطبرى ، والثعالبى ، والدميرى ، وابن الأثير. وكان النمرود يختزن الطعام ويبيعه لقومه ، فدخلوا عليه وسجدوا له إلا إبراهيم ، فلمّا سأله : ما لك لا تسجد لى؟ قال : أنا لا أسجد إلا لربّى! فقال النمرود : ومن ربّك؟ قال إبراهيم : ربّى الذى يحيى ويميت. فأمر النمرود برجلين ، وأمر بقتل أحدهما ، وقال : ها أنا قد أحييت هذا وأمتّ هذا! فردّ عليه إبراهيم بحجّة الشمس ، فبهت. وقيل : كان يمكن لإبراهيم أن يردّ عليه لمّا أحيا وأمات ، بأنه لا يحيى من عدم بينما الله تعالى يحيى من عدم ، ومع ذلك ما كان يمكن لإبراهيم أن يبرهن على صدق قضيته عمليا ، لأن الإحياء والإماتة لهما حقيقة ومجاز ، وإبراهيم قصد الحقيقة ، فى حين أن النمرود قصد المجاز ، وموّه على قومه. ولو لا أن إبراهيم أدرك أن خصمه سيحاجى بالباطل ، لما ترك «مثل الموت» ليحل محله «مثل الشمس». ولقد سلّم إبراهيم للنمرود جدلا ، وضرب المثل الثانى بما لا مجاز فيه ، وبما ليس بوسع النمرود أن يلعب فيه بالألفاظ. قيل هو «مثل الشمس» التى تأتى من المشرق ، فليأت بها النمرود من المغرب لو استطاع ، فأفحمه وألجمه وأبهته ، لأن حجة الكافر انقطعت. وهذه القصة يستدل بها على ضرورة اللجوء فى الدعوة إلى المحاجاة ، والمناظرة ، والمجادلة وإقامة الحجة ، من مثل قوله تعالى : (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ

٩١٢

(١١١)) (البقرة). وكل الأنبياء جادلوا أقوامهم ، لأنه لا يظهر الحق فى أمور الدين إلا إظهار الفرق بين الحق والباطل. ولقد جادل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أهل الكتاب وطلب إليهم المباهلة. وما لم يكن طرفا المناظرة متساويين من حيث العلم والعقل والفهم ، فإن المناظرة تصبح مراء ومكابرة.

وفى سفر المقابيين الثانى من أسفار اليهود ، شبيه للنمرود ، هو نكانور ، أراد أن يحرج يهوذا فى ربّه ، فسأله عن السبت ، فقال له إنه يوم حرّمه القدير على كل شىء ، فسأله : وهل فى السماء قدير أمر بحفظ يوم السبت؟ فقال يهوذا : إنه الربّ الحىّ القدير ، فقال : وأنا أيضا قدير فى الأرض (١٥ / ٣ ـ ٦).

* * *

٧٥٦. قصة الذى مرّ على القرية الخاوية

يقول تعالى : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٢٥٩) (البقرة) وهذه الآية متصلة بالآية التى قبلها فى التعجب : (أَلَمْ تَرَ) (البقرة ٢٥٨) ، وفى العطف بأو ، حمل على المعنى ، والتقدير : هل رأيت الذى حاج إبراهيم فى ربّه ، أو الذى مرّ على قرية؟ وأيضا فإن الآية متصلة بالآية التى بعدها والتى تقول : (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) (البقرة ٢٦٠) ، فمدارهما الشك ، وكلاهما إبراهيم «والذى مر على القرية الخاوية» يشكّان فى قدرة الله على الإحياء بعد الموت. فلو لا أنه يرد ضمن الآية : (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) ، لقلنا إن القصة ليست سوى مثل يضربه الله تعالى لمن يتشكك ، وما أكثر الشكّاكين فى كل عصر ، فعموم القصة وارد. وقوله : (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) ، يعنى يجعل منها قصة حقيقية ، وهى بهذا الاعتبار محل الكثير من الإسرائيليات ، وخاصة من أمثال وهب بن منبّه الذى كان يهوديا وأسلم ، ومن المتأسرلين أمثال : ابن عباس ، وعكرمة ، والضحّاك ، وقتادة ، وناجية بن كعب ، وسليمان بن بريدة ، وعبد الله بن عبيد بن عمير ، وعبد الله بن بكر بن مضر ، وهؤلاء قالوا : «إن الذى مرّ على قرية وهى خاوية» هو أحد ثلاثة : إما أنه عزير ، وإما أنه إرميا ، وإما أنه الخضر ، ولا دليل على أى من ذلك ، ولا يوجد مرجع واحد يؤيده ، والقصة نفسها ليست من قصص التلمود ، ولا من القصص اليهودى الشفاهى ، وهى قصة قرآنية بحتة ، وترد ضمن القصص التعليمى فى القرآن إثباتا للبعث ،

٩١٣

وتنويها بقدرة الله عليه. وكما نرى فإن «الذى مرّ على القرية الخاوية» لمّا رأى حالها وكيف هى ساقطة على سقفها ، ومتهاوية الحيطان ، وخالية من الناس ، والبيوت مع ذلك قائمة ، تساءل وكيف يمكن أن تعمر هذه بعد خرابها؟ وكأنه وهو الواقف المعتبر على قريته التى عهد فيها أهله وأحباءه ، يتلهف على أن يعرف ما يمكن أن يئول إليه أمرها ، وما إذا كان من الممكن أن يبعثوا بعد الموت ، فضرب الله له المثل فى نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه ، وقوله شك لا ريب فيه فى قدرة الله على الإحياء والبعث ، فلذلك ضرب له المثل فى نفسه ، وأماته مائة عام. والقصة بها شبه من قصة أصحاب الكهف ، ولكنها تختلف عنها فى المغزى والدرس والمحتوى ، وأصحاب الكهف أصابهم السبات ثم بعثهم الله تعالى ، وأمّا «الذى مرّ على القرية الخاوية» فأماته عن حق ثم بعثه ، فلمّا سئل كما سئل أصحاب الكهف : كم لبثت؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ، قاله مما فى ظنه ، فلم يكذب فيما أخبر به. و «الذى مرّ على القرية الخاوية». لم يكن نبيّا كما يقول المفسرون ، وإلا فكيف سيفسّر لقومه غيابه مائة سنة؟ وعندنا أنه من أولياء الله ، ومن النمط المفكر وليس من النمط المتعبّد ، والأوّل كثير السؤال مثل إبراهيم ، والثانى كثير العبادة ولا يطرأ الشك على قلبه أو عقله من قريب أو بعيد ، مثل نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل : كان طعام «الذى مرّ على القرية الخاوية» من التين ، وشرابه الماء ، ولم يتسنّه الطعام ولا الشراب ، أى لم تغيّرهما السنون المائة ، ولم يتغير طعمهما ولا رائحتهما ، من أسن الماء إذا تغيّر. وقال وهب بن منبه : إن حماره صار عظاما نخرة ، فأحياه الله جزءا جزءا ، ليريه كيف يكون البعث ، وليعاينه بنفسه فى غيره ، لأنه لم يعاينه فى نفسه ، فأولا وصلت العظام ببعضها البعض ، ثم كسيت لحما حتى كمل الحمار ، ثم كان أمر الله فقام الحمار ينهق. وقيل : بل إنه عاين الإحياء فى نفسه ، وكانت العظام هى عظام نفسه ، فأحياه الله أولا ، واستكمل رأسه ولم يستكمل جسمه ، فكانت بقية جسمه عظاما ، فأراه كيف تكسى باللحم ويكتمل له الشكل الآدمى ، فكان شابا كما كان منذ مائة عام ، فجعله آية للناس ، وبحث عن أهله فوجد أبناءه ، ولكنهم كانوا شيوخا. والمفسرون يكادون يجمعون على أن هذا «الذى مرّ على القرية الخاوية» هو عزيز الذى هو عزرا فى التوراة ، واليهود يعتبرونه وليّا وينزلونه منزلة أكبر من منزلة موسى ، ويلقبونه بالكاهن ، وبالكاتب ، ويدينون له بالفضل كل الفضل ، لأنه الذى كتب التوراة وعلّمها الأوائل ، ونشرها بين اليهود بالخط الأشورى أو الحروف الآرامية المربعة ، ولم يدّع عزير أو عزرا أنه يكتب التوراة ، ولكنه كان مثل كل مؤرخى اليهود ، يحاول أن يصنع تاريخا لبنى إسرائيل فى المنطقة ، ولم تكن دعوته لله وإنما لشعب إسرائيل ، وذلك ما

٩١٤

يجعلنا لا نعتقد أن «الذى مرّ على القرية الخاوية» هو عزير ، فعزير اهتماماته مختلفة ، وهذا اهتماماته دينية ، وعزير لم يختف مدة مائة سنة. وقيل : «الذى مرّ على القرية الخاوية» كانت له أم ، فلمّا عاد إليها كانت عجوزا ، فأبلغها أنه عزير ، فقالت : عزير كان يشفى المرضى ، فاشف عينىّ! فوضع يده على عينيها فأبصرت وصدّقت ، وذهبت تخبر الناس ، وكان له ابن بلغ من العمر مائة وثمانية وعشرين عاما ، فقال له إن أباه كانت له شامة فى كتفه ، فاطّلع عليها وصدّق أنه أبوه. والمهم فى القصة ليس ما يرد عنها من الإسرائيليات ، وإنما الدرس المستفاد المستخلص منها ، فإنه بعد أن اتضح له عيانا ما كان مستنكرا فى قدرة الله عنده قبل عيانه ، قال : (أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (٢٥٩) (البقرة) ، ولم يقلها إقرارا بما كان من قبل ينكره ، بل هو قول منه دفع إليه الاعتبار ، فلولا أنه اعتبر ، ما كان قال ما قال ، وقوله كقول إنسان مؤمن يرى شيئا غريبا من قدرة الله فلا يملك إلا أن يقول : لا إله إلا الله! أو ربما يعنى : أجل ، الآن أنا على يقين مما كنت أعلمه من قبل ظنا ، فأخبر عن نفسه عند ما عاين من قدرة الله فى إحياء الموتى ، فتيقن ذلك عنده بالمشاهدة ، فأقرّ بأنه يعلم أن الله على كل شىء قدير ، وقصته كقصة الطير عند ما جعله إبراهيم أجزاء على قمم الجبال ، ثم دعاهن ، فإذا هى قد تحولت طيرا جاء إليه ، والفرق بين قصة إبراهيم مع الطير وبين قصة «الذى مرّ على القرية الخاوية» : أن درس هذا كان لنفسه فقال : أعلم أن الله على كل شىء قدير ، بينما كان إبراهيم بعد أن عاين إحياء الموتى ما يزال يحتاج إلى التعليم ، فقال له الله تعالى : «واعلم أن الله عزيز حكيم!!».

* * *

٧٥٧. قصة إبراهيم وإحياء الطير

هذه القصة فى الشك فى قدرة الله على الإحياء بعد الموت ، ومشكلة الناس أيام النبوّات أنهم كانوا يشكّون فى البعث ، وإبراهيم لم يكن استثناء منهم ، والقصة تصوّره شاكا ولكن شكّه ليس كشك الناس ، فهو يعرف أن الله يبعث الموتى ، وسؤاله عن الكيف ـ كيف يحيى الموتى؟ فأراد أن يعرف الطريقة ويعاينها مشاهدة. يقول تعالى : (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (٢٦٠) (البقرة) ، فالبعث شىء يقرّه إبراهيم ، وسؤاله : ربّ أرنى كيف تحيى الموتى؟ مثل قولك : كيف علم زيد؟ وكيف نسج الثوب؟ فأنت تعرف بدأة ذى بدء أن زيدا علم ، وأن الثوب نسج ، وتسأل الآن عن كيفية نسجه ، أو كيفية علمه. وفى هذه الآية فإن الكيف

٩١٥

استفهام عن هيئة الإحياء ، لا عن الإحياء نفسه ، فالإحياء متقرر ، إلا أن الله تعالى جعل سؤاله أنه لم يسلّم جدلا بالإحياء ، فقال له «أو لم تؤمن؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبى» ، فعلّل سؤاله بالطمأنينة وليس بالشك. وقال ابن عباس : هذه أرجى آية فى القرآن : لأن إبراهيم بها انشرح صدره بالطمأنينة لمّا عرف إجابة سؤاله ، وترسّخ إيمانه. وفى هذه القصة جاء عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قوله : «نحن أحق بالشّك من إبراهيم ، إذ قال ربّ أرنى كيف تحيى الموتى؟ قال : أو لم تؤمن؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبى» ، فلو كان إبراهيم شاكا لكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أولى بالشك منه ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يشك ، وإبراهيم أحرى به كذلك أن لا يشك ، وحديثه صلى‌الله‌عليه‌وسلم نفى للشك عند إبراهيم ، وسؤال إبراهيم إذن كان من باب الإيمان ، وبتعبير الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن إبراهيم كان «محصن الإيمان» ، وأما الشك : فهو التوقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر ، وما كان حال إبراهيم من هذا النوع ، وما كانت سيرته إلا سيرة إنسان مؤمن شديد الإيمان ، وقد امتحن بالتحريف فما ارتد ، والشك مستبعد فى حق من تثبت قدماه فى الإيمان ، فكيف به لو كان نبيا كإبراهيم؟ وإنما حال إبراهيم هو حال «الباحث عن الحقيقة» ، وطلبه من ربّه كان المعاينة ، فقال : أرنى كيف تحيى الموتى؟ والنفوس مجبولة على أن تطلب رؤية ما تخبر به ، وفى الحديث : «ليس الخبر كالمعاينة» ، وذلك ما تمنّى إبراهيم لو يراه ، فلم يرد رؤية بالقلب ، فالقلب كان عامرا بالإيمان ، ولكنها لرؤية التى طلبها بالعين ، وعندئذ لو كان إيمانه قيراطا فإنه سيصبح قيراطين ، وإذن فالذى كان عند إبراهيم هو «شك الفلاسفة» وليس مجرد الشك ، وشكّ الفلاسفة يزداد به إيمانهم ، وعبّر عنه إبراهيم بقوله : «ليطمئن قلبى» ، بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا ، والطمأنينة التى ينشدها كانت أن يسكن فكره فى الشيء المعتقد ، والتفكير فى الإحياء فيه عبر وعظات ودروس ، وكان ما يشاهده إبراهيم فى الدنيا كيفية تفريق أجزاء المخلوقات عند الموت ، ولكنه لم يعاينها فى تجمعها فأراد أن يطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع ، فأمر لذلك أن يأخذ أربعة من الطير من مختلف الأصناف ، وقطّعها قطعا صغيرة ، وخلطها إلى بعضها البعض ، ثم وزّعها أجزاء على قمم الجبال ، ثم أمرها أن تجتمع بإذن الله ، فانصاعت للأمر ، وتمت مشاهدته لما تمنى ، ولذا ختم الله تعالى القصة بالتأكيد على إبراهيم ، يقول : (وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) : أى أنه تعالى عزيز لا يغلبه غالب ، ولا يقدر عليه قادر ، وما شاء يكون بلا مانع ، وهو القاهر ، والحكيم فى كل ما يفعل ويقول ، وفى شرعه وقدره سبحانه.

* * *

٩١٦

٧٥٨. «لا إله إلّا الله» ميراث إبراهيم فى عقبه

إبراهيم : هو نبىّ الله وخليله ، وإمام الحنفاء ، وأبو الرسل والأنبياء ، وإليه ينتسب المسلمون انتساب نسب ومذهب ، فأما النسب فلأنهم من نسل إسماعيل بن إبراهيم ، وأما المذهب فإنهم أحناف كإبراهيم ، كقوله : (إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (١٣١) (البقرة) ، وقوله : (إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٢٨) (الزخرف) ، والذى فطره هو الله ، وكلمة «لا إله إلا الله» هى الكلمة الباقية فى عقبه ، فكل كلام يزول ويضحى ، ويموت ويندثر ، إلا كلمة «لا إله إلا الله» ، جعلها الله تعالى أبدية فى ذرية إبراهيم ومن نهج على ملّته ، ولا تزال فى عقبه وفيمن يعبد الله تعالى إلى يوم القيامة. وقيل الكلمة الباقية هى قول إبراهيم : (إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ) (الزخرف ٢٦) ، فتبرأ من كل عبادة إلا الله الذى فطره والذى يهديه. والعقب : هم ولده وولد ولده إلى يوم القيامة ، توارثوا البراءة عن عبادة غير الله ، ويدعون له وحده ، فكانوا الدعاة ، فصارت النبوّة فيهم ، فكانوا أصل التوحيد وغيرهم فيه تبع.

* * *

٧٥٩. صحف إبراهيم وموسى

يأتى عنها فى سورتين ، فى الأولى يقول تعالى : (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (٣٧) (النجم) ، وفى الثانية يقول : (إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) (١٩) (الأعلى) ، وليس فى التوراة أنه كانت لإبراهيم الخليل صحف ، والمقصود غالبا الروايات عنه وهى كثيرة ، وتحفل بها التوراة الشفهية المتداولة بين الأحبار بخلاف التوراة المكتوبة. وصحف موسى هى أيضا التوراة الشفهية وليست المكتوبة التى يعطونها اسم أسفار موسى الخمسة. وصدق الحديث عن نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما رواه أبو ذر ، قال : قلت يا رسول الله ، فما كانت صحف إبراهيم؟ قال : «كانت أمثالا كلها : أيها الملك المتسلّط المبتلى المغرور! إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكن بعثتك لتردّ عنى دعوة المظلوم ، فإنى لأردّها ولو كانت من فم كافر. وكان فيها أمثال : وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات : ساعة يناجى فيها ربّه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، يفكر فيها فى صنع الله عزوجل ، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه ، مقبلا على شانه ، حافظا للسانه. ومن عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه». قال : قلت : يا رسول الله ، فما كانت صحف موسى؟ قال : «كانت عبرا كلها : عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب؟! وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن

٩١٧

إليها؟! وعجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم هو لا يعمل؟!» قال : قلت يا رسول الله : فهل فى أيدينا شىء مما كان فى يدي إبراهيم وموسى ، مما أنزل الله عليك؟ قال : «نعم ، اقرأ يا أبا ذر : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) (١٩) (الأعلى). فكأن ما فى صحف إبراهيم وموسى يوافق ما فى القرآن كما فى سورة الأعلى ، والأسلوب فى أمثال وعبر الصحف «الأولى» يتمشى مع أسلوب القرآن فى سورة الأعلى فيما أورده الحديث. وفى سورة النجم يرد أيضا ما يماثل ذلك ، فبعد المقدمة عن صحف إبراهيم وموسى ، يأتى مباشرة عمّا بها فيقول : (أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ) (أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى) (٥٥) (النجم) ، وثنّى على ذلك فقال : (هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى) (٥٦) ، يعنى أن هذه الآيات جميعها حكم وأمثال وعبر ونذر كالتى كانت بالكتب أو الصحف الأولى ، وما دامت هناك صحف أولى فلا بد أن هناك صحف ثانية ، وهى التوراة الشفهية غير المحرّفة ، وربما يمكن القول أن أحاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والقصص عن الصحابة ، من هذه الصحف الثانية.

* * *

٧٦٠. ضيف إبراهيم

ذكر عن ضيوف إبراهيم أربع مرات فى أربع سور ، هى : هود ، والحجر ، والذاريات ، والعنكبوت ، بحسب ترتيب النزول ، وذلك ضمن القصص الأخرى عن الأنبياء والصالحين والأمم من السابقين ، ولنا فيها عظة وعبرة للمؤمنين ، وكانت نذيرا لأهل مكة من الكافرين والمشركين ، والروايات الثلاث ليست تكرارا ولكنها من زوايا مختلفة ، وفيها لقطات متباينة للحدث الواحد ، باعتبار سياق كل سورة والمعنى العام الذى تندرج تحته. يقول تعالى : (وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ

٩١٨

عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) (٧٦) (هود) ؛ ويقول : (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥) قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ) (٦٠) (الحجر) ؛ ويقول : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ) (٣٧) (الذاريات) ؛ ويقول : (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) (٣٢) (العنكبوت) ، فكما ترى فإن الروايات الأربع مختلفة كل الاختلاف ، ففي سورة هود : كان مجىء الرسل له خاصة لتبشّره ، وكانوا فى مهمة إلى قوم لوط ، وأبدت سارة تعجبها أن تلد وهى عجوز ، ثم تكون العبارة الرئيسية وحجر الزاوية فى القصة ، بأن ردّوا عليها : (أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (٧٣) (هود). وأخبروه عن قوم لوط ، فجادلهم ، فأمروه أن يعرض عن الجدال فيما نفذ فيه القضاء. وفى سورة الحجر : أسفر إبراهيم عن تخوّفه منهم منذ البداية ، وأنهوا إليه خبر البشارة مباشرة ، ولم يقدّم لهم طعاما ، ولم يحيّهم التحية الواجبة ، ولم تشارك امرأته فى الحفاوة بهم ، ولم تسمع بشارتهم ، ونهوه أن يكون من القانطين. وسألهم عن وجهتهم فأخبروه أنهم مرسلون إلى قوم لوط ، وسينجونه وأهله إلا امرأته. وكانت العبارة الرئيسيةtipic sentence فى القصة : (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (٥٦) (الحجر). وفى سورة الذاريات : تأتى التقدمة : (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) (٢٤)؟ والاستفهام للتشويق والتفخيم ، ثم إن إبراهيم سارع يكرمهم فجاء بعجل سمين (الذاريات ٢٦) ، وكان

٩١٩

العجل فى سورة هود حنيذا ، أى مشويا ، يعنى وصف بعد مرحلة تجهيزه ، وضحكت امرأته للبشارة ، ولطمت وجهها تعجّبا ، وكان جوابهم مختلفا عن جوابهم فى رواية سورة هود. وفى تلك الرواية كانت مهمتهم فى قريتي لوط قد انتهت على عكس الروايتين السابقتين ، يعنى أن البشارة كانت من بعد وليس من قبل ، أى فى عودتهم وليس فى ذهابهم. غير أن الملائكة ضيوف إبراهيم فى الرواية الأخرى من سورة العنكبوت تابعوا رواية سورة الذاريات فقالوا : (هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ) (٣١) (العنكبوت) ، فنفهم أن البشارة كانت قبل أن يرسلوا إلى قوم لوط ، وكأن مجيء الرواية عن قوم لوط من قبل ، قد صار من بعد عند التحقق ، بمعنى أن عقابهم كان من قضاء الله السابق والنافذ ، وأنه سطر من قبل ، ثم نفّذ من بعد ، ومن ثم فلا تعارض بين الروايات والعبارة الرئيسية فى هذه الرواية : (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ) (هود ٧٥) ، يعنى أنه ما كان يغضب ، وكان يسأل الله العفو والرحمة. وقد يبدو لغويّا أن الضيف تقال للواحد ، إلا أنها تأتى فى الروايتين اللتين وردت فيهما كلمة «ضيف» فى الجمع وليس المفرد ، والضيف يصلح للواحد والجمع ، والتثنية ، والمذكر ، والمؤنث ، فيحتمل إذن أن الملائكة كانوا اثنين ، أو كانوا ثلاثة ، وكان إبراهيم مضيافا ، يستضيف الواحد كالاثنين أو الثلاثة ، وكان يكنّى لذلك : أبا الضيفان. فلو جمعنا الروايات الأربع معا نلم بجميع أركان القصة التى نحن بصددها ، ونعرف أن الله يثيب المحسنين ويعاقب المجرمين ، وذلك هو الدرس المستفاد أو المورال morale كما يقول أهل الأدب الروائى.

فما ذا تقول التوراة فى هذه القصة؟ من ذلك أن ضيوف إبراهيم كانوا ثلاثة فى الفصل الثامن عشر من سفر التكوين ، العبارة ٢ ؛ وفى الفصل التاسع عشر العبارة ١ يأتى أنهم اثنان فقط ، ولم يأت فى الرواية أى تأثّر على إبراهيم لدى سماعه البشرى ؛ بينما نجد سارة فى قصة القرآن لا تبدى تعجبا ، ولكنها استهزأت بما سمعت ، وجادلها الملائكة فى ضحكها ، وأنكرت ما تحصّل لفهمها. والمهم فى لقاء إبراهيم بالملائكة أنه صار يجادلهم فى الحكم الصادر من الله فى قوم لوط ، ومثله الذى يستشهد به : أتهلك البار مع الأثيم؟ فلما قالوا له : لو كان فيهم خمسون بارا لعفونا عنهم ، فاستسمحهم إبراهيم فى إنقاص العدد إلى خمسة وأربعين ، ثم أربعين ، ثم ثلاثين ، ثم عشرين ، حتى عشرة ، وانتهت القصة على هذا ، فلما كان الصباح توجه إبراهيم ليشهد ما حدث لسدوم وعمورة. فهذه هى القصة وأغلبها عن سدوم وعمورة ، وأقلها عن إبراهيم وأهله ، وليس فى قصة التوراة عبارة واحدة يمكن استخلاصها كعظةmorale. وميزة قصة القرآن أنها ضمن أربع سور فتنوعت الرواية والكلام ، وتباينت الرؤى ، وكثرت التفاصيل. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٩٢٠

٧٦١. إبراهيم أول من أضاف

فى الآية : (وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) (٦٩) (هود) ، والعجل الحنيذ هو السميط أو المشوى ، وفى الآية الأخرى : (فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ) (٢٧) (الذاريات) ، والكثير من أدب الضيافة نتعلمه من إبراهيم فى هذه الآيات ، فقد عجّل أولا قراه ، وقدّم الموجود الميسّر فى الحال ، ولم يتكلف ما يضرّ به. والضيافة عند الساميين من مكارم الأخلاق ، وأخذها العرب وراثة عن أبيهم إبراهيم ، ولكن اليهود ـ وهم ساميون ـ عكس ذلك تماما. وإبراهيم كان من المسلمين وإماما فى الإسلام ، وقيل إنه فى هذه الآيات يذكر مقترنا بالضيافة ، ولم يذكر ذلك لأحد من الأنبياء قبله ، وأنه لذلك «كان أول من أضاف». وفى قصة إبراهيم أنه لمّا رأى أيدى ضيوفه لا تصل إلى الطعام نكرهم وأوجس منهم خيفة ، والسنّة إذن : أنه إذا قدّم للضيف الطعام فعلى المضيف أن يبادر بالأكل ، فإن كرامة الضيف تعجيل التقديم ، وكرامة المضيف المبادرة بالقبول ، وضيوف إبراهيم الثلاثة خرجوا عن العادة ولم يمدّوا أيديهم ، وخالفوا السنّة ، فخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه. وأيضا من أدب الطعام فى قصة إبراهيم : أن ينظر المضيف ، هل يأكل ضيفه أم لا؟.

* * *

٧٦٢. هل أخطأ القرآن ونسب بنوّة يعقوب إلى إبراهيم؟

افتراءات المستشرقين لا تنتهى ، والحق أنهم اعتمدوا على نقد يهود المدينة لآيات القرآن ، ومن ذلك نقدهم لقوله تعالى : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) (٧٢) (الأنبياء) ، وقوله : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) (العنكبوت) ، وقوله : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا) (الأنعام ٨٤) ، باعتبار أن إبراهيم لم ينجب يعقوب ، وإنما يعقوب هو ولد إسحاق ، أى أنه حفيد إبراهيم وليس ابنه ، وعلى ذلك قالوا أن القرآن أخطأ ، وأن محمدا التبس عليه ، وعندهم أنه كان من الممكن التغاضى عن هذه الزلّة لو أن البشارة كانت لإبراهيم وحده ، ولكنها كانت فى المقام الأول لسارة ، كقوله : (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) (٧١) (هود) ، أى أنها ستنجب من بعد إسحاق ولدا اسمه يعقوب ، وتفسير اليهود والمستشرقين هو الخطأ ، لأنه فى هذه الآيات جميعها لا ينصرف المعنى إلا إلى أن إبراهيم وسارة سيكون لهما ولد باسم إسحاق ، وسينجب هذا الولد ابنا بدوره اسمه يعقوب ، وبذلك تحفظ النبوّة والكتاب فى الذرية. ومن أشد الناقدين لهذه المسألة من المستشرقين : آيزنبرج ، وهوروفتس ، وسنوك هرجرونجى ، وجايجر ، واعتمدوا فى

٩٢١

نقدهم على الطبرى والثعالبى ـ وهما من أكبر المروّجين للإسرائيليات فى التفسير. وكل ما يأتينا من نقد من طريق هؤلاء المستشرقين إنما يوجه إلينا من خلال إسرائيليات الطبرى والثعالبى ، وتفسيراهما فيهما الكثير من الهرف والخلط والتلفيق. ولا ينقد المستشرقون رواية القرآن وإنما روايتى الطبرى والثعالبى. وفى قوله تعالى : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً) (الأنبياء ٧٢) ، فإن النافلة هى الزيادة ، فإبراهيم دعا لنفسه فى إسحاق ، وزيد له يعقوب من غير دعاء ، فكان ذلك نافلة ، أى زيادة على ما سأل ، قال : (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (١٠٠) (الصافات) ، فاستجاب له ربّه ورزقه الولد وولد الولد ، ويقال لولد الولد نافلة ، لأنه زيادة على الولد.

ومن العجيب أن يهود المدينة والمستشرقين لم يتنبّهوا إلى أن نفس الشيء حدث مثلا مع النبىّ زكريا بن برخيا ، فقد نسبه سفر عزرا إلى جدّه «عدّو» ولم يذكر اسم أبيه «برخيا» ، فقال زكريا بن عدّو (عزرا ٥ / ١ و ٦ / ١٤) ونفس الشيء مع يعقوب ، فإن كان قد جاء ذكره فى معرض البشارة لإبراهيم ، فما كان لآيزنبرج وجايجر وغيرهما أن يذهبوا إلى تخطئة القرآن ، لأن ذلك نفسه حدث لزكريا ، وقال مفسر عزرا أن برخيا لم يكن مشهورا ، فنسب زكريا للجد لأنه كان الأكثر شهرة. ونفس الشيء حدث مع المسيح فى إنجيل لوقا ، فنسبه إلى أبيه داود (الفصل الأول ٣٢) ، فهل كان داود هو أبو المسيح؟ وفى نسبة زكريا فى سفر لوقا يرد أن امرأة زكريا من بنات هارون (١ / ٥) ، والمقصود أنها من سلالته وليست بنتا لهارون على الحقيقة ، فأين هى من هارون وبينهما آماد من الزمن! فلما ذا النقد لرواية القرآن إذن عن يعقوب؟!

* * *

٧٦٣. إبراهيم كان محبا للحجاج

من صفات إبراهيم حبّه للحجاج ، وأشهر قصة حجاج تروى عنه محاجته للنمرود ، كقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ ...) (البقرة ٢٥٨) ، والآية تدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة ، وكان نوح كثير الجدل ، كقوله تعالى : (يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا) (هود ٣٢) ، وجادل موسى فرعون ، والمجادلة تعليم من الله عزوجل بالسؤال والجواب ، وفى الجدل الدينى لا يظهر الفرق بين الحق والباطل إلا بظهور حجة الحق ودحض حجة الباطل ، كما جرى مع إبراهيم والنمرود فى حجة الإحياء ، ثم فى حجة الشمس ، وما يقبل على الجدل إلا أصحاب العلم ، وما يميل إليه إلا أصحاب المذاهب ، وإبراهيم كان حنيفا وصاحب ملّة ، والمجادلة نظرية وإبراهيم عملى ، وليس الخبر

٩٢٢

كالمعاينة ، ولذا فقد حاجّ ربّه وطلب أن يرى كيف يخلق ، والناس مختلفون بإزاء سؤاله : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) (البقرة ٢٦٠) ، هل هو عن شك؟ والصحيح أنه لم يشك فى قدرة الله ولكنه طلب المعاينة ، ولم يرد رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين ، والإيمان مكانه القلب وليس العين ، وإبراهيم كان ممتلئا حكمة ولذا كان يحاج ويجادل ، وجادل أباه ، قال : (أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً) (الأنعام ٧٤) ، (وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ) (الأنعام ٨٠) ، (وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (٨١) (الأنعام) ، وقدرته على الحجاج موهبة من الله فذلك هو نمط شخصيته ، وبراهينه داحضة قاطعة ، كما قال تعالى : (وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ) (الأنعام ٨٣) ، وحجّته على قومه إشارة إلى جميع احتجاجاته التى خاصمهم عليها وغلبهم فيها بالحجة. وحجاج إبراهيم كان يلزمه ويتحدد به سلوكه كقوله تعالى : (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) (التوبة ١١٤) ، فإذا علم أنه المخطئ سلّم فى الحال بنتائج خصمه ، فلما تحدثت إليه الملائكة عن لوط جادلهم فأكثر الجدال ، ثم رجع إلى الحق وإلى أمر ربّه لمّا بيّنوا له خطأه ، وفى الآية : (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) (٧٥) (هود) يعترف فورا بخطئه ويتأوّه أسفا على ما قد بدر منه ، وذلك أن الملائكة لامته على جدله وقالت له : (يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ) (هود ٧٦) ، أى دع الجدال فى قوم لوط فإن ما تجادل فيه هو أمر منزّل من عند الله ، وأنه آت قوم لوط لا محالة. وكان يؤمن بكل ما يتنزّل من عند الله ، وله أدعيات كدعوته لأهل مكة : (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً) (إبراهيم ٣٥) ، وكانت له صحف يرصد فيها ما يوحى إليه من الحكمة ، كما فى قوله تعالى : (صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى) (١٩) (الأعلى) ، وشخصيته من ثم كانت شخصية شاملة ، وبتعبيره تعالى يصفه قال : (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً) (النحل ٢٠) يعنى اجتمعت فيه المحامد ومكارم الأخلاق ، وكان شديد التقوى لربّه ، ويحنف عن كل دين أو مذهب يبعده عن الإيمان بالله ، وذلك ما كان يحاج فيه الناس.

* * *

٧٦٤. الختان من ملة إبراهيم

الختان من السنن ، ومن فطرة الإسلام فى الرجال ، وعند البعض هو فرض لقوله تعالى : (أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) (النحل ١٢٣) ، والختان من ملة إبراهيم ومن ثم فهو فرض ، والمسلمون على الرأى أن الاختتان يباح لمصلحة الجسم كنظر الطبيب ، وفى الحديث

٩٢٣

قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الختان سنّة للرجال ، مكرمة للنساء» أخرجه أحمد ، وقوله : «والفطرة خمس ، الاختتان ...» الحديث ، أخرجه البخارى ، وعن أم عطية : أن امرأة كانت تختن النساء بالمدينة فقال لها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تنهكى فإن ذلك أحظى للمرأة وأحبّ للبعل» ، والنهك المبالغة فى الشيء ، والمقصود النهى عن المبالغة فى استقصاء الختان عند البنات. والحديث ضعيف وراويه مجهول ، وفى رواية : «.. ولا تنهكى فإنه أنور للوجه وأحظى عند الرجل». والرأى فى الطب : أنه إن كان الله قد خلق الإنسان هكذا ، وهو أعلم بما خلق ، فلما ذا التعديل فى خلقة الله؟ وفى الحديث أننا نبعث غير مختونين ، فلما ذا إذن نختتن؟ وقيل : إن الصبى يختتن فى اليوم السابع ، وقيل هذا من تعاليم اليهود ، وقيل يستحب للرجل الكبير إذا أسلم أن يختتن.

والخلاصة : أن الاختتان مسألة خلافية سواء بالنسبة للذكور أو للإناث.

* * *

٧٦٥. دعاء إبراهيم لمكة

دعا إبراهيم لمكة بالأمن والأمان ، لأنها مكان البيت الحرام ، فصارت بذلك بلدا حراما ، ودعا لها فقال : (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً) (إبراهيم ٣٥) ، فربط أمنه بعبادة أهله لله الواحد ، وشرطه بأن يخلو البيت من الأصنام ، فلأنه أوذى بها فى العراق لمّا قام عليها وكسرها وجعلها جذاذا ، فحرّقوه ، فقد دعا أن يجنّبه الله ويجنّب بنيه والناس أجمعين عبادة الأصنام ، قال : (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) (إبراهيم) ، فبدأ الدعوة لنفسه أولا ، ثم لبنيه ، ثم للناس ضمنا ، والأصنام افتتن بها وما يزال الكثير من الخلائق ، فتبرأ ممن أضلته ، وقال : (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٣٦) (إبراهيم) ، فجعل أمر من يعبد الأصنام إلى الله ، فبعد أن بيّن لهم صار أمرهم إلى الله ، ولو شاء عذّبهم ، ولو شاء غفر لهم ، كقول عيسى : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١١٨) (المائدة). وقيل إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم تلا قول إبراهيم : (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) الآية ، وقول عيسى : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) الآية ، ثم رفع يديه وقال : اللهم أمتى ، اللهم أمتى. اللهم أمتي وبكى ، كأنما كان يسأله تعالى أن يرضيه فى أمته ولا يسوؤه.

* * *

٧٦٦. قصد إبراهيم بدعائه رضا الله

قال إبراهيم : (رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا

٩٢٤

فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ) (٤١) (إبراهيم) ، فوصف الله تعالى بعلم كل شىء ، وأنه لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء ، وقصد بذلك أنه تعالى يعلم بالنوايا ، وأنه ما بنى البيت الحرام إلا لعبادته تعالى ، وأن يعلم الناس أن لهم ربّا مثلما علم هو ذلك ، وليس أعلم منه بوجوده تعالى وبكرمه ورحمته بعباده ، فلما شكا له أنه بلا عقب وهبه على الكبر إسماعيل وإسحاق ، وكان عمره وقت أن ولد إسماعيل ستا وثمانين سنة ، ولمّا ولد إسحاق كان عمره مائة سنة ، فلما استجاب الله لدعائه ، عرف إبراهيم أنه ربّ سميع للدعاء ، ولذا دعاه مرة أخرى أن يجعله من الثابتين على الإسلام ، وعلى التزام أحكامه ، وأن يقيم الصلاة ويداوم عليها هو وذريته من بعده ، ولم يقل ذريته جميعها وإنما قال «ومن ذريتى» ، و «من» تفيد التبعيض ، أى ليس كل ذريته سيكونون من المؤمنين ، وسأله أن يتقبّل دعاءه ، والدعاء عبادة ، وفى الحديث : «الدعاء مخ العبادة» أخرجه الترمذى ، ثم دعا لوالديه وللمؤمنين ، فإن كان والداه قد ماتا كافرين فأمرهما إلى الله جميعا ، وقيل من عادة الساميين أن يسمّوا كبار السن والدين ، وإبراهيم دعا عازر أباه وهو فى الحقيقة عمّه ، وإنما كلّ من فى عمر الأب فهو أب ، وفى القرآن سمّى صالحا أخا لقومه ، وكذلك هود ، وقال تعالى عن مريم أنها بنت هارون ، بمعنى أنها من بيت هارون ، ومن ثم كان دعاء إبراهيم لكل والدين. وفى كل ذلك قصد إبراهيم من دعائه رضا ربّه أولا قبل أى نفع يجنيه من وراء هذا الدعاء ، لإيمانه الشديد بربّه ، وثقته فيه ، وتوكله عليه ، فكان إيمانه بحق هو الإيمان ، وقد امتحن فيه فجاز الامتحان ، وكان دائم الشكر له والثناء عليه ، وما من مكان ذهب إليه وأقام به لفترة إلا بنى فيه بيتا لله ، فكان نسج وحده بين الأنبياء.

* * *

٧٦٧. قصة الذبيح إسماعيل ومناسك الحج

يقول تعالى فى قصة الذبيح إسماعيل : (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى) (الصافات ١٠٢) ، قيل رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات ، وهو كلام صحيح علميا ، إذ أن «الحلم المتكرر» هو الحلم الذى له هذا المعنى الحقيقى. وقيل «رؤيا الأنبياء وحى» ، وهو صحيح علميا ، لأن الأنبياء نفوسهم صافية ، ولا يعانون تشوشا ولا اضطرابات نفسية ولا ذهنية. وقيل : إن الأنبياء يأتيهم الوحى أيقاظا ورقودا ، فقلوبهم لا تنام وإن نامت عيونهم ، وهذا صحيح علميّا لنفس الأسباب السابقة ، وفى معناه الحديث : «إنّا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا» أخرجه البخارى ومسلم ،

٩٢٥

وقيل : إن إبراهيم لمّا كان مع ابنه إسماعيل وزوجته هاجر فى مكة ، فى زيارة من زياراته لهما من حين لآخر ، حيث كان يسكن أصلا الشام مع زوجته سارة ، رأى فى ليلة التروية كأن قائلا يقول له : إن الله يأمرك بذبح ابنك. فلما أصبح روّى فى نفسه ، أى فكّر : أهذا الحلم من الله أم من الشيطان؟ فسمّى ذلك اليوم «يوم التّروية» لهذا السبب ، أى يوم التفكير. فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضا وقيل له : الوعد؟ أى أين وعدك؟ فلمّا أصبح عرف أن ذلك من الله ، فسمّى ذلك اليوم «يوم عرفة». ثم رأى مثله فى الليلة الثالثة ، فهم بنحر ابنه كما تقضى الرؤيا ، فسمّى ذلك اليوم «يوم النحر». وروى أنه لمّا همّ بذبحه قال جبريل : الله أكبر. الله أكبر ، فقال الذبيح : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، فقال إبراهيم : الله أكبر والحمد لله! فبقيت هذه الكلمات سنّة ، وكل ذلك ممكن علميا لأنه لا يقضى بشرّ ولا يرسّخ لخرافة. وذبح الابن فى الحلم من الميكانيزمات الحلمية فى كل كتب تفسير الأحلام فى العالم ، وبكل اللغات ، وفى مختلف الثقافات ، وما جرى لإبراهيم ، وما تبودل من أحاديث بينه وبين ابنه وجبريل صار لذلك من المقدسات ومن مناسك الحج فى الإسلام.

* * *

٧٦٨. الدليل على أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق

الدليل على ذلك ـ وهو أقوى دليل : بشارة الملائكة لسارة زوجة إبراهيم فى قوله تعالى : (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) (٧١) (هود) ، فطالما أن إسحاق سيعيش ليلد يعقوب ، فلا يمكن أن يذبح ، ولا أن يفهم إبراهيم أن رؤيا الذبح المقصود بها إسحاق ، فلا شك إذن أنه فهم أن الرؤيا تخصّ إسماعيل ، وأنه الذبيح وليس إسحاق.

* * *

٧٦٩. البشارة بإسحاق بعد قصة الذبح

قال تعالى : (وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (١١٢) (الصافات) ، ولم تأت البشارة إلا بعد تمام قصة الذبح ، إذن فطالما أن إسحاق سيعيش وسيكون نبيّا ، فإن المقصود بالذبح يكون إسماعيل!

* * *

٧٧٠. الدليل من التوراة على أن الذبيح إسماعيل

الدليل على ذلك العبارة ٢٣ من الفصل السابع عشر من سفر التكوين ، وهو قوله : «فأخذ إبراهيم إسماعيل ابنه ...» ، فهذا إقرار بأن إسماعيل هو الابن الوحيد لإبراهيم فى ذلك الوقت حيث لم تكن سارة قد ولدت إسحق بعد ، وفى ذلك الفصل يأتى فى بدايته بشارة الله لإبراهيم ووعده : «وسأنمّيك جدا جدا ، وأجعلك أمما ، وملوك منك يخرجون ، وأقيم عهدى

٩٢٦

بينى وبينك وبين نسلك من بعدك مدى أجيالهم ، عهد الدهر لأكون لك إلها ، ولنسلك من بعدك ، وأعطيك أرض غربتك ، لك ولنسلك من بعدك ، جميع أرض كنعان ، ملكا مؤبّدا ، وأكون لهم إلها» (٦ ـ ٨) ، وهذه البشارة وذلك الوعد كانا لإبراهيم ولم يكن له ولد إلا إسماعيل ، وعلى ذلك يكذب كاتب التوراة عند ما يقول بعد ذلك : «خذ ابنك وحيدك الذى تحبه إسحق» (التكوين ٢٢ / ٢) ، لأن ابنه ، قد وصفه بأنه «الوحيد» ، ليس سوى إسماعيل ، فلما كانت الرؤيا وأخذه إلى أرض مورية ليذبحه ، وكان اختياره لمورية بالقرب من نابلس دليل على أن الذبيح إسماعيل ليبعد به عن أمه ، وكان إسماعيل فى سن يسمح له أن يفهم مطلب أبيه ، وأما إسحاق فكان صغيرا جدا وبينه وبين إسماعيل ١٤ سنة! فكيف يفهم الذبح ويطيع أبوه وعمر إبراهيم وقت ولادته ١٠٠ سنة ، فالأقرب إلى العقل إذن أن الذبيح هو إسماعيل!

* * *

٧٧١. البشارة بالابن الحليم ومعناها

قوله تعالى : (وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) (١٠١) (الصافات) دليل على أن البشارة كانت لإبراهيم بأول ولد له ، لأن الآية نزلت عنه فى العراق عقب محاولة تحريقه ، ولم يكن قد أنجب فى العراق ، وربما لم يكن قد تزوّج بعد. وفى التوراة أن سارة لم تزوّجه من هاجر إلا بعد الهجرة إلى فلسطين ، ثم إلى مصر ، ثم إلى فلسطين ، ولم تكن قد أنجبت منه ، وثبت أنها عاقر ، وحتى دمار سدوم وعمورة لم يكن إبراهيم قد أنجب إسحاق ، وكان ولده الوحيد هو إسماعيل ، فالبشارة إذن فى سورة الصافات كانت بإسماعيل ، مع أن سورة الصافات نزلت بعد سورة هود التى كانت البشارة فيها بإسحاق ، إلا أن السورتين تقصّان عن أحداث جرت بصرف النظر عن ارتباطها بتواريخ نزول السور. ومعنى بشّرناه بغلام حليم ، أنه سيكون حليما عند ما يكبر ويبلغ مبلغ الرجال ، وبذلك كان على إبراهيم أن يعلم أن الذبح كان مجرد رؤيا وليس عن حقيقة ، لأنه إذا ذبح إسماعيل على الحقيقة فكيف سيعيش ويصبح رجلا حليما كما تقول البشارة؟ وفى سفر التكوين من كتب اليهود أن إبراهيم عند ما ولد إسماعيل كان عمره ستا وثمانين سنة ، وعند ما ولد إسحاق كان عمره مائة سنة ، يعنى هناك حقبة زمنية مقدارها أربع عشرة سنة بين الاثنين ، فهل انتظرت البشارة هذه المدة لكى تتحقق بإسحاق دون إسماعيل؟ إن المعقول أن البشارة تحققت بعد الهجرة وكانت بإسماعيل ، وهو الغلام الحليم ، ولم يوصف بذلك إلا لأنه صبر على محاولة ذبح أبيه له كما فى الرؤيا.

* * *

٩٢٧

٧٧٢. دليل آخر أن الذبيح هو إسماعيل

فى القرآن عن الغلام الحليم الذى بشّر به إبراهيم : (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (١٠٢) (الصافات) ، وصفة «الصبر» لم يوصف بها إسحاق ، وإنما وصف بها إسماعيل ، قال تعالى : (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) (٨٥) (الأنبياء) ، والصبر المشار إليه هو صبره على الذبح. ولم يوصف إسحق إلا بالهدى والصلاح والنبوة ، قال تعالى : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا) (الأنعام ٨٤) ، وقال : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) (٧٢) (الأنبياء) ، وقال : (وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (١١٢) (الصافات). وكما أن صفة الصبر ارتبطت بإسماعيل بالذبح ، فكذلك صفة صدق الوعد ارتبطت الذبح ، قال تعالى : (إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ) (مريم ٥٤) ، لأنه وعد أباه الصبر على الذبح فوفّى به.

* * *

٧٧٣. مكة دليل على أن الذبيح إسماعيل

إن الذى بنى البيت مع إبراهيم هو إسماعيل ، وكان ذلك بمكة ، والمنحر بمكة ، وإسماعيل كان بمكة ، فكيف يكون الذبيح هو إسحاق الذى يسكن الشام؟ وكيف صار الحج والتضحية والذبح والطواف والسعى ورمى الجمار فى مكة إذن ولم يكن فى الشام؟ فمن يقل إن الذبيح لم يكن إسماعيل لا بد أنه إمّا مغرض ، وإمّا فاقد العقل والتمييز ، ومن الغريب أن مكان ذبح إسماعيل مؤكد عند المسلمين ، ومكان ذبح إسحاق غير مؤكد عند اليهود! تقول التوراة : «وامض إلى أرض مورية وأصعده ، هناك محرفة على أحد الجبال الذى أريك» (التكوين ٢٢ / ٢) ، فأيهما نصدق : مكان الذبح المحدّد فى مكة ، أم مكان الذبح المجهّل؟ وهل يمكن أن تمر حادثة كهذه مرّ الكرام فى حياة أمّة كما هى عند اليهود ، إلا لو كانت الحادثة مزعومة ولم تقع أصلا ، وليست سوى فرية؟!

* * *

٧٧٤. وباركنا عليه دليل أن الذبيح إسماعيل

بعد أن ذكرت الآيات قصة الذبيح جاء فيها : (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) (١٠٨) (الصافات) ، أى أبقينا على إسماعيل الذبيح الثناء الحسن إلى يوم الدين ، والذى قال أن «عليه» تعود على إبراهيم أخطأ ، لأن إبراهيم كان بصدد ذبح ابنه بناء على حلم رآه ، فأى ثناء يستحقه؟ وإنما الذى يستحق الثناء هو هذا الصبى ابن الثالثة أو الرابعة

٩٢٨

عشرة ، الذى كان من الصابرين ، وأسلم رقبته لأبيه ، وسمح له أن يكبّه على وجهه ، فهذا الذى يستحق التنويه به ، ومن ثم «وعليه» فى الآية تعود على إسماعيل ، وأما إبراهيم فقال فيه : «سلام على إبراهيم» أى سلام من الله عليه ، وهو دعاء له ، وكذلك قوله تعالى : (وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) (١١٣) (الصافات) ، وفى الآية لا يمكن أن تعنى «عليه» إبراهيم ، ولو كان صحيحا لما قال «ومن ذريتهما» ، لأن الذرية المقصودة لإسحاق ولإسماعيل وليست لإسحاق ولإبراهيم! فإسماعيل قرين وند لإسحاق وليس إبراهيم! فعلمنا أن آيات الذبيح قبلها المقصود بها إسماعيل وليس إسحق.

* * *

٧٧٥. الأحاديث فى الكتب عن الذبيح إسحاق

قيل : من الذين ذهبوا إلى أن الذبيح هو إسحاق : العباس ، وابنه عبد الله ، وعبد الله بن عمر ، وابن مسعود ، وجابر ، وعلىّ بن أبى طالب ، وكل ذلك مزاعم لا تثبت للمناقشة وليست لها مراجع ثابتة ، ويكفى أن من هؤلاء كعب الأحبار مروّج الإسرائيليات ، ولا يوجد دليل واحد من القرآن على ما يقولون. والغريب فى أمر هؤلاء أنهم زعموا أن إبراهيم قدم بابنه إسحاق من الشام فى شهر ، ليذبح ابنه فى منى ، وبعد ذلك عاد فى شهر! وفى دراساتنا للكذب تعلمنا أن الواقعة الصحيحة تكون بسيطة جدا ، والواقعة الملفقة يكثر فيها التلفيق ، وتحتاج الكذبة إلى كذبة أخرى تدعمها وهكذا. مثلا أن يقال إن المسيح ابن الله احتاج الأمر أن يقال بالتثليث ، والأب والابن وروح القدس ، ولكلّ تعريف يحتاج إلى كتب ، وذلك أكبر دليل على أن هذا القول فرية وأى فرية! وكذلك الزعم أن إسحاق هو الذبيح يحتاج إلى الكثير من الكذب لدعمه.

* * *

قصة إسحق

٧٧٦. إسحاق آية من آياته تعالى

ولدت سارة من زوجها إبراهيم : إسحاق ، وكانت وزوجها طاعنين فى السن ، فلما جاءتهما رسل الله بالبشرى ، ضحكت سارة ، كقوله تعالى : (فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) (٧١) (هود) ، والضحك انكشاف الأسنان ، وإشراق الوجه ، وفى الحديث : «إن الله سبحانه يبعث السحاب فيضحك أحسن الضحك» ، فجعل انجلاءه عن البرق ضحكا ، وهذا كلام مستعار ، فكذلك ضحكت سارة ، أى كانت مرحبة بضيوف زوجها

٩٢٩

وقائمة على خدمتهم ، فلما بشّروها تعجبت واستكثرت ذلك على نفسها وعلى زوجها : (قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) (٧٢) (هود) ، وقولها «أألد» استفهام يفيد التعجب ، وقولها «إنها عجوز وزوجها شيخ» يعنى أنها لم تعد تحيض ، وأنه ترك غشيانه لها ، وذلك يجعل من ولادة إسحاق آية ومعجزة ؛ وأجاب الرسل عليها : (قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (٧٣) (هود) ، وأهل البيت هم الزوجة وأولادها ، والبركة لها ولهم لأن البركة هى النمو والزيادة ، وأغلب الأنبياء والمرسلين كانوا من ولد إبراهيم وسارة ، وهذا من تمام البركة والنعمة ، كقوله تعالى ليوسف : (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٦) (يوسف) ، وإتمام النعمة بالنبوة ، وقد أتمها الله تعالى على إبراهيم بالخلة ، وعلى إسحاق بالنبوة ، وقيل : أتمّها على إبراهيم بأن رزق من الولد إسماعيل وإسحاق ، كقوله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) (إبراهيم ٣٩) ، وقيل ولد إسماعيل وكان إبراهيم ابن ست وثمانين سنة (تكوين ١٦ / ٣ ـ ١٦) ، بينما ولد إسحاق لمّا كان أبوه قد بلغ المائة من العمر (تكوين ٢١ / ١٤ و ١٣) وكانت أمه قد بلغت تسعين عاما تقريبا (تكوين ١٧ / ١٧ و ٢١ / ٥). والبشارة بإسحاق فى قوله تعالى : (وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) (١١٣) (الصافات) وفيه الدليل على أن الذبيح هو إسماعيل ، لأن هذه البشارة تعقب آيات الذبح مباشرة ، فلما ثبتت طاعة إبراهيم كافأه الله تعالى وبشّره بإسحاق نبيّا صالحا ، وقوله : «وباركنا عليه» تعود على إسماعيل الذبيح ، وقوله تعالى : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) (٧٢) (الأنبياء) ، دليل آخر على أن الذبيح إسماعيل ، لأن النافلة الزيادة ، فلما رزق إبراهيم بإسماعيل وحمد وشكر ، وهبه إسحاق زيادة ، ثم وهب إسحاق يعقوب ، وكلاهما وهبهما له دون دعاء ، وزيادة على ما سأل فى قوله : (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (١٠٠) (الصافات ١٠٠) فكان الجواب : (وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (١١٢) (الصافات ١١٢) ، وصلاحهما أن جعلهما أئمة كقوله : (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) (٧٣) (الأنبياء) ، والأئمة هم الذين يقتدى بهم ، والهداية هى الدعوة لله ، فذلك معنى قوله تعالى : (وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ) (آل عمران ٨٤) ، والذى أنزل إليهم هو التوحيد ، والتوحيد ملة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وكل الأنبياء ، لقوله تعالى : (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) (يوسف ٣٨) ، قيل : خصّوا بالتوحيد لله ـ إبراهيم

٩٣٠

وإسحاق ويعقوب ، كقوله تعالى : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) (العنكبوت ٢٧) ، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل والفرقان ، وقيل : النبىّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم من ذرية إبراهيم ، وقيل : لم يبعث الله نبيّا بعد إبراهيم إلا من صلبه ، وقيل : إن أكثر الأنبياء من ولده وهذا هو الصحيح.

وقيل فى معنى «إسحق» بالعبرية أنه الضاحك ، قيل : سمى كذلك لأنه ولد مبتسما كأنه يضحك ، وقيل لأن أمه وأباه ضحكا عند ما بشّرهما الرسل به (تكوين ١٧ / ١٧ ـ ١٩ و ١٨ / ٩ ـ ١٥) ، وقالت سارة لمّا ولد إسحاق : إن الربّ صنع لى ضحكا ، وأن جيرانها سيضحكون معها (تكوين ٢١ / ٦) ، وقيل : إن الضحك لازم هذا الصبى من وقت البشارة إلى ما بعد ولادته ، ولذا دعاه إبراهيم : «إسحاق» أى الضاحك أو البسّام. وقيل : ختن إسحاق فى اليوم الثامن لولادته ، وفى نفس اليوم «طرد» إبراهيم هاجر وابنها إسماعيل بناء على إثارة سارة الشريرة ، وغيرتها الفظيعة ، وطباعها الحادة ، ويبدو أن العقم كان وراثة فى هذه السيدة ونسلها ، فلما تزوج إسحاق لم ينجب إلا بعد عشرين سنة ، وأعطاه الله توأمين : عيسو ويعقوب ، وكانا يكرهان بعضهما البعض ، ويبدو أن قلة الإنجاب فى كل آل إبراهيم لأنهم كانوا يتزوجون من أقاربهم من الدرجة الأولى ، فسارة كانت أختا لإبراهيم غير شقيقة ، وإسحاق تزوج قريبته «رفقة» ، ويعقوب تزوج بنتيّ خاله «ليئة وراحيل» ، بينما تزوّج إسماعيل من «الأباعد» فكثر نسله جدا! والغريب أن استقطاب الأبناء كان خلّة فى آل إبراهيم ، فإسحاق أحبّ ابنه عيسو لشخصيته ورجولته ، وأحبت رفقة ابنها يعقوب لضعفه وأنوثته (تكوين ٢٥ / ٢٨). ، وأحب يعقوب ابنه يوسف لحداثته وذكائه. ويبدو أن حبّ إسحاق لعيسو كان تعويضا عن عقدته نحو أبيه ، فقد اتصف إسحق بالخضوع لأبيه (تكوين ٢٢ / ٦ ـ ٩) وبالمحبة لأمه وزوجته (تكوين ٢٤ / ٦٧) ، وأما عيسو فكان متمردا عصيا ، فأحب إسحق فيه ذلك لأنه نقيضه. ومن غرابة تقليد إسحاق لأبيه أنه لم يقل الحقّ مثله من جهة زوجته خوفا على حياته (تكوين ٢٦ / ٧) فقال إنها أخته!! وفى كتب النصارى يتخذ بولس من إسحاق رمزا للمتحررين من عبودية الناموس ، والذين نالوا الموعد ، فوصفهم بأنهم ولدوا حسب الروح ، واعتبر إسحاق ولد حرا لأنه ابن حرّة ، واعتبر ولادته لذلك ولادة بالروح ومن الروح ، بينما اعتبر إسماعيل ابن الأمة ولد من الجسد ، فالذين تبعوا المسيح تحرروا لذلك وصاروا مثل أولاد إسحاق ـ أولاد روح!

* * *

٩٣١

٧٧٧. قصة هاجر واسماعيل فى التوراة

اسم «هاجر» غير موجود فى القرآن ، والمسلمون على تسمية هاجر باسم «أم إسماعيل» ، والكلام فى هاجر وقصتها فى المراجع العربية من الإسرائيليات ، وفى التوراة أن هاجر جارية مصرية ، فلما اشتد القحط بفلسطين ، وكان الجوع بين أهلها ، ارتحل إبراهيم وأهله إلى مصر ، ورأى فرعون أن امرأته سارة جميلة ، فادّعى إبراهيم أنها ليست امرأته ولكنها أخته ، فضمّها الفرعون إلى بيته وأكرم إبراهيم بسببها ، وأقطعه الأرض يزرعها ، والغنم والبقر والحمير يربيها حتى أثرى جدا ، ووهبه بعض عبيده وإمائه ، ووهب سارة جاريتها هاجر. ثم إن الفرعون اكتشف أن إبراهيم لم يقل له الحقيقة بشأن سارة فطرده من مصر (التكوين ١٢ / ١٠ ـ ٢٠). ولم تكن سارة تلد لإبراهيم ، وصارت عجوزا ، وكانت هاجر صبية ومضت عشر سنوات وهى تخدمها ، فوهبتها لإبراهيم لعلها تلد له الولد ولتكون له زوجة. والتوراة تقول «لتكون له زوجة» ولم تقل «لتكون له سرية» (التكوين / ٣ ١٦) ، ودخل إبراهيم على هاجر فحملت ، فصارت تمتنع على بعض الأعمال بالنظر إلى حملها ، ولم تطقها سارة وغارت منها وحسدتها ، وأذلّتها وأوغرت صدر إبراهيم ضدها ، حتى أن هاجر هربت من ظلمها ، فسمعت فى يقظتها من يكلمها : أن ارجعى ، وستلدين ابنا تسمينه إسماعيل ، وليكثرن نسله تكثيرا حتى لا يحصى لكثرته. وفى المكان الذى جاءها منه الصوت تفجّرت بئرا شربت منها هاجر عند ما ولدت ابنها ، فسمى البئر «بئر الحىّ الرائى» ، والحى الرائى هو الله الذى يبصر ، أبصر حالة هاجر ، وكلم الربّ إبراهيم فقال : إنه يبارك إسماعيل وينمّيه ويلد اثنى عشر رئيسا ويجعله أمة عظيمة. ولما كان إسماعيل ابن ثلاث عشرة ، ختنه إبراهيم وختن نفسه أيضا وعمره وقتها تسع وتسعون سنة. ثم إن سارة حملت وولدت إسحاق ، وفى الطب النفسى : أن العاقر قد تحمل إذا استبدت بها الغيرة من ضرّتها. وبميلاد إسحق استحال الجمع بين سارة وهاجر ، إذ كثرت مظالم سارة لها ، وزادت قسوتها على ابنها إسماعيل. وفى التوراة شىء عجيب ، فإن إبراهيم بكّر فى الغداة فأخذ خبزا وقربة ماء ، فدفعهما إلى هاجر وجعلهما على منكبها ، وأعطاها الصبى وصرفها!!! ومضت هاجر وابنها وتاهت فى برية بئر سبع ، ونفد الماء من القربة ، فوضعت ابنها تحت شجرة ، وجلست غير بعيد منه ، وبكت وارتفع نشيجها ، وبكى ابنها لبكائها ، وسمع ملاك الربّ صوت الغلام يبكى فطمأن هاجر ، وأمرها أن تأخذ بيد ابنها لأن الله جاعله أمة كبيرة ، وكشف عن بصرها ، فرأت بئر ماء ، فمضت وملأت القربة ، وسقت الغلام ، وأقاما ببرية فاران ، واتخذت له زوجة من مصر ـ يعنى من أرض جاشان أو جاسان من مصر (محافظة

٩٣٢

الشرقية الآن). وتقول التوراة بعد ذلك : إن إسماعيل رعا أباه إبراهيم فى شيخوخته ، فلمّا مات دفنه ولداه إسماعيل وإسحاق فى مغارة المكفية. وكان أولاد إسماعيل اثنى عشر ولدا ، وعاش مائة سنة وسبعا وثلاثين ، وكانت مساكنهم من حويلة إلى شور التى تجاه مصر (التكوين ٢٥ / ٩ ـ ١٨).

فهذه قصة هاجر وإسماعيل كما روتها التوراة ، وفيها أن بئر زمزم فى برية بئر سبع من فلسطين ، غير أن فاران فى القصة ـ قيل هى مكة وما حولها ، وفى فاران فعلا كانت مساكن أولاد إسماعيل وليس فى بئر سبع ، واشتغل أولاد إسماعيل بالتجارة وكثروا جدا ، ومنهم من استوطن مصر فى أرض جاشان ، وفى سيناء ، وفى فلسطين حتى سوريا والعراق ، وهؤلاء هم «الإسماعيليون» ، وهم الذين عثروا من بعد على يوسف فى البئر ، واشتروه بدراهم معدودات ، وباعوه لعزيز مصر صاحب جاشان.

* * *

٧٧٨. اسم هاجر يعنى المهجورة

اسم «هاجر» عبرانى ، من الهجرة ، فهاجر يعنى المهاجرة أو أنها المهجورة ، سمّوها كذلك ولم يعطوها اسما كخلق الله ، لأنها عندهم من الأعراب ، أو لأن إبراهيم هجرها بعد أن أولدها إسماعيل ، وأما عند المسلمين فهى «أمّ إسماعيل» ، ويبدو أن الهجر أو الهجرة كتبت على هاجر ، فقد تركت بلادها فى مصر فى أرض جاشان ، وتركها أهلها ، والتحقت فى خدمة سارة ، إلى أن تزوّجها إبراهيم ، وأولدها إسماعيل ، فغارت منها سارة ، وعملت على طردها ، فهجرها زوجها ، فكانت هجرتها للمرة الثانية ولكن إلى مكة ، فكأنها عاشت عمرها كله مهاجرة ومهجورة. ومؤلفو التوراة أطلقوا عليها هذا الاسم تقليلا من شأنها ، وما ينبغى للمسلمين أن يجاروهم عليه ، بل يسمونها «أم إسماعيل» ، وكذلك ينبغى الكفّ عن ترديد أنها جارية ، ففي التوراة أن إبراهيم تزوّجها (التكوين ١٦ / ٣) ، فلما ذا يرددون دائما أنها أمة؟ وأن إسماعيل هو ابن الأمة؟ حتى بولس فى النصرانية ، ميّز بين الأمة والحرّة ، وقال : «فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان ، أحدهما من الأمة ، والآخر من الحرّة ، غير أن الذى من الأمة ولد بقوة الجسد ، وأما الذى من الحرة فبقوة الموعد ، وإنما هو رمز للوصية ، إحداهما من طور سيناء تلد للعبودية ، فهى هاجر ، فإن سيناء هو جبل فى ديار العرب ، ويناسب أورشليم الحالية الحاصلة فى العبودية مع بنيها ، وأما أورشليم العليا فهى حرة ، وهى أمّنا» (غلاطية ٤ / ٢٢ ـ ٢٦) ، ثم يستطرد بولس فيقول ما يندى له الجبين ويخجل منه أى متعلم : «لأنه كتب : افرحى أيتها العاقر التى لم تلد. اهتفى واصرخى أيتها التى لم

٩٣٣

تتمخّض ، لأن أبناء المهجورة أكثر من أبناء ذات البعل» (غلاطية ٤ / ٢٧) ، ثم يقول : «فنحن أيها الإخوة أبناء الموعد (يعنى النصارى) مثل إسحاق ، غير أنه كما كان حينئذ المولود بحسب الجسد يضطهد المولود بحسب الروح ، فكذلك الآن» ، ثم يقول : «ما ذا يقول الكتاب : اطرد الأمة وابنها ، فإن ابن الأمة لا يرث مع ابن الحرة. إذن أيها الأخوة لسنا بنى الأمة بل بنى الحرة ، وهذه هى الحرية التى حررنا بها المسيح» (غلاطية ٤ / ٢٨ ـ ٣١). فهل يفهم المسلمون الآن لما ذا تضطهدنا أمريكا والدول الغربية والعالم المسيحى واليهود؟ فذلك لأننا أبناء الأمة وهم أبناء الحرة ، ولا نصيب لنا فى الميراث ، أى فى الأرض وفى الحياة ، وفيما يصنع الحياة ويؤدى إلى الحياة : العلم ، والتعلّم ، والثقافة ، والحضارة ، والأمر معنا الطرد! فهل هناك سبيل آخر إزاء مثل هذه الكتابات إلا الجهاد؟ وبدون الجهاد فمصيرنا جميعا الطرد ، وإنى لأعجب من هذه الدعوة لتنظيم النسل ، وهى دعوة لتقليل النسل أو منعه بالنسبة للمسلمين ، لتسهيل عملية طردهم ، مع استمرار الإبادة لهم هنا وهناك! ويقابل ذلك فى مصر مثلا : أن النصارى يدعون فى الكنائس إلى تكثير نسلهم ، ليرجح عددهم ، وتنقلب الموازين ، ويصبح المسلمون أقلية ، والحكومة لا تدرى بذلك ، وتشجّع على ضرب المسلمين ، ومنع أى نشاط لهم ، والكنيسة لها كل الأنشطة ، والتبرعات تنهال عليها من الخارج بدون علم الحكومة ، والكنيسة دولة داخل الدولة ، لدرجة أن النصارى كلما أرادوا شيئا ذهبوا للكنيسة لا للدولة ، والكنيسة هى التى تعقد زواجهم ، وتنظر فى مشاكلهم ، وتطلّقهم ، والدولة مسلوبة الإرادة فى هذا العهد المجيد!

* * *

٧٧٩. قصة أم إسماعيل فى مكة

يورد القرآن قصة أهل إبراهيم فى مكة بشكل عادى تماما ، لا يوحى بوجود نزاع عائلى بسبب الضرائر بين أم إسماعيل وأم إسحاق زوجتى إبراهيم ، ويقال فى المثل : «بينهم داء الضرائر» ، أى الحسد ، وكما تقول قصة التوراة فإن سارة غارت من هاجر فخيّرت إبراهيم بينهما ، ولا شىء من ذلك فى القرآن. وفى قصة التوراة أنها كانت قد ولدت إسحاق وكبر إسحاق وصارت بين الولدين منازعات. وفى البخارى عن ابن عباس قال : أول ما اتخذ النساء المنطق ـ يقصد النطاق الذى تشدّ به المرأة وسطها لترفع به ثوبها فلا تعثر فى ذيله ، كان من قبل أم إسماعيل ، اتخذت منطقا لتعفى ـ أى تزيل ، أثرها على سارة ـ يقول ذلك بحسب رواية التوراة أن هاجر خرجت هاربة من وجه سارة الظالمة لا تريدها أن تعرف

٩٣٤

طريقها ، واضطر إبراهيم أن يأخذها وابنها بعيدا عن سارة وحيثما كانت ترعى غنمه ، وبلغ بهما أرض فاران ـ مكة وما حولها ، وهناك عند البيت هيّأ لهما سكنا ، عند دوحة ـ أى شجرة ، فوق مكان زمزم المفترض ، وليس بمكة يومئذ بيت ولا علامة بيت ، وليس بها أحد ، ولا ماء ، فوضعهما هناك ، وابنه ما يزال رضيعا ، ووضع عندهما جرابا فيه تمر ، وسقاء فيه ماء ، ثم عاد إبراهيم أدراجه منطلقا إلى حيث بيته الآخر : بيت سارة ، فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه إنس ولا شىء؟ قالت له ذلك مرارا ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له : أألله أمرك بهذا؟ قال : نعم. قالت : إذا لا يضيعنا! ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه ، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات رافعا يديه ، فقال : (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (٣٧) (إبراهيم). وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد فى السقاء عطشت ، وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها ، فقامت عليه واستقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا ، فلم تر أحدا ، فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت الوادى رفعت طرف درعها ثم سعت سعى الإنسان المجهود ، ثم جاوزت الوادى ، ثم أتت المروة فقامت عليه ، فنظرت هل ترى أحدا ، وفعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس : قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فذلك سعى الناس بينهما». فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فإذا بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه بيديها وتغرف منه فى سقائها ، وهو يفور بعد ما تغرف. والماء مقام الغذاء ، وزمزم هو الماء بين المالح والعذب ، فإذا تواجد الماء تأسّس الحال وتمهّد المقام ، وخطّ الموضع للبيت المكرّم ، وللبلد المحرّم. وماء زمزم اجتزأ به أبو ذرّ ثلاثين يوما وليلة ما كان له طعام سواه ، قال : «فسمنت حتى تكسرت عكنى» أى صارت له ثنيات فى بطنه. وفى الحديث : «ماء زمزم لما شرب له. إن شربته تشتفى به ، شفاك الله. وإن شربته لشبعك ، أشبعك الله به. وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله». وقول إبراهيم «ومن ذريتى» ، «من» للتبعيض ، أى أسكنت بعض ذريتى ، يعنى إسماعيل وأمه ، لأن إسحاق كان بالشام. «وعند بيتك المحرّم» يدل على أن البيت كان أقدم من إبراهيم ، فلم يكن إبراهيم بانيه ولكنه جدّده ، ولو كان هو الذى بناه لنسبه إلى نفسه ، ولكنه نسبه إلى الله ، فنعلم أن البيت لله ولم يكن لإبراهيم ، وأنه «محرّم» ، يعنى له حرمة وقدسية تختص به وليس كغيره من بيوت الله. «وليقيموا الصلاة» ، خصّها

٩٣٥

لفضلها ولأنها أساس الإسلام ، والصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها ، وفى الحديث : «صلاة فى مسجدى هذا (مسجد المدينة) أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام. وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة». وقوله : (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) ، يعنى يهوون السكنى بمكة ، وقال : «من الناس» ولم يقل «الناس» ، ولو قال «الناس» لازدحم على البيت كل الناس من كافة الأرجاء ، ولكنه قال : «من الناس» أى بعضهم ـ وهم الحجيج والمعتمرون والزوّار ، وقال : «وارزقهم من الثمرات» ، فاستجاب الله له ، وأنبت لهم بالطائف سائر الأشجار ، وجلبت إليهم الثمار من كافة الأمصار ، وكانت قبائل جرهم أول من سكن مكة لمّا اكتشفوا زمزم ، واستقلبتهم أم إسماعيل ونزلوا إلى جوارها بأهلهم ، وشبّ إسماعيل وسط هؤلاء إلى أن شارك أباه بناء الكعبة والبيت ، ثم إن أم إسماعيل توفيت فدفنها ابنها بالحجر فى البيت ، ولمّا مات دفن معها.

* * *

قصة النبىّ لوط

٧٨٠. لوط فى التوراة والقرآن

يشتمل سفر التكوين من أسفار موسى الخمسة على قصة لوط ، ويتناول دراسة القصة فى التوراة والقرآن المستشرقون : كينيستلينجر ، وجايجر ، وجرينباوم ، وهوروفتس ، وووكر ، والإجماع بينهم على : أن القرآن أخذ القصة عن التوراة ، ولكنهم جميعا لا يهتمون بالفارق بين القصتين ، وشخصية لوط فيهما ، بقدر اهتمامهم بتأويلات المفسرين المسلمين من أمثال ابن الأثير ، وهى تأويلات كلها بتأثير الإسرائيليات وتكثر بها أسماء للمدن والأماكن ما أنزل الله بها من سلطان ، وأصلها الميثولوجيا الدينية اليهودية ، وليست من القرآن فى شىء. وملخص قصة لوط فى التوراة : أن لوطا كان ابن أخى إبراهيم ، وعلى ملّته ، وكان يسكن سدوم القريبة من بلوط ممرا حيث خيام إبراهيم وملؤه ، وأن ثلاثة ملائكة (التكوين ١٨ / ٢) مرّوا على إبراهيم ينبئونه بسوء مآل سدوم ، بعد أن كثرت خطيئة أهلها وعظمت ، ويحاول إبراهيم أن يثنيهم عن خراب المدينة فيرفضون ، ويولون فى طريقهم ، غير أن من يصل سدوم من الثلاثة يكون ملكين اثنين فقط (التكوين ١٩ / ١) ، ويعلم أهل البلد بخبر هذين الغريبين ، فلما كانوا يأتون الرجال فقد ازدحموا على بيت لوط يطالبون بالغريبين ليفعلوا بهما الفاحشة ، ويعرض لوط عليهم الزواج من ابنتيه فيرفضون ، ويعيّرونه بأنه غريب فى ديارهم ويتحكم فيهم ، ويحاولون كسر الباب ، إلى أن طلع الفجر فأخذ لوط امرأته وابنتيه

٩٣٦

وترك أصهاره وبناته المتزوجات وبنيه الذين شاركوا الأهالى فى عصيانهم ، وكانت امرأته سدومية ، فعصت أمر الملكين والتفتت وراءها فصارت نصب ملح ، وحاول لوط أن يتملص من أوامر الملكين ولا يذهب إلى الجبل فأنزلاه صوغر ، وهى مدينة قريبة ، وقلب الملكان سدوم وعمورة وأمطراهما الكبريت والنار. وصعد لوط من صوغر إلى الجبل هو وابنتاه ، فقالتا إنه قد قدر عليهما أن لا يعرفا الرجال ، وأن لا يكون لهما نسل ، فأسكرا أباهما وضاجعاه دون علمه ، وأنجبا منه موآب ونعمىّ ، فهما أصل الموآبيين والعمّونيين. فهذه قصة لوط فى التوراة (التكوين ١٨ ـ ١٩). وفى اللغة العبرية فإن اسم «لوط» يعنى : «السكّير العربيد». والقرآن على عكس ذلك ، قال : (وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (١٣٣) (الصافات) ، أى أنه نبىّ مرسل ، وقال : (آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) (الأنبياء ٧٤) ، أى أنه كان من أهل الحكمة النظرية والعلم بالحقائق ، وقال : (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٧٥) (الأنبياء) ، فضمّه الله تعالى إلى القائمة المباركة من الأنبياء ، وقال فيهم وفيه : (وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ) (٨٦) (الأنعام) ، وكل ذلك فى القرآن بينما جعلته التوراة فى الصورة المقابلة ـ غريبا على أهل سدوم فكرهوه ، وفى المقابل جعله القرآن (أَخُوهُمْ لُوطٌ) (١٦١) (الشعراء) ، وقال فيهم : (وَقَوْمُ لُوطٍ) (٤٣) (الحج) ، فنسبهم إليه وقال إنه لهم : (رَسُولٌ أَمِينٌ) (١٦٢) (الشعراء). ولما دعا إبراهيم قومه إلى الإيمان رفضه قومه ، (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) (العنكبوت ٢٦). وكانت قضية لوط مع قومه أنه وآله : (أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (٨٢) (الأعراف) ، فلم يكونوا يأتون الذكران ، ولم يكن رجالهم يلتاطون الرجال ، ولا نساؤهم يلتطن النساء ، لأنه إذا تعذّر على النساء أن يكون لهن رجال انحرفن فأتين الفاحشة مع النساء ، فقال لهم لوط : (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (٨١) (الأعراف). واللواط الذى هو تهمتهم قال فيه لوط مؤرخا لهذا المرض النفسى : (أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) (٨٠) (الأعراف). ونلاحظ أن القرآن رغم أن لوطا اسم أعجمى ، فإنه صرفه ، ولذلك حاول المسلمون التعريف بالاسم وكأنه اسم عربى ، فقالوا إنه من «لاط» ، أى ملس ولصق ، وهذا غلط لأن اسم لوط أعجمى فعلا ، مثل اسم إسحق ، قالوا عن هذا الأخير إنه من السّحق بمعنى البعد ، ومع ذلك لم يصرفوه مثل صرفهم لاسم لوط ، والصحيح أن اسم لوط صرف فى القرآن لخفته ، لأنه على ثلاثة أحرف ، شأنه شأن اسم نوح.

ومدينة لوط أو قريته لم ترد فى القرآن ، وأوردتها التوراة ، فكان أن علماء العربية قالوا فى مرض قوم لوط النفسى أنه «اللواط» ، نسبة إلى قوم لوط ، والمفرد من هؤلاء اسمه

٩٣٧

لوطى ، وأما علماء الغرب فنسبوه إلى مدينة من مدن قوم لوط ، هى سدوم Sodom ، وكانت على بحر لوط ، أى البحر الميت ، والاسم كنعانى وليس عبريا ، وقالوا فى اسم هذا المرض أنه sodomy ، واللوطى هوsodomite ، وأما الاسم العلمى لهذا المرض فهوhomosexuality ، أى الجنسية المثلية ، يعنى الذكر يجامع الذكر مثله ، وأسمّيه «جماع الذكران» ، ونظيره الجنسية المثلية الأنثويةfemale homosecuality ، تكون بين الإناث بعضهن البعض ، فتضاجع الأنثى الأنثى ، فذلك هو الجماع الأنثوى female coitus ، ويسمى أحيانا باسم السحاق ، من مساحقة الأنثى بعضوها التناسلى للأنثى الأخرى ، وهو فى التسمية الغربيةlesbianism ، نسبة للبلدة أو الجزيرة من اليونان وكان اسمها لسبوس ، أوSaphism نسبة إلى سافو ، وهو اسم المرأة التى اشتهرت به ، وكانت تفعله مع النساء من حاشيتها. وحكم هذا المرض فى الشرع قوله تعالى فى لواط الذكور : (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) (النساء ١٦) ، وقوله فى لواط الإناث : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) (١٥) (النساء) ، ونلاحظ فى هذه الآية الأخيرة أن الكلام عن النساء اللاتى بهن هذا المرض فى صيغة الجمع ، لأنه فى النساء يمارسنه عادة جماعات ، ونادرا ما يكون اثنينيا ، وهذه ملحوظة علمية لم يعرفها قديما حتى علماء الطب النفسى. وقد أخطأ الفقهاء الذين أفتوا بأن اللواط زنا ، ويسرى عليه ما يسرى على الزناة من العقاب ، وبالغ هؤلاء فنسبوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم الحديث : «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول» ، يريدون أن عقابه هو عقاب قوم لوط ـ القتل ـ والقتل ليس العقاب المنصوص عليه فى القرآن فى سورة النساء ، الآيتين (١٥ ، ١٦) ، ورووا عن أبى بكر أنه أحرق لوطيا يدعى الفجاءة ، وأن عليا أمر بذلك أيضا ، يعنى أنهما طبّقا نصّ عقاب قوم لوط وهو التحريق ، غير أن العقلاء قالوا : عقوبة الزنا معلومة ، فلما كانت هذه المعصية غيرها وجب ألّا تشاركها معصية أخرى فى الحدّ ، وفى الحديث : «من وضع حدا فى غير حدّ فقد تعدّى وظلم». ولم يعاقب الله قوم لوط العقاب الجماعى إلا لأن إتيانهم اللواط كان جماعيا ، ووصف القرآن ذلك فقال إنهم أسرفوا فى هذا الشذوذ ، فغيّروا فى فطرة الله ، ومثل عملهم هذا من شأنه ألّا يكون هناك إنجاب فتخرب الأرض بعد عمران ، فاستحقوا لذلك ما نزل بهم من عقاب قال : (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (٨٤) (الأعراف) ، وقال : (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ) (هود). ولنلاحظ فى قصة لوط تحريفات

٩٣٨

التوراة ، فقد جعل الملائكة أول مرة ثلاثة ، ثم جعلهم اثنين ، بينما القرآن تحدّث عنهم فى كل السور التى أورد بها قصة لوط بصيغة الجمع قال : (فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ) (٦١) (الحجر) ، والجمع يكون للثلاثة فما فوق. وكان القرآن فى قمة البلاغة ولم يسرد القصة سردا كالتوراة ، فقال فى الأمر الصادر إلى لوط : (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ) (٦٥) (الحجر) ، وقال : (وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) (٦٦) (الحجر). وشخصية لوط تنبئ عن ملامح عظيمة بقوله للملائكة : (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (٦٢) (الحجر ٦٢) ، وبقوله لأهل سدوم يبعدهم عن الملائكة : (إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ) (٦٩) (الحجر) ، فلما قالوا له : (أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ) (٧٠) (الحجر) ، يعنى عن أن تضيف أحدا من الغرباء وتمنعنا عن أن نقصدهم بالفحشاء ، قال : (هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) (٧١) (الحجر) ، ويخطئ المفسرون الذين قالوا إنه يقصد بناته على الحقيقة ، ولعمرى ما ذا يقصد بذلك لوط إذا كان قولهم صحيحا؟ ولا يمكن أن يعنى السياق «هؤلاء بناتى فتزوجوهن» كما يقول المفسرون ، فالموقف لا يقتضى مثل ذلك ، وإنما المقصود من «بناتى» : كلّ بنات أهل المدينة ، ينهاهم بهذا القول عن إتيان الذكران ويطلب إليهم «أن يتزوجوا النساء كخلق الله الأسوياء» ، وينبّههم إلى مزالق عزوفهم عن الزواج ، فذلك ما جعلهم ينحرفون ، والدليل على أنه يقصد بقوله «بناتى» بنات المدينة ، أن بناتى جمع ، ولم يكن عند لوط بنات بالجمع فى سن الزواج بل هما ابنتان لا غير! والقرآن والتوراة مختلفان فى هذه الجزئية ، فالتوراة كما سبق : تجعل له بنات وأزواج بنات وبنين ، ويعرض لوط فى التوراة على قومه بناته فعلا ليفعلوا بهن الفحشاء بدلا من ضيفيه ، وليس ذلك فى القرآن ، والمعنى فى آياته مختلف تماما. ولقد كان إتيان الذكران عند لوط فضيحة وعملا مخزيا شائنا ، مثله مثل الزنا. ومنذ البداية توجّس لوط الشرّ لما جاءه الملائكة ، كقوله تعالى : (سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) (٧٧) (هود) ، لأنه توقع أن يضايقهم قومه ويحاولون غوايتهم. والزواج فى عرف لوط أطهر من هذا الشذوذ ، قال : (هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) (هود) ، وكان فى غاية «الهمّ» الذى يحكى عنه «أهل الفلسفة» عند ما قال : (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) (٧٨) (هود) ، وعانى أشد المعاناة من حصرanxiety (القلق والهمّ) كالذى يعانيه المستضعفون ممن لا حول لهم ولا قوة إلا بالله : قال : (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) (٨٠) (هود) وتلك لعمرى أروع عبارة على جهة الاستكانة والتفجّع والتسليم لله ، فاستوجبت تدخل السماء ، وأن يأتيهم الدمار لمن يلتفت خلفه ، فأطاعوا جميعا إلا امرأته ، قال الله تعالى فيها

٩٣٩

يأتيهم الدمار لمن يلتفت خلفه ، فأطاعوا جميعا إلا امرأته ، قال الله تعالى فيها وفى امرأة نوح : (كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (١٠) (التحريم) ، والخيانة أنهما لم تطيعا زوجيهما ، وكانتا مشركتين ومنافقتين ، وأفشت امرأة لوط أمر الملائكة الأضياف إلى قومها فأسرعوا إلى بيت لوط. والدرس المستفاد مما جرى لا مرأة لوط : أن العذاب لا تدفعه الوسيلة ولا شفاعة زوجها وهو نبىّ ، وإنما تدفعه الطاعة ، وقال تعالى فى لوط : (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٧٥) (الأنبياء) لأنه أطاع ، وقال : (فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) (١٧٣) (الشعراء). ومن مفردات لوط التى تميز بها خطابه كلمات مثل : «تجهلون» ، و «القالون» ، و «مهاجر إلى ربّى» ، فى قوله : (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (٥٥) (النمل) ، وقوله : (إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ) (١٦٨) (الشعراء) ، وقوله : (إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٢٦) (العنكبوت). ومن دعائه المأثور : (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) (٣٠) (العنكبوت) ، وقوله : (رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ) (١٦٩) (الشعراء). وتختتم القصة القرآنية بخاتمة عيانية للوعظ والتفكّر والتدبّر : (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (١٣٨) (الصافات) ، فقد كانت آثار مدينتى سدوم وعامورة ما تزال موجودة فى مكانيهما حتى زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

ومما قاله المستشرقون ينتقدون قصة لوط فى القرآن واستطالتها فى زعمهم ، مقارنة بالقصة فى التوراة ، أن محمدا أراد بها وبغيرها ، أن يجعل العرب يتعظون ويخافون أن يحدث لهم مثلما حدث لتلك الأقوام ، إذا هم استمروا يكذّبونه ، والغريب أن مستشرقا مثل كينيستلينجر رأى فى قصة لوط تأثيرا مسيحيا!! فأين ذلك؟ ولا شىء من المسيحية فى أى من الأناجيل أو غيرها يشبه قصة لوط فى القرآن! وربما كان نقد المستشرقين اليهود لطول قصة القرآن ، لأن القصة كما وردت به تكشف زيف التوراة وخسّة القيم التى حاولوا إلصاقها بلوط ، والكذب فى تفاصيل حياته. ولكنها ترهات المستشرقين وحقدهم وحسدهم! وأين القصة بحذافيرها وتعبيراتها فى القرآن من سرد التوراة! وأين عظاتها ودروسها المستفادة وتعبيراتها التى ذهبت أمثالا من عبارات التوراة المرسلة؟! كقوله تعالى : (هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) (٧٧) (هود ٧٧) ، وهى عبارة ذهبت مثلا ، وقوله : (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) (٨١) (هود) ، وهى عبارة أخرى مشحونة بالمعانى والانفعالات والمشاعر والأفكار ، توجزها جميعا فى بضع كلمات ، فكانت بمعايير أهل الآداب قمة من قمم البيان.

* * *

٩٤٠

٧٨١. قصة قوم لوط برواية الملائكة

يأتى عن قصتهم بإيجاز شديد لا يخل بالقصة ولا ينتقص من شخوصها ، أن سألهم إبراهيم : (فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ) (٣١) ، وأجابوه : (قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ) (٣٧) (الذاريات) ، وفى هذه العجالة أخبر الملائكة عن قوم لوط أنهم قوم مجرمون ومسرفون ، فعلوا ما يجرّمون عليه وهو اللواط ، وأسرفوا فى ذلك حتى لم يكن منهم من أحد إلا ويأتى هذا الجرم ، فكان أن قضى بأن يرجموا بالحجارة رجما ، وكانت حجارة من طين ، لوّحتها الشمس وجففتها وصيّرتها صلبة كالحجارة ، وكل حجر منها له من يستحقه بأمر الله ، وكأنها حجارة معلّمة منه تعالى ، ومخصوصة بكل واحد منهم ، وقوله حجارة من طين ليعلم أنها ليست بردا يتنزّل من السماء كأنه الحجارة ، وكان على الملائكة قبل أن تبدأ عملية الرجم أن يستعرضوا المستحقين ، فبحثوا فى البيوت عن المؤمنين ، فلم يجدوا إلا بيتا واحدا من المسلمين ـ يعنى لوطا وبنتيه ، فطمأنوه : (وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) (٣٤) (العنكبوت) ، ثم كان الرجم ، حتى تمام هلاك أهل القرية ودمار بيوتها ، ولم يتركها المرسلون إلا بعد أن جعلوها عبرة وعلامة لأهل ذلك الزمان ومن جاء بعدهم ، قالوا : (وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ) (٣٧) (الذاريات) ، كقوله : (وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (٣٥) (العنكبوت).

* * *

٧٨٢. موجز قصة لوط

الموجز : هو الكلام القليل البليغ ، السريع الوصول إلى الفهم ، وقصة لوط تلخصها هذه الآية وقد استوفت جلّ أحداثها ، يقول تعالى : (وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ) (٥٨) (النمل).

* * *

٧٨٣. المؤتفكة والمؤتفكات : قرى قوم لوط

يقال مؤتفكة ، أو مؤتفكات : يعنى الأرض تؤتفك بأصحابها ، أى تنقلب ويصير عاليها سافلها ؛ ويقال : أفكته أى قلبته وصرفته ، والمؤتفكات : هى القرى المدمّرة الهالكة ، قيل :

٩٤١

فهى مدائن قوم لوط ، كقوله تعالى : (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى) (٥٤) (النجم) ، وقوله : (وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) (التوبة ٧٠) ، وقوله : (وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً) (١٠) (الحاقة) ، فلما أدمن قوم لوط الفاحشة ، غضب عليهم ربّهم ، فأرسل رسله إليهم بالعذاب ؛ وقيل رفع جبريل قراهم أو مدائنهم وأهوى بها إلى الأرض ، أى خسف بها ، وغشتها الحجارة ، كقوله : (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) (٧٤) (الحجر) ، قيل هى خمس قرى ، أسماؤها : صبعة ، وصعرة ، وعامورة أو عمرة ، وسدوم ؛ وسدوم هى أكبرها ، ودمرت جميعها (بِالْخاطِئَةِ) (٩) (الحاقة) ، أى بفعلة أهلها الخاطئة ، وهى اللواط أو إتيان الذكران. ورسل المؤتفكات : قيل هم رسل كثيرون بعثهم الله إلى كل قرية خاطئة ، فلم يقل رسولا بل قال رسلا ؛ قيل : القرى التى أرسل إليها هى ثلاث قرى ، ورسلهم ثلاثة رسل. وقيل : بل هو رسول واحد هو لوط وإنما عبّر عنه بصيغة الجمع.

* * *

٧٨٤. قصة امرأة لوط

لوط هو ابن حاران شقيق إبراهيم ، ولمّا رحل عمه من بلاد ما بين النهرين إلى كنعان رافقه لوط (تكوين ١١ / ٣١) ، وسكن لوط أرض سدوم وعمورة ، ولم يكن قد تزوج مثل عمه قبل الارتحال. وفى سدوم وعمورة تزوج من أهلها ، وأنجب ابنتين صارتا شابتين على أهبة الزواج. ولم تكن امرأة لوط على وفاق مع زوجها ، فقد كان من المتطهّرين ، ولم تكن هى كذلك ، وظلت على دين أهلها ، وفيها وفى امرأة نوح قال الله تعالى : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (١٠) (التحريم). وليس معنى الخيانة أنهما كانتا تبغيان ، وإنما كانت امرأة نوح تسخر منه ومن ديانته ، وتبلّغ قومها بالوحى كلما جاءه ، وأما امرأة لوط فكانت تخبر قومها بأضيافه ، فيهرعون إليه ليعملوا بهم السيئات ، فلما أبلغ بأمر الله أن يسرى بأهله بعد جنح الليل ، أمرهم أن لا يلتفت منهم أحد ، وخالفت امرأته الأمر ، فأصابها ما أصاب قومها ، واحترقت سدوم وعمورة ، وجعل الله عاليها سافلها (وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (هود) ، والسّجيل هو الطين ، كقوله

٩٤٢

تعالى : (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ) (٣٣) (الذاريات) ، ونجّى الله لوطا وأهله ، إلا امرأته فكانت من الغابرين ، كقوله تعالى : (وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) (العنكبوت) ، أى من القوم المقضى عليهم ، فأخذتهم الصيحة مشرقين ـ أى وقت الشروق ، فكانت بداية الهلاك ، ثم أمطرت السماء بالعذاب. وفى التوراة أن امرأة لوط لمّا التفتت وراءها تحولت إلى نصب ملح (التكوين ١٩ / ٢٦). والدرس المستفاد : أنه لا شفاعة عند الله فى أحد مهما علت درجة الشفيع ، وزادت قرابة المشفّع فيه ، وأن ليس لكل إنسان إلا ما سعى.

* * *

٧٨٦. قصة الأسباط الاثنى عشر

قسّم الله تعالى بنى إسرائيل أسباطا ، قال : (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ) (الأعراف) ، وتقسيمه لهم ليكون أمر كل سبط معروفا من جهة رئيسهم ، فيخفف الأمر على موسى ، ونظيره قوله : (وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) (المائدة ١٢). والسبط : هو الفرقة ، والأمم نعت للأسباط ، باعتبار أن كل سبط هو فرقة قائمة بذاتها كالأمة. وكلمة أسباط اصطلاح خاص بأولاد يعقوب الذى هو إسرائيل ، ومفرده فى العبرية شبط ، وفى العربية سبط ، والجمع أسباط ، وأسباط إسرائيل يعنى أحفاد إبراهيم من ابنه يعقوب (إسرائيل) ، حيث السبط هو ابن الابن ، وكانوا اثنى عشر ابنا ، فأسقطوا يوسف وضمّوا إليهم ولديه : أفرايم ومنسّى ، وأسقطوا سبط لاوى لأنهم كهنة ، فيكون عدد الأسباط اثنى عشر أيضا (تكوين ٤٩) ، فلما دخلوا كنعان قسّموها اثنى عشر قسما ، وكان الأسباط كالفرق لأنهم كانوا مستقلين عن بعضهم البعض ، ويتعاهدون معا (قضاة ١ / ٣ ، وأخبار ٤ / ٤٢ ، و ٤٣ ، و ٥ / ١٠ و ١٨ ـ ٢٢) وبقى الأسباط متحدين حتى مات سليمان ، فحدثت بينهم مشاحنات ، فتخاصم يهوذا وأفرايم ، وانقسمت المملكة قسمين : مملكة إسرائيل ، ومملكة يهوذا ، وإلى هذه المملكة الأخيرة ينتسب اليهود ، واكتسبوا اسم اليهودية منها. وكان المسيح يهودى التفكير وهو يجعل رسله اثنى عشر رسولا ، وكذلك تأثّر الشيعة بالتفكير اليهودى ، وجعلوا فرقهم اثنتى عشرة فرقة ، أعلاهم الشيعة الاثنا عشرية. واسم أسباط إسرائيل بحسب الترتيب الأبجدى : أشير ، و «أفرايم» ، وبنيامين ، وجاد ، ودان ، ورأوبين ، وزبولون ، وشمعون ، ومنسّى ، ونفتالى ، ويساكر ، ويهوذا. فأما «أشير» : فمعنى اسمه «سعيد» ، وكان فى ميلاده سعيدا ، وناجحا فى حياته ، غير أنه كان منهزما فى الحروب ، وانفصل عن الدولة ، وأخذ قومه فى السبى إلى آشور ، ومن نسله النبيّة حنّة ؛ «وأفرايم» : ويعنى الاسم

٩٤٣

«المبروك» ، وكان يشوع من سبط أفرايم ، وكذلك صموئيل ويربعام ، وهزموا وأسروا إلى آشور ؛ و «بنيامين» : يعنى «الأصغر» ، وكان أصغر الأسباط ، واحتال بقية اليهود على سبط بنيامين ، حتى كادوا يفنون ؛ و «جاد» : ومعنى الاسم «الجميل» ، وأولاده صادقوا داود ، وكانوا بيت موسيقى ؛ و «دان» : ومعناه «القاضى» ، ومن هذا السبط كان شمشون ، وكانوا يتّسمون بالدهاء والحيلة ؛ و «رأوبين» : بمعنى «الابن الأثير» ، وكان هذا السبط كثيرى العدد ، ولكنهم هزموا وأسروا إلى آشور ؛ و «زبولون» : ومعناه «المطمئن» ، وكان هذا السبط ضد الأنبياء ، وخالطوا الأغراب ، ومن بلادهم مدينة بيت لحم ؛ وأما «شمعون» : فمعنى الاسم «السّماع» ، وله حادثة ضد الشكيميين تدل على الخسّة والغدر ، واستولى يهوذا على معظم إقليمه ؛ و «لاوى» : ومعناه «المصاحب» ، ولعنه أبوه ، ومن سبطه الكهنة والقضاة والموسيقيون ؛ ومن الكتب اليهودية سفر اللاويين أى الأحبار ؛ و «منسّى» ، ومعناه «الذى لا ينسى» وامتزج سبطه بالأهالى ، وكانوا أول من أسر ونقل إلى آشور ؛ و «نفتالى» : ويعنى «القوى» ، وفى إقليمه ظهر المسيح ؛ وأما «يساكر» : فيعنى «الأجير» ، وكان هذا السبط من الفلاحين ، وكانت تغزوه القبائل ؛ و «يهوذا» : ومعنى الاسم «حامد» ، وسبطه من أبرز الأسباط ، وكانوا فى نزاع دائم مع سبط أفرايم ، وكوّنوا دولة يهوذا ، وإليهم ينتسب اليهود.

وفى القرآن أن الأسباط لم يكونوا هودا ولا نصارى : (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى) (البقرة ١٤٠) ، فالأسباط ـ وهم أولاد يعقوب ، ما كانت اليهودية ولا النصرانية فى عهدهم ، وإنما كانتا بعد ذلك ، وفى تقدير أهل العلم أنه بين دخول العبرانيين إلى مصر مع يعقوب ، وخروجهم منها مع موسى : أربعمائة وثلاثون سنة ، وخلال تلك المدة لم يكن الأسباط على الديانة الموسوية ، فلم يكونوا يهودا بعد وإنما عبرانيون فقط ، وهو ما أكدته الآية القرآنية. وفى القرآن أيضا : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى) (البقرة ١٣٦) ، فكأن الأسباط كان منهم أنبياء يتنزّل عليهم ، وفى التوراة من هؤلاء الأنبياء : يشوع بن سيراخ ، وأشعياء ، وإرميا ، وباروك ، وحزقيال ، ودانيال ، وهوشع ، ويوئيل ، وعاموس ، وعوبديا ، ويونان ، وميخا ، ونحوم ، وحبقوق ، وصفنيا ، وحجّاى ، وزكريا ، وملاخى ، وأيوب ، وعزرا ، ونحميا ، وطوبيا ، ويهوديت ، وراعوت ، ويشوع ، وداود ، وسليمان ، فهؤلاء الثمانية والعشرون نبيّا هم الذين يؤمن المسلمون بما أنزل عليهم من الأسباط ، يعنى أن كل أسفار العهد القديم يؤمنون بها إلا ما أصابه منها التحريف فيدعو إلى شر أو معصية أو عنف ، أو يخلو من الدعوة إلى الله وتوحيده وتقواه ، أو يمجّد الإسرائيليين على غيرهم من الأمم وينشر بينهم العنصرية والاستعلاء واعتزال الشعوب.

* * *

٩٤٤

٧٨٦. الأسباط عربية أم عبرية؟

يقول المستشرق هوروفتس : إن كلمة سبط فى القرآن : (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً) (الأعراف ١٦٠) مأخوذة من العبرية «شبط» ، والصحيح أن الكلمة العربية هى الأقرب للمعنى المقصود من الكلمة العبرية ، لأن الكلمة العربية تعنى التتابع والتسلسل ، بينما الكلمة العبرية تعنى «العصا». وفى العربية السبط هو الشجر ، ولذلك قيل عن الأحفاد أنهم أسباط بمعنى فروع العائلة ، أو شجرة العائلة ، غير أن ارتباط الأسباط فى العبرية والعربية بيعقوب جعل المستشرقين يقولون إن الكلمة عبرية ، طالما أن ارتباطها بيعقوب كان الأسبق فى العبرية عنه فى العربية. وفى كل اللغات ذات الأصول المشتركة كالسامية ، فإن الكلمات المشتركة بينها تكثر وخاصة فى مجالات كمجال العائلات وأصولها وفروعها ، والتشابه فى اللغتين العبرية والعربية ليس سرقة ولكنه توافق. وينتقد المستشرقون وخاصة هوروفتس وجايجر على القرآن أنه جعل الأسباط أنبياء ، وقالوا إن محمدا أخطأ ، فمن المعروف أن الأسباط انتهوا إلى التشاحن والتباغض ، فكانوا سببا فى سقوط مملكة إسرائيل ودمار يهوذا ، إلا أن القرآن فى قوله : (وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ) (البقرة ١٣٦) كان على الصواب ، لأنه من الأسباط أحصت التوراة ٢٨ نبيا ، كداود ، وسليمان ، ويشوع ، ونحميا ، وعزرا ، وإرميا ، وحزقيال ... إلخ ، فهؤلاء هم المقصودون بالقرآن ، فما كان هناك نبى من أنبياء بنى إسرائيل إلا وينحدر من الأسباط ، حتى عيسى ابن مريم كان منهم ، وفى ذلك قال ابن عباس : كل الأنبياء من بنى إسرائيل إلا عشرة : نوحا ، وشعيبا ، وهودا ، وصالحا ، ولوطا ، وإبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، وإسماعيل ، ومحمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يكن أحد له اسمان إلا عيسى ويعقوب ، وأما محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم فكانت اسماؤه ستة.

* * *

قصة النبىّ يعقوب

٧٨٧. أصل تسمية يعقوب بإسرائيل

لا يأتى عن «إسرائيل» فى القرآن إلا مرتين ، فى حين يأتى عن «بنى إسرائيل» إحدى وأربعين مرة ، وبنو إسرائيل هم أولاد إسرائيل وذريته ممن صار اسمهم من بعد ذلك اليهود. والساميون ، سواء كانوا عربا أو عبرانيين ، ينسبون إلى الجد الأكبر للجماعة ، فيقال بنو إسماعيل ، وبنو قينقاع ، وبنو قريظة ، وبنو النضير. وإسرائيل هو الجد الأكبر للإسرائيليين ، وكان اسمه يعقوب لأنه أتى بعقب أخيه عيسو ، أو قابضا على عقبه ، فقد كانا توأمين ، وولد عيسو أولا ثم يعقوب : وأم عيسو ويعقوب كانت رفقه بنت بتوئيل الآرامي ، من فدّان أرام ، وأخوها لابان الآرامي ، وتزوج يعقوب ابنتى خاله لابان الآرامي : ليئة ، وراحيل

٩٤٥

(التكوين ٢٥ / ٢ ـ ٢٦ ، ٢٧ / ٢٦ ، ٢٩ / ٢٣ ـ ٢٨). وأما عن تغيير اسمه من يعقوب إلى إسرائيل : فإنه كما تقول الرواية التقى برجل صارعه حتى الفجر ، ولمّا رأى الرجل أنه لا يقدر عليه أمسكه من حقّ وركه حتى خلعه ، لكى يتركه قبل الفجر ، ولكن يعقوب رفض إلا أن يباركه الرجل أولا ، وسأله الرجل عن اسمه ، فقال يعقوب ، فقال : «لا يكون اسمك بعد اليوم يعقوب بل إسرائيل» ؛ وقيل فى معنى إسرائيل كما ورد على لسان الرجل : «إذا رؤست عند الله فعلى الناس أيضا تستظهر» ، وقوله : «رؤست» لأن يعقوب كان المنتصر على الرجل ، و «تستظهر» يعنى تصبح ظاهرا ورئيسا. غير أن إسرائيل فى العبرية من أسير وإيل ، والأسير هو العبد ، وإيل هو الله ، فكأن الاسم الجديد هو «عبد الله» وليس كما يقولون : الذى أسرى بليل إلى الله ، أو الذى صارع الله بليل ، بدعوى أن الرجل الذى صارعه كان هو «الله» ، والموضع الذى صارعه فيه أسماه يعقوب فنوئيل ، وقال فى معناه «إنى رأيت الله وجها لوجه» ، والمستفاد أنه كان يصارع الله!! وأنه صرعه!! لو لا أن الله ، لكى يتركه ، أعطب له وركه عند المكان الذى يقال له عرق النّسا ، فأصابه الوجع منه بقية حياته. وتسجل التوراة ـ مجرد تسجيل ـ هذا المرض عند إسرائيل ، ولكن القرآن يروى حكاية أبعد من ذلك ، وينفرد بها ، ويربط بين الإصابة بعرق النساءnervous ischiadicus وبين عزوف إسرائيل أو يعقوب أو يأكل أى طعام فيه عروف sinews ، حتى جاء التشريع اليهودى بتحريم أكل العروق ضمن ما حرّم من الطعام ، ولم يذكر سبب هذا التحريم ، حتى نزل القرآن وشرح ذلك فصار مرجعا لليهود فى هذا الأمر ، وأخذوا عن المسلمين هذا التفسير لتحريم العرق من أنواع اللحوم ، وفى الرواية عن ابن عباس : أن يعقوب كان رجلا بطشا قويا ، فلقيه ملك ، فظن يعقوب أنه لص ، فعاجله أن يصرعه ، فغمز الملك فخذ يعقوب ، ثم صعد إلى السماء ، فهاج عليه عرق النّسا ، وعانى من ذلك البلاء الشديد ، فكان لا ينام الليل من الوجع ، ويبيت وله زقاء ـ أى صياح ، فحلف إن شفاه الله ألّا يأكل عرقا ، ولا طعاما فيه عرق ، فحرّمه على نفسه ، فجعل بنوه يتتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها من اللحم. وتلك إذن قصة التحريم فى الآية : (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (٩٤) (آل عمران). ونفهم من الآية أن التحريم كان اجتهادا من يعقوب ، وأن اجتهاده ألزم بنى إسرائيل من بعده ، وعلى عكس ذلك حرّم نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم على نفسه العسل ، أو حرّم أمته مارية ، فلم يقرّ الله تحريمه وعاتبه فقال : (لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ) (التحريم ١) ، وهذا الاستفهام الاستنكارى لا يختص بالمناسبة وحدها ولكنه على العموم ، فلا تحريم إلا ما

٩٤٦

حرّمه الله. ويعقوب لكى يشفى حرّم عليه الأطباء لحوم الإبل وألبانها ، بدعوى أنها تلهب عرق النسا ، فحرّمها بنوه بالتبعية على أنفسهم ، ونسوا السبب الذى به صارت لحوم الإبل وألبانها محرمة عليهم ، فلما سألهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم تحرمونها على أنفسكم؟ ذكروا أن التوراة حرّمتها عليهم ، فكذبوا ، وتحدّاهم القرآن أن يكون ذلك فى التوراة ، وأكد أن هذه مسألة خاصة بإسرائيل ، والتوراة نزلت بعده على موسى. وفى هذا دلالة على أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم موحى إليه من الله ، فقد أخبرهم بما فى كتابهم ، وبما ليس فى كتابهم ، وأنهم بالتحريم كانوا وإسرائيل نبيّهم مبتدعين ، ولم يكونوا متّبعين ، فنبّه القرآن إلى سمة أجناسية وذهنية فيهم ، وهى أنهم كلما أذنبوا ذنبا عظيما حرّموا على أنفسهم طعاما أو استجلبوا عليهم غضبه تعالى ، فذلك قوله تعالى : (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) (النساء ١٦٠) ، وقوله : (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ) (١٤٦) (الأنعام). والآية إذن تحدّ من القرآن فى أصول التحريم عند اليهود. والمستشرقون ، وخاصة هوروفتس ، على القول بأن النّسا كلمة ليست عربية ، وأنها عبرانية من nasche ، مع أن الكلمة عربية خالصة ، والتشابه مع اللفظة العبرانية هو اتفاق فى اللغات التى من أصول عرقية واحدة. والنّسا هو العرق من الورك إلى الكعب ، والجمع أنساء ، والمثنى نسوان ، والمنسو المريض بالنّسا ، ونقول نسى ينسى شكا نساه ، والأنسى عرق فى الساق السفلى ، فالكلمة إذن ليست تعريبا لأصل عبرانى ، والمرض نفسه عرفه العرب ، وكانت للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصفة فى علاجه ، فعن أنس أنه قال : «شفاء عرق النّسا ألية شاة أعرابية ، تذاب ثم تجزّأ ثلاثة أجزاء ، ثم يشرب على الريق فى كل يوم جزء» ، وفى رواية أخرى : «تؤخذ ألية كبش عربى ، لا صغير ولا كبير ، فتقطع صغارا ، فتخرج إهالته فتقسم ثلاثة أقسام ، فى كل يوم على ريق النفس ثلثا».

وإسرائيل من المقصودين بالذكر فى قوله تعالى : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ) (مريم ٤١) ، وبدأ هذا الذكر بإبراهيم ، ونوّه بقصته مع أبيه ، وثنّى بقصة موسى ، ثم بقصة إسماعيل ، وإدريس ، ووصفهم بأنهم أنبياء منعم عليهم من ذرية آدم ، وممن حمل نوح وفى الآية : (وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ) (مريم ٥٨) ، أن ذرية إبراهيم ، هما ولداه : إسماعيل وإسحاق ؛ وأما إسرائيل فكان ابنا لإسحاق ، وذريته هم بنو إسرائيل ، ويذكرهم القرآن إحدى وأربعين مرة ، فأحيانا يثنى عليهم ، وغالبا يتوعدهم ويتهمهم بالكفر ، كقوله تعالى : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ) (المائدة ٧٨) ، وأنذرهم بتدمير بلادهم ودولتهم كلما أفسدوا وطغوا واعتدوا ، قال : (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا

٩٤٧

كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً) (٨) (الإسراء). وبنو إسرائيل الآن أو شعب إسرائيل كانوا فى الأصل اثنى عشر سبطا ، وبدون يوسف يكون عددهم أحد عشر ، وفى الآية : (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) (يوسف ٤) لم يحسب يوسف. والقرآن لا يذكر إسرائيل إلا بالطيّب ، ولا يتحدث عن جوانب عنصرية فيه ، بعكس التوراة. واسم إسرائيل فى التوراة يطلق على كل نسل الأسباط ، وعلى اليهود جميعا كأمة ، ثم على سكان شمال إسرائيل لتمييزها عن سبط يهوذا ، وفى سفر إشعيا (٤٩ / ٣) يشير الاسم إلى «شعب الله» ، وفى الرسالة إلى رومية (٩ / ٦) يميز بولس بين إسرائيل الأرض ، وإسرائيل كشعب الله ، وينوّه بامتياز الشعب (٩ / ٤ و ٥) ، ويفتخر بأنه ليس عبرانيا فحسب ولكنه إسرائيلى (٢ كورونتوس ١١ / ٢٢) ، ويصف المسيح نثنائيل بأنه إسرائيلى قحّ لا غش فيه (يوحنا ١ / ١١). فذلك إذن اسم «إسرائيل» فى القرآن وفى كتب العهد القديم والجديد ، وكانت عناية القرآن بالنواحى الإيمانية فى قصة بنى إسرائيل ، بينما توجّهت عناية كتب العهدين القديم والجديد بالناحية العنصرية ، وبالتفوق العنصرى ، والتفاخر العنصرى ، وشتّان بين المقصدين!

* * *

٧٨٨. يعقوب تزوج الأختين ليا وراحيل

تزوج يعقوب من ابنتى خاله لابان : ليئة أو ليا ، وراحيل أو راشيل ، وكان أول وآخر نبىّ يجمع بين الأختين ويتزوج منهما ، ولم يحل لأحد بعده لقوله تعالى : (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) (النساء ٢٣) وكان زواجه من ليئة أولا ، وتزوجها بحيلة أبيها ، ثم زوّجه خاله ابنته الصغرى راحيل كما أراد يعقوب ، وعمل عنده بصداقهما ، واحتال عليه يعقوب بدوره حتى صار أغنى من خاله ، وأنجب من ليئة ستة بنين ، هم : رأوبين ، وشمعون ، ولاوى ، ويهوذا ، ويساكر ، وزبولون ، وابنة اسمها دينة ، ثم ماتت ليئة بعد ما ذهب يعقوب إلى مصر (تكوين ٤٩ / ٣١). وأما راحيل فأنجب منها يوسف وبنيامين ، وماتت عند ولادة بنيامين (تكوين ٢٩ / ١ ـ ٣٠) ، فهؤلاء ثمانية أولاد من الأختين ، بالإضافة إلى أربعة أولاد آخرين ، اثنين من زلفة أمة ليئة هما دان ونفتالى ، واثنين من بلهة أمة راحيل هما جاد وأشير ، فالمجموع اثنا عشر ولدا ، فهؤلاء هم أولاد يعقوب ، وهم الأسباط ، ويكون

٩٤٨

إخوة يوسف أحد عشر ، وهم المقصودون بالآية : (لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) (٧) (يوسف) ، والآية : (وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ) (يوسف ٥٨) ، والآية : (لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) (يوسف ٥) ، والآية : (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) (يوسف ١٠٠) ، والآية : (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) (٤) (يوسف) ، والكواكب الأحد عشر هم إخوته ، وإن المرء ليدهش لما ذا يعتبر اليهود جاد وأشير ولدى بلهة أمة راحيل ، ودان ونفتالى ولدى زلفة أمة ليئة ، من الأسباط وورّثوهم مع أولاد راحيل وليئة ، واعتبروا إسماعيل ولد الأمة هاجر لا يرث مثل إسحاق ولد الحرّة سارة؟!!!

* * *

٧٨٩. يعقوب الحذر لأنه ذو علم ومن المتوكلين

الحذر صفة يعقوب ، وإيمانه يسبق حذره ، وإنه لذو علم ، ومن علمه أن الحذر لا يغنى من القدر ، ولقد حذّر ابنه يوسف من إخوته فقال : (يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً) (يوسف) ، إلا أنه كان يعلم أن الله غالب على أمره ، وما حذره عرف ، وأطلع يوسف إخوته على الحلم. ولم يكن يعقوب يأتمن أولاده على يوسف ومع ذلك عهد به إليهم وقال : (إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ) (١٣) (يوسف) ، فجاءوا إليه ينعون أخاهم فعلم مرة أخرى أن أمر الله غالب وقال : (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (١٨) (يوسف) ، وبعد ذلك بسبعين سنة عادوا إلى طلب بنيامين الأخ الأصغر ليوسف ، فأذعن لطلبهم واستسلم لأمر الله وقال : (هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (٦٤) (يوسف) ، ولم يرسله معهم إلا بعد أن تعهدوا أن يأتوا به إلا أن يحاط بهم ، وقال لهم مقالته المشهورة فى الحذر : (يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (٦٧) (يوسف) ، والدخول من عدة أبواب آمن على الجماعة ، كنافقاه الفأرة ، جعلت لبيتها أبوابا عديدة حذرا ، والحذر واجب ، كقوله : (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (٦٨) (يوسف) ، فكان يعلم أن أمر الله غالب ، وأنه لا حكم إلا لله وعليه فليتوكل المتوكلون ، ويعقوب كان من المتوكلين ، وإنما تحذيره لهم اقتضاه العقل ، ولا حذر مع قدر ، إلا أن ما كان فى خاطره أن يقوله لهم قاله ، والآية تدل : على أن المسلم عليه أن يحذّر أخاه مما يخافه عليه ، وأن يرشده إلى ما فيه طريق السلامة والنجاة ، فإن الدين النصيحة ، والمسلم أخو المسلم.

* * *

٩٤٩

٧٩٠. حزن يعقوب على يوسف

عند ما فقد يعقوب ابنه يوسف لم يكن يعقوب قد كبر بعد ، ولم يصدق رواية أولاده عن الذئب الذى أكل ابنه ، وأوجس منهم خيفة ، فقال : (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (١٨) (يوسف) ، وما كان بوسعه أن يفعل شيئا سوى أن يستعين بالصبر ، ويتوجه إلى الله يسأله اللطف. ولمّا سئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الصبر الجميل فى الآية قال : «صبر لا شكوى فيه». وقيل : ثلاث من الصبر : أن لا تحدّث بوجعك ، ولا بمصيبتك ، ولا تزكّى نفسك! ـ ويعقوب فعل الثلاثة ، وكلامه استشهدت به عائشة فى «حديث الإفك» ، فقالت : والله لا أجد لى ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ)! ـ ثم إن السنوات مرت ، وجاء أولاد يعقوب وأخبروه للمرة الثانية بما جرى لابنه بنيامين ، مثلما جرى ليوسف قديما ، وربط يعقوب بين الحادثتين ، وقوى عنده الشك فى أولاده ، لبغضهم ليوسف وبنيامين ابني راحيل ، وكان ابنه رأوبين مع بنيامين ، يكاد يفقدهما معا ، فلم يقل سوى : (عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (٨٣) (يوسف) ، (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (٨٤) (يوسف) : يعنى تولّى عن أولاده ، والكظيم هو الحزين الذى لا يشكو ؛ ورقّ أولاده لحاله وقد ابيضّت عيناه من الحزن ، فقالوا على سبيل الرفق به : (تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) (٨٥) (يوسف) أى ستظل تذكر يوسف ، حتى تضعف صحتك ، وإن استمر بك هذا الحال يصيبك الهلاك والتلف ، (قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٨٦) (يوسف) ، والبثّ هو الهمّ ، وعلمه من الله ـ أى ثقته فيه وإيمانه به. والحزن إن كان شديدا يصيب الحزين فى مقتل ، حتى أن العينين يجف بهما الدمع وتتحجّران ولا تدمعان ، وقد لا ينطق اللسان ، وقد ينقلب الحزن إلى ضده فيكون الحزين كأنه لا يبالى ، أو كأنه مبتهج بالحدث ، وعبّر يعقوب عن ذلك فقال إنه يشكو حزنه إلى الله ويبثه شجنه ، واللجوء إلى الله فى الشدائد دليل الإيمان ، وعند المصائب كثيرا ما يؤمن الكافر ، ويقر المذنب بذنبه وينوب ويتوب. وإيمان يعقوب يبلغ القمة عند ما يقول لهم : (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) (٨٧) (يوسف) ، والتحسس طلب الشيء بالحواس ويكون فى الخير ، والتجسس يكون فى الشر ، وروح الله الأمل والرجاء فى الله ، والمؤمن لا يقنط ولا ييأس من رحمة الله ، والقنوط واليأس من الكبائر ، وحزن يعقوب كان حزن نبىّ ليقتدى به ويكون مضرب الأمثال : نقول : صبر أيوب ، ورجاء يعقوب!

* * *

٩٥٠

قصة النبىّ يوسف

٧٩١. يوسف : الاسم والنسب

الاسم «يوسف» عبرىّ ، ويعنى «يزيد» ، وكان يوسف هو الابن الحادى عشر ليعقوب من زوجته راحيل أو راشيل ، أولدها يعقوب ولدين كان يوسف أكبرهما ، ولما ولدته وحولها زوجات يعقوب وأولاده ، والسن الكبيرة التى عليها يعقوب ، قالت فى نفسها : هذا ابني يزيدنى قوة ويثبّت أقدامى ، ولذلك سمّته يوسف يعنى «يزيد». وأهل العرفان يقولون هو «يزيد» لأن حياته كلها اتسمت بالزيادة ، فزاد عنده العلم والحكمة ، وزادت مكانته وأمواله. وقيل : بل الاسم يوسف أصله يؤسف ، بكسر السين أو فتحها ، من الأسف ، وهو فى اللغة الحزن ؛ ثم أن الأسيف هو العبد ، واجتمعت الصفتان فى يوسف ، فمنذ ولادته والوسط العائلى الذى نشأ فيه يكنّ له العداء ، وفارق السن ضخم بين إخوته وبينه ، وأمه ضعيفة مسكينة ، ويوسف نفسه رغم جمال سمته إلا أن الرجال يحتاجون للجلال وليس للجمال ، وجمال الرجال فى الإجلال لهم ، وكان تركيبه ضعيفا ، ولكن مخايله تدل على شدة الذكاء ، وكان لشخصيته حضورها حتى أنه ليستلب اهتمام من حوله ، فلا يسعهم إلا أن يحبوه ويصاحبوه ويثقوا فيه. ولعل السبب الأكيد هو هذا الحزن فى عينيه وملامح وجهه ، أملته الغربة ، والبعد عن الأهل ، واليتم فى مقتبل العمر ، وافتقاد الأب والأم ، والأسف الشديد على ما كان من إخوته معه ، وعلى ما يكون مع أبيه إذ يبلغ أنه قتل. وأما العبودية فإن قانون الآسيويين ، سواء بالنسبة ليوسف ، أو للتجار الإسماعيليين الذين التقطوه من البئر واشتروه بثمن بخس ، يقضى باسترقاق اللقيط ، ولذا باعوه بدورهم لعزيز مصر ، فحياة الرق ، وذلك العبودية ، مع صغر السن ، طبع كل ذلك يوسف بالحزن الشديد ، فكان اسمه يوسف أو يؤسف ، اسما على مسمى ، وكثيرا ما تكون الأسماء بشارة بما يحدث لأصحابها ، وقد توجز حياتهم المستقبلة.

* * *

٧٩٢. يوسف فى القرآن أرقى وأفضل وأسمى منه فى التوراة

تقول التوراة (التكوين ٣٩ / ١) أن الذى اشترى يوسف من مصر هو فوطيفار ، خصىّ فرعون ، وكان رئيس شرطته ، وله امرأة هى التى حاولت أن تفسق بيوسف ، ولسنا ندرى كيف يكون خصيا وله امرأة؟ ولكن هكذا تقول التوراة! والأمر الثانى أن امرأة فوطيفار هذا لمّا ادّعت على يوسف ، أودعه زوجها ـ وهو رئيس الشرطة ـ الحصن حيث سجناء الملك ، وظل قيد الحصن ، ولكنه نال الحظوة لدى رئيس الحصن ، فجعله القيّم على كل شىء فى

٩٥١

الحصن ، فلم يكن وجود يوسف فيه كسجين. (التكوين ٣٩ / ٢٠ ـ ٢٣). والأمر الثالث : أن حاكم مصر يشار إليه أحيانا باسم ملك مصر ، وغالبا باسم الفرعون ، ويختلط ذلك على القارئ ، والمعهود اسم «فرعون» ، وهو اسم آشورى ويعنى الجبّار ، ولا يوجد فى اللغة الهيروغليفية اسم الفرعون ، والفراعنة إذن تعنى الجبابرة وهم ملوك أرض جاسان أو جاشان من أقاليم مصر (محافظة الشرقية الآن مسرح القصص العبرى كله عن إبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى) ، وأما اسم الملك إذا جاء فى المتن ، فيعنون به أيضا الفرعون ، ولكنهم قصروه كلقب على الحكام الرعاة الذين يعرفون بالهكسوس ، وفى الحالتين فإن الفرعون والملك ما كان من المصريين. والأمر الرابع : أن زوجة فوطيفار وهى آشورية كزوجها (ونعرف ذلك من اسمه) لمّا انبهرت بيوسف أمسكت بثوبه وطلبت منه مضاجعتها ، فتركه وراءه وفرّ هاربا ، فصرخت بأهل بيتها تتهم يوسف العبرانى وتثبت اتهامها بردائه ، وانتظرت قدوم زوجها لتقص عليه القصة ، فكان أن غضب منه وسجنه بالحصن (التكوين ٣٩ / ١١ ـ ٢٠). والأمر الخامس : أن يوسف كان رجلا يافعا لمّا باعه التجار إلى فوطيفار ، ووصفته امرأة فوطيفار فقالت : «جاءنا برجل عبرانى» (التكوين ٣٩ / ١٠). والأمر السادس : أن إخوة يوسف شربوا معه الخمر حتى سكروا (التكوين ٤٣ / ٢٤). والأمر السابع : أن جميع الأنفس من العبرانيين الذين دخلوا مصر من آل يعقوب من الذكور ، بما فيهم يوسف وولداه ، كانوا سبعين نفسا وهذا العدد نشك فيه ، لأن دأب العبرانيين أن يتباركوا بالعدد سبعة ومضاعفاته ، فيحتمل أنهم قالوا سبعين من هذا المنطلق. الأمر الثامن : أن الفرعون أعطى هؤلاء أرض جاسان (محافظة الشرقية) ليرعوا فيها باعتبارهم رعاة غنم ، فسكنوا هذه الأرض وتكاثروا (التكوين ٤٧ / ٦). الأمر التاسع : أنه لا موعظة ولا إبراز لأخلاقيات فى القصة.

ونلاحظ أولا : أن القصة فيها أخطاء لا تعدّ ، ففي القرن السادس عشر قبل الميلاد عند دخول العبرانيين مصر كان عددهم سبعين ، وعند خروجهم من مصر سنة ١٤٤٠ ق. م ، وبعد إقامتهم سنة فى الصحراء ، أجرى موسى إحصاء لعددهم ، فكان عدد الشبّان الصالحين لحمل السلاح والقتال. ٥٥٠ ، ٦٠٣ عدا اللاويين وهم المخصّصون للكهنوت ، وكان عدد الذكور فقط من ابن شهر فصاعدا ٢٢ ألفا ، وإجمالى عدد اليهود ٥٥٠ ، ٦٢٥ ، فهل يعقل أنه خلال ١٦٠ سنة ، أو أربعة أو حتى ثمانية أجيال ، يتضاعف السبعون نفسا إلى هذا العدد : ٥٥٠ ، ٦٢٥!!! بينما كان ينبغى رياضيا أن يكون ١٧٩٢٠ ، وحتى إذا سايرنا بعض المؤرخين من اليهود وقلنا معهم إن الخروج جرى سنة ١٢٩٠ ق. م ،

٩٥٢

أو حتى سنة ١٢٢٠ ق. م ، فهل يتضاعف السبعون إلى هذا الرقم المهول خلال عشرة أجيال ، أو حتى خمسة عشر!! والأمر الثانى : أن القصة وقد جرت فى أرض جاسان أو جاشان ـ محافظة الشرقية ـ يصدق فيها ما ذكر من أن الفراعنة الأشوريين الذين حكموا من بعد وفاة يوسف ، أذلوا العبرانيين لمّا رأوهم يتكاثرون ، واستخدموهم كعمال سخرة ، يعنتوهم بالأثقال ، فبنوا لهم مدينتى فيتوم ورعمسيس ، بالطوب اللبن من طمى النيل ، والمدينتان تقعان فى شرق الدلتا ، يعنى حيث كانت مملكة الهكسوس. ورعمسيس هى تانيس ، ومن رعمسيس كان خروج موسى من بعد ، وتانيس كانت أفاريس عاصمة الهكسوس ، وفى تانيس دفن شيشنق الذى تزوج ابنته سليمان ، ودفن منبتاح وآخرون ، وليس فيهم تحتمس الثالث ولا أمنوفيس الثانى وهما المرشحان زورا وجهلا لحكاية الخروج. والمسألة إذن كلها تكهنات وأهواء وأغراض. والحقيقة هى ما ذكره القرآن وأولاه الاهتمام ، وقصة القرآن برمتها مختلفة فى تفاصيلها اختلافا كاملا عن قصة التوراة ، فيوسف فى القرآن : صغير عند ما دلّاه إخوته فى البئر ، بينما هو فى التوراة تصفه امرأة رئيس الشرطة فتقول إنه رجل ؛ ورواية الذئب فى القرآن ، والدم على القميص جديدة تماما ؛ والذى اشتراه من مصر كما جاء فى القرآن قام بتربيته واشتد عوده عنده ، وعندئذ راودته زوجته ، ولم يرد أنه خصى كما فى التوراة ، وورد أن يوسف استعاذ بالله من المرأة ، وأنهما استبقا الباب فقدّت قميصه من دبر ، وكان زوجها عند الباب فروت كذبا أن يوسف حاول الاعتداء عليها ، وأدرك الزوج براءة يوسف ، وكلها تفاصيل جديدة ؛ ومنها مثلا حكاية النسوة واجتماعهن وتقطيعهن لأيديهن لدى رؤيته ، وكل ذلك يبين بجلاء تقوى يوسف ، فكان يوسف وأبوه فى كل ما جاء عنهما فى القرآن آيتين من آيات العظمة فى الأخلاق والحكمة ، وذلك عكس ما فى التوراة تماما!! والقصة كلها دروس فى الحكمة والأخلاق ، وتفاصيلها غاية فى الحبكة ، وأسلوبها رفيع وراق وشديد البلاغة ، وطابعها الإيمان الشديد ، والموعظة ظاهرة فيها ، وتنتهى بالدعاء لله والحمد له والثناء عليه ، والتنبيه إلى أن هذه القصص فى القرآن إن هى إلّا للعبرة ولتقوية إيمان المؤمنين. فشتّان بين رواية التوراة ورواية القرآن ، والفرق بينهما أن سفر التكوين كتبه مؤرخون متتابعون ، ولم يعوا الدرس : أن المراد بهذه الكتب المقدّسة الدعوة إلى الله ، فكان اهتمامهم إبراز إسرائيل كشعب حامل للوعود ، والتأكيد على العهد كضمانة للوعد ، واختيار إسرائيل كشعب الله ، وأما اهتمام القرآن فكان التنبيه إلى آيات الله ، وسبيله التى يدعو إليها هى التقوى ، والدرس المستفاد منها أن النصر بيد الله يؤتيه عباده كلما استيأسوا ، وأن القرآن هو تصديق لما سبقه ، وتفصيل له ، وهدى ورحمة لمن يؤمنون. والحمد والمنة لله ، وهو المستعان.

* * *

٩٥٣

٧٩٣. فى التوراة أسوأ صورة ليوسف

صورة يوسف فى التوراة ، بالنسبة لقارئ مصرى قاتمة شديدة السواد ، وبخلاف صورته فى القرآن ، كاختلاف الأسود والأبيض ، وأخلاقه فى أرض جاسان من مصر شديدة الغرابة ، فقيل إنه بعد تفسير حلم فرعون عيّنه واليا على البلد ، حتى أنه نزع خاتم الملك الذى كان فى إصبعه وجعله فى إصبع يوسف ، وأركبه مركبته الثانية ، وأمر الناس أن تركع له ، وأقامه على كل الأرض ، وسمّاه «مخلّص العالم» ، وهذا الاسم دليل على أن الفرعون لم يكن مصريا ، وكان بالأحرى آشوريا ، وذلك أن مصطلح «المخلّص» أو «مخلّص العالم» ليس من المصطلحات المصرية ، وهو مصطلح آسيوى خالص ، ويكثر عند الأشوريين والعبرانيين بخاصة ، فملوك آشور اسمهم «المخلّصون» ، والمسيح فى الثقافة العبرية هو المخلّص ، وهو «مخلّص العالم» (التكوين ٤١ / ٤٤). ولا يبدو يوسف عادلا فى أحكامه ، فقد اتهم إخوته فى مصر بأنهم جواسيس جاءوا ليتجسسوا ثغور الأرض ، وحبسهم ثلاثة أيام ، ودبّر لهم تهمة سرقة جامه الذى يشرب به (التكوين ٤٤) ، وكان دائم التذكير لإخوته بمنصبه ، فهو ـ كقوله أب لفرعون ، وسيد لجميع أهله ، ومتسلّط على جميع الأرض ، وسيد لجميع المصريين! وحابى يوسف إخوته على حساب الناس ، فأعطاهم كما تقول التوراة (التكوين ٤٥) خير أرض مصر ، وقال لهم إن جميع الأرض لهم (التكوين ٤٥) ، وأجرى لهم الطعام على حسب أعدادهم ، ولم يكن خبز فى جميع الأرض ، لأن الجوع اشتد بالناس جدا حتى جهدوا ، وجمع يوسف كل الفضة من الناس بما يبيعهم من الطعام ، فلما نفدت الفضة ، اشترى منهم كل ماشيتهم بالطعام ، ثم اشترى جميع الأرض ، وباع الناس له حقولهم ، ثم باعوا له أنفسهم ، فسخّرهم على الأرض نظير أن يستولى على خمس غلتها ، فيكون بذلك أول من أدخل مصر النظم الاحتكارية ، ونظام السخرة ، وآليات ونظم السوق ، والإقطاع ، ولم ينج من تخطيطه سوى أراضى الكهنة ؛ لأنها كانت ملكية عامة ، وذلك دليل على أن الملكية الفردية شرّ ، وأنها سرقة ، وأن الملكية العامة هى الحلّ لمشاكل الأرض ، وأطماع ومفاسد طبقة الملاك. ومنذ يوسف صارت ضريبة الأطيان الزراعية الخمس ، ومن الواضح أنه أعفى أهله منها ، لأنه ابتداء أقطع أهله أرضا لم تكن لهم أصلا ، وعيّنهم فى الوظائف المختلفة ليحكم قبضته بهم على البلد جميعها. ومن الغريب أن يوسف وهو المذكور فى القرآن بأنه نبىّ كان يشرب الخمر طبقا لرواية التوراة ، فلما التقى إخوته واحتفل بهم ظل يشرب معهم حتى سكروا (التكوين ٤٣)!

* * *

٩٥٤

٧٩٤. دليل نبوّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم من سورة يوسف

قيل فى أسباب نزول الآية : (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (٢) (يوسف) أن الآية والسورة كلها ـ سورة يوسف ـ تنزّلتا بعد سؤال اليهود للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يحدّثهم عن يوسف ويقصّ عليهم قصته ، وكان ذلك بمكة ، فأوعزوا بالسؤال لكفّار مكة ، فأنزلت السورة ، قيل وافقت التوراة فى جملتها وفيها زيادة ليست فى كتب اليهود ، وهذا صحيح ، والزيادة كانت معجزة ، وما ورد موافقا للتوراة كان تعديلا لما جاء به وليس موافقا له ، فكانت هذه التصويبات والزيادات فى القرآن مما يحسب له لا عليه ، ودلّلت على أن القرآن كتاب منزّل من عنده تعالى ، وأن محمدا الذى تنزّل عليه القرآن ، رسول من لدنّه تعالى فقد أنبأهم بما يجهل ويجهلون ، ولم يكن يقرأ كتابا ، ولو كان قد قرأ التوراة فإن القصة بما اشتملت عليه فى القرآن مختلفة فى مرامبها ومعانيها وأهدافها ودروسها المستفادة وأحداثها عما فى التوراة ، وما كان ما اشتملت عليه قصة القرآن مذكورا ولا مسطورا فى كتاب ، ولا معروفا شفاهة.

* * *

٧٩٥. رؤيا يوسف كانت رؤيا نبىّ

رؤيا يوسف أن إخوته أحد عشر كوكبا ، وأمه شمس ، وأباه قمر ، من الرؤى التنبؤية ، وتشملها سورة يوسف ، تقول : (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (٥) وليس شرطا أن يحلم الأنبياء وحدهم بالرؤى ، والرؤى أحلام تنبئية ، والمؤمن والكافر يحلمان أحلاما تنبئية ؛ إلا أن الناس تتفاضل فى ذلك ، وكلما كان المرء صافى النفس ، تقيّا ، ورعا ، مخلص النية ، كانت رؤياه أميل إلى الصدق ، وأكثر وضوحا ، وأقرب أن تفسّر نفسها بنفسها ، ومن أقواله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا» ، يعنى أن صدق الرؤى يتناسب تناسبا طرديا مع صدق صاحبها فى أحاديثه عموما ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصف الرؤى بأنها من «المبشّرات» ، وأنها «الصالحة الصادقة» ، واشترط أن : «يراها الرجل الصالح أو ترى له» ، وروى أنه قال إن الرؤيا : «جزء من كذا جزء من النبوّة» ربما من سبعين جزءا ، أو خمسين ، أو ستة وأربعين ، أو أربعة وأربعين ، وإنما كانت الرؤيا جزءا من النبوّة لأن فيها ما يعجز ويمتنع ، فتبشّر أو تنذر بشيء من الغيب ، وإذا صدقت الرؤيا كانت أقرب إلى النبوّة ، ولذا قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان» ، والشيطان هو هوى النفس ورغباتها ، والبغض أو الحب تستشعرهما

٩٥٥

النفس تجاه شىء بعينه يكون المدار عليه فى الحلم. والرؤيا الصادقة إذا رآها غير المؤمن تكون على الندور والقلة ، وإنه لأمر ذو بال أن تأتى أحلام فرويد ـ وكان كافرا حتى بإله اليهود ـ خالية من أية رؤى ، وكذلك تلاميذه جميعهم. والرؤيا لكى تضاف إلى الله وتحسب كرؤيا نبوية لا بد أن تخلص من الأضغاث والأوهام ، والضّغث الشيء المتضاد ، والرؤيا العادية ثلاثة أصناف : فبعضها أهاويل نفسية عن رغبات مكبوتة ، وبعضها رغبات صريحة من النهار لم تتحقق فى اليقظة فكان النوم فرصة لها تتحقق فيه ، وبعضها أجزاء من النبوّة تتفاوت الرؤيا عن الرؤيا فيها ، ومن ولى إلى ولى. والرؤيا مصدر «رأى» فى المنام ، وأكثر ما تكون فى آخر الليل لقلة غلبة النوم فيه ، ولذلك لا يرى الرائى إلا ما يصح إدراكه أو تأويله ، كأن تكون صورة محسوسة ، وأمثلة موافقة لواقع النائم أو لواقع الوجود ، وتارة تكون لمعانى معقولة غير محسوسة ، وفى الحالتين تكون مبشّرة أو منذرة ، ومنها ما يظهر معناه أولا فأول ، ومنها ما لا يظهر إلا بعد التفكّر ، وقد رأى يوسف الكواكب والشمس والقمر تسجد له فأوّلها بإخوته وأبويه ، ورأى الفرعون البقر والسنابل ، فأوّلها يوسف بالسنين أى الجدب. ولا يعتدّ بأن يوسف كان صغير السن وقت تأويل هذه الرؤيا وغيرها ، فالرؤيا تكون من الصغير كما تكون من الكبير ، والإدراك فيها كالإدراك فى اليقظة ، والاختلاف فى نضج الإدراك بحسب السن. ولا ينبغى أن يعبّر الرؤيا إلا من يحسن تعبيرها ، وآيات رؤيا يوسف كلها تنبئ بأنه نبىّ ، وأن رؤياه وتفسيرها هى رؤيا وتفسير نبىّ ، وذلك لجلائها ، ولأنها عن حق ولا تقول إلا الحقّ.

* * *

٧٩٦. إخوة يوسف يتهمونه بالسرقة

لما اتّهم بنيامين أخو يوسف بسرقة صواع الملك ، دافع إخوة يوسف عن أنفسهم ليبرءوا من فعلة أخيهم ، فنسبوا فعلته إلى اقتدائه بأخيه الشقيق يوسف ، لأن بنيامين كان أخوهم من الأب فقط ، وقالوا : (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) (٧٧) (يوسف) ، يعنى أنه إن كان قد سرق فالسرقة تجرى فى دمه من أخيه ـ يقصدون يوسف ، لأن الاشتراك فى الأنساب يشاكل فى الأخلاق. وما كان يوسف سرّاقا كما ادّعوا ، ولكنهم اعتسفوا اتهامه تبريرا لبغضهم له ولأخيه الشقيق ، وكانوا جميعا أولاد ضرائر ، وداء الضرائر هو البغض والتحاسد. وقيل : إن عمة يوسف أرادته فى صغره أن يكون فى صحبتها ، فدبّرت أن يبدو كما لو كان قد سرق بعض ما يخصّها وأخفاه فى ملابسه ، وتبعا لشريعتهم فإن السارق يسترقه المسروق منه ، فضمنت أن يلحق بها يوسف ويستمر فى العيش معها. وقيل إنهم قالوا فى يوسف

٩٥٦

ذلك لأنهم اعتبروه قد سرق منهم محبة أبيهم لهم ، واستحوذ على أبيهم دونهم ؛ وقيل كان يوسف إذا جلس على المائدة ليأكل مع إخوته لا يجد ما يشبعه ، لكثرتهم وقوتهم ، ولضعفه وصغر سنه ، فكان يحتال ليفوز لنفسه ببعض الطعام ، فكانوا يضبطونه ويعيّرونه به. ومن أجل ذلك قالوا : إن أخاه يقتدى به ويسلك على نهجه.

* * *

٧٩٧. الحب المتبادل بين يعقوب ويوسف

قصة يوسف من أحسن قصص القرآن كما قال تعالى : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (يوسف ٣) ، والقصة فى جزء منها تحكى عن حبّ يعقوب لابنه يوسف ، وحبّ الابن لأبيه ، وفى الجزء الآخر تبرز القصة انتصار الفضيلة عند شاب مثل يوسف فى مقتبل عمره ، كان قد عزف عن الرذيلة ، واستمسك بالدين ، واعتصم بالإيمان. وفى القصة يتناجى الولد مع أبيه : (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ) (يوسف ٤) ، فيقول الأب : (يا بُنَيَّ) ولا يمل الأب تعليم ابنه فى كل المواقف ، ويتعهده بالتربية ، فلمثل ذلك يكون الآباء ، يقول يعقوب ليوسف : (وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ) (يوسف ٦) ، يذكّره بأجداده ، وبالرسالة التى كلّفوا بها ويرثها عنهم ، والإيمان وما يعود عليه من الخير والنّعم والعلم. وقيل إن محبة يعقوب ليوسف لأنه كان ابن الزوجة الجميلة الأثيرة عند زوجها ، وقيل لأنه بكر أولاده منها ، وإنما السبب الحقيقى أن يوسف كان وريث بيت النبوّة ، وآل إليه أمر الدعوة ، وكان ما ينفك يدعو إلى الله ، فدعا إليه «العزيز وامرأته» ، ورئيس السجن ، وزميليه فيه ، ثم الفرعون وآله ، فلما جاء موسى من بعد ، ودعا فرعون ، كان من بين بلاطه رجل من آله يؤمن بالله قال : (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً) (غافر ٣٤) ، يعنى أن دعوة يوسف كانت ما تزال آثارها باقية كل هذه السنوات ، فلذلك أحب يعقوب ابنه يوسف ، لأنه كان الحريص على الدعوة ، والحفيظ عليها ، والقائم بها ، وهذه الوشيجة الروحية بين يعقوب وابنه يوسف هى التى صرفت عن يوسف خواطر السوء والفحشاء فى «مشهد الغواية» ، واصطلح عليها القرآن باسم «برهان ربّه» ، أى البرهان على أن الله كان مع يوسف ، وأنه تعالى لا ينسى أولياءه ، فكذلك مكّن له فى الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ، وأصابته رحمة الله ، ولم يضع أجره وجعله من المحسنين ، ورفعه درجات ، وفوق كل ذى علم عليم ، ولمّا كاد يعقوب ييأس ، لم ينجه من اليأس غير إيمانه وصبره «الصّبر الجميل» ، وتأسّف يعقوب

٩٥٧

على يوسف ، وكان كثير البكاء ولم ينسه أبدا ، وكلما رأى أولاده كظم حزنه ، حتى رقّ له أولاده بعد أن هرم وبلغ من الكبر عتيا ، وخافوا عليه الهلاك والتلف ، وما شكا لهم حاله ، وإنما توجّه بشكايته إلى الله ، يبثه حزنه ، ويزيده الإيمان قناعة بأن الله لا يمكن إلا أن يجمعه يوما بابنه ، وأن يعود إليه الغائب ، قال : (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٨٦) (يوسف) ، يعلم عنه الإحسان وخير الجزاء ، وهل جزاء الإحسان عند الله إلا الإحسان ، وللذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، والزيادة أن يعود إليه ولده ويجتمع الشتيتان. وإنه لشىء يدمى القلب أن يقول يوسف لإخوته بعد كل هذا الدمار الذى ألحقوه بنفسه : (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (٩٢) (يوسف) ، ثم يعطيهم قميصه ليلقوه على وجه أبيهم ، ليشفى من العمى الذى أصابه من كثرة البكاء عليه ، فلمّا كان قميصه الذى رآه ملطخا بالدم ، بزعم أن الذئب أكله ، هو الذى أبكاه ، فظل يبكى حتى ابيضّت عيناه ، فإن قميصه أيضا هو الذى سيبهجه ويعيد إليه بصره ، وذلك دليل على أن عمى يعقوب كان هو «العمى النفسى» psychic blindness وليس «العمى العضوى» organic blindness ، والعمى النفسى هو العمى الذى يتحصّل نتيجة الصدمات النفسية ، ويشفى صاحبه بصدمة نفسية مماثلة نقيض الأولى ، وعلم يوسف بهذا «العلاج النفسى» من علم النبوّة ، وقول يعقوب : (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ) (٩٤) (يوسف) هو أيضا من بركات وحدس النبوّة ، وكانت ليعقوب فراسة وحدس الأنبياء لمّا قال لأولاده : (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً) (يوسف) ، ثم كانت بركات النبوّة أن يتشمم وحده دون غيره رائحة ابنه فى قميصه فكأنه استروح الجنة ، وما كان ذلك عن فند ـ وهو جنون كبار السن ، وإنما كان محبة يعقوب ليوسف ، ومحبة يوسف لأبيه يعقوب ، ذرية طيبة بعضها من بعض ، أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين.

* * *

٧٩٨. نهاية قصة يوسف فى التوراة وفى القرآن

فى قصة التوراة أن يوسف ذهب ليلاقى أباه عند مقدمه إلى جاسان ، فلما ظهر له ألقى بنفسه على عنقه ، يقول : دعنى أموت الآن بعد ما رأيت وجهك لأنك بعد باق (التكوين ٤٦ / ٢٩ ـ ٣٠) ، فاللقاء درامى عنيف وفيه البكاء والأحضان والكلمات الطيبة الرقيقة.

وفى قصة القرآن : (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي

٩٥٨

وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (١٠١) (يوسف) ، يضمّ يوسف أبويه إليه ، ويطمئنهم أنهم فى مصر سيكونون فى أمان ، ورفعهما إلى العرش ، فخرّوا جميعا له ساجدين ، والسجود كان تحيتهم ، وسنّتهم ، وذكّرت الآيات بالرؤيا التى رآها يوسف فى طفولته ، وعدّد نعم الله عليه بخروجه من السجن ومجيئهم من البدو ، مكافأة له على معاناته وصبره ، وقيل إنه بكى وأبوه ، والبكاء أربعة : بكاء من الخوف ، وبكاء من الجزع ، وبكاء من الفرح ، وبكاء الرياء ؛ وبكاء يعقوب بكاء فرح لأن ربّه أقرّ عينيه بعد الهموم والأحزان ، وكان عمره ووقتذاك مائة وثلاثين سنة ، كلها بؤس وشقاء ، وعاش بعد ذلك فى كنف ابنه سبع عشرة سنة ، والدرس المستفاد كان من يوسف وليس من يعقوب ، فقد أوجز حياته فى دعائه ، فشكر الله على ما أعطاه من خير عميم وعلم كريم ، وأقرّ به إلها واحدا ، ودعا أن يتوفاه مسلما ويلحقه بالصالحين ، فلم يتمن الموت ولكنه تمنى الوفاة على الإسلام ، وقيل «الصالحين» هم آباؤه الثلاثة : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، تمنى أن يلحق بهم ويكون معهم ، عليهم وعليه‌السلام كلّ السلام.

* * *

٧٩٩. ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين

هذه دعوة يوسف لأبويه لمّا دخلا عليه فى قصره فى جاسان ، ويقول المستشرقون والمفسرون : كيف يقول يوسف : (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ) (٩٩) (يوسف) وهم فى مصر فعلا وقد دخلوها؟! والجواب : أنهم وإن كانوا قد نفذوا عبر حدودها إلا أنهم لم يعرفوها بعد ، ودعوته لهم بدخولها آمنين ، أى أن يعايشوا الناس فيها ، ويتعرّفوا على حضارتها ، فالحياة فى الحضر بخلاف الحياة فى البدو ، وسكنى القصور والمنازل مختلف عن سكنى الخيام ، والشرب من مياه الآبار غير الشرب من مياه الأنهار ، وطعام سكان المدن ليس كطعام سكان الصحراء ، فهذه دعوة يوسف لأبويه أن يدخلوا مصر آمنين ، أى يهنئوا بالعيش فيها آمنين ، لا يخافون غدرا ولا ذلة ، ولا حاجة ولا مسغبة ، ولا جدبا ولا جوعا.

* * *

٨٠٠. دعاء يوسف

قيل : إن يوسف فى هذا الدعاء تمنى الموت ، وهو ما لم يحدث لنبىّ ولا لغير نبىّ من قبل ، وهذا غير صحيح بالمرة ، وإنما سأل يوسف ربّه أن يتوفاه عند ما يحين أجله على الإسلام ، وفى الحديث : لا يتمنّين أحدكم الموت لضرّ نزل به ، فإن كان لا بد متمنيا فليقل : اللهم

٩٥٩

أحيني ما كانت الحياة خيرا لى ، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى» أخرجه مسلم. وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يتمنى أحدكم الموت ، ولا يدع به من قبل أن يأتيه ، فإنه إذا مات أحدكم انقطع عمله ، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا» أخرجه مسلم. وكان دعاء يوسف : (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (١٠١) (يوسف) ، وقوله : «من الملك» للتبعيض ، لأنه كان الوزير الأول فى بلاط الفرعون ولم يكن الفرعون ، فبعض السلطات كانت ليوسف دون أغلبها ؛ وقوله : «تأويل الأحاديث» هو علم تعبير الرؤيا ، أو علم تفسير الأحلام ، وهو بعض العلم وليس كل العلم ؛ وقوله : «فاطر السموات والأرض» يردّ بها الكون كله إلى الله ، ويوحّده ، فهو منشؤه ومخترعه على الإطلاق من غير مثال سابق ؛ وقوله : «وليّى» أى ناصرى ومتولّى أمورى دنيا وآخرة ؛ وقوله : «الصالحين» هم آباؤه الثلاثة : إبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب. وتوفاه الله فى أرض جاسان (محافظة الشرقية) حيث كان يحكم فدفن بها ، تقول التوراة : إنهم حنّطوه وجعلوه فى تابوت. ويقول اليهود إن يوسف أوصى إخوته أن ينقلوا عظامه إلى فلسطين ، وعند ما خرج موسى من مصر نقل رفاته معه (تكوين ٥٠ / ٢٥). وقيل : دفنت موميته نهائيا بالقرب من شكيم (خروج ١٣ / ١٩) بجانب بئر يعقوب. وقيل : نقلت جثته بعد ذلك إلى الخليل فى مقبرة إبراهيم. وهذا كلام فارغ ، أولا : لأن موسى خرج بسرعة من مصر ولم يتهيأ لإخراج الجثة معه ؛ وثانيا : لأنه ما كانت هناك فرصة لدفنه فى شكيم فى عهد موسى فموسى لم يدخل شكيم ، وإنما هو التحريف والتأليف والتزوير فى التاريخ ، والتعصب ، وكأنما جثة يوسف وعودتها إلى أرض فلسطين رمز لعودة اليهود إلى فلسطين ، يذكّرون الأجيال بذلك حتى لا ينسوا ، ويستنّون لهم سنّة ، هى ضرورة أن يوارى جسد كل يهودى تراب فلسطين ؛ فإذا كان ذلك هو الشأن مع الموتى ، فما ذا عن الأحياء!!

* * *

٨٠١. قصة امرأة العزيز ويوسف

فى هذه القصة الكثير من اللبس ، فينبغى التزام نصّ سورة يوسف ومراجعة القصة على سفر التكوين من التوراة ، الفصل التاسع والثلاثين. والقصة تبدأ فى القرآن بانتشال يوسف من البئر الذى ألقاه به إخوته ، ولم يكن يوسف طفلا وقتها ، وإنما كان شابا فى السابعة عشرة من عمره بحسب الرواية اليهودية ، وذلك سن معقول جدا ويناسب الأحداث ، والذين انتشلوه كانوا إسماعيليين ـ أى من نسل إسماعيل ـ من أهل مدين ، وأسرّوه بضاعة ضمن ما لديهم من بضائع نزلوا بها مصر ، إلى أن باعوه لعزيز مصر.

٩٦٠

وتخطئ كتب التفسير العربية بأن تجعل اسم العزيز ـ أى العزيز الجانب ، والقوى الذى لا يقهر ولا يغلب ـ هو الفرعون. فلم يحدث أن سمّى ملك مصر باسم العزيز ـ وإنما «العزيز» اسم منصب الوزير الأول فى آشور ، ويضاهى الآن رئيس الوزراء. وينبغى التنبيه إلى أن أحداث قصة يوسف وقعت ـ لا فى مصر التى نعرفها بحجمها الكبير وناسها المصريين ، وإنما كان مكانها هو أرض جاسان ، وهى الإقليم الشمالى الشرقى من أرض مصر ، حيث محافظتا الشرقية والإسماعيلية الآن ، وكانتا مستعمرتين للآشوريين من أهل آشور وبابل ، جاءوا إلى هذه الأرض واقتطعوها وسكنوها باسم الهكسوس كما أشاع المؤرخ اليهودى مانيتو عنهم. وجاسان كانت كبيرة المساحة ، ولمّا حضر يعقوب وأولاده أسكنهم يوسف أرض جاسان. وإذن فالعزيز هذا كان أجنبيا ، من بلاد بابل التى اسمها آشور. وامرأة العزيز هى التى قيل عنها أن اسمها زليخا ، ولا يرد عن اسمها فى التوراة ، ولا فى القرآن. وقصة القرآن مختلفة تماما عن قصة التوراة ، وفيها الكثير من التفاصيل والحكم والعظات والعبر. وقصة التوراة بسيطة ، ولا تعقيد فيها : فامرأة العزيز هذه ـ أو بالأحرى امرأة فوطيفار ، لمّا رأت يوسف وهو شاب فى السابعة عشرة ، راودتها نفسها أن تضاجعه ، والغريب فى قصة التوراة أنه يرد بها أن فوطيفار كان خصيا! فلما ذا تزوّج إذن؟ وهل لهذا السبب كانت زليخا سيئة السمعة والسلوك؟ واسم زليخا ليس اسما مصريا ، ولا كان اسم فوطيفار مصريا ، بل كلهم آشوريون وساميون مع بعضهم البعض ، ومن الخطأ أن ينسب التوراة لهذه الشخصيات أنهم مصريون ، ولنلاحظ أن فرعون موسى أيضا لم يكن مصريا ، وكلمة فرعون ليست مصرية ، ولم يرد أبدا فى التاريخ المصرى أن أحدا من ملوك مصر اسمه فرعون! والمهم أن يوسف تأبّى على المرأة ، وظلت تلح عليه يوما بعد يوم وهو يرفض ، إلى أن حاولت أن تقسره على الفحشاء ، وأمسكت بعباءته فتركها لها وفرّ ، وصرخت لتفضحه ، وجمعت الناس حولها إلى أن أتى زوجها واستمع إليها ، فاستشاط غضبا ، وقبض على يوسف وأودعه السجن. وقصة التوراة على حالها هذا ، من قصص كيد النساء العادية مما تحفل به الصحف اليومية ، إلا أن قصة القرآن رواية حقيقية كالروايات ، ومن الغريب أنهم ينسبون اختراع فن الرواية للأوروبيين وهو قرآنى قلبا وقالبا ، وليس أروع من الحوار فى القرآن باعتبار معايير الأدب المسرحى. وقصة امرأة العزيز مع يوسف كما جاءت فى القرآن ، درّة الدّرر فى الأدب الدرامى ، وتبدأ بشراء العزيز ليوسف بدراهم قليلة ، ثم توصيته لامرأته أن تكرم مثواه ، أى مقامه فى بيتهما ، بطيب المطعم ، وحسن اللباس ، وبرر توصيته بأنه ربما ينفعهما ويكفيهما بعض المهمات والخدمة

٩٦١

عليهما ، أو أن يتخذاه ولدا لهما ، لأنه كان حصورا لا يولد له ، ولا يأتى النساء كما ذكرنا ، وكان التبنّى فى أمم الشرق الأوسط ، ولم يكن معروفا فى أرض مصر ، وهذا سبب آخر يدل على أن هؤلاء الأشخاص أصحاب قصتى «يوسف وموسى» ، لم يكونوا من المصريين. ومرّت فترة ويوسف فى بيت فوطيفار أو العزيز ، إلى أن بلغ أشدّه ، وآتاه الله الحكم والعلم ، وقيل إن العرب يقولون لمن يبلغ سن الثلاثين أنه قد بلغ أشدّه ، وقيل بلوغ الأشدّ هو بلوغ سن الرشد ، وهو أن يتجاوز العشرين. والحكم هو العقل والفهم ، والعلم هو علم تفسير أو تأويل الأحلام ، وهو علم يحتاج إلى أشخاص موسوعيين لديهم إحاطة بمختلف الثقافات والمعارف والعلوم. فلما بلغ يوسف أشدّه فعلت زليخا فعلتها معه ، وادّعت عليه : (وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٢٥) (يوسف). والمراودة هى طلب المواقعة ، تكون بالمحايلة والتلطّف ؛ والتغليق للأبواب لأنها أكثر من باب ، تقول غلّق الأبواب وليس الباب ، وأما أغلق فتكون للكثير والقليل من الأبواب ، وتقول غالبا أغلق الباب وليس أغلق الأبواب ؛ وهيت لك أسلوب فى الملاطفة والدعوة بمعنى هيا وأقبل وتعال ، وقيل هيت كلمة سريانية ، وهذا دليل آخر على أن القصة أبطالها من الأشوريين وليسوا مصريين! وربّه هو سيده ؛ وأحسن مثواه أى استضافه فأحسن ضيافته ؛ ولمّا همّت به ، همّ بدفعها عنه وامتنع عليها ، فلمّا رأى برهان ربّه قاومها ، قيل : كأنه قد سمع صوت سيده قادما ، أو رأى من حجرة نومه شيئا من ملابسه أو غير ذلك مما يخصّه ، فخلّص نفسه منها صرفا لنفسه عن السوء والفحشاء ، وولّى ناحية الباب فسعت خلفه ، فجذبت قميصه من عند ظهره ، والغالب أن رؤيته لبرهان ربّه ، أنه تذكر الله فاستعصم. والآية : «واستبقا الباب ...» من اختصار القرآن المعجز ، وتجتمع فيها الكثير من المعانى والأفعال ، لأنه رأى هذا الشيء الذى ذكّره بسيده ، أو بربّه تعالى ، فانفلت منها فتعاديا ، هى لتردّه إلى نفسه ، وهو ليهرب منها ، فأدركته قبل أن يخرج ، وهنا يدخل زوجها «العزيز» ، ودخوله فى هذا الوقت بالذات له وقع درامى شديد يسمونه dramatic irony كما يقول أهل المسرح ، ولعمرى من أين لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعرف هذه الأشياء وهو لم يتعلم فى مدرسة ، ولا رأى مسرحا فى حياته ، ولا عرف هذه المعانى؟ ولا مراء أن القرآن هو كتاب الله سبحانه ، وهو تعالى العليم الحكيم. ولقد سارعت المرأة من غيظها وانفضاح

٩٦٢

حالها إلى تبرئة نفسها ، وأن تصحح بالكذب فهم زوجها للموقف ، واتهمت يوسف وقلبت الحقائق وافترضت صحة ادعاءاتها وتصديق زوجها لأكاذيبها ، فاقترحت العقاب ليوسف : السجن أو العذاب الأليم! أرادت بهذا العقاب أن تدلل على أنها لا علاقة لها ، وإلا ما طلبت عقابه ، ولا شك أن طريقتها فى الدفاع عن نفسها تدل على أن زوجها لم يكن له عليها سلطان ، وكان يقبل ما تقول ويرضخ له ، ونعرف السبب أنه كان خصيا. وتستمر القصة ويبدأ يوسف بالردّ على ادعائها قال : (هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ) (٢٩) (يوسف) ، ودفاعه بسيط وفى عبارة واحدة ، فلم تكن له خبرة بالنساء وخاصة هذا النوع منهن. ولو لا الشاهد من أهلها واحتكامه إلى العقل لصدقها زوجها ، ولقد تبيّن له وللشاهد أن قميصه مشقوق من الخلف ، وأنها مذنبة ويوسف برىء ، وتدخل ليأمر يوسف أن يتكتم الأمر ، ويطلب منها أن تستغفر لذنبها. وتخطئ كتب التفسير العربية عند ما تجعل رئيس الشرطة مصريا! وتنسب إليه كمصرى انعدام الغيرة!!! بدعوى أن أغلب أهل مصر هكذا!! فلا سامحهم الله هؤلاء الجهلة! فكما قلنا وننبه مرارا : أن فوطيفار لم يكن مصريا ، ولا زوجته ، ولا يوسف ، فجميع هؤلاء جاءوا إلى مصر أغرابا ، وغزاة ، ومحتلين ، ومستعمرين ، وأن هذه الأخلاق هى أخلاق أهل آشور والساميين من أهل بابل وغيرها ، والمنطقة حافلة بالجنسيات المختلفة والعادات المتباينة ، وليست الفاحشة من أخلاق المصريين أصحاب الحضارات والقيم الثابتة. ولنقرأ ما يسمى باسم التوراة ، لنجد الكثير من قصص الخيانة والشذوذ والزنا والاغتصاب والقيادة عند العبرانيين والأشوريين وغيرهما ، ولم تذكر كتب التاريخ المصريين بسوء أخلاقى قطّ ، وكل ما بلغنا من الأدب المصرى القديم مداره الأخلاق والدين ، والمثال على ذلك قصة إيزيس وأوزيريس ، وهى قمة فى الأدب والأخلاق ، حتى قيل إنها ألهمت قصة المسيح! وامرأة العزيز شهد ضدها النسوة فى المدينة : (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا) (يوسف ٣٠) ، واعتبرت قولهن فيها مكرا ، فمكرت مكرا مقابلا أعظم من مكرهن ، وأعدت لهن متكئا ، وآتت كل واحدة سكينا ، وأمرت يوسف أن يخرج عليهن ، فلما رأين حسنه انبهرن وأكبرنه ، وكن فى ذهول ، حتى أنهن أعملن السكاكين خطأ فى أيديهن ، واستعظمن أن يكون يوسف من البشر ، وأن يرتكب المعاصى كالبشر ، ونسبنه إلى الملائكة ، وبلغ الفجر بامرأة العزيز أن صرّحت علنا برغبتها فيه ، وأنها التى راودته عن

٩٦٣

نفسه ، وإن لم يفعل وينصاع لرغباتها فستعمل على سجنه! والغريب أن النساء وافقنها على رغبتها وطلبن أن تكون له معهن مثلما له مع امرأة العزيز ، وآثر يوسف السجن على ما يدعونه إليه ، ودعا ربّه أن يصرف عنه كيدهن ، ونفّذت المرأة الفاجرة ما وعدت أن تنزله به إن لم يطاوعها ، وسجن يوسف ، وظل فى السجن مدة ربما طالت ، إلى أن حلم الملك حلمه عن البقرات السمان والعجاف ، والسّنبلات الخضر والأخر العجاف ، ففسّره يوسف بطريقته ، وأرسل إليه الملك فرفض ، إلا أن تقول النسوة الحقيقة ، وهل هو فعلا راودهن؟ فقلن : (حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥٣) (يوسف) ، والكلام موصول ، وقولها «حاش لله» مرتبط بقولها «ليعلم أنى لم أخنه بالغيب» ، أى أنها لم تستمر فى الكذب ولم تغتبه وتذكره بالسوء ، وسارعت إلى تبرئته ، وأكدت أنها على حبها لها ولم تخنه مع آخر ، واعترفت بأنها لم تكن بريئة مما اتهمته به ، وأن الحقيقة لا بد أن تنكشف ، والخائن لا يمكن إلا أن يفضحه الله بخيانته ، ونسبت اتهامها له فى البداية بأنه من فعل النفس الأمّارة بالسوء ، ثم تولاها الله برحمته وهداها ونصرها على نفسها. وتنتهى القصة وما انتهت دروسها وآدابها وما بها من عظات وعبرات. وما أعظم الفارق بينها وبين قصة التوراة ، فما بينهما كما بين الأرض والسماء! والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٨٠٢. يعقوب أقام بأرض جاسان Goshen من مصر

فى سفر التكوين أن يعقوب لما حضر إلى مصر أقطعه ابنه يوسف من أرض جاسان أو جاشان ـ الإقليم الشرقى من مصر ـ أرض رعمسيس (التكوين ٤٧ / ١٢) ، فقد كان يوسف وزير الفرعون والمتصرّف من ثم فى هذه الأرض ، وكان الفرعون يحكمها ، واسم الفرعون ليس مصريا ، «وأقام يعقوب فى أرض مصر بجاسان فتملكوا فيها ونموا وكثروا جدا» (٤٧ / ٢٨). ولمّا مات يعقوب توجه يوسف والأسباط وكبراء بنى إسرائيل لدفنه ، «وتركوا أطفالهم وغنمهم وبقرهم فى أرض جاسان» (٥٠ / ٩). ولمّا ارتحل موسى ببنى إسرائيل من مصر خرج من رعمسيس جاسان (١٢ / ٣٨). وكل قصة موسى مع الفرعون لم تتعد أرض جاسان ، وقوله تعالى فى القرآن : (تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً) (يونس ٨٧) ، وقوله : (وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) (الزخرف ٥١) هو من باب تعريف الجزء بالكل ، ومنه قوله تعالى : (اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ) (البقرة ٦١) ، وقوله : (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ) (٩٩) (يوسف) ، فأى أرض بمصر هى مصر.

* * *

٩٦٤

٨٠٣. قصة أيوب

لأيوب قصتان وشخصيتان فى التوراة والقرآن ، والقصتان والشخصيتان مختلفتان بحسب تصور الكتابين لفكرة الشخصية أولا ، ثم لفلسفة الدين والتدين ثانيا. وأيوب التوراة : إنسان متوازن فيما يخص سلوكه تجاه الدين أو الدنيا ، وهو يأخذ من الدنيا كل ما تتيحه له من المتع ، ومن ذلك يعطى الله كل مطلوباته الأخروية. وأيوب القرآن : صورة للمؤمن التقى الذى تنزل به النوازل فيشكر الله فى السرّاء والضرّاء ، ويعيش للناس وينكر نفسه. وفى التوراة بحسب أيوب فإن الفرد يأتى أولا ، وفى القرآن فإن الأولوية عند أيوب للجماعة ، ومن ثم فإن أعمال أيوب فى التوراة فردية ، وأعماله فى القرآن جمعية. والله بالنسبة له فى التوراة هو ربّه هو ، وهو فى القرآن هو ربّه وربّ الناس والعالمين. والصورة التى يرسمها القرآن لأيوب هى صورة العبد الصابر الراضى بقضاء الله ، وهى صورة لا تتوافق مع المزاج اليهودى ، ولذا قال اليهود : إن قصة أيوب فى التوراة ليس لها الطابع اليهودى!! والقصة كما هى فى التوراة يتضمنها سفر خاص بها هو السفر الأول من أسفار الجزء الثانى من كتب العهد القديم الإسرائيلى ، وقالوا فيه إن من كتبوه كانوا أكثر من واحد ولم يكونوا عبرانيين ، إلا أنهم مع ذلك ضمّوا السفر لمجموعة الكتاب المقدّس كى يعدّ الكتاب أضخم وأكبر. واسم أيوب Job يعنى بلغة العامة عندهم «الأونطجى» ، أو كثير الكلام ، أو بائع الكلام ، بالنظر إلى كثرة ما تكلم به عن السّقم رغم أنه من المفروض أن يكون سقيما ، والسقيم لا يستطيع الكلام إلا لماما ، وقدّموا لذلك فقالوا إن سقمه لم يصب لسانه ولا تفكيره. و «دموع أيوب» و «صبر أيوب» ، ذهبا مثلا فى العربية كما فى اللغات الأوروبية وفى العبرانية. وقيل : ربما كان أيوب عربيا ، يعنون أنه لا يمكن أن يتحمّل ما تحمّل إلا العربى ، وأما العبرانى فإنه يتمرد فى مثل حالة أيوب ، وقالوا : والذى يؤكد أنه لم يكن عبرانيا أن موطنه كان أقرب إلى شعوب المنطقة منه لشعب إسرائيل ، فمن المحتمل أن تأثّره بالثقافات من حوله كان أكبر ؛ إلا أن أيوب مع ذلك ، كان فى صميمه عبرانيا وإن كان حديثه مع ربّه لا ينبئ أنه يتحدث إلى إله عبرانى ، والعبرانيون يعتبرون قصة أيوب من الأدب الشعبى العبرانى ، ولها مكانة خاصة فى الهجادا العبرانية ، وتروى بروايات عدة فى التلمود ؛ وأما سفر أيوب فقد كتبه من كتبه ، وهذّب كلامه ، وقسّمه فصولا ومشاهد ، ونقله ـ كما قيل ـ بلغته الشعرية العامية ، وأضاف إليه منثورات مكمّلة للقصة. ولم يحفل القرآن أن يجعل من قصة أيوب شيئا يستأثر باهتمام الناس ويسرّون بسماعه ، وإنما نبّه إلى أن أيوب نبىّ يوحى إليه ، وأنه فى مرتبة كمرتبة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم وإبراهيم ،

٩٦٥

وإسماعيل ، ويعقوب ، والأسباط ، وعيسى ، ويونس ، وهارون ، وسليمان ، وداود ، كقوله تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (١٦٣) (النساء) ، وإن لم يكن نبيّا فكيف استطاع أن يتحمل ما تحمل؟ وهؤلاء الأنبياء جميعا كان يوحى إليهم ، والوحى إعلام فى خفاء ، والنبوة مثل وقدوة ، وقيل : كان أول الأنبياء فى الأرض إدريس المسمى أخنوخ ، ثم نوح ، فإبراهيم ، ولوط ، فإسماعيل ، فإسحاق ، فيعقوب ، فيوسف ، ثم هود ، فصالح ، ثم موسى وهارون ، ثم أيوب ، ثم الخضر ، ثم داود ، وسليمان ، ثم يونس ، ثم إلياس ، ثم ذو الكفل أو عوبديا ، ثم عيسى ، ثم محمد. وأيوب إذن هو النبىّ الثالث عشر ، وفى القرآن هو من ولد إبراهيم كقوله تعالى : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (٨٤) (الأنعام) ، فكل الأنبياء من ولد إبراهيم غير إدريس ، ونوح ، ولوط ، وهود ، وصالح ، ولم يكن من العرب أنبياء إلا خمسة : هود ، وصالح ، وإسماعيل ، وشعيب ، ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وسموا عربا لأنه لم يتكلم بالعربية غيرهم.

ويعتبر النصارى سفر أيوب أحد أسفار الحكمة القديمة ، ويرسم صورة حيّة قوية لآلام أيوب ، وينقل النقاشات التى دارت بينه وبين أصدقائه الثلاثة وزميلهم الرابع حول القضاء والقدر ، وهى مناقشات فيها عمق وحكمة. ومسألة المسائل فى هذه المناقشات أن يمتحن البار فى إيمانه ، وإنها لمشكلة أن يتعرض البار بالذات لهذا الامتحان القاسى. وأيوب فى القصة غنى جدا. ويمتلك الضياع والثروة الحيوانية والخدم والحشم ، وله سبعة أبناء ذكور من الرجال ، وثلاث بنات متزوجات ، ويبدو مترفا شديد الترف ، ودفوعه الفلسفية فى مسألة الابتلاء للبار تبدو من نوع جدال المترفين ، وليس فيها أية اهتمامات من قبله وأصحابه بشئون الناس ، وبالشأن العام «جملة» ، واعتقاده : أن النازلة لا تحلّ إلا بالأشرار ، وأما الأخيار فلهم الحسنى فى الدنيا ، اعتقاد ساذج. وثورة أيوب : لأنه لم ير أنه يستحق أن تنزل به النوازل ، ولذا أبدى شكّه إزاء العدل الإلهى ، وأصحابه ردّوا ما نزل به إلى خطايا لا بد أنه ارتكبها ولم يدر بها ، وأيوب ينفى ذلك بشكل قاطع ، إلا أنه لا يدّعى أنه برىء كل البراءة ، ومع ذلك فهو لا يذكر بالتأكيد أنه فعل شيئا يستحق عليه كل هذا العقاب.

والمراجع اليهودية على أن هذه القصة خيالية من نوع القصص التعليمى ، وفى بدايتها يأتى الحوار بين الله وإبليس ، أو بين مبدأ الخير ومبدأ الشر ، ويثنى الله على أيوب لتقواه ، ويسخر إبليس من تقوى أيوب المدّعاة ، لأن أى إنسان فى مكانه لا بد أن يظهر الحمد ، فلم

٩٦٦

يوجد خير إلا وقد وفّره له الله ، فلو حرم بعض ذلك فلن يثبت له إيمان ، ويقبل الله أن يحرمه إبليس من ثروته وعياله ويبقى عليه هو نفسه ، وتذهب ثروته بددا ، فأراضيه وخيله وبقره وغنمه يستولى عليها الأعداء ، ويقتلون حشمه وخدمه ، وتطيح العاصفة بسقف بيته ، وتدمّر البيت على أولاده فيقتلون جميعا ، الذكور والبنات ، إلا امرأته. ولما أعلموا أيوب بالمصيبة الأولى شكر لله الضرّاء كما كان يشكر له السرّاء. وفى المرة الثانية لمّا عرف بفقد عياله صرخ وبكى وأهال التراب على رأسه ، ولكنه ندم واستغفر. وفى المرة الثالثة لما ظهر الطفح الجلدى بجسمه جميعا وبدأت آلام بطنه ، شككته امرأته فى إقباله على الله رغم نوازله ، فعاتبها وقال لها : أنقبل الخير من الله ولا نقبل منه الشرّ. واشتد به المرض العضال ثمانى عشرة سنة ، عانى فيها أشد المعاناة ، وازداد به اليأس من حالته ولكنه كان يرى بقلبه أنه فى يوم من الأيام سيأتى الفرج ويكون الخلاص ، وسيعود إليه رضا الله عنه ، وبقى أيوب ثابت الإيمان ، راسخ الاعتقاد فى الله ، ودائم التوكّل عليه ، حتى أنه ليرى أنه إذا مات ولم يكن قد انصلح حاله فإنه حتما سيكرمه الله وسيجازيه على ما احتمل ، ويقول أحد أصحابه عندئذ : ربما أن الألم الذى ينزل بالأبرار ليس غضبا من الله ، ولكنه تأديب منه تعالى كتأديب الأب الشفوق بولده. وحينئذ ظهر لهم الله ينبّههم إلى ضالة ما يعرف الإنسان ، وأن عقله ومعرفته لا يؤهلانه لفهم أحكامه تعالى ، فيتواضع أيوب. ثم إنه يشفى ويعود لثرائه ، وتعود إليه أسرته. والقصة تستغرق اثنين وأربعين فصلا ، وكان لذلك أثره على شرّاح القرآن فتعرّضوا لمسائل وتفاصيل فى حياة أيوب لم ترد فى القرآن ، وذلك هو الجانب الوحيد الذى اهتم به المستشرقون من أمثال آيزنبرج ، وجرينباوم ، وهوروفتس ، وسيليجزون ، ولم يهتموا بدراسة فروق بين القصتين فى القرآن والتوراة ، ودلالات ذلك من جهة الروح العامة اليهودية والعربية ، وما استأثر بعناية كل من اليهود والعرب من القصة ، ومردود ذلك على تفسيراتهم لاسم أيوب فى العربية والعبرية. ولقد شرحنا مضمون الاسم فى العبرية ، وبقى مضمونة فى العربية. واسم أيوب من آب أوبا ، ومآبا ، أى رجع ، تقول : آب إلى الله ، يعنى تاب إليه ، والأوّاب هو التائب ، وكان أيوب من الأوّابين وقال فيه الله تعالى : (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (٤٤) (ص) ، فلأنه ابتلى وصبر ، وكان كثير الرجوع إلى الله بالاستغفار والتوبة والإنابة ، فإنه كان نعم العبد. والصبر لا يقدر عليه إلا أولوا العزم ، وللصابرين عقبى الدار ، وفيهم قال تعالى : (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا) (السجدة ٢٤) ، وأيوب صار بالصبر من الأئمة ، وكان صبره فى القمة ، يقول تعالى : (وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)

٩٦٧

فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) (٨٤) (الأنبياء) ، ويقول : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (٤٤) (ص) ، وفى هذه الآيات أكرم الله أيوب فجعله عبدا من عباده ، ونسبه إلى نفسه ، والخطاب فيها للنبىّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولجماعة المؤمنين ، للاقتداء بأيوب فى الصبر على المكاره. والنصب : هو ما أصيب به فى بدنه ؛ والعذاب : هو ما أصابه فى ماله ، والإجماع بين المفسرين المسلمين على أن أيوب كان غنيا جدا. وربما كانت قصة أيوب فى القرآن هى المقابل لقصة قارون ، فكلاهما كان عبرانيا ، إلا أن قارون لم يكن مؤمنا ، وكان بخيلا بماله ، ويسعى وراء الكسب بكل ما أوتى من الحيل ، بينما كان أيوب مؤمنا وملتزما. والمفسرون العرب على أن أيوب كان من البثنية من نواحى دمشق ؛ وفى سفر أيوب من التوراة أنه كان يسكن على تخوم الصحراء من جهة العراق فى زمن الكلدانيين ، وكانوا يغيرون على الأهالى من العبرانيين من أهل غرب فلسطين. وفى التفسيرات العربية أن إبليس كان له موقف من السماء السابعة ، وسأله ربّه : أقدرت من عبدى أيوب على شىء؟ فقال إبليس : يا ربّ ، وكيف أقدر منه على شىء وقد ابتليته بالمال والعافية؟! فلو ابتليته بالبلاء والفقر ، ونزعت منه ما أعطيته ، لخرج عن طاعتك! قال الله : قد سلّطتك على أهله وماله. ـ فانحطّ عدو الله فجمع عفاريت الجن فأعلمهم ، فتحوّلوا إلى إعصار نار أهلك مال أيوب ، وجاءه قيّم ماله فأعلمه ، فقال أيوب : الحمد لله ، هو أعطى وهو منع! ثم جاء إبليس إلى بيته وولده ، فاحتمل البيت من نواحيه وألقاه على أهله وولده. وأعلموه بما جرى ، فألقى أيوب بالتراب على رأسه ، ثم تاب وأناب ؛ ثم إن الله سلّطه على بدنه إلا على لسانه وقلبه وبصره ، فجاءه إبليس ونفخ فى منخريه ، فانتشرت فى جسمه الثآليل ، فحكّها بأظفاره حتى دميت ، وقال قولته : «مسّنى الضرّ» وفى الرواية الأخرى : «مسّني الشيطان» ، وأصابه المسّ بالنصب والعذاب. ثم إن الشيطان جاء زوجته وعرض عليها أن تسجد له سجدة واحدة فيشفى لها أيوب ، فأخبرت زوجها ، فأقسم أن يضربها إن عافاه الله.

وقيل فى أيوب : إن سبب بلائه : أن مظلوما استعان به فلم ينصره ؛ وقيل : منع يوما فقيرا أن يدخل عنده للغداء ؛ وقيل : داهن الملوك يوما حتى لا يغزو ، فابتلاه الله. وقالوا فى زوجته : كانت زوجته بنت يعقوب ، وكان أيوب فى زمن يعقوب ؛ وقيل : كانت زوجته

٩٦٨

بنت يوسف. وكل ذلك سواء فى أيوب أو فى زوجته ، من الإسرائيليات ، ويصوّر مدى تمكّنها عند هؤلاء المفسرين من أمثال الطبرى. وقوله : أنه كان لإبليس يوم فى العام يصعد فيه إلى السماء السابعة ويلتقى الله ، قول باطل ، لأنه أهبط منها بلعنته تعالى وسخطه ، فكيف يرقى ثانية إلى محل الرضا؟ وكيف يتسنّى له أن يجول فى مقامات الأنبياء ، وأن يخترق السموات العلى ويعلو إلى السماء السابعة؟ وآه ثم آه من الطبرى هنا! وادعاؤه قوله تعالى لإبليس : «هل قدرت على عبدى أيوب على شىء؟» باطل أيضا ، لأن الله تعالى لا يكلم الكفّار ، فكيف يكلم أميرهم إبليس؟ وكيف يقول تعالى : قد سلّطتك على ماله وعياله وجسمه مع أنه لا سلطان لإبليس على عباد الله؟! أضف إلى ذلك أن أيوب نبىّ كما جاء فى القرآن ، والأنبياء قد عصمهم الله؟! والقصة كلها إذن ، كما هى عند المفسرين المسلمين ، نقلا عن أمثال كعب الأحبار قطب الإسرائيليات ، ملفقة ولا يقبلها عقل ، وهل يمكن أن يتراهن الله مع إبليس؟! وقصة الرهان هذه تأثر بها جوته ، فجعل انحراف فاوست باتفاق أيضا مع إبليس! والشرّ المنسوب إلى الله عرفا فى القصة ، وسمح به المفسرون المسلمون ، لا يفعله الله شرعا ، فصحيح أن الأعمال كلها خيرها وشرّها من الله ، يعنى أنه تعالى هيأ وخلق أسبابها ، إلا أنه لم يأمر بالشرّ ولا يرضى به! وجعل الاختيار بين الخير والشر مسئولية الإنسان ، ومن ثم كان حسابه. والشر لا ينسب إلى الله ذكرا ، وإن كان موجودا منه خلقا ، وهو تعالى خلق المرض ، ولكنه أمر الإنسان أن يحذره ويتقيه ويتداوى منه ، وعلّمنا أن نسأله العافية ونحن نستعمل الدواء ، ولا نلامس المرضى؟! وفى دعاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن الخير والشر وأنهما من الله ، قال : «والخير فى يديك ، والشرّ ليس إليك» أخرجه مسلم ، وفى مثل ذلك قال النبىّ إبراهيم : (وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (٨٠) (الشعراء). وواضح فى النص العبرانى : أن القصة وضعت لإتاحة الفرصة للتفلسف ؛ وأما القصة فى القرآن : فإن أيوب فيما ورد عنه من آيات ، يظل مؤمنا عارفا بالله ، ولا يحفل القرآن بما أصاب أيوب تفصيلا ، والمهم فى القصة : استبقاء أيوب لإيمانه. ولم يصحّ عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن ذكر أيوب بحرف واحد فيما يخص هذه القصة برمتها ، ولم يتطرق القرآن إلى شىء مما ترويه التوراة ، وإذن فمن أين حصل أمثال الطبرى على هذه التفاصيل عن حياة أيوب؟! وما هى مراجعه فيها؟ فلا شك أنها روايات اليهود له ، والإسرائيليات مرفوضة البتة عند المسلمين ، فيا أخى المسلم ، ويا أختى المسلمة ، أعرضا بصريكما عن هذه الاختلاقات بشأن أيوب ، وأصما أذانكما عن سماعها ، فإنها لا تعطى عنه فكرة إلا تخيّلا! وقصة التوراة لا تزيد المفكر إلا خيالا ، وما قالته التوراة فى خمس وأربعين صفحة ، وتسعمائة وتسعين كلمة! قاله القرآن فى

٩٦٩

ست آيات لا غير وسبع وستين كلمة. وفى الإسرائيليات قال ابن عباس : يا معشر المسلمين ما تسألون أهل الكتاب ، وكتابكم الذى أنزل على نبيّكم فيه أحدث الأخبار بالله ، تقرءونها محضا لم تشب ، وقد حدّثكم القرآن أن أهل الكتاب قد بدّلوا من كتب الله ، وغيّروا ، وكتبوا بأيديهم الكتب ، فقالوا : (هذا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) (البقرة ٧٩). ومع ذلك لم ينهكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم. فلا والله ، ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذى أنزل عليكم!!! وهذا حق فما يسألنا اليهود ، فلما ذا نسألهم نحن وقد علمنا أنهم حرّفوا كتبهم؟! ولننظر مليا فى جمال التعبير القرآنى وإيجازه المعجز عند ما يقول : (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ) (٤٢) (ص) ، والركض بالرّجل هو الدفع بها ، وهو أيضا تحريكها كما فى العدو ، فلمّا ركض أيوب انصياعا لقوله تعالى ، نبعت عين ماء ، وتدفق منها الماء فاغتسل به : «هذا مغتسل بارد وشراب» ، فذهب الداء عنه من ظاهره ، ثم شرب منه فذهب الداء من باطنه ؛ قيل : العين فى الجابية بالشام ، وهى عينان ، اغتسل من واحدة وشرب من الأخرى. والأمر بالركض بالرّجل ليتناثر عن أيوب الداء منها ومن جسده كله ، وهذا هو ما نعرفه بالعلاج بالركض ، أو العدو ، وهو من فوائد هذه الآيات المباركة ، وقال به الطب العلاجى والنفسى حاليا ، ومنه العلاج بالمشى رهوا لا عدوا. كما أن الشراب والاغتسال من العيون المعدنية علاج أكيد لكثير من الأمراض الجلدية ، وخاصة المياه الكبريتية ، ومنطقة شرق فلسطين مشهورة بوجود الكبريت فى أرضها ومياهها ، والعيون من هذا النوع كثيرة ، والكبريت علاج ناجح ، والعلاج بالماءhydrotherapy من العلاجات الطبية والنفسية كذلك مما ينصح به أطباء اليوم. ولم يكن قول أيوب «مسّني الضر» جزعا ، بل كان دعاء منه ، والجزع فى الشكوى إلى الخلق لا إلى الله ، والدعاء لا ينافى الرضا ، والدليل أنه دعاء أن الله تعالى قال : «فاستجبنا له» ، والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء ، فلما استجاب له ، وهو أرحم الراحمين ، آتاه أهله ومثلهم معهم ، رحمة من عنده ، يعنى ولدت له امرأته البنين والبنات ، فعوّض عمّن مات ، وكان أولاده قد ماتوا ابتلاء قبل آجالهم. ومثلما أمره تعالى أن يركض برجله ، أمره أن يأخذ ضغثا ، أى حزمة من الحشيش المبلول ويضرب بها نفسه لا تأخذه بها رحمة ، وهو نوع آخر من العلاج قصد إليه بقوله تعالى : «لا تحنث» ، أى لا تقلل الضرب ولا تنقصه لكى يتم له الشفاء وتتنبّه حواسه جميعا ، ويندفع الدم إلى خلايا جسمه الذابلة ، وتزيد يقظته ووعيه. وقيل : كان أيوب قد أقسم إذا شفاه الله أن يضرب زوجته مائة جلدة لأنها سمحت أن يكلمها إبليس ويقنعها أن تسجد له ليشفى زوجها؟! ولو لم تعتذر بضرورة أن تستأذن زوجها أولا لفعلت؟! وقيل :

٩٧٠

إن أيوب ضربها ضربة واحدة بحزمة الحشيش المبلول ، وكان بها مائة عود ، فاعتبر أنه ضربها مائة جلدة. ولا نصدق أنه ضربها فعلا ، فقد ظلت زوجة له عند ما انصرف الكل من حوله فى مرضه ، واستقذروه حتى أبعدوه عن بلدتهم ، وكانت تعمل بيديها خادمة فى البيوت لتستطيع أن تطعمه. وقيل : إنها فى إحدى المرات لم تجد ما تطعمه به فباعت ذوائبها ـ أى جدائلها ـ نظير رغيفى خبز ، فهل مثل هذه المرأة يمكن أن يضربها زوجها عند ما يشفى بعد ثمانى عشرة سنة من المرض والمعاناة؟! لا نعتقد ذلك ، وتأباه إنسانيتنا ، وتستنكره عقولنا ، وقد أخطأ المفسّرون العرب والمسلمون أيّما خطأ عند ما شنّعوا بهذه التشنيعات ، فاحذر يا أخى المسلم كتب التفسير هذه. ولقد استشعر الوجدان الشعبى حبّ امرأة أيوب لزوجها فنسج الشعراء فيه القصائد ، وروى القصّاصون الحكايات ، وجاء أن اسمها ناعسة ، فصارت «حكاية أيوب وناعسة» من الأدب الشعبى المشهور والمحبوب. والدليل أن أيوب استخدم الضّغث ليضرب نفسه لا زوجته ولم يحنث ، قوله تعالى : (إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (٤٤) (ص) ، فكان مثلا فى الاحتمال ، وصار كما يقول القرآن : (وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) (٨٤) (الأنبياء) ، يعنى يذكرونه فى زمنه وفى غير زمنه ، فإذا ذكروا بلاءه وصبره عليه وهو الذى كان أسعد وأحظى أهل زمانه ، تنبّهوا لمداومة عبادة الله واحتمال المضار مثله.

وقيل : إن أحدهم سئل عن عبدين ابتلى أحدهما فصبر ، وأنعم على الآخر فشكر ، فقال إنهما أيوب وسليمان ، وكلاهما سواء ، لأن الله تعالى أثنى عليهما معا : الصابر والشاكر ، فقال فى أيوب : (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ، وقال فى سليمان : (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ)! والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٨٠٤. مخاطبات أيوب لربّه من سفر أيوب

اسم «أيوب» اسم قديم لم يبتدعه مؤلفا «سفر أيوب» ، فقد ورد ضمن بعض وثائق فى العمارنة ، وأسلوب أيوب فيه استلهم سفر إرميا ، وألهمت مخاطباته الكثير من الفلاسفة الحكماء العرب وغير العرب ، وموضوعه الخير والشر ، وفيه أن المصائب ليست سوى عقوبات ناتجة عن الآثام ، ونفس هذا الكلام ردّده الحواريون تلاميذ المسيح عند رؤيتهم للأعمى منذ ولادته (يوحنا ٩ / ١). وهذه بعض مخاطبات أيوب لربّه كمثال لأسلوبه ، تقول المخاطبات :

٩٧١

بعد ذلك فتح أيوب فاه ولعن يومه وقال : لا كان نهار ولدت فيه ، ولا ليل قيل فيه قد حبل برجل. ليكن ذلك النهار ظلاما ، ولا رعاه الله من فوق ، ولا أشرق عليه نور. لتستبد به الظلمات وظلال الموت ، وليقر عليه غمام ، ولتروّعه كواسف النهار.

أقول لله لا تؤثّمنى. أعلمنى على أى شىء تحاكمنى؟ على علمك بأنى لست بمنافق ، وأنه لا منقذ لى من يدك؟ أذكر أنك صورتنى مثل الطين ، أفتعيدنى إلى التراب؟

إنما الحكمة عند الأشيب ، والفطنة فى طول الأيام. الله عنده الحكمة والجبروت ، وله المشورة والفطنة. ذلك كله رأته عينى وسمعته أذنى وفطنت له. وما تعلمون فإنى أنا أيضا أعلمه لا أقصر عنكم فى شىء. لكننى إنما أخاطب القدر وأود أن أحاجّ الله. اسكتوا عنى فأتكلم مهما أصابنى. أمرين يا ربّ لا تفعل بى. أزل عنى يدك ولا تروعنى هيبتك.

الإنسان مولود المرأة ، قليل الأيام ، كثير الشقاء. فاصرف عنه طرفك ليستريح إلى أن يفى نهاره كالأجير.

أيامى قد انقضت وتقطّعت مآربى التى هى حظ قلبى. جعل ليلى نهارا ، ونورى يكاد يكون ظلاما. ما رجائى؟ إنما الجحيم بيتى ، وفى الظلام مهدت مضجعى. قلت للفساد أنت أبى ، وللديدان أنت أمى وأختى. إذن أين رجائى؟ رجائى من يراه؟ إنه يهبط إلى أبواب الجحيم. لا جرم إن فى التراب لراحة.

* * *

٨٠٥. نهاية أيوب من سفر أيوب

بعد أن يتفلسف أيوب ـ كما جاء بسفر أيوب ـ ويطرح أسئلة الشك عنده ، والتمرّد على وضعه ، يبدى الندم والاستغفار ويتوب إلى ربّه ، ويصلى من أجل أخلائه ، فيردّ الربّ عنه بلاءه ، ويرجع إليه ماله وعياله ، ويزيده ضعف ما كان له قبلا ، ويبارك آخرته أكثر من أولاه ، فيكون له من الغنم أربعة عشر ألفا ، ومن الإبل ستة آلاف ، ومن البقر ما يزحم ألف فدان ، وألف أتان. وكان له سبعة بنين وثلاث بنات. ولم توجد نساء فى الحسن فى الأرض كلها كبنات أيوب ، وأعطاهن أبوهن ميراثا بين إخوتهن ، وعاش أيوب بعد هذا مائة وأربعين سنة ، ورأى بنيه وبنى بنيه إلى أربعة أجيال ، ثم مات شيخا مؤمنا قد شبع من الأيام ، وهذا كله من بركة الإيمان! ونظيره قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) (الأعراف).

* * *

٨٠٦. قصة الألوف الذين خرجوا حذر الموت

هؤلاء من بنى إسرائيل تذكرهم الآية : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ

٩٧٢

حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) (٢٤٣) (البقرة) ، والخطاب فيها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم لكل مؤمن بالله ، يقول له : «ألم تر» ، والرؤية رؤية القلب ، بمعنى ألم تعلم ، أى تنبّه أو تنبّهوا إلى أمر هؤلاء ، وقصتهم أنهم وقع فيهم الوباء ، فخرجوا هاربين ، ونزلوا واديا ، فأماتهم الله. وقيل كانوا أربعة آلاف فرّوا من الطاعون يطلبون أرضا ليس بها موت ، فأماتهم الله ، فمرّ بهم نبىّ فدعا الله فأحياهم. وقيل ماتوا ثمانية أيام ، أو سبعة أو ثلاثة أو يوما واحدا ، عقوبة لهم ، ثم بعثهم الله إلى بقية آجالهم. وقيل اسم النبىّ هذا هو شمعون ـ وليس فى بنى إسرائيل نبىّ اسمه شمعون. وقيل إنهم فرّوا من الحمّى ، والمعقول أنهم فرّوا من الجهاد لمّا أمروا به وكتبه الله عليهم على لسان حزقيال ـ وحزقيال هذا من أعدى أعداء مصر ، وللأسف فإن الأقباط فى مصر يقرءونه ويصلّون بترنيماته عن الابتلاءات والمصائب يدعو بها على مصر وشعبها ، فكيف يكون عندهم ولاء بعد ذلك لمصر؟ يقول حزقيال : السيف يأتى مصر (٣٠ / ٤) ، حين سقط القتلى فى مصر ، ويسبى جمهورها ، وتهدم أسسها .. وتكون مصر سافلة بين الممالك ولا ترتفع من بعد على الأمم فإنى أقلل أعدادهم لئلا يتسلطوا على الأمم» (٢٩ / ١٤ ـ ١٥) ، ولم أجد ضمن هذا السفر قصة كقصة هؤلاء الناس فى الآية ـ «الألوف الذين خرجوا حذر الموت». وقيل إن هؤلاء الفارين لمّا خرجوا من ديارهم حذر الموت ، أماتهم الله ليعرّفهم أنه لا ينجيهم من الموت شىء ، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد. وكل هذه الروايات من الإسرائيليات وليس لها إسناد ، وإنما اللازم من الآية أن نتنبّه إلى أمثال هؤلاء الفارين ، وأن نتوقف أمام مصائرهم ، ونفيد من قصتهم : أن الإماتة بيد الله لا بيد غيره ، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر. وقوله تعالى : «وهم ألوف» جمع ألف ، وهو جمع كثرة ، ولا يقال ألوف فى عشرة آلاف فما أقل ، وهم على ذلك أكثر من عشرة آلاف. والموت الذى أماتهم هو موت عقوبة ولذلك أحياهم ، لأن ميتة العقوبة بعدها حياة ، وأما ميتة الأجل فلا حياة بعدها. وقيل : الذى قال لهم موتوا فماتوا ليس الله ، وإنما أمر به ملك. وفقه هذه القصة يشير به الحديث عن الطاعون : «رجز أو عذاب عذّب به بعض الأمم ، ثم بقى منه بقية ، فيذهب المرة ويأتى الأخرى ، فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ، ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارا منه» ، وفى ذلك دلالة على توقّى المكاره قبل نزولها ، وتجنّب ما يخيف قبل قدومه ، والصبر وترك الجزع بعد نزوله ، ومثل ذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا». ولما قال أبو عبيدة لعمر عند ما سمع بالطاعون فى بلدة فرجع : أفرارا من قدر الله؟ قال عمر : نعم ، نفرّ من قدر الله إلى قدر الله! ـ يعنى لا

٩٧٣

محيص للإنسان عمّا قدّره الله له وعليه ، ولكنه تعالى أمرنا بالتحرّز من المخاوف والمهلكات ، وباستفراغ الوسع فى التوفّى من المكروهات ، وهذا هو الدرس المستفاد من قصة الألوف الذى خرجوا حذر الموت.

* * *

قصة النبىّ إلياس

٨٠٧. من كان إلياس؟ وهل هو إيليا فى التوراة؟

يذكر القرآن النبىّ إلياس Elias مرتين ، يقول : (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٨٥) (الأنعام) ، ويقول : (وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (١٣٢) (الصافات) ، وقيل : اسم إلياس تصحيف عربى للاسم العبرى إيلياElijah ، ويعرف عند اليهود باسم إيليا التشبى لأنه ولد فى تشبة على الأرجح وإن كان قد عاش فى جلعاد ، فى عهدى الملكين أخاب وأحازيا. وقوله تعالى عن إلياس أنه «من الصالحين» لأنه كان زاهدا يدعو إلى الخير ، ويلبس الشّعر ـ أى الصوف ـ ويتمنطق بالجلد ، كالنّبي يحيى ، ويسكن البرية غالبا ، وحارب الفساد والكفر اللذين نشرتهما إيزابل بدعوتها لعبادة البعل عن عبادة الله. ومن المفسرين العرب من يقول إن إلياس أو إيليا هو نفسه النبىّ إدريس ، وعن ابن مسعود قال : «إن إلياس هو إدريس». وقال وهب بن منبه ـ وهو أصلا يهودى : إدريس هو إلياس بن نسّى بن فنحاص ، بعثه الله بعد حزقيال». ولم نجد أن إلياس ـ الذى هو إيليا بالعبرية ـ ينتسب لنسّى ، ولا أن اسم أبيه نسّى! وقال ابن منبّه نقلا عن التوراة : إلياس أرسل لقوم يعبدون الصنم بعل ، فدعاهم إلى الله ، ونهاهم عن عبادة ما سواه ، وكان قد آمن ملكهم بالله ثم ارتد ، واستمروا على ضلالتهم ، ولم يؤمن به أحد منهم ، فدعا الله عليهم ، فحبس عنهم القطر (المطر) ثلاث سنوات ، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم ، ووعدوه بالإيمان به إن هم أصابهم المطر ، فدعا الله تعالى ، فجاءهم الغيث ، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر ، فسأل الله أن يقبضه إليه ، وكان قد نشأ على يديه اليشع بن أخطوب ـ ويقصد اليشع بن شافاط! والصحيح أن القرآن قد ذكر إلياس كما فى الآيتين السابقتين ، وذكر إدريس مستقلا عن إلياس ، قال : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا) (٥٦) (مريم) ،

٩٧٤

وقال : (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) (٨٥) (الأنبياء) وإذن فإلياس بخلاف إدريس. وقيل إنه أخنوخ فى التوراة ، والصحيح أن قصة إدريس فيها من قصة إلياس ، ولكن إلياس فى القرآن ليس إدريس بالتأكيد. وما ورد فى القرآن فى صفات إلياس لا ينطبق حتى على إيليا ، ولا نفيد شيئا من قصة إيليا فى التوراة رغم طولها ، وعكس ذلك فى القرآن ، فمن طريقته الإيجاز والإجمال فى القصص ، والمهمّ فى القرآن هو : الموعظة والمستفاد من القصة ، أو من إيراد اسم هذا النبىّ أو ذاك باعتبار ما دعا إليه وجاهد من أجله ، وأن ما نزل من القرآن على محمد يصدّق ما بين يديه ، يعنى ما جاء قبله. والبعل الذى ورد فى قصة إيليا قال فى معناه ابن عباس : إنه الربّ ، وقال غيره هو لغة أهل اليمن عما كانوا يعبدونه ، وقال آخرون إنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها بعل ، وقيل هو اسم صنم كان يعبده أهل بعلبك ، وفى الآية : (أَتَدْعُونَ بَعْلاً) (الصافات ١٢٥) أى أتعبدون صنما؟ والصحيح أن البعل اسم سامى معناه ربّ أو سيد أو زوج ، والجمع فى العبرية بعليم ، وفى الاصطلاح هو إله كنعانى ، وكان ابن الإله إيل ، وزوج الإلهة بعلة ، المسماة أحيانا عشيرة ، أو عنات ، أو عشتاروت ، ويعرفونها أحيانا باسم هدد ، وكان إله المزارع وربّ الخصب فى الحقول وفى الحيوانات والمواشى. وكانوا مولعين بعبادته ويضحّون بالذبائح البشرية له (إرميا ١٩ / ٥) ، ويبنون له المبانى الضخمة ، ومن ذلك مدينة «بعلبك» فى لبنان ، ومعنى الاسم «مدينة البعل». والإسرائيليون عبدوه وجعلوه من آلهتهم (ملوك أول ١٨ / ١٧ ـ ٤٠ ، ويشوع ٢٢ / ١٧ ، وعدد ٢٥ / ٣ ، ٥ ، ١٨ ، والمزامير ١٠٦ / ٢٨ ، وتثنية ٤ / ٣). وكانت دعوة إيليا الذى يقال إنه إلياس ـ ضد البعل ، باعتبار الله تعالى أحسن الخالقين ، أى المستحق وحده للعبادة ، لأنه الخالق الأول الذى يردّ إليه كل الخلق ، وما خلقه هو الأحسن والأفضل ، وليس باستطاعة أحد مجاراته ، وكان إيليا أو إلياس ، ملحا فى دعوته حتى أن الملك أخاب لما التقى به قال : أأنت إيليا مقلق إسرائيل؟ فذهبت مثلا. وكانت إيزابيل قد أكثرت من قتل الأنبياء ، فكان الأحرى بإيليا أن يخاف ، ولكنه طلب من الملك المباهلة : وهى أن يستحضر أنبياء البعل الأربعمائة والخمسين ، ويواجههم إيليا وحده ، لأنه لم يعد من أنبياء الله سواه ، ويؤتى بثورين يذبحان ويقطعان ولا يوقد تحت أى منهما بنار ، وإنما يدعو أنبياء البعل على إلههم ، أن يتقبل قربانهم ويشوى الثور ، وفعلوا ذلك ، ولم يحدث شىء ، وجاء دور إيليا ، فأعد محرقة كما ينبغى ، ووضع لها الحجارة والحطب والماء ، ونضد لحم الثور على الحطب ، ودعا ربّه فاستجاب له ، وهبطت نار الربّ وأكلت قربانه بحطبه ومائه وحجارته ، فهتف الشعب : الربّ هو الإله! وأمر إيليا بالقبض على أنبياء البعل ، وأنزلهم إلى نهر

٩٧٥

قيشون ، وذبحهم هناك! وقيل : لما فعل ذلك نزل المطر ، فشرب الناس وسقوا بهائمهم والزروع وانتهت المجاعة. وتوعدته إيزابيل ، وطاردته فلول أتباعها ، فهرب إلى بئر سبع ، والتمس من الله الموت يأسا وزهدا ، واضطجع ونام ، فجاءته الملائكة فى الرؤيا ، واستيقظ ليأكل طعامهم ، فتقوّى ، وسار أربعين يوما بلا طعام ، اعتمادا على هذه الأكلة ، يقصد إلى جبل حوريب ، وصعد الجبل يشكو إلى ربّه ظلم شعب إسرائيل ، ونكثهم للعهد ، وتقويضهم لمذابح الربّ ، وقتلهم أنبياءه بالسيف حتى لم يعد منهم أحد سواه ، وسعيهم خلفه يطلبون نفسه وقد بقى وحده ، وعندئذ كانت ريح عظيمة وزلزلة شديدة وكلّمه الله ، فارتحل تبعا لما أمره ، ليمسح حزائيل ملكا على أرام ، ويا هو ملكا على إسرائيل ، فيكون أن من يفلت من سيف حزائيل يلقى سيف يا هو ، والتقى بالنبىّ اليسع فتبعه. وكان أن إيليا ضرب نهر الأردن بردائه فانفلق الماء وجاز النبيان ، ثم جاءت مركبة نارية ، وخيل نارية ، فصلت بينهما ، وصعد إيليا فى العاصفة نحو السماء ، واليسع ينظر ويصرخ ، وحلّت به روح إيليا ـ وكانت لإيليا معجزات أكثر مما للمسيح! والسؤال : فلما ذا لم يعبد اليهود إذن إيليا كما عبد النصارى المسيح؟ وكلاهما : اليهود والنصارى يقولان بالرفع ـ بدعوى أن الله رفع إيليا المسمى إدريس فى زعم البعض ، ورفع المسيح المسمى عيسى ، ويقول اليهود إن إيليا سيعود ، ويقول النصارى المسيح سيعود. وتلك إذن قصة إيليا فى التوراة ، التى أوجزها القرآن فى إعجاز ، وقيل : إن القرآن أطلق عليه الاسم العربى إلياس ، ثم سمّاه فى فخار شأن العظماء من الأنبياء «إلياسين» ، قال : (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ) (١٣٠) (الصافات) ، ومن ذلك قراءة البعض لاسم إدريس النبىّ «بإدرسين ، وإدراسين» على أنها لغات فى إلياس وإدريس. وقرئ الاسم «إل ياسين» : «آل ياسين» ، والآل هم الأهل ، وهم أهل دينه ومن كان معه على مذهبه. ومن قرأ (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ) ، جمع جمع التسليم على أنه وأهل بيته سلّم الله عليهم. وقيل إن (إِلْ ياسِينَ) جمع إلياس ، وسلامه على آل ياسين يعنى على كل رجل فيهم ، أو أنه جمع إلياسى نسبة إلى ياسين وحذفت ياء النسبة. وقرئ أيضا سلام على ياسين بإسقاط الألف واللام. وقيل إن قراءة إلياس الياسين مثل قوله تعالى فى موضع «طور سيناء» ، وفى موضع آخر (طُورِ سِينِينَ). وقيل آل ياسين هم آل محمد ، وياسين هو اسم لمحمد ، وهو قول غريب يخرج المعنى عن مضمون الآية! ثم إن (يس) و (حم) و (الم) ونحو ذلك ، القول فيها واحد ، وهى أنها حروف مقطّعة مأخوذة من أسماء الله ، أو من صفات القرآن ، أو أن فى كل كتاب سرّ ، وسرّه فى القرآن فواتح السور. ثم إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : لى خمسة أسماء ولم يذكر فيها (يس) ،

٩٧٦

وجاءت التلاوة فى ياسين بالسكون والوقف ، فلو كان اسما للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقال ياسين بالضم.

ومن الغريب أن ابن مسعود فى إثبات قوله أن إلياس هو إدريس قرأ الآية : وإن إدريس ، وقال ذلك أبو حيان ، وآزره عكرمة فقال : هو فى مصحف عبد الله بن مسعود : وإن إدريس لمن المرسلين وانفرد بهذا القول. وعن ابن عباس أن إلياس عمّ اليسع ، وأنه كان القيّم على بنى إسرائيل بعد يوشع وحزقيال ، فلما قبض حزقيال النبىّ عظمت الأحداث فى بنى إسرائيل ونسوا عهد الله وعبدوا الأوثان ، فبعث الله إليهم إلياس نبيا ، وتبعه اليسع وآمن به ، فلما عتا عليه بنو إسرائيل دعا ربّه أن يريحه منهم ، فقيل له : اخرج إلى موضع كذا وكذا فما استقبلك من شىء فاركبه ولا تهبه ، فخرج ومعه اليسع ، فقال : يا إلياس ما تأمرنى؟ فقذف إليه بلسانه من الجو الأعلى ، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بنى إسرائيل ، وكان ذلك آخر العهد به. وكان إلياس قد قطع الله عليه لذة المطعم والمشرب ، وكساه الريش ، وألبسه النور ، فطار مع الملائكة ، فكان إنسيا ملكيا سماويا أرضيا!! وفى تفسير ابن قتيبة : أن إلياس سأل ربّه أن يؤخر عنه مذاقة الموت ، فصار يطير مع الملائكة. وقيل : إلياس والخضر كلاهما فى السماء يعبدان الله ، وإنهما ليقولان : «ما شاء الله ما شاء الله ، لا يصرف السوء إلا الله. ما شاء الله ما شاء الله ، ما يكون من نعمة فمن الله. ما شاء الله ، ما شاء الله ، توكلت على الله ، حسبنا الله ونعم الوكيل»!! وروى عن أنس من شطحاته أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان فى غزوة ، فلما كان عند فج الناقة عند الحجر ، سمع صوتا ، وكان النبىّ إلياس يقرئ النبىّ محمدا السلام ، وأنهما تحدثا طويلا ، وطعما معا! وفى القرآن قوله تعالى : (إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ) (١٢٨) (الصافات) ، قيل : فعن ذلك فى التوراة أنهم كانوا سبعة آلاف قد ورمت ركبهم من السجود ؛ وفى القرآن كذلك أن اليسع «من الأخيار» ، يعنى ممن اختير للنبوّة ، والأخيار جمع خيّر ، وهم المصطفون ، اصطفاهم من الأدناس واختارهم لرسالته ، ولذا قال : (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) (١٢٩) (الصافات) ، يعنى له الثناء الجميل والذكر الحسن كلما ذكر اسمه فيمن تلا ذلك من الأجيال ، وقال : (إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (١٣٢) (الصافات) ، قيل : فلأنه آمن بالله وأبلى البلاء الحسن فكان جزاؤه الجزاء الحسن ، فجمع له حسن الأحدوثة ، والسلام عليه يقرن باسمه ، وكانت له درجة الإحسان ، لأنه كان من الذين أعطوا العبودية حقها وآمنوا بالله حتى استحقوا الإضافة إليه تعالى. والخلاصة : أن الكلام عن إلياس فى القرآن لا يحتمل كل هذه التخريجات والتهاويل ، والتأويلات ، ويكفى أن نعلم عن إلياس ما ذكره القرآن دون

٩٧٧

إضافات واجتهادات وتلفيقات. وهذا هو التفسير الأمثل الذى نعتقده وأدعو إليه. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

قصة اليسع

٨٠٨. القرآن لم يصادر على شىء من قصة اليسع فى التوراة

يأتى اسم اليسع فى القرآن مرتين ، قال تعالى : (وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ) (٨٦) (الأنعام) ، وقال : (وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ) (٤٨) (ص). واليسع تصحيف عربى للاسم العبرى اليشع Elisha ، قيل أصل الاسم العربى «يسع» والألف واللام زائدتان ؛ ومعنى الاسم العبرى : الله هو الخلاص ، أو المخلّص هو الله ، وكان من أنبياء بنى إسرائيل ، وتذكره أسفار الملوك ، الثانى والثالث والرابع ، ولا يذكره القرآن إلا اسما ، يقول إنه من المفضّلين على العالمين ، فحكم له بالفضل والسبق فيه ، وأدرجه ضمن أهله ومن لهم الفاضلة ، أى الدرجة الرفيعة ، ووصفه بأنه من الأخيار ، أى من خيرة الناس ، ومن أفضلهم من كل شىء. وفى التوراة أنه اليسع بن شافاط ، من سبط يساكر ، وكانت إقامته فى آبل محولة من وادى الأردن ، وينتسب إلى عائلة ثرية ، فقد كانت أملاك أبيه الزراعية شاسعة حتى ليحتاج لحرثها إلى اثنى عشر زوجا من الثيران ، ولما التقى بالنبىّ إلياس الذى هو إيليا بالعبرية ـ كقول البعض ـ تبعه وسار على نهجه ، وقيل لذلك إن اليسع أو اليشع هو الخضر ، وقيل بل العكس هو الصحيح ، فإلياس هو الخضر واليسع كان فتاه ورحل معه لا يفارقه ، كما كان يوشع فتى موسى ، وكان يخدمه ويصبّ على يديه الماء ، وحاول إنقاذه لمّا رآهم يأخذونه ، ورفع إلياس أمامه إلى السماء ، وحلّت روحه على اليسع ، فهذا هو «الحلول» فى اليهودية ، ومع ذلك يدّعون أنه لا حلول فى ديانتهم؟! والحلول سيكون بدوره فى النصرانية ، وقد سجد له المؤمنون به ـ فهذا هو السجود الذى رفضه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا اقترحه بعض الصحابة لتحيته ـ ومع ذلك كان الصبيان يسخرون منه ، لأنه كان أجلح يعنى أصلع الرأس ، على خلاف معلمه وسيده إلياس ، وحتى فى الملابس كان على خلافه ، فقد كان يرتدى الملابس العادية بينما إلياس كان يلبس الشّعر ـ يعنى صوف الغنم ، ويتمنطق بجلده على حقويه ، وكان يسير مستندا إلى عكاز ، فكان أشبه بالصوفية ، ولذلك اعتبروه قدوة لهم ، ولم يقتدوا بمعلمه. ثم إنه كان كثيرا ما يسكن الحواضر والمدن على عكس إلياس الذى كان يسكن البرية ، وكانت له عليّة صغيرة

٩٧٨

فى السامرة عند الأسرة الشونمية ، وفيها سرير ومائدة وكرسى ومنارة ، وكان يأوى إليها كلما حضر إلى المدينة فى رحلاته النبويّة. وكانت له كرامات أو معجزات بحسب اعتبارنا له ، فإن عددناه من الأولياء فهى كرامات ، وإن عددناه من الأنبياء فهى معجزات ، ومن ذلك أفعاله مع الأرملة التى ما كانت تجد ما بقيتها وابنيها بعد وفاة زوجها ، فبارك الزيت الذى تبيعه ، فكلما أشرفت أوعيته أن ينضب فيها الزيت ، عادت إلى الامتلاء ، فكانت تبيعه وتقضى دينها ، وتتعيش هى وابناها ؛ ولمّا شكت له الشونمية أنها لا تلد ، وزوجها شيخ ، باركها فولدت ابنا ؛ ومرض الابن يوما ومات ، فركبت الأم إلى جبل الكرمل حيث يقيم ، وحاول خادمه حيجزى أن يصرفها عنه ، ولكنها ارتمت على قدميه ، فقام إلى الصبى وارتمى عليه ، وجعل فاه على فيه ، وعينيه على عينيه ، وكفّيه على كفّيه ، وتمدد عليه حتى سخن جسد الصبى ، فعطس سبع مرات وفتح عينيه. وشكا له أهل أريحا أن ماء بلدهم رديء ، والأرض مجدبة بسبب ذلك ، فأضاف ملحا إلى منبع الماء ، فصفى الماء وعذب (ملوك رابع ٢ / ١٩ ـ ٢١). وتنبأ بنجاح الحملة على موآب ، وأمطر السماء ليشرب الجنود والناس والماشية والبهائم (ملوك رابع ٣ / ١٧ / ١٨) ؛ وأبطل السمّ فى قدور الرجال ليأكلوا (ملوك رابع / ٤٠ ٤) ؛ وأطعم مائة رجل بعشرين رغيفا (ملوك رابع ٤ / ٤٣) ؛ وشفى نعمان الآرامي من برصه ، بأن أمره أن يغتسل سبع مرات فى الأردن ، ففعل وشفى ، فتهوّد هو ومن معه (ملوك رابع ٥ / ١٩) ، ولمّا أخذ خادمه حيجزى مكافأة على شفائه دون علمه ، عاقبه بأن أصابه بالبرص الذى كان بنعمان مدى حياته (ملوك رابع ٥ / ٢٧) ؛ ولما سقط الحديد فى الماء وكان عارية ، جعله يطفو إلى السطح على عكس قوانين الفيزياء (ملوك رابع ٦ / ٥) ؛ وعرف غيبا بمكامن جيش الآراميين فحذّر الإسرائيليين ، وحدث ذلك عدة مرات ، حتى أن ملك أرام اتهم أحد أتباعه بأنه عميل الإسرائيليين بين جنوده ، وأنه يبلّغهم بتحركاتهم (ملوك رابع ٦ / ١١) ؛ ودعا على غزاة أرام فضربوا بالعمى ، ثم دعا لهم فأبصرت عيونهم ، فصنع لهم مأدبة عظيمة فأكلوا وشربوا ، ثم أطلقهم فلم يعودوا يأتون إلى أرض بلاده (ملوك رابع ٦ / ٢٣) ؛ وتنبأ فى حصار السامرة أن المجاعة ستنتهى والحصار سيرفع (ملوك رابع ٧ / ٤) ، وأرسل إلى يا هو بن يوشافاط من يمسحه بالدهن ويبشّره أنه سيكون ملكا على إسرائيل وقد كان (ملوك رابع ٩ / ١). ومرض اليسع وزاره يوآش ملك إسرائيل ، فتنبأ له أنه سيضرب الآراميين ثلاث مرات ، وقد كان ؛ ومات اليسع فدفنوه ، وفى عدوان للأراميين كان جماعة يدفنون أحد الموتى ، فلما لمحوا الغزاة رموا الميت فى قبر اليسع ، ومسّ الميت عظامه فعادت إليه الحياة وقام على قدميه. فإلى هذا الحد إذن كانت معجزات اليسع أكبر من معجزات المسيح؟! وكانت لفائدة الناس أكثر مما كانت معجزات المسيح ، ومع ذلك عبد النصارى المسيح ولم

٩٧٩

يعبدوا اليسع! لما ذا؟!

وبعد فهذه حكاية اليسع الذى ورد ذكره فى القرآن ، فقد كان من الأخيار ، أى من المصطفين الذين اصطفوا للرسالة والنبوّة ، فهو يذكر فى القرآن هذا الذكر الجميل فى الدنيا ، والذكر شرف له طالما الدنيا قائمة ، ومن أجل ذلك كان تفضيله على العالمين ، والذّكر فى الآخرة حسن مآب ، يعنى هو المرجع الحسن للحساب. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

قصة موسى والفرعون

٨٠٩. فرعون موسى لم يكن مصريا

الغزو التوراتى للتاريخ المصرى القديم ، وزخم الإسرائيليات لتفسير القرآن حول قصة فرعون موسى ، واضح وصريح فيما يتعلق بالأسماء ، وخاصة اسم فرعون ، ويرد فى القرآن ٧٤ مرة ، وقال مفسرو القرآن أنه اسم كل ملك كان يحكم مصر ، وهذا غير صحيح ، لأن لفظة فرعون كلمة آشورية ، وكانوا يطلقونها على الملوك العماليق ، فظن العرب أن عماليق تعنى جبابرة ، وعلى ذلك كان اسم فرعون يعنى الملك الطاغية ، وأن كل ملك حكم مصر حكما مستبدا فاسمه فرعون ، وأنه اسم كالنجاشى عند الأحباش ، وقيصر عند الروم ، وكسرى عند الفرس. غير أن السّور التى استخدمت الاسم «فرعون» هى التى كان اهتمامها بسرد قصص الأنبياء الثلاثة : إبراهيم ، ويوسف ، وموسى ، وهؤلاء الثلاثة لم يدخلوا مصر بالمعنى الصحيح وإنما اكتفوا بمخالطة حكام إقليمها الشرقى الذى كان اسمه جاسان أو جاشان ، وكان الناس فيه أكثرهم من الأجانب ، وكان عرضة للغزو ، وكان ملوكه لذلك من الأجانب ، وأكثرهم آشوريون ، وعندهم أن الملك الأوحد ، أو الملك الكامل القوى هو الفرعون ، والدليل أن الفرعون كان اسما أجنبيا أنه جاء فى التوراة كلقب للملك شيشق بالعبرية ، الذى هو شيشنق بالمصرية ، وكان شيشنق ليبى الأصل ، والملك سوا ـ وكان معاصرا لهوشع من ملوك إسرائيل (ملوك ٢ / ١٧ / ٤) والملوك ترهاقة أو تهرقا ، ونخو ، وحفرع الذى هو همبريع عند المصريين وإبريز عند هيرودوتس ، والذى أعطى هؤلاء اسم فرعون واختصّهم به هو عزرا أو عزير كاتب التوراة ، ونقله عن الثقافة السامية الأشورية الآرامية السريانية ، ثم نقله المؤرخون الغربيون عن التوراة ومن ثم انتشر الاسم ، وبعد ذلك تعرّب ، وصار منه تفرعن أى تكبّر ، ومنه آل فرعون وهم ملؤه ، والقرآن يذكرهم ثلاث عشرة مرة ، كطغمة فرعون وحاشيته ، وذلك دليل على أنهم كانوا من الأجانب. وقول

٩٨٠

القرآن أن فرعون علا فى الأرض واستكبر كان رصدا لما كان يفعله ملوك الهكسوس فى أرض جاسان (طه ٢٤) ، والفرق بين هؤلاء وملوك مصر ، أن ملوك مصر كانوا متدينين ، بينما الفراعنة الأجانب كانوا من العتاة ، فضلّوا وأضلوا (طه ٧٩) ، وبلغ من خوف الناس منهم أن كانوا إذا أقسموا يحلفون فيقولون : «وعزة فرعون» (الشعراء ٤٤) ، وصرّحوا بكفرهم ، واستقووا ، وساموا الناس صنوف العذاب والظلم (البقرة ٤٩). ولم يكونوا يخشون المصريين ، وإنما خوفهم من أغراب مثلهم وخاصة العبرانيين ، فقد زاد عددهم حتى صاروا أكبر جالية أجنبية فى جاسان ، فاستغلوهم أبشع استغلال ، واستحيوا نساءهم ، وقتلوا أبناءهم ، وكان السواد من الناس مصريين ، وكانوا فلاحين ، بينما العبرانيون رعاة ، والهكسوس الأشوريون حكاما وصفوة ، ولما جاء موسى وهارون دبّروا لقتلهما. وفرعون موسى لم يكن يعرف البتة معنى الإله ، وهذا لم يكن شأن ملوك مصر الحقيقيين ، فاتّهم موسى بالكذب ، وجمع السحرة ليغلبوه على سحره ، وهو دليل آخر على أن هؤلاء جميعا والسحرة لم يكونوا مصريين ، لأن السحر لم يكن معروفا فى مصر ، والذى كان معروفا فيها هو العلم وليس السحر! والسحر يسمونه العلم الكاذب ، وعلم المصريين كان العلم الحقيقى. ولم يحدث فى تاريخ مصر أن نطق ملك من ملوكها بعبارة كهذه العبارة : (ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) (٢٩) (غافر) ، فهذه العبارة يعرفها ملوك «العماليق» ، أو «الجبابرة» ، أو «الفراعنة» من أهل بابل وآشور. ودليل آخر على أن هذا الفرعون لم يكن مصريا هو سؤاله لموسى : (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) (٢٣) (الشعراء) ، فذلك مما يعلمه المصريون يقينا ، ولهم فى ذلك مزامير شهد بريستيد أن الإسرائيليين كتبوا مزاميرهم على منوالها. ومن شأن الأغراب حينما يحكمون بلدا أن يفرّقوا بين أهله ، وفى الأمثال : فرّق تسد ، وذلك ما بنى عليه الفراعنة الهكسوس ـ والأجانب عموما ـ حكمهم للأرض التى يستولون عليها من مصر (القصص ٤). وكان هامان كما يوحى اسمه الأشورى ، آشوريا خالصا ، وكان قائد جند فرعون ووزيره الأول ومعينه على الظلم. وقصة هذا الفرعون مع موسى لا تحكى عن ظلمه للمصريين ، فلو كان مصريا ويحكم مصر كلها لسام مصر والمصريين صنوف العذاب ، ولنوّه بذلك القرآن ، وإنما القرآن قال على لسان الفرعون : (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) (الزخرف ٥١) ، والاسم «مصر» تطلق على الأرض كلها ، وعلى جزء منها. وعن نوع حكمه قال القرآن على لسان جماعته : (اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ) (غافر ٢٥) ، وما هكذا كان يحكم ملوك مصر ، ولم تكن هذه سياستهم فى مستعمراتهم ولا مع أسراهم. وهذه الأخلاق هى أخلاق الأشوريين ولهم فى

٩٨١

ذلك سوابق ، ولذلك كان مدار قصة الفرعون مع موسى خلاص شعب إسرائيل من قبضة «الملوك الرعاة» ، وهم هؤلاء الملوك الأشوريون الفراعنة. وممن أعان هذا الفرعون على ظلمه ، أجنبيّ آخر من العبرانيين أنفسهم ولكنه متعاون مع أعدائهم ، وكان شديد الثراء ، واسمه قارون ، ذهب مضرب المثل فى الغنى الفاحش ، وتهمته أنه استكبر وعتى وكان من الظالمين. ولخص موسى حال فرعون هذا فقال له : (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) (١٠٢) (الإسراء) ، أى هالكا. وانتهى هذا الفرعون نهايته التعسة وأغرق فى البحر هو وجنوده ، وقيل : فتخلصت مصر من حكم الهكسوس من وقتها ، وهذا دليل آخر على أن قصة موسى لم تكن مع المصريين. وضرب الله مثلا بامرأة فرعون ، وربما تكون امرأة هذا الفرعون نفسه ، وكانت مؤمنة ومن الأشوريين ، من الخلائف الباقية ممن آمنّ مع يوسف من النساء ، كما كان «المؤمن من آل فرعون» من خلائف بقايا المؤمنين من الرجال ، ودعت عليه أن يخلّصها ربّها ، فخلّصها منه كما أرادت (التحريم ١١). وقوله تعالى : (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ) (١٠) (الفجر) فيه أن هذا الفرعون وكل الهكسوس كانوا بدوا يسكنون الخيام التى تسندها الأوتاد ، ولذلك سمّوهم «الملوك الرعاة» ، والأكثر صوابا أن يقال «الملوك البدو» ، أو «الملوك الرحّل» ، وذلك دليل على أن فرعون موسى ، والفراعنة من آله أو جماعته أو شيعته ، لم يكونوا مصريين ، فالمصريون لا يسكنون الخيام.

* * *

٨١٠. حقيقة اسم (موسى) عليه‌السلام

لم يكن اسم موسى عبرانيا كما يدّعى اليهود ، فموشيه وهو نطقه العبرانى ـ لا يعنى لقيط الماء ، كما ادّعوا أن ابنة فرعون سمّته به لمّا عثرت عليه فى السفط الطافى على الماء ، وما كان لابنة فرعون أن تعطيه اسما عبرانيا وهى لا تعرف العبرية!! إلا إذا كانت آشورية ، فالأشوريون كانوا يعرفون العبرية ، والعبرانيون كانوا يعرفون السّريانية والآرامية. غير أن ابنة فرعون ما كان من الممكن أن تربّى موسى فى قصرها كابن لها إذا كان اسمه عبرانيا!! وإنما الاسم كان بطريقة الناس فى جاسان حيث كانت تسكن ، وجاسان هى المستعمرة العبرانية التى يسكنها العبرانيون منذ عهد يوسف ، والفرعون لم يكن مصريا بل آشوريا من الهكسوس الملوك الرعاة كما سمّاهم المؤرخ اليهودى مانيتو. ورغم أن كتاب مانيتو باليونانية ، واسم الهكسوس يونانى ، إلا أن مانيتو كان عبرانيا بدليل الطريقة التى صنّف بها كتابه كتصنيف أسفار اليهود ، وكان تقسيمه للأسر المصرية كتقسيم الأسباط. والفرعون كان اسم الملوك الهكسوس ، وأذاعت التوراة الاسم ، وصار الجميع يقولون

٩٨٢

«فراعنة» مصر ، والتاريخ «الفرعونى» ، وهو خطأ شائع. وكذلك اسم موسى ، من الخطأ البيّن أن يقال أنه اسم عبرانى ، ولكنه اسم تقليد للأسماء المصرية ، فموسى كان اسما ذائعا فى مصر وفى أرض جاسان : بمعنى «عبد» ، ويضاف إليه اسم إله ، فيقال تحتمس ، أى توت موسى ، يعنى عبد الإله توت ، ورمسيس ـ أى رع موسى ، يعنى عبد الإله رع ، كما نقول الآن عبد الصمد ، وعبد الله ، ثم إن موسى لمّا دعا إلى نبذ الآلهة الوثنية ، كان عليه أن يحذف من اسمه ما يخص هذا الإله الوقتى ، فاكتفى بموسى ، أى عبد ، كما يكتفى فى تسمية عبد الله باسم عبد كما فى الشام ، أو اسم عبده ـ كما فى مصر. وأما إدخال حرف S على نهاية الاسم الأفرنجي من Moshe إلى Moses فذلك كان بسبب اللغة اليونانية ، فهكذا يكتب فيها.

* * *

٨١٢. قصة هارون

هارون شقيق موسى ، وأبوهما عمران ، ومنه انحدرت عشيرة العمرانيين ، وكان له ثلاثة من الأبناء هم على الترتيب : مريم الكبرى ، وهارون ، وموسى. وجدّه لاوى يعنى كان كاهنا ، وهارون أطلقوا عليه اسم اللاوى ، وظل هذا الاسم معه ومع أولاده من بعده ، وصار معنى اللاوى الحبر ، واللاويون كانوا سند الدعوة الموسوية ، وظلوا كذلك إلى عهد سقوط الهيكل وتدمير أورشليم سنة سبعين ميلادية. وشارك هارون موسى فى تبليغ الفرعون ، وارتحل معه إلى مصر ، وخاطب رؤساء عشائر بنى إسرائيل فى أرض جاسان من مصر (محافظة الشرقية الآن) ، وكل قصة موسى وهارون وقعت فى أرض جاسان ومع الفرعون الأشورى ممن يقال لهم الهكسوس ، وساعد هارون موسى فى عملية الخروج من مصر (الخروج ٤ / ٢٧ ـ ٣١) ، وكان يده اليمنى ، ويحمل له عصاه ، واشترك فى الحرب مع العماليق ، وكان خلف موسى فى رفيديم (خروج ١٧ / ١٢) ، وأخذ مع ابنيه وسبعين من شيوخ بنى إسرائيل العهد مع الربّ على جيل سيناء ، وقيل إنهم رأوا الربّ وأكلوا وشربوا!! (خروج ٢٤ / ١ ـ ١٠). ورغم كل ذلك فإن هارون أظهر ضعفا فى مسائل كثيرة ، واسمه هارون من هرن السامية ، ومعناها ضعيف البنية والصوت ، وكان هارون من النوع الهزيل ، ولم يكن جهورى الصوت كأخيه ، وعوّض ضعف شخصيته بطلاقة لسانه وقوة بيانه ، فلما غاب موسى على الجبل وأراد الإسرائيليون أن يصنعوا عجلا من الذهب يتعبّدونه ، ويشربون ويمرحون من حوله ، لم يعارضهم هارون ، ومع ذلك غفر الله له ، وعفا عنه موسى ، وعيّنه كاهنا على بنى إسرائيل ، فتأسست به الكهانة اللاوية ، وكان أول رئيس

٩٨٣

للكهنة ، ونصّب وأولاده الأربعة وألبسوا لباس الكهنة. واستمرت خدمته للدين أربعين سنة. ولم يكن هارون يعجبه موسى ، كما أن موسى كان يعانى كثيرا من هارون. وهارون كان أقرب للشعب من موسى ، وانضم أهل موسى إلى هارون متمردين على موسى ، ولمّا تزوج موسى الكوشية (الحبشية) ، تمرّد عليه هارون هو وأخته مريم ، وادّعيا أن الله يأتيهما كما يأتى موسى ، وأصيبت مريم بالبرص من أجل أنها كذبت ، فاسترحم هارون أخاه ليدعو ربّه أن يشفيها ، واعترف بخطئه. ثم إن بنى قورح خرجوا على هارون ، وانقذه منهم أن انشقت الأرض وابتلعتهم. وكان آخر أخطائه أنه وموسى لم يقدّسا الربّ فى أواخر عمرهما! وصار هارون عبثا على موسى ، فأخذه ابنه إلى الجبل ، ورسّم الابن بدلا من أبيه ، ونزل موسى والابن بدون هارون ، وقالا إنه مات! وفى التلمود أن موسى قتل هارون ، وشاركه فى القتل ابن هارون! وشكّ الشعب فى موسى ، وأظهر الحزن على هارون ، ولمّا توجّهوا إلى فلسطين لم يصحبوا موسى إظهارا للغضب ، فلم يتهيأ لموسى أن يرى الأرض الجديدة. والخلاف بين قصتى التوراة والقرآن كبير ، فهارون فى القرآن كان يوحى إليه : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (١٦٣) (النساء) ، على عكس رواية التوراة. وفضله فى صنع التابوت وتهيئته لا ينكر ، وله اليد الطولى فى ذلك هو وأبناؤه وذريته : (أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ) (البقرة ٢٤٨) ، والتابوت هو تابوت العهد ، وهو صندوق كانت به عصا موسى وعصا هارون ، ولوحا العهد عليهما الوصايا العشر ، وكتب التوراة. ويصف القرآن هارون بأن الله قد هداه ، وأنه من نسل إبراهيم ، وكان من المحسنين : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (٨٤) (الأنعام). ولم يفرّق سحرة الفرعون بين موسى وهارون فكلاهما واحد ، فلما آمنوا أعلنوا إيمانهم بربّ موسى وهارون ولم يقولوا بربّ موسى وربّ هارون : (قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) (١٢٢) (الأعراف). ويبدو أن موسى كان يعرف هنات أخيه هارون ، فلما قصد الجبل أوصاه : (وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (١٤٢) (الأعراف) فهاتان وصيتان أوصى بهما موسى هارون : أن يصلح ، وأن لا يتّبع المفسدين. وفى الحديث أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لعلىّ بن أبى طالب : «أما ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبىّ بعدى» أخرجه مسلم ، وهذه المنزلة هى منزلة الخلافة ، قال موسى لهارون : «اخلفنى فى قومى» ، وهذا الحديث لذلك تكأة الشيعة فى استحقاق

٩٨٤

علىّ للخلافة بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقوله تعالى فى مريم أم عيسى : (يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) (٢٨) (مريم) المقصود أن مريم من نسل وسلالة هارون أو من بيت هارون ، فقد كانت هارونية ، أو لاوية ، يعنى من آل عمران أو بيت عمران. والقرآن نبّه إلى ذلك فى أصل مريم أم عيسى ولم تشر الأناجيل إلى أصلها. وكان هارون هبة من الله لأخيه موسى : (وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا) (٥٣) (مريم) ، وذلك لمّا جعله وزيرا له بناء على طلبه : (وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (٣٢) (طه) ، والسبب هو قوله تعالى على لسان موسى : (هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ) (٣٥) (القصص). وفى فتنة العجل بدأ هارون ضعيفا جدا حتى أن أخاه أخذ بلحيته وبرأسه ، وأبدى عدم مسئولية حيال ما فعله السامرى ، واكتفى بوعظهم وتذكيرهم بالله ، كقوله تعالى : (وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (٩٤) (طه). ولم يميّز الله تعالى موسى عن هارون إلا فى الترتيب ، فموسى يأتى دائما أولا ثم هارون قال : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) (٤٨) (الأنبياء) والفرقان هو التوراة ، وفيه هدى ونور وذكر للمتّقين ، والتوراة هى كتاب موسى وهارون قبل ضياع نسخته بتأليف عزرا أو عزير له وتحريفه لمعانيه بما يخدم أغراض اليهود بعد السبى. ومنن الله على موسى وهارون لا تعدّ ولا تحصى ، يقول تعالى : (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) (١٢٢) (الصافات) ، فذكر تعالى من مننه عليهما خمس منن ، هى : النجاة ، والنصر ، والتوراة ، والهدى ، والذكر الجميل عند قادم الأجيال ، ووصفهما فقال : إنهما من المحسنين ، ومن عباده تعالى المؤمنين ، وسلّم عليهما ووعدهما السلامة يوم الدين.

* * *

٨١٢. موسى الأكثر ذكرا فى القرآن

القرآن جميعه فيه ذكر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإنما بحسب غيره من الأنبياء فإن موسى أكثرهم

٩٨٥

ذكرا بعده صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويرد اسمه : مائة وستا وثلاثين مرة ، وإبراهيم : تسعا وستين مرة ، ونوحا : ثلاثا وأربعين مرة ، ويعقوب أو إسرائيل : ثمانى عشرة مرة ، وإسماعيل : اثنتى عشرة مرة ، ويونس : أربع مرات ، واليسع : مرتين ، وعيسى والمسيح : ستا وثلاثين مرة ، ويوسف : سبعا وعشرين مرة ، ولوطا : سبعا وعشرين مرة ، وصالحا : ثمانى مرات ، وشعيبا : إحدى عشرة مرة.

* * *

٨١٣. موسى اللقيط

قيل : إن لفظة «موشيه» العبرية تعنى لقيط الماء ، وموشيه هى موسى العبرية ، ولم تكن امرأة فرعون ـ بحسب القرآن ، وابنته ـ بحسب التوراة ، تعرف أىّ منهما العبرية ، أو أن هذا هو المفروض ، إلا إذا كانت أجنبية من بلاد لها صلة قوية بالعبرانية ، وكل ملابسات قصة موسى والفرعون تؤكد أن الفرعون ليس مصريا ، وأن القصة جرت فى أرض جاسان وهى الإقليم الشرقى من مصر ، من جوار أبى زعبل إلى البحر إلى وادى توميلات ، وعاصمته تانيس وكان اسمها عند الهكسوس أفاريس Avaris وتقع على بحيرة المنزلة ، والغالب أن امرأة فرعون أو ابنته كانت آشورية ، لأن الهكسوس الذين حكموا مصر كانوا آشوريين ، وباختلاطهم بالعبرانيين ، ولأنهم من نفس البلاد آشور ـ التى هى العراق ، كانت لغاتهم متشابهة كتشابه عامية أهل السويس وعامية أهل الإسكندرية مثلا ، فكلها لهجات من أصل واحد. واسم موشيه أو «موسى اللقيط» يبدو أن القرآن يأخذ به ، يقول : (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ) (القصص ٨) ، والالتقاط : هو وجود الشيء من غير طلب ولا إرادة ، والعثور عليه من غير قصد بلا تعب ، واللّقطة أو اللّقطة هو ما تجده ملقى فتلتقطه ، أو هو الشيء المتروك فلا يعرف له مالك ؛ واللقيط هو الملقوط ، وهو المولود الذى نبذه أهله فيلقط ، وفى القرآن عن يوسف وإخوته : (وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) (يوسف ١٠) ، فكان موسى على ذلك لقيطا ، وكذلك كان يوسف.

* * *

٨١٤. موسى حبيب الله صنعه على عينه

كان موسى جميل المحيا ، وكان قويا ، وجاء تمثاله الذى صنعه المثّال رودان آية فى العظمة ، وما كان يراه أحد وهو طفل إلا ويحبه ، ولما كبر أحبه شعبه ، وبتفسير الطب النفسى كانت به كاريزماcharisma ، أى أن شخصيته كانت قوية تشدّ إليه من يطالعه ، وفى ذلك قال الله تعالى : (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) (٣٩) (طه) ، فلمّا

٩٨٦

الله وحفظه أن ألقته أمه فى التابوت ، وألقت التابوت فى البحر ، والتقطته جوارى امرأة فرعون ، فما كادت تراه إلا وقد دخلت قلبها محبته حتى أنها صرخت : (قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) (القصص ٩) ، أى تسعد به عيوننا كلما رأيناه ، لما فيه من جمال ، وقوله تعالى : (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي) (٤١) (طه) ، يعنى اصطفيتك لوحيى ورسالتى ، وخلقتك وقوّيتك وعلّمتك. ومنن الله على موسى كثيرة لا نذكر أن نبيا كان له مثلها. ومن سخرية الأقدار ، أو كما يقول أهل الأدب السخرية الدراميةdramatic irony أن يربيه عدوه مستقبلا وعدو الله ، وينشأ فى بيت من سيتسبب فى موته من بعد ، وحادثته مع الذى قتله ، وهروبه إلى مدين ، رغم أنهما من المصائب والنكبات ، إلا أنهما كانا لخيره وصالحه ، ففي مدين تعرّف إلى زوجته ، وصاهر أفضل رجالها ، وحظى فيها بالمكانة العالية وأنجب الأبناء ، وصار له المال ، وموسى بارتكابه للقتل يكون أول نبى يفعل ذلك ، فلأول مرة يكون فيها نبىّ متهما بجريمة قتل وقعت له عن حق ولم تلفّق له ، والحادثة إن دلّت على شىء فتدل على تعجّل موسى وميله إلى العنف أحيانا ، وكان من شدة أخلاقه أنه لمّا غضب على أخيه كسر الألواح التى نزل بها من الجبل والتى قيل إن الله خطّها بيده. وسينهج على طريقة موسى كثير من أنبياء إسرائيل ، ويفعلون مثله ويتصرفون بعنف لدرجة القتل ، أو يأمرون به ، مثل يشوع ، وإيزايل ، وداود ، وسليمان ، وكان داود محبا لسفك الدماء كما تقول التوراة ، وكذلك سليمان ابنه وكثيرون غيرهم.

* * *

٨١٥. قصة قتل موسى للمصرى

هناك اختلاف فى قصة موسى مع القبطى أو المصرى بين رواية التوراة ورواية القرآن ، ففي التوراة يأتى أن : موسى لمّا كبر خرج إلى إخوته ، ونظر أثقالهم ، فإذا برجل مصرى يضرب رجلا عبرانيا من إخوته (يعنى أنه عبرانى مثل موسى) فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا فقتل المصرى وطمره فى الرمل ثم خرج فى اليوم الثانى فإذا برجلين عبرانيين يتضاربان فقال للمعتدى : لما ذا تضرب قريبك ، فقال : من أقامك رئيسا وحاكما علينا أتريد أن تقتلنى كما قتلت المصرى (التكوين ٢ / ١١ ـ ١٢)؟ بينما فى القرآن يأتى قوله تعالى : (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (١٨) (القصص) ، ويتبين من القصتين الآتى :

٩٨٧

١ ـ فى قصة التوراة أن موسى قتل عن عمد ، وطبقا للشريعة الموسوية فإن القاتل يقتل ، ولم يذكر أنه استغفر ، وكأن الله تعالى راض عما فعل ، وكأن النفس التى حرّم الله قتلها هى نفس العبرانى أو اليهودى فقط ، وأما نفوس الأمم فمباح قتلها! وفى قصة القرآن أن موسى قتل عن خطأ واستغفر ربّه ولا قصاص فى القتل الخطأ.

٢ ـ وفى قصة القرآن لم يذكر أن العبرانى كان يتقاتل مع مصرى ، وأن موسى قتل مصريا ، وإنما كان المقتول من أعداء العبرانيين ، والمصريون ما كانوا أعداء للعبرانيين ، إلا ما ورد فى الآثار المصرية من غزو المصريين لأرض إسرائيل وأسرهم للإسرائيليين ، وإنما أعداؤهم الأشوريون أو الهكسوس ، وهم الذين كانوا يحكمون أرض جاسان من مصر ، ويستعبدون العبرانيين ويستحلون نساءهم ، ورواية القرآن على ذلك أصدق من رواية التوراة ، وما كان المقتول مصريا كزعم كاتبها ، وأخطأ المفسرون العرب عند ما قالوا فى صفة عدو العبرانى أنه قبطى أى مصرى! فالقرآن صريح وقال : إنه من عدوه وكفى ، ولو كان مصريا لذكر ذلك ، ورواية القرآن إذن تصحّح رواية التوراة.

٣ ـ وفى رواية التوراة أنه فى اليوم التالى كانت المشاجرة بين اثنين من العبرانيين ، أحدهما الذى كان يتقاتل بالأمس مع الآخر ، وتدخل موسى كعادته بينهما ، فهدده الذى بسببه بالأمس قتل موسى من قتل ، والحكاية هكذا تكشف عن خسّة ودناءة العبرانيين عموما ، وميلهم الدائم للفتن واستحداثها ، بينما فى رواية القرآن كانت المشاجرة الثانية بين عبرانى وبين عدو للعبرانيين ، وأن الذى هدده بإخطار الشرطة هو عدوه ، والروايتان على ذلك مختلفتان تماما.

٤ ـ وفى رواية التوراة لم يذكر لنا سبب لتدخل موسى ، بينما فى رواية القرآن أن موسى كانت له دعوة صلاح ، وكان من المصلحين ، وعرف عنه ذلك ، فعيّره الذى من عدوه بأن تدخله لصالح العبرانى ليس من الصلاح ، وأن استخدامه لقوته البدنية فى غير الحق يجعله من الجبّارين فى الأرض ، وعلى ذلك ، ولكل ما سبق فرواية القرآن هى الأفضل ، والأكثر تناسقا ، والأقرب إلى العقل والمنطق ، ولا يمكن إرجاع أصلها إلى رواية التوراة ، وتدل على أن القصص القرآنى هو القصص الحق ، وأن القرآن بذلك منزّل من عند الله ، وأن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو رسوله يقينا!

* * *

٨١٦. موسى ليس مجرما ولا يظاهر المجرمين

فى قول موسى : (رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) (١٧) (القصص)

٩٨٨

إقرار بارتكابه ذنب القتل ، بمطاوعة من استغاثة من قومه ، كقوله تعالى : (فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (القصص ١٥) ، فهذا الذى استغاثه من قومه مجرم بطبعه ، وله باع فى الإجرام ، ووصفه موسى فقال : (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (١٨) (القصص) ، لأنه بسببه قتل بالأمس رجلا ، وفى اليوم التالى دعاه ليقتل آخر ، و «الغوىّ» من أغوى أى يضلّ ، فلما عاتبه موسى ظن أنه سيقتله ، وكان موسى يتهيأ ليبطش بعدوهما ، ولكن هذا الغوىّ قال له أمام عدوه وقد أفشى سرّه : (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ) (القصص ١٩) ، وهنا أقسم موسى أن لا يظاهر أمثاله من المجرمين ، أى لا يساندهم ويصاحبهم وينصرهم ، فالقاعدة الشرعية والأخلاقية أن لا نعين الظالمين ، وفى الحديث : «ينادى مناد يوم القيامة : أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة ، حتى من لاق لهم دواة ، أو برى لهم قلّما ، فيجمعون فى تابوت من حديد ، فيرمى بهم فى جهنم». وعن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ثبّت الله قدميه على الصراط يوم القيامة ، يوم تزلّ فيه الأقدام ، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه ، أزلّ الله قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام» وفى الحديث : «من مشى مع ظالم فقد أجرم» ، ولا يكون المشى مع الظالم جرما إلا إذا مشى بقصد أن يعينه على ظلمه ، وموسى لم ينتصر لمن هو من شيعته لأنه عنصرى متعصب ، ولكنه ظن لأول وهلة أنه مظلوم ، فلما تبيّن له أنه ظالم انصرف عنه كقوله تعالى : (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) (المائدة ٢) ، فاحذر يا أخى أن تظن بموسى السوء ، وتوصيف الحادثة هو : «ضرب أفضى إلى الموت» وليس قتلا عمدا.

* * *

٨١٧. موسى يشفق مما لا يشفق منه غيره

لم يكن موسى جبارا ، قيل لا يكون الإنسان جبّارا حتى يقتل نفسا بغير حق ، وموسى لم يقتل الآخر إلا خطأ فقد وكزه كقوله تعالى : (فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (القصص ١٥) ، والوكز واللّكز واللهز واللهد بمعنى واحد ، واللكز يكون فى الوجه ، والوكز يكون على القلب ، وقيل : اللكز الضرب بجمع اليد فى الصدر مثل اللّكز ، وقيل : وكزه أى ضربه ودفعه لا يريد قتله فإن مات فليس من الوكزة نفسها ، وهو معنى فقضى عليه ، ولكنه لم يقتله عمدا مريدا للقتل ، وفى الحديث : «وإنما قتل موسى الذى قتل من آل فرعون خطأ فقال الله عزوجل : (وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً) (طه ٤٠) ، وتجربة أن يكون قاتلا ، وتطارده السلطة ، ويخشى على نفسه ، ويستشعر أنه ظلم من قتل ، كل ذلك كان فتنة له واختبارا ، وهذا هو مقصود الآية :

٩٨٩

وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) (طه ٣٩) ، أى تصنعك التجارب برعايتى ، حيث جعله فى التابوت ، وألقى التابوت فى البحر ، والتقطته جوارى امرأة فرعون ، وأنزل محبته فى قلبها حتى قالت (قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ) (القصص ٩) ؛ وقول موسى بعد أن قتل : (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) (القصص ١٦) عبارة ندم تحمل على الاستغفار ، والأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم.

* * *

٨١٨. أربعينية موسى

الأربعينية من آثار موسى ، يقول تعالى : (وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ) (٥١) (البقرة) ، وكان الله تعالى قد واعد موسى بعد أن جاوز وقومه البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من الله ، فأخذ سبعين منهم وصعدوا الجبل وكان ميقات الله له أن يأتى إليه ويبقى مع الله ثلاثين ليلة ، فلما صعد من بعد بحسب الميقات عدّوا له ثلاثين ، ولكنه غاب عشرا أخرى ، فظنوه قد أخلف وعده وصنعوا العجل وعبدوه ، قال : (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) (الأعراف ١٤٢). وهذه الأربعون هى التى تحدّث فيها الصوفية وجعلوها رياضتهم ومعتزلهم من الناس ، وزهدهم فى الطعام والمنام ، وإقبالهم على الذكر ، وفى الحديث : «من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» ، والصوفية يختارون للأربعين ذا القعدة وعشرا من ذى الحجة. وإعذار موسى بالعشر بعد الثلاثين أصل لأعذار الحكام إلى المحكوم عليهم ، والله قد جعل سنن الأربعين إعذارا بالشيب ، قال : (وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ) (الأحقاف ١٥) ، وغاية الأعذار ستين ، لأن الستين هو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله ، وترقّب المنية ، ففيه أعذار بعد إعذار. وأربعون الميت أعذار ، وكذلك أربعون النفساء ، وأصل كل ذلك أربعون موسى.

* * *

٨١٩. أوتى موسى وهارون الفرقان وضياء وذكر

قال تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) (٤٨) (الأنبياء) ، والفرقان : هو التوراة ، لأنه يفرّق بين الحلال والحرام ، والحق والباطل ، وهو ضياء وذكر يعنى نورا وهدى يذكّر المتقين ويعظهم. وبالطبع هذا الكلام هو عن التوراة قبل أن يعفى عليها الزمن وتضيع أصولها ، فينبرى عزرا يكتب ما يذكره وأعوانه منها ، ويشملها تحريفهم وتلفيقاتهم وتأليفاتهم لما لم يذكره ، ولما أرادوا إضافته.

* * *

٩٩٠

٨٢٠. ألواح موسى

فى التوراة أن الوصايا والشريعة اشتمل عليهما لوحان من الحجر كتبهما الله تعالى بإصبعه ، فلما نزل موسى وشاهد عبادة بنى إسرائيل للعجل استشاط غضبا وألقى باللوحين فكسرا (خروج ٣١ / ١٨ ـ ٣٢ / ١٩) ، ثم إن الربّ عوّضه بلوحين آخرين بهما نفس كلام اللوحين السابقين (خروج ٣٤ / ١) ، ومؤرخو اليهود ينتقدون أن تكون التوراة الحالية هى ما كان مكتوبا على لوحى الشهادة ، فاللوحان كان موسى يحملهما فى يد واحدة (خروج / ١٥ ٣٢) فكيف صار ذلك خمسة أسفار؟!

وفى القرآن غير ذلك ، يقول الله تعالى : (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ) (الأعراف ١٤٥) ، فلم يجعلها لوحين ولكنه جعلها «ألواحا» ، وهو الأقرب إلى الواقع. وقيل فيها كانت سبعين وقر بعير. والوقر هو الحمل ، وأضاف الله تعالى الكتابة إلى نفسه على جهة التشريف ، إذ هى مكتوبة بأمره ، قيل : كتبها جبريل ، وقيل : هى كتابة أظهرها الله وخلقها فى الألواح. وأصل اللوح : ما تلوح فيه المعانى. واشتملت الألواح على ما يحتاج إليه فى الدين من الأحكام وتبيين الحلال والحرام ، واللفظ «كل شىء» للتفخيم ولا يراد به التعميم ، ولمّا تكسّرت الألواح حين ألقاها موسى ، ضاع منها الكلام إلا سدسه ، وقيل : إلّا سبعه ، وضاعت ستة أسباع ، فكان فى الذى ضاع تفصيل كل شىء ، وفى الذى بقى الهدى والرحمة. وقوله : «وتفصيلا لكل شىء» لأنهم لم يكن عندهم اجتهاد ، وإنما خصّت بالاجتهاد أمة الإسلام ، وأمره الله تعالى أن يأخذ الألواح بقوة ، أو يأخذ ما فيها من تعاليم ، أى يعمل بالأوامر ويترك النواهى ، ويتدبّر الأمثال والمواعظ ، ونظيره قوله تعالى : (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) (الزمر ٥٥) ، فالعفو مثلا أحسن من الاقتصاص ، والصبر أحسن من الانتصار ، وكذلك فإن الفرائض والنوافل أحسنها. وما قاله القرآن لا تجده فعلا فى التوراة إلا فى سفر تثنية الاشتراع وفى بعض العبارات من سفر الخروج وسفر الأحبار.

* * *

٨٢١. ربّ موسى

سأل فرعون ـ موسى وهارون : (فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (٥٠) (طه) ، فهذان أقصر سؤال وجواب عن الله سبحانه ، فهو يعرف بصفاته ولم يعطياه اسم علم ، بل قالا : إنه الخالق الذى خصّ كل شىء بصورته التى هو عليها ، وهيأته التى تطابق وظيفته فى الوجود ، ووفّر له الإمكانات فى شكله الخارجى ،

٩٩١

والاستعدادات والقدرات من داخله ، ليقوم بأدائها على أتم وفاق ، وقدّر تقديرا كل ما له وما عليه :

وله فى كل شىء خلقة

وكذاك الله ما شاء فعل

* * *

٨٢٢. عصا موسى المباركة

سأله تعالى : (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى) (١٨) (طه) ، ومقصود السؤال تقرير الأمر حتى يقول موسى : هى عصاى ، ليثبت الحجة عليه بعد اعترافه ، وإلا فإنه تعالى يعلم ما هى. ولم يكن غريبا أن ينسب موسى العصا إلى نفسه فيقول هى عصاى ، ليكون من بعد أنها تتحول إلى حية تسعى ، فيعلم أنه لا ملك له عليها ولا تنضاف إليه ، وإنما الملك كله لله. وفى الآية دليل على جواب السؤال بأكثر مما سئل. والمآرب الأخرى فى العصا عديدة ، فهى إذا قصر الرّشا عن ماء البئر وصل بالعصا ، وإذا اشتدت الشمس غرزها فى الأرض ويلقى عليها بظلة ، وإذا استبان له بعض هوام الأرض قتله بها ، وإذا مشى ألقاها على عاتقه وعلّق عليها لوازمه ومخلاته ، وإذا هاجمته السباع قاتل بها. وإمساك العصى سنّة للأنبياء ، وعلامة للمؤمنين ، وزينة للصالحين ، وسلاح على المعتدين ، وعون للمستضعفين ، وغمّ على المنافقين ، وزيادة فى طاعة الطائعين. وقيل لأعرابى : ما هذه فى يدك؟ ـ يقارنون بين ما يجيب وجواب موسى ـ قال الأعرابى : عصاى أركزها لصلاتى ، وأعدّها لعداتى ، وأسوق بها دابتى ، وأقوى بها على سفرى ، واعتمد بها فى مشيتى لتتسع خطوتى ، وأثب بها النهر ، وتؤمننى من العثر ، وألقى عليها كسائى فيقينى الحرّ ، ويدفئني من القرّ ، وتدنى إلىّ ما بعد منى ، وهى محمل سفرتى ، وعلّاقة إداوتى ، أعصى بها عند الضّراب ، وأقرع بها الأبواب ، وأتّقى بها عقور الكلاب ، وتنوب عن الرمح فى الطعان ، وعن السيف عند منازلة الأقران ، ورثتها عن أبى ، وأورّثها بعدى ابني ، وأهشّ بها على غنمى ، ولى فيها مآرب أخرى كثيرة لا تحصى.

وكانت للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم حربة توضع بين يديه فيصلى إليها صلاة العيد ، وكان له محجن ، وهو عصا معوجة الطرف ، يشير به إلى الحجر إذا لم يستطع أن يقبّله. واستن عمر بن الخطاب القيام بإحدى عشرة ركعة فكان الناس يعتمدون على العصيّ من طول القيام. وكانت للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مخصرة ، يعنى عصا قصيرة تصل إلى الخصر يتوكأ عليها إذا خطب. فالعصا لها فوائد أصيلة ، ومنافع عديدة ، ومعدنها شريف ، ولا ينكرها إلا جاهل.

٩٩٢

وجمع الله لموسى فى عصاه من البراهين العظام ، والآيات الجسام ، ما آمن به السحرة اللئام. واتخذها سليمان لخطبته وطول صلاته. وكان ابن مسعود صاحب عصا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان يخطب وعصاه فى يده. فلما دخل الشعوبيون الإسلام أنكروا استعمال العصا ولم يحفلوا لمعانيها ، والشعوبية يبغضون العرب ، ويفضلون أن تتفكك دولة الإسلام ويكون لكل منهم دولته ويحكم شعبه ، وقيل لواحد من أهل الله : مالك تمشى على عصا ولست فى حاجة إليها؟ قال : أعلم ذلك ، ولكنى أعرف لذلك أنى على سفر ، وأن الدنيا دار فوات ، وأن العصا من آلة السفر.

* * *

٨٢٣. الوادى المقدّس طوى بين التوراة والقرآن

فى التوراة أن موسى عند ما ناداه الربّ أسفل جبل حوريب من أرض سيناء ، وناداه من وسط نار اندلعت فجأة ، قال له : «لا تدن إلى هاهنا. اخلع نعليك من رجليك فإن الموضع الذى أنت قائم فيه أرض مقدسة» (الخروج ٣ / ٥) ؛ وفى القرآن أن موسى لمّا رأى النار استأذن أهله ليلتمس منها قبسا أو لعله يجد عليها من يهديه الطريق ، قيل : (فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) (١٢) (طه). والروايتان مختلفتان ، ويكذب جولدستيهر عند ما يقول إن محمدا أخذ المشهد من التوراة ، فأولا : ليس فى التوراة أن موسى كان مع أهله ، وأنه ذهب يلتمس نارا : (فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) (١٠) (طه) ؛ وثانيا : لم تذكر التوراة أن المكان كان واديا واكتفت بأنه أرض ، وفى القرآن هو واد مقدس ، وأضاف إليه كلمة طوى. والوادى أكثر توصيفا من الأرض ، وشمل التوصيف النار وأسباب ذهابه إليها ، وما الذى كان يرجوه منها أو يرجو أن يجده عندها ، ثم عرّفه الله تعالى بنفسه ولم يترك موسى نهبا للدسائس كما فى النصّ التوراتى ، وعلى عكسه كان النصّ القرآنى حافلا بالتفاصيل ، وما قاله الله تعالى أوجز الرسالة كلها فيما تلا ذلك من آيات ، قال : (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى) (١٦) (طه). والشبه بين نصّ التوراة ونصّ القرآن قوله : «اخلع نعليك» ، وفى نص التوراة يزيد «اخلع من رجليك» وهو قول عجيب لأن النعلين لا يكونان إلا فى الرجلين ، فالبلاغة مفتقدة فى نصّ التوراة. وفى الفقه الإسلامى اعتبر هذا الأمر بخلع النعلين ، أمرا بخلعهما فى الصلاة. والخلع هو النزع ، وهدفه إظهار الخشوع والتواضع عند المثول فى حضرة الله ،

٩٩٣

ولذلك خلع المؤمنون نعالهم فى طوافهم بالبيت إعظاما للحرم ، وفى فلسفة ذلك عند المسلمين ـ ولا شىء من ذلك عند اليهود ـ أن الله تعالى بسط للمؤمنين بساط النور والهدى ، فلا ينبغى لهم أن يطئوا بساط الربّ بنعالهم. وقال صوفية المسلمين ـ ولا شىء منه عند اليهود : إن خلع النعلين هو تفريغ للقلب من أمر الأهل والولد ، ونحن فى الأحلام مثلا إذا حلمنا بنعلين فمعنى ذلك أن الحاكم يتزوج. وقد أمر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بخلع النعال عند زيارة القبور ، وصلى يوم الفتح فوضع نعليه عن يساره ، وقال : «إذا صلى أحدكم فليخلع نعليه بين رجليه» يعنى لا يؤذى بهما من أمامه. وقورن بين موسى ومحمد عليهما‌السلام ، فقيل إن أول تعليم لموسى أن يخلع نعليه ، بينما كان أول تعليم لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) (العلق) ، فذلك قمة التعليم وقمة الحضارة والرقىّ. وكذلك جاء فى وصف الوادى المقدس فى القرآن «طوى» زيادة على نص التوراة ، وقال المفسرون إن طوى هو اسم الوادى ، وإنه لأمر عجيب فلا نعرف أن بسينا واديا اسمه طوى. وقالوا إن طوى يعنى المستدبر كالطّوى ، وواضح أن ذلك أمر بعيد فشتّان بين الكلمتين. وقالوا هو الطّوى بالكسر ، إلا أن هذا الأخير اسم موضع بالشام والقصة فى سيناء وليست فى الشام ، وقالوا إن «طوى» تعنى «مرتين» ، وهو إذن المقدس مرتين ، وهو قول بعيد. ويتبقى هذا التفسير المعقول : أن طوى تعنى أنه واد يمكن اجتيازه والسير فيه آمن ، أو أن موسى طوى الوادى بالليل ، يعنى قطعه ، فيكون المعنى : إنّك فى هذا الوادى الذى طويته فى الليل بموضع مقدس ، وهو مقدس لأن الله تعالى يجعل لبعض الأماكن زيادة فضل على فضل ، وكذلك لبعض الشهور والأيام ، ولله أن يفضّل ما يشاء.

* * *

٨٢٤. شجرة موسى

فى حديث الإسراء أن جبريل أمر البراق أن يتوقف عند شجرة موسى وصلى ركعتين ، وكذلك صلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وفى حديث موسى ـ أى قصته ـ أنه لمّا استوفى العقد مع حميه شعيب وأخذ أهله ، وصل بهم إلى الوادى المقدس طوى ، وهناك آنس نارا فذهب يأتيهم بقبس منها ، ولعله يجد عندها هدى ، فلما أتاها نودى من الشجرة : (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) (طه) ، وفى الرواية الأخرى : (فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (٣٠) (القصص) ، قيل كانت النار مشتعلة فى الشجرة رغم أنها خضراء ، فما كانت النار تحرقها ، وما كان لها دخان ، ولا كان لها دفء ،

٩٩٤

وقال الصوفية : كانت الشجرة محل عصيان آدم فى الجنة ، وكانت فى الدنيا محل إيمان موسى ، وشجرة الجنة لها طرح يؤكل وإن كان محرّما ، وشجرة موسى كانت عقيما ولكنها كانت هداية لموسى وعلامة على الله تعالى. والشجر كثير فى القرآن ، ومنه الطيب ومنه الخبيث ، والكلمة كالشجرة ، ففي سورة إبراهيم : الكلمة الطيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء ، تؤتى أكلها كل حين بإذن ربّها ، والكلمة الخبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (٢٥ / ٢٦) ؛ وفى سورة الإسراء : يرد عن الشجرة الملعونة (٦٠) ، وقيل هى شجرة الزقوم (الصافات ٦٢) ، تزقم آكلها من مرارتها ، وتخرج فى أصل الجحيم ، وهى آية من الآيات ، لأنها شجرة وتحيا فى الجحيم وسط النيران ، وقيل هى طعام الأثيم ؛ وكانت شجرة يونس هى شجرة اليقطين (الصافات ١٤٦) ، ظللت عليه بورقها وحفظته من الآفات ؛ وفى سيناء تنبت شجرة الزيتون بالدهن وصبغ للآكلين (المؤمنون ٢٠) ؛ والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بايعه المؤمنون تحت الشجرة ، قيل هى شجرة سدر أو سمر. ويقسم الله تعالى بالشجر ، وأنه يسجد لله ، يعنى يطيعه ويسير بقوانينه فى النمو والإثمار والظل ، ومن طاعته أن يشتعل بالنار رغم ما فيه من ماء. وشجرة موسى فوق كل هذا الشجر جميعه ، لأنها شهدت هذا المشهد التاريخى العظيم : مشهد تلقى موسى للرسالة ، وصوته تعالى يسرى فى الوجود ويدخل ـ ضمن ما يدخله من موجودات ـ فى ثنايا خلايا الشجرة تتشربه وتحلّ بها البركة ، فتوصف عن حق بأنها الشجرة المباركة ، وكان ذهاب موسى إليها ليقبس قبسة من نار ، فقبس قبسة من هدى.

* * *

٨٢٥. عيياء موسى

كانت بموسى رتّة ، أى لثغة ، أو عجمة ، وهى التردد فى النطق stammering ، والمصاب بها يقال له أرتّ أو ألثغ. وقولنا عيياء موسى يعنى أنه كان حصرا فى النطق ، تقول عيى عن النطق يعنى لم يبن ، وفى القصص الشعبى اليهودى أن هذه العجمة به كان سببها أن موسى وهو طفل كان فى حجر فرعون ذات يوم ، فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فنتفها ، فخاف منه فرعون وتشاءم ، وكاد يأمر بقتله ، لو لا أن ذكروا له أنه لا يميز ، وأتوا بطستين فى أحدهما جمر وفى الآخر تمر ، فوضع موسى يده على الجمر ورفع إحداهما إلى فمه فأضرّت لسانه ، فكانت تلك الرتة ، واحترقت يده وظلت بها علامة الاحتراق. وفى القرآن لما أراد الله أن يبعثه إلى الفرعون ، سأل ربّه : (قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩)

٩٩٥

هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (٣٢) (طه) ، فلولا أنه تعالى يعينه فلن يستطيع تبليغ الرسالة ، وإنها لعمل شاق يحتاج إلى قوة معنوية هائلة ، وذلك معنى قوله : اشرح لى صدرى ، أى وسّعه ، وأن يؤتيه الاحتمال ، وييسر المهمة عليه ، ويحل هذه العجمة فى لسانه. وقال له ربّه : (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى) (٣٦) (طه) ، يعنى أنه أزالها جميعا ، وقيل ليست جميعها وإلا ما قال فيه فرعون : (وَلا يَكادُ يُبِينُ) (٥٢) (الزخرف) ، فلأنه لم يقل احلل كل لسانى ، فدلّ على أنه بقى فى لسانه شىء من الاستمساك ، أو أن فرعون قد وصفه بما عرفه عنه من طفولته ، وبما اشتكى منه موسى نفسه لربّه عند ما قال : (يَفْقَهُوا قَوْلِي) (٢٨) (طه) ، والفقه هو الفهم ، فلم يكن كلامه مفهوما ، وظل ذلك به وهو يخاطب الفرعون ، ولذلك عيّن له هارون وزيرا ، وفى حالتنا هذه فإن الوزير هو المترجم.

وفى التوراة قال موسى فى شرح عييائه : إنى لست أحسن الكلام. وشرح حالته فذكر أنها مستعصية ، فهى ليست من أمس أو قبل الأمس ، ولا بسبب خوفه منذ خاطبه ربّه وكلّفه ، ولكنه مفطور بها ، وقد خلقه ربّه بطيء النطق ، وثقيل اللسان. وطمأنه ربّه أنه سيكون مع فيه ويعلّمه ما يتكلم به ، ويكون هارون معه ـ وهو الفصيح اللسان ، ويخاطب الشعب عنه ويكون له بمثابة الفم.

وفى الطب النفسى : فإن الرتّة ليست عيبا فى النطق لاحتراق فى اللسان كما فى الأسطورة الشعبية عن موسى والجمرة والتمرة ، وإنما هى من عيوب النطق بسبب شحنات عدوانية عالية تزدحم على اللسان ، كالشحنات فى اللوازم والتى تجعل المصابين بها يأتون حركاتهم اللاإرادية تنفيسا عن هذه الشحنات. والتردد أو التلعثم فى النطق كما فى اللوازم ، تزدحم فيه على اللسان الرغبات فى التعبير ، فيحتبسها صاحبها ، ويتردد فى الإفصاح عن أىّ منها ، فتخرج كلماته فيها هذا التردد والصراع الداخلى. وموسى كان شديد العدوانية ، وبه قوة جثمانية مفرطة ، حتى أنه ارتكب جريمة قتل بمجرد أن لكز عدو قومه ، وكاد يرتكب جريمة أخرى مع العبرانى سبب المشكلة. ولمّا هرب من أرض جاسان سار على قدميه إلى مدين عبر الصحراء ، يعنى حوالى خمسة آلاف كيلو ، وكان خروجه بشعبه من مصر على أقدامهم مسيرة كبرى كمسيرة ماوتسى تونج فوق الجبال ، من شرق الصين إلى غربها ، هربا من قوات صن يات صن ، وكان ذلك تدريبا عسكريا عاليا لقواته ، كالتدريب الذى آل إلى الإسرائيليين بعبور الصحراء ، ثم السكنى فى سيناء حتى موت موسى ولم يدخلوا فلسطين. وهذا التدريب لا يصنعه ولا ينهض به إلا صاحب قوة وشكيمة ومراس ، وبهذه الطريقة وحدها يكون موسى قد تخلص من رتّته ، باستعادة ثقته

٩٩٦

فى نفسه ، ونجاحه فى مهمته ، وتمرسه على مخاطبة الشعب ومواجهة الصعاب. ومن تقواه وشكره لربّه تسبيحه الذى قال فيه : (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً) (٣٣) (طه). وقال موسى مسبحا هذه التسبيحة لمّا شاهد عظمة الله ونجاته به ، وسبّح خلفه بنو إسرائيل ...

* * *

٨٢٦. تسبيحة موسى

قال موسى فى تسبيحته ، وقال وراءه بنو إسرائيل : «أسبح الربّ فإنه قد تعظّم بالمجد. الفرس وراكبه طرحهما فى البحر. الربّ عزّى وتسبيحى. لقد كان لى خلاصا. هذا إلهى فإياه أمجّد. إله أبى فإياه أعظّم. الربّ صاحب الحروب ، الربّ اسمه. مراكب فرعون وجنوده طرحها فى البحر ، ونخبة قواده غرقوا فى بحر القلزم ، غطّتهم اللّجج فهبطوا فى الأعماق كالحجارة. يمينك يا ربّ عزيزة القوة. بيمينك يا ربّ تحطّم العدو. وبعظمة اقتدارك تهدم مقاوميك. تبعث سخطك فيأكلهم كالعصافة. وبريح غضبك تراكمت المياه وانتصبت كأطواد مائعة ، وجمدت اللّجج فى قلب البحر. قال العدو أرهق ، أدرك ، أقسّم غنيمة ، تشتفى منهم نفسى ، اخترطهم بسيفى. تقرضهم يدى. بعثت ريحك فغشيهم اليم وغرقوا كالرصاص فى غمر المياه. من مثلك فى الآلهة يا ربّ! من مثلك جليل القدس ، مهيب التسابيح ، صانع المعجزات ـ مددت يمينك فابتلعتهم الأرض. هديت برحمتك الشعب الذين فديتهم ، أرشدتهم بعزّتك إلى مأوى قدسك. سمعت الأمم فارتعدت ، وأخذ الرعب قاطنى فلسطين. حينئذ دهش زعماء أدوم ، أقوياء موآب أخذتهم الرعدة ، وماج كل سكان كنعان. تقع عليهم الرعدة والهلع. بعظمة ذراعك يبكمون كالحجارة حتى يجوز شعبك. يا ربّ ، حتى يجوز الشعب الذى ملكته. تأتى بهم فتغرسهم فى جبل ميراثك ، فى الموضع الذى أقمته. يا ربّ ، لسكناك المقدس الذى هيأته يداك يا ربّ. الربّ يملك إلى الدهر والأبد. إذا دخلت خيل فرعون ومراكبه وفرسانه البحر ، ردّ الربّ عليهم مياه البحر. وأما بنو إسرائيل فساروا على اليبس فى وسط البحر» (الخروج / ١ ١٥ ـ ١٩).

وكما ترى فهذه ليست تسبيحة وإنما هى شكر للربّ وثناء عليه لنصرة بنى إسرائيل ، واسمه تعالى «الربّ» اسم عادى لا جديد فيه ، ولا خصوصية ، ولا وحى. وما تسمّيه التوراة تسبيحة من إنشاء موسى عبارة عن تمجيد للقوة ، ورفع لمعنويات شعب إسرائيل ، وبثّ للرعب فى نفوس الأعداء ، وإضفاء الغيبية على الدنيوى ليتقدّس الدنيوى ، وتصبح الحرب مقدسة ، ونتائجها ربّانية ، وإظهار أن الشعب يقاتل معه الربّ فلا أقل من أن ينال

٩٩٧

النصر حتما. وواضح من النصّ أن موسى كشخصية دينية غير موهوب أدبيا وذهنيا وروحيا.

* * *

٨٢٧. يشوع فتى موسى

يقول تعالى فى بداية قصة موسى والخضر : (وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ) (الكهف ٦٠) ، وفتاه هو يشوع بن نون ، واسم يشوع بالعبرية يعنى «المخلّص بإذن ربّه ، وهو اسم عسكرى ، وكأن الاسم وضع من بعد دخول يشوع فلسطين وخوضه للمعارك وهو يغزو ، وهذا صحيح ، لأن اسمه كان أولا «هوشع» ، يعنى المشرّع بإذن الله ، وحتى هذا الاسم كان اسما حركيا مرهون بعمله الذى يقوم به فى هذه المرحلة ، ففي المرحلة الأولى كان يشوع مشرّعا ، يستمع لموسى ويحفظ عنه ، ثم أصبح يوحى إليه ويشرّع مثله ، وله ضمن كتب اليهود سفر يشوع ، ويعتبر كمالة لأسفار موسى الخمسة ، فهو سادس هذه الأسفار ، وكانت له معجزات كموسى ، فقد اجتاز نهر الأردن على اليابسة ، كما اجتاز موسى بحز قلزم ، وهاجم أريحا وأسقطها ، وأخّر غروب الشمس حتى تنتهى المعركة. وكان يشوع لموسى بمثابة الحوارى ، ولذا خلفه على بنى إسرائيل. ولم يترك يشوع موسى إلى أن انتقل موسى إلى الرفيق الأعلى ، فلم يكن هناك من يتولى أمر بنى إسرائيل بعد موسى سوى يشوع ، لأن هارون كان قد مات قبل موسى. وقوله تعالى «لفتاه» أى لخادمه ، وكان موسى عازما على المشى إلى أن يصل إلى مجمع البحرين ، أى حيث يلتقى البحران ، ولو استلزم ذلك أن يسير دهرا ، فما أن وصلا حتى تبين لهما أنهما قد نسيا غداءهما ، وكان عبارة عن سمكة اصطاداها وادّخراها لطعامهما ، أو أنها كانت معهما مملوحة ، أو كانت حيّة وكانا يحملانها فى مكتل ، وطفرت من المكتل إلى البحر ، واتخذت سبيلها فيه سربا ، فكان ذلك شيئا عجبا ، وارتدّا على آثارهما لعلهما يجدان السمكة ، وأويا إلى صخرة بعد أن لقيا فى سفرهما النصب ، وآلمهما أن ينسيا الحوت ، واعتبر نسيانهما من الشيطان ، ثم أنهما عادا يقصّان آثار مشيهما إلى أن وجدا الخضر. وهنا تنقطع كل الأخبار عن يشوع فتى موسى فلا شىء عنه بعد ، وتتبقى كلمة عن سفر يشوع ، وهو كتاب فى أحط أنواع الاستعمار باسم الدين ، والانطباع الذى نخرج به من قراءة سفر يشوع : أن الدين موظف لخدمة أغراض استعمارية ، وأن جميع الشرور جائزة ومشروعة طالما هى تحقق الحلم الاستعمارى الصهيونى ، ويشوع أكبر حالم استعمارى يهودى ، والربّ الذى يبشّر به ويعبده ، ويأمر الآخرين أن يعبدوه ، هو ربّ استعمارى يلهمهم فعل كل الموبقات وينزلها بعدوهم باسم الشرعية العسكرية ، ولذلك فقد قرّر سفر يشوع على طلبة الكليات العسكرية فى إسرائيل ،

٩٩٨

كدراسة للمشروع الاستعمارى اليهودى ، وكتطبيق لمختلف التكتيكات الواجب اتباعها لتحقيق الحلم الصهيونى ، ومن المؤسف أن القيادات العسكرية فى العالم العربى لم تتنبه لسفر يشوع ككتاب فى العسكرية الإسرائيلية ، وفى التكتيك العسكرى المطبّق عندهم حتى الآن ، ويحتوى السفر على جزء أول : فى الاستعداد للغزو ؛ ثم الجزء الثانى : عن الغزو أولا للجزء الأوسط لفصل الشمالى عن الجنوبى ، ثم غزو الجنوب وبعد ذلك الشمال ؛ وتأتى المرحلة التالية وهى مرحلة الاستيطان وتهويد الأرض ، بتقسيمها على المستعمرين الغزاة من بنى إسرائيل بحسب الأسباط ليكون هناك وئام بين السكان من أصول واحدة. وينتهى السفر مع نهاية حياة يشوع ، ويخطب فى جموع المستوطنين أو المستعمرين الجدد أن الربّ قد أعطاهم أرضا لم يتعبوا فيها ، ومدنا لم يبنوها!

* * *

٩٢٨. الفرعون وملك مصر

إذا كانت قصة الفرعون وموسى قد وقعت بأرض جاسان دون مصر ، فلما ذا جاء فى الآية : (وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) (٥١) (الزخرف)؟ وملك مصر يعنى أن الملك هو ملك مصر ، وملوك الهكسوس الذين ملكوا أرض جاسان كانوا يعتبرون أنفسهم ملوكا لمصر ، وفى عهدهم انقسمت مصر أقاليم ، وكان كل إقليم يحكمه ملك ، وكان ملوك الهكسوس أقوى الجميع ، ولهم السيطرة على الجميع ، ومن أجل ذلك قال الفرعون : «أليس لى ملك مصر» يعنى هذا هو «ملك مصر» لا ينازعنى فيه منازع ، وقيل إنه ملك من مصر أربعين فرسخا فى مثلها ، والفرسخ نحو ثمانية كيلومترات ، يعنى أنهم كانوا يحكمون ١٢٨٠٠ كيلومتر من جملة ٠٠ ، ٩٩٤ كيلومتر هى كل الأرض المصرية بصحاريها ، وكانت عاصمة هذا الملك تنيس أو أفاريس ، ويجرى فى أراضى هذا الملك خليجان من سبعة خلجان للنيل فى مصر كلها ، وهذان الخليجان أو النهران هما : نهر دمياط ، ونهر تنيس ولم ينسب القرآن الناس الذين سكنوا أرض جاسان إلى مصر ، ولا قال إنهم مصريون ، ووصفهم مرات بأنهم «آل فرعون» ، ومرات بأنهم «قومه» ، أى أمّته وأهله ، ومرات يخصّ منهم «الملأ» ، وهذا دليل على أنهم «غير مصريين» ، والملأ هم أعيان القوم الذين يملئون العيون أبهة والصدور هيبة ، وبرز منهم اثنان فى قصة موسى والفرعون ، هما : قارون ، وهامان. وملأ فرعون ضحكوا من سحر موسى : (فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ) (٤٧) (الزخرف) وكلما ضحكوا من آية أتى موسى بالتى هى أكبر منها ، حتى استنفد الآيات التسع ، وأخذهم الله بالعذاب ،

٩٩٩

وسخروا من موسى حتى نادوه : (يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) (الزخرف ٤٩) ، يدعون موسى أن يستنفد كل ما علّمه ربّه من الآيات. واستفهام فرعون فى قوله : «أليس لى ملك مصر»؟ على سبيل الإثبات والتعظيم لشأنه وشأن ملكه ، وفى قوله : «أفلا تبصرون»؟ على سبيل التنبيه والتبكيت. وثمة دليل آخر فى سورة الزخرف على أن هؤلاء الناس الذين جاءهم موسى ليسوا مصريين ، هو الآية : (فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) (الزخرف ٥٣) قال ذلك لأنه كان من عادة الملأ من قوم فرعون أن يضعوا الأساور من ذهب فى معاصمهم ، والأساور جمع أسورة ، وهى لغة فى سوار. وهذه العادة لم تكن عند الرجال فى مصر القديمة ، وتخلو تماثيل ملوك مصر وكبار شخصياتها ، وكذلك صورهم على المعابد من أمثال هذه الأساور التى كانت وقفا على أهل بابل والعبرانيين. وفى مصر كانت الأساور فقط للنساء. وفى وصف هؤلاء الذين كانوا يستعمرون أرض جاسان قال تعالى عن الفرعون : (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) (٥٤) (الزخرف) فلم يعرف عن ملوك مصر أنهم كانوا يستخفون أقوامهم ، أى يستهترون بهم ، ويستقلّون شأنهم ، ويجدونهم خفاف العقول ، وعلى عكس ذلك كانوا ينيطون بهم المهام الكبيرة ، ويوكلونهم أمر الملمات ، وجاء الاستخفاف من قبل الملوك الأجانب ، ومن طرف الغزاة المستعمرين ، مثلما كان يحدث من الفرنسيين والإنجليز فى مصر زمن الاحتلال ، وكذلك استخفاف أمريكا وإسرائيل بالعرب عموما. والاستخفاف شأن غير المؤمنين : (وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) (٦٠) (الروم) ، وصفهم بأنهم كانوا فاسقين ، أى لم تكن لهم ملة ولا دين ، وشعب مصر كانت له ديانة ، وأما الهكسوس فما كانت لهم ديانة ، وهؤلاء هم من الأشوريين. ولهذا جاء فيهم : (فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ) (٥٥) (الزخرف) ، أى لما أسخطوا الله وأغضبوا موسى : (فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ) (٥٦) (الزخرف) يعنى مثلا لمن يعمل عملهم ، وعظة لمن يأتى بعدهم ، وهذا ما انتهى إليه أمر الهكسوس فى مصر ، ولذا لا يوجد أى ذكر عن واقعة الغرق فى الآثار المصرية ، لأنه فى هذه الآثار كان تسجيل «التاريخ المصرى» ، وقصة فرعون موسى لم تكن من هذا التاريخ ، وجنود الفرعون لم يكونوا مصريين!

* * *

٨٢٩. الدليل على أن الفرعون كان آشوريا وليس مصريا

كانت مقالة فرعون موسى : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) (٢٤) (النازعات) ، أى لا ربّ لكم فوقى ، وقال : (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) (القصص ٣٨) ، ولقد قلنا إن فرعون مصر لم

١٠٠٠

يكن مصريا ، ودليلنا ضمن أدلة أخرى أن مقولته هذه ليست من أركان النظام الدينى المصرى ، وإنما هى من أركان النظام الدينى الأشورى ، والدولة المصرية لم تحكم قط حكما ثيوقراطيا ـ أى دينيا ، أى لم تكن دولة قساوسة ، ولا فقهاء ، ولا ملالى ، ولكنها دولة قانون ، والمؤسسة الدينية فيها كالمؤسسة الحاكمة سواء بسواء ، ولم يحدث أن قال ملك من ملوك مصر أنه حورس ، أو ابن اوزيريس ، وإذا مات الملك فإنه يموت كإنسان ويحلّ محله إنسان آخر ، ولذا كثر أن يشطب اسم الملك الميت من الآثار ويكتب الملك الجديد اسمه مكانه ، ولم يكن خوفو ، وخفرع ، ومنقرع ، ورمسيس آلهة ولكنهم ملوك فقط ، إلا أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم مختارين من السماء ، وأنهم معصومون عصمة الأنبياء فى عصرنا ، أو حتى عصمة ملوك فرنسا فى القرن التاسع عشر ، ولذلك فمقالة الفرعون : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) (النازعات ٢٤) و (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) (القصص ٣٨) لم يقلها ملك مصرى. وقلنا إن لفظة «فرعون» بمعنى الجبار ليست مصرية ، ولا هى فى اللغة المصرية القديمة ، وإنما اللفظة آشورية ، وآشور احتلت مصر ، وحكمتها لسنوات عديدة ممتدة ، واقتصرت غالبا على أرض جاسان ، وهى منطقة شرق الدلتا وتعرف الآن باسم محافظة الشرقية ، وتمتد من جوار أبى زعبل إلى البحر ، وإلى وادى توميلات ، ومنذ يوسف سكنها العبرانيون وامتلكوا الأراضى فيها (تكوين ٤٦ / ٣٤ ، و ٤٧ / ٦) ، وخروج ٨ / ٢٢) ، وفيها وقعت قصة الفرعون وموسى ، وهذا هو سبب عدم وجود رسوم ونقوش تسجل هذه القصة وأحداثها على الآثار المصرية ، وأحيانا كان استيلاء آشور على مصر كلها ، العليا والسفلى على السواء ، كما فى عهد آشور بانيبال. والملك فى آشور كان «الملك الإله» و «رئيس الكهنة» و «ممثل الله فى الأرض» ، ولذا أطلق ملوك آشور على أنفسهم اسم «ملوك الأراضين» ، أو «ملوك العالم» ، و «الممثلين لله فى الأرض» ، أى أن الملك الأشورى هو «الإله فى الأرض» مثلما الآخر «الإله فى السماء» ، ولذا كان المتوقع من الشعب أن يطيعهم طاعة عمياء ، واسم «حمورابى» هو اسم لا يصحّ إلّا لملك إله ، ومعناه هكذا : «الملك الربّ». وهذا هو الفرق بين الملك فى مصر وبين الملك فى آشور ، وهذا الفرق هو الذى يحدد جنسية فرعون موسى الذى قال : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) (النازعات ٢٤) ، فلا شك أنه كان ملكا آشوريا ولا يمت لملوك مصر بصلة. ولأن أرض جاسان كانت أرض مراع ، وكان شعبها من الرعاة ، أطلق مانيتون المؤرّخ اليهودى على ملوكها اسم «الملوك الرعاة» أو «الهكسوس». ومصر كلها لم تعرف فى تاريخها ملوكا رعاة أبدا. والخلاصة : أن قصة موسى لم تكن مع مصريين ، وورود اسم مصر أربع مرات فى القرآن لا يعنى أن القصة كان مكانها منف عاصمة مصر ، وإذا كانت

١٠٠١

قد جرت فى أرض جاسان فهى أرض مصرية رغم كل شىء ، وفى كل القصة وعلى اختلاف سور القرآن لم تحدث الإشارة إلى أن موسى كان يتعامل مع ملك مصر وإنما مع الفرعون ، وقوله : (يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) (الزخرف ٥١) إشارة إلى ما آل إليه من أرض مصر وليس مصر كلها.

* * *

خريطة

(إمبراطورية آشور وشمولها لأرض جاسان من مصر)

فى عهد آشور بانيبال تصوير

١٠٠٢

٨٣٠. قصة امرأة فرعون

امرأة فرعون فى الأدب الدينى الإسلامى هى آسية بنت مزاحم ، وليس من مرجع موثوق به للاسم ، وليس فى التوراة عن ذلك شىء. وفى التوراة أن التى انتشلت موسى من الماء هى ابنة فرعون وليس امرأته ، وليس من شىء فى التوراة عن أن ابنة فرعون كانت على دين بنى إسرائيل ، ولما انتشلت موسى من الماء عهدت به إلى مرضعة عبرانية كانت أمه ، وأعطتها على ذلك أجرا. وأما فى رواية القرآن فهناك دافع خلاف الشفقة هو الذى دفع امرأة فرعون إلى إنقاذ الطفل موسى. وهذا الدافع هو آصرة الدين ، فلقد كانت تعبد الله على طريقة العبرانيين ، وعبادة الله كانت أثرا من آثار تعاليم يوسف ، وكان فى بلاط الفرعون من المؤمنين من أتباع ملة يوسف ـ غير آسية ـ مؤمن آل فرعون. وفرعون ـ كما قلنا ـ لم يكن مصريّا لا اسما ولا جنسا ، والناس فى جاسان أغلبهم عبرانيون ، والحكام آشوريون ، وعند ما أمرت آسية بسوق التابوت الذى به الطفل موسى إليها قبل أن يبعده البحر ، فتحته فرأت الطفل عبرانى السمت ، فعلمت أنه عبرانى مثلها ، وانفتح له قلبها ، ورحمته ، وأحبته ، وقالت لفرعون : (قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) (القصص ٩) ، تدعو الله أن تكون لها وله فيه بركة ، فقد كانا لا ينجبان ، ربما لعيب فيه غالبا ، فاستوهبته الطفل فوهبه لها. وفى الآية : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (١١) (التحريم) يتأكد إيمان آسية حتى ليضرب بها المثل كمؤمنة ، ويتأكد كذلك أنها عبرانية ، وليس ذلك بكثير أن يتزوج الفرعون الهكسوسى بالعبرانية ، فكلاهما من الأغيار وليسا مصريين ، ومن سكان جاسان ، وديانة الفرعون كانت وثنية ، وديانة آسية هى التوحيد على طريقة الآباء : إبراهيم وإسماعيل وإسحاق والأسباط ، وكانت تصلى بطريقتها طريقة الآباء ، والفرعون لا يصلى ، ولأنهم وثنيون لم يترك الهكسوس فى مصر آثارا تذكر فى مجال الدين ، على عكس العبرانيين فقد آمن بديانة يوسف كثيرون ، وكان الخلاف العقدى عند آسية والفرعون ، بالإضافة إلى عدم الإنجاب ، مثار جدل دائم بينهما ونزاعات مستمرة ، فكان الفرعون يكاد يبطش بها ويعذّبها ، فسألت ربّها حسن الأجر لصبرها ، ودعت أن يخلّصها منه ، وأن ينجّيها من عمله ، فقد كان يفعل الظلم هو وقومه ، ولم تعرف مصر أذى كالأذى الذى لحقها من الملوك الفراعنة من الهكسوس ، وكان اسمهم الفراعنة بمعنى الملوك الجبابرة. وقصة امرأة فرعون مثل ضربه الله للمؤمنات من النساء ، كما ضرب المثل للكافرات منهن بامرأة نوح وامرأة لوط (التحريم ١٠). وفى قصة هذه المؤمنة

١٠٠٣

الفراعنة بمعنى الملوك الجبابرة. وقصة امرأة فرعون مثل ضربه الله للمؤمنات من النساء ، كما ضرب المثل للكافرات منهن بامرأة نوح وامرأة لوط (التحريم ١٠). وفى قصة هذه المؤمنة آسية تعزية لنساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم اللاتى كن يجدن مشقة فى الحياة فى بيت النبوّة بسبب قلة الزاد والمال ، وترغيبا لهن فى الثبات على الدين ، وتزيينا للطاعة لأمر الله وما قسم لهن. ثم إن فى قصة آسية وأمثالها حثّا للمؤمنين خصوصا والمؤمنات ، على الصبر فى الشدائد ، فلا يكونون أضعف من امرأة فرعون حين صبرت على أذى زوجها أعتى الجبابرة.

* * *

٨٣١. آيات موسى إلى فرعون : تسع

هى تسع آيات : ١ ـ العصا ، كقوله تعالى : (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) (١٠٧) (الأعراف) ؛ ٢ ـ واليد ، كقوله : (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) (النمل ١٢) ؛ ٣ ـ والطوفان ؛ ٤ ـ والجراد ؛ ٥ ـ والقمل ؛ ٦ ـ والضفادع ؛ ٧ ـ والدم ، كقوله : (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) (١٣٣) (الأعراف) ؛ ٨ ـ والسنون ـ أى الجدوب ، كقوله : (وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (١٣٠) (الأعراف) ؛ ٩ ـ وانفلاق البحر ، كقوله : (فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (٦٣) (الشعراء) ، فهذه تسع آيات.

* * *

٨٣٢. زينة وأموال الفرعون ودعاء موسى

فى الآية : (قالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) (٨٨) (يونس) ، وصف لأحوال الفرعون من ملوك الهكسوس فى الفترة التى حكموا فيها بعضا من أقاليم مصر ، فكان له ولقومه من زخرف الدنيا ، ومتع الحياة ، ومن الأموال ، الكثير ، قيل كان النيل يغل بالخير ، وكانت الأرض تغل بمعادن الذهب والفضة ، وكانت جبال البحر الأحمر تغل بالأحجار الكريمة ، وما كان عطاء الله له ولقومه عن رضا بل ليضلوا ويبطروا ويتكبّروا ، ودعا موسى عليهم بأن يعاقبهم على كفرهم بالطمس على أموالهم ، أى بإهلاكها ، وطمس الشيء : ذهابه عن صورته ، وطمس الأموال أن تضيع فيما لا فائدة منه ولا طائل ؛ والشّدّ على القلوب بتقسيتها والطبع عليها فلا تنشرح للإيمان.

* * *

١٠٠٤

٨٣٣. موسى أمر قومه أن يصلوا فى البيوت

زاد فرعون من تعذيب بنى إسرائيل لمّا أظهر موسى ، دعوته ، فعابوا عليه المشقة التى يعانونها بسببه وهو الذى جاء ليخلّصهم ، وكان فرعون وقومه يعرفون الإسرائيليين من سواهم بمعابدهم التى بنوها لصلواتهم ، وكانوا يهاجمون تلك المعابد ويقبضون على الأقوياء منهم للعمل عندهم ، وفى ذلك يقول الله تعالى : (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (٨٧) (يونس) ، ومصر فى هذه الآية هى أرض جاسان ـ أى محافظة الشرقية الآن ، باعتبار إطلاق الكل على الجزء ، وأمر موسى وهارون بنى إسرائيل ، بناء على وحى من الله ، أن يتخذوا من بيوتهم مساجد ، وأن يجعلوها إلى القبلة ـ أى فى اتجاه الشرق ، فقد كان الساميون جميعا يتوجهون فى الصلاة إلى المشرق أينما كانوا ، والمراد أن يصلوا فى بيوتهم سرا ليأمنوا على أنفسهم ، وفقه ذلك : أن الصلاة تكون فى المساجد ، فإذا خاف الناس مظالم الطاغية وجبروت عسكره ، فلهم أن يصلّوا فى البيوت. والمسلم له أن يصلى أينما كان ، وفى الحديث : «جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا» ، فخصّ بذلك المسلمون ، ربما لحالات كهذه ، ومن فقه هذه الآية : أن الخائف على نفسه يعذر بخوفه ، ويجوز له ترك الجماعة والجمعة ، وكثير من المسلمين يفعلون ذلك الآن فى بلاد الإسلام وفى غير بلاد الإسلام ، فلقد صار الخوف من السلطان الجائر فى بلاد الإسلام أكثر منه فى غير بلاد الإسلام.

* * *

٨٣٤. الفرعون دائم الاستخفاف بقومه

الفرعون ـ كما عرفنا ـ هو الجبّار ، وهو لغة المستعمرين الهكسوس أطلقت خطأ على كل ملوك مصر ، والقرآن يقصد بالفرعون حكام أرض جاسان ـ أى محافظة الشرقية الآن من الملوك الرعاة. والمرادف للفرعون هو الطاغية ، من الطاغوت والطغيان ، ومن علامات الطغاة استخفافهم بأقوامهم ، يقول تعالى : (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) (٥٤) (الزخرف) ، يعنى استجهلهم ، فأطاعوه لجهلهم ، وقلة درايتهم. يقال : استخفّه الفرح ، أى حمله على إثبات أفعال الجاهلين ، ولم يكن عبثا أن كتب توفيق الحكيم «عودة الوعى» ، يقصد أن الطاغية من شأن جهازه الدعائى أن يغيّب عقول الناس ويستسهل ذلك لأميّتهم وانحطاط ثقافاتهم وأحوالهم المعيشية ، فإن أردت يا أخى أو يا أختى ، أن تتعرّف إلى نوع نظام الحكم فى بلدك ، فانظر كيف يتصرّف حاكمه فى أهله ، وكيف يسلكون إزاء جبروته وصلفه واستبداده ، وما إذا كانوا يصدّقون دعاواه دائما ولا يعارضونها أبدا. وقيل

١٠٠٥

فى تفسير «استخفّ قومه» أنه وجدهم خفاف العقول فاستعطبهم ، فدانوا له بالطاعة العمياء كالبهائم يسلس قيادها.

* * *

٨٣٥. لقاء التحدى بين موسى والفرعون : الزمان والمكان

هذا ما أوجزته الآيات : (وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) (٥٩) (طه) ، وقدّمت له بأسبابه : أن موسى بذل كل ما فى وسعه وقدّم له ما زوّده به ربّه من حجج تدل عليه تعالى ، أنه الواحد والقادر والناصر والقاهر ، وكذّب فرعون ما رأته عيناه ، وأبى أن يذعن لإملاء العقل ، وأنكر عنادا مع أنه رأى الآيات عيانا لا خبرا ، كقوله تعالى : (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) (النمل ١٤) ، وسمّى ما رأى سحرا ، وحدّد ما فهمه من دوافع موسى ، بأنه ليوهم الناس أن آياته هى الأعلى ، وهى الأوجب للتّصديق ، فيؤمنون لذلك بإلهه ، فيغلب موسى الفرعون على أرضه ، ويحوزها منه ويمتلكها ويطرده منها ، وذلك دليل أكيد أن موسى كان يتعامل مع ملك أجنبى غير مصرى ، وعارضه الملك بسحر كالذى جاء به موسى ، ليبيّن للناس أن ما أتى به ليس من عند الله كما يدّعى ، ولكنه من ألاعيبه ، وطلب منه موعدا أو وعدا بلقاء آخر فى موعد أقرب ومكان أوسع ، والموعد اسم لزمان ومكان الوعد ، كقوله تعالى : (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ) (هود ٨١) ، فلا يخلف أيهما اليوم المعلوم والمكان المعروف ، واقترح لهما ـ واقتراحه أمر ـ أن يكون المكان ـ سوى ـ أى سوى هذا المكان الذى هما فيه وهو بلاط الملك ، فيكون نصفا وعدلا بينهما ، بين أبهة هذا المكان وبين رحابته ، ليتسع لعدد أكبر من الناس. وفى اللغة «سواء الدار» وسطها ، ووسط كل شىء أعدله كقوله : (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) (البقرة ١٤٣) ، أى وسطا بين الرأيين ؛ ويوم الزينة الذى حدده هو يوم عيد ، يتزيّنون فيه ويتهيئون له ، وأمثال هذه الأيام لم يعرفها المصريون ولكنها من عادات شعوب الشرق الأوسط الأخرى حول آلهتهم ، كآلهة الحصاد ، وآلهة الجمال ، وآلهة الشرب والصخب ، والمصريون ما كانت لديهم أعياد صخب واحتشاد إلا عيد وفاء النيل ، وقد جعل ذلك بعض المفسرين من العرب يقولون إن يوم لقاء موسى وهارون كان يوم وفاء النيل! أى كان فى الصيف. ووفاء النيل لم يحتفل به المصريون إلا مؤخرا ، وكان عيد عبادة وشكر ، ولا تليق فيه أعمال السحر ولم يعرف عن المصريين أنهم يهوون السحر ، أو أن لهم علم به ، فالسحر علم كاذب ، وعلم المصريين هو العلم

١٠٠٦

الصحيح ولذا تفوّقوا على الأمم ، وبذّت حضارتهم سائر الحضارات. وأما السحر فكان اختصاص العبرانيين والأشوريين ، فهؤلاء برعوا فيه واشتهروا به ، ولكل ذلك كان يوم العيد حتما هو يوم النيروز ، وهو أول يوم من أيام السنة الشمسية ، ويحتفل به الأشوريون والفرس والسريان واليهود ، وهو يوم الفرح ، وجعله أقباط مصر من بعد ذلك أول السنة القبطية ، والناس فيه يزدحمون ويتزاحمون ، وأوفق الأزمنة للاجتماع فيه والزحام على أشده فى الضحى الأعلى بعد طلوع الشمس ، لأن أول النهار هو الضحوة وليس الضحى ، واختيار النهار فى أوله ليكون فيه متسع لو امتد الأمر بين الفريقين المتنازعين ، وحشر الناس فيه ليكون زهوق الباطل على رءوس الأشهاد ، فتقوى رغبة من يرغب فى الحق ، وتسقط دعوى المبطلين وأشياعهم ، ويكثر المحدّثون بالأمر فى البدو والحضر ، وتشيع القصة بين أهل الوبر والمدر ـ أى فى كل مكان ، ووسط كل الطبقات والتجمعات والفئات.

* * *

٨٣٦. طريقة الفرعون هى المثلى

الفرعون لفظ أجنبى وليس مصريا ، وهو الملك الربّ ، والملوك فى مصر لم يحدث أن نادوا بأنفسهم أربابا ، منذ عهد مينا حتى آخر ملك من ملوك الأسرات ، واسم رمسيس مثلا هو رع موزيس ، ورع هو اسم أحد أسماء الله عندهم ، وموزيس أو موسى هو عبد هذا الإله ، ومثله تحتمس وهو عبد الإله توت ، كقولنا الآن عبد الله ، أو عبد الحافظ ، أو عبد الصمد ، فالملك ليس إلا عبدا لله. وأما عند ملوك آشور ، فالملك هو إله ، والتعبّد يكون للملك تجسيدا للإله الكونى ، فطريقة الأشوريين هى أنهم كانوا حسيّين وماديين ، والروحانية كانت منعدمة عندهم ، على عكس المصريين. وقولنا : إن ديانة موسى صورة من ديانة أخناتون المصرى ، لأن سمة الديانتين التجريد ، والتجريد لم تعرفه آشور ، والملك الأشورى ـ أى الفرعون ـ يسخر لذلك من طريقه موسى ، ومن قبل موسى اختصم مع طريقة المصريين ، ولم يرض بعبادة أى من آلهتهم ، لأنها آلهة قائمة على أساس المفهوم والتصور التجريدى لقوى الله. وقبل موسى كان يوسف ويعقوب ، والذين آمنوا بهما قليلون من أهالى جاسان وبلاط الفراعنة الهكسوس. ولم تعجب دعوة التوحيد هؤلاء ، لأنها تلغى الاستكبار الأشورى ، والاستعلاء الآسيوى ، وهما ما عرفت به طريقة الفراعنة من حكام آشور ، وهى فى ظنهم «الطريقة المثلى» سواء فى الحياة كأسلوب ، أو فى الدين كعقيدة ، أو فى الحكم كسياسة.

* * *

١٠٠٧

٨٣٧. لم يؤمن بموسى إلا القليل من ذرية بنى إسرائيل

عند ما دخل يعقوب أرض مصر كان كل من معه ، بما فى ذلك أولاده ونساؤهم وأتباعه وذرياتهم نحو السبعين فردا ، ومنهم يوسف وولداه (التكوين ٤٦ / ٢٨) ، وأقاموا بجاسان من محافظة الشرقية وتكاثروا جدا ، وظلوا فيها كما قيل أربعمائة سنة وثلاثين ، وقيل الصحيح حسابيا مائتى سنة وثلاثين ، وقيل إن من خرجوا مع موسى من ابن عشرين سنة فصاعدا ممن يمكن تجنيدهم للحرب كانوا ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين ، غير أن من أظهر الإيمان مخافة بطش فرعون أقل بكثير ، كقوله تعالى : (فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) (٨٣) (يونس) ، فلما كان الخروج خرجوا جميعا ، ولو حسبنا النساء والأطفال والشيوخ المرافقين لهؤلاء الشباب الذين فاق عددهم الستمائة ألف ، فإن عدد الخارجين ليبلغ أكثر من المليون! وهذا غير صحيح بالمرة.

* * *

٨٣٨. دعاء قوم موسى قبل الخروج

لمّا وصل الصدام بين الفرعون وموسى مداه ، قرّ قرار موسى على الخروج ببنى إسرائيل ، فأبلغ قومه : (وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٨٦) (يونس) ، فأسلموا أمرهم إلى الله ، ورضوا بقضائه وقدره ، وانتهوا إلى أمره ، وسألوه أن لا يمتحنهم بالعذاب على أيدى أعدائهم ، وأن يخلّصهم من فرعون وقومه.

* * *

٨٣٩. توحيد الفرعون لمّا أدركه الغرق

فى قوله تعالى : (وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ) (٩٢) (يونس) أن فرعون جمع جنوده من القرى والنجوع والمراكز والمدن ولحق موسى وأدركه مصبحا ، يريد أن يبغى ويعتدى عليه ، طلبا للاستعلاء بغير حق فى القول ، وعدوا فى الفعل ، حتى إذا ناله الغرق صدّق وآمن ونطق بالشهادة : «لا إله إلا الذى آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين» ، والإيمان لا ينفع حينئذ ، والتوبة لا تقبل إلا قبل

١٠٠٨

رؤية البأس ، وأما بعدها فلا تقبل. ونجّاه الله ببدنه لا بنفسه ، ليكون للناس عبرة ويتّعظون ، قال تعالى : (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ) (٩٢) (يونس) ، فأماته وألقى بجسده على البرّ ، وقيل إن رمسيس هو هذا الفرعون لعثورهم على موميائه ، غير أن المومياء ليس بها ما ينبئ عن واقعة غرق ، ولا يوجد بين ملوك مصر من يصدق عليه أنه مات غرقا ، وهذا دليل آخر على أن «قصة موسى والفرعون» كانت بين أغراب على مشارف أرض مصر بإقليم جاسان ، وكان أمر هؤلاء الأغراب ، سواء كانوا آشوريين أم عبرانيين ، لا يعنى المصريين.

* * *

٨٤٠. موجز قصة موسى مع الفرعون

تعدّ الآيات الثلاث : (وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ) (٤٠) (الذاريات) أو فى وأصغر إيجاز لقصة موسى مع الفرعون ، فبرغم طول القصة الشديدة إلا أن هذه الآيات لخّصتها فجاء ملخصها رائعا شاملا ، واعتبر من معجزات البيان القرآنى ، تماما كمعجزاته تعالى فى الكون. والآيات الثلاث تدعو للتأمل والتفكّر. وكانت حجة موسى البيّنة عصاه ذات السلطان ، وإنما من لم يكتب له الإيمان لم يؤمن ولو كانت الرسل إليه ملائكة ، وفرعون كان طاغية ، ومن الملعونين ، فلم يؤمن وأعرض مع كل معجزات موسى ، وانفرد بوزرائه ومستشاريه ، واجتمع بقواده ورؤساء عسكره ، واحتمى بمنعة آله ، وقال مقالته المشهورة التى يتّهم بها كل مفكر أو رسول أو مصلح عند ما تكون الحكومة التى يعارضها استبدادية : ساحر أو مجنون!! ـ يعنى أن هذا المفكر ، أو الرسول ، أو المصلح إما أنه ساحر يلعب بالعقول ويدلّس على الناس ، ويزيّف الحقائق ، وإما أنه مجنون أن يجرؤ على نقد الحكم ، أو نقض المذهب ، أو تقويض الملّة. وفرعون أجرم وجنوده ، لأنهم كانوا على الباطل ، وموسى على الحق ، فجرّ على نفسه وعليهم الوبال ، وظلم نفسه وظلمهم ، فلمّا أخذ لم يؤخذ وحده ، وقضى فيه وفيهم بالحق ، وكان ملوما كما كانوا ملومين ، واستحق أن يموتوا معا ، وألقى بهم فى اليم وكانوا من المغرقين ، وهذا ما أوجزته الآيات الثلاث خير إيجاز

* * *

٨٤١. دار الفاسقين ليست مصر

تأتى الآية : (سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ) (١٤٥) (الأعراف) وكأن الله تعالى يتحدث عن

١٠٠٩

مصر ، وكأنه يخاطب بنى إسرائيل ، وبعض المستشرقين لذلك فرحوا بها باعتبار أنها تطعن فى مصر وتصفها بأنها دار الفاسقين. وكذلك ذهب بعض المفسرين هذا المذهب فى التفسير ، إلا أن بنى إسرائيل كانوا قد خرجوا من مصر ، ولم يعد فى الإمكان أن يروها حتى يصفها لهم الله تعالى بأنها دار الفاسقين ، وأنه سيريها لهم ، والخطاب فى الآية للعرب الذين دعاهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الإسلام ، فبعد أن قصّ عليهم قصة بنى إسرائيل مع الفرعون ، ذكّرهم بشيء مشابه : قصّتى عاد وثمود فى أرض العرب ، وآثار هؤلاء ما تزال هناك فى المسافة بين الحجاز والشام ، وهؤلاء هم المعنيون باسم الفاسقين ، ودارهم أو ديارهم ـ بمعنى بلادهم ـ وهى التى يرون آثارها كلما كانوا مسافرين إلى الشام.

* * *

٨٤٢. قصتا سامرىّ موسى وسامرىّ المسيح

قصة السامرى the samaritan فى القرآن ينفرد بها عن التوراة والأناجيل ، فلأول مرة يعترف اليهود بتفوّق القرآن عليهم ، وأنهم قد عرفوا عن طريقه لما ذا كان يهود السامرة منبوذين عندهم؟ ولما ذا يعاملونهم كمنبوذين؟ ولم يكن اليهود يعلمون السبب ، ولم يتضمنه كتابهم ، فأخبرهم القرآن به ، وهم يقتنعون بهذا السبب ويرددونه ، ونبّه إلى ذلك جولدتسيهر ، وجايجر ، وشبيار. وتأتى القصة فى القرآن فى سورة طه ، فى معرض فتنة قوم موسى وهارون ، قال تعالى : (فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً) (٩٨). وللمفسرين المسلمين تفسيرات عجيبة فى السامرى وديانته وأصله ، وكان الأسهل عليهم لو

١٠١٠

أنهم رجعوا إلى التوراة ، إلا أن ذلك كان فيما يبدو صعبا فلم يكن هناك شىء متاح عن السامرة ، ونسخة التوراة السامرية مثلا ، وهى التى يتعبّد بها أهل السامرة من فلسطين ، لم تترجم إلى العربية إلا فى القرن الحادى عشر الميلادى ، يعنى لم تكن فى متناول هؤلاء المفسرين ، وجهلهم قد يعذر لذلك. والسامرة اسم عبرانى معناه مكان الحارس أو الديدبان ، وهى موطن السامريين ، وعاصمة عشرة من الأسباط بنوها أيام عمرى بن أخاب ملك إسرائيل بحسب التوراة اليهودية ، وعمرى ـ كما تقول التوراة ـ كان ملكا من سنة ٨٧٦ إلى سنة ٨٤٢ قبل الميلاد ، وكان صاحب الأرض التى بنى عليها مدينته يدعى شامر أى حارس ، ومحتمل أن الحراسة كانت عمله ، وسميت المدينة بهذا الاسم ، وأضيف أهلها إليها فهم لذلك السامريون. وتقع المدينة على تل اسمه عمرى شوميرون ، وكان لها برج عظيم ، وسمى الجبل الذى أقيمت عليه جبل السامرة. وإقليم السامرة وسط فلسطين بين الجليل فى الشمال واليهودية فى الجنوب. ومنذ البداية كانت السامرة مدينة وثنية ، وبنى فيها آخاب هيكلا للبعل ، وظلت الوثنية سائدة حتى عهد يا هو ، ومارس السامريون عبادة الأصنام وخاصة العجل ، وادّعوا أن الهيكل فى جزريم وليس فى أورشليم ، واستحكم لذلك الخلاف بينهم وبين اليهود. وتختلف التوراة السامرية عن النصّ العبرى فى نحو ستة آلاف موضع. فهذا هو الخلاف بين السامريين والعبرانيين ، لكن لما ذا هم منبوذون؟ لا أحد منهم يدرى ، وإنما القرآن هو الذى قصّ القصة ، وبيّن أن النّبذ كان عقابا للسامريّ ، فإنه قد عاش فى أرض ساجان من مصر ، وعاشر الهكسوس ، وكان من عبدة الأوثان ، فرأى بعد موسى أن يصنع اليهود صنما يتعبّدون له كما فى مصر ، إيثارا منه للعينى عن المجرّد ، وللحاضر عن الغائب. وكان جبريل قد أتى موسى ، فرأى السامرى رؤية البصير أثره فى التراب ، فقبض منه قبضة ، ولمّا رأى أنهم يريدون صنما عجلا يحتفلون حوله ، طلب إليهم أن يخففوا عن كاهلهم أحمال الذهب الذى سرقوه من أهالى جاسان من المصريين وغيرهم ، فصهره وسبكه عجلا له جسد العجل وليس له روح ، وله خوار أو صفير إذا حرّك أو دخله الهواء ، وقال لهم : هذا إلهكم وإله آبائكم. فانظركم الفرق بين الرواية فى التوراة والرواية فى القرآن! وكيف هى مسطّحة وجرداء قاحلة فى التوراة ، بينما لها أبعادها وأعماقها وأهدافها الإيمانية فى القرآن! وكيف تجنّى جولدتسيهر على القرآن والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند ما قال : إن محمدا مدين بالقصة لبقايا اليهود من السامريين فى المدينة. ثم الأعجب أن جولدتسيهر وقد فهم من القرآن عقاب موسى للسامرى ، وهو العقاب الذى يؤرّخ لنبذ اليهود للسامريين ولم يعرف اليهود أسبابه ، لم تأته الشجاعة الأدبية ولا الأمانة العلمية أن

١٠١١

يشيد بالقرآن من أجل إيراد هذا العقاب غير الموجود فى أى كتاب من قبل القرآن! قال موسى : (فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ) (طه ٩٧) ، يعنى أنه صار منبوذا يخشى الناس أن يمسّوه ، وإلّا انتقلت إليهم اللعنة ، فصار يهيم على وجهه ، وكلما اقترب منه أحد قال : «لا مساس» ، أى لا تمسّنى ولا تقترب منى. وهذه الآية صارت مرجع قول الفقهاء بنفى صاحب البدعة. ومن نسل هذا السامرى ومن أتباعه كان السامريون ، وكانت كراهيتهم لليهود وكراهية اليهود لهم. والإنجيل على العكس يقول برواية أخرى عن سامرىّ آخر يناسب أن يجعل من المسيح أعظم الأطباء ، وفيها أن السامرى كان منبوذا لأنه أبرص! (لوقا ١٧ / ١١ ـ ١٩) ، وبديهى أن قصة سامرى موسى بخلاف قصة سامرى المسيح على الأقل بفارق الزمن بين الاثنين. وفى قصة الإنجيل أن المرضى بالبرص كانوا عشرة ، قصدوا المسيح ليبرئهم ، فمسّهم وبرءوا ، فانصرفوا ولم يشكروا ، إلا السامرى ـ وكان منهم ـ فقد عاد إليه يمجّده بصوت عظيم ، وخرّ عند قدميه شاكرا ، وكان كثيرا على المسيح أن لا يمجّده إلا سامرى ، إلا أنه قبل منه الشكر كما فعل مع الكنعانية لمّا أظهرت إيمانها الشديد به كإيمان هذا السامرى ، فقال لها المسيح : إن إيمانك قد خلّصك! فكذلك السامرى ، إيمانه قد خلّصه. فهذه قصة السامرى مع المسيح ولا دخل لها البتة بالقصة قيد التوراة والقرآن.

* * *

٨٤٣. قصة موسى وعبدة العجل

المصريون يعرفون العجل أبيس إله القوة البدنية والجنسية ، والعجل عموما كان معبود الكثير من الشعوب ، ولا يوجد شعب من شعوب الشرق الأوسط إلا وكان من عبدة العجول فى يوم من الأيام ، وفى الهند يعبدون البقرة رمز الخصب التناسلى ، والخصوبة التكاثرية ، والعطاء الأنثوى المتمثّل فى اللبن الغذاء الحيوى ، كقولنا الغذاء الملكى عند النحل. والعبرانيون لمّا كانوا فى أرض جاسان من مصر ، عبدوا العجل ، ليس نقلا عن المصريين وإنما عن الأشوريين الذين كانوا يحكمون جاسان وحكموا مصر كلها أو بعضها فى يوم من الأيام ، والبعض ينسب عبادة العجل فى مصر للآشوريين ، ويقصرها على إقليم جاسان ، والعبرانيون شعب أوثق صلة بالآشوريين منهم بالمصريين ، والطقوس العبادية التى أدخلها موسى الديانة الموسوية طقوس تنتمى للشام وليست لمصر ، ولكى ننبه إلى أصالة عبادة العجل عند الأشوريين وليس عند المصريين ، علينا أن نعرف أن مدنا من مدنهم كانت تنسب لعبادة العجل ، مثل عجلون (بالفتح) ، والاسم يعنى بالعبرية «يلد

١٠١٢

العجل» ، وكانت عجلون قرب الساحل إلى الشمال الشرقى من غزة ، ومكانها الآن خربة عجلان ، شمال تل الحسى وقرب أربد. وهناك أيضا عجلون (بالكسر) وتعنى «مثل العجل» ، وهو أحد ملوك موآب ، وله حكايات مع بنى إسرائيل. والأصول اللغوية لكلمة «عجل» عند العرب والعبرانيين والموآبيين والأشوريين واحدة ، واللفظة سامية ويهمنا فى قصة العجل : أن المصريين نادرا ما يشيرون إلى العجل أبيس ، وإنما صورة العجل متغلغلة فى الأدب الشعبى والرسمى العبرانى خصوصا ، والسامى عموما ، والقرآن نبّه إلى ذلك ، وعبادة العجل من مكونات اللاشعور العبرانى ، وهو رمز القوة الغاشمة والجنس والمال ، وعند ما نقول إنهم عبدة العجل الذهبى ، نعنى أن معبودهم هو القوة أو بالأحرى المال وجمعه. وفى التوراة أن هارون كان من عبدة العجل!! وصنع لبنى إسرائيل عجل الذهب وبنى له مذبحا (خروج ٣٢ / ١ ـ ٥) ، فى جاسان (خروج ٣٢ / ٤) ، وكذلك فعل يربعام بعد انقسام بنى إسرائيل إلى مملكتين ، فبنى تمثالين للعجل ، واحدا فى بيت إيل ، والآخر فى دان (ملوك ١٢ / ٢٦ ـ ٣٣) ، وظل شعب اليهود يعبد العجل ، وأيّد هذه العبادة جميع الملوك الذين تعاقبوا على المملكة الشمالية ما عدا الملك هوشيا ، وتحفل أسفار العبرانيين والنصارى بأوصاف العجول ، كما فى الأمثال (١٤ / ٤) ، وعاموس (٦ / ٤) ، ولوقا (١٥ / ٢٣) ، والعدد (١٩ / ١ ـ ٢٢) ، والرسالة إلى العبرانيين (٩ / ١٣ ـ ١٤) ، والتكوين (١٥ / ٩ ـ ١٧) ؛ ولما أراد إرميا وصف مصر لم تسعفه مخيلته إلا بأن يشبّهها بالعجلة ، ووصف شعب مصر بالعجول الصغيرة (٤٦ / ٢٠ ـ ٢١).

وعجل بنى إسرائيل يأتى عنه فى التوراة (خروج ٣٢ / ٢) أن هارون أمر الإسرائيليين أن ينزع النساء والأطفال حلقات الذهب فى آذانهم ، فأخذها وصهرها وصوّرها فى قالب ، وصنعها عجلا مسبوكا ، وفرح الشعب بأنه أخيرا صار له إله ، لأنه كان يكره المجرّد ويطلب العيانى ، لمادية تفكيره وحبّه لكل ما هو من مادة ، وسرّ هارون سرور الشعب ، فبنى للعجل مذبحا ، وأعلن أن الغد عيد للربّ ، وفى البكور أصعدوا المحرقات وقرّبوا الذبائح ، وجلسوا يأكلون ويشربون ، وقاموا يرقصون ، وكان موسى فى الجبل يتلقى عن ربّه ، وكان من المفروض أن يغيب ثلاثين يوما ولكنه زادها عشرة أيام ، فأمره الربّ أن يعجّل بالهبوط إلى شعبه ، لأنهم قد انحرفوا وكفروا ، وصنعوا عجلا مسبوكا ، وسجدوا له وذبحوا ، وعبدوه إلها. وكان الربّ غاضبا ، وصار موسى يدافع عن الشعب ، ويذكّره بوعده لإبراهيم وإسحاق وإسرائيل لعله يرضى ، ونزل بسرعة ومعه لوحا الشهادة ، وعاد معه يشوع ، ولما دنا من المكان وشاهد العجل والرقص ، غضب ورمى باللوحين وكسرهما ،

١٠١٣

وأخذ العجل وحطّمه وأحرقه وذرّاه على الماء وسقى منه الشعب كعقاب ، واعتذر هارون بأنه ما كان له إلا أن يفعل ما فعل ، بالنظر إلى فساد هذا الشعب ، فلما طلبوا إلها صنع لهم هارون واحدا ابتهجوا به ، ورقصوا حوله عراة. ولا تذكر لنا التوراة : لما ذا اختار هارون للإله أن يكون فى شكل عجل؟ ولما ذا من ذهب؟ ولما ذا حالة العرى التى صاروا إليها حوله؟ والدراسات النفسية والتحليل النفسى يثبتان بدائية هذا الشعب وحيوانيته ، وماديته وفساده ، حتى أن الربّ قال فيهم : «هم شعب قساة القلب» ، وقال فيهم هارون إنهم «شعب من الأشرار» ، ورغم أنهم أبدوا التوبة فإنهم عادوا إلى المعاصى ، وكأن موسى بعد أن أحرق العجل وذرّاه على الماء وسقى منه الشعب ، قد أشربهم العجل ، يعنى طبعهم على الجحود والظلم ، فصارا فى دمائهم وتخللا الشخصية اليهودية.

وحكاية القرآن عن العجل مختلفة تماما ، وهارون مبرّأ منها ، والمتهم هو السامرى (انظر قصة السامرى). يقول تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) (١٥٢) (الأعراف ١٥٢) ، والذلة : لأنهم ابتدعوا العجل رمز المذهب المادى ، وأشربهم موسى ماءه ليعرفوا به. وكانوا سرّاقا ، سطوا على زينة الأشوريين فى أرض جاسان وسلبوها (خروج ١٢ / ٣٥ ـ ٣٦) ، وذلك دليل على أنهم كانوا منهم فجميعهم ساميون ، وقذفوا الزينة ـ يعنى الذهب ـ فى النار ، وصاغ لهم السامرى منه العجل ، وقيل : كان السامرى قد أبصر جبريل وهو يعبر بهم البحر ، فقبض قبضة من التراب من أثره ، فألقاها فى ذوب الذهب ، فصار كأنما العجل دبّت فيه الحياة ، إلا أنه مجرد معدن وإن كان له خوار إذا صوّتوا فيه. والخوار هو صوت العجول ، وقيل : كانت الريح إذا اخترمت العجل تصوّت ، فكأنما العجل يخور. وقيل إن هارون مرّ به وهو يصنع العجل ، فدعا له ، وبدعوة هارون صار للعجل خوار ، قال : (هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى) (طه ٨٨) ، فلو لا ميلهم إلى التشبيه ما صدّقوا ، ولكنهم كانوا أول مشبّهة فى التاريخ ، وقال السامرى عن العجل : (بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) (٩٦) (طه) ، وقال موسى عنه للسامرى : (وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً) (٩٧) (طه) ، وقيل لذلك : إن اليهود صارت لهم من يوم عبادة العجل مشكلة أو مسألة يقال لها المسألة اليهودية ، ولا حلّ لها إلا بإلغاء الملكية الفردية ، وأن تكون الملكية جماعية ، وأن يلغى رأس المال الخاص ويعمّم رأس المال العام ، فبذلك وحده تنتهى أسطورة عجل اليهود الذهبى ، أو عبادة اليهود للمال وجمعه ولو أدّى الأمر إلى سرقته وخراب الشعوب ودمار المجتمعات.

* * *

١٠١٤

٨٤٤. قصة هامان

تعرض قصة هامان فى القرآن فى ثلاث سور وست مواضع ، وتبرز القصة من خلال السرد القرآنى ، يقول الله تعالى : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ) (٦) (القصص). واسم فرعون ليس من اللغة المصرية ، وكان اسما لملوك العماليق الذين حكموا مصر باسم الهكسوس. ولما قدم بنو إسرائيل مصر التقوا بيوسف ، وكان وزيرا لأحد هؤلاء الفراعنة من الهكسوس الذين كانوا يحكمون إقليم جاسان أو محافظة الشرقية من محافظات مصر ، بعد أن استولوا عليها ، ولم يرد اسم فرعون موسى لمّا كان موسى طفلا ، ولا اسم الفرعون الذى طارد موسى إلى خارج مصر ، وفى الحالتين كان من الملوك أو الحكام أو الأمراء الهكسوس أو الملوك الرعاة. وظل بنو إسرائيل فى أرض جاسان التى هى محافظة الشرقية إلى أن خرجوا من مصر ، ويبدو أن خروجهم كان مع أفول حكم الهكسوس ، فلم يكن المصريون راضين عما يجرى فى إقليم جاسان ، لأنه صار مرتعا للأجانب. ولمّا غرق جند الهكسوس لم تذكرهم الآثار المصرية ، ولا ذكرت حكاية بنى إسرائيل ، لأن هؤلاء جميعا كانوا أغرابا ، وكان المصريون يجاهدون لإجبارهم على الخروج. وفى سفر الخروج (الفصل الأول ١١ / ١٥) ، أن بنى إسرائيل استغلهم الملوك الهكسوس فى السخرة للبناء بالطين واللبن ، وفى سائر أعمال الأرض ، وأنهم شاركوا كعمال سخرة فى بناء قريتين من القرى المستخدمة كمخازن للغلال هما فتوم ورعمسيس. ومخازن الغلال كما نعلم كانت اهتمام يوسف وكانت تبنى بالطين كطريقة العبرانيين فى جاسان. ونخلص من هذه المقدمة إلى أن أرض جاسان هذه وقد كانت مستعمرة أو مستوطنة أجنبية ، كانت مساكن للهكسوس العماليق ولبنى إسرائيل ، وكان بها آشوريون وبابليون وفرس وعبرانيون ، ولم يكن عبثا أن أبطال قصة موسى كانوا ـ من جهة ـ ثلاثة ، هم : فرعون ، وهامان ، وقارون ؛ فأما فرعون فهو من العماليق الهكسوس كما يوحى اسمه ، وأما هامان فهو رجل حرب من الأشوريين ، وكانوا معروفين بأنهم محاربون وغزاة ، وأما قارون فكان عبرانيا من الأثرياء ثراء خرافيا ، ومن الجهة المقابلة ـ كان موسى وهارون ، وهما عبرانيان من بنى إسرائيل ، فقصة فرعون موسى ، أو موسى مع الفرعون : قصة عن جماعات حطت أرض مصر واعتركت عليها ، ولم يشارك فيها المصريون ، وكانوا جميعا محتلين. والأرض التى جرت عليها وقائع القصة هى أرض جاسان ، وهى محافظة الشرقية الآن من أقصى الشرق ، واليم فى القصة ليس النيل ، ولكنه البحر حيث كانت أرض جاسان أقرب إلى بحر القلزم ، أى البحر

١٠١٥

الأحمر منها إلى النيل ، وكان للنيل مع ذلك ترع تصب هناك ، ولكنها لم تكن ما اصطلحنا عليه باسم النيل. فأما هامان فيرد اسم كاسمه فى سفر إستير من أسفار اليهود ، ويحكى عن وزير بهذا الاسم كان يكره اليهود فى آشور وفارس ويكيد لهم. وقول فرعون لهامان : (يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ) (٣٦) (غافر) هو خير وأقوى دليل على أن هذا الفرعون هو من الهكسوس أو الأشوريين مثله مثل هامان ، وذلك أن تفكير الأشوريين كان نمطه بناء الأبراج ، مثل برج بابل الشهير ، وأول ما تبادر إليه ذهن هذا الفرعون أو الحاكم هو أن يعلو فى السماء بواسطة برج لينظر إله موسى ، كتفكير الناس فى بلده آشور وفارس ، ثم إن فرعون تأكيدا لما سبق ، قال أيضا : (فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ) (٣٨) (القصص) ، فلم يطلب من هامان صرحا أو برجا من الحجارة كطريقة المصريين ، ولكنه طلبه من الطين المحروق بالنار ، يعنى من الطوب اللبن ، يحرق حتى يحمر لونه كطريقة البابليين ، ولو كان مصريا لطلب من وزيره أن يعدّ له هرما ، أو مسلة من الحجارة ، ولكنه طلب صرحا أو برجا من الطين كعادة البابليين. وفى الآية بعد الآية السابقة : (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ) (القصص ٣٩) ، فلو كان مصريا لاستكبر هو وكهنته ، لأن أكبر سلطة فى مصر كانت للكهنة. ولعل أكبر تحريف وتزوير فى التاريخ المصرى القديم أن المؤرخين من الإفرنج كانوا مدفوعين بحكم ثقافتهم التوراتية إلى الحديث عن مصر القديمة باسم «مصر الفرعونية» وطاوعناهم على ذلك ، ولم يضعوا فى اعتبارهم أن اسم فرعون أجنبيّ وليس مصريا. وكذلك لم يلحظ مفسرو القرآن أن الآية تقول «هو وجنوده» ولم تقل «هو وكهنته» ، ولو قالت : «هو وكهنته» لكان معنى ذلك أن الملك مصرى ، ولكن قولها «هو وجنوده» معناه أن هؤلاء كانوا مستعمرين ، وكانوا دائما كمستعمرين فى حالة طوارئ ، وأن أرض جاسان كانت مستعمرة أو مستوطنة عسكرية من هؤلاء الأغراب. وقوله تعالى بعد ذلك (فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِ) (القصص ٤٠) دليل آخر على أن وقائع القصة لم تكن على أرض النيل فلم يحدث فى التاريخ أن تسمى نيل مصر باليم ، واليم كلمة كما قيل أجنبية وليست عربية ، وهى من لغة أهل بابل ، والمقصود بها الترعة. وفى الآية (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ) (١٠) (الفجر) دليل آخر على أن فرعون هذا لم يكن مصريا ، فمعنى «ذو أوتاد» ، أنه يسكن الخيام ، ولم يسكن المصريون الخيام إطلاقا ، وسكنى الخيام للبدو الرّحّل وليست للمزارعين ، فهذا دليل على أن فرعون وهامان لم يكونا مصريين ، مثلهما مثل قارون وموسى وهارون.

* * *

١٠١٦

٨٤٥. قصة قارون مع موسى

يأتى عن قارون فى القرآن أربع مرات فى سورة العنكبوت وغافر ، والقصص ، وتقرن قصته مع موسى بقصتىّ فرعون وهامان ، يقول تعالى : (وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ) (العنكبوت ٣٩) ، فقارون استكبر بالمال ، وفرعون استكبر بالسلطة ، وهامان استكبر بالقوة ، وكان قارون من أغنى الأغنياء وشحيحا مقترا إلا على نفسه ، وفرعون كان طاغية مستبدا وادّعى الألوهية ، وما كان لأحد أن يقضى فى أمر إلا بما يقول ؛ وهامان كان وزير فرعون وقائد جنده ، وله الهيلمان ، ويحكم فى الأرض بما يشاء. وبلغ من شدة كبر هؤلاء الثلاثة أن كذّبوا أنه يوجد من يعلو عليهم ، حتى وإن زعم موسى أن من يعلوهم جميعا هو الله ، وأنكروا البعث والحساب ، فقال موسى فيهم : (إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ) (٢٧) (غافر) ، والمتكبّر هو المتعظّم عن الإيمان بالله ، وصفه بأنه لا يؤمن بيوم الحساب ، واتهم الثلاثة موسى لما عجزوا عن معارضته بأنه «ساحر كذاب» ، وحملوا معجزاته على السحر ، وسخّفوا آياته ، وأنكروا حججه المرئية والمحسوسة وأبطلوها ، وأدانوا الذين آمنوا بموسى ، وقضوا فيهم بقتل أبنائهم ، واستحياء نسائهم.

فأما قارون وحده فتناولته سورة القصص فى سبع آيات ، تقول : (إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) (٨٢) ، وقوله : (مِنْ قَوْمِ مُوسى) يعنى كان عبرانيا من بنى إسرائيل ، والذين قالوا إنه كان ابن عم موسى لا دليل لهم عليه ، وقال آخرون كان ابن خالته ، والصحيح أن قرابته الوحيدة بموسى هى قرابة العرق العبرانى ولا أكثر من ذلك. وقارون على وزن فاعول ، عبرانى ، مثل «هارون» ، و «شارون» ، وما راعى قارون قرابة العرق ، وبغى على قومه ، ولم

١٠١٧

يسلموا من جشعه وأذاه. ونمط قارون هو نمط الرأسمالى الدائب على جمع المال ، وفى سبيل المال استخفّ قومه ، وتكبّر عليهم ، وكان يعمل للفرعون محتسبا على بنى إسرائيل ، وهؤلاء كانوا يسكنون أرض جاسان من مصر (محافظة الشرقية الآن). أقطعهم إياها من قديم يوسف ، وغزاها الأشوريون وحكموها باسم الهكسوس كما أسماهم المؤرخ العبرانى مانيتو ، والهكسوس كانوا ملوكا رعاة ومحاربين ، وأطلقوا على أنفسهم اسم عماليق أو الجبابرة ، وأذاع العبرانيون اسمهم الفراعنة ، ككسرى والكياسرة ، وقيصر والقياصرة ، ولم يكن اسم الفرعون مصريا ، وما لقّب أحد من ملوك مصر باسم الفرعون ، وإنما انتشر الاسم بتأثير التوراة التى ورد بها ، وبلغ من غزو التوراة للفكر العالمى أن العالم صار يسمى ملوك مصر باسم الفراعنة ، وفسّر مفسّرو القرآن ، وقد تأثروا بالإسرائيليات ، الفرعون بأنه ملك مصر ، رغم أن هناك أكثر من دليل فى القرآن على أن قصة موسى والفرعون لم تجر فى أرض مصر وإنما فى جاسان. وقارون كان من العبرانيين سكان جاسان. وقارون كان من العبرانيين سكان حاسان. وقال تعالى فى ثرائه : (وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) (القصص ٧٦) يعنى مفاتيح خزائن ماله من الكثرة حتى أن ثقلها لينوء بالعصبة أولى القوة ، فما بالك بالكنوز نفسها؟ والعصبة عشرة كما فى سورة يوسف فى قوله تعالى : (وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) (يوسف ٨) ، وهم إخوة يوسف العشرة بدونه. وهذا المال الكثير كان يسعده كسعادة تشايلوك فى مسرحية تاجر البندقية لشكسبير ، وجمع المال عند الجامع له ، اضطراب نفسى أكيد وليس مجرد عادة راسخة أو شطارة ، فالمال يشعره بتفوّقه ويشبع عقدة النقص فيه ، ولذا يسلك جامع المال أول ما يسلك ببطر وعجرفة ، والمال وجمعه يعطيانه ثقة ، ويجعلانه يعلو على الناس ويتكبّر ويزدريهم ، فلما تأذّى به قومه نصحوه أن لا ينسى الله الذى خلقه ، ولا يهمل أداء حق الناس فيما رزقه ، وكأنهم قالوا له إن المال مال الله وليس ماله ، وإنما رزق به اعتباطا وليس لذكائه ودرايته. وانبرى للدفاع عن نفسه ، ليثبت أنه جمع هذا المال بجهده وعرقه ، وبقدراته وفهمه لأصول التجارة ، وبطرق إدارة الأعمال والتعامل مع الناس ، ووقف قارون فى جانب وسواد الناس فى الجانب الآخر ، وقارون يصرّ على أن المال ماله ولا حقّ لله وللناس فى شىء منه ، وما كان يرى الإحسان ولا الزكاة ولا الصدقة ، ويعتبرها طرق احتيال يحتال بها أهل الدين ليعطوا الفقراء الخاملين مالا لم يجمعوه ، وما درى أن ما به هو غرور العظمة ، وأن التاريخ فيه من أمثاله كثيرون ، كانوا أشد منه ذكاء ، وأكثر جمعا ، ولو كان قارون حقا قد جمع هذا المال لخصائص فيه لاستطاع أن يحافظ عليه بمواهبه ، ولكن الله يوزّع الثروات فى الكون كيف يشاء وله حكمته. وقد غضب الله على من سبقوا

١٠١٨

قارون ودمّرهم وما جمعوا ، وأماتهم فلم ينفعهم المال ، وكانوا فى الآخرة فى عذاب مقيم ، فما كسبوا الدنيا ولا الآخرة ، وما استعتبوا فى الدنيا ، وما كانوا من المعتبين فى الآخرة ، وأمثال قارون ومن نمط شخصيته لهم سمات المجرمين يعرفهم بها الناس فى الدنيا ، وتميّزهم بها الملائكة فى الآخرة ، كقوله : (وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ) (محمد ٣٠) ، وقوله : (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ) (الرحمن ٤١) ، لا يحسدهم فى الدنيا عاقل ولا مؤمن ، وكان كلما خرج على قومه فى زينته ، تمنّى الضعفاء والموتورون لو يكون لهم مثل حظه ، وقالوا فيه إنه ذو حظ عظيم ، وهال أهل العلم والدراية ما تردّى إليه الناس من أفكار فى قارون فيها الكفر الصريح ، وحذروهم من فتنته ، فثواب الله خير لهم من كل المال لو آمنوا وعملوا صالحا ، والأولى بهم أن يصبروا على ما قسم لهم من معيشتهم ، ويثابروا على العمل الصالح ولهم الجنة ، واشتدت على الناس «فتنة قارون» ، فخسف الله به وبداره الأرض ، وما نفعه ماله ولا أتباعه ، وما نصروه من غضب الله ، وأصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون : (وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) (٨٢) (القصص) ، و «وى» تقال للتعجب والندم ، فما تمنّوه بالأمس كان خطئا بعد ما شاهدوا ما نزل بقارون من الخسف ، وندموا على ما صدر منهم من التمنى ، فليس ما يستحق العجب ثراء قارون ، وإنما صنع الله فى الكون والبشر ، وكيف أنه تعالى يوسّع الرزق لمن يشاء بحسب مشيئته وحكمته ، وليس لكرامة هذا أو ذاك ، ويضيّق الرزق على من يشاء بحكمته وقضائه ، ابتلاء لا لهوانه عليه. ولو لا أن الله منّ على الناس الذين تمنّوا مثل حظ قارون ، لخسف بهم ، ولكان مصيرهم كمصير قارون ، والعجب فى فعل الله أن الكافرين لا يفوزون فى الدنيا ولا فى الآخرة. وهكذا تنتهى قصة قارون ، وهى قصة طغيان المال ، كما أن قصة فرعون هى قصة طغيان السلطة ، وقصة هامان هى قصة طغيان القوة وتختتم القصة بحاشية على أحداثها القصص الثلاث ، تقول : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٨٤) (القصص) ، فالدار الآخرة التى يسمع بها الناس هى «تلك الدار» (والإشارة بتلك للتفخيم والتعظيم) التى قيل فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، قد جعلها الله للذين لا يريدون علوا فى الأرض كعلو وتكبّر هؤلاء الثلاثة مضرب الأمثال : قارون وفرعون وهامان ، وهى العاقبة ولا تكون إلا للمتقين الذين يخشون الله ، والحسنات عند الله مضاعفة ، بينما لا يجزى الذين يعملون السيئات إلا ما عملوا بلا زيادة ولا نقصان.

١٠١٩

ويذكر من الأدب الشعبى فى مصر أن البحيرة فى الفيوم التى اسمها بحيرة قارون ، نسبة إلى قارون موسى ، ولم يحدث أن سكن قارون الفيوم ولا امتلك بحيرة فيها ، وإنما سميت كذلك بحسب القصة القرآنية ، فأرض الفيوم منطقة زلازل ، والأرض هبطت نتيجة لواحدة من هذه الزلازل ، وتكوّن تجويف البحيرة وامتلأ بالماء لانخفاضه عن سطح البحر ، ولتشابه الخسف الذى جرى لقارون بالخسف الذى جرى للأرض فى الفيوم ، وتكوين البحيرة فيه من ثم ، سميت البحيرة باسم قارون ، والصحيح أن لا صلة لها بقارون العبرانى هذا!

* * *

٨٤٦. قصة سورة غافر عن موسى ومؤمن آل فرعون

لم يذكر القرآن «لمؤمن آل فرعون» اسما غير هذا الاسم ، فكان مادة خصبة للإسرائيليات. ولمّا كان اسم فرعون من الأسماء الأشورية وليس اسما مصريا ، وكانت قصة موسى معه لتخليص بنى إسرائيل ، وكان هؤلاء يسكنون أرض جاسان ، وهى الإقليم الشرقى من مصر ، وكان «مؤمن آل فرعون» هذا من أقارب فرعون ، فإنه لا يكون لذلك مصريا. وسمّاه المفسرون بهذا الاسم من الآية : (وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ) (غافر ٢٨). والمشهد الذى تجرى عليه القصة هو أرض جاسان التى احتلها الهكسوس ، أو الملوك البدو أو الرعاة ، أو العماليق ؛ وطرفا القصة : موسى وهارون فى طرف ، والاثنان عبريان ، وفرعون وهامان وقارون فى الطرف المقابل ، والاثنان آشوريان ، والثالث عبرانى متحالف معهما. ولم يكن قوم موسى مصريين ، ولا كان الأشوريون المحتلون لجاسان من قومه ، وإنما قومه هم العبرانيون أو بنو إسرائيل ، جاء يخلصهم ـ ليس من المصريين ، وإنما من الأشوريين. وموسى نفسه كما فى السورة تربّى فى جاسان فى كنف أحد الفراعنة من العماليق ، ولما ضرب واحدا من أعدائه انتصارا للعبرانى المستضعف لم يذكر القرآن أن الذى من عدوه كان مصريا ، وتقول الآية : (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ) (القصص ١٥). وإذن فنحن إزاء أحداث جميع شخوصها من الأجانب ، و «مؤمن آل فرعون» كان أجنبيا ، ولذلك كان عجيبا أن يقول المفسرون العرب أن اسمه كان حبيب النجار ، يعنى كان عربيا! وقالوا اسمه شمعون ، أو سمعان ، أو حزقيل ، يعنى كان عبرانيا! وكيف يكون عربيا أو عبرانيا وهو من آل فرعون؟ والآل هم الأهل والأقارب والأتباع والأشياع. وقالوا كان قبطيا ـ يعنى مصريا ، وليس

١٠٢٠

القبطى هو المسيحى كما يزعم نصارى مصر الآن! والصحيح أنه كان أجنبيا آشوريا من الهكسوس ، مثله مثل هامان وزير الفرعون. ومصر منذ الأسرة الخامسة وهى تسمح بوجود الأجانب فيها حتى كانت لهم المستعمرات ، وجاسان كانت مستعمرة عسكرية ، وهذه المستعمرات كانت منتشرة فى الدلتا ، ومن سكانها : اليونانيون ، والعبرانيون ، والأشوريون ، والليبيون! والتوحيد الذى كان عليه «مؤمن آل فرعون» ، كان بتأثير العبرانيين من خلال يوسف أولا ، يقول «مؤمن آل فرعون» : (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً) (غافر ٣٤) ، وكأنه فى دفاعه عن موسى يقول : وها قد جاءكم الرسول وهو موسى ، ودفاعه عنه لأن دعوته كانت كدعوة يوسف ، ثم إن أولاد يعقوب المسمون الأسباط وأحفادهم ونسلهم جميعا كانوا فى مصر ، وكلهم على التوحيد. ولما بشّر يعقوب بشّر فى مصر ، والأسباط بشروا من بعده ، وبشّر يوسف ، ثم جاء موسى وبشّر ، وبشارة هؤلاء جميعا كانت للملوك الفراعنة ، وهم الملوك العماليق من الأشوريين. و «جاسان» كانت عاصمتها «تانيس» واسمها عندهم «أفاريس» ، وكل ما جرى زمن يوسف ثم زمن موسى كان مع هؤلاء الملوك العماليق. وانظر إلى المشاهد وتتابعها : فأولا إيثار التجّار من الأشوريين أن يشتروا يوسف ، ثم بيعهم يوسف لعزيز مصر ، ثم معاملة حرّاس السجن الخاصة ليوسف ، وكل ذلك يجزم بأنهم كانوا من الأجانب ، بل إن يوسف فى قصة التوراة ليوقع بالناس من أجل سيده الفرعون ، ويلجئهم إلى بيع أراضيهم والعمل عند الفرعون بالأجرة ، وهذا ما لم يحدث قطّ مثله فى مصر القديمة ، ومن الظلم البيّن إذن أن ينسب الظلم إلى المصريين ، أو أن تحسب عليهم غفلتهم وسرقة بنى إسرائيل لذهبهم وفضتهم وأمتعتهم! فالقصة برمتها عن أجانب مع بعضهم البعض. ولمّا استشهد مؤمن آل فرعون بالأمم السابقة كبرهان على ما يقول ، ذكر أمما من ثقافته الآسيوية لا يعرف المصريون عنها شيئا ، وإنما يعرفها ملوك العماليق وحاشية الفرعون التى هو منها. قال : (يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ) (٣١) (غافر) ، فعاد وثمود كانوا عربا ، والأحزاب هم الذين تحزّبوا ضد أنبيائهم ، وكلهم من المنطقة نفسها ، ولا علم لأى مصرى بأمثال هذه الأسماء ، وثقافة مؤمن آل فرعون كما ترى ثقافة دينية من نوع خاص لم يعرف مثلها المصريون ولا العبرانيون الذى تربّوا فى مصر ولهم فيها نحو الأربعمائة سنة كما قيل ، وحتى بعد أن كتبت التوراة بعد موسى بنحو ثلاثمائة وخمسين سنة لم يكن فيها شىء عن عاد ولا ثمود ولا الأحزاب ، وذلك يرجّح أن تكون ثقافة مؤمن آل فرعون ثقافة

١٠٢١

آشورية مغايرة لثقافة المصريين والعبرانيين. ولو لا أنه آشورى لما طلبه الفرعون ليقتله ، ولما تجرّأ «مؤمن آل فرعون» على وعظه ، ولما استطاع الإفلات بنفسه منهم ، ولما تمكن من الهرب : (فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (٤٦) (غافر). وليس فى القصة أنهم طلبوا موسى وهارون ليقتلوهما ، وإنما كان طلبهم للذى آمن لأنه منهم. ولقد حاق بهم مكرهم. واصطلاح «العرض» الذى بالآية هو الذى نبّه إليه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يشرح لعائشة الفرق بين حساب العرض وبين حساب يوم القيامة ، فحساب العرض إجمالى ، وحساب يوم القيامة تفصيلى ، وفى الحديث : «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة». وآل فرعون الآن فى «العرض» حتى يوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى : (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (٤٦) (غافر). ودليلنا على أن فرعون وآله كانوا من البدو الرعاة الرّحّل. أن الثالوث أو الثلاثة ـ أعداء موسى ـ كانوا : الفرعون ، وهامان ، وقارون ، وكلهم أغراب ، وأسماؤهم ليست مصرية ، كقوله تعالى : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى) (فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ) (٢٤) (غافر) ، ففرعون لم يكن اسما مصريا ؛ وقارون على وزن هارون ، فهو عبرانى قحّ ، كقوله تعالى : (إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ) (القصص ٧٦) ، وهامان فى التوراة اسم عيلامى ، من عيلام ، من الرعاة ، من سلالة عماليق (إستير ٣ / ١ ، و ٩ / ٢٤) ، وعماليق كانوا أعدى أعداء العبرانيين ، فكان هامان يبغضهم ، وأفصح عن كرههم فى موسى ، وبيّن القرآن ذلك خير بيان ، وتحالف «فرعون ـ هامان ـ قارون» هو تحالف «السلطة والجبروت والمال» ، وتزعم بعض كتب التفسير العربية أن «مؤمن آل فرعون» هو «صاحب يس» ، وذلك خطأ ، لأن «قصة صاحب يس» ربما كانت مثلا كما فى الآية : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ) (يس ١٣) ، ومن قال ذلك استدل بأن القرية قد أرسل إليها نبيان ، ولم يعرف عن إرسال نبيين إلا موسى وهارون ، غير أن ذلك مطعون فيه لأنهما لم يكن لهما ثالث كما فى السورة : (إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ) (يس ١٤). وكذلك فإن «رجل يس الذى يسعى» ، أو كما يعرفه البعض باسم «صاحب يس» ، انتهى نهاية مأساوية وقتلوه ، وأما «مؤمن آل فرعون» فنجّاه الله كما سبق أن نوّهنا : (فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا) (غافر ٤٥). وكان مؤمن آل فرعون مؤمنا عن حق ، لأنه فضلا عن إيمانه ، فقد أعلنه بعد كتمان ، ودعا إلى الله جهرة ونافح عن نفسه وعن موسى ؛ وحواره مع آل فرعون ،

١٠٢٢

هو المنهج الأمثل لنشر الدعوة ، وكان «بالتى هى أحسن» (العنكبوت ٤٦ ، والإسراء ٥٣) أى بالمنطق ، فذلك أحسن المناهج ، قال : (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (٢٨) (غافر) ، وقوله هو أحسن كلام ، واستحق به أن يدرج ضمن الصدّيقين ، وفى الحديث : «الصدّيقون مؤمن آل يس ، ومؤمن آل فرعون الذى قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربّى الله ، والثالث أبو بكر الصدّيق وهو أفضلهم» ، فمؤمن آل يس ومؤمن آل فرعون كلاهما دافع عن الدين فأجاد ، ودعا إلى التوحيد فأفصح وأبان ، ولكن أبا بكر «جاهد» فى سبيل الله بنفسه وماله ، وهاجر من أجل الدعوة ، وأوذى أشد الأذى ، وما من وقعة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا وكان أبو بكر فيها ، وخلف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الدعوة والمسلمين فحفظ العهد وأحسن السياسة ، فكان أفضل الثلاثة. ويروى عنه أن عقبة بن أبى معيط أخذ بمنكب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو فى الكعبة يصلى ، ولوى ثوبه فى عنقه يريد أن يخنقه ، فأقبل أبو بكر يهرول وأخذ بمنكبه ، ودفع عنه وقال مقالة الآية : (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ) (غافر ٢٨) ، وقال علىّ بن أبى طالب يعلّق على الحادثة : والله ليوم أبى بكر خير من مؤمن آل فرعون. إن ذلك كتم إيمانه فأثنى الله عليه فى كتابه ، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه ، وبذل ماله ودمه لله عزوجل! ودفاع مؤمن آل فرعون من «المدافعات الدينية» التى اشتهرت من بعد ذلك فى المسيحية واليهودية ، تقليدا ، وأعطوها اسم apologies وعرف بها كثيرون ، والقرآن سابق فى ذلك ، ويسترسل مؤمن آل فرعون فى دفاعه ، يذكّر آل فرعون بأنهم إذا كانوا ووقتذاك من الكبار والأعاظم والسدنة للكفر ، ينصرهم سلطانهم وأموالهم ، فمن ينصرهم يوم الدين؟ ويردّ فرعون فى صلف وعتو بأكبر فرية وكذبة فى التاريخ يلوكها الطغاة ، ويرددها المستبدون ، وتكثر على أفواه رؤساء الدول المستعبدين لشعوبهم : (ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ) (٢٩) (غافر) ، فالرئيس وحده هو الذى أوتى الصواب ، وطريقه الذى اختاره ، وسياسته التى هداه إليها عقله ، هما وحدهما الطريق الذى يسلك ، والسياسة التى تتّبع ، فكل شىء فى الدولة فى يده وهو المتحكّم فيه ، يعيّن من يعيّن ، ويسجن من يسجن ، وكله بالقانون ، والقانون هو الذى يأمر به ، وترزية القانون هم الذين يسنّونه ، ويصادق عليه أتباعه والمنتفعون والمنافقون! ويسترسل مؤمن آل فرعون ، يقول : إنه يخاف عليهم يوم التناد ، أى يوم القيامة ، سمّاه كذلك لأن الناس فيه يتصايحون ويتنادون ، والملائكة تنادى على أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم. ويقول : لقد وافق البعض يوسف

١٠٢٣

على دعوته للتوحيد ، مجاملة ، فلما مات عادوا إلى كفرهم ، اعتقادا بأن النبوة حادثة لا تتكرر ، ولم يكن رفضهم لدعوة موسى إلا لأنهم ضلوا وأسرفوا فى الضلال ، وارتابوا وأوغلوا فى الارتياب ؛ وجادلوا فى آيات الله ولا دليل عندهم على بطلانها ، وإنها لكبيرة أن يجادلوا فى الله ، ولا يجادل فى الله إلا من طبع على قلبه المتكبّر الجبّار. وينتهى كلام مؤمن آل فرعون ، فيغضب فرعون ، ويستنفر عامله ووزيره هامان ، أن يبنى له صرحا يطاول السماء ، ليصعده باحثا عن الله الذى يدعو إليه موسى ويزعم أنه يسكن السماء ، ولعله إن وجده قتله وخلّص منه الناس ، وهو كلام غث زيّنه له شيطانه فحسّن له الشرك ، وصدّ عن السبيل القويم ، وليس فى كلامه وما دبّره إلا الخسران والضلال. واستأنف مؤمن فرعون دعوته للناس فقال : (يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ) (٣٨) (غافر) ، وأركان دعوته : أولا أن السبل متعددة وأرشدها هو سبيله ، سبيل الرسل والإيمان ؛ ولكى يؤمنوا فعليهم ثانيا أن يعتقدوا أن الدنيا دار متاع ، والآخرة هى دار القرار ؛ وأن الحساب يوم القيامة بالجزاء على السيئات والحسنات ، فالمسيئون لهم النار ، والمحسنون لهم الجنة. ويسألهم سؤال استنكار وتأنيب : (ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) (٤٢) (غافر). وقال : ما تدعوننى إليه من الكفر ليس له أصل فى الدنيا ولا فى الآخرة ، ومآل الجبّارين والمتكبرين والطغاة هو النار ، وهنا يختتم دفاعه بأجمل ختام فقال : (فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ) (غافر ٤٤). وكانت الآيتان : (فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) (٤٦) (غافر) بمثابة الحاشية على القصة ، وفيها إعلام بمصيره كما أسلفنا ، ونجاته منهم ، وما حاق بآل فرعون من ذل العرض مرتين يوميا حتى يوم الساعة ، وعندها يكون العرض الأخير. والدرس المستفاد من القصة يأتى بعد ذلك توجزه الآيتان : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (٥٢) (غافر) ، ونصرهم فى الدنيا بإعلاء حججهم وإفلاحها ، كما حدث مع موسى ، ومؤمن آل فرعون ، حتى ليذكرهما القرآن ويرتله الناس باسميهما ؛ ونصرهم فى الآخرة بشهادة الشهود لهم ، وبطلان معذرة الظالمين ، ولعنتهم ، وإفرادهم بالجحود. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

١٠٢٤

٨٤٨. قصتان فى القرآن عن موسى والذى جاء من أقصى المدينة يسعى

القصتان وردتا فى القرآن فى سورتى القصص ويس ، وسورة القصص أسبق من سورة يس ، والإخبار عن هذا «الذى جاء من أقصى المدينة يسعى» فى سورة القصص فى آية واحدة تقول : (وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) (٢٠) (القصص) ، وفى سورة يس يستغرق الإخبار عنه سبع آيات ، من الآية ٢٠ إلى الآية ٢٧ ، ويأتى فى بدايتها : (وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ) (يس) ، والاختلاف واضح بين البدايتين ، ففي «القصص» «وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى» ، وفى يس «وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى» فؤخّر «الرجل» فى سورة يس ، وقدّم فى سورة القصص ، فإذا وجدنا «الرجل» فى مقدمة الآية علمنا أنها من سورة القصص ، وإذا وجدناه متأخرا فيها علمنا أن القصة الواردة هى من يس. ورجل سورة القصص واش وجاسوس ، وإن كان قد خدم موسى بنصيحته بالهروب ، إلا أنه ليس من الدعاة ، ولم يفعل ما فعل حبا فى الدين ، ولكن لأنه كان متعصبا لقومه ، ومن منطلق عنصرى ، فهو عبرانى وموسى عبرانى مثله ، وأعداؤهما آل فرعون من الأشوريين ؛ وليس كذلك «رجل» سورة يس ، فقد كان داعيا إلى الله ، وإلى اتّباع رسله ، وأعلن على رءوس الأشهاد إيمانه ، ويبدو أنه استشهد وأدخل لذلك الجنة ، فتمنى لو علم قومه أن الله أكرمه وغفر له وأثابه خيرا بخير.

* * *

٨٤٩. قصة سورة القصص عن موسى والرجل الذى جاء من أقصى المدينة يسعى

«الرجل الذى جاء من أقصى المدينة يسعى» هو صاحب موسى ، ويرد عنه فى سورة القصص أنه عبرانى مثله ، يقول تعالى : (وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ) (٢٢) (القصص) ، فلولا نصيحة هذا الرجل لأمسكوا بموسى جزاء قتله للذى هو عدوه. وكونه يأتى من أقصى المدينة يعنى أنه يسكن الأطراف ، حيث كان أهل البلد والأغنياء يسكنون قلب المدن والقرى ، والأغراب والفقراء والمضطهدون يسكنون الأطراف أو العشوائيات. وفى الآية أن الملأ يأتمرون بموسى ، والملأ أى السلطة ، وائتمارهم بموسى يعنى أنهم قد خططوا للقبض عليه أو التخلص منه ، وسبب ذلك ظهوره بمظهر الجبّار ـ أى البلطجى ، وكان موسى من الزيلوطZealot أى المتعصبين اليهود المملوءين وطنية وحماسة لقومهم ، والرافضين لما

١٠٢٥

يفرضه عليهم عدوهم. ومشكلة موسى مع السلطة تحكيها الآيات : (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (١٩) (القصص) ، فالجرم الذى أراد «الذى جاء من أقصى المدينة» أن يفلت به موسى ولا يعاقب بشأنه ، كان قتل نفس لسبب واه ، وإنما لأن المسألة أخذت بعدا عنصريا ، فإن موسى انتصر للعبرانى ضد خصمه ، ولا يرد فى القصة أن الخصم مصرى ، ولكن القصة جرت فى جاسان من إقليم مصر على الحدود الشرقية ، وكان يستعمره الأغراب ويحكمه جبابرة الأشوريين الذين سمّاهم مانيتون «الهكسوس أو الملوك الرعاة» ، وهم آشوريون محاربون وكانوا يلقبون بالفراعنة ، واحدته «فرعون». والمدينة : هى ثكنة عسكرية لجنود الأشوريين ، ولذلك انتهج العبرانيون تجاهها النهج العسكرى ، واتخذوا العنف وسيلة لرفع الظلم عنهم. «والرجل الذى جاء من أقصى المدينة» ولو أنه يبدو فيما نقل إلى موسى ـ واشيا وجاسوسا ، إلا أنه فيما فعل كان مدفوعا بحماسه العنصرى أو القومى كحماس موسى ، ورأى فى الخروج من البلد إلى خارج حدودها خلاصا لموسى. وموسى كان يرى أنه كان مظلوما ، وكذلك رأى «الرجل الذى جاء من أقصى المدينة» أن موسى قد ظلم ، وذلك فقط فى النسخة العربية للقصة كما يوردها القرآن. أما فى النسخة العبرية التى يوردها التوراة (الخروج ٢ / ١١) فموسى متعمد للقتل ، وبلغ به حبّ العنف أن قام بدفن الجثة بعد أن قتل صاحبها. وفى نسخة التوراة يرد أنه مصرى على عكس رواية القرآن ، كما يرد أن السلطة مصرية وهو غير صحيح تاريخيا. وفى رواية القرآن كان الشجار الثانى بين نفس العبرانى صاحب الشجار الأول وخصم آخر من عدوه ، ولقد عاب موسى على العبرانى مواصلته للشجار ووصفه بأنه «غوىّ» ، يعنى أنه يهوى الشجار ، أو أنه غوى من الغواية ، يريد أن يغوى موسى ثانية ليتورط مثلما تورط فى المشاجرة الأولى ، فلذلك عنف موسى معه ، فظنه يريد قتله كما قتل الآخر بالأمس ، فهدده أن يفشى سرّه ، فخاف موسى ، وفى رواية التوراة : أن الشجار الثانى كان بين عبرانيين ، أحدهما صاحب الشجار الأول ، فلما نهاه موسى عن ضرب العبرانى مثله ، رفض أن ينصاع لأمره ، وهدّده بالإبلاغ

١٠٢٦

عن جريمته ، وخاف موسى أن يفتضح أمره ، فقرر الهرب فورا خارج الحدود. فانظر كم تختلف الروايتان فى كافة التفاصيل ، وأخيرا يأتى الاختلاف فى الهدف ، وفى الدرس المستفاد ، ففي قصة التوراة لا يتصرف موسى كنبىّ ، أو أن معنى النبوة ليس كما هو فى الإسلام ، والأنبياء فى إسرائيل كثيرا ما يظلمون ويسلكون مسالك معيبة ، ومن ذلك تصرفات موسى كما تروى عنها التوراة ، وفى قصة القرآن ظل موسى يستغفر ربّه بشأن ما ارتكب حتى اطمأن قلبه أنه قد غفر له ، طالما أنه تاب عن مثلها وأناب ، وعرف أن ذلك شأن إجرامى لا يليق به ولا يحبه ربّه فيه ، ولذلك ساعده «الرجل الذى جاء من أقصى المدينة» ، وتكبّد مشقة الحضور إليه ، لأنه كان يحبه ، وكان موسى يثق به ويبادله الحب. وليس فى قصة التوراة استغفار ولا توبة ولا إنابة ، وشتّان بين القصتين ، ولا ذكر «للرجل الذى جاء من أقصى المدينة» فى قصة التوراة ، وقصة القرآن بذلك أكمل ، وأعمق فى تحصيلاتها ، وشخصياتها أكثر ، والحوار فيها متصل ، والعبارات موجزة ولكنها شديدة الإيحاء والتأثير.

* * *

٨٥٠. قصة سورة يس عن موسى والذى جاء من أقصى المدينة يسعى

كثيرا ما يوجزون اسمه فيقولون «رجل يسعى» ، ويشتهر بهذا الاسم فى المراجع الصوفية ، ويأتى عنه فى سورة يس ، وهى من السور الإيمانية شديدة الاحتفال بالمؤمنين الذين يدعون إلى الله ، ومن هؤلاء رسل القرية الثلاثة ، (يس ١٢ / ١٩) ، وكذلك «الذى جاء من أقصى المدينة يسعى» ، وتحكى عنه السورة فتقول : (وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) (٣٢) (يس). ولقد جاء فى السورة أن أصحاب القرية التى جاءها الرسل الثلاث هم مثل يضرب للناس كلما ضلوا وجحدوا وأصرّوا على الإنكار ، وكذلك «الذى جاء من أقصى المدينة يسعى» وقصته فى الإيمان هى المقابل لقصة أصحاب القرية فى الإنكار ، وذهب المفسرون مذاهب شتى ، وكلّ

١٠٢٧

ينسب «الذى يسعى» لقومه ، فالعرب قالوا اسمه حبيب بن مرّى النجار ـ أو الإسكاف ، أو القصّار ، نسبة إلى مهنته ، والقائل بهذا الاسم ومروّجه : وهب بن منبّه ، والاسم عربى ، لكن الحكاية كلها بمقالة وهب بن منبه من الإسرائيليات. وقيل : إن حبيبا كان من أهل أنطاكية ، واختيارها كموضع لقصة الرسل الثلاثة ، و «للرجل الذى جاء من أقصى المدينة يسعى» ، لأنها مدينة عالمية فيها من جميع الجنسيات ، وأهلها خليط من الرومان والسريان واليهود والإغريق والعرب ، وكانت ثالث مدن الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية وكتّاب السّير أعطوا «الرجل الذى جاء من أقصى المدينة يسعى» اسم صاحب يس. والغريب فى قصة وهب عن «الرجل الذى يسعى» ، أنه قال عنه إنه جاء من أقصى المدينة لأنه كان مريضا بالجذام ، ولهذا كان يسكن فى الأطراف. ومنطق «الذى يسعى» فى إيمانه بالرسل ومتابعتهم على دعواتهم ، أنهم لا يسألون الناس أمرا لأنفسهم ، وكذلك المؤمن لا يطلب أجرا على إيمانه ، ومن فلسفته : أن الإيمان فطرى فى الإنسان ، وأن العقل ليأبى أن نعبد من لا تغنى شفاعتهم شيئا ، ولا من لا يرفع ضرّا ، ولا يشفى مرضا ولا يفرّج كربة ، وإنه لضلال أى ضلال أن يلجأ الناس لغير الله. ووجّه خطابه للمرسلين فأقرّ بربّهم الذى يدعون إليه ، ويبدو أن إقراره المفاجئ أذهل أهل القرية الكفرة ، ولا بد أنه أوقع بينهم الاضطراب ، وأن الأيدى امتدت واشتبك الناس ، ولا بد أنه قد أصيب وقضى نحبه ، فلما مات قال له الله تعالى مؤبنا : ادخل الجنة مع الصدّيقين والأنبياء والأبرار ، فدخلها وعاش بها يرزق حيا كما وعد الله ، وقد ذهب عنه سقم الدنيا ونصبها ، وتركه يأسه من خسّة أهلها ، وزاد الله تعالى فى إكرامه لإيمانه وصبره واستشهاده ، فتمنّى لو يعلم قومه بحاله وحسن مآله ، فكان فريدا فى حياته وبعد مماته ، ونصح قومه لمّا كان بينهم ، وما يزال ينصحهم بعد أن غادرهم وتوفى عنهم كما جاء فى القرآن ، فصار مضرب الأمثال ، فقيل : اثنان فى القرآن لم يكفرا بالله طرفة عين : مؤمن آل فرعون فى سورة غافر ، وصاحب يس فى سورة يس ، وكلاهما كان صدّيقا.

* * *

٨٥١. موسى أوذى من قومه فبرّأه الله

فى التوراة اليهودية أن موسى تزوّج امرأة حبشية ، وأغضب ذلك قومه ، وتكلم فيه أخوه هارون وأخته مريم ، وفكّرا فى استحداث انقلاب ضده ، فليس هو وحده يكلّمه الربّ ، وكلّمهما الربّ كما كلّم موسى (العدد ١٢ / ١) ، وقال لهما إن ما يظنانه الربّ هو شبه الربّ ، يعنى الربّ فى صورة يمكن أن يقبلاها كبشر ، وقال إنهما ـ أو أى من الأنبياء

١٠٢٨

ـ يخيّل إليهم أنهم يرون الربّ ، أو يسمعونه ، وما يرونه ليس إلا رؤيا وحلم ، فليس للربّ فمّ يكلّم الناس به ، ولا له هيئة يتعيّن بها. وأبدى الربّ غضبه على هارون ومريم لأنهما ألّبا القوم ضد موسى ، وكانت لمريم اليد الطولى فى استثارة الشعب فأصابها الربّ بالبرص ، وعرف أنهما من المغضوب عليهم ، وأسرعا إلى موسى ، فصرخ إلى الربّ يدعو لها بالشفاء ، واحتجزها خارج المحلة سبعة أيام كنوع من الحجر الصحى (العدد ١٢ / ١٥) ، فذلك ما حاول قوم موسى أن يؤذوه فى الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً) (٦٩) (الأحزاب) ، والله تعالى برّأه من أن يكون زواجه بالحبشية محرّما ، ومعنى «وجيها» فى الآية أنه عظيم وأعظم من أن يجرّم. وما أصاب مريم من البرص أرجعه قومه لأسباب عائلية تخصّ موسى وإخوته ، وقالوا إن موسى نفسه مصاب بالبرص ، وأنه آدر ، أى منتفخ الخصية ، وأنه لذلك لا يستحم معهم ولا يريهم جسمه ، فلما اغتسل يوما وأطار الهواء ملابسه عدا عريانا خلفها ، فرآه قومه لا برص به ، ولا انتفاخ خصية ، فهذا هو ما برّأه الله منهما. وأيضا ، فإن موسى لما جاع شعبه وطلب اللحم ، اشتكى إلى ربّه ، وتشكك أن يجاب إلى طلبه ، حتى قال له ربّه : أيد الربّ تقصر»؟ فكان أن رزقهم السلوى ، فاجتمعوا عليها يأكلونها بشهية ، ولم يشكروا الله ، ولم يستغفروه عمّا قالوا لموسى عن ربّه ، فعاقبهم وجعل موتهم من شهيتهم ، فكل من طعم دون أن يستأذن موسى مات ، فكان الموتى بالآلاف ، ودفنوا فى قبور سميت «قبور الشهوة» ، فذلك تبرئة الله لموسى. وأيضا ، فإن قوم موسى وهارون ثاروا عليهما لمّا لم يجدوا ماء يشربون ويسقون بهائمهم ، فأمرهما الربّ أن يكلّما الصخرة فيخرج منها الماء ، ولكنهما بدلا من أن يكلّماها ؛ تناول موسى عصاه وضرب الصخرة بها مرتين ، فانفلقت وخرج الماء ، ولكن الله غضب منهما لأنهما لم ينفّذا ما أمرهما به ، فقضى عليهما بأن لا يدخلا الأرض التى وعد قومه بها ، وسمّى ماء هذا النبع لذلك «ماء الخصومة» ، لأن الربّ خاصم موسى وهارون ، ولأن موسى خاصم هارون الذى أشار عليه أن يضرب الصخرة بالعصا بدلا من أن يأمرها. وأيضا ، فلمّا طلب منهما الله أن يصعدا إلى جبل هود مع اليعازار بن هارون ليرسّم اليعازار بدلا من أبيه كاهنا أكبر على الشعب ، امتثل الثلاثة للأمر ، ولكن هارون توفى فوق الجبل ودفنه موسى وابنه ، وعادا فاتّهمهما الشعب بأنهما قتلا هارون! وبكوا هارون ، وظل حزنهما عليه إلى أن برّأه الله من قتله ، وأوعز إليهم أن موسى لم يقتله كما ظنوا ، فتلك هى تبرئة موسى. وأيضا ، فإن قوم موسى دسّوا عليه امرأة تدّعى عليه الفجور ، ووصف ذلك القرآن فقال : (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ

١٠٢٩

تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ) (الصف ٥). ومن أذاهم له قولهم : (اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) (الأعراف ١٣٨) ، وقولهم : (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا) (المائدة ٢٤).

* * *

٨٥٢. قصة مريم أخت موسى فى القرآن والتوراة

قصة مريم أخت موسى فى التوراة بخلافها فى القرآن ، واسمها فى التوراة مريم ابنة عمران ، فالتبست عند المستشرقين بمريم أم المسيح حيث ورد فى القرآن عن أم المسيح قوله تعالى : (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) (التحريم ١٢) ، وعن أخت موسى قوله : (وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ) (القصص ١١) ، وقوله : (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ) (طه ٤٠) ، فلم يورد القرآن لها اسما ، وأمرتها أمها أن تتبع أثر موسى بعد أن ألقته فى اليم ، فكانت تنظره عن بعد. فلما عثروا على موسى بين البوص أخذوه ، فكان يبكى من الجوع ، فأتوا له بالمراضع فلم يرض بواحدة منهن ، فتقدمت أخته تدلهم عن من يكفله لهم ، وأنكرت أنها تعرف أهله ، وأنهم سيفرحهم أن يعملوا ما يسرّ ابنة الفرعون ، وقيل إنها أعطت ثدييها لموسى فرضع منهما ، ولكنها قالت ثديىّ ليس بهما لبن فأنا لم أتزوج ، ولكن أمى ترضعه لأنها ما تزال ترضع أخى هارون ، وعمره الآن سنة أو نحوها ، وأحضرت أمها ، ورضى موسى أن يرضع منها. وقصة التوراة لا تخالف قصة القرآن فى أمر مريم ، وإنما فى التفاصيل الأخرى حول موسى (الخروج ٢ / ٤ ـ ١٠). ولم تقتصر مريم على قصّ أثر موسى والتعريف بأمه ، فكانت من «المؤسّسات للديانة الجديدة» ، وبعد عبور البحر رنّمت «ترنيمة موسى» الشهيرة ، والتوراة تسميها «نبيّة» (الخروج ١٥ / ٢٠) ، وكان النساء يرقصن على الدفوف وهى ترنّم ، تقول : «سبحوا الربّ لأنه قد تعظّم بالمجد. الفرس وراكبه طرحهما فى البحر». ولمّا تزوج موسى المرأة الحبشية ، تكلمت مريم وهارون فى موسى ، وانتقدت عليه ، وقالت إن الربّ لم يكلم موسى وحده بل كلّمنا معه! وغضب الربّ على مريم وهارون لأنهما تكلّما فى موسى ، وأصاب مريم بالبرص فصار جلدها كالثلج الأبيض ، وبكاها هارون فقد كانت كأنما هى ميت ملفوف فى الأكفان البيضاء ، وقد تهرّأ نصف جسدها ، ودعا لها موسى أن يشفيها الله ، فحكم عليها الربّ أن تحجز خارج البلدة لسبعة أيام فتشفى (العدد ١ / ١٥) ، وصحبتهم مريم بعد ذلك حتى قادش ، وهناك توفيت ودفنت ، وانتهت قصتها.

* * *

١٠٣٠

قصة موسى والخضر

٨٥٣. سفر موسى إلى شعيب هجرة ، وإلى الخضر تكليف

تتضمن الآيات من (٦٠ إلى ٨٢) من سورة الكهف قصة موسى مع الخضر ، ويسميه القرآن عبد الله ، قال : (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا) (الكهف ٦٥) ، والقصة عن موسى وفتاه يشوع وقد جاءا يتلقيان عليه ، وسافرا لذلك إليه ، وقيل : كان سفر موسى إلى مدين سفر هجرة ، وسقى لبنتىّ شعيب ولم يطلب أجرا ، لأنه وكل إلى العون والنصرة بالفوت ؛ وفى سفره إلى الخضر كان مكلّفا ، وسفره سفر تأديب ، ووكل إلى تكلّف المشقة ، ولذلك أعان فى إقامة الحائط وطلب الأجر ؛ وسقى فى قرية مدين ولم يسأل قوتا ، مع أنه كان أحوج للقوت مما كان مع الخضر ، فقد كان فى سفر ، ولذا قال لفتاه : (آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً) (٦٢) (الكهف) ، وقال فيه ربّه تعالى : (حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما) (الكهف ٧٧) ، فالضيافة كانت عند مدين ، ولم تكن عند أهل قرية الخضر ، فمع الهجرة تكون النصرة ، ومع التكليف تكون المشقة والتأديب.

* * *

٨٥٤. آيات موسى مع الخضر حجّة على موسى

لمّا أنكر موسى أمر خرق السفينة : (قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) (٧١) (الكهف) ، قيل ردّا عليه : وأين كان تدبيره هذا وهو (أى موسى) فى التابوت مطروحا فى اليم؟! ـ ولمّا أنكر أمر قتل الغلام : (قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) (٧٤) (الكهف) ، فلما قال ذلك قيل : وأين كان إنكاره هذا من وكزه القبطى وقضائه عليه؟! ـ ولمّا أنكر إقامة الجدار : (قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) (٧٧) (الكهف) ، فلما قال ذلك قيل : وأين هذا من رفعه حجر البئر لبنات شعيب دون أجر؟! ـ فقيل : إن حجج موسى متهافتة ، ومتعارضة مع سابق أفعاله ، فقد أتى أفعالا كأفعال الخضر ، فلم احتجاجه على الخضر إذن؟!

* * *

٨٥٥. معنى اسم الخضر

الخضر هو العبد الصالح فى قوله تعالى : (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) (٦٥) (الكهف) ، وكان موسى وفتاه قد اقتفيا أثر حوتهما ، وكان مكان لقائه الموعود بالخضر هو مجمع البحرين ، قيل وهو قول الظن : فلما بلغاه وجدا الخضر على طنفسة خضراء على وجه الماء ، مسجى بثوبه. قيل اسمه الخضرThe Green Man

١٠٣١

لأنه كان كأنه لم يهرم مع أنه معمّر ، فعوده أخضر دائما ، واللون الأخضر هو أجمل وأنقى الألوان ، ويوافق البصر ، لأن الأبيض يبدّد النظر ويؤلم العين ، والأسود مذموم مكروه ، والأخضر بين الأبيض والأسود ، ويجمع إليه الشعاع. وقيل : إن الخضر شرب من «عين الحياة» ، هذا النبع الصافى الذى يبقى من يشرب منه شابا للأبد ، ويعيد للشيوخ شبابهم ، ومعنى أنه سيظل أخضر أنه لن ييبس ، أى لن يشيخ. وقيل هو «عبد صالح» وليس بنبىّ ، يريد المفسرون بذلك أن ينفوا عنه النبوّة ، ويخصّوه بالولاية ، فتكون الولاية أفضل من النبوّة ، لأن موسى جاءه يتعلم ولم يصمد كتلميذ ، وقال الله تعالى فى موسى : (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) (٣٩) (طه) ، بينما قال فى الخضر : (آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) (٦٥) (الكهف) ، فخصّ موسى بالمحبة ، وخصّ الخضر بالرحمة ، لأن من القصص فيه قد يبدو أنه قاس غليظ القلب ، إلا أن ذلك هو الظاهر منه ، فأما الباطن فهو الرحمة الخالصة ، وأما العلم فهو علم خاص ليس كعلومنا ، جاءه من لدنّ الله ـ أى من عنده مباشرة ـ ويسمى لذلك «العلم اللدنيّ» ، قيل : هو علم الغيب ، وليس من نبىّ ولا ولى إلا ويعلم الخضر الغيب عنه ، يأذن له به الله. ولو قارنا بين علم الخضر وعلم موسى ، فإن علم الخضر هو «علم الباطن» ، وعلم موسى هو «علم الأحكام». والذى يعلم البواطن هو العالم بما سيجرى فى المستقبل ، فيكون على ذلك من «أهل المستقبل» ، وعلمه هو «علم المستقبل» ، يعنى أن له طول العمر ليشهد المستقبل ، وأما علم الأحكام فهو «علم الحاضر» ، والعالم به يكفيه أن يعيش الحاضر ، ومن أجل ذلك سمى الخضر باسمه هذا : الخضر ، لأنه حىّ دائما بإذن الله.

* * *

٨٥٦. الخضر ليس اليسع

يقال ذلك ولا شىء يؤكده ، وقيل اليسع هو إلياس ، وليس كذلك لأن الله تعالى أفرد كل واحد بالذكر فقال : (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ) (٨٦) (الأنعام).

* * *

٨٥٧. هل الخضر نبىّ معمّر؟

قيل وهو قول الظن : الخضر نبىّ معمّر محجوب عن الأبصار. وقيل : الخضر يلتقى النبىّ إلياس كل عام ما داما حيين على الأرض. ولا يوجد نصّ على أن الخضر لم يمت ، وليس الخضر إلا بشرا من بشر ، أوتى كرامات وكلّف بمهام ، والله تعالى يقول : (نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ

١٠٣٢

الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (٦٠) (الواقعة) ، ويقول : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (٣٠) (الزمر) ، ولو كان الخضر حيا يرزق فى الدنيا لأورد ذلك القرآن ، وإنما الخضر مات كما مات موسى والآخرون. وقيل : إن الخضر حضر وفاة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما سجى بثوب هتف هاتف من ناحية البيت ، يسمعون صوته ولا يرون شخصه ، قيل هو الخضر ، قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السلام عليكم أهل البيت : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران ١٨٥) الآية : إنّ فى الله خلفا من كل هالك ، وعوضا من كل تالف ، وعزاء من كل مصيبة ، فبالله فثقوا ، وإياه فارجوا ، فإن المصاب من حرم الثواب». وقيل : إن الخضر صار معمّرا لأنه وجد عين الحياة وشرب منها ، فهو حىّ إلى أن يخرج الدجّال. وقيل : بل الخضر مات قبل انقضاء مائة سنة من قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إلى رأس مائة عام لا يبقى على هذه الأرض ممن هو عليها أحد» ، وكل ذلك من الميثولوجيا الدينية ، أى الخرافات والإسرائيليات ، فاحذره يا أخى ويا أختى!

* * *

٨٥٨. لو أن موسى صبر على الخضر

فى صحيح مسلم ، أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «رحمة الله علينا وعلى موسى ، لو لا أنه عجّل لرأى العجب ، ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة ، ولا صبر لرأى العجب» ، يريد لمّا لام موسى الخضر ثلاث مرات ، ولو كان قد صبر لشاهد وتعلّم أكثر. وفى البخارى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يرحم الله موسى ، لو وددنا أنه صبر حتى يقصّ علينا من أمرهما». والذّمامة يعنى المذمة وهى العار.

* * *

٨٥٩. من حكم الخضر

مما قيل : أن الخضر لمّا ذهب يفارق موسى ، قال له موسى : أوصنى! قال : كن بسّاما ولا تكن ضحّاكا ، ودع اللجاجة ، ولا تمش فى غير حاجة ، ولا تعب على الخطّائين خطاياهم ، وابك على خطيئتك يا ابن عمران.

وطبعا هذه تآليف ، ولم يقلها الخضر وإلا فما هى مصادرها؟!

* * *

٨٦٠. قصة السبعين الذين اختارهم موسى

القصة فى التوراة وفى القرآن ففي القرآن قال تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ

١٠٣٣

الْغافِرِينَ) (١٥٥) (الأعراف) ، وفى التوراة أن «الميقات» هو الموعد الذى ضربه الله تعالى لموسى ليلقاه وبنى إسرائيل بعد حادث العجل وتكسير الألواح ، وخرج موسى ليلقى ربّه ويعتذر إليه عن حادث العجل ، واصطحب المتسبب فيه : هارون ، ومعهم ابناه ليساندا أباهما ، غير أنهم لمّا انتهوا إلى الجبل مات هارون ، فقد كان ضعيفا ويشكو رهقا بالقلب فلم يحتمل صعود الجبل ، فقيل إن موسى قتله بمساعدة ولدىّ هارون ، ليتخلّص منه وقد صار يتسبب له فى المشاكل مع بنى إسرائيل ، وكانوا يحبونه عن موسى ويؤثرونه عليه ؛ وقيل : إن موسى أزاحه بالقتل لينصّب ولدىّ هارون مكانه ، فيكسب الولدان المنصب ويكونان من رجال موسى. ودافع موسى عن نفسه ، فكيف يقتل هارون وولداه معه؟! وأصر بنو إسرائيل على اتهام موسى ، وقالوا إن موت هارون دون مرض وبلا سبب ، وبدون أن يروا له جثة ويشاركوا فى الدفن ، إنما لأن موسى نقم عليه على لينه وحسده على خلقه وعلى محبة الشعب له دون موسى. وطلب موسى منهم أن يختاروا من كل سبط عددا ليروا الدليل على براءته ، وكوّن منهم وفدا من سبعين ، وهذا الرقم نفسه هو الذى انقسم إليه بنو إسرائيل سبعين فرقة ، بالإضافة إلى فرقة هارون ، وفرقة موسى ، وبذلك يصير عدد الفرق اثنتين وسبعين فرقة ، فقد كان هؤلاء السبعون مشايخ لبنى إسرائيل ، وكانوا رؤساء للبيوت ، وزعماء للأسباط ، وكان لكل واحد منهم رأيه ، فصاروا من بعد اثنتين وسبعين فرقة. قيل : إن موسى توجه مع السبعين إلى حيث دفن هارون ، وتقول الخرافة إنهم سألوه فى القبر : من قتلك؟ فقيل : إنه ردّ عليهم ما قتلنى أحد ، ولكن الله توفانى! فتحولّوا إلى موسى وقالوا ، وما يزالون يشكون فيه وطلبوا لقاء الله ، وأصروا على طلبهم حتى رأوا النور يملأ المكان والكون وأخذتهم الصاعقة ، كقول القرآن : (يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) (البقرة ٥٥) ، وخاف موسى وخاطب ربّه وقال : (أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ) (الأعراف ١٥٥). وقيل : هؤلاء السبعون فى سورة الأعراف الذين اختارهم موسى لميقات الله ، بخلاف السبعين فى سورة البقرة الذين قالوا : أرنا الله جهرة. وقيل : ما صعقوا لمّا رأوا الله ، ولكن أخذتهم الرجفة من الهيبة. وقيل : بل ماتوا يوما وليلة. وقيل غير هذا فى معنى أخذتهم الصاعقة. «والسفهاء» فى الآية هم السامرى ومن تبعه من بنى إسرائيل ؛ وقيل : هم الذين اتهموا موسى بقتل هارون ؛ وقيل : هم الذين سألوا أن يروا الله جهرة. وقيل : إن قوله لربّه إن هذه الفتنة التى هم فيها هى فتنته تعالى لهم ، أى اختباره وامتحانه لحقيقة إيمانهم ، نسبت الفتنة لله ، كما نسبها الله تعالى لنفسه فى قوله : (فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ) (طه ٨٥) ، وهذا ردّ

١٠٣٤

على القدرية الذين يقصرون الأفعال على الإنسان دون الله. وفى سفر الخروج ، الإصحاح التاسع عشر ، يأتى أن الربّ وعد موسى أن يتنزّل على الجبل ، واشترط عليه أن لا يقرب الجبل أحد من الشعب ، فكان الربّ يخاطب موسى ، وينقل موسى إلى الشعب ما يأمره به (٢١ / ٢٥) ، وفى الإصحاح الخامس والعشرين يحدث العكس ، فيرى موسى الربّ ويراه السبعون ، ويأكلون ويشربون (١٠ / ١١) ، ومع ذلك جاء فى سفر الخروج أيضا عن الله يخاطب موسى ، قال : «أما وجهى فلا تستطيع أن تراه ، لأنه لا يرانى إنسان ويعيش» (الإصحاح ٣٣ / ٢٠ ـ ٢٢) ، فكأن عبارات التوراة فيها اضطراب ، وتعارض بعضها البعض ، فمرة يكون من الممكن رؤية الله فى الدنيا ، ومرة يحظر ذلك ويستحيل!.

* * *

٨٦١. قصة الثلاثة آلاف الذين انتحروا جماعيا والسبعين الناجين

هؤلاء هم المنتحرون انتحارا جماعيا ، وهو أول انتحار جماعى فى التاريخ ، يذكره سفر الخروج (٣٢ / ١٩ ـ ٣٠) ، وكانوا عبرانيين آبقين قال فيهم القرآن : (قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ) (١٤٠) (الأعراف) ، وكانوا ما تزال عبادة العجل فى ذاكرتهم ، يقول «فرويد» عالم النفس اليهودى فى تفسير ذلك : «إن العجل وعبادته فى اللاشعور الجمعى لبنى إسرائيل» ، يقصد بالعجل «المال» ، وظلت عبادة العجل تلاحقهم حتى وهم فى المهجر فى مصر ، وكانوا يعبدونه فى أرض جاسان التى هى محافظة الشرقية من أرض مصر ، حيث كانت مساكنهم آنذاك ، حتى أن عبادتهم له سرت فى أهل هذا الإقليم كله من أرض مصر ، فكانت عبادة العجل أبيس. وبنو إسرائيل كانوا قوما يجهلون ، فلم يفرّقوا بين تعدّد الآلهة والتوحيد ، وعبادة الأصنام وعبادة الله الواحد ، وقلّدوا ما شاهدوه عند غيرهم ، وآثروا الباطل على الحق الذى يدعوهم إليه موسى ، كقول المسلمين للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قبل حنين : يا نبىّ الله ، اجعل لنا هذه ـ يريدون شجرة السدر ـ ذات أنواط ـ وكان الكفار ينوطون عليها (أى يعلّقون عليها) سلاحهم ، ويعكفون حولها ، فقال لهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الله أكبر! هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى ، اجعل لنا إلها كما لهم آلهة!». فلما توجه موسى إلى الجبل ليتلقى ألواح التوراة ، وغاب أربعين يوما ، ضلّ من ضل من بنى إسرائيل ، وغواهم السامرى ، فجمعوا الحلى وصنعوا عجلا من ذهب له خوار ، وما كان العجل يرجع إليهم قولا ، ولا كان يملك لهم ضرّا ، ولا يكلمهم ، ولا يهديهم

١٠٣٥

سبيلا ، فتوعّدهم ربّهم كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) (الأعراف ١٥٢) ، وكان غضبه لأنهم افتروا بدعة العجل ، فقال لهم : (إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (٥٤) (البقرة) ، وقوله «بارئكم» تنبيه على عظم جرمهم ، وكانوا فريقين ، فريق تبع السامرى ، وفريق تبع هارون ، والهارونيون كانوا لاويين ، أى كهنة ، وكانوا سبعين ، والذين تبعوا السامرى ندموا ، فلما أمرهم موسى أن يقتلوا أنفسهم امتثلوا للأمر ، وقالوا نصبر ، ما ظلمنا الله ولكنا ظلمنا أنفسنا ، واخترطوا السيوف والخناجر والسكاكين ، ووقفوا صفوفا ، يقتل كلّ منهم من يليه ، وقد يكون أخا أو أبا. وقيل إن السبعين الذين لم يشاركوا فى صنع العجل ، ولم يتعبّدوا له ، أمروا أن يقتلوا المتعبّدين ، وتقبّل هؤلاء القتل إعلانا للتوبة ، وقيل سقط فى ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل (الخروج ٣٢ / ١٩ ـ ٣٠) ، ولو لا بكاء الأطفال وصراخ النساء لاستمر القتل ، إلا أن الجميع سألوا موسى أن يكفّ ، وكان عليهم أن يتوجهوا إلى الجبل ليستغفروا ربّهم ، كقوله تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ) (١٥٦) (الأعراف). وقيل لما أخذهم موسى إلى الجبل ظهر غمام دخل فيه موسى فلم يروه ، ثم شملهم الغمام ، وسمعوا موسى يكلم ربّه ، وقيل إنه استأذن ربّه أن ينظر إليه ، فقال له لا تستطيع ، لأنه لا يرانى إنسان ويعيش (الخروج ٣٣ / ٢٢) ، وفى القرآن عن ذلك قال : (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (١٤٣) (الأعراف) ، فكان موسى : أول من جرّب من بنى إسرائيل ، ومن العالم قاطبة ، أن يطلب أن يرى الله ، وأن يصعق بنوره تعالى ، أى يغشى عليه. فلما سمع قومه محاوراته مع ربّه ظنوه قد رآه فطلبوا أن يروه كذلك يرجون أن يشهدوا ما ليس لتحققه سبيل ، كقول القرآن فى ذلك : (يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (٥٦) (البقرة) ، فردّهم الله تعالى ليستوفوا آجالهم ، وقيل ماتوا موت هود يعتبر به الغير ، ثم أرسلوا. والصحيح أن الثلاثة آلاف ماتوا لأنهم استحقوا الموت ، ولأنهم كفروا كفرانا

١٠٣٦

صريحا ، وأشركوا بالله ، وأحيوا عبادة الأصنام ، فكان أن أماتهم ولم يبعثهم ؛ بينما السبعون ماتوا وأحياهم ، لأنهم لم يشركوا ولكنهم جهلوا ، فعاقبهم على قدر جرمهم.

* * *

قصة أصحاب الكهف

٨٦٢. أصحاب الكهف والرقيم مجال كبيرة للإسرائيليات

قصة أصحاب الكهف تناولتها سورة كاملة من مائة وعشر آيات ، والقصة نفسها استغرقت من الآية التاسعة حتى الآية السادسة والعشرين ، وما قبل ذلك وما بعده كان للتمهيد للقصة أو للدروس المستفادة منها. وأرغى المفسرون وأزبدوا فى تفسيرها ، وعلّقوا على أحداثها بالتأويلات والتخريجات ، ونسبوا لها الروايات فيما يسمى بالإسرائيليات ، ولعل أشهرها ما أثر عن مقاتل بن سليمان ، وهو مثل سيّئ للتفسير الذى يهتم بالجزئيات ، ويولى عنايته بما لا فائدة منه ، فقال فى قوله تعالى : (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) (الكهف ٢٢) : أن عددهم ثمانية بخلاف كلبهم ، وأن أسماء هؤلاء الفتية أصحاب القصة هى : «مكسلمينا» وهو كبيرهم ورئيسهم ؛ و «يمليخا» وهو الذى مضى بالورق إلى المدينة عند بعثهم من رقدتهم ؛ و «مرطوش ؛ وكشوطوش ؛ ودينموس ؛ وبطونس ؛ وبيرونس». وقال مقاتل : وكان الكلب اسمه «قطمير» ويملكه مكسلمينا. وهذا الكلام شبيه بمسرحية توفيق الحكيم «أهل الكهف» ، وقد اعتمد فيما يبدو على تفسير مقاتل. وقال مقاتل فى قوله تعالى : (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) (١٠) (الكهف) : أن الكهف ثقب يكون فى الجبل كهيئة الغار ، واسمه بانجلوس ؛ و «الرقيم» كتاب كتبه رجلان قاضيان صالحان ، أحدهما اسمه «ماتوس» ، والآخر «أسطوس» ، كانا يكتمان إيمانهما ، وكانا فى منزل «دقيوس الجبّار» ـ وهو الملك الذى فرّ منه الفتية ـ وكتبا أمر الفتية فى لوح من رصاص ، ثم حملاه فى تابوت من نحاس ، ثم جعلاه فى البناء الذى سدّوا به باب الكهف.

وللثعلبى فى تفسيره «الكشف والبيان عن تفسير القرآن» مرويات شبيهة ، وجميعها إسرائيليات موضوعة ، فقال عن أسماء فتية الكهف : «مكسلمينا» كبيرهم ورئيسهم ، و «إيلخا» أجملهم وأعبدهم وأنشطهم ، و «مكشينا ، ومرطوش ، ونوافى ، وكير ، وسطفنوس ، وكلبهم قطمير». ـ والثعلبى ينقل عن كعب الأحبار ، وكعب كان يهوديا ، قال : مرّوا ـ أى الفتية أهل الكهف ـ بكلب فنبح فطردوه مرارا ، فقام الكلب على رجليه رافعا يديه إلى

١٠٣٧

السماء كهيئة الداعى فنطق فقال : لا تخافوا منى! أنا أحب أحباب الله! فناموا حتى أحرسكم! ـ وقيل : إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم سأل الله أن يريه إياهم فقال تعالى : إنك لن تراهم فى دار الدنيا ، ولكن ابعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلّغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لجبريل : كيف أبعثهم؟ فقال : أبسط كساءك وأجلس على طرف من أطرافه أبا بكر ، وعلى الآخر عمر ، وعلى الثالث عثمان ، وعلى الرابع علىّ بن أبى طالب ، ثم ادع الريح الرخاء المسخّرة لسليمان ، فإن الله تعالى يأمرها أن تطيعك ، ففعل ، فحملتهم الريح إلى باب الكهف ، فقلعوا منه حجرا ، فحمل الكلب عليهم ، فلما رآهم حرّك رأسه ، وبصبص بعينيه ، وأومأ برأسه : أن ادخلوا! فدخلوا الكهف ، فقالوا : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته معشر الفتية. إن النبىّ محمد بن عبد الله يقرأ عليكم السلام ما دامت السموات والأرض ، وعليكم ما أبلغتم. وقبلوا دينه وأسلموا. ثم قالوا : أقرئوا محمدا رسول الله منا السلام. وأخذوا مضاجعهم ، وصاروا إلى رقدتهم!!!

وكما ترون فإن كعب الأحبار ـ هذا اليهودى الذى يدّعى الإسلام ـ يضحك على المسلمين ، ويشيع بينهم الخرافة ، ويجعل مدى علمهم بالدين الجهل بالدين. والعجيب أن الثعلبى الذى يعتبره الفقهاء من كبار المفسّرين لم يناقش الرواية ، ولم يتهم كعبا بالاختلاق والتزوير على الله ، وعلى جبريل ، وعلى النبىّ ، وعلى الصحابة الأربعة ـ وهم أكبر الكبراء ، فلم يحدث أن هؤلاء ركبوا الريح ، ولا صحبوا جبريل ، ولا التقوا بفتية الكهف ، وما طلب محمد من ربّه أن يسخّر له الريح ، ولا أن يتواصل بشخصيات من الماضى يروى عنهم القرآن! فالإسلام ليس هذه الخرافات ، وليس هزلا ، ولكنه الواقع والحق ، وكله جد وعمل ووعى وتفكّر وتدبّر ، وأكبر من كل هذه الترهات والتخرصات. لا سامحهم الله!

* * *

٨٦٣. دعوى اليهود أن قصة أهل الكهف يونانية

الذى ادّعى ذلك هو المستشرق ماسينيون ، معبود الدكتور بدوى ، والذى تخرّج عليه الدكتور عبد الحليم محمود. ـ من أعدى أعداء الإسلام ، وكتبه سمّ زعاف. ومما تناوله بالتجريح قصة أصحاب الكهف فى القرآن ؛ فقد زعم بأنها مأخوذة عن الأسطورة النصرانية : «النيام السبعة من إفيسوس The Seven Sleepers of Ephesus». وإفيسوس موضعها الآن بلدة سلجوق بولاية أزمير التركية ، والغريب أنه لا أصل لهذه القصة التى يقول عنها ماسينيون ، ولا يذكرها مرجع واحد ، وربما كان قد حصل عليها من التراث الشفهى ، أو حكى له حكايتها أحد القساوسة ، والقصة لا هى من التراث اليونانى ولا من التراث

١٠٣٨

اليهودى ، وقيل إنها حدثت إما فى إفيسوس فى تركيا ، وإما فى مكان من الأردن ، فى شرقيّه ، يدعى الرقيم بالقرب من عمّان. وقيل إن هذه القصة حدثت فى زمن دقيانوس وكان يضطهد النصارى. ثم إن إفيسوس تحولت إلى النصرانية وأصبحت معقلا من معاقلها ، وهناك رسالة لبولس إلى أهل إفيسوس. وقيل أصل القصة أن أحد دعاة النصرانية كان قد حضر إليها فى العهد الوثنى ، واحتال حتى اشتغل فى الحمامات ، وكان يدعو الناس ، ومن ذلك أنه دعا ابن الملك وزوجته ولم يسمعا له ، فأنزل الله عقابه بهما ، وماتا مختنقين فى الحمام. وقيل إن الملك دقيانوس طارد الشبان السبعة إلى الكهف ، ولكنهم كانوا قد اختبئوا ، ولم يعثر أعوانه عليهم ، فبنى عليهم جدارا ، ومضى الزمن وتنوسى الأمر ، حتى إذا كانت سنة ثلاثمائة ، اكتشف أحد الرعاة الجدار فأزاله ، ودخل الكهف لعله يصلح مأوى لغنمه ، وكان الوقت قد حان لخروج الشبان السبعة ، وأفاقوا ، فأرسلوا لشراء طعام لهم ، واستغرب الناس للعملة التى قدّموها ثمنا للطعام ، وأبلغوا الملك ، وكانت البلد قد تحولت إلى النصرانية ، وقيل إن ملكها النصرانى كان ثيودوسيوس الثانى ، وجاءوا بالفتية إليه ، وعرف حكايتهم. وقيل : إن السبعة كانت قد ظهرت عليهم الشيخوخة فماتوا ودفنوهم فى الكهف ، وبنوا فوقهم كنيسة. ويقول ماسينيون وهوروفيتس وآخرون : إن القصة باليونانية ، ثم رويت بالسريانية ، ولم تترجم إلى العربية. والسؤال هو : هل كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعرف هاتين اللغتين؟ أو هل كان فى مكة من يقرأ بأى منهما وينقل له قصة أصحاب الكهف مترجمة إلى العربية؟ والجواب فى الحالتين بالنفى. وورود القصة رغم ذلك فى القرآن تصادق على القرآن وأنه كتاب من عند الله وليس من عند محمد ، فمن أين كان محمد سيستقى كلامه؟ ومن أين كان سيحصل على مصادره؟ وما كان النصارى واليهود يتشككون فى رواية القرآن للقصة ، وما أكّده منها وصحّحه وزاد عليه. والمستشرقون قالوا إن الرقيم فى القصة هو اسم الكهف ، وقالوا إن الملك النصرانى فرح بالعثور على هؤلاء السبعة ، لأن إحياءهم بعد هذه المدة الطويلة فيه إثبات بصحة البعث ، وهذا الذى استخلصوه هو الدرس المستفاد من القصة القرآنية وليس استنتاجا للمستشرقين. وفى قصة القرآن أن الفتية كان لهم كلب بصحبتهم ، وأن الكهف كان اسمه الرقيم ، وأنهم كانوا فتية مؤمنين زادهم الله هدى ، وربط على قلوبهم فكانوا من الصابرين ، واعتقدوا فى وحدانية الله ، وأقرّوا بأن الاعتقاد بما دون ذلك هو الشطط بعينه ـ أى الكذب والبهتان ، ومن ثم اعتزلوا قومهم وما يعبدون ، وأووا إلى الكهف. فهل هذه التفاصيل فى القصة القرآنية مذكورة فيما يرويه المستشرقون؟ والجواب أبدا. والأعجب «قصة الشمس مع أصحاب

١٠٣٩

الكهف هؤلاء» ، فمن رحمة ربّهم بهم أن هيّأ لهم من أمرهم مرفقا ، وجعل الشمس تزّاور عن كهفهم ذات اليمين ، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال. و «المزاورة» هى الميل ، وهى تميل عنهم فى الصباح لخطورة شمس الصباح عليهم ، وأما أن الشمس تقرضهم ـ يعنى تدخل الغار ـ من شمال بابه ، أى من ناحية المشرق ، فذلك صحّى لهم وفيه فائدتهم. فهل قالت رواية المستشرقين ذلك؟ وهل فسّرت لما ذا كان مكثهم ثلاثمائة سنة يزيدون تسعة؟ فبأى تاريخ هذا العدد من السنين؟ وهل عرفوا التاريخ الشمسى والفرق بينه وبين التاريخ القمرى ، وأن كل مائة سنة شمسية تزيد ثلاث سنوات قمرية؟؟ نقول : إن ما فى القرآن هو «علم» ، وأن القصة يرويها «علّام الغيوب» ، وأن المستشرقين ما كانوا يعرفون أن هؤلاء النيام يلزمهم التقليب يمينا وشمالا حتى لا تتقرّح أبدانهم ، والله يعلمه يقينا ، ويذكره فى القصة القرآنية تأكيدا ، وشتّان بين قصة القرآن وهى القصص الحق ، وقصة هؤلاء المستشرقين!.

* * *

٨٦٤. مقدار ما لبث أهل الكهف ، والفرق بين روايتى أهل الكتاب والقرآن

فى الآية : (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) (٢٦) (الكهف) يخبر الله تعالى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم مقدار ما لبث أصحاب الكهف فى كهفهم ، منذ أرقدهم إلى أن بعثهم وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان ، وأنه كان ثلاثمائة سنة شمسية ، تزيد تسع سنين بالتقويم القمرى ، لأن كل مائة سنة قمرية تتفاوت بالنسبة إلى الشمسية ثلاث سنين ، ولهذا استكمل الثلاثمائة بتسع زيادة ، وهذا هو ما يؤكده العلم ، وما أخبرنا به ربّنا ، وهو تعالى الأعلم بما لبثوا ، وهذا الرقم توقيف منه تعالى ، ولا يعلم غيب السماوات والأرض إلا هو ، وإنه لبصير سميع بكل مرئى ومسموع ، لا يخفى عليه من شىء ، وهو الأصدق إذا أصر أهل الكتاب على أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة فقط ، وله الحكم ولا معقب على حكمه.

* * *

٨٦٥. دعاء أهل الكهف

قالوا : (رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) (١٠) (الكهف) ، والرحمة هى المغفرة ، والرّشد هو التوفيق. وهذا الدعاء لكل من يكون فى مأزق وينشد الخلاص ، وفى هذا المعنى كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

* * *

١٠٤٠

٨٦٦. قصة صاحب الجنتين

بداية القصة فى سورة الصافات ، أو أن لها مثيلا فيها ، حيث يخبر تعالى عن أهل الجنة ، يقول : (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (٦٠) (الصافات) ، وأصل القصة فى سورة الكهف ، ضرب الله بها مثلا لهذا المؤمن وقرينه الكافر ، والقرين هو الشيطان ، ويحدث أن يكون للمؤمن فى الدنيا صاحب من أهل الشرك يوسوس له كالشيطان ، فيقول له : أئنك لمن المصدّقين بالبعث والنشور ، والقيامة والساعة ، والحساب والجزاء؟ وهل إذا متنا وأصبحنا حطاما نخرة ، نجازى ونحاسب على أعمالنا؟ وفى الآخرة يطّلع المؤمن وهو فى الجنة على أهل النار ، فيجد صاحبه فيها ، فلا يملك إلا أن يقول له : والله إنك كدت لتهلكنى لو أطعتك! ولو لا فضل الله ، لكنت مثلك فى سواء الجحيم ، محضر معك فى العذاب ، ولكنه تعالى رحمنى فهدانى للإيمان ، وأرشدنى لتوحيده ، وها أنا ذا فى الجنة لا موت فيها إلا الميتة الأولى ، ولا عذاب ، وذلك هو الفوز العظيم. وقيل هذا المؤمن هو أبو سلمة زوج أم سلمة قبل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان له قرين هو أخوه الأسود بن عبد الأسد ، وورث الأخوان أباهما ووزّعا التركة بينهما ، وكان نصيب كل واحد منهما أربعة آلاف دينار ، إلا أن أبا سلمة ضيّع ماله فى سبيل الله ، فاشترى بألف دينار رقيقا وأعتقهم ، وبألف دينار ثيابا ووزعها على العرايا والمساكين ، ونصب الموائد للفقراء ، فأنفق على الطعام لهم ألف دينار أخرى ، وبنى بالباقى مساجد لله ، وكان أخوه يهزأ منه ، ويستخف ما يفعل ، ويحاوره فى الله والبعث والآخرة والثواب والعقاب ، وكان يعيّر أخاه بأنه غبى ولهذا أضاع ماله ، ولو فرضنا وكانت هناك آخرة فعلا فإنه سيكون فيها من المقرّبين والفائزين لأنه الأذكى ، وذكاؤه يضمن له ذلك. وفى سورة الكهف ضرب الله مثلا بهذين الأخوين أو الصاحبين ، قال : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً) (٣٢) (الكهف) ، واستغرقت القصة اثنتى عشرة آية ، تقول : إن الأخ أو الصاحب الكافر الغنى كانت له جنّتان وارفتان ومثمرتان ، فتاه فخرا على أخيه أو صاحبه باعتباره الأكثر مالا ، والأعز نفرا ، ودخلا الجنتين الواحدة بعد الأخرى ، يتعالى على أخيه بهما كما لو كانتا لا يمكن أن تبيدا ، باعتبار الدنيا دائمة وخالدة ، وأخوه أو صاحبه يستنكر قوله ، فالله هو خالق كل شىء ، وهو باق والدنيا إلى

١٠٤١

زوال ، والفضل فى كل شىء لله ، فهو الذى أخرج ثمر الجنتين ، بل وخلقه هو نفسه ولم يكن شيئا ، فهو ربّه رضى أخوه أو لم يرض ، وهو لن يشرك كأخيه ، فلولا أن يدخل جنته فيقر بالشكر لله ويحمده على عطائه؟ وأمّا أنه أقل مالا وولدا ، فالله قادر أن يؤتيه خيرا من جنته وماله وولده وأنفاره ، وبوسعه أن يرسل على جنته عذابا من السماء ، فتبيد وتمتلئ بالماء ، وتصبح بلقعا ترابا أملس لا يثبت فيه قدم ، وكالجرز لا ينبت شيئا ، أو يصبح ماؤها غائرا فى الأرض لا يستطيع طلبا له. ويستمر الحوار والكافر يكاد يغلب المؤمن ، ويكاد يرديه فى الكفر ، ولكن المؤمن يستمسك بإيمانه ، ويستعصم على الكفر ، وإذا بالعقاب ينزل على الكافر فى الدنيا مثلما يتوعده فى الآخرة ، فيحاط بثمره ويندم على ما فرّط فى حق ربّه ، وما كان له من ينصره من دون الله ، ويوم البعث لا تكون الولاية إلا لله ، وهو خير ثوابا وخير عقبا.

* * *

٨٦٧. قصة أصحاب الجنة

هؤلاء كانوا فى اليمن ، وكانت الجنة لرجل من أهل هذه البلاد ، والجنة هى البستان ، وكان الرجل صالحا يؤدى حقّ الله من جنّته ، فلما مات صارت إلى أولاده ، فمنعوا الناس خيرها ، وبخلوا بحق الله فيها ، فأهلكها الله من حيث لم يمكنهم دفع ما حلّ بها. قال تعالى : (إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ) (٣٢) (القلم) ، وبلوناهم المقصود بهم أهل مكة ، أعطاهم الله الأموال ليشكروا لا ليبطروا ، فلما بطروا وعادوا محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ابتلاهم بالجوع والقحط كما ابتلى أصحاب الجنة. قيل : كان هؤلاء ـ أى أصحاب الجنة ـ بعد رفع عيسى بيسير ، وكانوا بخلاء ، فكانوا يجدّون التمر ليلا حتى لا يراهم المساكين ، فلما أرادوا حصاد زرعها دبّروا أن لا يدخلها اليوم عليهم مسكين ، فغدوا عليها فإذا هى قد اقتلعت من أصلها فأصبحت كالصريم ـ أى كالليل البهيم من أثر الحريق ، وكأنها قد صارت حمأة ، وأضحت خرابا يبابا. والذى طاف عليها هو قضاء الله فيها ، وقيل : هو جبريل اقتلعها ثم وضعها فى

١٠٤٢

الطائف ، فسميت «الطائف» باسمها ذاك لهذا السبب ، وليس فى أرض الحجاز بلدة فيها الشجر والأعناب والماء غيرها. وقيل : إن صاحب الجنة الأول قد أورثها أولاده الثلاثة ، وكانت العادة أن المساكين لهم كل ما يتعداه المنجل فلم يجذّه من الكرم ، فإذا طرح على البساط ، فكل شىء سقط عن البساط فهو أيضا للمساكين ، وهذه الطريقة يهودية ومذكورة ضمن زكاة الزرع فى كتابهم التوراة (سفر التكوين ٢٣ / ١٠) ، الأمر الذى يجعلنا نقول إن القصة عن جماعة من بنى إسرائيل ، خاصة وأن اليمن كان بها الكثير منهم ، وكانوا إذا درسوا فللمساكين كل شىء انتثر ، وفعل أبوهم ذلك والتزم الشريعة ، فلما مات شحّوا ، فقلّ مالهم وكثر عيالهم ، فتحالفوا ليغدون غدوة قبل خروج الناس ثم ليصرمنّها فلا يعرف المساكين ، و «الصرم» هو القطع والحصد ، و «عدم استثنائهم» أنهم لم يقولوا إن شاء الله. وقيل : كان حرثهم نخلا أو عنبا. وقيل : عدم استثنائهم أنهم لم يجنّبوا حق المساكين ، فلما جاءوا ليلا لتنفيذ ما عزموا عليه ، وجدوها مسودة قد طاف عليها طائف من ربّهم وهم نائمون. والطائف قد يكون جبريل ، وقد يكون الجزاء من ربّهم. وكان من شدة حرصهم أن كانوا يسيرون متخفّين ، وإذا تكلموا تسارّوا حتى لا يسمعهم المساكين ، وكانوا كأنما قد نجحوا فى مسعاهم ، والحرد الذى غدوا عليه قيل قصدهم الذى كاد أن يتحقق ، وقيل هو اسم قريتهم ، فما رأوا ما آلت إليه الجنة حتى أنكروها وشكّوا فيها ، وكأنما قد ضلوا الطريق إليها ، وتبينوا من بعد أنها جنّتهم ، وأنهم حرموها ، وفى الحديث : «إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا كان هيئ له» ، ثم تلا : «فطاف عليها طائف من ربّك». وقال أوسطهم معاتبا : ألم أقل لكم قولوا إن شاء الله؟! والأوسط هو الأمثل فى القرآن ، وهو الأعدل والأعقل. ولقد ظلموا أنفسهم لمّا ظلموا المساكين ، وتلاوموا أنهم كفروا نعم الله فلم يشكروه ، ثم تعاهدوا أن ينصلح حالهم ويتوبوا إليه ، فإن أبدلهم الله خيرا منها فعلوا الصلاح والخير ، ثم دعوا وتضرّعوا واستغفروا. وظاهر الآية أن الله قبل توبتهم واستغفارهم ، ورزقهم وهو خير الرازقين ، وقولهم : «إنا إلى ربّنا راغبون» دليل إيمان ، وربما هو نتيجة ما يصيب المشركين إذا أصابتهم شدّة أو لحقهم ضرّ. وفى الآية مواعظ وعبر ودرس مستفاد : أن الإنسان لا يعزم إلا الخير ، وأن يستثنى فيقول إن شاء الله ، وأن العزم مما يؤاخذ به. ونظير هذه القصة قوله تعالى : (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) (٢٥) (الحج).

* * *

١٠٤٣

٨٦٨. قصة الذى ندم حين لا ينفعه الندم

هو الذى مداره الآيات : (تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) (٥٩) (الزمر) ، فهذه ثلاثة أصناف من البشر ، وفيهم القصة : كان رجل عالم فى بنى إسرائيل وجد ورقة مكتوبا فيها : إن العبد ليعمل الزمن الطويل بمعصية الله ، ثم يختم له عمله بعمل رجل من أهل الجنة ، فيدخل الجنة. فقال : ولأى شىء أتعب نفسى؟ فترك عمله ، وأخذ فى الفسوق والمعصية ، وقال له إبليس : لك عمر طويل ، فتمتع بالدنيا ، ثم تتوب! فأخذ الرجل فى الفسوق ، وأنفق ماله فى الفجور ، فأتاه ملك الموت بغتة ومن غير توقع وهو فى ألذّ ما كان ، فلما رآه قال : يا حسرة على ما فرّطت فى جنب الله؟! ذهب عمرى فى طاعة الشيطان ، وظننت أن العمر سيطول فخاب ظنى. وندم الرجل حين لا ينفع الندم ، فأنزل الله خبره فى القرآن هذه الآيات ، وقيل لهذا : الناس أصناف : فصنف منهم قال : (يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ) (الزمر ٥٦) ؛ وصنف قال : (لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (٥٧) (الزمر) ؛ وقال آخر : (لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (٥٨) (الزمر) ، فقال الله تعالى ردا على كل منهم : (بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) (٥٩) (الزمر) ، وبلى جواب النفى ، وليس فى الكلام لفظ النفى ، ولكن معنى «لو أن الله هدانى» : أنه ما هدانى ، وكأنه قال : ما هديت ، فقيل : بلى ، قد بيّن لك طريق الهدى ، فكنت بحيث لو أردت أن تؤمن أمكنك أن تؤمن!

* * *

٨٦٩. أصحاب القرية من سورة يس

تروى القصة الآيات من قوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) (١٤) (يس) إلى قوله تعالى : (يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) (٣٢) (يس) ، والقصة كما تعرضها هذه الآيات كانت مادة خصبة للإسرائيليات ، وأكبر مروّجيها كان كعب الأحبار ووهب بن منبّه ، وكانا من اليهود وأسلما ، وهذان كانا يزعمان لنفسيهما علم الأوائل ، وكان المسلمون يسألونهما عما استغلق على أفهامهم من قصص القرآن ، وعمّن مضوا من الغابرين. وشاعت تفسيراتهم حتى غلبت على كتب التفسير ، وما من

١٠٤٤

سند من التاريخ أو المراجع العلمية يؤيد أقوالهما وما ذهبا إليه ، وصار ما قالاه هو السند والمرجع لمن يتصدّى بالتفسير لهذه الآيات. وتستغرق قصة أصحاب القرية فى القرآن سبع عشرة آية ، ويستغرق التعليق عليها ثلاث آيات ، فيكون مجموع آيات القصة ، والدرس المستفاد منها عشرين آية ، أى نحو ربع سورة يس ، وتأتى فى سياق تحذير أهل مكة من مغبة الكفر بنبيّهم صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتشبّههم بأصحاب هذه القرية ، وهى ليست قرية بعينها ، فلو كان اسمها مهمّا لأوردته السورة. وفى القصة أن الله بعث لهم نبيّين فكذبوهما ، فعززهما بثالث ، فيحتمل أن النبيّين هما موسى وهارون ، وأن الثالث هو عيسى ، وأن القرية إذن هى العالم بأسره. وفى تفسير كعب ووهب أنها أنطاكية. وقيل : كان يحكمها فرعون اسمه انطيخس ، والفرعون اسم على إطلاقه ، ويعنى الطاغية المستبد. ويذهب الطبرى ، وهو الآخر من أساتذة الإسرائيليات ، إلى أن الرسل الثلاثة إلى هذه القرية كانوا : «صادق» ، و «صدوق» ، و «سلوم». وقال غيره : الاثنان هما «شمعون» و «يوحنا» ، أو أنهما «سمعان» و «يحيى». ويجوز أن تكون القصة من باب الأمثال تضرب للناس للعظة وليست قصة واقعية ، وتقع كالمثل كل يوم ، فالداعون إلى الله كثر ، والمكذّبون لهم أكثر ، والسجون ملأى بآلاف الداعين ، ومنهم من يحكم عليه بالإعدام ، ومنهم من تصدر الأوامر إلى الشرطة بقتلهم قصدا وعمدا ، فالقصة تحصيل حاصل ، ووقوعها من الأخبار العادية حيثما كانت الدعوة إلى الله. وقيل : إن القصة حقيقية فعلا ، ووقعت لبعض رسل عيسى عليه‌السلام ، وأنهما اثنان كانا يدعوان له باعتباره الله أو ابن الله ، ولهذا قالوا لهما (ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) (يس ١٥) ، لأن رسل عيسى كانوا يشيعون أن روح القدس يسرى فيهم ، وأنهم أوتوا المعجزات بالوكالة عن عيسى. غير أن القرآن لا يمكن أن يستشهد بداعيين لعيسى باعتباره إلها ، فبحسب القصة فى القرآن أن الرسولين كانا على الحق ، وأن الثالث الذى عزّزهما أيّد ما جاءا به ، والقصة تأتى فى القرآن فى مجال أن يضرب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بها المثل لمشركى مكة ، أن يؤمنوا ، وإلّا حلّ بهم ما حلّ بكفّار هذه القرية ، فكيف يضرب لهم مثلا بأناس يدعون إلى تأليه عيسى؟ وقيل فى التفاسير : إن وهب بن منبّه ذكر أن عيسى لمّا أرسل الرسولين التقيا شيخا يرعى غنيمات له ، وهو حبيب النجّار ، «صاحب يس» فاستمع لهما ، وأتيا المعجزات فآمن. وواضح أن كعبا ووهبا لم يقرءا الأناجيل ، فقد كانا فى الأصل يهوديين ، وفى الأناجيل قصة ربما تشابه هذه القصة وإن كانت الخلافات بين الأناجيل أكثر من المشابهات ، وربما تفسّر سبب استهواء أنطاكية للمفسرين ، فلقد كانت انطاكية مركزا من مراكز المسيحية الكبرى بعد أورشليم ، والواقع أن لدينا مدينتين باسم أنطاكية أسّسهما

١٠٤٥

«سلوقس الأول نيكاتور» ، من قواد الإسكندر الأكبر ، فى أوائل القرن الثالث قبل الميلاد ، تخليدا لاسم والده أنطيوخس ، الأولى فى سوريا على مصب نهر العاصى ، والثانية فى تركيا فى اتجاه نيسيدية ، وما يعنينا هو أنطاكية سوريا ، وكان أهلها يعبدون الأصنام : «تيخى» إلهة الحظ ، و «أبولو». وفى أنطاكية كانت ترتكب باسم الدين والتدين الكثير من النجاسات والممارسات الجنسية الفاضحة ، وفيها كانت تعيش جالية يهودية كبيرة ، كان منهم من اعتقد فى المسيح ؛ وفيها دعى التلاميذ «مسيحيين» لأول مرة (سفر الأعمال ١١ / ٢٦) ، وأرسلت الكنيسة ـ وليس عيسى كما تقول الرواية ـ رسولين يتبعانها : برنابا ، ومعه بولس ، ليدعوا الناس ، فمحتمل أن أصحاب كتب التفسير الإسلامية تأثروا بقصة برنابا وبولس ، وقالوا : إنهما الرسولان المعنيان فى آيات سورة يس ، خاصة أن من أنطاكية كان «أغناطيوس» الذى استشهد فى روما ، و «يوحنا فمّ الذهب» ـ هكذا اسمه وكان من كبار الدعاة ، فمحتمل أيضا أنهما الرسولان المعنيان. وأيضا فإن برنابا وبولس زارا أنطاكية التركية وأهاج اليهود فيها الناس عليهما ، لأنهما يقولان : إن المسيح هو الله ، أو ابن الله. فطردوهما من المدينة (سفر الأعمال ١٣ / ٤٢ ـ ٥٠). وفى تلك الأيام قام واحد من الرسل اسمه «آغابيوس» (الأعمال ١١ / ٢٨) ، فأنبأ بالروح. والمستشرقون على القول بأن آغابيوس هو الرسول إلى القريتين. غير أن دعوة آغابيوس لغير الله لا تجعله صالحا ليضرب به المثل فى القرآن ، وكذلك برنابا وبولس لا يصلحان كمثلين فقد كانت دعوتهما للمسيح وليس لله ، وقصة القرآن للوعظ بأناس صالحين وليس بأناس مطعون فيهم. وأصحّ من ذلك كله أن القصة كما جاءت فى القرآن «مثل» كقوله تعالى : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ) (يس).

* * *

قصة طالوت

٨٧٠. طالوت فى التوراة والقرآن

المستشرقون على القول بأن القرآن أخذ من التوراة ، ومن ذلك قصة النبىّ صامويل والملك طالوت Talut. وفى القرآن لا ذكر لاسم النبىّ ، وأنه صمويل ، أو صموئيل ، أو شموئيل Samuel ، ومعنى «صمويل» «هبة الله» أو «المنذور لله» ، حيث إيل اسم من أسماء الله الواحد ، فكأن اسم النبىّ إشارة إلى الله ، ومقتضى الاسم أنه «المؤتمن نبيّا للربّ» ، وكان أبوه قد تزوج امرأتين ، إحداهما حنّة فلم تنجب ، فدعت ونذرت إن أنجبت ولدا أن تهبه لله ، وأطلقت عليه صمويل لذلك ، فكان عبدا مخلصا ، ولكنه كان متزمتا ومتطرفا شديد

١٠٤٦

التطرف ، وعاش فى الهيكل ، فلما لمس فساد الأسرة الحاكمة دعا عليهم ، واستعلن له الله فصار قاضيا ، واستفحل أمره حتى كان الحاكم والمدافع والرئيس وممثل يهوه الربّ ، ولما كبر فى السن وشاخ أقام ولديه قاضيين يستخلفهما بعده ، فأساءا ، فظل يبحث عن ولى لعهده إلى أن وجده فى شاول Saul الذى هو طالوت فى القرآن ، واسم «شاول» يعنى «المسئول أمام الله» ، وأما اسم «طالوت» العربى فكما نقول : «أبو طويلة» ، وهو الاسم الذى يبدو أنه كان مشهورا به ، لأنه كان فارع الطول ، وأطول بنى قومه ، ولمّا نصّب ملكا اجتهد رأى نفسه ولم يكن يرجع إلى صمويل مما أغضب صمويل فعافته نفسه ، وصرف عنه تأييده ، واستبدله بداود ، وحزّ ذلك فى نفس شاول فصارت الحرب بينه وبين داود. ومات صمويل أثناء ذلك ، وانهزم شاول أمام الفلسطينيين فلم يجد إلا أن ينتحر بأن سقط على سيفه ، وانتحر معه بنوه الثلاثة وجميع رجاله. (الملوك الأول ـ الفصول من واحد إلى واحد وثلاثين).

فلما ذا اختار صمويل شاول ليكون ملكا مع أنه من أبناء الفقراء ، وقيل كان حمّارا ، والعهد بالملوك أن يكونوا من الأغنياء؟ والجواب : لأنه كان حسن السمت وقورا ، ولم يكن فى الإسرائيليين من هو أكثر احتراما منه ، وكان طويلا وأطول من أى من رجال إسرائيل ، وله ماهية ، وكان عقله راجحا ولذا اختاره صمويل للملك رغم أصله المتواضع ، وتشكك الناس فى صلاحيته (الملوك الأول ٩ / ٢ و ١٠ / ٢٤) ، ولما باركه صمويل صار باستطاعته أن يتنبأ مثله ، فعجبوا منه وسخروا أن يكون نبيا بعد أن أصبح ملكا ، وقالوا : أشاول أيضا من الأنبياء؟ فذهبت مثلا (ملوك أول ١٠ / ١٢) ، وازدروا شاول ، وتصامّوا عنه (ملوك أول ١٠ / ٢٧) ، إلا أنه ظهر لهم حنكته ، وأبان لهم عن علمه وقدرته ، ونصرهم وطرد عدوهم ، فصاروا يقولون : من الذى قال : أشاول يملّك علينا؟! وكان صمويل قد تنبأ بأن شاول هو مخلص إسرائيل من أعدائهم ، ولكنه انقلب عليه ، وبدا كأنه قد كذب فى نبوءته. فلما ذا تنكّر له وعاداه؟ الجواب : أن شاول لم يعمل بوصايا صمويل ، فقدّم الذبائح والمحرّمات ، ولم يطع الربّ ، ولمّا حارب الفلسطينيين لم يعمل القتل فى أغنامهم ، واختار أحسنها يضحّى بها ، وعفا عن ملكهم ، فكأنه تنكر للشريعة ، فاستغضبه ، فخلعه ونصّب داود (صمويل ١٥ / ١ ـ ٣٥) ، ولعنه حتى صار نجسا ، وبذلك كذبت فيه نبوءته (ملوك أول ٩ / ١٦). فهل هناك شبه بين القصة فى القرآن وقصة التوراة؟

فى القرآن فكرة النبىّ تختلف تماما عن فكرتها فى التوراة ، وفيها ـ أى فى التوراة ـ يأتى أن النبىّ هو الرائى ، فهكذا كانوا يسمونه قديما فصار اسمه فى عهد صمويل نبيّا ، فالنبىّ فى عرف الإسرائيليين هو العرّاف الذى يتنبّأ ، وصمويل فى قصة التوراة نبىّ وقاض

١٠٤٧

يحكم بالتوراة ، وفقيه يجتهد رأيه ، وعرّاف يتنبأ بالمستقبل ، ودعّاء يسترضى الربّ بكلماته ، وكان «أول نبىّ بعد موسى ويشوع» ، كما كان «آخر القضاة». وقصته يتضمنها سفرى الملوك الأول والثانى ، ويسمونهما لذلك سفرى صمويل. ولا ذكر لكل ذلك فى قصة القرآن إلا أنه نبىّ ، وبصفته اختار لهم شاول ملكا. يقول القرآن : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨) فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ) (٢٥١) (البقرة). وكما ترى فإن القرآن ينصرف اهتمامه إلى مضمون القصة ، والموعظة المستفادة منها ، ولا تعنيه التفاصيل ، ويتفق القرآن والتوراة فى اختيار النبىّ صمويل لشاول أو طالوت كملك لاعتبارات ، منها الطول ، إلا أن القرآن ينبّه صراحة إلى صفة العلم فى شاول ، ويجعلها قبل صفة الطول ، ويعبر عن ذلك التعبير البليغ : (إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) (البقرة ٢٤٧) فقدّم الاصطفاء على أية معايير مغايرة للاختيار. واتفق مع التوراة فى طلب الإسرائيليين من نبيّهم أن يجعل لهم ملكا كسائر الشعوب يقودهم ضد أعدائهم. وأيضا فإن قصة التابوت كما هى فى التوراة (يشوع ٣ / ١٤ ـ ١٧) تتشابه ومثيلتها فى القرآن ، إلا أن القصة القرآنية تجعل من حكاية طالوت مع التابوت آية ملك طالوت ، ودليلا على حسن اختيار صمويل له ملكا. ويأتى فى سفر يشوع حكاية مماثلة عن التابوت جعلت المفسرين العرب تضطرب رواياتهم حوله ، حتى قالوا إن صمويل اسمه كذلك يشوع ، مع أن يشوع بخلاف طالوت أو شاول ، وهناك فارق زمنى كبير

١٠٤٨

بينهما ، فيشوع أول الأنبياء وصمويل آخرهم. ويشوع عبر نهر الأردن ، وكلمة «نهر» فى القصة بلبلت الرواة والمفسّرين العرب ، ولا وجود للأردن فى قصة طالوت القرآنية. ومع ذلك فإن طالوت يصدق عليه أنه أتى بالتابوت ليسكنه فى مكانه بعد أن استولى عليه الفلسطينيون واحتفظوا به لديهم سبعة أشهر ، إلا أنهم أعادوه من تلقاء أنفسهم ، واستقر التابوت فى قرية يعاريم ، واستمر بها مصونا طوال فترة حكم شاول التى استمرت سنتين ، وهى آية لا شك فيها لكثرة ما نقل التابوت من مكان إلى مكان ، ولطول ما تبادلته الأيدى ، ولاستقراره فى حكم شاول. ثم إن شاول وقد كان معه التابوت (ملوك أول ١٤ / ١٨) ، أراد العبور به بينما الفلسطينيون يتربصون به الدوائر ، ولم يكن معه إلا فئة قليلة من الجند كما ذكر القرآن ، وأحصاهم التوراة ستمائة رجل (ملوك أول ١٤ / ٢ ـ ٦) ، فلأنهم قلة اعتراهم الخوف من عدوهم ، ولكنهم غامروا وعبروا وانتصروا وإنما بالحيلة. ويأتى فى القرآن أنهم شربوا من النهر إلا قلة ، والمقصود بالنهر على الحقيقة نهر الشريعة ، وكان ذلك من شاول أنه حلف عليهم أن لا يذوقوا طعاما قبل أن ينتصروا ، فلما صادفتهم غابة واخترقوها كان عسل النحل يجرى فى أشجارها أنهارا ، لكنهم خافوا أن يقربوه لأنهم أقسموا ، ولم يكن ابن شاول قد سمع بالقسم فمد يده بعصا يأخذ من نهر العسل ويتذوقه ، وفعل مثله آخرون وكانوا قلة ، وقلّدهم آخرون ، وشربوا من نهر العسل ، ثم إنهم لمّا انتصروا وغنموا الغنائم ذبحوا الذبائح حتى سالت دماؤها أنهارا ، فشربوا من نهر الدم ، ومن أجل أنهم نكثوا بأيمانهم غضب عليهم شاول وعاقبهم ، فالنهر فى القرآن هو هذا النهر الذى ذكرنا.

وأما حكاية جالوت مع شاول فإنه لمّا خرج مبارزا لجماعة شاول وكانوا قلة ، وصاح فيهم ما سمعوه جميعا ، فلو كانوا بالآلاف لما بلغهم صياحه ، فكانوا قلة فعلا (ملوك أول ١٧ / ١٠ ـ ١٢). واسم جالوت أو جليات بالعبرية معناه السبىّ بالسريانية ودخل العبرية بهذا المعنى ، وقيل : كان جالوت من عبيد الفلسطينيين. والأصح أن جالوت هو تصحيف عبرى للفظ الجوّال من جال بمعنى الكرّار ، الذى يجتال بسيفه ويلعب به ويديره على جوانبه.

والقصة القرآنية فى غاية البلاغة والإحكام والإيجاز ولاتدانها قصة التوراة ، وأنهاها الحق تعالى بعبارة هى فصل الخطاب ، قال : (تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٢٥٢) (البقرة) أى هذه آيات الله التى قصصنا عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق ، والواقع الذى كان عليه الأمر المطابق لما بأيدى أهل الكتاب مما يعلمه علماء بنى إسرائيل ، وهو ما يثبت أنك يا محمد من المرسلين.

* * *

١٠٤٩

قصة جالوت

٨٧١. جالوت فى التوراة والقرآن

اسم جالوت يأتى فى كتب اليهود قبل القرآن ، وقيل هو اسم ، والحقيقة أنه ليس اسما ولكنه صفة ، من جلت السريانية يعنى ضرب ، وجالوت هو المقاتل الذى يحترف القتال ، ويأتى فى العبرية جليات أو جوليات Goliath ، قال المستشرقون إن قصته مع داود أخذها القرآن من التوراة ، مع أن قصة جالوت لم ترد فى التوراة وإنما فى سفر صمويل الأول ، بعد التوراة بزمن طويل ، فى الفصلين السابع عشر والواحد والعشرين. واسم جالوت هو تصحيف عربى للاسم السريانى ، واليهود على أن الاسم جليات يعنى أنه السبىّ ، أى أنه لم يكن سيدا فى قومه ولكن من الموالى ، وكان من بلدة فلسطينية تدعى جت ومعناها المعصرة ، فقد كان أهلها يعملون بعصر الزيتون ، ومعاصره لا يصلح لها إلا الأقوياء ، والعمل عليها أحرى بالموالى ، ولذا كان جالوت قويا ، وكانت المدينة حصنا من الحصون ، فكان جالوت وغيره من الموالى الأشداء يتعلمون فنون القتال للدفاع عن مدينتهم ضد اليهود الغزاة ، فقد كان اليهود كما هم الآن يغزون جيرانهم لتكون لهم أرض ودولة. وغالى صموئيل فى وصف جالوت ، تهويلا ومبالغة ، وربط بين اسمه جليات وبين أنه من الجبابرة ، وقال إن طوله كان تسعة أقدام يعنى ٢٧٠ سم! ولا يوجد إنسان فى أى عصر من العصور كان بهذا الطول! وقيل كانت أدوات حربه مناسبة لطوله ، وجعلها صمويل صاحب السفر الذى يحكى عن جالوت ـ أسطورة ، وضخّم فيها ليثبّت فى أذهان اليهود أنهم أهل حيلة وإن كان خصومهم أقوى ، وبالغ فى وصف الخوف الذى اعترى المقاتلين اليهود لمّا رأوا جالوت يبرز لهم. وقال صمويل على لسان شاول الملك إن داود كان غلاما ، وهو ليس صحيحا ، وإنما كان راعيا لغنم أبيه وإن كان أصغر إخوته الثمانية ، ويصف نفسه مباهيا فيقول إنه قتل أسدا ودبّا ، وما كان من المعقول أن يزوّجه الملك ابنته وهو غلام حدث ، ثم إنه سرعان ما نصّب ملكا وكان فى الثلاثين! وفى مشهد القتال استخدم داود السخرية لاستمالة قلب الملك شاول إليه ، فيرضى أن يخرج لقتال الفلسطينى جالوت. وغالى صموئيل فى وصف جمال داود ، ونعرف من بعد أن داود كان يعانى من اضطرابات نفسية تصيبه بالهوس الدورى ، وكان كثير الأخطاء والاستغفار ، ويستعذب أن ينزل بنفسه العقاب. ولم يخرج داود بأدوات قتال إلا من مقلاع وبعض الحجارة وعصا الرّعى ، فصوب مقلاعه إلى جوليات أو جالوت ، وأصابه الحجر منه فى جبهته ، وانغرز فيها ، وسقط جوليات على الأرض ، فعدا داود إليه وأخذ سيفه وقطع رأسه ، وانتهت الحرب

١٠٥٠

الحرب بين الفلسطينيين واليهود على ذلك ، لأنها لم تكن موقعة على الحقيقة ، ولكنهم كانوا جماعة من هؤلاء وأولئك يقفون فى صفين متقابلين ، فيخرج من هؤلاء واحد فيلاقيه واحد من أولئك ، فلما خرج جوليات تصدّى له داود بأدوات بدائية ، وبسبب جسارته وحيلته ، صار داود ملكا ، واعتبر خلعه للباس الحرب الذى ألبسه إياه شاول ، دليل ذكاء يحسب له كمحارب ، لأن جوليات كان يضع عدّة الحرب فكانت ثقيلة تبطئ حركته ، فاستغل داود تلك السلبية فيه ، وأسرع يلتف حوله ليتمكن منه.

ويعرض القرآن لقصة جالوت مع داود ضمن سورة البقرة وخلال سرده لقصة طالوت الذى هو شاول بالعبرية ، فقد كان شاول وجنوده قد جاوزوا النهر إلى جت ، فلما علموا أنهم ملاقو جالوت وجنوده قالوا : (لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٢٥٢) (البقرة). وبمقارنة قصة صموئيل السالفة بقصة القرآن هذه ، يتبين الاختلاف بينهما كأوسع ما يكون الاختلاف ، والقصص فى الروح اليهودية للسرد تفصيلا وتهويلا بقصد إظهار عظمة شعب اليهود لا غير ، وأما فى الروح العربية فالقصص للعبرة والتدبّر ، وفيها الحكم ، وعباراتها تزجى كالأمثلة ، ومنها الكثير مما يعد من جوامع الكلم. ولم يورد القرآن اسم جالوت كشخصية تاريخية ، وإنما كرمز للقوة الغاشمة ، وفساد فرط الثقة بالنفس ، وعقم البغى وبطلان العدوان ، اعتمادا على القوة بلا إيمان. وجنود جالوت فى الرواية القرآنية هم أصحابه من جنسه وهيئته وصنعته. وليس فى الروايتين اليهودية والقرآنية أى ذكر لعدد الجنود من الجانبين. وفى الرواية اليهودية أن اليهود كانوا غالبية يملؤهم الخوف وإيمانهم على حرف ، ولم يرد أى شىء عن المؤمنين. وفى الرواية القرآنية فإن الدليل على قلة إيمان هذه الغالبية ، قولهم لا طاقة لنا بجالوت وجنوده ، غير أنه كان ضمن هؤلاء ثلة شديدة الإيمان ، وهؤلاء هم القلة الذين اجتازوا النهر وأطاعوا طالوت فلم يتناولوا من مائه ولو شربة ، وقال فيهم القرآن : (قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ) (البقرة ٢٤٩) ، والظن يتوسط الشك والوهم ، فالشك سلبى ، والظن لا هو بالسلب ولا بالإيجاب ، فإن مال للإيمان وللإيجابية صار يقينا ، وإن نحا إلى السلبية فهو الشك ، وإن كان على خطأ ظاهر فهو الوهم. وظن هؤلاء كان يقينا ، لأنهم قالوا : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ

١٠٥١

غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً) (البقرة ٢٤٩) ، والفئة هى الجماعة ، وقولهم تحريض على القتال ، واستشعار للصبر ، واقتداء بالمصدّقين من الأماثل ، وهؤلاء القلة هم الربّانيون المعنيون بالآية : (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (١٤٦) (آل عمران) ، ولذلك دعوا فى موقفهم القتالى فقالوا : (رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (٢٥٠) (البقرة) مثلما دعا غيرهم ، قالوا : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) (١٤٧) (آل عمران) ، فهزموهم ، وإنما كان ذلك بإذن الله بحسب القرآن ، وافتقدنا مثل ذلك فى رواية صموئيل. وفى رواية القرآن قتل داود جالوت جهادا ، فكان أن آتاه الله الملك والحكمة وعلّمه مما يشاء ، وليس ذلك فى رواية صموئيل ، ثم يأتى فى القرآن هذا القول الحكيم والبديع كأبدع ما تكونا الحكمة : (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ) (٢٥١) (البقرة) ، فيتضح أن شرّ الظالمين والكافرين والمعتدين والبغاة يدفعه الله بالمؤمنين والصالحين والأخيار. وهذا هو الدرس المستفاد من قصة جالوت مع داود ، والذى حجب عن صموئيل فلم يره ولم يأت ذكره على لسانه ، ولم يتضمنه كتابه ، وآتاه الله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى قوله : (تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (٢٥٢) (البقرة) ، تأكيدا بأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم نبىّ مرسل ، ولو لا ذلك ما أعطى زبدة الموضوع وخلاصته ، ولما أوتى هذه الحكمة التى حرمها صموئيل ، لأن صموئيل لم يكن نبيا على الحقيقة ولا رسولا ، وإنما كان كما قال الروائى والفيلسوف هيربرت چورچ ويلزH.G.Wells عن أنبياء إسرائيل : لم يكونوا أنبياء فعلا ولكنهم رجال دولة يخططون لتثبيت أركان دولتهم لا غير!

* * *

قصة داود بن يسى

٨٧٢. هل كان نبيّا ملكا أو ملكا فقط

بحسب التوراة فإن داود كان ثانى ملوك إسرائيل ، ويأتى بعد طالوت أول ملوكهم ، واسم هذا الأخير عند اليهود شاول ، وشاول هو الذى اختار داود ضمن أتباعه ، وكان داود من سبط يهوذا ، ويهوذا هو الذى وصفه يعقوب أبوه بأنه شديد البأس ، يميل إلى العنف ، وهو ابن ليئة ، وهو الذى أوعز إلى إخوته أن يبيعوا يوسف للإسماعيليين ، وهو أيضا الذى دخل على زوجة ابنه : «شيلا» باعتبارها بغيا ، وحملت منه سفاحا وولدت توأمين. فهذا إذن هو أصل داود كما تقصّه التوراة. واسمه داود يعنى «المحبوب» ، ويوصف مغالاة بأنه

١٠٥٢

وسيم ، وكان أصغر أبناء أبيه الثمانية. وفى سفر صموئيل تبدو شخصيته مضطربة ولا تخلو من لوثات خطيئة ، وكذلك كان طالوت ولى نعمته ، وكان داود يعالج طالوت بالموسيقى ، فكلما أتت طالوت نوبات الجنون ، أسرع داود بالعزف والغناء له على قيثار ، وتعلّم السياسة فى بلاط طالوت ، واشتهر بحربه مع الفلسطينيين ، وقتاله جالوت بمقلاع وهو ابن أربع عشرة سنة ـ وهذا الكلام أيضا من باب المغالاة ، فاليهود صنعوا منه أسطورة ـ وانهزم جالوت لثقل ما عليه من دروع ، وكافأه شاول ـ أى كافأ داود ـ بأن زوّجه من ابنته ، وازدادت شهرة داود ، وغار منه شاول ، وأراد أن يقبض عليه فهرب ، وجمع حوله مجموعة من المطاريد والمضطهدين ، وانهزم شاول فى جلبوع أمام الفلسطينيين ، ومات فى المعركة أبناؤه الثلاثة ، وجرح جرحا خطيرا ، فانتحر بأن أسقط نفسه على سيفه ، وخلفه داود وكان فى الثلاثين من عمره ، وشبّت حرب أهلية بسبب توليه الملك ، وتزوج كثيرا وأنجب الكثير من الأولاد ، ووضع تصميم الهيكل وبنى مدينة داود ، وكان عدوانيا فدخل فى حروب مع جيرانه ، وعمل على أن يخلفه ابنه سليمان.

وتختلف صورة داود فى كتب اليهود عن صورته فى القرآن ، فعند اليهود هو من الملوك وليس من الأنبياء ، وفى القرآن هو «نبىّ ملك» ، وفيه قال تعالى : (وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ) (٢٥١) (البقرة) ، أى آتاه ملك طالوت الذى هو شاول ، كما آتاه نبوة صموئيل ، وتعلم فى بلاط شاول سياسة الملك والحرب والدين ، ودفع الله به البلاء عن قومه ، ولو لا ذلك لهلكوا. وفى القرآن : (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ) (٢٦) (ص) ، يعنى أن الله ملّكه ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فتخلف من كان قبلك من الأنبياء والأئمة الصالحين ، ولتحكم بما أنزل الله. وقيل إنه لمّا ظلم أوريا الحثّى ودفعه إلى الحرب ليقتل ويتزوج امرأته ، كانت له فى الخليل سبع نساء بخلاف السرارى ، ولما سكن أورشليم تزوج خمس زوجات بالإضافة إلى السابقات ، وكانت له سرارى كذلك ، ورغم كل هذا العدد من النساء طمع فى امرأة أوريا فكان مثله مثل الأخوين صاحبى النعاج ، كقوله تعالى : (إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) (٢٥) (ص) ،

١٠٥٣

وقيل إنه كان فى المحراب عند ما نظر من الكوة فأشرف على امرأة تغتسل فلما رأته غطت جسدها بشعرها ، فوقعت فى قلبه ، وبنى بها فحملت ولكنها أجهضت ، فعرف أن الله غاضب عليه ، ولازم المحراب حتى عفا عنه ربّه ـ فهكذا قال له الكهنة ، فحملت المرأة منه ثانية ، وفى هذه المرة ولدت ابنه سليمان! وقيل فى تشبيهه بالأخ صاحب التسع والتسعين نعجة ، هو أحسن تعريض فما كانت هناك نعاج ، ولم تكن لداود تسع وتسعون امرأة ، وربما كان هذا هو عدد نسائه جميعهن زوجات وسرارى ، والمقصود فى كل الأحوال ضرب المثل. ومعنى «اكفلنيها» أنزل لى عنها ، و «عزّنى فى الخطاب» أى غلبنى ، و «الخلطاء» ، الأصحاب. ولقد علم داود أنه قد فتن فاستغفر ربّه وتاب من خطيئته. وقيل إن داود مكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموعه على رأسه! وأكلت الأرض من جبينه! وهذا كلام يستحيل أن يتحقق! وهو من باب الأساطير الدينية اليهودية! وكان يقول فى سجوده : يا ربّ ، داود زلّ زلّة بعد بها ما بين المشرق والمغرب. ربّ ، إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا فى الخلق من بعده! ـ وكأنه لا يهمه إلا كلام الناس عنه. وقيل : لمّا غفر الله له قرّبه ، وضرب به المثل فى الصبر ، فقال تعالى مخاطبا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (١٧) (ص) ، والصبر دليل النبوّة ، وكان داود ذا أيد ، يعنى قوى فى عبادته ، يصوم أشد الصوم وأفضله ، ويصلى أطول صلاة ، ويرتل أجود الترتيل ، فأعطاه الله المزامير ، يعنى ألهمه ، وقال : (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣)) (النساء) ، والزبور هو المزامير ، وكانت تتنزل عليه بوحى من السماء ، وهى حكم ومواعظ وتسابيح وحمد وثناء على الله ، ولعن فيها الكافرين ، كقوله : (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) (المائدة ٧٨). وحرّفت هذه المزامير مثلما حرّفت التوراة ، وزيد فيها وأنقص منها. وقيل : كان داود لا يأكل إلا من عمل يديه ، كقوله : (أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) (سبأ ١١) ، ومحتمل أن أكله من عمل يديه أنه كان صاحب ورشة يعمل فيها العمال. والسابغات التى كان يصنعها هى الدروع السابغة أى الكاملة ، وكانت قبله صفائح ، فكانت ثقالا ، فأمر بالتقدير فيها بحيث تجتمع فيها الخفة والحصانة ، فلا تقصد الحصانة فيها فقط فتثقل ، ولا تقصد الخفة فقط فتزول المنعة ، والسرد حلق الدرع ، ولذلك يسمى صانع الدروع بالسرّاد ، وقال تعالى : (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً) (سبأ ١٣) ، والخطاب فى الآية لداود وأهله ، وشكرهم لما حباهم به ربّهم فقال : (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (١٠) (سبأ) ، وفضله تعالى عليه فى تسعة أمور : الأول : النبوة ؛ والثانى : الزبور أو المزامير ؛ والثالث : العلم ، قال تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ

١٠٥٤

وَسُلَيْمانَ عِلْماً) (النمل ١٥) ؛ والرابع : القوة ، فقال : (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ) (ص ١٧) ؛ والخامس : تسخير الجبال والناس ، قال : (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ) (سبأ ١٠) ، والسادس : التوبة ، قال : (فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) (٢٥) (ص) ؛ والسابع : الحكم بالعدل ، قال : (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِ) (ص ٢٦) ؛ والثامن : إلانة الحديد ، قال : (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) (١٠) (سبأ) ؛ والتاسع : حسن الصوت ، فقال : (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ) (سبأ ١٠) ، ويشبّه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تلاوة أبى موسى الأشعرى وحسن صوته بما كان عند داود فقال له : «لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود» ، والمزمار حسن الصوت ، وبه سميت آله الزمر. وقال تعالى : (سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ) (١٨) (ص) ، وتسبيحها ترديدها لتراتيله. وأهل الحكمة على القول بالاقتداء بداود وأن نتعلم الصنائع ، فالتحرّف لا ينقص من المناصب ، وهو زيادة فى الفضل ، ويحدث التواضع ، والاستغناء عن الغير وكسب الحلال تعبير عن الامتنان ، وفى الحديث : «إن خير ما أكل المرء من عمل يده ، وإن نبىّ الله داود كان يأكل من عمل يده». ورغم كل هذه الفضائل لداود ، فقد كان سليمان أعلم منه وأكثر حكمة ، يعنى أكثر إصابة فى اجتهاداته وأحكامه. وفى القرآن قضية الأغنام التى نفشت فى الحرث بالليل ، فحكم داود بأن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث ، والحرث إلى صاحب الغنم ، فلما خرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب قالا له : قضى بالغنم لصاحب الحرث. فتوجه سليمان إلى أبيه وقال له : يا نبى الله ، رأيت ما هو أرفق بالجميع ، فادفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وأصوافها ، وادفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه ، فإذا عاد الزرع إلى حاله فى السنة المقبلة ، يردّ كل واحد منهما ماله إلى صاحبه ، وسرّ داود لتساوى القيمتين ، فذلك قوله تعالى : (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) (الأنبياء ٧٩). فانظر يا أخى إلى عظمة قصة القرآن عن داود ، وعباراتها التى كلها حكم ، والدروس المستفادة منها ، وانظر إلى قصة داود كما تعرضها التوراة ، وينصرف اهتمامها إلى التفاصيل ، شأن الروايات المكذوبة ، فكلما زادت التفاصيل فاعلم أن الراوى يريد أن يثبت الكذبة بكذبة أكبر منها وهكذا. (انظر أيضا قصص جالوت ، وطالوت ، وسليمان).

* * *

٨٧٣. قصة داود وأوريا الحثى

تأتى هذه القصة فى القرآن من الأدب الرمزى ، يقول تعالى : (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى

١٠٥٥

بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) (٢٥) (ص). والخصم الذين تسوّروا المحراب ـ برواية التوراة ـ هما ملكان فى صورة إنسيين ، فعلا ذلك كى لا يراهما أحد ، فما درى داود وهو فى الصلاة إلا وهما بين يديه جالسين. وكان سبب ذلك حكاية بتشابع بنت اليعام امرأة أوريا الحثّى ، وكان داود عند المساء قد قام عن سريره يتمشى على سطح بيت الملك ، فرأى من السطح امرأة تستحم وكانت هى بتشابع ، وكانت جميلة جدا ، فأرسل يسأل من تكون ، وبعث من أحضروها له ، ودخل عليها ، ورجعت إلى بيتها. وحملت المرأة فأرسلت تخبر داود ، فأرسل إلى قائد جيشه ليرسل إليه زوجها ، ولمّا جاء استخبره عن الجيش والحرب ، ثم أرسله ليبيت فى بيته مع امرأته ، لكن أوريا رفض أن ينام مع امرأته بينما الجيش فى الحرب ، وأعطاه داود إجازة يومين ، فأصر أن لا يبيت فى بيته طالما زملاؤه فى الحرب ، وسهر معه وأسكره وأرسله إلى بيته فلم يفعل ، فاضطر داود أن يرسل كتابا معه إلى قائد الجيش يأمره أن يوجه أوريا إلى حيث يكون القتال شديدا كى يموت ، وفعلا قتل أوريا ، وعلم داود ، وناحت امرأة أوريا على زوجها ، ولما تمت أيام مناحتها ضمّها داود إلى بيته واتخذها زوجة ، وولدت له ابنا ، وساء ما صنعه فى عينىّ الربّ ، فجاءه النبىّ ناتان وقال له حكاية عن رجلين ، أحدهما فقير والآخر غنى ، وكان للغنى غنم وبقر كثيرة جدا ، ولم يكن للفقير سوى نعجة صغيرة ، اشتراها وربّاها وكبرت عنده مع بنيه ، وتأكل من لقمته ، وتشرب من مائه ، وترقد على حصيره ، وكانت عنده كابنته. وحدث أن نزل بالغنى ضيف فاستخسر أن يذبح له من غنمه وبقره ، واستولى على نعجة الفقير وذبحها ليقدمها للضيف. واستمع داود للقصة فغضب على الغنى ، وقال لناتان : إن هذا الغنى يستحق القتل! وحكم بأن يعطى الفقير ثمن النعجة أربعة أضعاف! فقال له ناتان : أنت هو الرجل. أعطاك الربّ كل شىء فلم تقنع ، وطلبت المزيد ، وفعلت المنكر ، وقتلت أوريا الحثىّ بالسيف ، وأخذت امرأته! وحكم عليه ناتان : أن لا يفارق السيف يديه إلى الأبد ، جزاء أنه ازدرى شريعة الربّ وأخذ زوجة غيره لنفسه بعد أن تآمر على قتله ، ولذلك سوف يأتيه الشرّ من داخل بيته ، وسيأخذ أزواجه غيره ، ولمّا كان قد فعل ما فعل خفية ، فإن الربّ يفعل فيه مثلما فعل مع «أوريا» فى العلن وعلى مرأى من جميع إسرائيل ، وفى وضح النهار ، وأن الابن الذى يولد له سوف يموت. وبالفعل مرض الابن ، وصام داود وارتمى على الأرض يتضرّع إلى الله ،

١٠٥٦

وظل كذلك أسبوعا ، ثم مات الصبى ، فقام وادّهن ، وارتدى ثيابه ، ودخل بيت الربّ فسجد ، وعاد إلى بيته فأكل ، وحار فيه عبيده وقالوا له : لمّا كان الصبى حيا صمت وبكيت ، ولمّا مات قمت وأكلت؟ فقال : لما كان حيا صمت وبكيت لعله يشفى ، فلما مات ، فلما ذا أصوم؟ هل أستطيع أن أردّه؟ وعزّى امرأته بتشابع وضاجعها ، فحملت وولدت ابنا سمّاه سليمان! (٢ ملوك ١١).

فهذه هى قصة التوراة عن داود مع بتشابع امرأة أوريا ، وما فعله ليصل إليها ، وكيف بنى بها وأنجب منها سليمان ، وداود فيها زان ، ومصرّ على الزنا ، وابنه سليمان ابن سفاح ؛ ورواية القرآن نقيض ذلك تماما ، وتصوّر مجمل القصة أجمل تصوير ، وتختصرها بلا إخلال ، وتركز أحداثها ، ثم تستنبط الدروس المستفادة من القصة وتنبّه إليها ، فلو لا أن الله غفور لكان داود قد لحقه دمار أى دمار بما فعل ، ولكن حسناته كانت أكثر من سيئاته ، وكان به علم وحكمة برغم كل شىء ، وتكفيه المزامير شفيعا له عند ربّه.

* * *

٨٧٤. الزبور كتاب داود

يأتى فى القرآن عن داود والزبور قوله تعالى : (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (١٦٣) (النساء) ، وقوله : (وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (٥٥) (الإسراء) ، والزبور عموما هو «الكتاب» من زبرت أى كتبت ، تقول : أنا أعرف تزبرتى ، أى كتابتى ؛ والجمع «زبر» كقوله تعالى : (جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ) (١٨٤) (آل عمران) ، وقوله : (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) (٥٢) (القمر). والزبور تقرأ مفتوحة الزاى أو مضمومة ، والأصل فى معناها أنها تفيد التوثيق ، أى أن الزبور هو الكتاب الموثق المضمون. وقيل : الزبور من الزّبر وهو الزّجر ، تقول : زبرت الرجل أى انتهرته ، وزبرت البئر أى طويتها بالحجارة. والزبور : هو الكتاب الصعب غليظ الكتابة. وقيل : الزبور ككتاب مقصور على الحكم العقلية دون الأحكام الشرعية ؛ والكلمة بحسب الأصول الأجنبية هى مزمور ، والجمع مزامير ، وهى الأناشيد التى تغنّى بمرافقة المزمار ، وكانت هذه الآلة أيام داود ، وكان يحب أن ينفخ فيها ويغنى بمرافقتها. ويتألّف المزمار من سبع أو ثمانى قطع من القصب مختلفة الطول ، وأكثر ما يستخدمه الرعاة فى الإنشاد أو الغناء فى الوديان. والمزمور له شكل الدعاء أحيانا وأحيانا أخرى له شكل الموال ، والكثير من دعاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كأنه مزامير يصحّ الإنشاد أو التغنى به.

ومزامير داود سفر من أسفار كتب العهد القديم ، واليهود يسمونه سفر المزامير ، أو كتاب الحمد ، ودعاه المسيح كتاب المزامير ، واشتهر باسم مزامير داود ، وورد به ١٥٠

١٠٥٧

مزمورا ، منها ٧٣ ينسبونها لداود. وتقسّم إلى خمس مجاميع أو خمسة كتب ، تنتهى كل منها بدعاء ، ويأتى فى نهاية اثنين منها لفظة آمين تتكرر مرتين ، وآمين لم تكن ضمن المتن ، ولكن جامعى الكتاب هم الذين أضافوها. متى؟ لا ندرى. وهذا التقسيم الخمسى يرمز إلى أسفار موسى الخمسة ، وكأن جامعى الكتاب أرادوا أن يجعلوا للمزامير مكانة كمكانة كتب التوراة الخمسة ، وهذه الأقسام تبتدئ بالمزامير ١ ، و ٤٢ ، و ٧٣ ، و ٩٠ ، و ١٠٧ على الترتيب. والقسم الأول منها ٣٧ مزمورا لداود ، أربعة منها ، وهى ١ ، ٢ ، ١٠ ، ٣٣ ، لمؤلفين غير معروفين ، ويدعونها لذلك المزامير اليتيمة. والقسم أو الكتاب الثانى يتضمن ٣١ مزمورا ليس منها شىء لداود ، وكذلك القسم الثالث يتضمن ١٧ مزمورا ليس منها شىء لداود ، والرابع ١٧ مزمورا من ٩٠ إلى ١٠٦ ، منها مزمور واحد لموسى هو المزمور ٩٠ ، ومزموران لداود هما : ١٠١ و ١٠٣ ، والبقية لمؤلفين غير معروفين. والخامس ٤٤ مزمورا ، منها ١٥ لداود ، وواحد لسليمان ، والباقى لمؤلفين غير معروفين. فهذه ١٤٦ مزمورا فقط ، منها خمسون مزمورا لداود. وبعض المزامير يتكرر ، وبعض خواتمها فى غير أماكنها. ومن الواضح أن كل محاولات الجمع والإضافة والتأليف والتحريف وغيره قد تمّ بعد سبى بابل ، أيام عزرا ، ولذا يلاحظ أن العواطف والمشاعر التى تعبر عنها المزامير ليست واحدة ولكنها بأساليب متغايرة ، وتتوافق مع أحداث على مر أزمان عديدة منذ عصر داود إلى ما بعد السبى ، أى نحو الألف سنة أو أكثر ، ومنها ما لا يمكن فهمه. وقسّموها بحسب موضوعاتها إلى : مزامير الحمد والتسبيح ، ومزامير الشكر ، ومزامير التوبة ، ومزامير الدعاء ، ومزامير أساسها وعود الله ، ومزامير تعليمية.

وكما ترى فإن كتاب الزبور ، أو المزامير الحالية ، ليست كلها لداود ، وليست جميعها على وتيرة واحدة وبأسلوب واحد ، ومع ذلك فهى دعوات للخير وإن كان التعصب فيها للإسرائيليين شديد ، ولكنها تصلح للدعاء لأى جماعات أو أفراد من أية ديانات مع تعديل بسيط.

* * *

٨٧٥. هل اقتبس القرآن من مزامير داود

يأتى فى القرآن : (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (١٠٥) (الأنبياء) ، والمستشرق هوروفتس على القول بأن القرآن اقتبس الآية من مزامير داود ، وأنها تكاد تكون طبق الأصل للعبارتين منها : «إن الذين يباركهم يرثون الأرض» (٣٦ / ٢٢) ، «والصدّيقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد» (٣٦ / ٢٩). وفارق بين

١٠٥٨

الصياغتين العبريتين والصياغة العربية ، فأولا نسب القرآن المعنى للزبور ، وقال : «كتبنا» أى أن الأمر وحى من الله ، و «الذكر» هو التوراة ، فالقضية سواء بطرح التوراة أو الزبور (المزامير) أو القرآن ، الأصل فيها الله ، ونسبة العبارة للمزامير دليل على صدق القرآن ، وهى له وليست عليه ، وكان الأحرى بهوروفتس أن يصدّق القرآن ، طالما أن القرآن يصدق ما قبله : (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) (البقرة ٩٧) ، أى نزل مصدّقا لما سبقه من التنزيل. وما كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد اطّلع على ترجمات للمزامير ، فأول ترجمة لها بالعربية كانت فى القرن الثانى الهجرى ، فكيف كان يتسنّى لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يعرف ما فى المزامير؟ ثم إن المزامير ١٥٠ مزمورا ، منها ٧٣ فقط نسبت لداود ، ومنها المزمور ٣٦ الذى قيل إن العبارة السابقة منه ، يعنى أن القرآن يصدق مرة ثانية فى نسبة العبارة للزبور الذى هو كتاب داود فلم يخطئ ونسب إلى داود شيئا لم يقله ، ومزامير داود هو هذه المزامير التى عددها ٧٣ دون غيرها من المزامير المضافة عليها مجهولة المؤلف. وثمة اختلاف آخر : أن عبارتى المزامير بشارة للأخيار الذين يباركهم الربّ ، والكلام فى المزمور كله عن استئصال الأشرار وتمكين الأخيار. وأما فى الآية القرآنية : فالكلام قضية منطقية كلية صادقة ، يقول : (الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (١٠٥) ، ويقول بعدها : (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (١٠٧) (الأنبياء) ، فجعل هذه القضية من قضايا الإعلام الإسلامى ، ينبّه إليها الجميع ، وكان بلاغ توريث الأرض أحد البلاغات الكثيرة الصادرة عن الله تعالى خلال بعثة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وجعل توريث الأرض للصالحين أصلا من الأصول فى السياسة الإسلامية ، وفى الاقتصاد والحكم ، وجعل الصلاح سببا لاستحقاق الوراثة ، فلم يجعلها بالعصب وإنما بالصلاح. ووجّه البلاغ للعالمين ليحيطوا به علما ، ولتعمل بمتقتضاه جماعة المؤمنين ، وفى ذلك كل الرحمة بهم ، وكان المبلّغ بها ـ وهو محمد ـ بمقتضى هذه البشارة والنذارة معا التى حمّلها ، رحمة للعالمين كذلك. فهل مثل هذه المعانى السياسية والتربوية والاقتصادية مما يمكن أن يتضمّنه نصّ المزمور؟ والجواب بالنفى وإنما هو مجرد نصّ بدلالة ضحلة ، والقرآن وسّع دلالته وصنع من عبارتى المزمور ومن غيرهما علما استنباطيا إضافيا هو علم الإسلام السياسى.

* * *

٨٧٦. الإسرائيليات فى تفسير آية توريث الأرض للصالحين

الآية : (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (١٠٥) (الأنبياء) مصدر خلاف بين المفسرين لغلبة الإسرائيليات على توجهات الكثيرين منهم من

١٠٥٩

القدامى ، قالوا : إنه طالما أن الآية ذكر فيها الزبور فالمقصود بعبادى الصالحين اليهود الصالحون ، والأرض على ذلك هى الأرض المقدسة. ذكر ذلك الماوردى. وقال آخرون إن الأرض هى الجنة ، وقال أهل الإسلام إن الآية عامة ، وإن الأرض هى أرض الأمم الكافرة يرثها المؤمنون عامة : (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها) (الأعراف ١٣٧) ، وذلك هو الصحيح وليس أن الأمر قاصر على اليهود الصالحين دون غيرهم كما تزعم الإسرائيليات ، وهو أيضا واقع الحال والمشاهد عبر التاريخ : أن صلاح الأمم يكون معه علوها وسيادتها.

* * *

٨٧٧. نموذج من زبور داود من سفر المزامير

يقول داود : التّقىّ من لم يجالس المنافقين ، ولم يعاشر الخطّائين ، ولم يجد نفسه مع المستهزئين بالدين ، وهواه مع كتاب الله يتلوه بالليل والنهار ، وهو كالشجرة المزروعة على مجرى الماء ، تؤتى ثمرها فى أوانه ، وورقها لا يذبل ، ونقيض ذلك المنافق ، وطريقه طريق الهلاك.

ويقول : يا أيها الملوك تعقّلوا ، واتّعظوا يا قضاة الأرض ، واعبدوا الربّ بخشية ، فطوبى للمعتصمين بالله.

ويقول : ب السلام اضطجع وأنام ، لأنك أنت يا ربّ وحدك فى طمأنينة أنزلت علىّ السكينة. إنّ سافك الدماء والماكر يمقته الله. فابعدوا عنى يا جميع فاعلى الإثم ، فإنى فى كل ليلة أبكى وتغرق دموعى سريرى ، وإن جسمى ليذبل من الكرب ، وما أعانى من الندم أهرمنى ، فاسمع يا ربّ تضرّعى ، واقبل صلاتى ، وخلّصنى من مضطهديّ ، ونجّنى من الشرير الذى يحفر الآبار فلا يسقط فيها إلا هو ، وضرره يرتد على نفسه ، وعلى هامته يقع جوره.

ويقول : يا ربّ ، يا سيدى ، ما أعظم اسمك فى كل الأرض. فأنت ملجأ الملهوف ، وملاذ من يعانى الضيق ، والعارفون بك يتوكلون عليك ، ولم تخذل من دعوك ، ومن نسى الله نساه ، وفى الجحيم أرداه ، وليس على الدوام ينسى المسكين ، ولن ينقطع رجاء البائسين.

ويقول : أحبّك يا ربّ ، يا قوتى ، وصخرتى ، وملجئى ، ومنقذى. أثابنى الربّ بحسب برّى وطهارة يدى ، لأنى لم أعصه ، فأحكامه أراعيها ، وسننه لا أحيد عنها ، فأثابنى الربّ بحسب برّى ، وأنت يا ربّ سراجى ومنير ظلمتى.

* * *

١٠٦٠

قصة سليمان بن داود

٨٧٨. سليمان فى التوراة والقرآن

فى التوراة : سليمان «ملك» وإن كانت له أسفار باسمه ضمن كتب العهد القديم ؛ وفى القرآن : سليمان «ملك نبىّ» أوحى إليه كما أوحى إلى النبيين ، كقوله تعالى : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ) (النساء ١٦٣) ؛ وسليمان : اسم عبرى ، ومعناه «الذى أسلم أمره لله» ، وكان ابنا لداود وخلفه على عرش إسرائيل ، وظل يحكم مدة أربعين سنة ، قيل هى أطول فترة حكم لملك من ملوك إسرائيل ، وهو ثالث ملك لها ، وكان الأول طالوت ، ثم داود ، ثم سليمان. وأصل سليمان بالعربية من السلم ، يقال : قوم سلم ، أى مسالمون ، وتسلّم ، وأسلم ، وتمسلم أى صار مسلما. والسلام من التسليم ، كالكلام من التكليم. وفى العربية تحرّف سليمان إلى سلمان ، وكان سلمان الفارسى مثلا من كبار الصحابة. وكانت أم سليمان تشابع ـ بحسب التوراة (ملوك أول / ١١ ١) ـ زوجة لأوريا الحثّى ، وشغف بها داود ، فاحتال على زوجها فقتل ، وتزوجها وأنجب منها سليمان ، وكانت المفضلة على نسائه ، فجعل ابنها خليفته على ملكه (ملوك أول ١ / ١١ ـ ٥٣) ومعنى تشابع أنها «المعاهدة» ، قيل أنها رفضت الزواج من داود إلا إذا أقسم لها أمام أحبار إسرائيل أن يجعل ابنها منه لو حملت ، ملكا على إسرائيل ، وكانت حيثية كزوجها السابق ، واسم تشابع هذا جاءها بعد زواجها من داود ، وتلعب الأسماء عند اليهود دورا كبيرا فى رسم حظوظ أصحابها ، فمثلا اسم داود يعنى عندهم «المحبوب» ، أو «محبوب الله» ، أو «حبيب الله» ، فأطلق داود على ابنه سليمان اسم «يديديا» ، ويعنى أيضا «محبوب الله» أو «حبيب الله» (٢ صموئيل ١٢ / ٢٤ ـ ٢٥) ،. وكان المربى والمعلّم لسليمان نبيا يدعى ناتان ، وبدأ سليمان حكمه بالزواج من ابنة فرعون مصر ، (٣ ملوك ٣ / ١) ، ولننتبه إلى أن اسم فرعون فى التوراة لا يعنى ملك مصر ، وإنما المقصود به الملك من ملوك إقليم جاسان من أقاليم مصر ، وكان كثيرا ما تغير عليه القبائل والأمم من الشرق ، وأبرز هؤلاء كان الأشوريون والعبرانيون ، فكان ملوك جاسان من أرض مصر من الأجانب ، فهو ليس مصريا ، وكانوا آشوريين غالبا ، واليهود أطلقوا عليهم اسم «الهكسوس» ، وسليمان صاهرهم ولم يصاهر المصريين ، وكانت زيجات سليمان كثيرة من كل الأجناس ، حتى بلغ عددهن سبعمائة زوجة وثلاثمائة سرية (٣ ملوك ١١ / ٣)!! وفى أسفار اليهود أنه كان يؤمن بإله اليهود ، ولكنه يقرّ بآلهة الأغيار ، فلكل شعب إلهه ولا إكراه فى الدين ، وكل زوجة

١٠٦١

أجنبية من زوجاته كان لها إلهها ، واحترام آلهة الأغيار هو احترام لإله اليهود ، لأنه دعوة لغير اليهود أن يحذو مع إله اليهود حذو اليهود ، وحذو سليمان مع آلهتهم. وصورة سليمان فى كتب اليهود بخلاف صورته فى القرآن ، فهو من ذرية إبراهيم ، ومن المحسنين (الأنعام ٨٦) ، وآتاه الله العلم ، وفضّله على كثير من المؤمنين ، كقوله تعالى : (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (١٦) (النمل) ، قيل : ورث سليمان نبوة داود وملكه ، ولو كانت وراثة مال لكان جميع أولاد داود فى المال سواء ، ولانقسم المال بعددهم ، ولكنها كانت وراثة نبوة ، فلم تكن فيها أولويات للأكبر سنا. والأنبياء لا يورثون المال ولكنهم يورثون النبوّة والحكمة ، وفى الحديث : «إنا معشر الأنبياء لا نورث» ، ونحوه : «العلماء ورثة الأنبياء». وكان سليمان أعظم ملكا من داود ، وأقضى منه (انظر قصة سليمان وداود وغنم الحرث) ، إلا أن داود كان أشد تعبّدا من سليمان ، ولم يحدث أن سخر الله لملك ما سخّره لسليمان من الإنس والجن ، والطير والوحش ، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين. وقام سليمان بعد أبيه بشريعة موسى ولم ينسخها بالرغم من أنه نبىّ ، وكذلك فعل داود ، إلى أن بعث المسيح فنسخها. وكان علم سليمان بمنطق الطير ، أى بأصواته وما يمكن أن تعنيه ، والدراسات فى ذلك الآن كثيرة فلا غرابة فى ذلك ، قال تعالى : (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (١٧) (النمل) ، والحشر هو : الجمع ، وكانوا من كثرتهم يوزعون ، أى يكفّون ويردّ أولهم إلى آخرهم ، والتوزيع بمعنى التفريق ، والوازع هو السلطان ، والناس لا بد لهم من وازع يزعهم ، والوزعة هى التى يوزع بها ، ومن أقوال عثمان بن عفان : «ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن» ، يعنى حدود القرآن تردع الناس أكثر مما تردعهم قدرة السلطان. ومن أجمل القصص القرآنى قصة النملة مع سليمان وجنوده (انظر قصص القرآن) ، قالت لأخواتها : (ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (١٨) (النمل) ، ففهمها سليمان وتبسّم ضاحكا لقولها «وهم لا يشعرون» ، إشارة إلى الدين والعدل والرأفة. والنمل له منطق ، والدراسات فى حركاته وإشارته كثيرة ، وهى لغة من لغات الحشرات ، وجميعها تتفاوت لغاتها بتفاوت أفهامها ، والعلماء على القول بأن أعقل الطير هو الغراب ، وأعقل الحشرات النمل والنحل ، وأعقل الحيوان الحمار. ويستوجب هذا العلم الشكر من سليمان ، فقال فى دعائه : (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) (١٩) (النمل). وقصته الأخرى كانت مع الهدهد ، فلمّا افتقده جاء إليه يعتذر أنه أحاط بما لم يحط به ، وتلك دلالة على أن فوق

١٠٦٢

كل ذى علم عليم ، وما لم يحط به هو عبادة أهل سبأ وملكتهم للشمس من دون الله ، فقال سليمان : (سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) (٢٧) (النمل) ، وذلك دليل على أن الحاكم عليه أن يقبل العذر. وسبأ مدينة باليمن ، والهدهد طير معروف ، وهدهدته صوته ، وتهديد سليمان له تطبيق للقاعدة الشرعية : أن الحدّ على قدر الذنب لا على قدر الجسد. ـ وقوله : (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) (النمل ٢٣) ، كانت المرأة هى بلقيس ، والاسم يونانى ، وأطلق المسيح عليها ملكة التيمّن ، وعبادة الشمس كانت هى العبادة السائدة عند الكثير من الشعوب. وأرسل إليها سليمان كتابا يدعوها وقومها إلى الله الواحد ، ولأول مرة يأتى ذكر «بسم الله الرحمن الرحيم» يبدأ بها كتاب ، فتكون من بعد هذه السورة فاتحة كل شىء ، ومن حكمة بلقيس لجوؤها إلى المشورة ، وقولها المأثور : (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً) (النمل ٣٤) ، واستعان سليمان عليها بالجن ، والعفريت هو الرئيس من الجن ، والجن يعنى الشاطر الأريب ، ولذلك أخذوا منها فى اللغات الأوروبية اسم genius ، يعنى العبقرى ، يعنى من آل عبقر وهم قوم من الجن ، وكانت الجن أو الجنّى genie ، تعمل لسليمان ما شاء من محاريب وتماثيل وجفان وقدور ، ومما اشتهر فى ذلك خاتم سليمان ، ذكرته قصص ألف ليلة وليلة ، وكان إذا دعك عليه صاحبه يأتيه عفريت من الجن يلبى له ما يشاء ، قيل اسمه آصف ، ولمّا توفى سليمان وجدت فرقة من اليهود تعلّم السحر بعده ، بدعوى أن السحر كان علم سليمان ولا شىء سواه : (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ) (البقرة ١٠٢) ، فالشياطين للطافة جوهرهم ، ودقة أفهامهم ، استخرجوا علما يغيّرون به الأشياء بسرعة أكثر من سرعة البشر ، وبدقة أكثر ، فذلك ما علّموه لهاروت وماروت ، فكانوا يعلّمان الناس بدورهم أحاجى يفرّقون بها بين المرء وزوجته ، فهل كانت أحاجيهم تفعل فعلها وتؤتى ثمارها؟ يقول القرآن : (وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) (البقرة ١٠٢) ، أى بإرادته وقضائه لا بأمرهم. وإذن فلم يكن سليمان يستعمل السحر ، ولا كان يتعلمه ، ولا كان يعلّمه وكما قال تعالى : (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) (البقرة ١٠٢) ، لأنهم بعده صاروا يعلمون السحر ولا يزعهم أحد. وأما سليمان فكان التّقىّ ، وقال تعالى فيه : (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (٣٠) (ص) وأوّاب يعنى مطيع ، والسبب فى وصفه بهذه الصفة فى قوله تعالى : (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ) (٣٣) (ص) ، والصافنات الجياد هى الخيل ، جمع جواد ،

١٠٦٣

يسمى به الفرس إذا كان شديد العدو ، والعرب يعاقبون الراء واللام ، فيقولون الخيل ، ويقولون الخير ، والمعنى أنه أحبّ الخيل حبا ألهاه عن ذكر ربّه حتى توارت الشمس وجاء المغرب ، ففاتته صلاة العصر ، وكان من قبل يستعرض الخيل ويتلهّى بها ، فلما أدرك فوات وقت العصر أمر فردوها عليه ـ أى الخيل ، وأمر بضرب عراقيبها وأعناقها حتى لا تشغله بعد ذلك عن الصلاة ، فذلك قوله تعالى : (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) (٣٠) (ص). وقيل إنه لمّا نسى الصلاة سلبه الله ملكه أياما بعدد الخيل التى قتلها ، وعاقبه فقال : (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (٣٥) (ص) ، والفتنة هى الابتلاء والعقاب ، قيل جرّده من خاتم ملكه ، فحكّم فيه «آصف» العفريت الذى كان يأتمر به ، حتى أنه صار جسدا بلا روح ، ومرض مرضا شديدا ، فدعا ربّه أن يغفر له ويعوّضه خيرا ، وطلب الدنيا وكان أحق به أن يزهد فيها ، وقيل إنه سأل مملكتها لله ، كما سأل نوح دمارها وهلاكها لله ، فكانا محمودين مجابين. وطلبه للدنيا إنما ليؤدى فيها حق الله ، ويقيم سياسة ملكه على تقواه ، ويحافظ على رسومه ، ويعظّم شعائره ، ولما قال : (وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) (ص ٣٥) قال له ربّه : (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ) (٤٠) (ص) ، يعنى قد أعطاه سؤله ، فليعط هو أيضا من يشاء وليمنع من يشاء ، ولا حساب عليه فى ذلك ، وليعتق من يحب ، وليخلى من يريد من الشياطين ، وليمسك من يرى إمساكه ، فهذه نعم الله عليه فى الدنيا ، وله فى الآخرة القربة وحسن المرجع ، قال : (فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ) (١٤) (سبأ) ، و «دابة الأرض» هى الأرضة ، و «المنسأة» هى العصا ، وكان هؤلاء الجن أو العمال المهرة يعملون فى مشروعاته الكثيرة بينما يراقبهم ، فمات فى مكانه مستندا إلى عصاه وظل كذلك إلى أن أكلت الأرضة العصا فمالت ومال جسمه ووقع على الأرض جثة هامدة. فلما خرّ تبينوا موته ، ولو كانوا يعلمون الغيب لعرفوا بموته من قبل ولما ظلوا فى السّخرة والبنيان يعملون. ودفن سليمان بمدينة داود ، ومن مآثره «سفر الأمثال» وهو مجموعة من الحكم الدنيوية والدينية ، و «سفر الجامعة» ، والجامعة اسم قلمي تكنّى به سليمان ، وكله أمثال ، و «سفر نشيد الأناشيد» ، وقيل إن الأسفار الثلاثة بعض ما كتب ، وأن الذى ضاع كثير. (انظر أيضا ضمن قصص القرآن قصة المرأتين المتنازعتين على الطفل ، وقصة غنم القوم والحرث ، وقصة هاروت وماروت ، وقصة داود وما جرى منه مع امرأة يوريا أو أوريا الحثّى).

* * *

١٠٦٤

٨٧٩. قصة ملكة سبأ وسليمان

سبأ : مدينة تعرف بمأرب باليمن ، بينها وبين صنعاء دقائق من الزمان ، وملكتها التى وردت قصتها مع سليمان فى القرآن هى بلقيس ، ولا يذكر القرآن اسم بلقيس ، وكذلك لم تذكره القصة فى الفصل العاشر من سفر الملوك الثالث من أسفار اليهود ، وقيل إن الاسم «بلقيس» إغريقى وليس عربيا ولا عبريا ، وقيل هو اسم من لغة حمير. وقصة التوراة لا شىء فيها بالمرة ، فلا تبشير بدعوة ، ولا جهاد فى سبيل الله ، وشخصية سليمان فيها ، وكذلك بلقيس ، مسطحة للغاية ، وقصتهما قصة اثنين من الأغنياء ، فالملكة حضرت إلى أورشليم فى موكب ، وجاءت لتختبر سليمان ، ومعها جمال تحمل أطيابا وذهبا وحجارة كريمة. وسألت سليمان عن أشياء فسّرها لها ـ ما هى؟ لا نعلم. وأطلعها الملك على غناه الفاحش ، وثرائه العريض ، والرفاهية والعز اللذين ينعم بهما ، وكل ما قالته فى سليمان هو الثناء عليه ، وأن الله لمّا أحب إسرائيل جعله عليها ملكا ، وأن سليمان أجرى الحكم بالعدل ، وتبادل الملك معها الهدايا وانصرفت إلى بلادها. فما ذا أفدنا من القصة؟ لا شىء ، سوى أن بلقيس جاءت إليه مثل غيرها من الملوك ، لتسمع حكمته التى أودعها الله فى قلبه.

وأما قصة القرآن فتأتى فى سورة النمل ، وكلها مواعظ وحكم ، وتبدأ بتفقّد سليمان للطير ، واكتشافه غياب الهدهد ، ثم يجيء الهدهد فيقف غير بعيد ، ويقول للملك إنه قد جاءه بما لم يحط به علما ، وأن ما جاءه به هو النبأ اليقين عن مملكة يقال لها سبأ ، فقد رأى الهدهد لدهشته وتعجّبه أن الملكة وشعبها يسجدون للشمس ، ويجحدون الله الذى له ملكوت السماوات والأرض ، ويعلم غيبهما وشاهدهما ، وما يخفى الناس وما يعلنون ، وهو الله الذى لا إله إلا هو ربّ العرش العظيم. وعبادة الشمس كانت عند الكثير من الشعوب القديمة ، ومنها قدماء المصريين ، وأهل اليمن ، وفى أوروبا كانت الشمس لها عبادة ، وتسمية يوم الأحد بيوم الشمس Sunday ، لأنه يوم عبادة إله الشمس ، وكذلك عبد الإسرائيليون الشمس ، وفى التوراة أن الملك منسّى أدخل عبادتها فى يهوذا على نسق ما كانت عليه عبادتها فى آشور ، وكانت آشور وبابل تعبدان الشمس باسم «شمش» (٢ ملوك ٢١ / ٣ ـ ٥). ومنسّى هو الذى أحرق للشمس البخور (٢ ملوك ٢٣ / ٥ ـ ١١) ، وجعل باسمها خيلا وعجلات. وأما سليمان فكانت له من الزوجات سبعمائة ، ومن السرارى ثلاثمائة (١ ملوك ١١ / ١ ـ ٨) ، فأملن قلبه عن الدين القديم ، فبنى المعابد للآلهة التى كان نساؤه يتعبّدن لها ، ومن ذلك عبادة الشمس. وهذه الصور التى ترسمها كتب اليهود

١٠٦٥

لسليمان ، تختلف عما فى القرآن تماما ، وصورته فى القرآن تنزّهه عن هذا الخلط ، وترفعه مكانا عليا ، وتجعله إماما فى التوحيد ، وتقدّم قصته مع ملكة سبأ كنوع من الجهاد وكداعية إلى الله. والهدهد فى القصة ، بمثابة جهاز الاستخبارات للملك ، ويقدّم صورة دقيقة لأحوال مملكة سبأ التى تحكمها هذه الملكة ، وكان من غير المألوف أن يكون الحكام من النساء ، وما كان سليمان يعرف مكانها ولا حقيقة أمرها ، وعرفها الهدهد ، فالحال فى المعرفة للمطّلع وليس للأعلى مكانة ، والله يأمر بالسير فى الأرض لنعرف ، والهدهد ترك فلسطين إلى اليمن وهو من الطيور المهاجرة ، ومن أجل ذلك عرف ، وأحاط بما لم يحط به سليمان ، وهذا دليل على أن الأنبياء لا يعلمون الغيب ، والهدهد وصف ما جاء به من معلومات بأنها نبأ يقين ، لأنه عن معاينة ورآه رأى العين. وربما يتمشّى قوله : (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) (النمل ٢٣) ، ومع تأكيد التوراة أن سليمان كان به ميل للنساء ، وحول علاقته ببلقيس نسجت أساطير وحكايات تزوّجه منها ، أو من آخرين ، وقيل عاشت معه فى الشام ، أو أنه ردّها إلى اليمن ، وهذه الصورة الشعبية لها تتنافى مع كل الحكمة التى صورها بها القرآن ، ونسب المبتدعة إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» ، وعلى عكس هذا الحديث كان فلاح قوم بلقيس بولايتها لهم ، ثم إن المرأة فى الإسلام اشتغلت بالقضاء ، وكانت لعائشة مدرسة فى الفقه تخرّج عليها ما يزيد على الثلاثمائة من المحدّثين والرواة والدعاة ، وشاركت النساء فى المجهود الحربى ، ومارسن الطب ، فلما ذا لا تشتغل المرأة بالحكم؟ والدليل أن المرأة يجوز أن تحكم ، أن الغرض من الأحكام تنفيذ القاضى لها ، وسماع البيّنة عليها ، والفصل بين الخصوم فيها ، وذلك ممكن للمرأة كإمكانه للرجل. ودليلنا نجاح بلقيس كملكة ، حتى قال الهدهد فيها مبالغا : (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) (٢٣) (النمل) ، أى وأوتيت كل شىء مما تحتاجه كملكة ، وكان عرشها ، أى ملكها ، عظيما. فإذا كان الهدهد قد وصف عرشها بالعظمة كوصف عرش الله بالعظمة ، فإن عظمة عرشها كان بالمقارنة بعظمة مثيله من عروش الملوك ، وأما عرش الله فإنه عظيم بالنسبة لما خلق من السموات والأرض ، وكلّ له عظمته فى مجاله. والشيطان قد زيّن لهم أعمالهم ، وأن يسجدوا للشمس ، وكان الأولى بهم أن يسجدوا لله ولكنهم لم يهتدوا إليه ، وإنها لسخرية أية سخرية أن يعلم الهدهد عن الله ويوحّده ولا يعلم عنه هؤلاء ، وربما كان علم الهدهد به تعالى بفضل سليمان ، فقد كان سليمان نبيا ورسولا إلى جماعات الطير والجن والإنس فى زمنه. ولم نعرف لغة كتاب سليمان إلى بلقيس ، وفهمته رغم إيجازه وقدّرت ما فيه ، وكانت عند مستوى المسئولية ،

١٠٦٦

وناشدت قومها الفتوى ، وأكدت أنها لا تقطع بأمر دون مشورتهم ، وأفتوها بأنهم أولو قوة وبأس ، وأن الأمر إليها فلتنظر ما ترى ، فذكرت عبارتها المشهورة : (إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً) (النمل ٣٤) ، وأمّن على ذلك قومها وقالوا : (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) (النمل ٣٤) ، أو أن هذا كلام الله تصديقا لما قالت ، وكأنها كانت تنطق عن وحى. ورأت أن تحتال للأمر وتسبر أغوار سليمان ، بأن ترسل له هدية ، ولا بد أن الهدية مما يناسب المهدى والمهدى إليه ، وأنها كانت شيئا عظيما جدا ، فإن قبل الهدية فهو مجرد ملك عادى به الضعف الإنسانى أن يرشوه الناس ، وإن لم يقبلها وردّها فهو نبىّ حقيقة ، وفى الحالتين بوسع الملكة أن تحدّد كيف تتعامل معه. وما كان يمكن أن يقبل سليمان هديتها وهى تتوخى بها الظهور عليه ، وإلا فالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقبل الهدية ولكنه يثيب عليها ، أى يهدى مثلها ، وفى الحديث الموضوع قيل على لسانه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «نهيت عن زبد المشركين» ، ويناقضه قبوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم هدية مقوقس مصر ، ولو لا أن سليمان رأى فى الهدية صرفا عن الموضوع الأصلى وهو كفر بلقيس وقومها ، لقبلها ، والهدية مندوب إليها ، وتورث المودة ، وتذهب العداوة ، وفى الحديث الصحيح : «وتهادوا تحابوا» ، وروى أيضا : «تهادوا فإنه يضعّف الود ويذهب بغوائل الصدر» ، وفى رواية أخرى : «تهادوا بينكم فإن الهدية تذهب السّخيمة» ، والسخيمة هى الغل. وكان رفض سليمان للهدية باتا ، واستغنى عنها بما وهبه الله وفضّله ، وأنذر بلقيس ، واستعدى الجن أن يأتوه بعرشها هذا العظيم نكاية فيها ، وقبل أن تأتيه وقومها مسلمين ، لأنها لو أسلمت لحظر عليه مالها فلا يؤتى به إلا بإذنها. ولم يتقيّض له أن يأتى به إلا إنسان ليس من الجن كان عنده علم بالكتاب ، أى كان صدّيقا يحفظ اسم الله الأعظم الذى إذا سئل به أعطى. وقوله : (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) (النمل ٤٠) صار مثلا يقال لتحقيق المعجزات. وتحقيق الأمنية لسليمان استوجب منه الشكر لله ، واعتبره ابتلاء منه تعالى ، لينظر أيشكره سليمان أم يكفر ويبطر ويتكبّر ويستعلى ، وزاد سليمان فقال هذه الحكمة : (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (٤٠) (النمل). وسأل الجن أن يغيّروا لها العرش ، فلما جاءت اشتبه عليها ، وعرفت أن ما قيل فى سليمان أن الجن مسخّر له صحيح ، فقالت : (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ) (النمل ٤٢) يعنى كانت تعلم صحة نبوته قبل هذه الآية فى العرش ، فجاءت راضخة. وما كان يصدّها عن عبادة الله إلا عبادتها للشمس من قبل ، فلمّا دخلت القصر الممرّد ـ أى المرتفع كالمارد ، المبنى من القوارير ، أى الآنية ، وظنت أرضيته المصنوعة من الزجاج ماء ، رفعت ثوبها ، فانكشف ساقاها ، وفى ذلك كلام كثير من الأدب الشعبى ، وبهرها ما رأت فزاد إيمانها بسليمان ، وبربّ سليمان الذى أمكنه من كل ذلك ، وتحسّرت

١٠٦٧

على نفسها أنها ظلت تعبد الشمس وتظلم نفسها ، وأعلنت عن إسلامها جهرة ؛ قالت : (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) (٤٤) (النمل) ، وهكذا تنتهى قصة بلقيس مع سليمان ، وكانت قصة لنبىّ فى موقف من مواقف الحياة ، يحب الناس أن يطّلع فيها عما يكون من تصرّف الأنبياء مع نساء من أمثال بلقيس ، وإذا كانت بلقيس قد أسلمت ، فقد أفلح سليمان ونجح فى الامتحان ، وسلّمه الله من تجربة لم يتهمه فيها أحد رغم كل ما قيل فيه فى التوراة عن حبّه للنساء من كافة الأجناس من غير الإسرائيليات ، ومن كان يتعلق بهن حبّا لهن ، حتى أنه ضرب رقما قياسيا فى عدد من تزوجهن واشتراهن إماء ، ولم يحدث أن كان لرجل مثل هذا العدد من النساء ، لا فى الماضى ولا فى الحاضر! (الملوك الثالث ١١ / ١ ـ ٢) ، فشتّان إذن بين صورة القرآن عن سليمان وبين صورته فى التوراة!. والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٨٨٠. قصة الغنم والحرث وأن قضاء سليمان أفضل من قضاء داود

يقول تعالى : (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) (الأنبياء) ، أى واذكرهما إذ يحكمان كلّ على انفراد ، وكانت القضية حول زرع ، قيل كان كرما نبتت عناقيده ، وفلسطين مشهورة بالكرم ، فرعت فيه ليلا غنم قوم ، والنّفش هو الرعى بالليل ، يقال : نفشت بالليل ، وهملت بالنهار ، إذا رعت بلا راع. وقال لحكمهم ولم يقل لحكمهما مع أنهما اثنان : داود وسليمان ، إلا أنه كان معهما الطرفان الآخران : المتهم والمدّعى. ففهّمها سليمان ـ أى القضية ، وفضل حكم سليمان حكم أبيه ، وذلك أن داود رأى أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث ، وأن يدفع الحرث إلى صاحب الغنم وينتهى الإشكال. وخرج الخصمان على سليمان وكان يجلس على الباب ، ولم يعجبه حكم أبيه ، فأتاه وقال : يا نبىّ الله! إنك حكمت بكذا وكذا ، وإنى رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال : ما هو؟ قال : أن يدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بألبانها وصوفها وسمونها ، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ، ليقوم على الحرث حتى السنة المقبلة ، عند ما يعود الزرع إلى حاله كما كان قبل أن تتلفه الغنم ، فحينئذ يردّ إلى كل واحد منهما ماله. فأعجب الحكم داود ، وقال : وفّقت يا بنى ، لا يقطع الله فهمك! وقضى بما قضى به سليمان ، لأن قيمة ما نال صاحب الحرث من الغنم مساوية لقيمة ما نال صاحب الغنم من الحرث. وهكذا أصاب سليمان وأخطأ داود ، وثبت أن حكم سليمان أفضل من حكم داود ، لأن علم سليمان أكبر من علم داود ، وحكم سليمان بوحى من الله نسخ حكم داود.

* * *

١٠٦٨

٨٨١. قصة البغيتين والطفل وأن قضاء سليمان أفضل

يقول تعالى : (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) (الأنبياء ٧٩) ، يعنى أن حكم سليمان كان يفضل حكم أبيه داود ، ومن ذلك حكمه فى البغيتين وتنازعهما على الطفل ، فقد جاءتا سليمان ، ووقفتا بين يديه ، وقالت إحداهما : إلىّ يا سيدى ، إنى وهذه المرأة مقيمتان فى بيت واحد ، فولدت أنا فى البيت ، وفى ثالث يوم من ولادتى ولدت هذه المرأة ، وكنا معا وليس معنا فى البيت غيرنا ، فمات ابن هذه المرأة فى الليل لأنها اضطجعت عليه ، فقامت عند منتصف الليل فأخذت ابني من جانبى ، وكنت نائمة ، وجعلت ابني فى حضنها وابنها الميت جعلته فى حضنى ، فلما قمت بالغداة لأرضع ابني إذا هو ميت ، فتفرّست فيه فى الصباح فإذا هو ليس ابني الذى ولدته ، فقالت امرأة الأخرى : كلا بل الحىّ هو ابني ، والميت ابنك! فقالت تلك : لا ، بل ابنك الميت وابني الحىّ. وكانتا تتكلمان بين يدىّ الملك ، فقال : هذه تقول ابني الحىّ ، وابنك الميت ، وتلك تقول : لا ، بل ابنك الميت ، وابني الحىّ. فقال الملك : علىّ بسيف. فأتوا بسيف إلى أمام الملك. فقال الملك : اشطروا الصبى الحىّ شطرين ، وادفعوا شطرا إلى الواحدة ، وشطرا إلى الأخرى. فكلمت الملك المرأة التى ابنها الحىّ ، لأن أحشاءها اضطرمت على ابنها ، وقالت : إلىّ يا سيدى! أعطوها الصبى حيا ولا تقتلوه. فقالت الأخرى : بل لا يكون لى ولا لك! أشطروه! فأجاب الملك وقال : ادفعوا الصبى الحىّ إلى هذه ولا تقتلوه لأنها أمه. فسمع جميع إسرائيل بالقضاء الذى قضاه الملك ، فهابوا وجه الملك ، لأنهم رأوا حكمة الله فيه فى إجراء الحكم (ملوك أول ٣ / ١٦ ـ ٢٨) ، فهل كان بوسع داود أن يقضى بمثل هذا القضاء؟ فما كان لداود مثل هذا العلم ، وهذه الحكمة ، وصدق الله العظيم أنه تعالى قال : (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) (الأنبياء ٧٩) فكان الفهم والعلم والحكمة لسليمان ، بينما كان العلم والحكمة فقط هما نصيب داود ، فذلك فضل سليمان على داود.

* * *

٨٨٢. أمثلة من علم سليمان من أسفاره

يقول تعالى فى داود وسليمان : (وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) (الأنبياء ٧٩) ، فكيف كان علم سليمان وحكمته مما جاء فى أسفاره من أقوال؟ وله ثلاثة أسفار : سفر الأمثال ، وسفر الجامعة ، وسفر نشيد الأناشيد ، فمن أقواله فيها من سفر الأمثال : مخافة الربّ رأس العلم والحكمة والتأديب. الربّ يؤتى الحكمة فتوكّل على الربّ بكل قلبك ، ولا تعتمد على فطنتك. وفى كل طرقك اعرفه فهو يقوّم سبلك ، ولا تكن حكيما فى عينىّ نفسك ، واتّق الربّ ، وجانب الشرّ. لعنة الربّ فى بيت المنافق ، أما منزل الصدّيقين فهو يباركه. لا

١٠٦٩

تلتفت إلى إغواء المرأة. اذهب إلى النملة أيها الكسلان وانظر طرقها وكن حكيما. أول الحكمة مخافة الربّ. المرأة الحكيمة تبنى بيتها ، والسفيهة تهدمه بيديها.

ومن سفر الجامعة : باطل الأباطيل كل شىء باطل. أىّ فائدة للبشر من جميع تعبهم الذى يعانونه تحت الشمس؟! جيل يمضى وجيل يأتى والأرض قائمة مدى الدهر! ولكل أمر أوان ، ولكل غرض تحت السماء وقت. فللولادة وقت ، وللموت وقت ، وللغرس وقت ، ولقلع المغروس وقت ، وللبكاء وقت ، وللضحك وقت ، وللصمت وقت ، وللنطق وقت ، وللحب وقت وللبغض وقت ، وللحرب وقت ، وللصلح وقت.

ومن سفر نشيد الأناشيد : فى الليالى على مضجعى التمست من تحبّه نفسى ، التمسته فما وجدته. أنهض فأطوف فى المدينة ، فى الشوارع ، وفى الساحات ، التمس من تحبّه نفسى. أنّى التمسته فما وجدته. صادفنى الحرّاس الطائفون فى المدينة. أرأيتم من تحبه نفسى؟ فلما تجاوزتهم قليلا وجدت من تحبه نفسى ، فأمسكته ولست أطلقه حتى أدخله بيت أمى وخدر من حبلت بى. استحفلكن يا بنات أورشليم ، بظباء وأيائل الصحراء ، أن لا تنهضن ولا تنبهن الحبيبة حتى تشاء.

* * *

٨٨٣. هيكل سليمان والمسجد الأقصى

يأتى اسم المسجد الأقصى فى القرآن مرة واحدة فى الآية : (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا) (الإسراء ١) ، ويقابله المسجد الحرام ، وهو الكعبة فى مكة. والمسجد الأقصى هو هيكل سليمان فى بيت المقدس التى هى أورشليم القدس ، وسمّى الأقصى لبعد ما بينه وبين المسجد الحرام ، وكان أبعد مسجد عن أهل مكة يعظّم بالزيارة ، وبالطبع لم يكن اسمه مسجدا وإنما هو معبد أو هيكل. وأسماء أورشليم الأخرى : يبوس ، وأريثيل ، ومدينة العدل ، والمدينة ، ومدينة القدس. ومعنى «أورشليم» : بيت المقدس ، أو مدينة الإله شاليم أو ساليم. فلما ذا إذن كان الإسراء من المسجد الحرام إلى هيكل سليمان فى أورشليم؟ وهل لهذا الهيكل خصوصية تبرّر أن يكون الإسراء إليه ، والمعراج منه؟ والمعروف أن الإسلام يحيى ملّة الآباء : إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، والأسباط ، وموسى ، وعيسى ؛ والإسلام أساسه حنيفية إبراهيم ، ومن آمن به كان يسمى مسلما : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) (الحج ٧٨) ، وفى ذلك يقول تعالى لأتباع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (١٣٦) (البقرة) ، فالإسلام يربط بين كل هذه الديانات

١٠٧٠

أو الملل برباط متين ، وزيارة بيت المقدس والصلاة فيه ، مثله مثل رمى الجمرات ، فهو إحياء لسنّة إبراهيم والآباء ، ومثل السعى بين الصفا والمروة ، والفداء بالكبش السمين ، وما نزال نزجى السلام إلى إبراهيم وآله فى التحيات فى كل صلاة. ثم إن الهيكل أو المسجد كما يجيء فى الآية مبارك حوله ، والبركة هنا رمزية ، وأورشليم أو القدس المعبّر عنها ب «حوله» ترمز إلى ملكوت الله ، ولذلك كانت رحلة المعراج لا بد فيها أولا من العودة إلى الأصول ، ثم منها تبدأ الرحلة. وفى قوله تعالى : (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) جعل المسجد الأقصى غاية الإسراء. وكانت بداية المعراج من قبّة الصخرة ، وتسمى لذلك قبّة المعراج. ولمّا وصل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الهيكل أوقف دابته المسماة البراق ، لأنها قطعت الرحلة كالبرق الخاطف ، وربطها فى حلقة فى حائط هو الذى يسمونه حائط البراق ، واليهود يسمونه حائط المبكى ، وهم على القول أن الحرم الشريف يقوم فى مكان ساحة هيكل سليمان ، وأن قبة الصخرة هى موضع مذبحة المحرقة. وأنه فى هذه البقعة أيضا والتى تسمى بجبل المريا شرع إبراهيم فى ذبح ابنه المختلف بشأنه بين اليهود والمسلمين ، فاليهود يقولون هو إسحاق ، والمسلمون يقولون إنه إسماعيل. وكما ترى فإن الخلاف لا يستحق ، ومن الممكن أن يعود الهيكل كما كان ويصلّى المسلمون فيه كما صلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه من قبل ، وهذا رأى المسلمين جميعا ، إلا أن اليهود يصرون أن لا تكون للمسلمين صلاة فيه ، وأن يمتنعوا عن دخوله بالمرة ، ويعتبرونهم نجس ، وهذا هو الافتئات والعسف والجور بعينه!

* * *

٨٨٤. قصة نملة سليمان

نملة سليمان فى الآيتين : (حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) (١٩) (النمل) ، نملة حقيقية ، والقصة ربما من أدب الخيال العلمى كمثال تعليمى ، وربما هى من الواقع وليس فيها شىء من الخرافة ، ولا يعارضها العلم ، وينفرد بها القرآن وتعدّ من معجزاته العلمية ، ولا يوجد لها مثيل فى الأدب الدينى اليهودى. ونملة سليمان كان لها جناحان تطير بهما ، ككثير من أنواع النمل ، فلذلك علم سليمان منطقها من طريقة طيرانها ، ومن رسالاتها بأجنحتها ، ولو لا ذلك لما علم ما قالت. والنمل الطيّار : نوع من النمل يوجد بأرض الشام ومنها فلسطين ، وهو من جنود النمل ، وعمله الحراسة والقتال ، وحجمه أكبر من الشغالة والذكور. وذكور النمل لها أجنحة ، وكذلك

١٠٧١

الملكة ، والملكة والذكور يطيرون فى موسم التزاوج ليكون أصلح الذكور هو الزوج الذى من نسله تخرج الأجيال. والنملة فى القصة من نوع النمل المقاتل المسمى Eciton ، ويتواجد فى الصحراء بخاصة ، وسليمان كان كثيرا ما يعبر الصحارى فى رحلاته ، وتكثر بها وديان النمل. ونملة سليمان كانت وقت مرورة فى دورة حراسة ، ومهمتها المراقبة والتحذير ، ومكانها يكون على أبراج من الطين يبنيها النمل وترتفع عن الأرض ، ربما لخمسة أمتار ، ليتسع مدى رؤيتها. «ومنطق النمل» : ليس لغة يلغو بها النمل ، ولكنه حركاته والمواد التى يفرزها ويعى النمل معناها. وللنمل حياة اجتماعية معقدة ، وله دراية شديدة بفصول ومواعيد الأمطار ، واختلاف الحرارة والضغوط الجوية ، والرياح وكيف يتّقيها ومداها وقوتها ، وكيف يحذر أعداءه ، وطريقة شن الحروب ، وكسبها ، وأسر القوات ، واستغلال الأسرى ، ومن أكثر أنواع النمل دربة وحنكة ودراية النوع المشهور باسم Tapinoma ، وهو يستطيع أن يخطط للمعارك ، ويقدّر حجم الأعداء ، ويرسم بسرعة لشغالة النمل كيفية الابتعاد عن مكامن الخطر ، وأن يحافظ على نفسه وعلى أعشاشه ، ويوجد فى الصحراء العربية. ولا نستبعد أن يعرف سليمان عن ذلك طالما يتقن المراقبة ويحذق الملاحظة ، وهما أساس كل دراية وعلم. وسليمان بوسعه أن يستنبط ما قالته النملة مما يجرى من حركاتها حول الأعشاش ، وحذر النمل جعله يبتسم ، وحنكة هذه النملة أضحكته ، ولكنه لا ينسى أن يشكر الله على ما حباه من أدوات المعرفة ، ومن الذكاء ، وما متّعه من عقلية علمية تحليلية استنباطية. والعلم لا ينجّى صاحبه ، ولا يرفعه ، إلا إذا استخدمه فى الخير ، وهذا ما دعا به سليمان ربّه : أن يعمل صالحا يرضاه ، ومن ثم يدخله ضمن عباده الصالحين ، قال : (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ) (١٩) (النمل). ويذهب بعض الدارسين إلى أن للنمل صوتا ككل الكائنات ، وإنما يتدنّى صوت كل مخلوق سواء فى البهائم أو الطيور أو الحشرات بتدنّى هيئته ، وفى الإنسان يقاس الصوت بقيمة عشر البل ، وفى النمل بقيمة متدنية للغاية مناسبة له ، وفى ذلك معنى التسبيح فى قوله تعالى : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء ٤٤) ، قيل لا تسمعون تسبيحهم ، وسليمان فى القصة يتمتع بقوة سمع خارقة ، كقوة البصر الخارقة عند زرقاء اليمامة ، وقوة العقل الخارقة عند من يطلقون عليهم فى الطب النفسى اسم العلماء الحمقى idiot ـ savants ، وهؤلاء لديهم القدرة على أداء العمليات الحسابية والرياضية بسرعة تفوق سرعة الكمبيوتر ، ومن ثم فحالة سليمان ليست بمستبعدة علميا.

* * *

١٠٧٢

٨٨٥. قصة الهدهد وسليمان

الملك النبىّ سليمان آتاه الله من فضله ، فقال لبنى إسرائيل على جهة الشكر لنعم الله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) (النمل ١٦) ، ولم يقل «لغة الطير» ، لأن الطير لا لغة له ، وإنما له حركات وسكنات ، وأصوات وأوضاع ، تأوّل معان بحسب منطق كل طائر. والمنطق هو ما ينطق عن حاله ، وفى قصة سليمان مع الهدهد ـ وهو طير معروف ، فإن هدهدته هى صوته ، وحركاته برقبته وجناحيه ، هى منطقه الخاص به ، واصطلح أهل العلم على أن دراسة هذه الأصوات والحركات من علوم الطيور ويسمون علمها «علم منطق الطيور» ، ورئيس هذه الدراسات هو النبىّ سليمان. وقصة هدهد سليمان كما يطرحها القرآن من أجمل قصص الحيوان والطير. وكان العرب يعرفون التطيّر ، ومن ذلك أن العرب كانوا يتطيّرون ، وتطيّر فرعون وقومه من موسى فقيل عنهم : (أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) (الأعراف ١٣١) ، والطّيرة وزجر الطير نوع من قراءة منطق الطير ، فكان المتطيّرون يفزّعون الطير من وكناتها حتى تطير إما يمنة أو يسرة ، فإن طارت يمنة استبشروا ، وسمّوها لذلك السانح ، يعنى أنها تطير إلى اليمين أو تأتى منه ، ونقيضه البارح وهو أن يفزع إلى اليسار أو يأتى من ناحية الشمال. ومن الطيرة التطيّر بصوت الغراب ؛ والأصوات من نوع صوت الغراب ، أو هديل الحمام ، أو زقزقة العصافير ، من منطق الطير ، واختصّ به سليمان أولا. وقصة الهدهد مع سليمان تأتى فى سورة النمل ، وتستغرق تسع آيات ، وهى من الأدب الرمزى ، وقد يكون الله تعالى قد ضربها مثلا ، وقد تكون قصة حقيقية ، والصحيح أنها حقيقية ، لأن سليمان كانت له الشخصية التى تمتاز بالحدس القوى ، والملاحظة الشديدة ، والفهم الدقيق الواعى ، ومن ثم كان اهتمامه بدراسة هذا الباب من «علم الطيورOrnithology». وتبدأ القصة لمّا تفقّد سليمان الطير ، يطلب ما غاب عنه منه. والطير اسم جامع ، والواحد طائر ، والمراد به جنس الطير وجماعته. ولكن لما ذا يتفقد الهدهد بالذات؟ قيل إنه طائر يعتمد على منقاره الطويل ، ينقر به الأرض ، وسليمان فى رحلاته ، قد تنقطع به السبل فيستعين بالطير أو الجن ، والهدهد كان دأبه أن يرشد إلى مكان الماء فى باطن الأرض. ولتفقّد سليمان للطير فقه من باب واجبات الحاكم أن عليه أن يتعرّف أحوال رعيته ، ومثّل المسلمون الحاكم العادل بعمر بن الخطاب ، فلو أن سخلة ـ يعنى عنزة صغيرة ـ على ساحل الفرات ، أخذها الذئب ، لسئل عنها عمر! والهدهد مع صغر حجمه لم يخف حاله على سليمان ، ولمّا تفقده ولم يجده ، هدد بأن يعذّبه عذابا شديدا ، أو ليذبحنه ، أو ليأتينه بسلطان مبين يعنى سببا مقنعا لغيابه. وأى عذاب يمكن أن يعذّبه ملك نبى لطائر مسكين كالهدهد ، وإنما هو العدل ، وهو أساس الملك ، والحدّ على قدر الذنب لا

١٠٧٣

على قدر الجسد. وجاء الهدهد بالعذر ولكنه مع ذلك مكث غير بعيد عن سليمان ، وقال له : (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) (٢٢) (النمل) ، وقوله ردّ على من يقول إن الأنبياء يعلمون الغيب ، ولا يعتدّ بأنه مقالة طير ، فمنطق الهدهد كان منطق الحال. ثم أفضى لسليمان بما أحاط به من أمر المرأة التى تملك شعبها ، وقد أوتيت من كل شىء ، ولها عرش عظيم ، وأنها وشعبها يسجدون للشمس. والقصة رمزية ، لأن الهدهد تعجّب من تعبّدهم لغير الله ، واستعظم أن يسجدوا لغيره ، وهو الذى يعلم غيب السموات والأرض ، ويعلم ما يعلنون وما يخفون. ولم يسارع سليمان بتصديقه ولا تكذيبه وإنما قال : (سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ) (٢٧) (النمل) ، وهو دليل على أن الحاكم والقاضى لا يجب عليهما أن يقبلا عذر الناس ويدرءا العقوبة عنهم فى ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم. وكتب سليمان كتابا ، وأمره أن يحمله الهدهد إلى قوم هذه المرأة ، فيلقيه إليهم ـ وهم أهل هذا الدين الآبق الذين يعبدون الشمس ، وأبدى الغيرة على دينه ، وبنى الخطاب فى الكتاب على لفظ الجمع ، وهكذا حمل الهدهد الكتاب إلى أن ألقاه على الملكة ، وتناولته فراعها ، ونظرت من أحضره فرأت الهدهد ، فتولى عنها حين أبصرته كما أمره سليمان ، وظل مع ذلك قريبا ليرى مراجعتهم للكتاب. ونفهم أن الداعية إلى الله له أن يستخدم كل الطرق لإبلاغ الدعوة ، وأن له أن يرسل الكتب إلى الأعداء ، كما أرسل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى كسرى وقيصر. وقول الهدهد : (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ) (٢٣) (النمل) عبارة موجزة جمعت كل أخبار يمكن أن يجمعها جاسوس عن بلد عدوه : أحواله فى السياسة والحكم ، وفى المال والاقتصاد ، وفى الفنون والعلوم ، والآية تنبئ أن هذه المملكة راسخة الملك ، عظيمة الشأن ، وطيدة الأركان. وهنا ينتهى دور الهدهد ، ولا ينتهى دور المواعظ فى هذه القصة الرائعة : قصة الهدهد وسليمان. (انظر أيضا قصة ملكة سبأ مع سليمان ، وقصة النملة مع سليمان)

* * *

٨٨٦. قصة هارون وماروت

كلام المستشرقين فى هذه القصة كثير ، ويفترضون أن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد اقتبسها من المدراش اليهودى ، وأنه كان يقرأ العبرية والسريانية ، وأنه فى كتابىّ إينوخ وباروخ شىء من تلك القصة فى سقوط الملائكة ، ولم أجد فى أى من هذه الكتب شيئا من هذا الذى ادّعاه فينسنك. واسم هاروت : قيل من هرت ، أى تكلم بالقبيح ولم يحفظ سرا وأكثر من الكلام ؛ وماروت : من مرت ، فهو المضطرب الأحوال ، المشتّت الذهن ، الممزّق النفس. وأن يأتى الاسمان على نسق واحد ، منه فى القرآن : طالوت وجالوت ، ويأجوج ومأجوج.

١٠٧٤

وأصل هاروت وماروت أنهما ملكان ، قال الله تعالى فيهما : (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) (البقرة ١٠٢) ، فلما مات سليمان اتبع اليهود ما يعرفون أن الشياطين كانت تتلوه فى أيامه ، وما كان سليمان يمارس السحر ، ولا كان ساحرا ، ولم يكفر ويتعلمه ، ولكن الشياطين هم الذين علموا الناس السحر حتى فشا أمره بين الناس ، واتّبعوا كذلك ما كان يتنزّل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، ابتلاء وامتحانا للناس ، وما كان هاروت وماروت يعلّمان السحر إلا أن ينصحا أولا الراغب فى التعلم بأن لا يفعل ، وأنه إن فعل كفر بالله ، وأن معرفته بأسراره هى ابتلاء وامتحان له ، فلا يستعمل السحر للإضرار بأحد ، فمن تعلمه ليدفع به ضررا عن الناس فقد نجا ، ومن تعلّمه ليضرّ الناس ويؤذيهم فقد ضلّ وهلك ، ليس لأنه يضرّ الناس فعلا ولكن لأنه نوى الإضرار بهم وحاوله ، ومن السحر الضار : العمل على التفريق بين الزوجين ، وبعد أن تكون المحبة والوداد بينهما يستحيل الأمر إلى شقاق وفراق ، ليس بالسحر ولكن بما يصاحبه من فتن ووقيعة بين الأزواج والأصهار. والسحر المؤذى : فى الحقيقة لا يضر بأحد إلا أن يكون هذا الضرر من عند الله ، وكان سيقع بصاحبه بدون هذا السحر. وتعلّم هؤلاء للسحر بقصد الإضرار بالغير هو تعلّم لما يضر بأنفسهم هم شخصيا وليست فيه أية فائدة لهم : (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (١٠٣) (البقرة) ، أى ولقد علم هؤلاء اليهود الذين نبذوا كتاب الله بمجرد موت سليمان ، واستبدلوا به السحر ، أنهم ليس لهم حظ من رحمة الله ولا من الجنة ، لأنهم آثروا السحر على الكتاب ، ولبئس ما باعوا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ويفهمون ويدركون ، ولو أن الذين يتعلمون السحر آمنوا بالله لكانت مثوبته لهم خير من ألف سحر لو كانوا يعلمون.

وهناك تفاسير أخرى لقصة هاروت وماروت ، ومنها هذا التفسير لكعب الأحبار اليهودى ، قال : إن أولاد آدم لما أكثروا الفساد بعد سليمان ، تكلم الملائكة فيهم ، فقال لهم ربّهم : أما إنكم لو كنتم مكانهم وركّبت فيكم ما ركّب فيهم ، لعملتم أعمالهم ، فقالوا : سبحانك ، ما ينبغى لنا ذلك! قال : فاختاروا ملكين من خياركم. فاختاروا هاروت وماروت ، فأنزلهما إلى الأرض ، وركّب فيهما الشهوة ، فما مرّ بهما شهر حتى فتنا بامرأة اسمها الزّهرة ، كانت قد جاءتهما تشكو إليهما أمرا من أمورها ، فراوداها عن نفسها فأبت

١٠٧٥

إلا أن يدخلا فى دينها ويشربا الخمر مثلها ويقتلا النفس التى حرّم الله ، فأجاباها ، وشربا الخمر ، وضاجعاها ، فرآهما رجل وذهب يشهد عليهما فقتلاه. وسألتهما المرأة عن كلمة السرّ التى يصعدان بها إلى السماء فعلّماها ، فنادت بها فصعدت ، فمسخت كوكبا هو كوكب الزهرة. فهكذا ارتكب الملكان كل الموبقات ولم يستكملا يومهما ، فخيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا ، فهما يعذّبان ببابل فى سرب من الأرض. قيل بابل العراق ، وربما بابل نهاوند. فالمسلمون إذا رأوا كوكب الزّهرة أو سهيلا فى السماء سبّوهما وشتموهما ، وسهيل فى الأسطورة كان عشّارا فى اليمن يظلم الناس ، والزّهرة كانت صاحبة هاروت وماروت. وكما ترى فإن هذا تهريف ، لأن الزّهرة وسهيلا خلقا كواكب قبل خلق آدم ، وقال الله تعالى عن الملائكة : (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) (٦) (التحريم) ، وقال : (بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (٢٧) (الأنبياء) ، وقال : (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) (٢٠) (الأنبياء). ولا نستبعد أن يسقط الملائكة ، ولكن هذا لم يصح لا عقلا ولا سمعا. وأمثال هذا التفسير هو ما يسمى بالإسرائيليات ، والصحيح كما قال علىّ بن أبى طالب : أن الملكين ببابل كانا يعلّمان الناس السحر تعليم إنذار لا تعليم دعاء إليه ، بمعنى أنهما كانا يعلّمان الناس على النهى عن السحر فيقولان لهم : لا تسحروا لتضرّوا ، ولا تحتالوا لتفرّقوا بين المرء وزوجته ، وما كانا يعلّمان أحدا إلا نبّهاه أنهما وما يعلّمانه فتنة حتى يحذرهما. فذلك هاروت وماروت إذن وتلك قصتهما ، فيها النصيحة والتحذير من السحر حتى لو كان الذى يقوم به ملك ، وكان سقراط يعلّم الناس الأغاليط وهى الحجاج الفاسد ، لكى يأمنوا شرّه إذا مارسه أحدهم معهم ، لا لكى يمارسوه هم أنفسهم ويضروا به الناس.

* * *

٨٨٧. قصة يأجوج ومأجوج فى التوراة والقرآن

فى التوراة أن ماجوج من بنى يافث بن نوح (تكوين ١٠ / ٢) ، أنجبه بعد الطوفان ، وصار اسم الشعب الذى انحدر من صلبه شعب ماجوج ، ورئيسهم جوج (حزقيال ٣٨ و ٣٩). وقيل : إن ماجوج هى بلاد التتار ، وعرفت المنطقة بين بحر قزوين والبحر الأسود باسم ماجوج ، وقيل هم الترك. وفى سفر الرؤيا من أسفار النصارى (٢٠ / ٧) أن جوج وماجوج أمّتان ، ويتفق حزقيال ويوحنا على أن جوج وماجوج هما رمز للشرّ وأنهما من الشعوب المغيرة المدمرة للحضارات.

وفى القرآن صحّف الاسم عربيا فصار يأجوج ومأجوج ، ويأتى مرتين ، فى قوله تعالى : (قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) (الكهف) ، وفى قوله :

١٠٧٦

(حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) (٩٦) (الأنبياء) ، والكلام فى الآيتين عن شعبين من المفسدين. وفى بعض القراءات للقرآن ينطق الاسمان ياجوج وماجوج بدون همز ، وقيل الاسمان أعجميان مثل طالوت وجالوت ، وغير مشتقّين ، وقيل الاسمان مشتقان ، فيأجوج على وزن يفعول ، مثل يربوع ، من أجّ ، تقول أججت النار أى أضرمتها ، وملح أجاج. وكذلك مأجوج ، على وزن مفعول ، وقيل مأجوج من مجّ ، وفى آية سورة الكهف أنهما شعبان مفسدان ، وإفسادهما على طريقة الشعوب القديمة ، أو حتى على الطريقة الجديدة فى عصر العولمة ، بالإغارة ، والقتل ، والتدمير ، والاستيلاء على الثروات. وقيل إن يأجوج ومأجوج كثيرو النسل ويكونون بالملايين ، وهم اليوم أهل الصين والهند. وفى الحديث : «يأجوج ومأجوج أمّتان ، كل أمة ... لا يعلم عددها إلا الله ، لا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح» ، قيل : يا رسول الله ، صفهم لنا؟ قال : «هم ثلاثة أصناف ـ صنف منهم أمثال الأرز (أى شجر الأرز أى طوال القامة) ، وصنف عرضه وطوله سواء .. ، وصنف لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ، ويأكلون من مات منهم (يعنى بهم شراهة) ، مقدمتهم بالشام ، وساقتهم (يعنى آخر الجيش) بخراسان ، يشربون أنهار الشرق ، وبحيرة طبرية ، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس». والحديث ذكره السيوطى ، رغم أنه عن الغيب والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يعلم الغيب. والنبوءة فى الحديث والأوصاف فيه تشبه إلى حد بعيد نبوءة حزقيال عند اليهود ، ويوحنا عند النصارى ، وكما قال حزقيال ويوحنا : يحمى الله القدس منهما ، فإن نبيّنا قال : يحمى الله مكة والمدينة والقدس ، وذلك دليل أن الحديث موضوع. وفى قصة ذى القرنين فى سورة الكهف ، فإن النجاة منهما يكون بسدّ ، أى بفرض العزلة عليهما ، والحذر من أية توسعات لهما. وفى الحديث عن علىّ عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : يأجوج أمة لها أربعمائة أمير ، وكذا مأجوج ، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده» ، يعنى أن زعماءهما كثيرون ، وهما شعبان محاربان ، وإعداد الشباب فيهما بغاية الغزو. وفى الحديث : «إن يأجوج ومأجوج يحفران كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ، قال الذين عليهم : ارجعوا ، فسنحفرونه غدا. فيعيده الله أشدّ ما كان ، حتى إذا بلغت مدتهم ، وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس ، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ، قال ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله تعالى ، فاستثنوا ، فيعودون إليه وهو لهيئته حين تركوه ، فيحفرونه ويخرجون على الناس ، فينشفون الماء (أى ينزحونه) ، ويتحصّن الناس منهم فى حصونهم ، فيرمون بسهامهم إلى السماء ، فيرجع عليها الدم الذى أحفظ (أى المتجمّع) ، فيقولون : قهرنا أهل الأرض ، وعلونا أهل السماء ، فيبعث الله عليهم نغفا (مرض بيطرى) فى أقفائهم فيقتلهم به»! وكل هذه الأحاديث ، وغيرها كثير ، من

١٠٧٧

الإسرائيليات ، وبعضها يتحدث عن البصرة ودجلة وأحداث مستقبلة ، وعن الترك كأعداء ، رجما بالغيب ، وإحياء للجاهلية ، وللتفريق بين شعوب الأمة الإسلامية ، وتعزيز الشعوبية ، ويكفى أن نقول أن كلّ شعب يظهر الفساد فى الأرض ، وينشر الخراب ، ويقتل الحرث والنسل ، هو كيأجوج ومأجوج فى الديانات الثلاث ، وما أصدق ذلك الآن على الأمريكان والبريطان وما يفعلانه فى العراق وأفغانستان ، واليهود وما يفعلونه فى فلسطين! ، فهؤلاء مثلهم مثل يأجوج ومأجوج.

* * *

أصحاب السبت

٨٨٨. السبت فى التوراة والأناجيل

السبت Sabbath هو يوم الراحة عند اليهود ، والسبت ليست كلمة عبرية ولكنها فى كل اللغات السامية ، وتعنى الراحة ، والسبت فى العربية بنفس المعنى ، ومنها السبات بمعنى النوم أو أوله ، وبمعنى الدهر ، وابنا سبات هما الليل والنهار ، والمسبت من لا يتحرك ولا يفتح عينيه ، وتقول سبت أى استراح ، ويوم السبت من أيام الأسبوع ، ويقع بين الجمعة والأحد. وهناك نحو أربع وعشرين من المشتقات ، من كلمة السبت فى العربية ، فالكلمة أصلية فى هذه اللغة وليست منقولة عن العبرية كما ادّعى المستشرقون ، ويبدو أن هؤلاء المستشرقين من اليهود الذى يردّون السبت فى العربية إلى العبرية مجانين مصابون بالهوس بالعبرانيات ، فكل شىء من العلم أو الحكمة أو المعرفة ينسبونه إلى اليهود. وليس صحيحا أن أيام تسمية الأسبوع من إبداعهم ، فالأسماء كما نعرفها موجودة فى كل اللغات السامية ، وبداية الأسبوع فى هذه اللغات هو الأحد ، والسبت كيوم للراحة كان البابليون مثلا ـ وهم ساميون ـ يقدّسونه ، وكان يوم راحة وعبادة ، ولم يكن أحد يذبح فيه أو يطبخ ، أو يستحم ، أو يغيّر ثيابه ، أو يركب عربة ، أو يشعل موقدا ، أو يعالج فيه طبيب مريضا ، ويستمر ذلك طوال السبت حتى المغرب ؛ ونفس الشيء عند اليهود ، وقصة آدم وحواء ، والخلق ، والهبوط من السماء ، والجنة والنار ، كل ذلك ضمن الميراث الشعبى السامى ، ولا ميزة فيه لليهود ، سوى أنهم كتبوه وصحّفوا له الصحف ، وقيل إن اليهود ، والآراميين والأشوريين ، ينحدرون من سام بن نوح ، وشعوب الشرق الأوسط العربية ـ بحسب ذلك ـ ساميون ، واللغات السريانية والعربية والعبرية لغات سامية ، ومتشابهة فى الجذور وإن اختلفت فى المشتقات. واليهود لم يقدّسوا السبت إلا أنه أصلا مقدّس عند الساميين ، وفى التوراة : أن الله قد فرغ من عمله الذى عمله لخلق السموات والأرض

١٠٧٨

وملحقاتهما فى اليوم السابع ، واستراح هذا اليوم من جميع عمله ، وباركه وقدّسه (تكوين ٢ / ١ ـ ٣). وفى الوصايا : اذكر يوم السبت لتقدّسه. فى ستة أيام تعمل وتصنع جميع أعمالك ، واليوم السابع سبت للربّ إلهك لا تصنع فيه عملا» (الخروج ٢٠ / ٨ ـ ١٢). فلما كسر أحد عامة اليهود السبت ، قتلوه بلا رحمة (عدد ١٥ / ٣٢ ـ ٣٦). ولم يراع المسيح السبت مع أنه يهودى ، ورأى أن يلغى هذا التقليد ، وأن يحرر اليهود من العبودية للسبت ، فقال : إنما جعل السبت للإنسان ولم يجعل الإنسان للسبت (مرقس ٢ / ٢٧) ، واختارت الكنيسة الأحد يوم عيد بدلا من السبت ، ليميزوا أنفسهم عن اليهود ، ولأن المسيح كان يجتمع بتلاميذه فى هذا اليوم من كل أسبوع ، أى يوم الأحد ، وقالوا فى تبريره أنه اليوم الأول الذى غيّر الله فيه الظلمة إلى نور ، والعدم إلى وجود ، وكانت فيه قيامة المسيح. وإذا كان إعلانا لنهاية عملية الخلق ، فالأحد إعلان لبداية الخلق ، واتخاذ الأحد عيدا هو تدشين لعهد جديد ينهى العهد القديم الذى عيده كان السبت.

* * *

٨٨٩. السبت فى القرآن

والمسلمون على اعتبار السبت يوما من أيام الله ، وإذا كان اسمه عندهم السبت من السبوت ، يعنى الهجوع والراحة ، فإنهم لم يتخذوه يوما للراحة ، ولا جعلوه يوما لعبادة خاصة ، وإن استمر اسمه عندهم هو الاسم الشائع فى كل اللغات السامية وهو «السبت». ولم يجادلوا اليهود فيه جدال المسيح معهم ، وحسم القرآن المسألة بالنسبة للمسلمين ، فقال : (إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (١٢٤) (النحل) ، وفى الآية إخبار بأن اليهود اختلفوا فيه ، ولم تقل الآية خالفوا فيه ، فمنهم من أقرّه وقال بأن السبت فرضه الله ، ومنهم من لم يقرّه ، وقال إنه اجتهاد وتقليد وليس فرضا ، والاجتهاد كان من الأحبار ، والتقليد لأنه قد جاء فى سفر التكوين أن الله ارتاح يوم السبت بعد أن انتهى من كل شىء ، فذهبوا مذهب التوراة وقلّدوها ، وجعلوا السبت يوم راحة كيوم الله ، وكان الفريسيون من الذين قالوا إنه فرض من الله ، كما كان المسيح من الذين قالوا إنه كان باجتهاد الأحبار ، وعلى ذلك فإن بعض اليهود التزموه حرفيا ، وبعضهم أسقطه من حسابه تماما ، وبعضهم كالمسيح لم يلتزمه فى مسائل الحياة ، ولكنه كان يؤدى فيه العبادات كغيره من الأيام ، وبعضهم كما فى أسفار الملوك الثانى ٤ / ٢٣ ، وعاموس ٨ / ٥ ، وهوشع ٢ / ١١ ، وإشعيا ١ / ١٣ ، وحزقيال ٤٦ / ٣ ، طالبوا بأن تكون مراعاة السبت روحيا. والقرآن على القول مع المتخفّفين : (وَقُلْنا لَهُمْ لا

١٠٧٩

تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) (النساء ١٥٤) ، يعنى لا تتزيّدوا. وهذا التزيّد والتغليظ لم يكن فى شريعة إبراهيم ولا فى ديانته ، والإسلام مع سماحة ديانة إبراهيم ، واليهود غلّظوا السبت بأن تركوا الأعمال فيه حتى لو كانت علاج مريض. والإسلام مع القول بضرورة أن يكون لكل أهل ديانة عيد ، وعيد اليهود هو السبت ، وعيد النصارى ـ باجتهاد علمائهم ـ هو الأحد ، وعيد المسلمين تنزيلا من الله هو الجمعة. وفى الحديث الصحيح : «نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة» ، يعنى آخر أمة فى الدعوة وأول أمة فى دخول الجنة : «لأنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، فاختلفوا فيه ، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق» ، يعنى أنهم اختلفوا فيما جاء فى التوراة ، وما جاء فى الأناجيل ، وتعددت رواياتهم وحرّفوا ، واختلفوا فى يوم عيدهم ، فكان يمكن أن يختاروا الجمعة أو السبت أو الأحد ، فاختار اليهود السبت ، والنصارى الأحد ، واختار الله للمسلمين الجمعة. وفى الحديث : «أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا» أخرجه مسلم.

وفى قوله تعالى : (وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) فى قراءة ورش : (لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) ، بفتح العين ، أى لا تعتدوا ، إشارة إلى قصة اقتناص اليهود للحيتان يوم السبت تحايلا على تحريم العمل به ، وبسبب هذا التحايل لعنوا ، قال تعالى : (كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ) (النساء ٤٧) ، وأصحاب السبت : هم أصحاب قصة اقتناص الحيتان. فما هى هذه القصة؟.

* * *

٨٩٠. قصة أصحاب السبت فى التوراة وفى القرآن

قصة هؤلاء فى القرآن بخلافها فى التوراة على عكس ما قاله المستشرقون ، فقد ذكر هؤلاء أن محمدا اختلق قصة أصحاب السبت اختلاقا ، وأنه لا شىء منها فى التوراة ، والمستشرقون أهل بهت ، ففي التوراة مثل قصة أصحاب الحيتان هذه : فإن الله أنزل على بنى إسرائيل المنّ ، وأمرهم موسى أن يأخذ كل واحد منهم على قدر أكله وأهله ، ولا يبقون منه شيئا إلى الغد ، فلم يسمعوا لموسى ، وأبقى منهم أناس بعضا منه إلى الغداة على عكس ما أمرهم ، فدبّ فيه الدود وأنتن فأسخط عليهم موسى ، فلمّا كان اليوم السادس التقطوا منه مضاعفا قدر يومين : الجمعة والسبت ، لأن السبت مقدس وعطلة ، فنصحهم هذه المرة أن يختزنوا للسبت ، فلأن الأمر كان منه بالاختزان ليومين ، لم ينتن ، ولم يظهر فيه دود ، وظل محفوظا. وقال لهم موسى ستجدون المنّ لمدة ستة أيام وتلتقطونه ، وفى يوم السبت وهو السابع لا تجدونه ، ولكن أناسا خرجوا يوم السبت يلتقطون فلم يجدوا

١٠٨٠

شيئا ، فقال الربّ لموسى : إلى متى تأبون أن تحفظوا وصاياى وشرائعى؟ انظروا ، إن الله وضع لكم السبت ، ولذلك هو يعطيكم فى اليوم السادس طعام يومين». وظل هذا حالهم مدة أربعين سنة إلى أن دخلوا فلسطين (الخروج ١٦ / ١١ ـ ٣٣). والقصة مشابهة لقصة أصحاب السبت فى القرآن ، مع فارق : أن الطعام فى قصة التوراة كان المنّ ، وفى قصة القرآن هو السمك. قال تعالى : (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) (١٦٦) (الأعراف) ، وفى الآيتين من المعلومات : أن مفاد قصة التوراة هو نفسه مفاد قصة القرآن ، غير أن قصة القرآن تتحدث عن قرية يهودية كانت بقرب البحر. وقوله : «واسألهم عن القربة» يعنى اسأل أحبار اليهود ، لأن القصة تتداول بينهم شفاهة وليست مكتوبة ؛ وعدوانهم فى السبت يعنى خروجهم على الناموس وأن يعملوا فى السبت ، فقد كانت الأسماك يزخر بها البحر يوم السبت ، ويقل حتى يكاد ينعدم بقية أيام الأسبوع ، ابتلاء من الله ، واختبارا لعزائمهم وطاعتهم ، وتبيانا لإيمانهم : هل سيصيدون يوم السبت ويكسرون الناموس ، أم أنهم سيصبرون؟ فكأنهم انقسموا فريقين إزاء ما ينبغى منهم يوم السبت ، وهذا من اختلافهم حول هذا اليوم : (إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) (النحل ١٢٤) ، ففريق التزموا بألا يصيدوا فى هذا اليوم ؛ وفريق لم يروا بأسا ، فوعظهم أهل الفريق الأول ، فمنهم أناس لم تر وعظهم طالما أن الله مهلكهم ، ورأى الواعظون أن عليهم أن يعظوا حتى لو كانوا على يقين من عدم فائدة الوعظ مع الفاسقين عن أمر الله ، وبذلك يكون المختلفون ثلاث فرق وليسوا فرقتين : فرقة عصت وصادت ، وفرقة نهت واعتزلت ، وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص. فالذين عصوا ، والذين لم ينهوا ولم يعصوا ، هلكوا مع العاصين ، قال : (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) (١٦٥) (الأعراف) ، وهؤلاء هم الفرقتان اللتان ذكرناهما : (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) (١٦٦) (الأعراف) ، والعذاب البئيس هو الشديد ، بأن يصبحوا قردة خاسئين ، يعنى مطرودين ، مسخهم قرودا على الحقيقة فاندثروا لأن القردة المسخ لا يتناسلون ، أو صاروا قردة بالمعنى الذى نقصد إليه عند ما نسبّ شخصا فنقول : يا حيوان ، يعنى أنهم صاروا لا يفكرون ولا

١٠٨١

يحكّمون العقل ، ويتصرفون برعونة ويتابعون غيرهم عسى أن يكون لهم حضور ، ويصنعوا تاريخا لأنفسهم ، ولكن ذلك يرديهم موارد الهلكة أكثر ، فهذا قوله : (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (١٦٧) (الأعراف). وفى القصتين : قصة التوراة وقصة القرآن نعلم أن العصيان يكون سببا للنقمة ، غير أن قصة القرآن أغنى بالتفاصيل ، وأكثر تحليلا للفرقاء ، وشرحا لأسباب الغضب على أصحاب السبت ، وأكثر ما يميز القصتين هو الحكم الشرعى فيهما ، فقصة التوراة تحلل الاختزان للسبت ، وقصة القرآن لا تحلله ، واليهود من الفرقة الأولى المستحلة للتخزين بمنطوق الشرع فى قصة التوراة لا تثريب عليهم ، وبمنطوق الشرع فى قصة القرآن أنهم فاسقون ، فكأنما قصة القرآن حكم بالبطلان على الاستحلال فى قصة التوراة ، وطبقا لمضمون التحريم فى السبت لا يكون التحايل حلالا ، لأنه يلغى حكمة المنع يوم السبت. واختتمت قصة القرآن بالآية : (فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (٦٦) (البقرة) ، يعنى جعل القصة عظة وعبرة ، وجعل مسخ هذه الأمة اليهودية أصحاب السبت عقوبة لهم بين الأمم وعبر التاريخ ، فما من أمة دخلت مع أمة اليهود فى تجربة إلا خرجوا من تجربتهم بانطباع وحيد : أن هؤلاء الناس لا عقول ولا قلوب لهم.

* * *

٨٩١. ذو الكفل فى القرآن والتوراة

المستشرقون الذين كتبوا فى ذى الكفل Dhu\'l Kifl كثيرون ، منهم : جايجر ، ونيبور ، ولا يارد ، وچول أوبرت ، وأنتساسى ، وجروته ، ونولدكه ... إلخ ، وكلهم استقوا تقريبا من مصادر واحدة : الطبرى ، والزمخشرى ، وفخر الدين الرازى ، وابن إياس ، والثعلبى ... إلخ ، وهؤلاء جميعا تفسيراتهم إسرائيليات خالصة. ويأتى اسم ذى الكفل مرتين فى القرآن فى سورتى الأنبياء وص ؛ وتعرض سورة الأنبياء الوقائع تقدّم بها لحقيقة بعثة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيقول الله تعالى : (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٧) ، وسورة الأنبياء جميعها تجىء ردا على المنكرين لنبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيها يسلّى الله تعالى رسوله ويسرّى عنه أذى المشركين فيقول : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) (٤١) ، ثم يبدأ يعدّد من سبقه من الرسل ، كموسى وهارون اللذين آتاهما الفرقان ؛ وإبراهيم ، ولوط ، وإسحاق ، ويعقوب ، الذين كانوا أئمة ؛ ومن قبل ذلك نوح ؛ ثم داود وسليمان ؛ ثم يأتى قوله تعالى : (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٨٦) (الأنبياء) ، فقرن ذو الكفل فى الآية الأولى مع الرسل ، واعتبر فى الآية الثانية من الصالحين.

١٠٨٢

وفى سورة ص يأتى : (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) (١) ، أى الذى يذكر الرسل قبل محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى ذكرهم عبرة لمن يعتبر ، ومن هؤلاء : نوح ، ولوط ، وداود ، وسليمان ، وأيوب ، وإبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، ثم يأتى : (وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ) (٤٩).

وفى السورتين يظل أمر ذى الكفل مجهولا ، فلا نعرف عنه إلا أنه ١ ـ كان من الصابرين. ٢ ـ ودخل لذلك فى رحمة الله. ٣ ـ وكان من الصالحين. ٤ ـ فاستحق لذلك أن يكون من الأخيار ، واستحق لتقواه أن يكون له المنقلب الحسن. ثم لا شىء أكثر من ذلك.

غير أنه قد ورد فى الحديث ما يلقى بعض الضوء على حياة ذى الكفل ، ويسهم فى بيان معنى الاسم ، فعن ابن عمر ، عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيما أخرجه الترمذى ، قال : «كان فى بنى إسرائيل رجل يقال له ذو الكفل ، لا يتورع من ذنب عمله ، فاتبع امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها ، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت ، فقال : ما يبكيك؟ قالت : من هذا العمل! والله ما عملته قط! قال : أأكرهتك؟ قالت : لا ، ولكن حملتنى عليه الحاجة. قال : اذهبى فهو لك! والله لا أعصى الله بعدها أبدا! ثم مات من ليلته ، فوجدوا مكتوبا على باب داره : إن الله قد غفر لذى الكفل». وفى هذا الحديث لا ذكر البتة لسبب التسمية بذى الكفل. فأمّا أن تكون كل فضيلته أن يستعصم عند ما تذكّره المرأة بعفتها وحاجتها ، فيتوب ويموت ليومه ، فهذا ليس سببا أن يأتى اسمه فيتلى قرآنا ، فكم من الصادقين فعلوا مثله وأكثر منه ولم يأت اسمهم فى القرآن! وكم من الصوفية المسلمين بهذا المقياس السابق يتفوقون عليه فضلا وأدبا وتقوى ، فهل نوليهم ما نولى ذا الكفل من الاحترام والقدسية والتبجيل؟ ثم إنه من السياق يبدو أنه كان فاسقا طوال حياته إلا هذا اليوم فقط الذى التقى فيه المرأة ، فهل يدرجه ذلك اليوم فى القرآن حتى ليوصف بأنه من الأخيار والصابرين والصالحين المتقين؟ وإنا لنستبعد لذلك أن يكون هذا الكلام غير الجامع حديثا ، ولم يعرف عن منهج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن منه تفسير القرآن بالقصص. والأقرب إلى العقل أن الحديث من الإسرائيليات التى راجت بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وفى رواية أخرى للحديث السابق يأتى أيضا فيما يقال أنه عن ابن عمر عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «كان ذو الكفل من بنى إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله ، فأتته امرأة أعطاها ستين دينارا على أن يطأها ، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت ، فقال : ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت : لا ، ولكنه عمل ما عملته قط ، وما حملنى عليه إلا الحاجة. فقال : تفعلين أنت هذا وما فعلته! اذهبى فهى لك! وقال :

١٠٨٣

والله لا أعصى الله بعدها أبدا! فمات من ليلته ، فأصبح مكتوبا على بابه : إن الله قد غفر لذى الكفل». وهذا الحديث لا يختلف عن السابق إلا بزيادة : «فقال : تفعلين أنت هذا وما فعلته!». ويختلف أيضا فى عبارة «فاتبع امرأة» فى الحديث الأول ، فجعلها «فأتته امرأة» فى الحديث الثانى ، فكانت الغواية من الرجل فى الحديث الأول ، ومن المرأة فى الحديث الثانى!

وكانت هناك محاولات لتفسير الاسم قام بها الكثير من المفسرين العرب ، فقيل : إن النبىّ اليسع لمّا كبر قال : لو استخلفت رجلا على الناس حتى أنظر كيف يعمل ، واشترط على من يخلفه أن يتكفّل له بثلاث : بصيام النهار ، وقيام الليل ، وألّا يغضب وهو يقضى ، فعرض عليه رجل تقىّ نفسه مرتين ، فعندئذ استخلفه ، فوفىّ الرجل ، فسمّى لهذا ذا الكفل ، لأنه تكفّل بما طلب منه نبىّ الله.

وفيما قالوا فى الحديث عن أبى موسى الأشعرى عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «إن ذا الكفل لم يكن نبيا ، ولكنه كان عبدا صالحا ، فتكفّل بعمل رجل صالح عند موته ، وكان يصلى لله كل يوم مائة صلاة ، فأحسن الله الثناء عليه». فهل صلاته المائة تجعله رسولا وتدرجه ضمن قائمة الرسل؟

وأخيرا يأتى حديث كعب الأحبار ، وهو اليهودى العتيد صاحب الإسرائيليات فى التفسير ، والغالب أن كل هذه الأحاديث السابقة كان هو مصدرها بالإضافة إلى هذا الحديث ، قال : كان فى بنى إسرائيل ملك كافر ، فمر ببلاده رجل صالح ، فقال : والله لا أخرج من هذه البلاد حتى أعرض على هذا الملك الإسلام. فعرض عليه فقال : ما جزائى؟ قال : الجنة ـ ووصفها له. قال : من يتكفل لى بذلك؟ قال : أنا. فأسلم الملك وتخلى عن المملكة ، وأقبل على طاعة ربّه حتى مات ، فدفن فأصبحوا فوجدوا يده خارجة من القبر وفيها رقعة خضراء مكتوب فيها بنور أبيض : إن الله قد غفر لى وأدخلنى الجنة ووفى عن كفالة فلان. فأسرع الناس إلى ذلك الرجل بأن يأخذ عليهم الإيمان ، ويتكفّل لهم بما تكفّل به للملك ، ففعل ذلك فآمنوا كلهم ، فسمّى ذا الكفل! وكأن ذا الكفل بهذا التفسير من قساوسة العصور الوسطى الذين يمنحون صكوك الغفران ، ثم إنه لا جنة إلا بعد الحساب يوم القيامة ، فكيف يدخل الملك الجنة دون قيامة؟ ثم أيدخل الناس الجنة بكفالة آخرين أم بأعمالهم؟

ولنحاول بدورنا أن نفسر معنى ذى الكفل بتحصيل السياقين اللذين ورد فيهما الاسم ، ونلاحظ أنه أدرج فى الآية الأولى فى سورة الأنبياء مع إسماعيل وإدريس ، وفى

١٠٨٤

الآية الثانية فى سورة ص مع إسماعيل واليسع ، وفى الآية الأولى هم ثلاثة ، وفى الثانية هم ثلاثة ، بتغيير اسم إدريس إلى اليسع ، وذلك ما جعل بعض المفسرين يظنون أن إدريس هو اليسع! ونلاحظ أنه فى الآيتين فإن ذا الكفل كان من الأخيار ، المتقين ، الصالحين ، الصابرين ، الذين دخلوا فى رحمة ربّهم. والكفل فى اللغة لها معان كثيرة ولا يصلح منها لتفسير ذى الكفل إلا أن يكون الكفل بمعنى الكفالة ، فهو صاحب كفالة ، وصاحب الكفالة الوحيد فى القرآن هو النبىّ زكريا ، فلما اقترعوا على مريم بأقلامهم ، قرعهم النبىّ زكريا ، فكفلها دونهم ، فقال لذلك بعض المفسرين إن ذا الكفل المقصود به زكريا.

وارتأى المستشرق جايجر فى قصة النبىّ عوبدياObdiah فى التوراة شبها لما عدّده القرآن من صفات لذى الكفل وتنطبق على عوبديا دون غيره. وكان ذو الكفل إسرائيليا ، وعوبديا كان كذلك ، ويأتى عنه فى سفر الملوك الثالث : أنه كان قيّم البيت ، وكان شديد التقوى ، وأنه تكفّل بحماية أنبياء بنى إسرائيل ، فأخذ مائة منهم وأخفاهم ، كل خمسين فى مغارة ، وعالهم بالخبز والماء ، وصبر على ظلم الطاغية أخاب ، والتقى بالنبىّ إلياس الذى كلّفه أن يلاقيه بأخاب ، وخشى عوبديا أن يقتله أخاب إن عرف أنه يعرف إلياس والتقاه ، وخشى كذلك أن يظن به إلياس أنه يخشى أخاب أكثر من خشيته لله ، فذكّره بأنه منذ صباه كان لا يعرف إلا تقوى الله ، فقال له إلياس إذن فالله معك. ولقد كان ، وأبلغ عوبديا الرسالة لأخاب. وتكفل عوبديا بأمر الأنبياء المختفين من ظلم الملك ، وتكفّله بإبلاغ الملك رسالة إلياس ، هما سبب إطلاق اسم ذى الكفل عليه. على أن جايجر رأى سببا آخر فى اللغة مردّها أسلوب العيش عند الإسرائيليين ، فالكفل الذى ينسب إليه ذو الكفل كان عندهم الرداء الذى يضعونه على الجسم كالعباءة ، ويتألف من رقيقتين من القماش السميك ، ومن ذلك ما يأتى فى سفر الملوك عن رداء النبىّ إلياس الذى ضرب به نهر الأردن فانفلق ، فلما رفع إلياس إلى السماء أعطاه للنبىّ اليسع. وعوبديا بهذا التفسير كان يتميز بكفله الذى لا يخلعه عن نفسه ، وربما لهذا كان اسمه ذا الكفل. وكان فعلا من الأخيار والصالحين ومن الرسل ، بدليل نبوّته التى تعدّ النبوّة الرابعة من نبوات الأنبياء الصغار ، وله صفحة واحدة من إحدى وثلاثين عبارة ، تؤلف سفرا يعتدّ به ضمن أسفار العهد القديم ، ويعتبر السفر الحادى والثلاثين ، ويتضمن بشارة ونذارة ، فأما البشارة فهى للمؤمنين بالله بأن الله سينصرهم عمّا قريب ، وأما النذارة فهى أن الساعة قريبة وأن الجميع ملاقوا الموت ، وأنه أمر محتوم ، وعندئذ يلاقى المجرمون ما يستحقون ، ويكون الملك للربّ.

١٠٨٥

فذلك إذن ما كان من اجتهاد البعض فيما كان من حياة ذى الكفل ، ومن تقواه ، وما كان من تفسيرات تحدث بها البعض فى حقيقة اسمه ، وقد يكون بعضها صحيحا وبعضها كاذبا ، فرجحنا ما يستحق الترجيح وأنكرنا ما يستأهل الإنكار عليه. والله المستعان.

* * *

٨٩٢. يونس ، ذو النون ، صاحب الحوت : فى التوراة وفى القرآن

يقول القرآن فى يونس Jonah ضمن سلسلة الأنبياء : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (١٦٣) (النساء) ، وقوله : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ) متصل بقوله تعالى : (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ) (النساء ١٥٣) ، والخطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأعلم أن أمره صلى‌الله‌عليه‌وسلم كأمر من تقدم من الرسل. والآية ـ كما قال ابن عباس : نزلت فى قوم من اليهود ، منهم سكين وعدىّ بن زيد ، قالوا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما أوحى الله إلى أحد من بعد موسى! فكذّبهم الله. والوحى : هو الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام يكون خفيا ويلقى إلى الغير ، وهو إعلام فى خفاء ، يقال وحى وحيا ، وأوحى إيحاء ، وقدّم الله نوحا لأنه أول نبىّ شرعت على لسانه الشرائع ، وقيل كان أول نبى إدريس الذى هو أخنوخ فى التوراة ؛ ثم كان نوح وسام ابنه ؛ ثم لوط وإبراهيم عمّه ؛ ثم أولاد إبراهيم : إسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب الذى هو إسرائيل ؛ ثم هود ؛ ثم صالح ؛ ثم موسى وهارون ، ثم أيوب ؛ ثم الخضر ؛ ثم داود ؛ ثم سليمان ثم يونس ؛ ثم إلياس ، ثم اليسع ، وذو الكفل الذى هو عوبديا. وكل نبىّ ذكر فى القرآن من ولد إبراهيم ، غير إدريس ، ونوح ، ولوط ، وهود ، وصالح.

وفى القرآن عن إبراهيم : (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ) (٨٦) (الأنعام) ، فكل هؤلاء من ذرية إبراهيم إلا نوحا ولوطا ، فنوح قبله ، ولوط ابن أخيه ، وإن كان ابن الأخ يعتبر من الذرية ، وكذلك عيسى ، فرغم أن الولادة لم تلحقه من جهة الأب ، لأنه ابن بنت ، فإن شأنه كشأن أولاد فاطمة بنت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فهم ذريته ، ولهذا يدخل أولاد البنت فى اسم الولد ما تناسلوا. فكذلك يونس كان من ذرية إبراهيم ، ويقرأ بضم النون ، ويقرأه البعض بكسر النون مثل يوسف ، من آنس

١٠٨٦

وآسف ، وجمعهما يآنس ويآسف ، أو بفتح النون مثل قولنا يوسف. وكان يونس من أنبياء بنى إسرائيل ، ولم يكن من العرب أنبياء إلا خمسة ، هم : هود ، وصالح ، وإسماعيل ، وشعيب ، ومحمد ، وإنما سمّوا عربا لأنه لم يتكلم العربية غيرهم ، وأما قريش أو مكة وما حولها ، فكان أول نبىّ إليها هو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. واسم يونس تصحيف عربى للاسم السريانى «يونان» ، أو يوناثان ، وهو فى العبرية يونه ، ومعناه «حمامة» ، وأبوه أمتاى أو متّى ، وكان من سبط زبولون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وكان يسكن جتّ حافر بالقرب من الناصرة ، وهو غالبا المذكور فى سفر الملوك الرابع الذى ردّ تخوم إسرائيل من مدخل حماه إلى بحر الغور (١٤ / ٢٥). وأنبياء إسرائيل ليسوا كما نعتقد نحن المسلمين فى النبوّة ، وفى الغالب الأعم هم أبطال يشاد ببطولاتهم ، ووطنيون يقصرون دعوتهم على أبناء جنسهم ، ولم يكن يونس استثناء ، فكان خروجه ضد الآراميين الذين هم السوريون ، ونبوءته ـ كنبىّ إسرائيلى ـ كنبوءتي هوشع وعاموس ، وتسلك ضمن الوطنيات ، وأمثال هؤلاء الأنبياء كان ينسج الشعب حولهم القصص من النوع الشعبى الفولكلورى الذى يعجب العامة. وسفر يونس أو يونان الذى يقص عن هذا النبىّ من هذا النوع ، واليهود أنفسهم لا يعتبرونه من التاريخ ، ويقرءونه للتسرية كقصص الهلالى وأدهم والشرقاوى عندنا. وأهل البحث يقولون إن هذا السفر كتب فى القرن الرابع أو الخامس قبل المسيح ، والبعض يعتبرونه من التاريخ ، وعدّه كذلك المسيح ، واقتبس منه وأحال إليه. وما يجعل البعض يعدونه كالقصص والتمثيليات ما فيه عن الحوت وأخباره غير المعقولة مع يونس. ومن الغريب أن مستشرقين من أمثال جايجر ، ونولدكه ، وهوروفتس ، وسباير ، ينسبون إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه فى كتابته للقرآن استهواه فى قصة يونس أخباره مع الحوت ، فالعقلية العربية بسيطة سواء فى التأليف أو فى التلقى ويستهويها مثل ذلك ، وينسب هؤلاء إلى هذا التفسير إعجاب قرّاء القرآن بالقصة ، وترديدهم لها كمعجزة فيها العظة والعبرة ، مع أن هذه القصة لو كانت مجرد قصة ، فمبدعها ، والذين حافظوا عليها من البلى والنسيان ، هم اليهود ، فكان الأولى أن تنسب السذاجة إليهم!

ويطلق على يونس اسم «ذو النون» ، والنون بالعبرية هو الحوت ؛ ويأتى عنه فى القرآن قوله تعالى : (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (٨٨) (الأنبياء). ونولدكه يرى أن هذا الدعاء هو الذى أشهر قصة يونس بين المسلمين ، وهو دعاء غير موجود فى القصة التوراتية وينفرد به القرآن ، والذى دفع إلى شهرة هذا

١٠٨٧

الدعاء الحديث النبوى : «دعوة ذى النون إذ هو فى بطن الحوت ـ لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين! فإنه لم يدع بها مسلم ربّه فى شىء إلا استجاب له» ، والحديث الآخر : «من دعا بدعاء يونس استجيب له» ، والحديث : «اسم الله الذى إذا دعى به أجاب ، وإذا سئل به أعطى : دعوة يونس بن متى». وسألوه : هى الدعوة ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال : «هى ليونس بن متى خاصة ، ولجماعة المؤمنين عامة إذا دعوا بها. ألم تسمع قوله عزوجل : (فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (٨٨) (الأنبياء) ، فهو شرط من الله لمن دعاه به» أخرجه بن جرير ورواه ابن أبى حاتم.

والقصة التوراتية عن يونس فيها : أن الله أمره بالذهاب إلى نينوى عاصمة آشور ، لتثبيت قلوب اليهود المنفيين بها ، وليعلن لهم خراب نينوى ، فقيل إنه تملّص من هذا التكليف ، وبدلا من التوجه إلى نينوى شرقا توجه إلى ترشيش غربا ، وركب مركبا مشحونا ، أى مزدحما ، متوجها إلى هناك ، وفى البحر حدثت نوّة عظيمة ، واعتبر النوتية السبب فيها وجود عاص لله بين الركاب ، ولم يكن ذلك الراكب إلا يونس ، رأوا أن يتخلصوا منه بإلقائه فى البحر ، فابتلعه حوت كبير وقذفه من بعد ثلاثة أيام على شاطئ بالقرب من نينوى ، وخرج يونس لا يصدق فصلى كما فى المزامير ، وأوى إلى ظل يقطينة تحفظه من حرارة الشمس وتغذيه أوراقها وثمارها ، ولكنها بعد لأى بدأت تذبل ، فأصابه الحزن فاستدرك : أيمكن أن يحزن على يقطينة ولا يحزن أن يفارق من كان يدعوهم بدعوة الله وكانوا كثرا لا شك فى ذلك؟ ولاحظ الباحثون أن سفر يونس ـ على عكس كل أسفار التوراة ، فيه الكثير من عبارات المحبة للناس من غير اليهود ، وتحفل أسفار التوراة بالتطرف والعنف والعداء الشديد للشعوب ، وهذا المقت الذى تتميز به لم يظهر جليا فى الكتابات اليهودية إلا بعد السبى. وفى سفر يونس يسأل يونس للناس جميعا الرحمة والمغفرة لمّا تعلّم أن لا يسارع بإدانتهم واتهامهم بالكفر ، والروح المتبديّة فى السفر لذلك تختلف عن الروح العامة فى سائر أسفار التوراة ، الذى يثبت أن السفر كان كاتبه تحت وطأة تأثير أجنبى. ومن السخف أن يقول نولدكه أن المسلمين قلدوا اليهود بقراءة قصة يونس من القرآن يوم عاشوراء ـ كقراءة اليهود للقصة من التوراة فى يوم الكفّارة ، ويبدو أنه فهم ذلك من قول علىّ بن أبى طالب : إن الله تعالى قد غفر لأهل نينوى ما فعلوه يوم الكفارة الذى هو يوم عاشوراء ، فتصور أنه فى يوم عاشوراء عند المسلمين يفعلون نفس الشيء ويقرءون سورة يونس. ويزعم نولدكه أن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ألّف سورة يونس تقليدا لسفر يونس! ولم يكن المسلمون

١٠٨٨

سذّجا فى حبهم لقصة يونس ، فالنصارى كذلك أعجبوا بها ، واعتبروا تضحية يونس إرهاصا بالفداء الذى سيعلنه المسيح من بعد ، وقالوا لو كان اليهود تنبهوا لما فى القصة من العالمية بمناسبة الحب المتبدّى فيها لكل الأمم ، لبشّروا بدينهم العالم كله ، ولاعتنقه كل البشر ، وذلك ما لم يحدث طبعا ، وإنما الذى فعل ذلك المسلمون ، فقد ورد فى القرآن فى القصة : أن الله ينجّى من العذاب كل الناس بصرف النظر عن أجناسهم ، إذا كانوا من المؤمنين ، كقوله : (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (٨٨) (الأنبياء) ، ولم يكن هذا التوجه العالمى فى الإسلام مقصورا على قصة يونس ، ولكنه توجه عام وشامل لكل ما يدعو إليه الإسلام ، والإسلام أصلا ديانة عالمية وليس كاليهودية ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مكلفا بأن يبلّغ الدعوة للناس كافة ، الأحمر منهم والأصفر والأسود والأبيض ، فلو آمنوا بصرف النظر عن أجناسهم لاستحقوا المغفرة حقا وارتفع عنهم العذاب.

ويذهب علماء الأديان المقارنة من أمثال هوروفتس إلى أن قصة يونس تشبهها قصة ميتافنداكا فى الأدب الدينى البوذى ، وكان ميتافنداكا هذا مسافرا ذات مرة فى مركب ، فوقفت بركابها فى اليوم السابع وسط البحر لا تتحرك ، فضرب البحارة القرعة ، فوقعت سبع مرات متوالية على ميتافنداكا ، فألقوا به فى البحر ، وألقوا معه بعود من الخشب ليتعلق به أو يمتطيه طافيا إلى أى شاطئ ، وواضح أن الجزء الأول من القصة البوذية يشبه قصة يونس التوراتية ، ولكنه يخلو من أهم أجزائها وهو قصة يونس مع الحوت. وبالمقارنة بين القصة البوذية والقصة التوراتية والقصة القرآنية يقر نولدكه بعظمة قصة القرآن رغم كل شىء ، فإن أردت أن تستمتع بالقصة كأدب فاقرأها فى القرآن حيث الأسلوب البليغ والكلام الرائع. وفى رأينا أن جمال قصة القرآن أنها مجملة فى تفاصيلها ، والعناية فيها تتوجه إلى الموعظة والدرس المستفاد. وانظر إلى قوله تعالى : (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) (١٤٨) (الصافات). والقصة هنا فيها القرعة كالقصة البوذية وليس كقصة التوراة ؛ ثم إن التكليف فى قصة التوراة لا نعرف مصدره ، وفى قصة القرآن مصدره الله ؛ وفى قصة التوراة نعرف أنه كان هناك خمسة أنبياء فى إسرائيل بخلاف يونس ، وربما هذا ما جعل يونس يتساءل لما ذا اختير هو لمهمة الإبلاغ لهؤلاء القوم دون غيرهم ، ولعله لهذا هرب ، وبالتعبير القرآنى الجميل «ذهب مغاضبا» ، واستخدام صفة الغضب لوصف حالته

١٠٨٩

تلقى الضوء على شخصية يونس ، ومن ملابسات القصة أنه كان ضيق الصدر ، فلما حمل أعباء النبوّة تفسّخ تحت حملها الثقيل ، فمضى على وجهه كالآبق. ومعنى أبق أى هرب. فهل كان خروجه المغضب هذا قبل أن يبلّغ أهل نينوى رسالة ربّه ، أم كان بعد أن بلّغها لهم فوجد منهم الصدّ ، فوعدهم العذاب بعد أربعين يوما ثم رحل عنهم؟ أم أنه انتظر فلما رأى العذاب قد رفع ولم يعلم أن الله قد تاب عليهم ، ذهب مغضبا فكان ما كان من أمر الحوت معه؟ أم أن قصته مع الحوت كانت قبل الإبلاغ ، فلربما جاءه التكليف وكان عليه أن يرحل فورا دون أن يعدّ نفسه ، فكان ضيق الصدر ، فخرج مغاضبا من أجل ربّه ، ساخطا على أهل نينوى أنهم كانوا سبب كل هذه المشقة والكلفة؟ وفى جميع الأحوال فليس خلق يونس من خلق الأنبياء ، ولذا قال الله تعالى لنبيّه محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) (٤٨) (القلم) ، و «صاحب الحوت» اسم آخر ليونس يشتهر به. «ومكظوم» يعنى مكروب أو مغموم ، ولذا قال «ونجيناه من الغمّ». والمقارنة بين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويونس فى الآية السابقة هى التى جعلت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يأمر أصحابه فيقول : «لا ينبغى لأحد أن يقول أنا ـ يعنى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ خير من يونس بن متى» أخرجه الشيخان. والغم والكظم صارا من المصطلحات الوجودية وليس لهما ضريب فى قصة التوراة ، الأمر الذى يجزم إمّا بسبق القرآن إلى أمثال هذه الحالات الوجودية ، وإما أن الفلاسفة الوجوديين وأخصهم كير كجارد وبسكال قد قرءا ترجمة القرآن ، وهما فعلا قرءاه ، وخاصة بسكال ، وتأثّرا بأمثال هذه المصطلحات فى النسق القرآنى الذى تضمّنها.

وقوله تعالى : «فساهم» يعنى قارع ، من السهام التى تجال ، وقد كان يونس «من المدحضين» أى المغلوبين ، فلما رموه التقمه الحوت ، ولا يلام الحوت ، لأن الملوم هو يونس الذى كان منه ما استحق به هذا الجزاء ، «فلولا أنه كان من المسبّحين» أى الذين يذكرون الله ، للبث فى بطن الحوت إلى يوم البعث عقوبة له. والاختلاف بين المفسرين على المدة التى أقامها ، فمنهم من زاد على الرواية اليهودية وقال أربعين يوما ، لأن الرقم أربعين عرفناه من قبل مع موسى فى الجبل ، ومنهم من قال سبعة أيام ، والعدد ثلاثة أيضا له أسراره ، ومنهم من ذكر أن ذلك تم سريعا تماما مثل حمل مريم ، فتلك أعمال ربّانية وليس للوقت فيها حساب. وفى فقه إلقاء يونس فى البحر لمّا عصى ، ينفرد الإسلام بأنه لا يجوز إلقاء العاصى بعصيانه فى البحر ولا فى النار كما فى قصة إبراهيم ، ولا يجوز قتله ، وإنما تجرى عليه الحدود ويعزّر على مقدار جنايته. وكذلك لا يجوز ضرب القرعة على من كان فى سفينة فى البحر بقصد تخفيف وزنها حتى لا تغرق ثقلا ، أو بقصد أى شرّ وتسبيح

١٠٩٠

يونس دليل على أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر ، والتسبيح باللسان لا بد فيه أن يوافق الجنان ، وفى الحديث : «من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل» ، والعمل الصالح المخفىّ هو ذخر ليوم الفاقة والفقر. والتسبيح أنجى يونس ، فنبذ بالعراء ـ أى الصحراء ، وهو سقيم ، أى كالمنفوس ، وفى الآية الأخرى : (لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ) (٤٩) (القلم) ، يعنى أنه على الحقيقة لم يكن مذموما ، وكان مرضيا عنه رغم كل شىء ، ولذلك قيل : (فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٥٠) (القلم) أى اختاره ، والاختيار لا يكون إلا للأصفياء ، ولذا أنبت الله تعالى اليقطين يظله بها ويطعمه بلحمها ، حتى تقوّى فأرسله إلى أهل نينوى وكانوا مائة ألف أو يزيدون ، والعدد هنا للتقدير وليس للحصر. وفى العفو عنهم تأتى الحكمة البليغة فى القرآن عنهم فى قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧) فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (١٠٠) (يونس) وهى آيات من جوامع الكلم ، وفيها المواعظ والعبر والدروس المستفادة ، فما من قوم يغضب الله عليهم إلا بمعصيتهم ، وأمثالهم مهما سقت إليهم من الدلائل والبراهين لا جدوى معهم إلا أن يأخذهم الله بالشدّة ، إلا قوم يونس ومن على شاكلتهم ، فكاد الله يأخذهم بالعذاب ، لو لا أن تابوا قبل أن يعاينوه ، فنجّاهم الله لمّا آمنوا ، وقبل أن ينزل بهم البلاء. ونفيد من ذلك أن المعاينة التى لا تنفع معها التوبة هى التى يكون العذاب فيها متلبسا كما فى قصة فرعون : (حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ) (٩٢) (يونس) ، وكانت لذلك قصة يونس تالية على قصة فرعون ، لأن فرعون «آمن حين رأى العذاب» فلم ينفعه إيمانه ، بينما قوم يونس «تابوا قبل أن ينزل بهم العذاب» ، ونزوله ـ أى العذاب ـ مرهون بغضب الله ، فكان ذلك دليلا على أن الله تعالى لم يكن قد غضب منهم بعد. وتدحض هذه المواعظ فى القصة القرآنية دعوى نولدكه أن القصة التوراتية لم تعجب محمدا إلا للحوت الذى بها والذى يصنع منها «قصة للأطفال»! وإنما جاءت صياغة القصة القرآنية صياغة تستدعى التدبّر والتفكّر وتدفع إلى الاستنباط ، فكانت قصة عظيمة بكل المقاييس ، وهو ما تفتقده قصة التوراة. ولعل أبرز ما فى قصة القرآن قولها «بالتوبة فى

١٠٩١

وقتها» ، وفى الحديث عن التوبة : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» ، والغرغرة هى الحشرجة ، وذلك هو حال التلبّس بالموت. ولقد وصف الله تعالى العذاب الذى كشفه عن أهل نينوى بأنه عذاب الخزى ، لأنهم لم يعاينوه ، وإنما وعدهم به يونس. وفى ذلك قال علىّ بن أبى طالب : إن الحذر لا يردّ القدر ، وإن الدعاء ليردّ القدر ، وذلك أن الله تعالى يقول : (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) (يونس ٩٨) ، وتخلص قصة القرآن إلى ما نخلص إليه منطقيا ، وربما غاب عن يونس عند ما تسرّع ووعد أهل نينوى العذاب : أن الله لا يفرض الإيمان على الناس ، ولو شاء ذلك لآمنوا ، ويتساءل : (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (٩٩) (يونس) والخطاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والسؤال دليل على أن سبيل الإسلام ليس الإكراه على الإيمان ، والمرء فى الإسلام حرّ أن يختار أن يؤمن أو يكفر ، وفى ذلك ردّ على دعاوى أن الإسلام قام على القهر ، وبعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يكون الخطاب للدعاة ، فالدعوة إلى الإسلام قوامها أن يختار المدعو فى حرية ، مثلما فعل قوم يونس ، فلم يقسرهم الله على الإيمان بعذاب أنزله بهم ، وإذا كان يونس قد استنزل العذاب على قومه ، فإن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد عذر قومه ودعا لهم. والإيمان قضية عقل ، ولذا يقول تعالى عقب هذه الآيات : (قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (الإسراء ١٠١) ، والنظر الذى يأمر به الله كسبيل إلى الإيمان من اختصاص العقل ، ولذا قال تعالى : (وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ) (١٠٠) (يونس) ، أى لا يعملون عقولهم وأفهامهم ، ولا يعتبرون ، والرجس هو العذاب. وفضيلة قوم يونس أنهم اعتبروا بسرعة وفهموا فى الوقت المناسب.

فتلك إذن فضائل قصة يونس كما أوردها القرآن ، لا تقارن بها قصة التوراة ، ولا بما استخلصه النصارى منها لإثبات الفداء ، ولهذا كان الإسلام دينا قيّما ، والقرآن كتابا مهيمنا.

* * *

٨٩٣. قصة لقمان الحكيم

كلام المستشرقين فى لقمان كثير ، ولمّا لم يجدوا اسمه فى التوراة ـ وكل شىء فى القرآن يريدون أن ينسبوه إلى التوراة ـ قالوا تسخيفا لشأنه ، واستهزاء بأمره ، أنه شخصية أسطورية من عصور الجاهلية العربية ، يسمونها إمعانا فى تحقيرها ـ ببربرية العرب ، أو همجيتهم ، أو وثنيتهم paganism. والذين تناولوا قصة لقمان اعتبروها من الفولكلور العربى ، وأنكروا أن يكون هناك شخص حقيقى باسم لقمان ، واعتبره المستشرق رينيه باسيه مستعربا من أصول حبشية أو سودانية ، وقال فى وصفه عن المصادر العربية : أنه كان

١٠٩٢

أسود ، مشقّق الرجلين ، ذا مشافر ، أى عظيم الشفتين ، ولذا سمّاه لقمان البربرى Loqman Le ـ Berbere ، واعتبر توى Toy قصته حكاية شعبية ، وأسطورة أو خرافةLegend ، وذهب شوفين Chouvin نفس المذهب. وأما نولدكه ، وكونيبير ، وريندل ، وهاريس ، وأجنيث سميث لويس ، فهؤلاء عقدوا المشابهات بين حكم لقمان وبين الحكم المشهورة فى الغرب باسم حكم إيزوب ، وجميع هؤلاء يقصدون إلى شىء واحد : أن محمدا أخذ هذه الحكم عن غيره ، وكأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان عارفا بكل لغات الدنيا! فما كانت فى زمنه ترجمات ، ولا بد لكى يقرأ فى هذه الثقافات أن يقرأها بلغاتها! وكأنه ملم بها بثقافات أصحابها ، وثقافات السابقين عليهم! وما كان صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا عربيا يرعى الأغنام قال فيه ربّه : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) (العنكبوت ٤٨) ، فسبحان الله! ولو سألت أغلب مثقفى أوكسفورد أو هارفارد : من هو إيزوب هذا وما هى حكمه؟ لحاروا فى الجواب! وإيزوب الذى يشابه نولدكه قصة لقمان به ، كان إغريقيا من القرن السابع أو السادس قبل الميلاد ، فكيف عرف نبيّنا به؟! ولو تناولت أيا من الموسوعات أو المعاجم الأوروبية أو الأمريكية فستجد ترديداً لهذه الفرية : أن لقمان هو النسخة العربية لإيزوب ، وأن الحكم العربية فيه لتشبه حكم إيزوب ، ولما كانت الروايات الغربية مجمعة على أن إيزوب شخصية متخيّلة ، وليس لها واقع حقيقى ، فإن المستشرقين الذين ابتلينا بهم ، يصرّون على أن لقمان هو الآخر شخصية خرافية!! ولا أبرّئ المفسّرين العرب من هذه التخرّصات التى يروّجها المستشرقون ، فأمثال الثعالبى والطبرى يستحقون الضرب بالرصاص ، إلا أنهم مع ذلك كانوا مجنيا عليهم ، فمصادرهم إسرائيلية ، وما اشتهر عند علماء العرب باسم الإسرائيليات تحفل بها كتبهما ، ونشرها بين الناس ، فكان لزاما أن نحذر منها ، ومن ذلك ادّعاء وهب بن منبّه ـ وهو أستاذ فى الترويج للإسرائيليات ، أنه قرأ من حكم لقمان أكثر من عشرة آلاف باب ، ولاحظ قوله «عشرة آلاف باب» ولم يقل حكمة! والباب فى العلوم هو مبدأ فصولها ، فلربما يندرج ضمن الباب الواحد المئات من الحكم فى الموضوع الواحد ، ومعنى ذلك أن يكون لقمان أحكم من داود وسليمان والأسباط وعيسى مجتمعين! وقالوا فى لقمان أنه كان خيّاطا ، وقيل : بل كان نجّارا ، ومن ذلك قولهم : إن لقمان علّم داود ، وكان يعظه ؛ وقولهم : أنه كان من قضاة إسرائيل من نوع القضاة الولاة ضمن سفر القضاة ؛ وقولهم أن اسمه كان لقمان بن باعوراء بن ناحور بن تارح ، أى كان من نسل آزر ، ومن أصول النبىّ إبراهيم ، وقيل : كان اسمه لقمان بن عنقاء بن سرون ، وكان نوبيا من أهل أيلة بفلسطين ؛ وقيل : كان ابن اخت أيوب ، أو ابن خالته ؛

١٠٩٣

وقيل : إنه عاش ألف سنة ، ولذلك لقّب بالمعمر ، وأدركه داود ، وكان عمله الإفتاء ، فلما بعث داود انقطع عن الإفتاء ، فقيل له ، فقال : ألا اكتفى إذا كفيت! ـ يعنى بمجيء داود لم تعد هناك حاجة للناس فيه ، ولذلك قيل إنه النبى «صموئيل» ، وقيل هو النبىّ «جاد» الذى عاصر داود. وتروى عن لقمان فى القرآن ثمانى آيات ليس فيها ما يمكن أن نستدل به على أن لقمان كان نبيا ، ومع ذلك قال بعض المسلمين أنه أوتى النبوّة ، فى قوله تعالى : (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ) (لقمان ١٢) ، فجعلوا الحكمة بمعنى النبوّة ، والصحيح أن النبوّة غير الحكمة ، وفى القرآن : (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) (البقرة ١٢٩) فهل النبوّة تعلّم؟ وهل من مهام الأنبياء أن يعلّموا الناس النبوّة؟ ؛ وفى القرآن : (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) (النحل ١٢٥) ، فهل المعنى أن ندعو إليها بالنبوّة؟ وإذن لا يكون ما آتاه الله لقمان إلا الحكمة بمفهوم الدراية بأمور الحياة ، والتعامل مع الناس والمواقف بموضوعية وعقلانية ، وبانفتاح على العالم والحياة ، وبمعرفة علمية وإحساس اجتماعى ونظرة فلسفية ، وكانت حكمة لقمان آراء سديدة تسلك بمن يستهديها المسلك الصائب. واسم لقمان على وزن فعلان ، فهو عربى ، ولا يوجد الوزن فعلان فى العبرية ، وواضح أنه من الحكماء الذين كانت تزخر بهم بلاد العرب ، مثل : هرم بن قطبة بن سنان ، والحارث بن كلدة الثقفى ، وأكثم بن صيفى بن رباح ، وعامر بن الظرب العدوانى ، وعبد المطلب بن هاشم. والحكمة عند العرب فرع المعرفة المقابل للفلسفة عند الإغريق. ومعنى الفلسفة هو حبّ الحكمة ، حيث Philo تعنى الحب ، وsophos تعنى الحكمة. وكان فيثاغورس الإغريقى أول من سمّى نفسه فيلسوفا أو محبا للحكمة ، وكان الناس قبله يسمون حكماء ، ورفض فيثاغورس أن يسمّى حكيما ، فحسب قوله : أن هذا كثير عليه ، وأنه يفضّل أن يقال أنه «محب للحكمة» على أن يقال أنه «حكيم». وإذن فالحكمة كانت إغريقية كما هى عربية ، إلا أن العرب تمسّكوا باسم الحكمة ، بينما تنازل الإغريق عن الاسم ، وآثروا عليه اسم «حبّ الحكمة» أو الفلسفة. والردّ على من يقول إن الفلسفة لم يعرفها العرب قبل عصر الترجمة زمن المأمون ، هو أن فلسفة العرب كانت هى الحكمة ـ وإن تخلّوا الآن للأسف عن الاسم ، واستعملوا كعادة المحدثين ـ الاسم الأوروبى : الفلسفة. وفى القرآن يأتى مصطلح الحكمة : عشرين مرة ؛ ويأتى مصطلح الحكيم : إحدى وثمانين مرة. والقرآن أكثر كتب الأديان دعوة إلى الحكمة ، وذلك دليل على أن الإسلام دين ثقافة ومدنية وعلم وحضارة وفكر ، وليس دين جامد ثبت على مقولات انتهت صلاحياتها منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة! وحكمة العرب نظرية وعملية ، لأن الحكمة ضربان : حكمة نظرية : كالتى تبحث فى معنى

١٠٩٤

الألوهية ، وأوصاف الله ، ومعنى النبوّة ... إلخ ، وكل النظريات الحديثة من نوع الحكمة النظرية ؛ وحكمة عملية : تهتم بالسلوك. والقرآن به الحكمتان ، والآيات من سورة لقمان التى تطرح فلسفة أو حكمة لقمان ، هى من نوع الحكمة العملية. ولقمان فيما يعرض من هذه الحكمة لم يكن نبيا ولكنه عبد صالح يتولى تربية ابنه التربية الدينية الدنيوية ، وحكمته نتيجة تفكيره وثمرة خبرته فى الحياة ، وحسن يقينه ، وقوة اعتقاده فى الله ، يقول لابنه واعظا : (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (١٢) (لقمان) ، والشكر فى حقيقته هو الثناء على المحسن بما أولانا من المعروف ، وترك الشكر للناس هو كفران نعمة الناس ، وترك الشكر لله هو كفران لنعمة الله. والشكر لله يكون بطاعته على ما أمر ، وألّا يعصى بنعمه. وحقيقة من يشكر لله أنه يشكر لنفسه ، يعنى أنه عند ما يشكر الله فإنه يثنى على نفسه ، ويستزيده تعالى من نعمه ، فإن لم يشكره فإنه لن ينقص الله شيئا ، ولكنه ينقص نفسه أشياء ، والله مستغن عن الشكر. والشكر لله هو باب الحكمة ، وتدخل ضمن هذا الباب المواعظ ، ومواعظ لقمان من أشهر المواعظ ، وبداية أية مواعظ هو الدعوة لتوحيده تعالى ، والنهى عن الشرك به ، وهذه الموعظة هى الملح الذى بدونه لا يحلو الطعام ولا الكلام. والشرك ظلم ، وهو أكبر الظلم لله بأن نجعل له ندا ، ولأنفسنا بأن نضلّلها ونفسد فطرتها ، ولمن حولنا ، لأن الشرك بالله دعوة للآخرين أن يحذو حذونا وأن يقتدوا بنا فيضلوا بضلالنا. وسبب هذه الآيات عن لقمان ، أن بداية سورة لقمان كانت عن طبقة من المؤمنين هم المحسنون الذين يعملون الصالحات ، كقوله : (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) (٣) (لقمان). مقارنة بالظالمين الذين ضلوا عن الإيمان ، مع أن الكون كله يحفل بالآيات الدالة على وجوده تعالى وواحديته. فلما ذكر هؤلاء تطرّق الحديث إلى لقمان الذى كانت هذه الدعوة هى دعوته ، وكان على رأس قائمة هؤلاء المؤمنين المحسنين. والظالمون الذين عناهم الله تعالى بقوله تعالى : (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (١١) (لقمان) هم المشركون به ، فكانت عبارة لقمان : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (١٣) (لقمان) استطرادا لمقولته تعالى عن الظالمين. ولقمان مهمته الوعظ ، لأنه حكيم ، واختار لذلك أن تأتى عظاته كما لو كانت وصايا لابنه ، وهو نوع genre من الكتابات الأدبية ، أو أدب الحكمة ، يتخيل فيه الكاتب أنه يخاطب ابنه ، وينزل بذلك القارئ منه منزلة الابن من أبيه ، والابن الأقرب إلى أبيه ، والأكثر حاجة لمواعظه ووصاياه ونصائحه ، ويختصه الأب بأفضل ما يعرف ، والإيمان بالله هو أفضل وأحكم المعارف ، ولقمان فى هذه القطعة الأدبية اختار أن يوصى ابنه بربّه ، وأن يحذّره من الشرك ، ويعلّمه

١٠٩٥

أن يشكر ربّه. ونحن نشكر الله ، لأنه خلقنا ، ونشكر الوالدين لأنهما كانا سببا لخلقه لنا ، وكما أن شكره تعالى واجب ، فشكرهما كذلك واجب بطاعتهما كما نطيع الله ، وأن ندعوه لهما ، وهو الذى إليه المصير يوم الحساب ، يحاسبنا عمّا فرّطنا فى حقّه وفى حق الوالدين. والإشادة بالأم على وجه الخصوص ، وبدورها الكبير كأم ، قال تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٥) (لقمان) ، فخصّها بأربع درجات من هذه الوصية : فخصّها أولا بذكر الحمل ، ثم خصّها ثانيا بذكر الرضاع ، وخصّها ثالثا بقوله : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) ، وخصّها رابعا بقوله : (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) ، وأوصى بالأب مرتين فى قوله : «والديه» ، وفى قوله : و «والديك» ، وخصّ الأم مرتين صراحة ، ومرتين ضمنا ، وخصّ الأب مرتين ضمنا فقط. وهذه الآية هى تفسير للحديث الذى فيه يسأل أحدهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : من أبرّ؟ قال : «أمّك». قال : ثمّ من؟ قال : «أمّك». قال : ثمّ من؟ قال : «أمّك». قال : ثمّ من؟ قال : «أبوك» (كأنه قال ثم أبوك فرفعها لهذا السبب) ، فجعل للأم ثلاثة أرباع المبرّة ، وللأب الربع منها فقط. وأكثر من ذلك ، أنه وصّف عمل الأم أعظم توصيف ، وفصّله تفصيلا ، لغرابته ومعجزته وكرامته ، ولسموق المعانى التى تهدى إليه ويعمل فى إطارها : فقد حملته فى بطنها ضعفا على ضعف ، ففضلا عن ضعف المرأة فالحمل يضعفها أيما ضعف ، ويثقل عليها طوال تسعة أشهر ، كما تثقل عليها الرضاعة طوال عامين أو نحوهما ، فالأم مسكينة ورعايتها لذلك أوجب وأهم. ونحن نولد ونهوّد أو ننصّر بحسب أبوينا ، وطالما المرء لم يرشد فلا مسئولية عليه ، وإنما المسئولية ابتداء من البلوغ ، فحينئذ علينا أن نسأل أنفسنا عمّن خلقنا؟ وما هى صفاته؟ وما هو الدين الذى يذهب إلى نفس ما نستخلص من نتائج ، ويتفق مع العقل ، وله رسالة اجتماعية وإنسانية ، فضلا عن أن فيه النجاة لصاحبه فى الآخرة؟ فإذا عرفنا ذلك فعلينا أن نلزم ما توصلت إليه عقولنا ، وأن نعبد الله ولو كانت عبادته فيها العصيان للوالدين ، فالدنيا هى حدود البنوّة للوالدين ، والآخرة بداية العبودية لله ، وفى العبودية لله إقرار بالوالدية ، ولكن الوالدية قد تكون مضلّلة للعبودية. والصحبة فى الدنيا للوالدين بالمعروف ، وأما للآخرة فالصحبة لمن يدعو إلى الله ، وإزاءه تعالى فلا طريق إلا أن نرجع إليه وننيب. ويروى أن الآية : (وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (لقمان ١٥) نزلت فى سعد بن مالك بن أبى وقّاص أحد العشرة المبشّرين بالجنة ، فلما كان برّا بأمه ، وكانت أمه على

١٠٩٦

الشرك ، وأسلم هو ، هددته إن لم يترك دينه فلن تأكل حتى تموت فيعيّره الناس بأنه قاتل أمه ، ومكثت لا تأكل يوما وليلة ، فأصبحت وقد أجهدت ، ثم مكثت يوما آخر وليلة لم تأكل ، فجهدت أكثر ، ثم أنها مكثت يوما وليلة لم تأكل حتى اشتد جهدها ، فقال لها : يا امّه! تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ، ما تركت دينى هذا لشىء! فإن شئت فكلى؟ وإن شئت لا تأكلى ـ» ، فأكلت! وفى الآيات السابقة أن الآخرة فيها الحساب على الكبيرة والصغيرة ، والصغيرة يعرفها الله مهما تناهت فى الصغر وبدا أنها قد تخفى ، فالله لطيف لا تخفى عليه خافية ، وهو الخبير بدبيب النملة فى الليل البهيم. ثم أوصى لقمان ابنه : بالصلاة ، فلا شكر لله بلا صلاة ، وإقامة الصلاة تكون بفروضها وحدودها وأوقاتها ؛ وأوصاه : أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فى حدود طاقته وجهده ، وقد يناله من ذلك الضرر فعليه أن يصبر ، والصبر هو ما يمكن أن يواجه به المؤمن مصائب الدنيا ؛ وأوصاه بأن : لا يصعّر خدّه للناس ، أى لا يشيح بوجهه كبرا عليهم ، واحتقارا لهم ، ومثل ذلك الإعراض عن الناس ، وترك الكلام معهم ؛ أوصاه : أن لا يختال بنفسه ويمشى مشية المتكبّر المتفاخر ، والمتباهى المتعاظم والفرح بنفسه زهوا ؛ وأوصاه : أن يقصد فى مشيه ، أى يتوسط فيه بين الإسراع والبطء ، وهكذا فى كل شىء ، فالقصد هو التوسط ، وقيل الفضيلة وسط بين نقيضين ، فالكرم فضيلة ، وهو وسط بين الشّح وبين السفه والإسراف ، والتوسط مطلوب فى الصوت ، ويوصى لقمان ابنه فى ختام وصاياه بالغضّ من صوته ويضرب المثل بصوت الحمار الجهير ، فإنه أنكر الأصوات ، وهذه الآية أدب من الله بترك الصياح جملة حتى فى الملاحاة ، والناس تجهر بالصياح لدافع نفسى وإحساس داخلى بالضعف ، ومدافعة للخصم ، على اعتبار أن صاحب الصوت الأشد هو الأعزّ ، وصاحب الصوت الخفيض هو الأذلّ. وهذه المواعظ الثمانى عشرة ، هى كل مواعظ لقمان فى القرآن ، وهى نموذج من وصاياه من أفضلها وأحسنها ، وله مواعظ أخرى كثيرة أوردتها الكتب الإسلامية ، فلمّا كان يافعا ظهرت عليه مخايل الحكمة مبكرة ، وكان يعمل بالأجر عند أناس ، فأمره مولاه أن يذبح شاة فذبحها ، فأمره أن يخرج أطيب مضغتين فيها ، فأخرج اللسان والقلب ، ثم مكث مدة وأمره أن يذبح شاة أخرى ويحضر أخبث مضغتين فيها ، فأحضر اللسان والقلب ، فقال له مولاه : كيف ذلك : اللسان والقلب مرة هما أطيب مضغتين ، ومرة هما أخبث مضغتين؟! فقال لقمان : «إنهما ليس أطيب منهما إذا طابا ، ولا أخبث منهما إذا خبثا»! ومن وصاياه الأخرى لابنه : يا بنى ، إنك منذ سقطت إلى الدنيا

١٠٩٧

استدبرتها واستقبلت الآخرة ، فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد. يا بنى ، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ، ولا تجادلهم فيمنعوك ، وخذ من الدنيا بلاغا ، ولا ترفضها تكون عيالا على الناس ، وصم صوما يقطع شهوتك ، ولا تصم صياما يمنعك من الصلاة. يا بنى ، إن الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير ، فاجعل سفينتك فيها الإيمان ، واجعل شراعها التوكل ، واجعل زادك فيها تقوى الله ، فإن نجوت فبرحمة الله ، وإن هلكت فبذنوبك. يا بنى ، إن تأدّبت صغيرا انتفعت كبيرا. يا بنى ، ماسح عدوّك (أى صادقه) ولا تزاوله بالمجانية فيه ، فيبدو له ما فى نفسك فيتأهب لك. يا بنى ، إنى حملت الجندل والحديد ، وكل حمل ثقيل ، فلم أحمل شيئا أثقل من جار السوء ، وذقت المرارات كلها فلم أذق شيئا أمرّ من الفقر. يا بنى ، اتخذ ألف صديق ، وألف قليل ، ولا تأخذ عدوا واحدا ، والواحد كثير. يا بنى ، لا تتخذ الجاهل رسولا ، فإن لم تصب عاقلا حكيما يكون رسولك ، فكن أنت رسول نفسك. يا بنى ، لأن يضرّ بك الحكيم فيؤذيك خير من أن يدهنك الجاهل بدهن طيب. يا بنى ، لا تفشينّ سرّك إلى امرأتك. يا بنى ، تعلمت سبعة آلاف حكمة فاحفظ منها أربعا ، وسر معى إلى الجنة : أحكم سفينتك فإنّ بحرك عميق ، وخفّف حملك فإن العقبة كئود ، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد ، واخلص العمل فإن الناقد بصير». ولمّا عابوا على لقمان قبح وجهه ، قال لهم : تعيبون على النقش أو على فاعل النقش؟!

* * *

٨٩٤. لقمان : العبد الصالح

فى الحديث : «ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (١٣) (لقمان)»؟ ـ فالذى قال ذلك لابنه هو لقمان ، وهو بذلك العبد الصالح الذى نوّه به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والصالحون صنف من أصناف المؤمنين ، أعلاهم النبيون ، ثم الصدّيقون ، ثم الشهداء ، ثم الصالحون ، يقول تعالى : (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ) (النساء ٦٩) ، ومن الصالحين كان زكريا ويحيى وإلياس (الأنعام ٨٥) ، وإسحاق ويعقوب (الأنبياء ٧٢) ، ونوح ولوط (التحريم ١٠) ، ويحيى (آل عمران ٣٩) ، وعيسى (آل عمران ٤٦).

* * *

قصة البقرة

٨٩٥. هل تتشابه القصة فى القرآن وفى التوراة

يردد المستشرقون كثيرا حكاية أخذ القرآن من التوراة ، وأن قصص القرآن جميعها من

١٠٩٨

التوراة ، وأنه لو لا التوراة ما كان القرآن ، ومن مثل ذلك «قصة البقرة». وترد فى القرآن هكذا : (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٧٤). وفى التوراة الأمر بخلاف ذلك تماما ، هكذا : «إذا وجد قتيل فى الأرض التى يعطيك الربّ إلهك لتملكها ، مطروحا فى الصحراء ، لا يعرف من قتله ، فليخرج شيوخك وقضاتك ويمسحوا منه إلى المدن التى حول القتيل ، فأية مدينة كانت أقرب إليه يأخذ شيوخ تلك المدينة عجلة من البقر لم يحرث عليها ولم تجرّ بالنير ، ويهبط بها شيوخ تلك المدينة واديا وعرا لم يفلح ولم يرع ، ويكسرون عنقها فى الوادى ، ثم يتقدم الكهنة بنو لاوى ، لأن الربّ إلهك إياهم اختار ليخدموه ويباركوا باسم الربّ ، وبكلامهم تفصل كل خصومة وكل ضربة. ويغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبة من القتيل أيديهم على العجلة المكسورة العنق فى الوادى ، ويجيبون قائلين : أيدينا لم تسفك هذا الدم وعيوننا لم تر. اللهم اغفر لشعبك إسرائيل الذى فديته يا ربّ ، ولا تجعل الدم البرىء فيما بين شعبك إسرائيل ، فيكفّر عنهم الدم ، فتزيل الدم البرىء من بينكم إذ صنعت القويم فى عينىّ الربّ» (تثنية الاشتراع ٢١ / ١ ـ ١٠). ففي التوراة لا توجد قصة وإنما تشريع ، والبقرة أو العجلة التى تذبح إنما هى كفّارة ، وعلى دمها يحلف القوم أنهم بريئون من دم القتيل. وفى ذلك نفسه يأتى فى سفر العدد : ذبح بقرة لها مواصفات معينة كذبيحة خطاء ، يقول : «وكلّم الربّ موسى وهارون قائلا : «هذا رسم الشريعة التى أمر الربّ بها قائلا : كلّم بنى إسرائيل أن يأتوك ببقرة صهباء صحيحة لا عيب فيها ، ولم يرفع عليها نير ، فتدفعونها إلى العازار الكاهن فيخرجها إلى خارج المحلة وتذبح أمامه ، فيأخذ من دمها بإصبعه وينضح إلى قبل خباء المحضر من دمها سبع مرات ، وتحرق البقرة أمام عينيه ، جلدها مع لحمها ودمها وفرثها ، فيأخذ الكاهن عود أرز وزوفى وصبغ قرمز ، ويلقى ذلك فى وسط حريق البقرة ، ثم يغسل الكاهن ثيابه ، ويرحض بدنه بالماء ، وبعد ذلك يدخل المحلة

١٠٩٩

ويكون الكاهن نجسا إلى المغيب. والذى يحرقها يغسل ثيابه بالماء ، ويرحض بدنه بالماء ، ويكون نجسا إلى المغيب. ويجمع رجل طاهر رماد البقرة ، ويضعه خارج المحلة فى موضع طاهر ، ويكون محفوظا لجماعة بنى إسرائيل لأجل ماء النضح : إنها ذبيحة خطاء. هذه هى الشريعة : أى إنسان مات فى خيمة فكل من دخلها ، وكل ما فيها يكون نجسا سبعة أيام. وكل إناء مفتوح ليس عليه ضمام مشدود فهو نجس. وكل من لمس على وجه الصحراء قتيل سيف ، أو ميتا ، أو عظم إنسان ، أو قبرا ، يكون نجسا سبعة أيام ، فيؤخذ للنجس من رماد حريق ذبيحة الخطاء فى إناء ويصبّ عليه ماء معين ، ويأخذ رجل طاهر زوفى ويغمسها فى الماء ، وينضح على الخيمة ، وعلى جميع الأمتعة والنفوس التى كانت فيها ، وعلى من لمس العظم ، أو القتيل ، أو الميت ، أو القبر. ينضح الطاهر على النجس فى اليوم الثالث والسابع ، ويطهّره فى اليوم السابع فيغسل ثيابه ويرتحض بالماء فيطهر عند المغيب. وأى رجل تنجّس ولم يتطهر تقطع تلك النفس من بين الجماعة لأنه نجّس مقدس الربّ ولم يرشّ عليه ماء النضح فهو نجس» (العدد ١٩ / ١ ـ ٢١). والنصّ ـ كما ترى ـ عام ، وهو تشريع للتطهّر من الموت سواء كان قتلا أو موتا عاديا ، فالميت ، وعظم الميت ، وقبره ، كل ذلك نجس ينبغى التطهّر منه. والبقرة التى تذبح شرطها أنها أولا : صهباء أى يميل لونها إلى الحمرة أو الشقرة ؛ وهى ثانيا : صحيحة لا عيب فيها ؛ وهى ثالثا : لم يرفع عليها نير أى لم يشدّ عليها خشب على رقبتها بين القرنين ليوصل به المحراث أو خلافه. وفى قصة القرآن وصفها بأنها أولا : «لا فارض ولا بكر» ، أى لا كبيرة هرمه ، ولا صغيرة لم يلحقها الفحل ، وزاد فى الوصف فقال «عوان بين ذلك» أى نصف بين الكبيرة والصغيرة ؛ وهى ثانيا : «فاقع لونها» ، أى شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض ؛ وهى ثالثا : «تسرّ الناظرين» أى تعجبهم ؛ ثم هى رابعا : (بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ) (٧١) (البقرة) ، أى ليست مذلّلة بالحراثة ، ولا معدّة للسقى ولم تربط إلى ساقية ؛ وهى خامسا : «مسلّمة لا شية فيها» ، أى صحيحة لا عيب فيها. فكما ترى ، فالأسلوب أشد ما يكون بلاغة فى قصة القرآن ، والكلام يسرد فى شكل حوار. وتبدأ القصة بالأمر بذبح البقرة فى مناسبة وجود قتيل بين أظهرهم ، فأتوا موسى وسألوه البيان ، ولكن جوابه لهم لم يكن الجواب على سؤالهم ، ولذلك قالوا : «أتتخذنا هزوا؟» والهزو اللعب والسخرية ، فاستعاذ موسى من الهزو أو الهزء ، لأنه جهل ، وهو نقيض العلم الذى يتحلى به الأنبياء. وقولهم ذاك يتمشى مع وصف أنبيائهم لهم : يشوع بن سيراخ ، وأشعياء ، وإرميا ، وباروخ ، وحزقيال ، ودانيال ، وهوشع ، ويوئيل ... إلخ ، وظاهر قول موسى فى الآية دليل فساد اعتقادهم ، ولقد ردّ عليهم بالاستعاذة من الجهل فقد جهّل قولهم له : «أتتخذنا هزوا» ، ولو قال ذلك اليوم أحد عن

١١٠٠

بعض أقوال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لوجب تكفيره ، وكان ذلك منهم على جهة غلظ الطبع ، والجفاء والمعصية ، على نحو ما قال القائل لنبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى قسمة غنائم حنين : إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله. وكما قال له الآخر : اعدل يا محمد! وفى الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ، ومن يجب تعظيمه من المؤمنين أو الأنبياء. ولقد شدّدوا على أنفسهم وتعنّتوا فشدّد الله عليهم. والعبارات التى وردت فى نصوص التوراة تدل على قمة التزمّت وهو نوع من الغباء العقلى والانغلاق الفكرى ، فهم جعلوا الموت نجسا لكل ما يلامسه ومن يلامسه ، وحتى عظم الميت ، والقبر ، والنعش والسرير وملابسه ، وكل شىء جعلوه نجسا إذا لامسه ، ويظل ذلك أسبوعا ولا يبرأ منه إلا بطقوس خاصة ، وحرق بقرة ونضح الماء برمادها ... إلخ ، مما يجعل الحياة مستحيلة وشديدة التعقيد ، والإسلام رفع كل هذا الإصر. وفى هذه النصوص التوراتية وآيات القرآن التى مدارها البقرة والقتل ، يتبين بجلاء أن الإسلام دين لا يقارن يسره بأى ديانة أخرى ، فلا شىء من هذه الطقوس الغريبة فيه. والقصة فى القرآن موصولة بما سبقها حيث الآيات قبلها هى وصف لطبع اليهود ، وهو أول وصف فيما نسميه الآن «بعلم نفس الأجناس» ، أو «علم نفس الشعوب» : وهو الذى يصف طباع مختلف الأجناس والشعوب ويجعل لها ما يسميه «لا شعورا جميعا» ، يرثه الأبناء عن الآباء ، ويلازمهم كطبع فيهم ، فتتشابه سلوكياتهم وردود أفعالهم ، فمن بعد ما قال لهم الله تعالى من الآية ٦٤ من البقرة «ثم توليتم من بعد ذلك» فإنه ظل يعدّد سوء أفعالهم من عدوانهم على السبت (الآية ٦٥) ، وتحولهم إلى قردة بالمعنى المعنوى ، أى أنهم صاروا أشباه بشر وخلوا من الإنسانية ، ولذلك اختلفوا فى مسألة البقرة ، وهو قوله تعالى : (فَادَّارَأْتُمْ فِيها) (البقرة ٧٢) ، وكتمتم الحقيقة ، والله مخرج ما كتموه. ولم يكن الأمر يستلزم أن يفرض الله عليهم ذبح البقرة ، وأن يضربوا القتيل ببعضها ليحيا من جديد ويفضح من قتله ، فالله قادر على أن يردّه إلى الحياة لو أراد بدون البقرة ، إلا أنه تعالى جعله يحيا بضربه ببعضها ، ليبين أنه يستطيع ذلك بأقل شىء ، وأنه تعالى يقدر أن يميت البهيمة الحيّة ، وأن يحيى الإنسان المقتول ، فكان الأحرى بهم أن يتّعظوا ويتدبّروا ، إلا أنهم كما جاء فى الآيات : (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٧٤) (البقرة) ، ولا أحسب أن هناك ما هو أعظم بلاغة من هذا الوصف لليهود عبر الأزمان ، ومن ثم يخلص القرآن إلى الدرس المستفاد من قصة البقرة فى الآية التالية مباشرة مخاطبا المسلمين : (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ

١١٠١

مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥) (البقرة) ، فليس أقسى من اليهود فى العالم ، وفى الدنيا كلها ، وليس أشرّ منهم ، ومن المستحيل الوثوق بهم ، وكتابهم التوراة يكيل لهم الاتهامات ، ويصفهم بالجحود والنكران والكفر والعصيان ، حتى استلزم الأمر أن يرسل إليهم الرسل تباعا ، حتى بلغ عددهم ستة عشر نبيا هم أنبياء الأسفار ، وعشر نبيّات ، بخلاف ٨٥٠ نبيا قيل هم أنبياء مزيفون ، فلما كثر العصيان ، وتعددت الأمراض ، كثر الأنبياء ، فلا توجد أمة لها مثل ذلك العدد من أطباء النفوس والأرواح إلا هذه الأمة التى استحال علاجها على الجميع ، فاستلزم ذلك أن يبعث محمد كنبىّ خاتم فليس بعده يرسل الله أنبياء. ومن كل ما سبق يتبين أن قصة البقرة فى القرآن قصة شاملة كاملة ، فيها البلاغة والبيان ، والجدل ، وتوصيف المرض والداء ، ووصف العلاج ، وتحليل أمة اليهود ، وبيان الشرع فيما عرض لهم ، والتنبيه على أنهم أمة عاصية ، ولا يوجد شىء من ذلك فى نصوص قصة البقرة فى التوراة ، فشتّان بين هذه وتلك ، وحسبنا الله.

* * *

النبىّ زكريا

٨٩٦. قصة النبىّ زكريا مع ربّه ومع مريم

تتناول قصة زكريا أربع سور هى بترتيب النزول : مريم ، والأنبياء ، والأنعام ، وآل عمران. واسم زكريا عبرى ، ويساوى فى معناه اسم «ذكرى» ، وقيل المعنى الحرفىّ «يذكره الله بالخير» ، وقيل : إن اسمه بالكامل زكريا بن برخيا بن عدّو ، ذكر ذلك فى سفر عزرا من أسفار اليهود (٥ / ١ و ٦ / ١٤) ، وزكريا هو الحادى عشر بين «الأنبياء الصغار» ، ولمّا مات أبوه وهو صغير صار ينادى باسم جدّه ، تماما مثلما ذكر القرآن عن مريم فقال : إنها «ابنة عمران» ، وأن أمها «امرأة عمران» ، نسبة إلى الجدّ الأكبر ، والجدّة الأكبر ، وإشارة إلى بيت عمران الذى تنتسب إليه ، وذلك لوفاة أبيها وهى صغيرة. وقيل عن زكريا إنه كان من نسل لاوى ، يعنى أنه كان منذورا للكهانة والنبوة ، وأنه امتد به العمر ، ولمّا توفى دفن إلى جوار صاحبه حجى. وله سفر باسمه ، «سفر زكريا» ، ويقال أيضا «نبوءة زكريا» والمرجّح أنه كتبه أثناء حكم داريوس الفارسى ، حوالى سنة ٥٢٠ ق. م ، ويحفل بالرؤى والنبوءات ، ومنها نبوءته الغيبية عن مصر والمصريين ، يقول : «تنالها الضربة (يقصد مصر) التى يضرب بها الربّ الأمم. هذا مصير خطيئة مصر» ، وكلام زكريا فى السفر له خبيء وفيه الكثير من التورية ، وما أكثر ما يتمنى أنبياء إسرائيل الشرّ لمصر والمصريين!

١١٠٢

وأما قصة زكريا فى القرآن فموضوع آخر تماما ، وفى سورة الأنعام يأتى أن زكريا من الصالحين (٨٥) ، وأن ربّه فضّله على العالمين (٨٦) ، ويظهر تفضيله بأن تستهلّ به سورة مريم ، فيصفه الله تعالى بأنه عبده ، وأنه رحمة ، وينبّه إلى معنى اسمه فى أول كلمة من السورة «ذكر» ، حيث الاسم كما سبق يعنى المذكور ، أو المذكور بالخير ، يقول تعالى : (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) (٢) (مريم). والقرآن لا يتابعه من مبتدأ حياته وإنما وهو فى شيخوخته وقد أوغل فى العمر ، وكانت امرأته عاقرا ، وهذا هو الذى جعله يكفل مريم ، والكفالة هنا معناها التبنّى ، فقد كانت مريم يتيمة ، ومات أبوها وأمها حامل فيها ، فلمّا رأى بركات الله على مريم ، وأن الله يرزقها بغير حساب ، تحركت فيه غريزة الأبوة ، وتمنى لو كان له ولد : (قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (٦) (مريم) ، وذكر العظم فى دعائه أو شكايته ، لأن العظم عمود البدن وأصل بنائه ، وبه قوامه ، لأنه أشد ما فيه وأصلبه ، فإذا وهن كان ما وراء العظم أوهن منه ، وتداعت به سائر قوته وتساقطت ، وأهل الطب يسمون هذا الوهن : هشاشة العظام ، ولا تتبين الهشاشة إلا فى الشيخوخة المتأخرة ، وفيها يشتعل الرأس شيبا ، والاشتعال من شأن النار تنتشر بسرعة ، وكذلك كانت شيبة زكريا ، دبت فى رأسه بسرعة ، وظهرت علاماتها لا تخطئها العين ، حتى أتت على الرأس كلها ، وطبعت أطراف الشعر ومنابته. وموقف زكريا كان الأولى فيه أن يذكر نعم الله عليه ، ولكنه وصّف حاله ، وأظهر ضعفه ، وأوضح أنه ما طلب من ربّه طلبا ولا دعا بشيء ، إلا استجاب له ، ومعنى (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) (٤) ، يقال «شقى بالشىء» إذا تعب فيه ولم يحصل عليه ، وزكريا كان يتحقق له ما يتمنى ، وخوفه من الموالى ـ أى الأقارب من عصبته التى ترثه ، كان يخاف أن يرثوه كلالة ، وأشفق أن لا يكون وريثه ولده من صلبه ، والوراثة فى حالة زكريا وراثة مال وعلم ونبوة ، ولذا قال : (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (مريم ٦) ، فالمال يرثه منه ، ومن آل يعقوب يرث الحكمة النبوة ، ويعقوب هو النبىّ ابن إسحاق وحفيد إبراهيم. والمشكلة فى حالة زكريا أنه كان عقيما بحكم السن ، وكانت زوجته عاقرا بطبيعتها ، قيل : اسمها اليصابات ، وهو اسم يونانى ، وبالعبرية هى اليشبع ، ومعنى الاسم «قسمة» ، وربما كانت قريبة لحنة أم مريم ، وقد تكون أختها ، والحديث عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحتج به ، يقول : «فلقيت ابني الخالة يحيى وعيسى» ، ويحيى ابن اليصابات ، بينما عيسى ابن مريم ، والمعنى أن اليصابات ومريم أختان ، والصحيح أنهما ليستا أختين ، والحديث كما نرى ، لا يجزم بأنهما

١١٠٣

ابنا خالة على الحقيقة ، فمن المحتمل أنه قال ذلك تجاوزا ، على طريقة الساميين فى التعبير عن القرابة ، فإما ينسبون إلى العم ، أو الخال ، أو الجدّ الأكبر ، ونحن ـ المصريين ـ نفعل نفس الشيء ، وبحسب إنجيل لوقا (١ / ٥ ـ ٤٥) فإن أم يحيى ، وأم عيسى ، كانتا قريبتين وصديقتين.

وفى سورة الأنبياء قال زكريا : (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) (٩٠) ، فكأن الاستجابة كانت لأنهما ـ زكريا وزوجته ـ كانا دائمى الدعاء رغبا ورهبا ، يعنى فى حال الرخاء ، وحال الشدّة ، وفى الحالين كانا يظهران الخشية لله ، وكانا تقيين ورعين ، وهذا ما جعل ، زكريا من الأنبياء ، وإن كان كما قيل من الأنبياء الصغار. ، وقوله تعالى : (وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) فيه أن العقر كان بالزوجة دون زكريا. ويتصل بإنجاب زكريا قصته مع مريم أم عيسى ، ومن بركاتها أن وجودها فى حياته شحنه نفسيا ، فطلب من ربّه أن يكون له الولد التقى مثل مريم. وفى الطب النفسى قد يحدث الحمل فى العاقر إذا دبّت فيها الغيرة بسبب من الأسباب ، والغيرة منها الإيجابى ومنها السلبى ، وغيرة زكريا وزوجته من مريم من النوع الإيجابى ، فلم تصدر عن حسد ، على عكس غيرة سارة زوجة إبراهيم من هاجر ، فلما ولدت هاجر إسماعيل ، حملت سارة غيرة من هاجر ، مع أنها كانت عاقرا. وفى سورة آل عمران أن أقارب حنة أم مريم ، اجتمعوا لمّا ولدت ، وألقوا أقلامهم ، يعنى أنهم كانوا غالبا من الكتبة ، وإلقاء الأقلام كإلقاء القداح والسهام فى الجاهلية ، وكانوا يقترعون بهذه الطريقة لمعرفة من يكفل مريم ، وكان إلقاؤهم للأقلام فى الماء الجارى ، وهى من البوص فتطفو ، فيجريها الماء ، فإذا وقف القلم ، ولم يجر مع الماء فصاحبه الفائز ، وأهل مريم ألقوا أقلامهم وألقى زكريا معهم ، فجرت الأقلام إلا قلم زكريا ، فكانت آية له لأنه كان نبيا ، والأنبياء تجرى على أيديهم الآيات. وقد أفاد المسلمون من هذه الواقعة فى حياة زكريا ومريم ، أن أثبتوا بها القرعة ، فصارت من الشرع لمن أراد العدل فى القسمة ، وهى من السنّة التى يحتجّ بها ، وتطمئن بها قلوب المقتسمين ، وترتفع بها المظنة عمن يتولى إجراء القسمة لهم. وعمل بالقرعة ثلاثة أنبياء : يونس ، وزكريا ونبيّنا محمد عليهم‌السلام ، وهى كالإجماع فيما يقسم بين الشركاء ، ومثلهم مثل القوم فى الحديث النبويّ الذين استهموا على سفينة ، وفى الخبر أن عثمان بن مظعون طار سهمه فى السكنى حين اقترع الأنصار سكنى المهاجرين ، وحدّثت عائشة أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يقرع

١١٠٤

بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها. فذلك إذن زكريا ، وتلك بركاته ، وقد ورثها منه عن حقّ ابنه يحيى. (انظر قصة يحيى بن زكريا).

* * *

٨٩٧. هل قتل اليهود النبىّ زكريا؟

فى قصة زكريا فى القرآن قال فى دعائه : (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي) (مريم ٤) ، وقال : (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (مريم ٦). والمفسرون من المسلمين ذهبوا إلى أن خوفه من أن يرثه أقاربه ، وأنه ورّث ابنه يحيى العلم ، أو أنه ورّثه النبوة ، إلا أن التفسير الأفضل هو ما جاء فى التوراة ، ففي سفر أخبار الأيام الثانى أن والد زكريا كان يوياداع ، وكان كاهنا أيام الملك يوآش ، وكان يجمع الكثير من الفضة من اليهود رسما عليهم من أيام موسى ، وأنه عاش طويلا وشبع من الدنيا ومات عن ثروة آلت إلى ابنه زكريا الذى صار كاهنا مثل أبيه ، وكان مصلحا مثله ، فلما زاغ الشعب عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام ، وقف زكريا ضد الناس ، فكرهوه وكرهه الملك ، فهذا إذن هو تفسير قول زكريا : (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي) ، وقوله : (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) (مريم ٦) ، وتحالف الشعب على زكريا ورجموه بالحجارة بأمر الملك فى بيت الربّ ، ولم يرحمه الملك ، ولم يذكر خدمات أبيه له ، بل قتل ابنه ، فقال زكريا وهو يموت : «ينظر الربّ ويطالب» ، وربما لقوله هذا صلة باسمه «زكريا» ويعنى «الربّ يذكر». وقوله : «ينظر الربّ ويطالب» يعنى أن الله يرى ظلمهم له وسيعلمون عاقبة الظلم ، وقد حدث ، فإنه لم تكد السنة تمر إلا وجيش أرام قد زحف على مملكة يهوذا وعلى أورشليم ، وأهلك جميع رؤساء الشعب ، وغنم كل شىء ، وانتقم الله من الملك فقتله عبيده من أجل دم زكريا (٢ أخبار ٢٤ / ٢١ ـ ٢٥).

ونبّه لوقا فى إنجيله إلى مقتلة النبىّ زكريا ، فقال على لسان المسيح : «الويل لكم فإنكم تشيّدون قبور الأنبياء وآباؤكم قتلوهم ، فأنتم شهود بأنكم راضون بأعمال آبائكم ، لأنهم هم قتلوهم وأنتم تشيدون قبورهم. ومن أجل ذلك قالت حكمة الله : أرسل إليهم أنبياء ورسلا ، فمنهم من يقتلون ومن يطردون ، لكى يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء الذى سفك منذ إنشاء العالم ، من دم هابيل إلى دم زكريا الذى قتل بين المذبح والبيت!» (١١ / ٤٧ ـ ٥١) ، وفى كلام المسيح ما يسميه أهل الأدب السخرية الدراميةdramatic irony ، لأنه تكلم عن الموت قتلا للأنبياء ، وكان لا يعلم أنه سيموت نفس الميتة ، فيا لسخرية الأقدار! والجديد أيضا فى مقالة المسيح السابقة أن هابيل كان نبيا!

* * *

١١٠٥

٨٩٨. زكريا قتله اليهود بين الهيكل والمذبح

اليهود يفعلون أى شىء ، ويستحلون دماء الناس ولو كانت دماء الأنبياء ، ويسفكونها فى أى مكان ولو كان على المذبح ، وشهد المسيح بذلك ، يقول : «الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون ، فإنكم تشبهون القبور المجصّصة التى ترى للناس من خارجها حسنة وهى من داخلها مملوءة عظام أموات وكل نجاسة. كذلك أنتم : يرى الناس ظاهركم مثل الصدّيقين وأنتم من داخل ممتلئون رئاء وإثما. الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون فإنكم تشيّدون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الصدّيقين ، وتقولون لو كنا فى أيام آبائنا لما كنا شاركناهم فى دم الأنبياء ، فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم بنو قتلة الأنبياء ، فجمّموا أنتم مكيال آبائكم. أيها الحيّات أولاد الأفاعى ، كيف تهربون من دينونة جهنم! من أجل ذلك ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة ، فمنهم من تقتلون وتصلبون ، ومنهم من تجلدون فى مجامعكم ، وتطردون من مدينة إلى مدينة ، لكى يأتى عليكم كل دم زكى سفك على الأرض من دم هابيل الصدّيق ، إلى دم زكريا بن برخيا الذى قتلتموه بين الهيكل والمذبح .. يا أورشليم ، يا أورشليم ، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين» (متّى ٢٣ / ٢٧ ـ ٣٧). وفى هذا النصّ الرائع كل إدانة لليهود ، وفيه أن هابيل كان صدّيقا على عكس ما فى إنجيل لوقا ، فإنه قال أنه كان نبيا. ويرد الصلب فى كلام المسيح عن الأنبياء ، وهو نفسه المصلوب! وفى القرآن عن هذا القتل للأنبياء الذى يقوم به اليهود : (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ) (آل عمران ١٨١) ، قيل بلغ من قتلوهم من الأنبياء على الصخرة فى الهيكل سبعين نبيا منهم زكريا وابنه يحيى! والأول قتلوه رجما ، والثانى قتلوه بالسيف!

* * *

٨٩٩. زكريا بين القرآن والإنجيل

لمّا بشرّ زكريا بابنه يحيى ، أراد علامة من الله ـ أو آية كما يقول القرآن ، أجابه جبريل أن آيته أن يصمت فلا يستطيع أن يتكلم إلى يوم معلوم ، ولم يتكلم إلا فى اليوم الثامن من ولادة يحيى. وهذا الصمت الذى أصيب به كان عقابا له أنه لم يصدّق جبريل (لوقا / ١٨ ١). وفى القرآن لم يكن الصمت عقابا ، ولكنه إرادى وسيقوّيه الله ويقدره ويشدّ عزمه ، ولذلك كان صمته آية من الله قال : (ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً) (آل عمران ٤١) ، وفى إنجيل لوقا أنه كان يكلمهم بأن يكتب ما يريد فى لوح ، ولمّا طلبوا منه اسما لابنه ، كتب فى اللوح : يحيى.

* * *

١١٠٦

النبىّ يحيى

٩٠٠. قصة النبىّ يحيى بين التوراة والقرآن

فى الأبوكريفا ، أى كتب العلوم الباطنية اليهودية أن اسم يحيى ، هو يوحنا ، وكذلك فى الأناجيل ، من يوحانان أو يوحنان أى حنان الله كما نقول «لطف الله» ، و «منّة الله» ، و «عطية الله». وفى القرآن هو يحيى ، لأنه رغم ما سيجرى له سيظل اسمه حيا فى النفوس ويتذاكره الناس ؛ والاسم نبوءة بما ينتظره من القتل ، وكأن الاسم نقيض المآل ؛ وهو يحيى لأنه عاش بين أب شيخ وأم عجوز ، فهو الحىّ بين اثنين من الموتى ؛ وأخيرا هو يحيى ، لأنه كان معجزة حية ، فقد ولد لأب عجوز قد بلغ من الكبر عتيا ، وأم عاقر ظلت كذلك طوال حياتها مع زوجها زكريا. واسم أمه اليصابات بالإغريقية ، واليشبع بالعبرية ، يعنى «قسمة» ، أو «قسمة الله» ، يعنى ما قضى الله سبحانه به عليها. وفى إنجيل لوقا هو يوحنا المعمدان ، لأنه كان على مذهب المعمودين ، وهم الذين كانوا يقبلون العماد بعد أن يعترفوا ويعلنوا التوبة ، فيعمّدهم يوحنا فى نهر الأردن ، والعماد هو الاغتسال بقصد التطهّر ، والمعموديون كانوا متطهّرين ، ولم يخترع يحيى العماد ، فواضح أنه كان موجودا منذ إبراهيم ولوط ، وعاب قوم لوط عليه أنه ممن يتطهّرون (الأعراف ٨٢ والنمل ٥٦). والعماد فى النهر عند الهندوس ، وإسهام يوحنا فيه أنه عمّمه وأعطاه قداسة ، وعمّق معناه ، وجعله آية المؤمن ، فالعماد كالختان ، والأول دليل التوبة الأبدية ، والثانى دليل الطاعة والانقياد لله ، ولمّا حملت مريم فى المسيح ، كانت أم يحيى حاملا فيه فى ستة شهور ، ويحيى على ذلك أكبر من المسيح بستة شهور ، وتركز الأناجيل على يحيى باعتباره داعية للمسيح ، لا باعتباره داعية لله. ونشأ يحيى زاهدا ، وسلك كالنّبي إلياس (إيليا) ، فكان يلبس الصوف ، ويشدّ على حقويه منطقة من الجلد ، ويطعم مما فى الطبيعة من أوراق الشجر والثمار البرية ، والجراد ، والعسل البرى ، وهو مثل أعلى للصوفية ويقتدون به ، وكان عمله أن يصرخ فى الناس محذّرا وداعيا إلى التوبة ، ولذا اصطدم بعنف بالحاكم العبرانى هيرودس وزوجته هيروديا ، وكانت من قبله زوجة لأخيه ، ولكنها عشقت هيرودس ، وخانت زوجها معه ، ثم تآمرت عليه مع عشيقها ، وأوعزت إليه أن يقتله وهو أخوه ، وأحنقها يوحنا أن يلغط فى حقها ، ويؤلّب زوجها عليها ، فكادت له وسجنته ، وحرّضت ابنتها سالومى أن توسوس لهيرودس أن يقتل يوحنا ، وأن يحضر رأسه إليها على طبق ، وأسكرت سالومى هيرودس إلى أن طلب إليها أن ترقص له ، فامتنعت إلا أن يحضر لها رأس يوحنا! وكان أن أحضره لها ،

١١٠٧

وانتهت بذلك قصة يوحنا فى كتب اليهود ، وكانت قصة عادية نشهد مثلها كثيرا ونسمع بما يشبهها عن دعاة للإصلاح والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، وإنما أشهرها ما انتهت إليه حياة يوحنا على يد سالومى وأمها هيروديا ، وما قيل عن جمال سالومى ورقصها الشهوانى البارع وغوايتها الشيطانية ، فكثرت الكتب والمسرحيات والروايات عنها وعن يوحنا ، وأما قصة يوحنا أو يحيى فى القرآن فلها شأن آخر ، وتتسامى عن هذا الهذر الذى خالطها بسبب علاقة يوحنا بسالومى وأمها. وقصة القرآن تحفل بالبلاغة والبيان وفنون القصّ ، وفيها الموعظة والحكمة. ويقول القرآن : إن زكريا لمّا كفل مريم وعاين كراماتها ، دعا ربّه أن يكون له ولد يرث عنه المال ، ويرث عن آل يعقوب الحكمة والنبوة (مريم ٧) ، ونفهم إذن أن يحيى من نسل يعقوب ، ودعا له زكريا فقال : (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (٦) (مريم) ، فنادته الملائكة فى المحراب : (يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) (١١) (مريم) ، والرضىّ هو المرضىّ والراضى بقضاء الله فيه ، وتعنى البشارة بيحيى أن دعاء زكريا استجيب له ، وهذه كرامة لزكريا ، وأنه أعطى الولد ليكون له قوة كما تمنّى ، وأنه أفرد باسم يحيى أو يوحنا ، لم يتسمّ به أحد من قبله ، وفى ذلك دليل على أن الأسامى السّنع ـ أى الجميلة أو الفريدة ـ جديرة بالأثرة ، أى يستأثر بها الصفوة من النابهين من أهل الله. ولمّا بشّر زكريا تعجّب أن يكون له الولد وهو قد تجاوز أن يولد له ، وظلت امرأته عاقرا طوال حياتها ، ولكنه كان مؤمنا ويعرف أن من خلقه ولم يكن شيئا قادر على أن يؤتيه سؤله ، وظل متشككا مع ذلك أن تكون البشارة مجرد رؤيا ، أو أن تكون تهيؤات وهلاوس يوحيها الشيطان ، فطلب آية ، فكانت آيته أن لا يكلم الناس : (ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا) (١٠) (مريم) ، وفى الرواية الثانية ألّا يكلم الناس : (ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ) (٤١) (آل عمران) ، بمعنى الصيام عن الكلام مع الناس إلا بالإشارة ، وكان هذا النوع من الصيام معروفا ، فإذا صاموا كانوا لا يتكلمون إلا رمزا. والآية لا تتعارض والحديث النبوى الذى يقول : «لا صمت يوما إلى الليل» ، يعنى لا صمت عن الذكر ، وفى آية زكريا أن يسبّح بكرة وعشيا ، والتسبيح والذكر يكون مع النّفس ، وأما الكلام فيوجّه إلى الغير ، فلما عمل زكريا بما أمره ربّه كانت مثوبته كما قال تعالى : (فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا

١١٠٨

خاشِعِينَ) (٩٠) (الأنبياء) ، فكأن يحيى كان هبة الله لزكريا ، ومكافأته تعالى على تقواه ؛ وإصلاحه لزوجه بأن جعلها تتهيأ للحمل ، وتقوى عليه وعلى الولادة ثم الرضاعة ، وهى مدة ثلاثين شهرا ؛ وقوله يسارعون فى الخيرات إشارة إلى زكريا وزوجته ومعهما يحيى ، فكانوا جميعا محبّين للخيرات ، وفاعلين لها ، ويتّقون ربّهم ويدعونه لا ينسونه أبدا ، لا فى السرّاء ولا فى الضرّاء ، فمرة يدعونه شكرا ومحبة ، ومرة دعاؤهم له خشوعا وخوفا. واسم «يحيى» كان هبة من الله أوحى به إلى زكريا ، والاسم يلخص حياة صاحبه ، ويحيى كان بالنسبة للدعوة حياة ثانية تتدفق بالحيوية ، وتحقّق به دعاء أبيه لربّه : (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ) (٣٨) (آل عمران) ، أى نسلا صالحا ، والذرية تكون واحدة ، وتكون جمعا ، وتكون ذكرا وأنثى ، وما كان زكريا يعنى إلا ولدا واحدا ، يدل على ذلك قوله : (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) (٥) (مريم) ولم يقل أولياء ، ولم يكن تأنيثه ل «طيّبة» إلا لأن لفظة ذرية مؤنثة ، فلمّا دعا مخلصا استجيب له : (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (٣٩) (آل عمران) ، يعنى جاءته البشرى فور الدعاء فى المحراب وهو يصلى ، أنه يولد له يحيى ، قيل سمّاه الله لأنه أراد له أن يحيا للإيمان والنبوة ، وأن يهب نفسه لهما ، ويكرّس حياته من أجلهما ؛ وقيل سمّاه الله تعالى يحيى من اسمه تعالى «حىّ» ، وتصديقه بكلمة من الله ، قال النصارى : إنه تصديقه لعيسى ، لأن عيسى هو كلمة الله ؛ وقيل : هو تصديقه لكتب الله تجمع فى كلمة ، تقول استمعنا إلى كلمة وتعنى إلى خطبة ، فاختصر الكثير فى القليل ؛ وفى الأناجيل أن يوحنا كان أول من آمن بعيسى وصدّقه ، لأن عيسى كان الأعلى منزلة عند ربّه ، وكان أبلغ منه وأفصح ، وشخصيته أقوى ، والأنبياء يتفاوتون فى الأفضلية ، ومع ذلك فقد كان يحيى سيدا ، يعنى كان له حضوره ، ويذكر عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال فى الحسن : «إن ابني هذا سيد ، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ، ويحيى كان سيدا ولا أسود ممن سوّده الله تعالى ، وسيادته ليست سيادة دنيا أو جاه ، ولكنها سيادة عبادة وتقى وزهد ، ولذا كان حصورا ، أى يعاف النساء ولا يحتاجهن ، وآثر صحبة الله على صحبة النساء ، ومن الصحابة زمن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من حاول أن يكون على طريقة يحيى ، كعثمان بن مظعون ، وشكت زوجته إلى عائشة أنه يتمنّى لو يكون حصورا ، وأن يفرغ خصيتيه ، والحصور هو من يحبس نفسه عن النساء مع أنه قادر عليهن ، وغايته أن يمتنع عن الشهوات. والحصور بخلاف العنّين الذين يعجز عن إتيان النساء لعيب خلقى فيه ، والعنّة النفسية أن يكون عجزه لأسباب نفسية ، فأما الحصور فإنه الحابس نفسه عن معاصى

١١٠٩

الله طوعا بلا علّة ، نفسية أو عضوية ، لأنه كان نبيا من الصالحين ، يعنى من المخلصين الذين كرّسوا أنفسهم للعبادة وللخدمة ، وصلاحه أنه يؤدى لله ما يقرّبه إليه ، ويؤدى للناس ما تقوم به حياتهم فى الدنيا والآخرة.

* * *

٩٠١. اسمه يحيى

اسم «يحيى» من الحياة ، لأنه سيموت ويقتله أعداؤه ولكنه «يحيا» بعدهم ، ويظل اسمه تردده الألسنة بالذكر الحسن ، ومن ذلك أنه ما من نبىّ قال عنه ربّه مثلما قال عن يحيى ، قال : (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) (١٥) (مريم ١٥). وأوحش ما يكون ابن آدم فى ثلاثة مواطن : يوم يولد فيخرج إلى دار الهمّ والغمّ ، ويوم يموت فيعانى السكرات ويدفن فى التراب ويترك وحيدا إلا من جيران من عظام ورمم ، ويوم يبعث حيا فيشهد ما لم يشهده من قبل مما يشيب له الولدان ، فأما يحيى فله السلام فى هذه المواضع الثلاثة ، فلم يبك لمّا ولد ، ولا اغتمّ يوم قتل ، ويوم يبعث ، فبعثه عند ربّه فى جنات وعيون. وهو فى الثلاثة : الحىّ الذى لا تموت له ذكرى أبدا ، وقال فيه المسيح : «لم يقم بين المولودين من النساء من هو أعظم من يوحنا المعمدان» (متى ١١ / ١١) ، وكان يوحنا يعيش مثل إيليا النبىّ ، ويلبس مثله ، ولم يكن يظن أنه شىء ، وقال عن نفسه إنه : «صوت صارخ فى البرية» (يوحنا ١ / ١٣) ، وسنظل نذكر اسم قلعة «مخيروس» المطلة على البحر الميت لأن يوحنا سجن بها إلى أن قتلوه وفصلوا رأسه ، ثم حملوا الجسد الطاهر إلى «سبسطيا» ودفنوه هناك بجانب قبر النبيين اليسع وعوبديا ، فالشبيه يسعى إلى شبيهه ، وأما تلاميذه فتبعوا المسيح كطلب معلمهم (متى ١٤ / ٣ ـ ١٢ ، ومرقس ٦ / ٢٦ ـ ٢٩ ، ولوقا ٣ / ١٩ ـ ٢٠) ، فإن كان يوحنا قد مات جسدا فما ماتت تعاليمه وظلت حيّة ، وظلت فرقته «المتطهرون» باقية أبدا.

* * *

٩٠٢. زمن المسيح زمن استشهاد

كان زمن المسيح عجيبا بكل معانى الكلمة ، ففيه قتل النبىّ زكريا رجما ، قتله اليهود بموافقة مليكهم يوآش ؛ وقتل النبىّ يحيى بالسيف ، أهوى به الجلاد على عنق النبىّ فى عهد هيرودس ، وكانوا قد سجنوه فى قلعة مخيروس على البحر الميت ، مقيدا بالأغلال والأصفاد ، ولما قتلوه فصلوا الرأس عن الجسد ، وقدّموا الرأس على طبق إلى هيروديا الزانية امرأة هيرودس ، والذين اشتركوا فى الجريمة جميعهم من اليهود ؛ وكما قيل ـ قتل

١١١٠

المسيح صلبا بناء على حكم السنهدريم ، (مجلس علماء اليهود) ، فى عهد هيرودس أيضا ، وأصر اليهود على الصلب فسلّمه بيلاطس لهم ، وغسل يديه وأعلن براءته من دمه ، وسمّاه صدّيقا ، ثم جلد المسيح وأسلم للصليب ، وقال اليهود مقالتهم المشهورة : «دمه علينا وعلى أبنائنا» (متّى ٢٧ / ٢٦). فأى ناس هؤلاء اليهود؟! وأى زمن كان ذاك الزمن؟!!

* * *

٩٠٣. قصة امرأة عمران

امرأة عمران هى أم مريم ، أم المسيح عليه‌السلام ، قال تعالى : (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٣٦) (آل عمران). والقرآن الكريم لا يذكر اسمها ، ولم يرد ذلك فى الأناجيل ، ولا أعمال الرسل من كتب النصارى ، ولم يرد فيها ولا فى القرآن اسم والدها ، ولا اسم زوجها الذى منه ولدت مريم ، وإنجيل لوقا (١ / ٢٧) هو الوحيد الذى يقول : إن يوسف النجار ، زوج مريم فيما بعد ، كان من سبط يهوذا من نسل داود ، ولذلك قال النصارى إن مريم كانت من سبط يهوذا كذلك ، وهذا رجم بالغيب ، فلا أحد يعرف حقيقة نسب مريم. والقرآن هو الوحيد الذى ينسب مريم لآل عمران ، وليس القول فى الآية «امرأة عمران» أن زوجها اسمه عمران ، وإنما المعنى أنه من آل عمران ، والعرب ينسبون إلى العشيرة ويقولون الهاشمى ، ويا هاشمى ، نسبة إلى آل هاشم ، وفى حالة امرأة عمران ينادونها «أم عمران». والعمرانيون من عشائر اليهود ، ورئيس العمرانيين هو لاوى بن قهات ، أبو موسى (خروج ٦ / ٢٠) ، وينطقون الاسم عمرام ، وهم العمراميون. ومعنى عمران أو عمرام أنه كبير العائلة أو العشيرة أو هو الشيخ الكبير. وتفسير «امرأة عمران» إذن هو أن أم مريم كان زوجها عمرانيا ، وسورة آل عمران تتناول بالذكر قصص الأنبياء والصالحين من هذه الدوحة المباركة : آل عمران. وفى بعض كتب التفسير العربية المتأثرة بالإسرائيليات يأتى اسم امرأة عمران : حنّة ، وهى المقابل لحنان العربية. واسمها غير مهم بحسب القصة ، ولو ذكر القرآن أنه حنّة لأصبح هذا الاسم ضمن الأسماء العربية ، ولزاحم اسم حنان العربى ، ولو لا أن اسم مريم كان مهما لأنها أم المسيح ، لما أورد القرآن اسمها. وحنّة على وزن جنّة ، ومن الأسماء القريبة منها اسم : حبّة ، وخنّة ، وكلاهما اسم عربى. ولا يوجد فى أسفار اليهود والنصارى من اسم حنة إلا حنة زوجة القانة ، وكانت عاقرا مثل امرأة

١١١١

عمران ، ونذرت مثلها إن ولدت ولدا تخصصه لخدمة الربّ ، فولدت صموئيل الذى يقال إنه كان نبيا على طريقة بنى إسرائيل ، وولدت حنة الأخرى ـ أى أم عمران ـ مريم وكانت أنثى ، ويبدو من تسميتها لمريم أن ولادتها كانت مستعصية ، لأن اسم مريم معناه العاصية ـ يعنى أنها لم تولد ولادة ميسّرة. ولا بد أنها ولدتها وكانت كبيرة فى السن أو أن تعسّرها فى الولادة كان لأنها بكر لم يسبق لها الولادة من قبل ، ولمّا حملت فيها لم تصدق ، ولذا نذرت ما فى بطنها لله ، أى للعبادة وهو معنى «محرّرا» ، أى محرّرا من علائق الدنيا ، ومنذورا لشكره تعالى طوال عمره ، والعرب يقولون فى الابن الموهوب لله «المحرّر» أو «العتيق» وذلك جائز فى عرفهم ، وكان عند العرب فى الجاهلية ، كما أنه جائز فى الشريعة اليهودية ، واعتراض حنّة على مريم بأنها أنثى ، أن الأنثى لا تصلح لخدمة الربّ كالذكر ، لأن الأنثى تحيض ولا تصلح لمخالطة الرجال. والولد أحظى عند الأمهات من البنت ، وتتمنى الأمهات أن يكون مولودهن ولدا ، لأنه آنس لهن ويسكّن إليه. والمحرّر مأخوذ من الحرية التى هى ضد العبودية ـ وأسوأها عبودية الدنيا. وامرأة عمران نادت ربّها ، وبيّنت الفرق بين الولد والبنت ، ولم يكن ذلك إعلاما منها لله تعالى ولكنه تسليم وخضوع ، وتنزيه له أن يخفى عليه شىء ، تثبيتا منها لإيمانها بقضائه وحكمه ، واستعاذة به من الشيطان الرجيم.

* * *

قصة مريم

٩٠٤. معنى اسم مريم

فى الأدب النصرانى أن مريم اسم عبرى معناه «العاصية»!. وفى الأدب اليهودى الدينى أن اسم ميريام Miriam أو ماريام Mariamme ليس له أصل معروف ، وربما هو اسم مصرى تسمّت به مريم أخت موسى ، ومن ثم دخل فى التراث العبرى. وفى المصرية القديمة فإن ميرى Meri يعنى الحب ، ومنها الاسم ميريت ، ومريم على ذلك هى المحبوبة. غير أن اسم ميرى فى المصرية القديمة قد يعنى كذلك العبادة ، ويكون معنى مريم فى المصرية القديمة هو العابدة ، أو التقيّة ، أو العفيفة ، وكانت حياة مريم أخت موسى كذلك. وأم السيدة مريم كانت عمرانية ، أى تحمل التراث العبرانى المصرى ، فأسمت ابنتها مريم تيمّنا باسم مريم أخت موسى ، يعنى أنها العابدة. وفى القرآن ما يؤكد ذلك ، فقد ورد عنها أن الملائكة قالت لها : (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ

١١١٢

(٤٢) (آل عمران) ، فلما ولدتها أنبتها ربّها نباتا حسنا ، وعلّمها أن تقنت وتسجد وتركع مع الراكعين : (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (٤٣) (آل عمران) ، (كَفَّلَها زَكَرِيَّا) (آل عمران ٣٧) ، ولما حان الحين جاءها جبريل برسالة ربّها ، وبشّرها بكلمة منه تعالى (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) (آل عمران ٤٥) ، ودافع عنها الله تعالى ضد اليهود وبرّأها ، ووصف ما قالوه فيها بأنه بهتان عظيم (وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً) (١٥٦) (النساء) ، وضرب بها المثل وقال فيها أكرم وصف يمكن أن يقال عن امرأة : (الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) (التحريم ١٢) ، ورفعها مكانا عليا ، فكلما ذكر ابنها قيل فيه إنه ابن مريم ، تأكيدا لبشريته ، وإعزازا بانتسابه إليها ، وذلك كله يثبت أن مريم كانت فعلا «العابدة» كما أشار إلى ذلك اسمها بالاعتبارات الإيتيمولوجية المصرية وليس بالاعتبارات اليهودية ولا النصرانية. وبهذا الاسم «مريم» ، تلخّصت حياتها وتأكد مستقبلها. ومريم إذن هى «خادمة الربّ» ، كرّستها أمها لهذه الخدمة ، فهى آناء الليل والنهار فى المعبد للصلاة والذكر والصيام. ونزّهها القرآن تماما على عكس ما فعل إنجيل لوقا ، فلم يزوّجها القرآن من أحد ، ولم يرد فيه أنها تزوجت إطلاقا ، وربما لم يكن لزواجها تأثير على أمومتها لعيسى فلم يذكر ذلك عنها ، وإنما الزواج يناقض أنها كانت منذورة لله ولخدمته ، ويتناقض أيضا مع إنجابها لأربعة أولاد بخلاف المسيح (متّى ١٣ / ٥٥)! وفى الأناجيل أن مريم تزوجت يوسف النجار وهى حامل فى المسيح ، وولدته ونسبته إلى يوسف ؛ وقيل إنه لمّا علم بحملها وكانت آنذاك مخطوبة له ، فكّر فى فسخ الخطوبة من غير ضجة ودون فضائح ، وبلا أى أذى يلحق مريم أو يشين اسمها ، وانتهى به الأمر إلى الزواج منها وهى حامل ، ولكنه لم يقربها كزوج ، فلما قاربت على الوضع أخذها من الناصرة إلى بيت لحم لتلد هناك فلا يعلم بولادتها أحد ، ويصونها من ألسنة الناس وثرثرة الجيران (لوقا ٢ / ١ ـ ٥) ، واضطر للهرب بها وبابنها إلى مصر ، وظل بها إلى وفاة هيرودس. وقيل إن أولاد مريم الأربعة بخلاف المسيح لم يكونوا أولادها على الحقيقة وإنما أولاد زوجها يوسف من زواج سابق ، وأما مريم فبحسب العقيدة ظلت عذراء برغم ولادتها للمسيح! (متّى ١ / ٢٥) ، ويقال عنها أحيانا مريم البتول أى تاركة الزواج. وهاتان الصفتان «العذراء» و «البتول» من الصفات المتصلة بالجنس والبكارة ، فكأن ما يهمّ النصارى هو التأكيد على أن مريم «عذراء» وأنها «بكر» وهى مما يهتم لهما المهمومون بالجنس ، فلما ذا إذن نقد المستشرقين لختان البنات عند المسلمين والقول بمحورية الجنس عندهم لاهتمامهم بالختان سواء عند الإناث أو الذكور؟! فالحال من بعضه كما يقولون. والخلاصة : أنه شتّان

١١١٣

بين نظرة القرآن لمريم وأقواله فيها ، وبين نظرة الأناجيل لها وأقوالها فيها ، والفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض! (انظر أيضا سبب تسمية المسيح بعيسى).

* * *

٩٠٥. هل أخطأ القرآن أن جعل مريم أختا لهارون؟

ينتقد المستشرقون من اليهود والنصارى على السواء ، القرآن باعتباره كتابا تكثر به الأخطاء ، من ذلك أنه جعل مريم ـ أم المسيح ـ أختا لهارون شقيق موسى فى الآية : (يا أُخْتَ هارُونَ) (مريم ٢٨) ، مع أن ما بين مريم وبين أخت هارون أمد بعيد!! ولم يكن جديدا ما قاله المستشرقون ، فقد أثار آخرون مثله فى حياة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واعتبروا هذه الآية زلّة تاريخية من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولهذا شنّع بها من أقطاب الكنيسة أمثال يوحنا الدمشقى ، ونيقولا القوساوى ، ويوحنا أندرياس ، وآخرون ، وأرجعوا الخطأ إلى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان أميا ، وجهل لهذا السبب الفرق فى الزمن بين موسى وعيسى!! ولم يأت فى الأناجيل أن مريم أم المسيح كانت أختا لمن يدعى هارون ، أو أن لها أخا يدعى هارون. وفى صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة قال : لما قدمت نجران سألونى فقالوا : إنكم تقرءون «يا أخت هارون» ، مع أن موسى كان قبل عيسى بكذا وكذا!! وقال : فلما قدمت على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم سألته عن ذلك فقال : «إنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم». وفى رواية أخرى أنهم قالوا للمغيرة : إن صاحبك يزعم أن مريم أخت هارون ، مع أن بينهما فى المدة ستمائة سنة؟! قال المغيرة : فلم أدر ما أقول! ـ إلى أن جاء المغيرة إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقال له وردّ عليه بالقول السابق ـ بما يعنى : أن مريم كانت من ولد هارون أخى موسى ـ أى من نسله ، فنسبت إليه بالأخوة لأنها من ولده ، كما يقال للتميمى : يا أخا تميم ، وللعربى : يا أخا العرب. وفى القرآن يأتى : (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) (الأعراف ٦٥) ، ولم يكن هود أخاهم فعلا ، ولكنها التقاليد تجعلهم ينادونه هكذا ، وكذلك : (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً) (الأعراف ٧٣) ، وكذلك : (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً) (الأعراف ٨٥) وفى الريف فى بلادنا شىء من ذلك ، فينادون الناس احتراما : «يا خال» أو «يا عمّ فلان» ، أو «أبونا فلان» ، وهم ليسوا كذلك فعلا ولكنها التقاليد احتراما للناس. بل إنه فى إنجيل متى يأتى فى الفصل الثانى والعشرين فى العبارة ٤٢ : ما ذا تظنون فى المسيح؟ ابن من هو؟ قالوا له : ابن داود». والمسيح لم يكن ابنا لداود! وبينه وبين داود أمد بعيد! إلا أنها التقاليد ، ينسبون إلى الأصول ، وكذلك فى آية مريم فى القرآن ، قالوا : (يا أُخْتَ هارُونَ) يعنى : «يا من تنتمى إلى

١١١٤

بيت هارون» ، ومع ملاحظة أن مريم كانت قد وهبت للخدمة ، أى أنها اعتبرت ضمن الكهنوت كالأحبار ، ورئيس الأحبار الأول أو الكاهن الأول هو هارون وسمى باللاوى ، وموسى هو الذى نصبه كذلك ، وجعل فى أولاده خدمة الهيكل ، فيمكن لذلك أن تنادى مريم باسم من تنسب إليه وتتبعه على الطريقة والمذهب ، وفى الإسرائيليات عن كعب الأحبار اليهودى المخضرم والدسيسة على الإسلام ، أنه كان يتكلم بحضرة عائشة فقال : إن مريم ليست بأخت هارون أخى موسى! فقالت له عائشة : كذبت! فقال لها : يا أم المؤمنين ، إن كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قاله فهو أصدق وأخبر ، وإلا فإنى أجد بينهما من المدة ستمائة سنة!! قال : فسكتت ، بمعنى أنه أفحمها ، غير أن عائشة لم تكذب ، ولم يكذب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا القرآن ، لأن مريم فعلا أخت هارون ، أى من بيت هارون ، نسب دين أو نسب دنيا ، وإلا فما بين مريم أم المسيح وبين مريم أخت هارون وموسى ، زمان مديد ، وقيل : ستمائة سنة ، وقيل : ألف سنة أو أكثر ، فلا يتخيّل أن مريم أم عيسى كانت أخت موسى وهارون! والذهاب إلى أنها أخت موسى وهارون هو الحمق بعينه! وإنما التفسير السليم أنها كانت هارونية ، من طائفة هارون ـ الطائفة الكهنوتية ، أو كانت من نسل بيته ومن ذريته ، والثابت فى الإنجيل : أن مريم من عائلة عمران أو عمرام والد موسى وهارون ، وأنها تنحدر من جهة أمها من عائلة هارون ، والثابت أنها قريبة لليصابات زوجة زكريا ، واليصابات من بيت هارون شقيق موسى ، ومن ثم كانت مريم من بيت هارون (لوقا ١٥) ، ولذلك لا يستغرب أن ينسبها القرآن إلى عائلة هارون ، كما ينسب الإنجيل المسيح إلى داود ويسميه أباه ، وقال : «وسيعطيه الربّ الإله عرش داود أبيه» (لوقا ١ / ٣٢) ، فهل كان داود أبا للمسيح؟ أم المقصود أنه ينحدر منه؟ ثم إن قول بولس فى رسالته إلى أهل رومية عن المسيح : «عن ابنه الذى صار من ذرية داود بحسب الجسد ، الذى حدّد أن يكون ابن الله بالقوة بحسب روح القداسة بالقيامة من بين الأموات وهو يسوع المسيح ربّنا» (١ / ٢ ـ ٤) ، لا يعنى أن المسيح ابن الله على الحقيقة ، ولكن بالقوة ، بحسب روح القداسة ، يعنى أن النبوّة مسألة روحية ، لأنها تعنى التبعية الروحية ، فكذلك قول القرآن «أخت هارون» قد يعنى بمنطق بولس أن مريم ليست أخت هارون بحسب الجسد وإنما بالتبعية الروحية والصفة الكهنوتية! فأف لهؤلاء المستشرقين ولما يعبدون من دون الحق ، أفلا يعقلون؟

* * *

٩٠٦. مريم التى أحصنت فرجها

ضرب الله مثلا فى الإيمان والعفة عند الإناث من البشر بمريم ابنة عمران ، وقال فيها :

١١١٥

(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) (١٢) (التحريم) ، فلما حملت فى المسيح وولدته اتهمها قومها من اليهود بالزنا ، وأن ولدها عيسى ابن زنا ، مع أنها كانت من المحصنات ، ولأنه تعالى قال أنه تعالى أرسل جبريل إليها فنفخ فيها من روحه ، فإنه تعالى أكد أن إحصانها كان أكثر ما يكون لفرجها ، فلم يأتها منه أحد ، وصانته عن مقارفة الفواحش ، فظلت عذراء لمّا حملت ، وينفرد القرآن بالقول أن الحمل كان بالنفخ فى الفرج وليس بالمجامعة والإيلاج ، وتأكد أنه كان نفخا فى الفرج ، لأن الفرج هو الطريق إلى الرحم الذى يكون فيه الحمل ، والنفخ هو مجرد أن يتنفس جبريل بكلمة «كن» ، فكان أن حملت. والمحصنة هى العفيفة ، وأحصنت فرجها حمته وحرزته فكان منيعا ، أى حصينا ، وقيل : إن جبريل تنفّس فى جيب قميصها فوصل ذلك إلى فرجها ، والجيب يسمى فرجا كما فى قوله تعالى : (وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦)) (ق) ، والفرج هو الشق ، والجيب شق أو فرج فى الثوب. وما كان من الممكن أن ينفخ جبريل فى جيبها أو فرجها لو لا أنها صدّقت بكلمات ربّها لمّا قال لها : (إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ) (مريم ٥) ، وصدّقت بكتبه ، يعنى بالتوراة ، وكانت قانتة لم يعرف عنها إلا كل الطاعة ودماثة الخلق ، واشتهرت بذلك بين أترابها وأهلها.

* * *

٩٠٧. المستشرقون وقوله تعالى عن مريم : (وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ)

فى الآية : (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) (١٢) (التحريم) قال المستشرقون : كان ينبغى أن يقول محمد : «وكانت من القانتات» ، والصحيح أنه تعالى لم يرد من القانتات ، لأنه أراد «وكانت من القوم القانتين» ، أو أن المقصود أنها كانت من القانتين من أهل بيتها وهم رجال ، ومنهم زكريا ، ومنهم الذين تقدّموا ليكفلوها وذكرهم القرآن : (يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (آل عمران ٤٤) وهم أنفسهم رجال آل عمران ، فكانت مثلهم من «القانتين» ، وفى العادة أن القانتات قليلات ، ولمّا ولدت أم مريم وكانت قد نذرت ما تلد لله ، وتبين لها أنها أنثى أصابتها الحيرة فقالت كلمتها المشهورة (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) (آل عمران ٣٦) ومع ذلك ضمّتها للمتعبدين وصارت منهم ومن «القانتين» حتى كانت لا تبارح المحراب.

* * *

٩٠٨. هل مريم نبيّة

يقول القرآن : (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي

١١١٦

إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) (٣٧) (آل عمران) ومعنى أنها نذرت ما فى بطنها محرّرا ، أنها نذرته لخدمته تعالى ، أو بالأحرى للخدمة فى الكنيس أو المعبد. وكانت كبيرة لا تلد ، وتنتسب لبيت عمران ، وهو بيت والد موسى وهارون ورأس العمرانيين ، والناس ينادون المرأة (والرجل على السواء) ، باسم عشيرتها إذا كان زوجها نكرة. ولأن الأم عمرانية ، وتخصيصا هارون أى من نسل هارون ، فإنها كانت تقية ومتعبدة ، والهارونيون هم أحبار إسرائيل وكهنتها ، فإنها نذرت إن حملت أن تهب حملها لله ، وتخصصه لخدمة المعبد وينحبس عليه ، ويتفرّغ للعبادة ، فلما وضعت مريم كانت تعرف أن الأنثى ليست كالذكر ، لأنها تحيض ولا تصلح لمخالطة الرجال. والنساء يطلبن الولد للأنس والاستنصار ، وامرأة عمران طلبته نذرا لله ، وقالت فيه : «محررا» ، فحرّرته من رقّ الدنيا وأشغالها. فلما وضعتها أنثى سمّتها «مريم» أى «التقيّة» ، وقيل «المنذورة» فلما حملت مريم فى المسيح اختلف الناس بإزائها : هل كانت نبيّة؟ والجواب طبعا للأعراف اليهودية عن النبيّات فى بنى إسرائيل ، ومثلها مثل مريم أخت موسى ، وديبورا ، وحنّة أم صموئيل ، وخلدة امرأة شالوم ، فهى نبيّة بمقتضى المقاييس اليهودية ، وكذلك بمقتضى المقاييس النصرانية ، مثلها مثل حنّة بنت فنوئيل ، وبنات فيلبس الأربع ، وهؤلاء جميعا كن زاهدات ، ولا يفارقن الهيكل ، ويتعبّدن بالصلاة والصيام والقيام فى الليل ، وكذلك كانت مريم ، إلا أن الأناجيل لم تجعلها نبيّة ، وزوّجتها من يوسف النجّار ، وحوّلت حياتها من حياة الزهد والتقوى إلى حياة الأسرة ، وجعلتها تلد أربعة إخوة للمسيح من زوجها النجّار ، وسمّتهم «إخوة الربّ» ـ والربّ هو المسيح ، وسمّت مريم «أم الربّ» وذكرت أنها مباركة فى النساء ، وأنها منعم عليها بنعمة عظمى هى أمومتها للمسيح ، وجعلتها قدوة للنساء. وأما القرآن فإنه وصفها الوصف الكامل فقال : إنها «صدّيقة» فما معنى صدّيقة التى انفرد بها القرآن؟

* * *

٩٠٩. مريم صدّيقة

القرآن انفرد بهذا التكريم لمريم ، قال : (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ

١١١٧

الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) (المائدة ٧٥) ، ومريم إذن لم تكن نبيّة ، وليس معنى صدّيقة أنها أقل حظّا من النبيّات ، ولكن النبيّة تتنبأ مثلما كانت بنات فيلبس الأربع يفعلن ، ومريم لم تتنبأ ، وكانت أظهر صفاتها تصديقها لما يقال لها ، فلما جاءها الملك جبريل صدّقته فورا ، ولمّا قال لها ابنها ما قال عن نفسه ، صدّقته ، وكانت تسارع إلى تصديق آيات ربّها. والصدّيقة إنسانة كغيرها من البشر ، ومريم كانت تأكل الطعام ، وكذلك ابنها ، ولم يكن المسيح إلها وإنما إنسان رسول ، وعبد من عباد الله ، والاثنان كانا مخلوقين محدثين ، ولم يحدث أن دفع أحدهما هذه الصفة عن نفسه ، وهل يصلح المربوب أن يكون ربّا؟ غير أن النصارى قالوا : مريم بشر ، ولكن المسيح نصفه إله ونصفه بشر ، فإذا كان يأكل كالبشر ، ويفعل مثلهم ، فإنما كان أكله وشربه وتغوّطه بناسوته لا بلاهوته! ونقول : فكيف فعل روح القدس ـ وهو الله ـ الحمل فى مريم؟ هل كان له ناسوت ليختلط بناسوتها؟ ولا يتصور عاقل اختلاط إله بغير إله ، وانقسام شخص على نفسه إلى قسمين متنافرين ومتضاربين ، وإذا كانت مريم تأكل مما يأكله ابنها ، فإن عليهما أن يتغوّطا ويتبوّلا ، وهذا دليل على بشريتهما ، واستحالة اختلاط الله بهما. وقوله تعالى : إن مريم صدّيقة ينفى عنها إذن نفيا تاما أنها كانت نبيّة.

* * *

٩١٠. كرامات مريم

كرامات الأولياء ثابتة على ما دلّت عليه الأخبار الثابتة والآيات المتواترة ، وفى حق مريم كانت الفواكه عندها لا تنقطع ، وقد تظهر لها الفواكه الشتوية فى الصيف ، والصيفية فى الشتاء ، فرزقها دائم ، والخير عندها عميم ، كقوله تعالى : (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً) (آل عمران ٣٧) ، ولمّا جاءها المخاض أمرت النخلة فأثمرت لتوّها ، قال تعالى : (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا) (٢٥) (مريم) ، ولم تكن مريم نبية ، والأنبياء لهم «المعجزات» بينما الأولياء والصدّيقون لهم «الكرامات» ، ومريم كانت صدّيقة بقوله تعالى : (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) (المائدة ٧٥) ، والفرق بين المعجزة والكرامة : أن الكرامة من شرطها الاستتار ، فكذلك كانت كرامات مريم ، والمعجزة من شرطها الإظهار ؛ والكرامة تظهر من غير دعوى ، وكذلك كانت كرامات مريم ، والمعجزة تظهر عند دعوى الأنبياء فيطالبون بالبرهان.

* * *

١١١٨

٩١١. اصطفاء مريم على نساء العالمين

يقول تعالى : (وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ) (٤٢) (آل عمران) ، فهل كانت مريم مصطفاة على نساء زمنها ، أم على نساء الدنيا كلها إلى يوم الدين؟ ونلاحظ تكرار كلمة اصطفاء ، والأولى تعنى اصطفاءها واختيارها لعبادته ، والثانية هى اصطفاؤها واختيارها لولادة عيسى ، وفى الحديث : «كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» أخرجه مسلم. والكمال هو التناهى والتمام ، والكمال المطلق لله تعالى خاصة ، وأكمل نوع الإنسان هو «الإنسان العابدhomo religiosus» ، والأنبياء هم أخصّ العبّاد ، ويليهم الأولياء ، ثم الصدّيقون ، ثم الشهداء ، ثم الصالحون ، ثم المؤمنون. وإذا كان ذلك صحيحا فيلزم أن تكون مريم وآسية بحسب الحديث ، كل منهما نبيّة ، لأنهما بلغتا حدّ الكمال فى النساء. ومريم أوحى إليها الله كما أوحى إلى الأنبياء ، غير أن الوحى وحده لا يكفى ، فالله أوحى إلى النحل ، وإلى الحواريين ، وإلى الأئمة ، وإلى أم موسى ، وهؤلاء جميعا ليسوا أنبياء ؛ ولا كانت مريم ولية ، ولم يرد أنها كذلك ، وإنما جاء فيها أنها «صدّيقة» ، كقوله تعالى : (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) (٧٥) (المائدة) ، وقوله : (وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ) (١٢) (التحريم) ، فشهد لها الله تعالى بالصدّيقية ، وبالتصديق ، وبالقنوت. وفى حين بشرّ زكريا بالغلام فتساءل : أنّى يكون له هذا وامرأته عاقر؟ وطلب تأكيد الوعد بآية ، فإن مريم بشّرت بالغلام فلحظت أنها بكر لم يمسسها بشر ، فكان الردّ عليها : (كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ) (٢١) (مريم) ، فاقتصرت على ذلك ، وصدّقت بكلمات ربّها ، ولم تسأل آية كما سأل زكريا. ولم تنل مريم شهادتها بالصدّيقية والتصديق إلا كمرتبة قريبة دانية من الله تعالى ، وليس سببها أنها نبيّة ، فالنبوة وظيفة ، وإنما سببها الاصطفاء ، وأنها اختيرت لذلك من ربّها ورشّحتها صفاتها الذاتية ، ولمّا كان ما حدث لها لم يحدث مثله من قبل ولا من بعد ، فإنها تكون فعلا «قد اصطفيت على العالمين» ، بفرادة الحدث الذى جرى لها ، وخصوصا على «نساء العالمين» بولادتها المعجزة للمسيح عليه‌السلام.

* * *

٩١٢. حمل مريم كان فى المحراب

يقول القرآن : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ

١١١٩

تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ) (٢٢) (مريم) ، والخطاب إلى النبىّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تذكيرا له بأن يقصّ على قومه قصة مريم ، ليعرّفهم بكمال قدرة الله تعالى. وقوله تعالى : (انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها) يعنى اتخذت لنفسها مكانا تعتزل نفسها فيه عنهم ، وهو محراب الكنيس ، ففصلت نفسها عن رواد المكان المشتغلين فيه بستار. واصطلاح «الانتباذ» أقوى من اصطلاح «الاعتزال» ، لأن الاعتزال يعنى الانفصال عنهم ، وأما الانتباذ فهو ابتعاد وانفراد. وقد نسأل : ولم انتبذت؟ وربما كان السبب أن مريم كانت موقوفة على سدانة الكنيس وخدمته والعبادة فيه ، فإذا أتاها ما يأتى النساء من الحيض ، انتبذت لتطهر ، وربما أنها اختارت أن تكون صومعتها فى الكنيس إلى جانب المحراب فى شرقيه لتخلو للعبادة ، وكانوا يبنون المحاريب إلى جهة الشرق ، والشرق المكان الذى تشرق منه الشمس ، خصّوا العبادة بالشرق لأنهم كانوا يعظّمون جهة المشرق من حيث تطلع الأنوار ، والجهات الشرقية عندهم هى أفضل الجهات ، ويؤثرونها على غيرها ، ولمّا حضروا إلى مصر اختار لهم يوسف الإقليم الشرقى مقاما لهم ، وهو محافظة الشرقية الآن ، وكان اسمها من قديم أرض جاسان ، وعاصمتها تانيس أو أفاريس. والهكسوس اختاروا الشرقية لمقامهم كذلك لأنهم ساميون مثل العبرانيين ، والتفكير السامى يؤثر الشرق فى كل شىء ، وكل أحداث قصة موسى مع الفرعون جرت فى الشرقية وليس فى منف. وروى عن ابن عباس أنه قال : إنى لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة؟ لقول الله عزوجل : (إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا) (١٦). والأمر كان أكبر من ذلك ، لأن السؤال يظل كما هو لم يردّ عليه ابن عباس : فلم اختارت مريم الجهة الشرقية؟ والجواب فى التراث العبرانى ، وهو إيثارهم جهة الشرق وأن تكون محاريبهم إلى الشرق. وقال ابن عباس : لو كان شىء من الأرض خيرا من المشرق لوضعت مريم عيسى عليه‌السلام فيه ، وهذا صحيح. وهذا المكان الشرقى يقول فيه إنجيل لوقا ، الفصل الأول ، إنه الهيكل ، ومن عادة الكهنوت أن يدخلوه للتبخير ، وفى ذلك الوقت كان جمهور الشعب يصلى خارجا ، وفيه ظهر ملاك الربّ لزكريا واقفا عن يمين مذبح البخور. غير أن لوقا لا يقول إن مريم ظهر لها جبريل فى المحراب ، ولا نعرف من الأناجيل ، بخلاف القرآن ، أين ظهر لها؟ وهذا من الفروق بين قصة القرآن وقصص الأناجيل.

* * *

١١٢٠

قصة المسيح

٩١٣. قول القرآن : عيسى ابن مريم

يأتى ذلك ست عشرة مرة ، ومن ينسب إلى والدته لا يكون إلها ، لأن الله تعالى قديم وليس حادثا ، وقولنا «عيسى ابن مريم» تنبيه إلى أن عيسى حادث وليس قديما ، فهو ليس إلها إذن كما يقول النصارى.

وكذلك فإن النسب إلى الوالدة تذكير بأنه من أم دون أب ، فإن النصارى لمّا قالوا فى مريم وفى ابنها ما قالوا ، صرّح الله باسم مريم مقترنا باسم عيسى ، فإذا كرر الناس ذلك كما فى آيات القرآن ، استقر الاعتقاد فى وجدان الناس أن عيسى لا أب له ، واستشعرت قلوبهم ما يجب عليهم اعتقاده من نفى الأب عنه ، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود فيها.

وفى سفر التكوين يأتى عن الخلق أنهم من «نسل المرأة» (٣ / ١٥) ، فلا واحد من البشر إلا وكان ابن امرأة ، ولم يكن المسيح استثناء ، فصار ينسب لأمه وصار الناس كذلك ينسبون لأمهاتهم ، فيقال : فلان ابن فلانة ، فذلك أوكد من أن يقال فلان ابن فلان.

* * *

٩١٤. اسمه المسيح

تردد اسم «المسيح» إحدى عشرة مرة فى القرآن ، وقال فيه الله تعالى أنه كلمة منه تعالى ألقاها إلى مريم (آل عمران ٤٥ والنساء ١٧١) ، وأنه رسول الله قد خلت من قبله الرسل (المائدة ٧٥) ، فمن قال إنه «الله» فقد كفر (المائدة ١٧) ، ومن قال إنه «ابن الله» (التوبة ٣٠) فقد كفر أيضا ، والمسيح لم يدع إلا إلى الله (المائدة ٧٢) ، وما كان يستنكف أن يكون عبدا له (النساء ١٧٢). والمسيح لقب لعيسى ، والاسم معرّب ، وأصله الشين أى المشيح ، ومعناه المفرز والمكرّس للخدمة ، وهو الممسوح بالدهن المقدّس ، والدهن هو الطّيب ، ومن أفخر الأنواع ، وكان العبرانيون يمسحون الكهنة ، ونقلوا ذلك عن المصريين ، وهؤلاء كانوا يمسحون الملوك والكهنة ، وكذلك فعل العبرانيون مع داود ، ومسحوه ثلاث مرات ، وحتى الضيوف كانوا يمسحونهم بالطّيب : رءوسهم وأرجلهم ، والعرب يفعلون ذلك حتى الآن ويستخدمون الطّيب بالإضافة إلى البخور ، وكانوا قديما ما يزالون يمسحون المرضى للشفاء ، ويمسحون الموتى طهارة لهم ، ويراد بالمسح أنه الطهارة للمثول بين يدىّ الله ، ومسح الكاهن بغرض تكريس نفس المؤمن لخدمته تعالى ، وفى المزامير عن مسح المسيح :

١١٢١

«مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أفضل من رفقائك» (مزامير ٤٥ / ٧) ، و «الربّ مسحنى لأبشّر المساكين» (أشعياء ٦١ / ١).

* * *

٩١٥. اسمه عيسى

يأتى اسم عيسى فى القرآن خمسا وعشرين مرة ، وهو التصحيف العربى للاسم السريانى عيشوYeshu ، وعند النصارى هو يسوع Jesus ، وينطق فى العبرانية يشوع ، ومعنى الاسم أنه «السيد المخلّص» ، أو المخلّص فقط ، أو المخلص ، والمسيح هو لقبه ، وفى الأناجيل ورد الاسم يسوع المسيح ، أو المسيح يسوع ، نحوا من مائة مرة ، بينما ورد اسم المسيح فقط نحو ثلاثمائة مرة. واسم عيسى لا ينصرف فى العربية.

* * *

٩١٦. إقرار عيسى أول ما نطق بالعبودية لله

النصارى على القول بأن المسيح هو ابن الله ، وبعض الفرق تقول هو الله ، والقرآن ضد هذا القول وذاك وينفيهما فى الآية : (فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) (٣٠) (مريم) فلمّا كان المسيح فى المهد أوتى الكلام ليقرّ الحق عن أمه ، وسبق إلى دحض فرية النصارى بأنه ابن الله ، فكان أول ما نطق به الإقرار بعبوديته لله تعالى وربوبيته ، ردّا على من غلا من بعد فى شأنه ، وأخبر بما قضى من أمره ، وبما هو كائن إلى أن يموت ، وأن الله آتاه الكتاب وجعله نبيا ، وآتاه نعم أخرى كثيرة. وليس فى الأناجيل الأربعة من ذلك شىء عن كلام المسيح ، والقرآن أوفى وأغنى بالتفاصيل ، وما حكاه عنه من العقل بعينه وليس خرافة لا من قريب ولا من بعيد.

* * *

٩١٧. دليل القرآن الداحض لربوبية المسيح

هذا الدليل هو لا معقولية ادعاء واحد من البشر أنه إله بقوله تعالى : (ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (٨٠) (آل عمران) فما يمكن أن يكون من يزعم الإلهية نبيا ، أو يكون قد أوتى الكتاب والحكمة ، والمعقول أن يطالب النبىّ باعتباره نبيا ، أن يكون الناس ربّانيين ، يتعلمون العلم الربّانى ويعلّمونه. ومن غير المعقول أن يأمرهم أن ينزلوا

١١٢٢

الملائكة والنبيين منزلة الأرباب ، فيعظّمونهم ويقدّسونهم كما يفعل النصارى واليهود ، فالنصارى هم الوحيدون الذين يلقّبون بعض قساوستهم بصاحب القداسة فينسبون لهم صفة لله ، وينسبون للمسيح أنه ابن الله. واليهود يمجّدون ذواتهم ويعظّمون شعبهم ، ويجعلون من بعض أنبيائهم أربابا على الحقيقة ، مثل النبى إيليا ، وينتظرون عودته إلى الأرض ليحكم بين الناس. ولذلك ظن اليهود أن محمدا أراد منهم أن يكونوا معه مثلما هم مع بعض أنبيائهم ، وأن يتّخذوه ربّا ، فنزلت (ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ) ـ إلى قوله : (أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (٨٠) (آل عمران) ، على طريق الإنكار والتعجب من فعل اليهود عموما والنصارى خصوصا ، ونهى القرآن أن يكون التأليه هو تقدير النبوة عند الناس ، وألزم الخلق حرمتهم. وقد ثبت عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهيه البتة أن يعامل الناس أحدا كإله ، وأمر الجميع فقال : «لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى ، وليقل فتاى وفتاتى. ولا يقل أحدكم ربّى وليقل سيدى» ، فهذه هى اشتراكية الإسلام أو عدالته الاجتماعية : لا تأليه لأحد ، ولا أحد فوق المساءلة!

* * *

٩١٨. البرهان أن عيسى ابن مريم مخلوق كسائر البشر

فى الآية : (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٦) (آل عمران) تعريض بل تصريح : بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق كما خلق الله سائر البشر ، لأنه صوّره فى الرحم وخلقه كما يشاء ، فكيف يكون إلها كما تزعم النصارى ، وقد تقلّب فى الأحشاء ، وتنقّل من طور إلى طور ، حتى استوفى شهور الحمل التسعة ، كما قال تعالى : (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ) (٦) (الزمر)؟

* * *

٩١٩. المسيح وأمّه مخلوقان محدودان محصوران

يقول النصارى فى «قانون إيمان الرسل» : «أؤمن بالله العظيم ، خالق السموات والأرض ، وبيسوع ابنه الوحيد ، ربّنا الذى حبل به من الروح المقدس ، وولد من العذراء مريم».

ويقولون فى قانون الإيمان النيقاوى : «بالحقيقة نؤمن بإله واحد : الله الأب ، ضابط الكل. ونؤمن بربّ واحد يسوع المسيح ، ابن الله الوحيد ، المولود من الأب قبل كل الدهور ، نور من نور ، إله حق من إله حق ، مولود غير مخلوق ـ واحد مع الأب فى الجوهر ، ونؤمن بالروح القدس الربّ المحيى ، المنبثق من الأب ، نسجد له ونمجّده مع الأب والابن ..».

١١٢٣

ويقولون فى قانون الإيمان الأثناسيوسي : «نعبد إلها واحدا فى ثالوث ، وثالوثا فى وحدانية ، من غير اختلاط فى الأقانيم ولا تقسيم فى الذات ، لأن أقنوم الأب هو غير أقنوم الابن ، وغير أقنوم الروح القدس ، ولكن الأب والابن والروح القدس ليسوا إلا إلها واحدا ، ومجدا واحدا ، وعظمة أبدية واحدة».

وواضح كل الوضوح أن قول النصارى بالتثليث هو إيمان راسخ ، ولذا قال فيهم القرآن : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) (٧٣) (المائدة) ؛ وقال : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١٧) (المائدة) ؛ وقال : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً) (١٧٢) (النساء) ، وبذلك قضى بكفرهم بقولهم : «إن الله هو المسيح ابن مريم» ، قالوا ذلك على جهة الإيمان بهذا الكلام ، لا على جهة الحكاية ولو كان المسيح إلها لقدر على دفع ما نزل به أو بغيره ، وفى الأناجيل أن اليهود أمسكوا به ودفعوه إلى الصليب ، وأقاموه عليه ، ودقّوا عليه بالمسامير ، فما استطاع أن يحمى نفسه ، أو يمنع ما ينزلونه به ، فأىّ إله هذا؟! والله تعالى له ملك السموات والأرض و «ما بينهما» ، والمسيح وأمه «ممّا بينهما» ، وهما ليسا سوى مخلوقين محدودين محصورين ، وما أحاط به الحدّ والنهاية لا يصلح للألوهية!

* * *

٩٢٠. الدليل على أن مريم وابنها عيسى بشران

هو قوله تعالى : (كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) (٧٥) (المائدة) ، ومن يأكل الطعام ويشرب ، لا بد أن يتغوّط ويبول ، وأن يجوع ويشكو إذا جاع ، وتلك أوصاف ليست لإله وإنما لبشر ، فإذا كانت مريم وابنها عيسى يأكلان الطعام فذلك دليل على أنهما بشران.

* * *

٩٢١. عيسى مثل لبنى إسرائيل

كان ميلاد عيسى معجزة فقد ولد من غير أب ، كما كانت حواء معجزة لأنها جاءت من أب وليس من أم ، وكان آدم معجزة لأنه بدون أب ولا أم ، وكنّا نحن معجزة لأننا نولد من أب وأم من مجرد نطفة ، وذلك دليل على طلاقة قدرة الله تعالى ، وجعل الله لعيسى إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والأسقام كلها ، ولم يجعل ذلك لغيره فى زمانه ، مع

١١٢٤

أن بنى إسرائيل كما قيل ، كانوا يومئذ من أعلم الناس بالطب والتطبيب ، والناس دونهم ، فأنزل الله عن عيسى : (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) (٦٠) (الزخرف) فأكدت الآية أن عيسى رغم أنه معجزة ويصنع المعجزات ، إلا أنه عبد من عباد الله ، فلا يفتتن الناس به إذا أحيا ميتا أو أبرأ مريضا ، ونبّه إلى أن مواهبه نعم منه تعالى أفرده بها كمعجزات له ليؤمن الناس به ويصدّقوه ، فجعله مثلا لبنى إسرائيل ، فليس بعيدا على الله أن يجعل منهم ملائكة كما جعل من عيسى ما كان عليه ، وإذن لأسكنهم ـ أى الملائكة ـ الأرض بدلا من السماء ، وكانوا خلفا لهم ـ أى لهؤلاء النصارى ، فلما ذا إذن عبدوا عيسى وألّهوه مع أنه مجرد مثل لقدرة الله ووحدانيته تعالى؟!

* * *

٩٢٢. لو أراد الله ابنا لاتخذه من الملائكة وليس من البشر

لمّا قال النصارى اتخذ الله عيسى ولدا ، وأنه ابن الله على الحقيقة وليس على المجاز ، ردّ عليهم فقال : (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) (١٧) (الأنبياء) ، واللهو كما قيل هو المرأة ، وقيل الولد ، يعنى أن يتخذ الله صاحبة أو يكون له ولد ، فلو أراد ذلك لكان المعقول أن تكون صاحبته من أهل السماء ، أو أن يكون الولد من الملائكة ، وليس أن تكون الصاحبة مريم ، والولد عيسى!

* * *

٩٢٣. التثليث فى القرآن وعند النصارى

يقول تعالى : (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً) (١٧١) (النساء). ومن قول النصارى بثلاثة اشتق التثليث ، وهو من الأصول النصرانية ، وفى اعتقاد النصارى أن من لا يحفظ الإيمان بالتثليث من غير تعديل ، يموت موتا أبديا. وعن التثليث فى إنجيل متّى يقول : «تلمّذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الأب والابن والروح القدس» (/ ١٩ ٢٨). والأب هو الله ، والابن هو أيضا الله ، وكذلك روح القدس. وفى رسالة بولس الثانية إلى كنيسة كورنثوس ، فإن الثلاثة ، هى الأقانيم الثلاثة ، والأقنوم هو الصفة ، يقول بولس : «نعمة ربّنا : يسوع المسيح ؛ ومحبة الله : الأب ؛ وشركة الروح القدس معكم جميعا (/ ١٤ ١٣) ، وفى رسالته إلى كنيسة غلاطية يقول عن مسحة الروح القدس للمؤمنين : «ثم بما

١١٢٥

أنكم أبناء ، أرسل الله روح ابنه إلى قلوبنا» (٤ / ٦) ، فالله الأب هو المرسل ، والروح القدس هو المرسل ، والابن هو سرّ الإرسالية ؛ وفى رؤيا يوحنا : «الذين يشهدون فى السماء ثلاثة : الأب ، والكلمة ، والروح القدس ، وهؤلاء الثلاثة هم واحد (٥ / ٧). وهذا الكلام ، بلغة المناطقة ، لا يعنى شيئا ، أى nil ، وهو تفلسف وليس فلسفة ، ويكشف عن جهل وضلال ، وينبّه إليه القرآن : (يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَ) (١٧١) (النساء). والغلو هو التجاوز فى الحدّ ، والنصارى غلت فى المسيح حتى جعلوه ربّا. والقرآن يدعو إلى التوحيد ، والنصارى يدعون إلى التثليث ، وكان المجوس اثنينية ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى أن يطريه المسلمون كما أطرت النصارى عيسى ، وأمرهم أن يقولوا أنه عبد الله ورسوله ، وذلك هو النقيض الخالص لمقالة النصارى فى الله (انظر أيضا عيسى كلمة الله ، وعيسى روح من الله).

* * *

٩٢٤. عيسى كلمة الله إلى مريم

فى إنجيل يوحنا : «فى البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله. وكان الكلمة الله. هذا كان فى البدء عند الله. كلّ به كوّن ، وبغيره لم يكوّن شىء مما كوّن» (١ / ٣). وفسّر ذلك أبىّ بن كعب فقال : خلق الله أرواح بنى آدم لما عليهم الميثاق ، ثم ردّها إلى صلب آدم ، وأمسك عنده روح عيسى عليه‌السلام ، فلمّا أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم ، فكان منه عيسى عليه‌السلام. والكلمة هى «كن» ، بها تكوّنت المخلوقات ، وبدونها ما كانت توجد. وفى القرآن قال تعالى : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٨٢) (يس ٨٢) ، وقال يوحنا فى إنجيله : «والكلمة صارت جسدا وحلّ فينا» (١ / ١٤) ، وبكلمات كهذه «وحلّ فينا» بدأ الضلال والقول بالحلول ، فقيل : الله عقل. والكلمة تجسيد للعقل ، والعقل غير منظور وظهر فى الكلمة ، يعنى فى مخلوقاته ، وفى المسيح ، مثلما يمكن أن يحلّ المسيح فى المؤمنين به. وفى القرآن الأمر على خلاف ذلك ، يقول تعالى : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (١٧١) (النساء) ، فالكلمة هى «كن» ، وبها خلق آدم من غير أبّ ولا أم ، وخلقت حواء من أب بلا أم ، وخلق عيسى من أم بلا أبّ ، وخلق النبىّ يحيى بكلمة منه ، من أب وأم ، إلا أن الأم كانت عاقرا والأب شيخا كهلا ، وكذلك إسحاق ، خلقه بكلمة منه ، من إبراهيم وسارة ، وإبراهيم كان شيخا وسارة عجوزا عقيما ، والإنسان عموما خلقه من أب وأم ، فكذلك كان الحال مع عيسى ، وذلك جميعه بكلمة «كن» يقولها الله تعالى فيكون الخلق كما أراد وقضى. فبكلمة «كن» كانت بشارته

١١٢٦

تعالى إلى مريم ، وكانت رسالته إليها على لسان جبريل قوله : (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) (٤٥) (آل عمران) ، فقال : «اسمه المسيح» ولم يقل اسمها ، فنعلم أن «كلمة» فى الآية تعنى ولدا ، أى بشّرها بولد. فعيسى إذن لم يكن بدعا ؛ ولم يكن سابقا ، ومثله مثل آدم وحواء ويحيى وإسحاق ، فلما ذا يؤلّه دونهم؟! (انظر أيضا عيسى روح من الله).

* * *

٩٢٥. عيسى روح من الله

فى الآية : (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (١٧١) (النساء) ، روى أن عيسى كانت له ستة أسماء بحسب القرآن ، هى : المسيح ، وعيسى ، وكلمة الله ، وروح من الله ؛ وعبد الله ، ورسول الله. والذى أوقع النصارى فى الضلال هو ما قيل بأنه «روح منه» أى من الله ، فقالوا إذن عيسى جزء من الله ، وتكون له طبيعة الله وليست طبيعة الجسد الذى تجسّد فيه ، وقيل بل تكون له طبيعتان ، الأولى لاهوتية ، والثانية ناسوتية يعنى بشرية ، وهذه الطبيعة الثانية هى التى جرى عليها الصلب ؛ وأما المسيح الربّ. أو الإله ، فهو الذى ارتفع إلى السماء ، فلو اجتمع اللاهوتى بالناسوتى فالمتحكّم لا يكون بداهة هو الناسوتى ، ويتأبّى العقل أن يقبل أن الطبيعة البشرية تكون لها الغلبة على الطبيعة الإلهية ، فالصدّيق أو النبىّ يحاول أن يرقى بنفسه ليكون ربّانيا ، فهل جرى العكس على عيسى ، ونزل عن إلهيته ليكون إنسانا؟ والإله والإنسان لا يستويان. وقيل الألوهة عند النصارى ثلاثية هى : الأب وهو الله ، والابن أى كلمته وهو عيسى ، وروح القدس أى روح الله ، والثلاثة أوجه لشىء واحد هو الله ، وهو شرك صريح يثبته جريجوريوس فيقول : التثليث المسيحى لا يتعارض مع الإيمان بالتوحيد» ـ وكلامه مغالطة صريحة ، والمغالطات باب من أبواب المنطق ، والمغالط أو السوفسطائى يلعب بالألفاظ بمثل هذا القول السابق. وفى الإسلام الروح الأمين ، أو روح القدس ، الذى نفخ فى درع مريم هو جبريل ، وعند جريجوريوس أحد أقطاب الكنيسة المصرية رغم أسماء قساوستها اليونانية : أن روح القدس هو الله ، ويصف ذلك بأنه حقيقة دينية وليست فلسفية ، وهى تعليم إلهى. وينتحل جريجوريوس مراجع له من التوراة ، والتوراة لا تقول بالحلول صراحة ولا بالتثليث ، ويستشهد برسالة بطرس الأولى وليس فيها ما يثبت قوله. «انظر أيضا عيسى كلمة الله ، وأيضا التثليث فى القرآن وعند النصارى).

* * *

١١٢٧

٩٢٦. هل عيسى علم للساعة؟

يذهب أصحاب الإسرائيليات إلى تفسير الآية : (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) (٦١) (الزخرف) ، أن من أعلام الساعة خروج المسيح ، لأن الله ينزله من السماء قبيل قيام الساعة ، غير أن اليهود فى زعمهم أن الذى ينزل قبل قيام الساعة هو «النبىّ إيليا» ، والمسيح عندهم هو إيليا وليس عيسى ، وإيليا هو النبىّ إلياس أو إدريس بالعربية ، رفع إلى السماء ، وطالما أنه رفع فسيعود حتما ، وأنه ينزل فى آخر الزمان وقبل يوم القيامة ليعيد لليهود مجدهم (ملاخى ٤ / ٥ ـ ٦) ، ويسمون إيليا لذلك باسم «المسيح المنتظر» ، وهى العبارة التى قال مثلها الشيعة : «المهدى المنتظر» ، والمهدى هى البديل لمصطلح «المخلّص» المسيحى. وقال النصارى : إن المسيح هو الذى ينزل وليس إيليا. وفى هذه الآية من القرآن (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) لا دليل على أن الكلام عن المسيح كما يقول أصحاب التفاسير ، وتؤكد ذلك الآية قبلها فتجعله عبدا أنعم الله عليه بالنّبوة ، تقول : (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ) (٥٩) (الزخرف) ، أى آية وعبرة يستدل بها على قدرة الله ، وهذه الآية هى المسيح عيسى ، لأنه كان من غير أب ، وجعل إليه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والأسقام ما لم يجعل لغيره فى زمنه. والصحيح أن الذى هو علم للساعة هو الذى تشير إليه الآية : (وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) ، والكلام فيها عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والمعنى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم باعتباره خاتم الرسل صار علما للساعة ، أى علامة ، لأنه بعد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يكون أنبياء ، فهو آخرهم ، وهو الأقرب لذلك من الساعة ، فأولى بهم أن يتّبعوه إذن ، لأن الصراط الذى يدعو إليه هو الصراط المستقيم ، ولأن الديانة التى يبشّر بها هى القول الحق الذى لا تحريف فيه ، وفى الحديث : «بعثت أنا والساعة كهاتين» وضمّ السبابة والوسطى ، فهو إذن المعنىّ بأنه علم أو علامة من علامات الساعة. وقد جاء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتوفى وانتهى الأمر ، ولا ادّعاء بأنه سيعود ، ففي القرآن لا رجعة لأحد إلا يوم القيامة ، لا المسيح ولا إيليا ، وقول النصارى بأن عيسى سيرجع مردود عليه : هل يرجع أحد بعد أن يموت إلا يوم القيامة؟ ولو كان عيسى سيرجع لذكر ذلك القرآن صراحة ، ولكن لا إشارة إلى ذلك من قريب أو بعيد ، وأحاديث المسيح الدجّال كلها موضوعة ، ولا مجال كى يكون المسيح قاتلا للدّجال كما ادّعوا ، ولا لأن يكون هو المجدّد للدين على سنة وشريعة نبيّنا ، فتلك جميعها تلفيقات مهر فيها اليهود بخاصة ليفسدوا على الإسلام أنه الديانة التى لم تحدث بها تحريفات. وروّج لها الشيعة للأسف.

* * *

١١٢٨

٩٢٧. هل أخطأ القرآن بتقديمه عيسى على غيره

فى الآية : (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً) (١٦٣) (النساء) ، قال المستشرقون ـ وخاصة هوروفتس ـ هذا الدعىّ الأفّاق ، أن القرآن أو بالأحرى محمد ، أخطأ فى ترتيب الأنبياء : فوضع عيسى قبل أيوب ، وسليمان قبل داود ، ويونس قبل هارون ، وأيوب قبل يونس وقبل هارون وداود وسليمان ، وكل ذلك خطأ ويكشف زيف محمد كنبىّ! وهوروفتس هو الذى أخطأ ، لأنه فى أول الآية تقدّم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على سائر الأنبياء الذين جاءوا قبله ، فنعلم أن مقياس التقديم والتأخير باعتبار قدر وشرف هذا النبىّ أو ذاك ، مثل قوله تعالى : (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ) (٧) (الأحزاب) ، فخصّ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالذكر أولا ، وخصّ آخرين بالتقدمة على غيرهم تشريفا لهم ، وقدّم عيسى على أنبياء كانوا قبله. والواو لا تقتضى الترتيب ، وتخصيص عيسى بهذه المرتبة هو ردّ على اليهود الذين ينكرونه ، وتحقيق لنبوته ، وقطع لما رآه اليهود فيه ، ودفع لاعتقادهم. ولم يكن خطأ ولا سوء تصحيف أن أطلق القرآن على مزامير داود اسم «الزبور» ، والمزاميرpsalms اليهودية ، أشعار دينية ترنّم أصلا على صوت «المزمارpipe أوreed أوflute» ، والواحد مزمور ، وبالعبريةmizmor ، وبالحبشيةmazmur ، وبالسريانيةmazmor ، واليهود أطلقوا عليها هذا الاسم لغلبة اعتبارها للزمر ، أى للموسيقى ، والقرآن أعطاها اسم «الزبور» باعتبارها كتاب للأناشيد من «الزبر» الذى هو الكتابة ، والأصحّ لها هو الاسم «زبور» كما أورده القرآن ، لأنه «كتاب أناشيد» وليس «نوتة موسيقية» ، والأصل فى الكلمة قوتها على التوثيق ، أى بيان الصواب والحق ، ويسمى الكتاب لذلك «زبورا» لقوة الوثيقة به. ومرة أخرى يخطئ هوروفتس وليس القرآن ولا محمد كما ادّعى!

* * *

٩٢٨. عمران موسى والصلة بينه وبين مريم أم المسيح

فى الآية : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران) ، يؤكد القرآن على أن عمران ـ والد موسى ـ هو رأس الشجرة التى منها هارون ، والتى انحدرت منها مريم أم المسيح والمسيح ، بالتبعية. ولقد عرفنا مما سبق أن هناك عمرانين ، عمران الأول أبو موسى ، وهو معروف ومشهور ، وأوردت التوراة

١١٢٩

اسمه ، وعمران الثانى أبو مريم أم المسيح ، ولم يذكر بالاسم ، لا فى التوراة ولا فى الأناجيل ، ومرجعنا الوحيد فيه هو القرآن ، كقوله تعالى : (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) (التحريم ١٢) ، وقوله : (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً) (آل عمران ٣٥) ، فأما الأول فهو عمران الحقيقى ، وأما الثانى فيعنى بيت عمران ، أو آل عمران ، واسم عمران هو لاوى بن قهات ، وكان عبدا صالحا ، وهو رأس عشيرة العمرانيين التى منها موسى وهارون ، واليصابات زوجة زكريا ، ومريم أم المسيح ، وكانت لعمران ابنة اسمها مريم هى أخت موسى التى دلت ابنة فرعون على أمها لترضع موسى ، وكانت بتولا كمريم العذراء أم المسيح ، وهؤلاء جميعهم يشكلون الدوحة العمرانية وكانوا من الصالحين (سفر العدد ٢٠ / ١) ، وهم المعنيون باصطلاح آل عمران فى الآية ، ويقابلهم آل إبراهيم الذين ينحدرون من إبراهيم ، وهم : إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ، والأسباط ، والجميع ـ سواء آل عمران أو آل إبراهيم ـ تصدق عليهم الآية : (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران ٣٤) ، وخصّ الله فى سورة آل عمران بالتنويه عن ذرية عمران ، لأن من بينهم كان أنبياء ورسل اصطفاهم ـ أى اختارهم ـ فكانوا صفوة الخلق أجمعين ، وللصفوة فى اليهودية والنصرانية والإسلام نظرية تؤكد أن الله يمايز بين الناس بالفضل ، وقد اصطفى أنبياءه من النخبة الطيبة الصالحة ، فإن كان قد ذكر آدم ونوحا مفردين ، فإنه جعل الفضل فى آل إبراهيم وآل عمران ، وقد ترسّخت النبوة فيهم وتتابع الأنبياء والرسل منهم ، وكان نبيّنا من الدوحة الأولى ـ دوحة إبراهيم. ولأن سورة آل عمران تناولت من هؤلاء الصفوة من أنبياء ورسل بيت عمران أكثر ممن تناولتهم من آل إبراهيم ، فقد أطلقوا على السورة أنها «سورة آل عمران» ، ولعل ذلك يفسّر لنا أكثر لما ذا قال الله «امرأة عمران» ، «وابنة عمران» ، فى الإشارة للأصول الطيبة لمريم وابنها. ولعله أيضا يلقى المزيد من الوضوح على السبب الذى من أجله كان قوله تعالى فى سورة مريم ٢٨ «يا أخت هارون» ، وفى هذه الآيات جميعا لا لبس ولا خطأ فى نسبة مريم إلى عمران أو إلى هارون ، حيث أن المعنى فيهما ينصرف إلى أنها من «بيت هارون» الذى هو نفسه «بيت عمران». وهذا ما أكده القرآن ولم تتناوله الأناجيل ولا تطرقت إليه ، حتى أنهم فى النهاية نسبوا مريم لدوحة زوجها يوسف النجّار ، وجعلوها تبعا له من بيت داود. والله حسبنا.

وثمة مسألة أخرى تطرق إليها المستشرقون ، فقد ظنوا أن القرآن أخطأ ثانية بأن جعل مريم أم المسيح ابنة لعمران ، وعمران هو أبو موسى ، فخلط بين مريم أم المسيح ومريم أخت موسى فى الآية : (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) (٣٦) (آل عمران). والقرآن لم

١١٣٠

يخلط ، والخلط فى أذهان المستشرقين من اليهود والنصارى. والقرآن مرجع من المراجع ، مثله مثل التوراة والإنجيل ، ومصداقية القرآن ليست بأقل من مصداقية التوراة والإنجيل ، فالقرآن يقول ، والتوراة والإنجيل يقولان ، فعلى الأقل لا ترجيح لأيهم طالما أن كلا منهم لا يعدو القول ، فإن قال القرآن إن أم مريم كانت زوجة للمدعو عمران أو عمرام ، فإنه مثل قول التوراة أن عمران آخر كان أبا لموسى ، فلما ذا لا يكون هناك عمرانان ، واحد لمريم ، وآخر لموسى ، ولا علاقة بينهما سوى علاقة القرابة والمشابهة فى الأسماء؟

ويخلو الإنجيل تماما من اسم أم مريم واسم أبيها ، ولا يوجد مصدر لنا عن ذلك إلا القرآن ، ويذكر القرآن أن والد مريم هو عمران ، فلما ذا الخلط بينه وبين عمران الآخر والد موسى وبينهما نحو ستمائة سنة ، وربما ألف سنة أو أكثر؟!! ولما ذا الخلط بين مريم أم المسيح ومريم الأخرى شقيقة موسى؟ وأما أن يقول القرآن مرة «امرأة عمران» (آل عمران ٣٦) عن جدّه المسيح ، ومرة «مريم بنت عمران» (آل عمران ٣٥) عن العذراء ، فهذه طريقة العرب والساميين عموما فى التعريف بالناس من باب التبجيل ، فلا ينادون بأسمائهم وإنما بألقابهم ، ونحن ننسب دائما إلى الأصول فنقول البكرى أو الهاشمى ، أو الطالبى وهكذا. وعمران الذى تنسب إليه مريم أخت موسى ، كان والد موسى وهارون ، كما أن مريم أم المسيح كانت تنحدر من دوحة عمران أو بالأصح هارون ابنه ، لأنها كانت صدّيقة وتنتمى إلى جماعته من الكهنة ، ولذا نسبها القرآن إلى هذا الأصل المبارك ، وعلى ذلك ينتفى الخلط بالكلية ويظهر جليا أن الالتباس عند المستشرقين سببه قلة درايتهم باللغة العربية وطرق التعبير بها وخاصة فى القرآن ، فوجب التنبيه لذلك.

* * *

٩٢٩. أتباع عيسى اسمهم النصارى

فى كتب العهد الجديد : أن المسيحيين دعوا لأول مرة مسيحيين فى أنطاكية (أعمال ١١ / ٢٦) نحو سنة ٤٢ أو ٤٣ م) ، واللقب كان فى أول الأمر من باب القذف والذمّ (بطرس الرسالة الأولى ٤ / ١٦) ، ومن أقوال المؤرخ تاسيتوس (المولود نحو سنة ٥٤ م) أن تابعى المسيح كانوا من سفلة الناس ، ومن العامة ، حتى أن أجريياس لمّا قال لبولس : بقليل تقنعنى أن أصير مسيحيا» (أعمال ٢٦ / ٢٨) ، كان يقصد أن كلامه طيب وحججه قوية ، ولكنه لا يرضى أن يكون مسيحيا فيعاب بهذا الاسم. ولا يأتى اسم المسيحى أو المسيحيين فى القرآن ، ولكن يأتى الاسم «نصرانى» ، كقوله تعالى : (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا) (آل عمران ٦٧) ، والاسم «نصارى» فى الجمع كقوله : (وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ)

١١٣١

(١١٣) (البقرة) نسبة إلى «الناصرة» ، وهى إحدى مدن فلسطين من إقليم الجليل ، أى فى الجزء الشمالى من فلسطين ، وتقوم على جبل مرتفع ، ويرى منها جبل الشيخ والكرمل ، وذكرت فى كتب العهد الجديد تسعا وعشرين مرة ، وهى مسقط رأس مريم وزوجها يوسف النجّار ، وفى الناصرة كانت بشارة مريم بالمسيح (لوقا ١ / ٢٦) ، وعادت إليها مريم مع يوسف من مصر (متى ٢ / ٢٣). والناصرة اسم سريانى وليس عبرانيا ، وموجود فى العربية ، وهى التى تنصر ، أو المنصورة ، وفى الناصرة نشأ المسيح وترعرع (لوقا / ١٦ ٤) ، وأمضى الجزء الأكبر من حياته ، وكان يكبر بين أهلها كما يقول لوقا : بالحكمة والسن والنعمة (لوقا ٢ / ٥٢) ، ولكنه ما أن بدأ رسالته حتى رفضه أهلها مرتين (متى ٤ / ١٣ ، ١٣ / ٥٤ ـ ٥٨ ؛ ولوقا ٤ / ٢٨ ـ ٣١ ؛ ومرقس ٦ / ١ ـ ٦). وفى الناصرة كانت العين التى كانت مريم تتردد عليها ، والموضع الذى فيه أتتها البشارة ، ويسمى اليوم كنيسة البشارة ، وبالقرب منها على حافة الجبل المطل على مرج بنى عامر وقرب الكنيسة الرومانية ، الموضع الذى عنده أراد يهود الناصرة أن يلقوا منه هذا «الناصرى» ، فهكذا دعاه بطرس (أعمال ٢ / ٢٢) ، وبولس (أعمال ٢٦ / ٩) ، والمسيح نفسه سمّى نفسه : الناصرى ، والنسبة تعود إلى مدينة الناصرةnazareth ، ومن ثم كان أنصاره هم النصارى nazarines. واسم النصرانى تصحيف عربى للناصرى ، والأنثى يقال لها نصرانية ، وفى الحديث : «فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه» أخرجه البخارى ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا يسمع بى أحد من هذه الأمة : يهودى ولا نصرانى ، ثم لم يؤمن بالذى أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار» أخرجه مسلم. وكان الأحرى أن يكون الجمع «النصرانيين». ويسمى ابن عباس الناصرة التى ينسب إليها المسيح والنصارى باسم قرية نصران ؛ وقيل هم سمّوا نصارى لأنهم نصروا بعضهم البعض ، وكأن الأنصار فى المدينة سموا أنصارا لمناصرتهم أيضا للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقيل ربما كان اسم الأنصار للآية : (قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) (آل عمران ٥٢) ، فهؤلاء أنصاره ، وصحّف الاسم إلى النصارى ، والشاعر يقول :

لمّا رأيت نبطا أنصارا

شمّرت عن ركبتى الإزارا

كنت لهم من النصارى جارا

* * *

٩٣٠. رحلة المسيح وأمه إلى مصر فى القرآن

فى إنجيل متى : أن هيرودس دعا المجوس ليعلم أين ولد الصبى الذى سيكبر ليخلّص شعبه ، فذكروا أنه فى بيت لحم ، فأرسلهم ليبحثوا عنه ، ورأى يوسف زوج مريم ، أن عليه

١١٣٢

أن يهرب بالغلام إلى مصر ، ليصدق على المسيح ما جاء فى سفر هوشع «من مصر دعوت ابني» (١١ / ١) ، والمقصود بهذه العبارة عند هوشع أن الابن هو شعب إسرائيل ، يعنى أن الشعب كان على موعد مع الله بخروجه من مصر ، ولكن كاتب الإنجيل وظّف العبارة لصالح عيسى وجعلها بشارة. وبالهروب إلى مصر نجا المسيح ، وقيل : إن هيرودس قتل كل صبيان بيت لحم وتخومها ، من ابن سنتين فما دون (متى ٢ / ٨ ـ ١٦). وظلّت العائلة المقدسة بمصر ـ مريم وزوجها وابنها عيسى ، وربما بعض أولادها من زوجها كانت أنجبتهم فى ذلك الحين ـ إلى أن مات هيرودس ، فرأى يوسف فى الحلم : «أن خذ الصبى وأمّه واذهبوا إلى أرض إسرائيل ، فقد مات طالبو نفس الصبى». وارتحلوا إلى الناصرة لينشأ المسيح ناصريا ، ويدعى الناصرى.

ويقول المستشرقون ، خاصة فينسينك ، وهوروفتس ، وبيترز : إن القرآن أشار إلى هروب يوسف بمريم والمسيح إلى مصر فى الآية : (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ) (٥٠) (المؤمنون) ، والربوة هى المكان المرتفع من الأرض ، قيل هى مصر ، لأن أرضها مرتفعة ، وذات قرار أى مستوية ، ومعين أى ماء جار ظاهر للعيون.

* * *

٩٣١. الحواريون أنصار عيسى

لمّا دعا عيسى اليهود إلى الله أنكروه : (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (٥٢) (آل عمران) ، والحواريون فى الآية كانوا اثنى عشر كما جاء عنهم فى إنجيل متّى (١٠ / ٢ ـ ٤٢) : سمعان المدعو بطرس ؛ وأندراوس أخوه ؛ ويعقوب بن زبدى ؛ ويوحنا أخوه ؛ وفيلبّس ؛ وبرتلماوس ؛ وتوما ؛ ومتّى العشّار ؛ ويعقوب بن حلفى ؛ وتداوس ؛ وسمعان القانونىّ ؛ ويهوذا الإسخريوطى الذى أسلم عيسى لليهود ، وهؤلاء أسلموا على يديه ، ونصروا الله بالدعوة إليه ، بناء على وصية عيسى لهم ، قال : إلى طريق الأمم لا تتّجهوا ـ يعنى لا تبشّروا غير اليهود. وقال : بل انطلقوا إلى الخراف الضالة من آل إسرائيل ، فخصّ اليهود بالدعوة دون العالمين ؛ والدعوة طبقا للأناجيل مضمونها : الاعتراف بعيسى ابنا لله ، بينما هى فى القرآن كما ورد على لسان الحواريين ، قالوا : (رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (٥٣) (آل عمران) ، والرسول الذى اتبعوه هو عيسى ، وإيمانهم بما أنزل الله هو إيمانهم بأحكامه فيه ، فلمّا أقرّوا بالله سألوه أن يكتبهم مع من يشهدون لأنبيائه بالصدق ، أى مع الصدّيقين. ودعوة

١١٣٣

الحواريين فى القرآن ـ كما ترى ـ لله ، بينما دعوتهم فى الأناجيل لعيسى نفسه ، وهذا هو الفرق بين الإسلام والنصرانية.

* * *

٩٣٢. قصة مائدة عيسى فى الإنجيل والقرآن

المائدة لا تكون مائدة إلا إذا كان عليها طعام ، فإن لم يكن عليها طعام فهى طاولة ، وخوان ؛ تقول ماد أى أطعم وأعطى ، والمائدة تميد ما عليها ، أى تعرض ما عليها من أنواع الطعام ، ويسمى الطعام أيضا مائدة تجاوزا ، لأنه يؤكل على المائدة. وعن مائدة عيسى يأتى فى إنجيل متّى : ثم إن يسوع دعا تلاميذه وقال إننى أتحنن على الجمع ـ وكانوا كثيرين أتوا إليه من مختلف القرى ـ لأن لهم معى ثلاثة أيام ، وليس لهم ما يأكلون ، ولا أريد أن أصرفهم صائمين لئلا يخوروا فى الطريق. فقال له تلاميذه : من أين لنا فى البرية خبز يشبع مثل هذا الجمع؟ فقال لهم يسوع : كم عندكم من الخبز؟ فقالوا : سبعة ، ويسير من السمك. فأمر أن يتكئ الجمع على الأرض ، ثم أخذ الأرغفة السبعة والسمك ، وشكر ، وكسر ، وأعطى تلاميذه ، والتلاميذ ناولوا الجمع ، فأكلوا جميعهم وشبعوا ، ورفعوا ما فضل من الكسر سبع سلال مملوءة ، وكان الآكلون أربعة آلاف رجل سوى النساء والصبيان ، ثم صرف الجمع وركب السفينة إلى تخوم مجدل» (إنجيل متّى ١٥ / ٢٢ ـ ٢٩). وفى إنجيل لوقا : يشترط المسيح للمائدة ، يقول : «إذا صنعت غذاء أو عشاء فلا تدع أحبّاءك ، ولا إخوانك ، ولا أقرباءك ، ولا الجيران الأغنياء ، لئلا يدعوك هم أيضا فتكون لك منهم المكافأة ، وإذا صنعت مأدبة فادع المساكين والجدع والعرج والعميان ، فتكون مباركا ، إذا ليس لهم ما يكافئونك به ، فتكون مكافأتك فى قيامة الصدّيقين (يعنى فى الآخرة)» (لوقا ١٤ / ١٢ ـ ١٤). وفى إنجيل يوحنا : «أن الفصح عيد اليهود كان قد قرب ، فرفع يسوع عينيه فرأى جمعا كثيرا مقبلا إليه ، فقال لفيلبس : من أين نبتاع خبزا ليأكل هؤلاء؟ فأجابه فيلبس : إنه لا يكفهم خبز بمائتى دينار حتى ينال كل واحد منهم شيئا يسيرا! فقال له أندرواس أخو سمعان بطرس : إن هاهنا غلاما معه خمسة أرغفة من الشعير ، وسمكتان ، ولكن ما هذه لهذا العدد من الناس!!؟ فقال يسوع : مروا الناس بأن يتكئوا ، وكان فى الموضع عشب كثير ، فاتكأ الرجال ، وكان عددهم نحو خمسة آلاف ، وأخذ يسوع الأرغفة وشكر ، وقسم على المتكئين ، وكذلك السمكتين ، على قدر ما شاءوا. فلما شبعوا قال لتلاميذه : أجمعوا ما فضل من الكسر لئلا يضيع شىء منها ؛ فجمعوا فملئوا اثنتى عشرة قفة من الكسر التى

١١٣٤

فضلت عن الآكلين من خمسة أرغفة الشعير ، فلما عاين الناس الآية التى عملها يسوع ، قالوا : فى الحقيقة هذا هو النبىّ الآتى إلى العالم!». (يوحنا ٦ / ٤ ـ ١٤). وكما ترى فإن الروايات النصرانية فى هذه المائدة مختلفة بشدة ، فمرة الأرغفة سبعة واليسير من السمك ، والآكلون أربعة آلاف سوى الصبيان والنساء ، والمتبقى من الطعام يملأ سبع سلال ؛ ومرة الأرغفة خمسة ، والسمك اثنتان ، والناس نحو خمسة آلاف ، والمتبقى من الطعام يملأ اثنتى عشرة قفة ، وفى الروايتين أنهم كانوا فى صيام ، وأن المدعوين هم الفقراء والمحتاجون. والدرس المستفاد هو ما قاله الناس : «هذا حقا هو النبىّ الآتى إلى العالم»! وأما رواية القرآن فتأتى فى سورة المائدة ، وتتسمى السورة باسم هذا الحدث الفريد والمعجزة الخارقة ، فلما آمن الحواريون وأشهدوا عيسى بإسلامهم ، وكانوا فى صيام ، سألوه أن يدعوهم إلى طعام من عند الله ، قالوا : (يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ) (١١٥) (المائدة). وقولهم : «هل يستطيع ربّك» ليس شكّا فى الله ، ولكن بمعنى «هل يطيعك ربّك إن سألته أن ينزّل عليك مائدة؟ وما كان ينبغى أن يسألوه هذا السؤال ، إنما لأنهم كانوا فى ابتداء استنصارهم ، ولذلك ردّ عليهم عيسى : «اتقوا الله إن كنتم مؤمنين» ، لمّا سمع غلطهم وتجويزهم على الله ما لا يجوز ، لأنهم كانوا كحواريين خلصاءه وأنصاره ، كما قال : (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ) (٥٢) (آل عمران) ، فكان ينبغى عليهم وهم الذين بلغهم من نبيهم ما يجب لله وما لا يجب ، أن لا يقولوا ما قالوا ، كقول بعضهم لمّا سألوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ، وهى شجرة كان المشركون يتباركون بها وينوطون بها سلاحهم ، أى يعلقونه ، ويعكفون حولها ، فسألوه أن يجعل لهم مثلها. وكذلك فعل قوم موسى لمّا قالوا : (اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ) (١٣٨) (الأعراف). ولم يكن الحواريون يتعللون لعيسى ، فهم مؤمنون عارفون عالمون ، وإنما المعنى كما قد تسأل عزيزا لك معروفا فتقول له : هل تستطيع أن تفعل هذا؟ وأنت تعلم أنه يستطيع ، والحواريون علموا ذلك علم دلالة وخبر ونظر ، فأرادوا أن يكون علمهم علم معاينة ، كما قال إبراهيم : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) (٢٦٠) (البقرة) ، وكان إبراهيم يعلم علم خبر ونظر ، فأراد المعاينة التى لا يدخلها الريب

١١٣٥

والشك ، ومثل ذلك قاله الحواريون : «وتطمئن قلوبنا» ، تماما كما قال إبراهيم : (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (٢٦٠) (البقرة). ثم إن قولهم : «هل يستطيع ربّك» تلطّف فى السؤال ، وأدب مع الله تعالى. وكان ردّ عيسى : «اتقوا الله إن كنتم مؤمنين» لأنه لم يستبشر خيرا بكثرة أسئلتهم واقتراحاتهم لآيات الله ، لأنه تعالى لا يفعل إلا الأصلح لعباده ، فلما نهاهم بيّنوا سبب سؤالهم ، قالوا : «أن نأكل منها» ، فقد كانوا جوعى ، وكما جاء بقصتىّ الإنجيل ، كانوا بالآلاف ، ولهم ثلاثة أيام لم يذوقوا طعاما ، وكان من ساروا خلفه من أصحابه يدركون حاجة الناس ، وأن أكثرهم مرضى وزمنى وعميان ، ولم يكن معهم نفقة لفقرهم ، فأراد الحواريون سدّ جوعة الناس ، ولتطمئن قلوبهم أنهم صاروا شعب الله ، وأنه اجتباهم واختارهم لدعوته ، وأن دعوتهم مستجابة عنده ، وليستيقنوا قدرة عيسى ، وليعلموا أنه قد صدقهم ، وليشهدوا لله بالوحدانية ، ولعيسى بالرسالة والنبوّة ، واقتنع عيسى فدعا ربّه ، ونزلت المائدة ، قيل كان نزولها يوم أحد ، وكانت عيدا لأولهم وآخرهم ، فكفت أولهم وآخرهم ، وكانت آية منه تعالى ، ودلالة وحجة ، واشترط عليهم أن يكون إيمانهم بعدها كاملا ، فإن شهدوا المائدة وعاينوها ، وعرفوا المعجزة ولمسوها ونظروها ، فما لهم حجة بعدها أن يداخلهم الريب ، وإلا فمن يشك بعدها فله العذاب الشديد ، قيل : له الدرك الأسفل من جهنم ، وفيه العذاب الشديد ، وعد به ثلاثة : المنافقون ، وآل فرعون ، ثم المكذّبون لعيسى بعد نزول المائدة.

* * *

٩٣٣. المسيح لم يصلب ولكن شبه لهم

فى الأناجيل الأربعة : أن اليهود طالبوا الوالى أن يصلب يسوع الذى يقال له المسيح ، وقالوا فيه : دمه علينا وعلى بنينا ، وحينئذ جعلوا يبصقون على يسوع ويضربونه على رأسه ، وهزءوا به ونزعوا رداءه ، ومضوا به ليصلب ، ولما صلبوه اقتسموا ثيابه ، وجعلوا فوق رأسه لافتة مكتوبا عليها : هذا هو يسوع ملك اليهود! (متى ٢٧ ، ومرقس ١٥ ، ولوقا ٢٣ ، ويوحنا ١٨ ، ١٩).

وينفى القرآن واقعة صلب اليهود للمسيح ، بقوله تعالى : (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) (١٥٨) (النساء). وقوله تعالى «شبّه لهم» : ألقى شبهه على غيره ، ولم يكونوا يعرفون شخصه ، واستعانوا فى ذلك بتلميذه يهوذا ، وقتلوا الذى قتلوه وهم شاكّون فيه ، واختلف فيه عوامهم ، وقالوا : إنه إله ؛

١١٣٦

وبعضهم قال : ابن الله ؛ ومن شاهد رفعه نفى قتله ؛ وبعض فرقهم قالوا : صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته ؛ وقالت فرقة أخرى : إن الصلب وقع على الناسوت واللاهوت معا وادّعى اليهود قتله لأن من رأس المؤامرة ضده كان يهوذا رأس اليهود ، وهو الذى سعى إلى تسليمه. وهؤلاء جميعا ما كان لهم علم إلا اتبعوا الظن ، وما قتلوه ، بل رفعه الله إليه ، والرفع ليس غريبا فى التوراة بل له سابقة ، ففي سفر الملوك الثانى يأتى أن النبىّ إيليا (إلياس) جاءت مركبة وفرسان نارية وحملته إلى السماء (٢ / ١ ـ ١٨) ، وفى نبوءة ملاخى (٤ / ٥ ـ ٦) أن إيليا سيرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة ، ولذلك يترك اليهود مقعدا خاليا على مائدة عيد الفصح لإيليا ، فليس عجيبا إذن أن يقول القرآن أن عيسى رفع ، وأن ينزّهه عن الصلب!

* * *

٩٣٤. أربعة أناجيل للمسيح وليس إنجيلا واحدا

فى القرآن أن الإنجيل هو كتاب عيسى : (وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (٤٦) (المائدة) ، وأنه تعلّمه على الله تعالى : (وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) (١١٠) (المائدة) ، غير أن ما لدينا هو أربعة أناجيل وليس إنجيلا واحدا ، والأناجيل الأربعة هى الأناجيل القانونية التى أقرتها الكنيسة ، وهى أناجيل : متى ، ومرقس ، ولوقا ، ويوحنا ، وهؤلاء هم مؤلّفوها ، وكانت كتابتها بعد المسيح فى القرن الثانى الميلادى ، يعنى أنها ليست من عند الله ، وهناك أناجيل أخرى وصفت بأنها غير قانونية ، أى لم تقرّها الكنيسة ، كإنجيل يعقوب ، وإنجيل نيقوديموس ، وإنجيل الإبيونيين ، وإنجيل المصريين ، وإنجيل العبرانيين ، وإنجيل الناسيين ، وإنجيل بطرس ، وإنجيل توما ، وإنجيل الطفولية ـ وهو إنجيل عربى. والأناجيل جميعها لم يقصد بها الإخبار عن الله تعالى ، أو عن الآخرة ، ولكنها تقص سيرة المسيح ، فهى من هذه الناحية مثل كتب السيرة. والأناجيل غير القانونية كلها عن مريم وزوجها يوسف ، وعجائب المسيح فى حداثته ، وهى من النوع الذى يرضى عامة الناس ويرتاحون إليه ، وجميع الأناجيل غير متفقة تماما فهناك اختلافات بينها ، وأما وصف القرآن للإنجيل باعتباره كتاب الله فهو من عند القرآن ، والمقصود به الحكم التى كان المسيح ينطق بها بوحي من ربّه ، وكلمة إنجيل يونانية وتعنى البشارة ، والمذكور فى الأناجيل أقوال للمسيح من نوع الحكم ، ولكنها مبشّرة ومتفائلة ، والتراث المسيحى كله يونانى ، وأسماء القساوسة التى يعطونها لأنفسهم واللغة التى يقيمون بها القداس يونانية ، والمسيح لم يكن يتكلم اليونانية ، وما كان يعرف إلا العبرية ، وانحراف كتبة الأناجيل إلى

١١٣٧

القول بأن المسيح ابن الله هو من عندهم وروايتهم ، فيوحنا يقول فى إنجيله (٣ / ١٦) : «أن الله أرسل الله الوحيد لخلاص المؤمنين». ومضمون الأناجيل كما يقول بولس : «أن المسيح مات لأجل خطايا البشر». فشتّان بين رسالة القرآن : أن الله واحد لا إله إلا هو ، ورسالة الأناجيل : وكلها تدعو للمسيح وليس لله ، ولذلك يقال أحيانا «إنجيل المسيح» ، وأحيانا يقال : «إنجيل السلام» ، وأحيانا يسمونه «إنجيل مخلّصنا» ، وأحيانا «إنجيل مجد المسيح» ، و «إنجيل الملكوت أو بشارة الملكوت» ، وهذه الأسماء جميعا من عندهم ، وليست من عند الله. ومقالة القرآن : (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ) (آل عمران) ، (وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ) (المائدة ٤٦) تعنى أنه تعالى أذن للمسيح أن يبشر الناس بملكوت السماء ، وأن بشارته هدى لهم ورحمة ، فما زاد عن ذلك فى الأناجيل فهو من وضع مؤلفيها ، ومنه قولهم أنه ابن الله ، وعلينا إذن أن لا نقول إننا نؤمن بالإنجيل كما هو الآن ، ولكن إيماننا به أو بها ، أى بتعاليم المسيح فيها ، بما لا يخالف روح الدعوة فى القرآن ، ونستطيع بالتأكيد أن نستخلص تعاليم المسيح من الأناجيل ، فكل قول حق ينسب إليه نحن نؤمن به ، ولا تعارض بين الأديان فيما يخص الله تعالى طالما هى تدعو إليه ولا تشرك به فيما تورده عنه.

* * *

٩٣٥. نماذج من أقوال المسيح مما يصلح أن يكون إنجيلا

«اذهب يا شيطان ، فإنه قد كتب للربّ إلهك تسجد ، وإياه وحده تعبد». (متى ٤ / ١٠). (وهذا توحيد صريح).

«طوبى للمساكين بالروح فإن لهم ملكوت السماوات. وطوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض. طوبى للحزانى فإنهم يعزّون. طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ فإنهم يشبعون. طوبى للرحماء فإنهم يرحمون. طوبى لأتقياء القلوب فإنهم يعاينون الله. طوبى لفاعلى السلام فإنهم بنى الله يدعون. طوبى للمضطهدين من أجل البرّ فإن لهم ملكوت السماوات. طوبى لكم إذا عيّروكم واضطهدوكم وقالوا عليكم كل كلمة سوء من أجلى كاذبين. افرحوا وابتهجوا فإن أجركم عظيم فى السموات ، لأنهم هكذا اضطهدوا الأنبياء من قبلكم». (متى ٥ / ٢ ـ ١٢). (وهذا إقرار بأن عيسى مجرد نبىّ كالأنبياء).

«قد سمعتم أنه قيل للأولين لا تقتل فإن من قتل يستوجب الدينونة ، أما أنا فأقول لكم إن كل من غضب على أخيه يستوجب الدينونة» (متى ٥ / ٢١ ـ ٢٢). (وهذا إقرار بالآخرة والبعث والحساب).

«قد سمعتم أنه قيل للأولين لا تزن ، أما أنا فأقول لكم إن كل من نظر إلى امرأة لكى

١١٣٨

يشتهيها فقد زنى بها فى قلبه ، فإن شكّكتك عينك اليمنى فاقلعها وألقها عنك ، فإنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله فى جهنم» (متّى ٥ / ٢٧ ـ ٢٩) (وهذا تشريع).

«قد سمعتم أنه قيل : أحبب قريبك ، وأبغض عدوك. أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم وأحسنوا إلى من يبغضكم ، وصلّوا لأجل من يعنتكم ويضطهدكم». (متّى ٥ / ٤٣ ـ ٤٤). (وهذا كلام فى الأخلاق والتربية وسياسة الاجتماع).

«لا تدينوا لئلا تدانوا ، فإنكم بالدينونة التى بها تدينون تدانون ، وبالكيل الذى به تكيلون يكال لكم. ما بالك تنظر القذى فى عين أخيك ولا تفطن للخشبة التى فى عينك ...؟ اسألوا فتعطوا. أطلبوا فتجدوا. اقرعوا فيفتح لكم ، لأن كل من يسأل يعطى ، ومن يطلب يجد ، ومن يقرع يفتح له. أى إنسان منكم يسأله ابنه خبزا فيعطيه حجرا؟ أو إن سأله سمكة يعطيه حية؟». (متّى ٧ / ١ ـ ١٠). (وهذا كلام فى الاجتماع الإنسانى).

* * *

٩٣٦. قصة أصحاب الأخدود

تناولتها سورة البروج ، تقول : (قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ) (١١). والسورة مكية ، وتحكى عن فئة من نصارى نجران قيل : كانوا يؤمنون بأن للمسيح طبيعة واحدة ، وهى طبيعة بشرية ، يعنى أنه كان نبيا ولم يكن ابن الله كما يزعم أغلب النصارى ، ولذلك نوّه بهم القرآن ، وأثنى عليهم ووصفهم بأنهم مؤمنون. وقيل إن أصحاب الأخدود هم ملك حمير وأتباعه ، وهو الملقب بذى نواس ، فقد كانت له غدائر من الشّعر تنوس ، أى تهتز كلما اهتز ، فسمى ذا نواس ، واسمه الحقيقى زرعة بن تبّان بن أسعد الحميرى ، وكان على الوثنية ، فتهوّد وأسمى نفسه يوسف بن ذى نواس بن تبّع الحميرى ، ودعا النصارى أن يتهوّدوا ، فمن أبى منهم اضطهده وعذّبه. وقيل : إن نصارى نجران كانوا نيفا وثمانين فردا بين رجل وامرأة ، وقيل سبعون أو ثمانون ألفا ، وهذا خطأ ، لأن الأخدود الذى حفر لتعذيبهم ما كان يمكن أن يستوعب سبعين أو ثمانين ألفا!! ثم لما ذا يحرق ذو نواس اليهودى هؤلاء النصارى واليهود لا يدعون الآخرين لاعتناق ديانتهم؟ والغالب أن الذى أعمل فيهم

١١٣٩

التحريق هم نصارى مثلهم كانوا يقولون بطبيعتين للمسيح. على أن الرواية أن ذا نواس هذا كان يهوديا ولم يردهم أن يعتنقوا اليهودية ، وإنما أن ينكروا المسيح بالكلية ، فلم يوافقوا ، فخدّ لهم أخدودا ، وقيل سبعة أخاديد ، وطرح فيها النفط والحطب ، ثم عرضهم عليها ، فمن أبى أن ينكر المسيح قذفوه فيها. والمستشرقون يجزمون بأن المحرّقين كانوا نصارى ، وأنهم المقصودون بما يعرف تاريخيا باسم شهداء نجران ، وأن المحرقةholocaust التى أوقدها اليهود الحميريون لنصارى نجران كانت نحو سنة ٥٢٣ بعد الميلاد ، وقالوا إن فى التاريخ ثلاثة أخاديد ، فأخدود كان بنجران ، والآخر بالشام ، والآخر بفارس. والذى بالشام حفره أنطونيانس الرومى ، والذى بفارس حفره بختنصر ، والذى بأرض اليمن حفره يوسف بن ذى نواس ، وسورة البروج نزلت فى أصحاب الأخدود الذين كانوا بنجران. وقال اليهود : إن الذين حرّقوا كانوا بفارس وكانوا يهودا ، وزعموا أنهم النبىّ دانيال وأصحابه ، وقالوا : إنّ أهل نجران كانوا على أى حال أهل شرك ويعبدون الأصنام ، وأنهم قالوا لليهود فيها : تكفرون أو تقذفون فى الأخدود وتحرقون بالنار؟ والأخدود شق عظيم مستطيل فى الأرض كالخندق ، وجمعه أخاديد. «والنار ذات الوقود» أى المضرمة فى الحطب. وقوله «إذ هم عليها قعود» المقصود بهم أصحاب الأخدود ، فبعد أن خدّوه قعدوا على حوافه ينظرون من يلقونه فيه من المؤمنين. والمستشرقون يترجمون أصحاب الأخدودthe people of the ditch ، ومنهم إكسيل موبرج ، كذّب قصة القرآن ولم ير صلة بينها وبين قصة شهداء نجران من النصارى ؛ والمستشرقان جايجر ولوث شكّكا فى القصة وقالا ربما تكون إشارة إلى دانيال وأصحابه ؛ وأنكر هوروفتس وجريمه أن تكون للقصة أصل من الواقع. والصحيح أن القصة رويت ليصبر المسلمون على ما يلاقون من الأذى والألم والمشقة التى كانوا عليها ، وذهب أصحاب التفاسير إلى أن أصحاب القصة كانوا من الفتية من المؤمنين مثل فتية سورة الكهف ، فكانت الرواية عنهم ليتأسّى بقصتهم الشباب المسلم. وفى ذلك الوقت كان عمّار بن ياسر وبلال وغيرهما من الشباب المسلم يؤذون أبلغ الأذى ، والصبر على الأذى من الإيمان ، ونزلت الآية : (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ) (١٠٦) (النحل) فيها الحضّ على الصبر إلا من أكره وقلبه عامر بالإيمان ، وقد يلجأ المؤمن إلى التّقيّة درءا للعذاب ، والبعض قد يرضى بالعذاب ، وفى وصية النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم للشاب : «لا تشرك بالله شيئا وإن قطّعت أو حرّقت بالنار» أخرجه ابن ماجة ، وامتحن كثير من المسلمين بالقتل والصلب والتعذيب فصبروا ، ومن

١١٤٠

هؤلاء عاصم وخبيب وأصحابهما ، وإن ما لقوا من الحروب والمحن والقتل والأسر والحرق لتشيب من ذكره الولدان.

* * *

٩٣٧. قصة الغلام والراهب

فى الرواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن أصحاب الأخدود قصة «الغلام والراهب» ، رواها لأصحابه ، تنبيها لما كان يلقاه من الشدائد من وحّد الله قبلهم ، وعبده دون غيره ، وإيناسا لهم بها ، لتصبيرهم على ما يلاقون من الأذى والآلام والمشقات التى كانوا عليها ، ليتأسّوا بمثل هذا الغلام فى صبره ، وتصلّبه فى الحق ، وتمسّكه به ، وبذله نفسه إظهارا لدعوته ، وإقناعا للناس للدخول فى الدين ، مع صغر سنّه وعظيم صبره. وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار ، وكذلك كثير من الناس لمّا آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان فى قلوبهم ، صبروا على الطرح فى النار ولم يرجعوا عن دينهم.

تقول الرواية عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه قال : «كان ملك فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر ، فلما كبر قال للملك : إنى قد كبرت ، فابعث إلىّ غلاما أعلّمه السحر ، فبعث إليه غلاما يعلمه ، فكان فى طريقه إذا سلك راهب ، فقعد إليه ، وسمع كلامه ، فأعجبه ، فكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب وقعد إليه ، فإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خشيت الساحر فقل : حبسنى أهلى ، وإذا خشيت أهلك فقل. حبسنى الساحر. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة ، قيل أسد ، قد حبست الناس ، فقال : اليوم أعلم : الساحر أفضل ، أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فأقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس. فرماها ، فقتلها ، ومضى الناس ، فأتى الراهب فأخبره ، فقال له الراهب : أى بنى ، أنت اليوم أفضل منى ، فقد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستبتلى ، فإن ابتليت فلا تدلّ علىّ. وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ، ويداوى الناس من سائر الأدواء ، فسمع جليس للملك كان قد عمى ، فأتاه بهدايا كثيرة ، فقال : ما هنا لك أجمع ، إن أنت شفيتنى. فقال : إنى لا أشفى أحدا ، إنما يشفى الله. فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن بالله فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس ، فقال له الملك : من ردّ عليك بصرك؟ قال : ربّى. قال : ولك ربّ غيرى؟! قال : ربّى وربّك الله! فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الغلام ، فجىء بالغلام ، فقال له الملك : أى بنى ، أقد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص ، وتفعل وتفعل؟! قال : أنا لا أشفى أحدا!! إنما يشفى الله! فأخذه فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الراهب ، فجىء بالراهب ، فقيل له : ارجع عن دينك! فأبى ،

١١٤١

فوضع المنشار فى مفرق رأسه ، فشقّه به حتى وقع شقّاه. ثم جىء بالغلام فقيل له : أرجع عن دينك ، فأبى ، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا ، فاصعدوا به الجبل ، فإذا بلغتم ذروته ، فإن رجع عن دينه وإلا فأطرحوه ، فذهبوا به فصعدوا الجبل ، فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت! فرجف بهم الجبل فسقطوا ، وجاء يمشى إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك؟ قال : كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا ، فاحملوه فى قرقور (أى مركب صغير) ، فتوسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه! فقال الغلام : «اللهم اكفنيهم بما شئت». فأنكفأت بهم السفينة فغرقوا! وجاء يمشى إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك؟ قال : كفانيهم الله. وقال للملك : إنك لست بقاتلى حتى تفعل ما آمرك به. قال : وما هو؟ قال : تجمع الناس فى صعيد واحد ، وتصلبنى على جذع ، ثم خذ سهما من كنانتى ، ثم ضع السهم فى كبد القوس ، ثم قل : باسم الله ، ربّ الغلام ، ثم ارمنى ، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتنى. فجمع الملك الناس فى صعيد واحد ، وصلبه ـ أى الغلام ـ على جذع ، ثم أخذ سهما من كنانته ، ثم وضع السهم فى كبد القوس ، ثم قال : باسم الله ، ربّ الغلام ، ثم رماه ، فوقع السهم فى صدغه ، فوضع الغلام يده على صدغه فى موضع السهم ، فمات. فقال الناس : آمنا بربّ الغلام ، آمنا بربّ الغلام! وقيل للملك : أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك! قد آمن الناس! فأمر بالأخاديد فى أفواه السكك ، فخدّت ، وأضرم النيران. وقال : من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها. حتى جاءت امرأة معها صبى لها ، فتقاعست أن تقع فيها ، فقال لها الغلام : يا أمّه اصبرى ، فإنك على الحق». أخرجه الترمذى بمعناه ، والقصة كما ترى فى «الاستشهاد» ، وهو أعلى درجات الإيمان. وبرواية ابن عباس عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كان ملك بنجران ، وفى رعيته رجل له فتى ، فبعثه إلى ساحر يعلّمه السحر ، وكان طريق الفتى على راهب يقرأ الإنجيل ، فكان يعجبه ما يسمعه من الراهب ، فأقبل يوما فإذا حية عظيمة قطعت على الناس طريقهم ، فأخذ حجرا ، فقال : باسم الله ، ربّ السموات والأرض وما بينهما ، فقتلها ، ثم إن الملك لما رمى الغلام بالسهم وقتله ، قال أهل المملكة : لا إله إلا الله ، الملك صار يعبد إله الغلام ثامر (اسم الغلام) ، فغضب الملك ، وخدّ الأخاديد ، وجمع فيها الحطب وأشعل النار ، وعرض أهل مملكته عليها ، فمن رجع عن التوحيد تركه ، ومن ثبت على دينه قذفه فى النار. وجىء بامرأة مرضع ، فقيل لها : ارجعى عن دينك ، وإلا قذفناك وولدك. فأشفقت المرأة ، وهمّت بالرجوع ، فقال لها الصبى الرضيع : يا أمى ، اثبتى على ما أنت عليه ، فإنما هى غميضة ـ يعنى طرفة عين ـ ، فألقوها وابنها. قيل : وارتفعت النار فطالت الملك وأصحابه فأحرقتهم». وبعد ـ فهذه قصة الغلام والراهب ، وقصة الرضيع وأمه والملك

١١٤٢

الكافر ، وما حفر من أخاديد أو محارق ، يذكر التاريخ أن هذه هى ثانى محرقة أو هولوكوست holocaust للموحّدين بعد محرقة إبراهيم ، والفارق بين الاثنتين أن محرقة إبراهيم أقامها عبدة الأصنام لإبراهيم الموحّد ، فى بلدة أور من أعمال بلاد ما بين النهرين (العراق) ، ومحرقة أصحاب الأخدود كانت لنصارى نجران ، والذى أقامها هم يهود نجران ، أحرقوا فيها المؤمنين من النصارى. وهذه المحرقة الثالثة هى التى ذكرتها الرواية فى قصة الغلام والراهب. ويحفل التاريخ بالمحارق والمذابح للمسلمين فى أسبانيا على يد محاكم التفتيش ، وفى البوسنة وكوسوفا على يد الصرب النصارى ، وفى الشيشان على يد النصارى الروس ، ثم فى فلسطين على يد اليهود ، وفى أفغانستان والعراق على يد نصارى ويهود بريطانيا وأمريكا ، وحسبنا الله ، ولن تنقطع المحارق والمذابح الجماعية عبر التاريخ ، والعبرة بالصبر والثبات ، والقصة كما يقول الله تعالى : (نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) (١٢٠) (هود) ، ويقول : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) (٢) (العنكبوت) ، وسيظل المسلمون يفتنون دائما أبدا ، أو كما يقول تعالى : (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) (١٢٦) (التوبة) ، فالفتنة من سنن الله ، وعلاجها الصبر والثبات ، ومحك الإيمان فيها الاستشهاد. وحسبنا الله.

* * *

٩٣٨. أصحاب الفيل

هذه القصة من معجزات القرآن العلمية ، وتتضمنها سورة الفيل فلربما الفيل فيها رمز للقوة الغاشمة كالتى لدى أمريكا ، ولربما الطير الأبابيل فيها هى قنابل بيولوجية جرثومية تفتك بالعدو ضمن ما يسمى حديثا بالحرب البيولوجية أو الجرثومية. والفيل فى اللغة هو ضعف العقل ، والحمق ، وأصحاب الفيل هم أصحاب الرأى السقيم يؤمنون بأنفسهم ولا يؤمنون بالله ، ويحاربون الأديان ويعبدون الأصنام. وقيل فى قصة هؤلاء ضمن سورة الفيل من سور القرآن : أن أبرهة الأشرم كان قائد جند ملك الحبشة ، وكان واليه على اليمن ، وكان يحقد على العرب أن يكون لهم بيت كالبيت العتيق ، يحجّون إليه من كل فج ، وكان أبرهة على دين النصارى ، فبنى كنيسة فى صنعاء كانت عالية حتى أن العرب أسموها «القلّيس» ، لأن الناظر إليها يرفع رأسه عاليا حتى أن قلنسوته لتقع عن رأسه ، وسمع العرب بنيّة أبرهة ، فذهب متعصب منهم إلى الكنيسة ودخلها وتغوّط فيها ، وبلغ ذلك أبرهة ، فأقسم ليسيرنّ إلى الكعبة ويخربنّها حجرا حجرا ، وصحب أفيالا معه بقصد التخويف ، وتقدّم بجيش عرمرم يغزو البلاد ، فسمّوا لذلك «أصحاب الفيل» ، وسمّى اليوم الذى غزوا فيه مكة «يوم الفيل» ، وسمّى العام «عام الفيل» ، وقيل كان عام الفيل قبل مولد

١١٤٣

النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بأربعين سنة ، وقيل بثلاث وعشرين سنة ، والصحيح ما روى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «ولدت عام الفيل». وقيل إن فتية من قريش لمّا سمعت بقسم أبرهة ، توجهوا إلى كنيسة وأضرموا فيها النيران حتى أتت عليها. ومن اليمن خرج ضده شريف يقال له «ذو نفر» لكنه هزم ، وفى أرض خثعم اعترضه نفيل بن حبيب الخثعمى فى قومه ، فأمره ليكون دليله فى بلاد الحجاز ، وفى الطائف تصدّت له ثقيف ومالأته ، وأوفدت معه دليلا منهم يقال له : أبو رغال ، وانتهى أبرهة إلى المغمس بالقرب من مكة ، وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها ، ومنها إبل عبد المطلب ، فجاء يلتقى بأبرهة ليستعيد إبله ، وكان من رأيه أن أحدا ليس قبلا لأبرهة وجيشه ، وتعجب أبرهة أن يلح عبد المطلب فى طلب الإبل ولا يرجوه أن لا يهدم الكعبة ، وعبد المطلب على الرأى أن البيت بيت الله ، وبيت رسوله إبراهيم ، فإن يمنعه من بطش أبرهة فهو بيته وحرمه ، وإن يخلى بين أبرهة وبيته ، فليس بوسع عبد المطلب ولا غيره أن يفعل شيئا. وقال عبد المطلب لأبرهة : أريد إبلى لأنى أنا ربّ الإبل ، وأما البيت فله ربّ يحميه ، ـ وقوله بالطبع مغالطة مفضوحة ، وشبيه به قول اليهود لموسى : (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) (٢٤) (المائدة). ورجع عبد المطلب إلى العرب وأمرهم بالخروج من مكة والتحصّن برءوس الجبال ، وأخذ بحلق باب الكعبة يدعو الله :

اللهم إن المرء يمنع

رحله فامنع رحالك

وانصر على آل الصليب

وعابديه اليوم آلك

لا يغلبن صليبهم

ومحالهم أبدا محالك

وتوجه أبرهة إلى الكعبة ، وحرنت أفياله ، فكانت تتوجه إلى كل اتجاه إلا اتجاه الكعبة ، وأرسل الله تعالى ابتلاءه على جيشه : طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ، أى طيرا صغيرة دقيقة كأنها الميكروبات ، ترميهم بالوباء المدمر كأنه من جهنم ، فيطفح جلدهم وكأنهم أصيبوا بالجدرى ، وكأن الحجارة من سجيل ، هى القنابل الجرثومية التى أصابتهم بالوبال وقضت عليهم ، ودفعتهم إلى الهرب يبتدرون الطريق ، وقريش على رأس الجبل ينظرون ويقول شاعرهم :

أين المفر ، والإله الطالب

والأشرم المغلوب وليس الغالب

فكانت هذه النصرة مما يعدّ على قريش من نعمه تعالى عليهم ، وكانت هزيمة أبرهة وجيشه معجزة ، وآياته تعالى كلها معجزات باقيات ، وهى من حولنا يدركها ذوو البصائر ، ولا يمارى فيها إلا الكفور ، وخلاصة القصة : بأنه فى أى معركة بين الحق والباطل ، فإن العبرة بالخواتيم ، كقوله تعالى : (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً

١١٤٤

وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) (٢١٦) (البقرة) ، وقوله : (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ) (٥٢) (المائدة) ، وقوله : و (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) (١٢٩) (الأعراف). والله غالب على أمره ، فيا أمة محمد ، لا تهنوا ولا تحزنوا ، ولا تكونوا فى ضيق مما يمكرون ، عسى ربّنا أن يبدّلنا خيرا!

* * *

٩٣٩. قصة الإسراء والمعراج

الإسراء يعنى السير فى الليل ، تقول سرى وأسرى ، كسقى وأسقى ، وإنما سرى إذا سرت من آخر الليل ، وأسرى إذا سرت من أول الليل. والآية التى تحكى عن الإسراء تقول : (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (١) (الإسراء) ، يعنى أن رحلة الإسراء بدأت من أول الليل ، وكانت رحلة عظيمة وآية من آيات الله ، أسرى فيها بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ورأى فيها من الأعاجيب ما رأى ، فسبحان الذى حقق لنبيّه ذلك ، له التنزيه والذكر العظيم ، وكان سميعا بصيرا بعبده محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كقوله مع موسى وهارون : (إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) (٤٦) (طه) ، فلما كان «عام الحزن» ، ووفاة عمه أبى طالب وزوجته خديجة ، وما لاقاه من قومه بعدهما ، وما استشعر من غربة وهو فى بلده وبين ناسه ، والسجن الكبير الذى وضعوه فيه ، والمهانة التى يصادفها منهم يوميا ، لم يكن يشكو بثّه وحزنه إلا إلى الله ، وهو العليم بحاله ، والمطّلع على أحواله ، فكانت رحلة الإسراء جائزة له على صبره ، وخروجا به عن هذه الوحشة والقطيعة ، وتسرية له ، وردا لاعتبار الدين بعد أن اعتور الشك الكثيرين. وكان الإسراء إلى بيت المقدس لأنه كان إذا دعا وإذا صلى يتوجه إلى بيت المقدس ، وهو مجمع أرواح الأنبياء ، أراده داود ثم سليمان رمزا لوحدانية الله ، ولاجتماع كلمة المسلمين على التوحيد ، وإشارة إلى أن الناس صنفان : جماعة المؤمنين وجماعة الكافرين ، والأولون بيتهم هو بيت الله فى القدس ، والآخرون بيوتهم هى بيوت النار ، أو بيوت الأوثان والأصنام. وبيت المقدس بالنسبة لما حوله من عالم الناس ودنياهم بمثابة القلب من الجسد ، ولا حياة لجسد بلا قلب ، وكان الناس قبله بلا قلب ، فصار هذا البيت هو القلب لهم يضخ الإيمان فى قلوبهم ، والنظرة إليه عن قرب ، تشدّ الأزر ، والتوجه إليه عن بعد يقوّى الروح ، ويحمّس النفس ، واجتماع المسلمين على الصلاة إلى بيت واحد مهما بعدت بهم الشقة ، ونأت بهم الديار ، يجعلهم أمة واحدة هى أمة «لا إله إلا الله» ، وحزبا واحدا هو «حزب الله» ، وسفرة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى القدس ، وزيارة البيت كانت بمثابة الحج ، والإسراء

١١٤٥

إشارة لكل من يعانى الوصب من الحياة ، فما عليه ليشفى إلا أن يحجّ إلى بيت الله ، وبيوته ثلاثة : البيت الحرام : وهو أقدم هذه البيوت ، وهو المحرّم أن يدخله مشرك ، وأن يفعل فيه إثم ، وأن ترتكب فيه معاص ، وأن يراق فيه دم ؛ وبيت المقدس : وهو مجمع الأنبياء ، المبارك من حوله وما حوله ؛ وبيت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المدينة ، وهو مسجده ، بناه كما بنى إبراهيم البيت الحرام ، وكما بنى سليمان بيت المقدس. والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إذ يحج إلى هذا البيت لا يشرّع للمسلمين أن يكون حجّهم إليه ، لأن الإسراء كان خاصا بالنبىّ وحده صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى هذه السورة المباركة وصف الله تعالى نبيّه بالعبودية ، فقال : «أسرى بعبده» ، فجعل العبودية له تعالى أشرف المقامات وأسمى المرتبات ، وفى سورة النجم وصفه فى مقام الوحى بالعبودية أيضا فقال : (فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى) (١٠) ، وفى مقام الدعوة وصفه بالعبودية كذلك فقال : (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ) (١٩) (الجن) ، فالعبودية لله مكافأة قبول كسائر المكافئات للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومع أن سورة النجم سابقة على سورة الإسراء ، فالنجم فى التنزيل هى الثالثة والعشرون ، والإسراء هى الخمسون ، إلا أن المفسرين دأبوا على الاستشهاد بآيات سورة النجم استكمالا لمجريات أحداث سورة الإسراء ، وهذا خطأ ، لأن الرؤيا فى سورة النجم هى رؤيا أخرى بخلاف رؤيا الإسراء ، وهى رؤيا تسبق رؤيا الإسراء ، ورؤيا سورة النجم هى التى رأى فيها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم جبريل مرتين ، ففي المرة الأولى كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على الأرض ويتطلع إلى السماء ، فرأى جبريل بالأفق الأعلى كقوله تعالى : (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى) (١٠) (النجم) وعبده : هو عبد الله محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفى هذه الرؤية يقول تعالى : (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى) (١٢) (النجم) ، ثم أنه رأى جبريل مرة أخرى وإنما فى السماء : (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) (١٨) ، وفى رأينا أن المعراج يرد عنه فى سورة النجم وتحدّثت به هذه السورة وحدها ، وفيها يقسم الله تعالى بالنجم كقسمه بمواقع النجوم ، وإنه لقسم عظيم ، بأن المعراج حقيقة ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ما ضلّ وما غوى ، وما نطق عن الهوى وهو يحدّث عن هذا المعراج الذى عرّج به جبريل إلى السماء ، فرأى سدرة المنتهى وجنة المأوى ، وشاهد ما يغشى السدرة ، وما زاغ بصره وما طغى ـ أى ما رأى إلا ما سمح له برؤيته ، ورأى من آياته الكبرى ، فقد كان كل ما شاهده وأبصر به وعاينه آيات كبرى ، كقوله تعالى : (لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا) (١) (الإسراء) أى نريه ما يدلّ على قدرة الله تعالى وعظمته ، فيطمئن قلبه ، ويسكن خاطره ، وترضى نفسه.

١١٤٦

والمعراج كحدث ، مستقل إذن عن الإسراء ـ من قولنا عرّج به أى مرّ به ، والمعراج سفرة فيها تعاريج ، أى لم تكن على خط واحد ، والسفر عبر الفضاء علميا لا يكون فى خط واحد ، وكان المعراج بين الأرض والسماء ، وبين السموات السبع. والإسراء لاحق على المعراج ، وللأسف الشديد أن المفسرين خلطوا الرحلتين ، وجعلوهما رحلة واحدة ، ووضعوا الأحاديث على ما فهموه ، أو حرّفوا فيه ، فكان الخلط بين الإسراء والمعراج ، ولعلنا ننتقى من هذا الكم الزاخر من الأحاديث ما يوافق ما جاء فى القرآن عن الإسراء وعن المعراج ، وننحى ما لا يوافقهما ، أو نعيد الرأى فى هذه الأحاديث ، ونعزل ما يناسب الإسراء عمّا يناسب المعراج. وينبغى أن ننبّه إلى أن كل هذه الأحاديث ، رغم ما فيها من خلط وروايات متضاربة ، فإنها معقولة ولا تتنافى مع العلم. ومن الضرورى أن نعى أن الإسراء شامل للسفر إلى بيت المقدس وتلقّى الوحى بالصلاة ، فهذه رؤيا ، بينما رؤيا سورة النجم رؤيا أخرى ، وفيها أبصر جبريل فى صورته الملكية ، وعاين سدرة المنتهى وجنة المأوى ورأى الآيات العجيبة.

والإسراء كحدث ضخم كان قبل الهجرة ، والناس فيه اختلفوا أشد الاختلاف ، وبعض الذين آمنوا بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يصدقوا إمكان أن يسرى به ذهابا من مكة إلى بيت المقدس ثم إيابا من بيت المقدس إلى مكة فى ليلة واحدة ، وهى الرحلة التى تستغرق معهم ذهابا فقط نحو الشهر. وتزعّم أبو جهل المكذّبين للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفيما أورده المحدّثون فإنهم نسبوا إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه كان نائما فى البيت الحرام حينما جاءه ثلاثة نفر حملوه إلى حيث بئر زمزم ، وتولى جبريل شق صدره ، وغسّله وغسل جوفه ، وحشاهما بالإيمان والحكمة ، ولنلاحظ الرمزية فى هذه الأحاديث منذ البداية وسنرى أن الاتجاه الرمزى هو الاتجاه الغالب فى هذه الأحاديث ، وأنه يصنع منها بابا من أبواب الأدب الإسلامى هو الأدب الدينى الرمزى. وفى رواية أخرى بخلاف السابقة أن النبىّ وهو بين النوم واليقظة ، وعيناه مغمضتان وقلبه يقظان ، رأى سقف بيته ينشق ويدخل منه جبريل ، ويشق صدره ، ويغسّله بماء كان معه من ماء زمزم. ثم أخذه وأركبه دابة ، لونها أبيض ، ولها هيئة أكبر من الحمار ودون البغل ، وهذه الدابة هى البراق ، من البرق ، والبرق يكون خاطفا ، وهى البراق لأنها تسير كالبرق الخاطف ، فسرعتها أكبر من سرعة الصوت ومن سرعة الضوء. وفى الطريق توقف لا ركب ، وهمز جبريل الأرض فتدفق منها الماء ، فتوضأ والنبىّ ينظر ويحفظ ويقلّده عليه ، فوضّأ جبريل وجهه وغسّل ذراعيه ، واستنشق وتمضمض ، ومسح رأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ، ونضح فرجه ، ثم قام فصلى ركعتين وفعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثله.

١١٤٧

واستأنفا الرحلة فسمع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم نداء عن يمينه : يا محمد ، على رسلك حتى أسألك؟ فلم يتوقف جبريل ، فسمع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم النداء مرة ثانية عن يساره : يا محمد ، على رسلك! ومع ذلك مضى الركب ، ثم إن امرأة عجوز استقبلتهما عليها من كل زينة الدنيا ، رافعة يديها ، تقول : على رسلك يا محمد حتى أسألك! ومضى الركب ولم يعرّج ، وسارا ما شاء الله لهما أن يسيرا ، إلى أن لقيهما خلق من خلق الله ، فقالوا : السلام عليك يا أول! السلام يا آخر ، السلام عليك يا حاشر! فقال له جبريل : اردد السلام يا محمد! فردّ السلام ، وتكرر ذلك مرتين أخريين ، وكان البراق يهوى بهما ، وجبريل فى المقدمة ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم خلفه ، وكان ركوب البراق قد استصعب على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فركب جبريل أولا وراز البراق بأذنه ليركب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم حمله جبريل وأردفه خلفه ، ووصلا أرضا بها نخل ، فتوقف جبريل وأنزله ، وأمره أن يصلى ، ثم سأله : أتدري أى أرض هذه؟ فقال : الله أعلم. قال : صليت بيثرب ، صليت بطيبة. وانطلقا إلى أن وصلا أرضا أنزله فيها ، وأمره أن يصلى ، وقال له : صليت بمدين عند شجرة موسى. وانطلقا إلى أن بلغا أرضا فيها البيوت والمنازل ، فأنزله يصلى ، وقال له : صلّيت ببيت لحم حيث ولد عيسى ابن مريم. وانطلقا إلى القدس ودخلاها من بابها اليمانى ووصلا البيت فنزلا ، وربط جبريل البراق إلى حلقة فى حائط ـ هو حائط البراق الذى يسميه اليهود الآن حائط المبكى ، ودخلا المسجد ، وأشار جبريل إلى القبلة ، فصلى إليها وصلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والتقى بالأنبياء : إبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، وحيّوه وحيّاهم ، وصلّى بهم وكان لهم إماما ، وفى رواية أنه لم يتعرّف على هؤلاء الأنبياء وعلى غيرهم إلا فى منازلهم من السموات ، بحسب مراتبهم ، قيل : فلما فرغ من لقاء ربّه ورجع إلى بيت المقدس ، وصلى بالأنبياء ، ظهر شرفه وفضله بتقديمه عليهم فى الإمامة ، وذلك عن إشارة من جبريل أن يصلى بهم ، وبعد ذلك خرج وركب البراق عائدا إلى مكة بغلس.

وفى الرواية أيضا أنه لمّا وصل بيت المقدس استشعر العطش ، فأتى له بماء ، ولبن ، وخمر ، وعسل ، يختار أيهم يشرب ، فاختار اللبن ، فقال له جبريل : أصبت وأمّتك الفطرة. ثم إن جبريل انطلق به فأتيا الوادى الذى فيه القدس ـ وهو وادى جهنم فكان الحمة السنخة ، إشارة إلى ما سيكون حول القدس من صراعات مستقبلة ، ثم انصرف به ، فمرّا بعير لقريش قد أضلوا بعيرا لهم قد جمعه أحدهم ، فسلّم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عليهم حتى قال بعضهم : هذا صوت محمد!

وإلى هنا ينتهى حديث الإسراء ، أو أن أحداثه تلك كانت مقدمة للارتفاع إلى السماء

١١٤٨

وهو المسمى بالمعراج ، وكلها أحداث معقولة وجائزة ، وليس فيها ما هو ضد العقل ، ونحن فى عصر المركبات الفضائية التى تقطع الآماد كالخاطر يأتى الذهن ، فأن يسرى بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بيت المقدس أمر عادى ، فقد جاءت الرؤيا رابعة العدوية فرأت الكعبة قد أتتها فى محلها فى بغداد ولم تنتقل إليها رابعة من مكانها ، وسليمان أتته بلقيس من اليمن بنفسها وحشمها وخدمها وبلاطها ، وانتقل قصرها إلى القدس ولا تثريب فى ذلك ، وموسى كلّمه الله وكتبت له الألواح بخطه ، ولم نجادل فيه ، وعيسى أحيا الأموات ولا نزاع عليه ، وإبراهيم لم تحرقه النار ، فلما ذا جدال المستشرقين حول الإسراء؟ ولما ذا الإسراء بالذات ولم يجادلوا هذا الجدال فى المعراج فى سورة النجم؟ والجواب أنه بسبب أن الإسراء كان إلى بيت المقدس واليهود يعتبرونه بيتهم ، وجولدستيهر يتساءل : ولما ذا بيت المقدس؟ لقد صار بيت المقدس مشكلة بين المسلمين واليهود من ذلك الوقت ، وتوقع جولدستيهر كل ما يحدث الآن على أرض فلسطين ، وأنه بسبب بيت المقدس سيظل الصراع للأبد بين هاتين الأمتين : أمة الإسلام وأمة اليهود. وهذه نبوءة صادقة ، والمسلمون أعادوا بناء بيت المقدس وعمّروه ، وأحيوا فيه ذكر الله ، وحفظوه وراعوه ، ونبيّهم أسرى به وحج إليه ، فهل يتركونه يعبث فيه اليهود فسادا كما قال المسيح فيهم : مكتوب بيتى صلاة يدعى ، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص» (متّى ٢١ / ١٣) ، وقال فيه متى واضع الإنجيل : «وأخرج يسوع جميع الذين يبيعون ويشترون فى الهيكل ، وقلب موائد الصيارفة وكراسى باعة الحمام» (متّى ٢١ / ١٢) ، والمسيح «شهد شاهد من أهلها» ، وكذلك متّى كاتب الإنجيل «من أهلها» ، يعنى كلاهما أصوله يهودية وقد شهدا على قومهما ، فهل يئول بيت المقدس لليهود مرة أخرى ليكون مزارا سياحيا لا دينيا ، وفرق بين أن يكون مزارا يتكسّبون منه من السياحة ، وأن يكون بيتا لله يصلى فيه المصلون ، ويذكرون الله آناء الليل وأطراف النهار ، وكان كارل ماركس يقول : «إن اليهودى لا يفكر فى الله ، ولا تعنيه الجنة ولا النار ، ولا يشغل اليهودى إلا المال ، فألغوا الملكية والتجارة الرأسمالية تنتهى أسطورة اليهودى واليهودية. إن إله اليهودى هو المال وليس يهوه أو الوهيم» ، ومرة أخرى يشهد شاهد من أهلها ، لأن ماركس كان أيضا يهوديا.

وفى تفسير رموز قصة الإسراء : أن العجوز التى رآها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم على جانب الطريق هى الدنيا ، وهى عجوز لأنه لم يبق منها إلا كما بقى من عمر تلك العجوز. وأما الذى أراد أن يستوقفه وناداه مرة عن يمينه ومرة عن شماله ، فذاك إبليس ، أراد أن يميل إليه ، وأما الذين سلّموا عليه فإبراهيم وموسى وعيسى ، لأن الإسلام ينبنى على الأخذ بديانات هؤلاء الأنبياء. وأما الصلاة بيثرب كأول محطة فى الطريق ، لأن الإسلام ما كان له أن

١١٤٩

يظهر على الأديان إلا بعد الهجرة إلى يثرب التى هى طيبة ، والتى صار اسمها المدينة ، أى العاصمة : عاصمة الدنيا الجديدة ، دنيا فيها الإسلام لله قد فشا وشاع ، وفيها أمة الإسلام هى خير الأمم طالما اتّقت وأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر. وأما مدين عند شجرة موسى فإنها تعنى تعاليم موسى فى بدايتها ، فى عهد مدين ، قبل أن يحرّفها اليهود ، وصلاته عندها يعنى أنه يقرّ بها ويصدر عنها. وأما بيت لحم حيث ولد المسيح ، فلأنه يقرّ بنبوة عيسى ، وأنه ابن مريم ، وأنه بشر من بشر ، وكلمة الله إلى مريم ، وهى كن ، فمثله كمثل آدم ، وكلاهما كان بكلمة كن. وأما أن الوضوء عن جبريل فيعنى أنه بوحى من السماء ، فليس كالعماد عند النصارى من اجتهادات قساوستهم. وأما أنه حيّا الأنبياء وحيّوه ، فهذا هو ما تضمنته آيات القرآن ، وما حوته قصصه : الإيمان بما أوتى النبيون جميعا من ربّهم ، بلا تفرقة بين أحد منهم ؛ وأما أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمّهم جميعها ، فلأنه نبىّ الإسلام الذى أعطى اسم الإسلام دينا لله ، وخصّه الله دون بقية الأديان باسم ولم يكن لها جميعا اسم ، ولأنه الذى خصّ دونهم جميعا بوضوء ، وصلاة ، وزكاة ، وحجّ ، ليس كما عندهم منه ، ولأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم أوتى القرآن وحفظه الله ، وكان اليهود قد أوتوا التوراة فلم يحفظوها ، والنصارى أوتوا الإنجيل فحرّفوه ، فتكفّل الله بالقرآن يحفظه دون بقية كتبه ، فالإسلام هو الديانة الأشمل والأكمل والأفضل ، وهو جماع كل الديانات وكل النبوّات ، وكل ما فيها من أخلاقيات وحكم وفلسفات وعلوم ومعارف.

وأما المعراج ـ وربما هو رؤيا سورة النجم كما قلنا وليس سورة الإسراء ، فإن كانت الرؤيا فيه منفصلة عن رؤيا الإسراء ، فإن الأحاديث فيه كما قلنا ، ينبغى فصلها عن أحاديث الإسراء. والمعراج فى بعض روايات الإسراء لا يذكر إلا أنه كان من مكة إلى السماء مباشرة ، فلا تحضير ولا تمهيد. والمعراج إن كان منفصلا وخصّت به سورة النجم ، فإن قصته أيضا كانت للتسرية عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولتسلية المسلمين ، وليخزى الله بقصته الكافرين ، فيزدادوا حقدا يأكل قلوبهم ويرديهم إلى حتوفهم. وسواء كان المعراج ليلة الإسراء ، أو كان قبل ذلك كما فى سورة النجم ، فإن قصته تبدأ بأن جبريل أخذ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعرّج به إلى السماء الدنيا ، واستفتح لهما فقيل له : من أنت؟ قال : جبريل. قيل : ومن معك؟ قال : محمد. قيل : وقد أرسل إليه؟ قال : قد أرسل إليه. ففتح لهما ، فإذا بآدم وهو قاعد وعلى يمينه أسودة ، وعلى شماله أسودة ، فإذا نظر إلى يمينه ضحك ، وإذا نظر إلى شماله بكى ، فسأل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم جبريل : من هذا؟ قال : هذا آدم ، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه ، فأهل اليمين منهم أهل الجنة ، والأسودة التى عن شماله

١١٥٠

أهل النار. وقال آدم يحييه : مرحبا بالنبىّ الصالح والابن الصالح. ثم عرّج جبريل بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى السماء الثانية ، واستفتح كما فعل فى السماء الدنيا ، وتكرر معه ما حدث من قبل ، فإذا بابنى الخالة يحيى وعيسى ، فرحّبا به ، وقالا : مرحبا بالأخ الصالح والنبىّ الصالح. وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن المسيح : «كان مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض ، سبط الرأس». ثم عرّجا على السماء الثالثة ، فإذا بيوسف آية فى الحسن ، ورحّب به ، وقال ما قال من سبقه ؛ ثم فى السماء الرابعة التقى إدريس ؛ وفى الخامسة هارون ، وفى السادسة موسى ، فسلّم عليه ودعا له موسى ، فلما تجاوزه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بكى موسى ، فقيل له : ما يبكيك؟ قال : أبكى لأن غلاما بعث بعدى ، يدخل من أمته أكثر مما يدخل من أمتى! وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن موسى : كان رجلا طوالا ، جعدا ، كأنه من رجال شنوءة (إحدى القبائل وتتميز بالطول). وفى السماء السابعة التقى إبراهيم ، فإذا هو مستند إلى البيت المعمور ، ويدخله كل يوم سبعون ألف ملك. ثم ذهب إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة ، وثمرها كالقلال ، وغشيها من أمر الله ما غشيها فتغيّرت ، فما من أحد يستطيع أن يصفها ، فأوحى الله إليه ما أوحى ، وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة فى كل يوم وليلة ، وأدخل الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك ، فنزل إلى حيث موسى ، وسأله موسى : ما ذا فرض عليه ربّه؟ قال : خمسين صلاة فى كل يوم وليلة. فطلب إليه أن يرجع إلى ربّه فيسأله التخفيف لأمته فإنها لا تطيق ذلك ، وأنه قد جرّب ذلك مع بنى إسرائيل ، فرجع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أو أنه دعا ربّه فى موقفه ، ففي رواية أنه حطّ عنه خمسة خمسة ، وفى رواية أنه حطّ عنه عشرة عشرة ، وفى رواية أنه وضع شطرها ، وظل موسى يطلب إليه أن يراجع ربّه ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يسأله التخفيف إلى أن جعلت الصلاة خمسا ، وقال تعالى : «إنه لا يبدّل القول لدىّ ، كما فرضت عليك فى أم الكتاب ، فكل حسنة بعشر أمثالها ، فهى خمسون فى أم الكتاب ، وهى خمس عليك». وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لموسى : «قد والله استحييت من ربّى عزوجل مما اختلفت إليه». فقال ربّ العزّة : «فاهبط باسم الله» ، وقد استيقظ النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو فى المسجد الحرام. وقد يتبادر السؤال : فلما ذا بكى موسى إن لم يكن غيرة وحسدا من النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟ ولما ذا ألح أن يخفّف عن أمته حتى فى الصلوات الخمس؟ والجواب : أن أمة محمد لا بد أن تكون الأمة الأفضل ، لأنها بشّرت أنها ستكون أكثر فى الجنة ، وكلفت من العبادات ما لا تستطيعه أمة موسى! ...

وفى رواية أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : رأيت ليلة أسرى بى لمّا انتهيت إلى السماء السابعة ، فنظرت فوق ، فإذا رعد وبرق وصواعق ، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت ، فيها الحيّات

١١٥١

ترى من خارج بطونهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء آكلو الرّبا. قال : فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل منى ، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هذه الشياطين يحومون على أعين بنى آدم ، لا يتفكرون فى ملكوت السموات والأرض ، ولو لا ذلك لرأوا العجائب.

وقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لما كان ليلة أسرى بى فأصبحت بمكة ، عرفت أن الناس مكذّبى» ، فجلس حزينا ، فجاء أبو جهل فسأله ، فقال له : إنى أسرى بى الليلة». وسأله : إلى أين؟ قال : إلى بيت المقدس». قال : ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال : «نعم» ، فرأى أن لا يكذّبه حتى لا يرجع فى كلامه ، فقال له : أرأيت إن دعوت قومك ، أتحدثهم بما حدثتنى؟ قال : «نعم» ، فدعاهم بسرعة ، وسأله أن يحدّث قومه بما حدّثه ، فقال : «إنى أسرى بى الليلة إلى بيت المقدس» ، قالوا : ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال : نعم ، فكانوا بين مصفّق ، وبين واضع يده على رأسه متعجّبا للكذب! قالوا : وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ وفيهم من قد سافر إلى القدس ورأى المسجد ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «فما زلت أنعت حتى التبس علىّ بعض النعت». قال : «فجىء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل ، فنعتّه وأنا أنظر إليه» ، فقال القوم : أما النعت فو الله لقد أصاب فيه! وأما أبو بكر فقد أتاه بعضهم وقال له : هل لك فى صاحبك؟ يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة فى ليلة واحدة! فقال أبو بكر : أو قال ذلك؟ قالوا : نعم. قال : فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق! قالوا : فتصدّقه فى أن يأتى الشام فى ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟! قال : نعم ، أنا أصدّقه بأبعد من ذلك! أصدّقه بخبر السماء! فبها سمّى أبو بكر صدّيقا. وأتاه أبو بكر فقال : يا رسول الله ، أين كنت الليلة ، فقد التمستك فى منامك؟ (لأنهما كان ينامان معا فى الحرم تلك الليلة ، وثالث معهما ربما هو عمر). وقال أبو بكر : قد علمت أنك أتيت بيت المقدس الليلة؟ وقال : يا رسول الله ، إنه مسيرة شهر ، فصفه لى؟ فكأن النبىّ لمّا قال له ذلك ، قد فتح له صراط ، وكأنه ينظر إليه ، فلا يسأله عن شىء إلا أنبأه ، فقال أبو بكر : أشهد أنك لرسول الله! وقال المشركون : انظروا إلى «ابن أبى كبشة»! يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة! وقولهم «ابن أبى كبشة» استهزاء بالنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقد كان ابن أبى كبشة هذا أحد أجداده من جهة الأمهات ، وهو أول من أدخل بدعة تأليه كوكب الشعرى ، فاعتبروا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثله ، أدخل بدعة تأليه الواحد الأحد ، بمنطق : (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) (يوسف). ثم إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قصّ عليهم قصة عير قريش التى رآها فى القدس ، وعلامة ذلك ضياع إحدى النوق ووجدها أحدهم ، وأن القافلة ستعود

١١٥٢

فى وقت كذا ، وسيتقدمها جمل آدم ، عليه مسح أسود وغرارتان سوداوتان. ولما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حين كان قريبا من نصف النهار ، حتى أقبلت العير يتقدمهم ذلك الجمل كما قال. ومع ذلك ظلت القصة محل تكذيب منهم ، واستقبلها كثير من المسلمين بالشك ، ثم انتهى بهم الأمر إلى اعتبارها رؤيا ، وأن رؤى الأنبياء صادقة ، واعتبروا انتقاله إلى بيت المقدس بالروح دون الجسد ، وفى النوم وليس فى اليقظة.

فتلك إذن قصة الإسراء والمعراج ، وجاء المستشرقون ليزيدوا الطين بلة ، فقال جولدستيهر إن اجتماع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالأنبياء ، خصوصا إبراهيم وعيسى وموسى ، يشبه اجتماع المسيح بالأنبياء على الجبل الذى جاء عنه فى أناجيل متّى ١٧ / ١ ، ومرقس ٩ / ١ ، ولوقا ٩ / ٢٨ ، وهو افتراء وكذب محض ، لأنه لا تشابه البتة بين مشهد اجتماع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بالأنبياء وصلاته إماما لهم ، وبين مشهد اجتماع المسيح مع بطرس ويعقوب ويوحنا ومع موسى وإيليا على الجبل (لوقا ٩ / ٢٨ ـ ٣٦). وكان واضحا أن اجتماعهم كان رؤيا ، فقد أخذ النوم الثقيل بطرس وزملاءه ، ولمّا أفاقوا لم يكن هناك إلا المسيح. وتلك كانت كل الرؤيا ، فأين هى من رؤيا الإسراء والمعراج فى القرآن؟! وأين هذا الكلام لمؤلّفه لوقا من كلام القرآن فى سورتى الإسراء والنجم حيث كل كلمة لها معنى ودلالة من داخل السياق؟! وأين الرمزية فى كلام لوقا مثلما هى فى أحاديث الإسراء والمعراج؟ فكل حدث ، وكل شخصية ، وكل كلام يرمز لشىء ، والقصة هى فتح جديد لا شك فيه فى الأدب القرآنى الرمزى فى الإسلام ، مثل مشاهد الجنة والنار ويوم القيامة والحساب ، والأعراف ، والجدل بين الأنفس والملائكة ، وحوار أهل الجنة وأهل النار ، وعذاب القبر ، وناكر ونكير ، فكل ذلك لا يوجد مثله شىء عند اليهود والنصارى. وقصة الإسراء والمعراج من القصص الرمزى ، باعتبارها تحتاج إلى تأويل إن كان المتابع لها من أهل النظر والفكر ، فإن كان من البسطاء فالقصة كما هى تفعل فعلها التعليمى ، وفيها الوعظ الكثير والخبر الجميل. وفى قصة الإسراء والمعراج كان وضوء جبريل وفعل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثله ، وتقرير عدد الصلوات. ونحن نعلم أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يصلى والمؤمنون ـ من قبل الإسراء والمعراج ، وأنه كان يقوم الليل ، وأنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلى مع خديجة ، وجاء عن الصلاة فى سورة مريم ـ وهى قبل الإسراء : (وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ) (٥٥) ، وفى سورة طه : (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (١٤) ، (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها) (١٣٢) ، وفى سورة النمل : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) (٣) ، وفى سورة المزمل : (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (٢٠) ، وفى سورة الماعون : (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ) (٥) وكل هذه السور كان نزولها قبل سورة الإسراء

١١٥٣

بمراحل ، فالصلاة إذن كانت موجودة ، وكانت خمس صلوات ، وكانت كل صلاة ركعتين إلا المغرب ، فلما كان فى المدينة زيدت صلاة الظهر والعصر والعشاء. والحديث فى الإسراء كان عن عدد الصلوات وليس عن عدد الركعات ولا كيفية الصلاة. والوضوء رغم أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم تعلمه من جبريل فى الإسراء كما تقول الرواية ، إلا أن الرسول والمؤمنين كانوا يتوضئون من قبل ذلك ويغتسلون ويتطهّرون ، ولم يتقرر الوضوء شرعا إلا فى سورة المائدة فى المدينة ، كقوله تعالى : (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ...) (٦) ولم تزدهم الآية إلا أن الوضوء صار يتلى قرآنا ، وأعطتهم الفائدة والرخصة فى التيمم ، وكان قد تقرر قبل ذلك فى سورة النساء (٤٣). ورغم ذلك فإن قصة الإسراء والمعراج عمّقت الفكرة الإسلامية وجعلت لها أبعادا أكبر ، ولو قارنا بها أسفار الرؤى عند أنبياء مثل : أشعياء ، وإرميا ، وباروخ ، ودانيال ، ويوحنا ، وغيرهم ، نجد أن هذه الرؤى نبوءات وليست رؤى ، وإنما الرؤيا بحق هى رؤيا الإسراء والمعراج ، وهى نموذج للرؤى عند الأنبياء ، ويجدر التنبيه إلى أن تراث الإسراء حافل بالأحاديث والمحاورات بين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم والأنبياء ، وبينه وبين جبريل ، وبينه وبين الله تعالى ، وإن كانت أحاديث مشكوكا فيها ومن وضع الوضّاع.

وبعد فهذا ما توفر لنا من هذه القصة واجتهدنا رأينا فيه ، والله الموفق ، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

٩٤٠. الأحزاب وغزوة الخندق وبنو قريظة

يتناول القرآن غزوة الخندق وبنى قريظة فى الآيات من ٩ إلى ٢٧ من سورة الأحزاب ، من قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً) (٩) ، إلى قوله تعالى : (وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً) (٢٧) وتشرح هذه الآيات كيف حزّبت الأحزاب ضد المسلمين ، فكانت «وقعة الخندق» ، وهذه جرت فى شوال من السنة الخامسة من الهجرة ، وكانت ووقعة بنى قريظة فى يوم واحد ، بينما كان بين وقعة بنى قريظة ووقعة بنى النضير أربع سنوات. والذين «جاءوا من فوقهم» فى الآية (١٠) هم : بنو قريظة ؛ والذين «جاءوا من أسفلهم». قريش وغطفان ؛ والذين «حزّبوا الأحزاب» وألّبوا القبائل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى المسلمين هم : اليهود ، فهذا دأبهم مع

١١٥٤

المسلمين منذ البداية. وفى عهد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تزعم هذه العصبة اليهودية سنة ، كلهم يهود ، وهم : كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق ، وسلام بن أبى الحقيق ، وسلام بن مشكم ، وحيىّ بن أخطب ، وهؤلاء كانوا نضريين ؛ وهوذة بن قيس ، وأبو عمّار ، وهذان كانا من بنى وائل ، وخرجوا فى نفر من بنى النضير ومن بنى وائل ، فأتوا مكة ، فدعوا إلى حرب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فلما أجابهم أهل مكة ، خرجوا إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم ، فهؤلاء هم الأحزاب : قريش يقودهم أبو سفيان ؛ ثم غطفان ، ومنهم الفزارية يقودهم عيينة بن حصن الفزّارى ؛ وبنو مرّة يقودهم الحارث بن عوف ، وأشجع ، يقودهم مسعود بن رخلية.

فلما سمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بتحالفهم وخروجهم إليه ، شاور أصحابه ، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق ، وقال : إنا كنا بفارس إذا حوصرنا تخندقنا». فعمل المسلمون فى الخندق مجتهدين ، ولم يعجب ذلك المنافقين فتسللوا لواذا ، فنزلت فيهم آيات القرآن تباعا.

وأقبلت قريش فى نحو عشرة آلاف ومعهم حلفاؤهم من كنانة وتهامة ، وأقبلت غطفان بمن معها من أهل نجد ، ونزلوا إلى جانب أحد ، وأما رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فنزل يظهر سلع (جبل بالمدينة) فى ثلاثة آلاف ، وضربوا معسكرهم والخندق بينهم وبين المشركين.

وكانت بين بنى قريظة والرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم موادعة ، وقد عاقدوه وعاهدوه على أن لا يحاربوه ولا ينضموا إلى عدو له ، إلا أن كعب بن أسد القرظى صاحب عقدهم ورئيسهم مالأ حيّى بن أخطب. وأوفد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى بنى قريظة وفدا من سعد بن عبادة سيد الخزرج ، وسعد بن معاذ سيد الأوس ، ومعهما عبد الله بن رواحة ، وخوات بن جبير. وأهان القرظيون الوفد ، وشتموا سعد بن عبادة ، ونالوا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالوا : لا عهد عندنا! وسرّها سعد بن عبادة فى نفسه ، ورحلوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقولون : «عضل والقارة» ، يعرضون بغدر «عضل والقارة» بأصحاب الرجيع : خبيب وأصحابه ، ولم يستبشر المسلمون ، وعظم عليهم البلاء ، وتوجّسوا الشرّ ، واشتد الخوف ، وأقبل الأعداء من فوق المسلمين ، أى من فوق الوادى من قبل المشرق ، ومن أسفلهم ، أى من بطن الوادى من قبل المغرب ، حتى ظن المسلمون بالله الظنونا ، وتغالى المنافقون يعتذرون بأوهى الأسباب ، ويذكر التاريخ منهم : أوس بن قيظى ـ وهو الذى تعلّل بأن بيوتهم عورة ويخافون عليها ، وانصرفوا بهذه الدعوى ، ومعتب بن قشير ـ أحد بنى عمرو بن عوف ، وهو الذى نشر بين المنافقين قالة : أن محمدا وعدهم كنوز كسرى وقيصر فى حين أن الواحد منهم لم يعد يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!

وظل الحصار بضعا وعشرين ليلة أو نحو الشهر ، ولم تكن بينهم حرب أثناء ذلك إلا

١١٥٥

الرمى بالنبل والحصى. واشتد البلاء على المسلمين ، فأرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى عيينة بن حصن الفزّارى والحارث بن عوف المرّى قائدىّ غطفان ، يعدهما بثلث ثمار المدينة إن هما انصرفا بمن معهما من غطفان وخذلا قريشا ، ورجعا بقومهما عنهم. وكان اقتراحه مراوضة ولم يكن عقدا ، ورفضه سعد بن عبادة وسعد بن معاذ ، فإن كان هذا الاقتراح أمرا من الله فعلوه ، وإن كان أمرا يحبه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم صنعوه له حبّا وكرامة ، إلا أنه قال لهم : «بل هو أمر أصنعه لكم ، وما أصنعه إلا لأنى قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة» ، فقال له سعد بن معاذ : لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا شراء أو قرى ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا وأعزّنا بك ، نعطيهم أموالنا؟! والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم! فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم لعيينة والحارث : «انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف».

وأقام المشركون يحاصرون المسلمين ولا قتال معهم ، واستطلعت جماعة منهم الخندق ، وتبيّنوا فيه ثغرة يمكن لخيلهم أن تقتحمها ، وفعلوا ، وأوغلوا فى الأرض حتى صاروا بين الخندق وبين سلع ، وهؤلاء كانوا من فوارس قريش ، منهم : عمرو بن عبد ود العامرى من بنى عامر بن لؤى ، وعكرمة بن أبى جهل ، وهبيرة بن أبى وهب ، وضرار بن خطّاب الفهرى ، وخرج إليهم علىّ بن أبى طالب فى نفر من المسلمين ، وتصدّى له فرسان الثغرة ، وانبرى عمرو بن عبد ود يتحدّى عليا ، وتبارزا حتى قتله علىّ ، فبادر رفاقه بالهرب منهزمين ، وألقى عكرمة رمحه منهزما ، ورمى سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل (عرق اليد) ، وقيل رماه حبّان بن قيس بن العرقة أحد بنى عامر ـ والعرقة هى أمّه ، وكانت لها رائحة عرق شديدة ، وقيل بل رماه أبو أسامة الجشمى حليف بنى مخزوم.

واستخدم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى هذه الوقعة لأول مرة طريقة المخادعة ، وقال قولته المشهورة : «الحرب خدعة» ، فلمّا جاءه مسعود بن عامر الأشجعى من معسكر المشركين يعلن إسلامه ويريد الانضمام إليه ، أرسله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى معسكرهم يرى فيهم ويتنظّر ويكون للمسلمين عينا عليهم ، وكذلك أرسل نعيم بن مسعود إلى بنى قريظة ، وإلى قريش وغطفان ، يزعم أنه ترك محمدا ، ويخوّف بنى قريظة لو خدعتهم قريش وغطفان وتركوهما لمحمد ، ثم إنه خوّف قريشا من مكر اليهود ودهائهم ، وادّعى أن بنى قريظة ندموا على تنكرهم لمحمد ، وأنهم أرسلوا إليه يهادنونه ، وصدّق أبو سفيان ، وأرسل إلى اليهود يطلب إليهم مناجزة محمد فى الغد ، واعتذر اليهود بالسبت ، وطلبوا رهنا من قريش حتى لا

١١٥٦

يكون الأمر خدعة ، ورفض أبو سفيان ، فإما أن يخرجوا معهم وإلا فلا عهد بينهم ، واستشعرت بنو قريظة صدق نعيم ، وانخذلوا عن قريش ، وتكالموا واختلفوا وتشاتموا ، وكان اليوم عاصفا ، والرياح هوجاء ، والليل قارص البرودة ، وانهدمت خيامهم ، وانطفأت قدورهم ، وهلك الكراع (يعنى الخيل) والخفّ (يعنى الإبل) ، وانطفأت النيران ، وأرسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حذيفة بن اليمان متخفّيا يتسمّع عليهم ويتنظّر ، فلو لا أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمره أن لا يحدث شيئا لقتل أبا سفيان وهو يحلّ عقال جواده مرتحلا ، وعاد إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأخبره ، فحمد الله ، فما أصبحوا إلا وقد ذهبت الأحزاب.

ورجع المسلمون إلى المدينة ووضعوا السلاح ، ولكن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم نادى فيهم : «لا يصلّينّ العصر إلا فى بنى قريظة». ودعا سعد بن معاذ ربّه أن لا يتوفاه مما أصابه السهم إلا بعد أن يقرّ عينيه فى بنى قريظة ، لخيانتهم للعهد ، وتبجّحهم. وأعطى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الراية إلى علىّ بن أبى طالب ، وساروا إلى بنى قريظة ونازلوهم ، وحاصرهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بضعا وعشرين ليلة ، فإما أن يسلّموا ويتّبعوا الإسلام ، فيسلموا وتسلم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم ، وإما أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم ويقاتلوا حتى يموتوا عن آخرهم. ورفض اليهود الإسلام ، وأن يقتلوا أبناءهم ونساءهم بأيديهم ، واستنجدوا بالأوس حلفائهم ، وحذّرهم أبو لبابة فأفشى سرّ المسلمين ، وأشار بيده إلى حلقه وقال : إنه الذبح إن فعلتم ؛ يحذّرهم أن ينزلوا على حكم المسلمين ، ونزلت الآية فى أبى لبابة : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ) (٢٧) (الأنفال) ، والآية : (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) (١٠٢) (التوبة) ، وحكّم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيهم سعد بن معاذ رئيس الأوس حلفائهم ، ويقول كتّاب المغازى : أن سعدا حكم بأن تقتل المقاتلة ، وتسبى الذرّية والنساء ، وتقسّم أموالهم ، وقالوا : فضربت أعناق نحو من ستمائة إلى السبعمائة من المقاتلة ، وقيل الثمانمائة ، منهم حيىّ بن أخطب ، وكعب بن أسد ، وكانا رأس القوم ، وقتل من نسائهم بنانة امرأة القرظى التى طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته. قالوا : أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقتل كل من أنبت منهم وترك من لم ينبت (يعنى من لم يبلغ الحلم). ووقع لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن جنافة.

والقول بأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بقتل كل هذا العدد ، حتى الأولاد الذين أنبتوا ، كذب ، ويتعارض مع الآية : (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً) (٢٦) (الأحزاب) ، فلما ذا يقول تأسرون فريقا إن لم يكن هناك أسرى ، ثم إن قتل هذا العدد من الأسرى وهم كل من يستطيع حمل السلاح حتى الصبية ، يجافى مبادئ الإسلام ، فالله تعالى ينهى عن الإسراف فى القتل فيقول : (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) (٣٣) (الإسراء) ، وقال :

١١٥٧

(حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ) (٤) (محمد) ، وأثخنتموهم أى أهلكتموهم قتلا فى الحرب ، وقوله : «شدّوا الوثاق» يعنى الذين تأسرونهم ، وهؤلاء اليهود أسرى فى غير حرب ، والأولى أخذ الفداء منهم وقد صارت كل أملاكهم فى أيدى المسلمين. وفى الآية : (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) (٤) (محمد) ، يعنى للمسلمين الخيار إذا وضعت الحرب أوزارها ، فإمّا المن على الأسير ، وإما الفداء ، وأما القتل فليس للأسرى وإنما فى المعركة. وفى الآية : (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) (٦٧) (الأنفال) يعنى أن يقاتل الأعداء أولا ، والقتال مأمور به إذا قوتل المسلمون ، يعنى أن حرب المسلمين دفاعية أو وقائية ، وحرب الخندق كانت دفاعية ، وحرب بنى قريظة كانت وقائية ، وقوله تعالى : (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) (١٩٣) (البقرة) أى حتى تضع الحرب أوزارها ـ أى أوزار المحاربين ـ يعنى حتى يضعوا سلاحهم. وبنو قريظة وضعوا سلاحهم ، والذى تأدّى بهم إلى هذا الحال كان حيىّ بن أخطب وكعب بن أسد ، وهذان حوكما لما تسببا فيه ، وحكم عليهما بما يستحقان ، وأما غيرهم فذلك ما يكذّبه واقع الحال ، فالقرظيون كانوا بالمدينة بعد هذه الوقعة ، وكانت صفية بنت حيى وريحانة بنت عمرو تصلان أرحامهما ، ولهما أولاد عمومة ورّثتاهم من بعد. ولا نرى لذلك هذا الرأى الذى يقول إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أمر بقتل سبعمائة يهودى ، وحتى الأولاد الذين أنبتوا ـ قتلهم!! فما كان محمد سفّاحا ولكنه رحمة للعالمين ، ولسنا فى مجال أن نشفق على اليهود وإنما نحن ندفع عن نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وعن أنفسنا ، تهمة ما كانت من خصاله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو الذى أمر فى الحرب أن لا يقتل الطفل ولا المرأة ، ولا تحرق شجرة ولا منزل ، وابن إسحاق وابن هشام اللذان رويا هذه الرواية إنما يرددان الإسرائيليات ، ومغازيهما حافلة بغرائب الروايات التى ردّدها عنهم المستشرقون ، واهتبلها دعاة التبشير والعلمانيون ، وروّجوا لها فى مؤلفاتهم عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعن الإسلام.

وكان فتح قريظة فى آخر ذى القعدة وأول ذى الحجة من السنة الخامسة من الهجرة ، والذين استشهدوا يوم الخندق من المسلمين ستة نفر ، هم : سعد بن معاذ الذى تفجّر جرحه وانفتح عرقه فنزف حتى مات ، وأنس بن أوس بن عتيك ، وعبد الله بن سهل ـ والثلاثة من بنى عبد الأشهل ، والطفيل بن النعمان ، وثعلبة بن غنمة ـ وكلاهما من بنى سلمة ؛ وكعب بن زيد من بنى دينار بن النجار ـ أصابه سهم غرب (أى طائش) فقتله. فهؤلاء الستة هم شهداء الخندق من المسلمين ، وأما الذين قتلوا من الكفار فثلاثة هم : منبّه ابن عثمان ـ أو أنه عثمان بن أمية بن منبّه ، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومى ، وعمرو بن عبد ود.

وأما شهداء المسلمين يوم قريظة ، فكانوا اثنين : خلاد بن سويد ـ طرحت عليه امرأة من بنى قريظة رحى فقتلته ، وأبو سنان بن محصن الأسدي ، ولم يصب غير هذين.

١١٥٨

وأما الريح التى هبّت عليهم فهدمت الخيام ، واقتلعت الأوتاد ، وأطفأت النيران إلخ فكانت الصبا ، وهى المذكورة فى الآية : (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً) (الأحزاب ٩). وأما قوله : (وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها) (الأحزاب ٩) هذه هى قوى الطبيعة عاثت هدما وتخريبا فى فساطيطهم ، وبثّت فيهم الرعب حتى جالت الخيل بعضها فى بعض ، وفى الحديث عنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «نصرت بالرعب». وكان وصف المعركة من أبلغ ما يمكن أن تصوّره لغة ، مثل قوله تعالى : (وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا) (١٠) (الأحزاب) ، وقوله : (هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً) (١١) (الأحزاب) ، وقوله : (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً) (١٤) (الأحزاب) ، وقوله : (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً) (١٩) (الأحزاب) ، وهكذا فى بقية الآيات حتى الآية ٢٧ التى تقول : (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً) (٢٧) (الأحزاب) ، والصياصى هى الحصون ، والآيتان وعد من الله ، وسريان على كل أرض تفتح إلى يوم القيامة ، والفتح ليس فقط بالحرب وإنما بالإعمار والهجرة ، ووعد الله لا يردّ ، وهو على كل شىء قدير.

* * *

٩٤١. قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش

يرد اسم «زيد» ضمن سورة الأحزاب فى قوله تعالى : (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها) (٣٧) (الأحزاب) ، يقصد به زيد بن حارثة ، وكان ينسب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فيقال : «زيد بن محمد» ، فنزلت فيه الآية : (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً) (٥) (الأحزاب) ، وكذلك الآية : (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (٤) (الأحزاب). وزيد هو الذى تزوج زينب بنت جحش ، زوّجه إياها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم تزوجها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من بعده ، وكان فى قصة زيد وزينب الكثير من اللغط ، وتحدّث فيهما المنافقون والمرجفون واليهود ، وكانت قضية حسمها القرآن.

وزيد فيما روى أنس بن مالك وغيره : كان مسبيا من الشام ، سبته خيل من تهامة ،

١١٥٩

فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد ، فوهبه لعمّته خديجة بنت خويلد ، فوهبته بدورها للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فأعتقه وتبنّاه ، وأقام زيد عنده مدة ، ثم جاء عمّه وأبوه يرغبان فى فدائه ، فقال لهما النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وذلك قبل البعث : «خيّراه ، فإن اختاركما فهو لكما دون فداء» فاختار زيد الرقّ مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم على حريته وقومه ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند ذلك : «يا معشر قريش ، اشهدوا أنه ابني ، يرثنى وأرثه» وطاف على خلق قريش يشهدهم على ذلك ، فأرضى ذلك عمه وأبوه وانصرفا.

وكان أبوه لما سبى زيد ، يدور بالبلاد يبحث عن ابنه ويرتجل الشعر ، يذكّرنا بيعقوب لما ضاع ابنه يوسف فقال مقالته المشهورة : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ) (١٨) (يوسف).

يقول أبو زيد :

بكيت على زيد ولم أدر ما فعل

أحيّ فيرجى أم أتى دونه الأجل

فو الله ما أدرى وإنى لسائل

أغالك بعدى السهل أم غالك الجبل

ويا ليت شعرى هل لك الدهر أوبة

فحسبى من الدنيا رجوعك لى بجل

تذكرنيه الشمس عند طلوعها

وتعرض ذكراه إذا غربها أفل

وإن هبّت الأرواح هيّجن ذكره

فيا طول ما حزنى عليه وما وجل

سأعمل نصّ العيس فى الأرض جاهدا

ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل

حياتى أو تأتى علىّ منيّتى

فكل امرئ فان وإن غرّه الأمل

وبجل يعنى يكفينى ، ووجل يعنى داخله الخوف. ثم إنهم قالوا للرجل إن ابنك فى مكة ، فجاء إليه وحطّ عنده يلازم المكان من أجله. وكان عمه هو الذى اكتشف مكانه ، فقد كان فى شغل له فى مكة ، فشاهد الغلام واستوقفه ، فعرفه زيد ، وسأله العم عن اسمه واسم أبيه واسم أمه ، فقصّ زيد عليه قصته ، فضمّه العم إلى صدره ، فلما قصد وأبوه النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أرسل إلى زيد وسأله : من هؤلاء؟ قال زيد : هذا أبى ، وهذا عمى ، فخيّره النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فقال زيد : ما أختار عليك أحدا ، فقال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «اشهدوا أنى وارث وموروث» ، فكان الناس من وقتها يقولون : «زيد بن محمد» إلى نزول الآية : (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ) (الأحزاب ٥) ، والآية : (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) (٤) (الأحزاب).

والتبنّى كان معمولا به فى الجاهلية والإسلام قبل حكاية زيد ، وكانوا يتوارثون به ويتناصرون ، فرفع الله حكم التبنى ، ومنع من إطلاق لفظه ، وجعل الأولى والأعدل أن

١١٦٠

ينسب الرجل إلى أبيه نسبا ، فإن لم يكن له أب معروف نسبوه إلى ولائه ، فإن لم يكن له ولاء معروف ظل اسمه كما هو كما فى حالة المقداد بن الأسود ، فلم يعرف إلا بهذا الاسم واشتهر به ، وكان الأسود بن عبد يغوث قد تبنّاه فى الجاهلية. وكذلك سالم مولى أبى حذيفة ، كان يدعى لأبى حذيفة ، وغير هذين كثيرون ظل اسمهم الذى عرفوا به فى التبنى.

وأما حكاية زينب بنت جحش مع زيد ، فإن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أراد أن يزوّجه منها ، فقد كانت زينب قد كبرت فى السن ، وكان لسانها به حدّة والناس تعافها. وزينب بنت عمة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأمرها يهمّه ، فأراد أن يزوّجها زيد لكى يقرّب بين طبقات الأمة ، ولا يجعل هناك امتيازا لطبقة دون طبقة ، وليستن الكفاءة فى الأديان على الكفاءة فى الأحساب ، وخطبها النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لزيد ، وما كان زيد يكبرها إلا قليلا ، ورفضت زينب وأخوها هذا الزواج غير المتكافئ ، بدعوى أن زيدا كان بالأمس عبدا ، فنزلت الآية : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (٣٦) (الأحزاب). وكانت زينب تطمع أن تتزوج النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لا غيره ، وكذلك أخوها ـ هكذا قيل؟! ـ ولم يكن بدعا ما أراده النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فالموالى تزوجن فى قريش ، والمقداد بن الأسود تزوّج ضباعة بنت الزبير ، وزوّج أبو حذيفة «سالما» من فاطمة بنت الوليد بن عتبة ، وتزوج بلال أخت عبد الرحمن بن عوف. وكان من غضب أخيها على هذا الزواج بعد نزول الآية السابقة ، أن ترك أخوها المدينة ورحل ، وأما زينب فقد سألها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وناقشها فى رأيها فقبلت على مضض ، والشرع يقضى بأن توافق البنت على الزواج ، وقد وافقت زينب عسى الله أن يقدّم بينها وبين زيد ، ولكنها ما إن طالعته حتى تأبّت عليه ولم تمكّنه منها ، وقالت فى ذلك : «لم يستطعنى زيد ، وما أمتنع منه غير ما منعه الله منى ، فلا يقدر علىّ»! وكانت زينب لمّا تزوجته بكرا لم يسبق لها الزواج ، ويبدو أنها ظلت بكرا بعد زواج زيد منها ، وطلّقت بكرا ، ولذلك ـ كما قيل ـ لم تكن لها عدّة لمّا طلّقها ، لأنه لم يدخل بها. وعلى ذلك فحديث عائشة الذى تقول فيه : «كنت البكر الوحيدة التى تزوّجها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم» ، حديث موضوع. وغضب زيد من زينب لشراستها معه كلما اقترب منها ، وزاد الطين بلّة أنها كانت تسبّه ، فذهب يشكو للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقول : زينب تؤذينى بلسانها وتفعل وتفعل ، وأريد أن أطلقها ، والنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول له : «أمسك عليك زوجك واتّق الله». ثم إن زيدا طلّقها ، فأرغى الناس وأزبدوا ، وهؤلاء هم المنافقون والمرجفون واليهود ، وردّد المفسرون نفس الكلام ، والطبرى من أكثر المفسرين استعانة

١١٦١

بالإسرائيليات ، وقالوا : إن النبىّ ذهب ليصلح بين زينب وزيد ، فرآها فوقع منه استحسان لها! ـ فكأنه لم يرها من قبل!؟ وكأنها ليست ابنة عمته! وقيل : كان ينصحه ألا يطلقها ، ويضمر فى نفسه أنه يريد أن يتزوجها! وقال هذا الملعون مقاتل بن سليمان : ثم إنه عليه‌السلام أتى زيدا يوما يطلبه ، فأبصر زينب قائمة ، وكانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش!! فهويها وقال : «سبحان الله مقلّب القلوب» وكأنما كان مقاتل مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم؟! وكأنما دخل صدره ، وعرف ما يجول بخاطره ، وشهد زينب معه؟! وكأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الذى ينهى عن النظرة الثانية يتملّى هو نفسه من جمال زينب ويتمعّن فى مفاتنها ، وما كانت زينب بالفاتنة ، وإلا ما تظل عانسا إلى السن المتأخرة التى كانت عليها لمّا تزوجت من زيد! وقال هذا الملعون مقاتل : إن زينب سمعت تسبيحة الرسول عليه‌السلام فنقلتها لزيد ، فوقع فى نفس زيد أن يطلّقها! وكأن زيدا طلقها لذلك فقط؟! وكأن مقاتلا اطّلع على دخيلة زيد أيضا؟!

وقيل : إن الذى أخفاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى نفسه فى الآية : (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) (الأحزاب ٣٧) هو حبّه لزينب!! والصحيح أن الذى أخفاه فى نفسه استشعاره للذنب : أنه السبب فى زواج زينب من زيد ، فهو الذى أشار به وزكّاه ، ولأن زيدا عند ما يطلقها لن يتقدم للزواج منها آخر أبدا بعد أن أصبحت مطلقة مولى من الموالى ، بالإضافة إلى عطالتها من الجمال ، وحدّة طبعها واشتهارها بذلك ، فلم يكن هناك من حلّ لقضيتها سوى أن يتزوّجها الرسول نفسه وهو من أسباب مشكلتها! غير أن ما كان يمنع ذلك هو أنها كانت زوجة لابنه بالتبنى ، فكشفت تلك القضية فساد نظام التبنّي ، لعدوانه على الأنساب ، واستحداثه الاضطراب فيها ، ومن ثم كانت ضرورة إلغاء هذا النظام ، وأن يكون الأمر واضحا فيمكن لمن كان مثل زيد ، أن يتزوج من ابنة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مثلا لو كان ذلك مطروحا ، فلا شىء يمنعه فى ظل النظام الجديد ، وهو الممنوع فى ظل نظام التبنّى ، والله يعلم أن المتبنّى ليس ابنا على الحقيقة ، وليس من ثم محرّما المصاهرة إليه. وقوله تعالى : (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ) (الأحزاب ٣٧) هى خشية إرجاف المنافقين ، بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج هو بزوجة ابنه! وقال هؤلاء إن محمدا هوى زينب امرأة زيد! أو أنه عشقها كما قال بعض الداعرون! ولو كان تفسير هذه الآيات بأنه ارتكب خطيئة ، لكان قد أمر بأن يستغفر منها وأن يتوب عن مثلها. وخشيته صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت إذن بخلاف ذلك ، فقد كان يخشى أن يفتتن الناس بالخلاف حول الدعىّ والابن والفرق بينهما. وروى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا انتهت عدّة زينب بعد طلاق زيد لها طلب

١١٦٢

منه أن يخطبها عليه ، فأبلغها زيد ، ووكلت زينب أمرها إلى الله ، وصحّ تفويضها إليه ، فتولى الله إنكاحها ، ونزل القرآن بذلك ، ودخل رسول الله عليها بإذن ربّه ، ولم يقرر صداقا ، ولا جدّد عقدا ، ولا شيئا مما يكون شرطا فى حقوق الزواج ومشروعيته ، وأو لم على زينب شاة ، فكانت زينب تفاخر نساء النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتقول : زوّجكن آباؤكن وزوّجنى الله تعالى ، وأنكحنى من السماء! ـ والمسألة أبعد من ذلك بكثير ، لأنها لم تكن مسألة زواج ، بقدر ما كانت مسألة تأسيس نظام ، وإقامة تشريع ، وتغيير أمور اصطلح عليها الناس ، وكان إصلاحها يقتضى تدخلا من السماء ، والسؤال هو : هل تحصّل لنا العلم من سيرة زينب مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنها غيرت من مسلكها وحسّنت من طباعها بعد انفصالها عن زيد؟ أبدا ، ظلت كما هى ، وكانت بذيئة اللسان ، ولم يكن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يطلبها ، ولا كان يستشيرها فى شىء ، وقالت هى نفسها : ما كان يستكثر منى! ـ فأين هو ذلك الحب أو العشق المدّعى إذن؟! لاسامحهم الله هؤلاء الخرّاصين!

* * *

٩٤٢. حديث الإفك واتهام أم المؤمنين عائشة

حديث الإفك : مما جاء على ألسنة الرواة طويل ، والقصة بدأت باتهامات للنبىّ فمرة ، يتهم فى شخصه بأن يقال عنه إنه مجنون ، أو كاهن ، أو شاعر إلخ ، ومرة يزدرى من قومه فى لباسه وهيئته وسمته ولغته ، ومرة يطعن فى شرفه وأمانته ، كأن يرفض اليهودى إقراضه إلا برهن ، أو يتّهم فى عرضه كما فى حديث الإفك ، أو يستخف بمن آمنوا به كقولهم فى عمّار بن ياسر ، وسلمان ، وصهيب ، وبلال ممن آمنوا به وكانوا له الأصحاب ، أنهم من أجلاف العرب وأخلاسهم. وحديث الإفك كان أصعب هذه الاتهامات جميعا. والإفك : يعنى الكذب ؛ والآيات التى تحكى الواقعة أو القصة عشر آيات ، يقول تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ

١١٦٣

وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢١) (النور). والقصة : أنه لمّا خرج الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعائشة معه فى غزوة بنى المصطلق ـ غزوة المريسيع ، وقفل ودنا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل ، فقامت عائشة فمشت حتى جاوزت الجيش لتتغوّط ، فلما فرغت من شأنها أقبلت إلى الرّحل فلمست صدرها فإذا عقد من جزع ظفار (الخرز) قد انقطع ، فرجعت فالتمسته ، فحبسها ابتغاؤه ، ثم وجدته وانصرفت فلم تجد أحدا ، وكانت شابة قليلة اللحم ، فرفع الرجال هودجها ولم يشعروا بزوالها منه ، فلمّا لم تجد أحدا اضطجعت فى مكانها رجاء أن تفتقد فيرجع إليها ، فنامت فى الموضع ، ولم يوقظها إلا قول صفوان بن المعطّل : إنّا لله وإنّا إليه راجعون! وذلك أنه كان قد تخلّف وراء الجيش لحفظ الساقة ، أى ما ينسونه من حوائج. وقيل إنه لمّا استرجع استيقظت لمّا سمعت صوته ، ونزل عن ناقته وتنحّى عنها حتى ركبت ، وقادها حتى بلغ بها الجيش فى نحر الظهيرة ، فوقع أهل الإفك فى مقالتهم ، وكان الذى استوشاه عبد الله بن أبىّ بن سلول المنافق ، وهو الذى رأى صفوان آخذا بزمام ناقة عائشة ، فقال : والله ما نجت منه ولا نجا منها. وقال : امرأة نبيّكم باتت مع رجل! وكان من قالته حسّان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش. وفى هذه الآيات فإن العصبة التى باشرت الإفك كانوا ربما ثلاثة ، أو أربعة ، أو أكثر من ذلك ، فربما بلغوا أربعين ، إلا أن الذين روّجوا له ولاكوه واشتهروا به كانوا هؤلاء الثلاثة : حسّان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش. وبرّأت عائشة حسّان بن ثابت ، وجزمت الروايات بأن عبد الله بن أبىّ بن سلول رأس النفاق لم يجلد ، وقيل فى ذلك سبب غريب ، قيل : لأن الله تعالى قد أعدّ له فى الآخرة عذابا عظيما ، فلو حدّ فى الدنيا لكان ذلك نقصا من عذابه فى الآخرة وتخفيفا عنه! فما ذا لو فعلنا ذلك فى كل الحدود والمعاصى ولم نعاقب أحدا اعتمادا على نفس السبب؟! ولكن العقوبة لها جانبان : حقّ الناس والمجتمع ، وحقّ الله ، والأول يكون فى الدنيا ، والثانى فى الآخرة ، وفى المحاربة مثلا قد يتوب المحارب ويغفر له الله ، ولكن ذلك لا يسقط حق المجتمع فى عقابه فى الدنيا. والناس سواء ، فلما ذا يعاقب اثنان ، ويعفى من العقوبة واحد؟ والآية صريحة فى عقاب من تثبت عليه تهمة القذف ، يقول تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٥)

١١٦٤

(النور) ، ويبدو أن الجميع لم يحدّوا وقيل فى ذلك : إن الاستثناء من الجلد والفسوق وردّ الشهادة أبدا ، لا يكون إلا إذا تاب القاذف وظهرت توبته ، فحينئذ لا يحدّ ، وتقبل شهادته ويزول عنه التفسيق ، والله يقول : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ) (٨٢) (طه). وكانت حمنة أختا لزينب بنت جحش زوجة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأمها كانت أميمة بنت عبد المطلب ، وخالها حمزة بن عبد المطلب ، وزوجها مصعب بن عمير ، وحضرت أحدا وكانت تسقى العطشى وتداوى الجرحى ، وأطعمها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى خيبر ثلاثين وسقا ، وتزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له محمد بن طلحة السجّاد ، فكيف تتّهم بأنها قذفت عائشة وروّجت للإفك؟ وقيل : إن عائشة لمّا سمعت ما يتهمونها به مرضت وجاءتها حمّى بنافض ، يعنى برعشة ، غير أن مرض عائشة بحسب التشخيص الحالى «الملاريا المزمنة» ، وتأتيها على فترات ، ومن أعراضها هذا النفض أو الرعشة ، فلم يكن ذلك إذن بسبب الحزن على اتهامها ، ولمّا جاء النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم يعودها وقالوا له : أخذتها حمى بنافض ، قال : «فلعل فى حديث تحدّث به» ، فما سمعت عائشة قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى اعتدلت فى نومتها وقالت : والله لئن حلفت لا تصدقونى! ولئن قلت لا تعذرونى! مثلى ومثلكم كيعقوب وبنيه ، والله المستعان على ما تصفون. وانصرف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم يقل شيئا ، فأنزل الله عذرها ، قالت : بحمد الله لا يحمد أحد ولا بحمدك ـ أى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم!

وصفوان بن المعطّل : الذى اتّهمت به عائشة كان حصورا لا يأتى النساء ، وقال عن نفسه : والله ما كشفت كنف أنثى قطّ ـ يعنى لم يزن أبدا ، وقتل شهيدا فى غزوة أرمينية سنة تسع عشرة فى زمن عمر ، وقيل ببلاد الروم سنة ثمان وخمسين فى زمن معاوية.

والناس مختلفون بشأن من ذكرنا فى الإفك : هل خاضوا فى الإفك فعلا؟ وهل جلدوا الحدّ؟ وحتى مسطح فأمره مشكوك فيه ، ولم يثبت عنه قذف صريح. والرأى الغالب كما قلنا أنه لم يحدّ أحد من أصحاب الإفك ، لأن الحدود إنما تقام بإقرار أو بينة ، ولم يفرضها الله لنقيمها بمجرد القول والخبر. وقوله تعالى : (لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) (النور ١٢) ، عتاب منه تعالى للمؤمنين فى ظنهم حين قال أصحاب الإفك ما قالوا ، وكان ينبغى أن يقيسوا الأمر على أنفسهم ، وقد فعل ذلك أبو أيوب الأنصارى وامرأته ، فلمّا دخلت عليه امرأته تخبره قال لها : كذب! أكنت يا أم أيوب تفعلين ذلك؟! فعائشة والله أفضل منك! وقوله : (لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) (النور ١٣) توبيخ لأهل الإفك ، فما لم يتوفر الشهداء فالمدّعى كاذب ، والناس يحاسبون بما يظهر من أعمالهم ، وأحكام الدنيا على الظاهر ، ولو لا فضل الله لترتبت فتنة كبيرة على الإفك ولحق

١١٦٥

الناس منه الضرر الكبير ، لأنهم كانوا يلقونه بألسنتهم ويقولون بأفواههم ما ليس لهم به علم ، ظنا منهم أن المسألة أهون من ذلك وأعظم ، وكان ينبغى عليهم أن ينكروه ، ولا يتعاطونه بعضهم من بعض على جهة النقل والحكاية ، ومن كان مؤمنا فلا يعود لمثل ذلك أبدا ، وللأسف فإن كتب الشيعة حافلة بالسبّ لعائشة ، ومن يسبها يخالف القرآن ، وعند أصحاب الشافعى أن من سبّ عائشة أدّب ، وفى الحديث : «لا يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه» ، وقد رمى أهل الإفك عائشة المطهّرة بالفاحشة ، فبرّأها الله تعالى ، فكل من سبّها بما برّأها الله منه ، يكذّب الله ، ومن كذّب الله كفر وكان جزاؤه الأدب ، والله تعالى يقول : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (النور ١٩) ، ويعلم الله مقدار مخاطر إشاعة الفاحشة بين المسلمين ، وعظم هذا الزيف ، وفى الحديث : «وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها برىء ، يرى أن يشينه بها فى الدنيا ، كان حقا على الله أن يرميه بها فى النار» ، وفى القرآن فى عائشة خصوصا وفى المؤمنات عموما : (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (٢٣) (النور) ، والمراد باللعنة الحدّ والإبعاد ، واستيحاش المؤمنين منهم ، وهجرهم لهم ، وزوالهم عن رتبة العدالة ، والبعد عن الثناء الحسن ، ويوم القيامة : (تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) (٢٥) (النور) وفى عائشة قال تعالى : (الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (٢٦) (النور) ، فالذين قالوا كلاما طيبا عن عائشة هم الطيبون والطيّبات حقا ، وما كان للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يزوّجه الله عائشة وهى خبيثة ، والخبيثة فى الآية هى الزانية ، والطيبات هن العفائف ، وأمثال عائشة من النساء ، وصفوان بن المعطل من الرجال ، مبرّءون ومنزّهون مما رموا به ، ولمّا رمى يوسف بالفاحشة برّأه الله على لسان شاهد من أهل امرأة العزيز ، ولمّا رميت مريم بالفاحشة برّأها الله على لسان ابنها عيسى فى المهد ، وأما عائشة فلمّا رميت بالفاحشة برّأها الله تعالى بالقرآن ، فما رضى لها ببراءة صبى ولا نبىّ ، حتى برّأها الله بكلامه فى القرآن ، فقالت عائشة فى ذلك : أعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة : لقد نزل جبريل بصورتى فى راحته حتى أمر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يتزوجنى ؛ وتزوجنى بكرا وما تزوّج بكرا غيرى ؛ وتوفى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ورأسه فى حجرى ؛ وقبر فى بيتى ؛ وحفّت الملائكة ببيتى ؛ وكان الوحى يتنزّل عليه وهو فى أهله فينصرفون عنه ، وكان يتنزّل عليه وأنا معه فى لحافه فما يبيننى عن جسده ؛ وإنى لابنة خليفته وصديقه ؛ ونزل عندى من السماء ؛ وخلقت طيبة وعند طيّب ،

١١٦٦

ووعدت مغفرة ورزقا كريما ـ تعنى قوله تعالى : (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (٢٦) (النور) وهو الجنة. رضى الله عن عائشة وأرضاها ، وطيّب ثراها وآتاها حسن الثواب. والحمد لله رب العالمين.

* * *

٩٤٣. قصة ابن أم مكتوم : أعمى سورة عبس

تروى قصته سورة عبس ، ولو كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كاتما لشىء من القرآن ، لكتم سورة عبس التى عاتبة الله تعالى فيها أشد المعاتبة ، فقال : (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ) (١٦) (عبس ١ / ١٦).

والأعمى فى السورة هو ابن أم مكتوم ، وكان ابن خال خديجة زوجة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال عنه أهل المدينة اسمه عبد الله ؛ وقال عنه أهل العراق : اسمه عمرو ؛ واجتمع الاثنان على نسبه ، أنه : ابن قيس بن زائدة الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤى ؛ وأمه : أم مكتوم عاتكة ، بنت عبد الله بن عنكشة بن عامر بن مخزوم بن يقظة. واكتفى المختلفون فى اسمه : هو عبد الله أم عمرو ، بأن يقال عنه ويشار إليه بأنه ابن أم مكتوم وكفى ، وكانت أمه تشتهر بذلك لأنها عرفت بكتمان السرّ ، وقيل : كان ابن أم مكتوم أعمى ولم يكن ضريرا ، والأعمى هو الذى ذهب بصره بالكلية فى طفولته الباكرة ، أو أنه هكذا ولد ، بينما الضرير هو من كان مبصرا ثم أصابت عينيه آفة أضرّتهما ، من الضّر وهو الآفة أو المرض ، وابن أم مكتوم بقوله تعالى : (أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) (٢) يقال له أعمى ولا يقال له ضرير ، وأسلم صغيرا ، فحفظ القرآن كدأب العميان فى بلادنا ، واتخذ تعليم القرآن للصبية مهنة يتكسّب منها ، وصاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان جريئا ومعتزا بنفسه ، وكان يؤذّن للرسول مع بلال ، ولمّا أذن الرسول بالهجرة إلى المدينة كان ثانى المهاجرين ، وسبقه إليها مصعب بن عمير ، فتناوبا تعليم الناس القرآن وتلاوته عليهم ، وكان ابن أم مكتوم يؤم الناس فى الصلاة ، وانضم إلى أهل الصفّة لفترة ، ثم أنزله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم دارا كانت لمخرمة بن نوفل ، كانوا يستعملونها مخزنا للغذاء فسميت دار الغذاء وأوكلوه بمؤن المسلمين.

وقصة ابن مكتوم مع سورة عبس جرت بمكة وليس فى المدينة كما قال بعض المفسرين ، ولمّا وصفه القرآن أضفى عليه أحسن الصفات ، وشبّهه بالساعى الذى يستحث

١١٦٧

الخطى إلى الخير. والسعى مشقة تزيد فى حالة ابن أم مكتوم بسبب عماه ، فهو إذا سار تحسّس طريقه ، وعانى أشد المعاناة ليصل إلى مبتغاه ، وفى الواقعة التى مدارها سورة عبس كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مشغولا بجماعة من أعيان قريش من ذوى المكانة واليسار ، فلمّا وصل ابن أم مكتوم لم يجده مهيئا لاستقباله ، ولا لتلقى أسئلته والجواب عليها ، وكان يجادل أعيان قريش لعلهم يهتدون فيهتدى بهم آخرون ، فقطع ابن أم مكتوم عليه حديثه معهم وظل يأتيه عن شماله وعن يمينه ليسأله ويلحّ فى السؤال ، وظل يقول : يا رسول الله! أرشدنى ، ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم يريد أن يستكمل حديثه مع أضيافه ، فأشاح عنه ، وظل ابن أم مكتوم يلاحقه حتى تضايق منه ، وعبس ، وظل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع ذلك يقول لمحدثيه : يا فلان! هل ترى بما أقول بأسا! فيقول محدّثه : لا والدمى ـ يعنى والصنم وهو ما يتعبّده ، كقولنا : لا والله. ولم يكن هؤلاء الأعيان من الكفرة يرون إلا أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يجمع إليه أصحاب العاهات والزمنى والحمقى والسفلة والعبيد ، وفى ذلك قالت عائشة : إن رسول الله جعل يعرض عن ابن أم مكتوم ويقبل على الآخرين ـ تقصد القرشيين. وقيل : كان ممن تشاغل بهم عنه : الوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، وعتبة بن أبى ربيعة. وقيل : لم يكونوا جماعة بل شخصا واحدا فقط هو عمّه العباس. وقيل : بل كانوا جمعا ، ومنهم : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، والعباس بن عبد المطلب ، وأمية بن خلف ، والوليد بن المغيرة.

ومن الرواة من يسهب فيما كان يقوله ابن أم مكتوم وهو يقاطع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومن ذلك كان يقول : يا رسول الله ، علّمنى مما علّمك الله! وجعل يناديه باسمه يقول : يا محمد!. وكل هذا باطل وبهتان ، فما عرف عن ابن أم مكتوم إلا الأدب والتبجيل لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ويعذر لعماه فلم يلحظ انشغال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا مع من كان يتحادث ، وكانت الحادثة لذلك تذكرة للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما وصفها الله تعالى ، إلا أن المفسرين أسرفوا فى نقد سلوك ابن مكتوم ، ووصفوه بسوء الأدب لذلك إن كان قد علم بعد لأى انشغال النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والحق أن ابن أم مكتوم كان يتمتع بحدس قوى وبوسعه أن يخمّن من كان يحادثهم رسوله ، وأن يلمس بنفسه انشغاله ، ولكنه فيما يبدو كان يرى أن مهادنة الكفرة ليست من السياسة ، وكان يتيه بإسلامه عليهم ويعتز به ويفخر ، وابن أم مكتوم عرف عنه لذلك أن عماه فى بصره وليس فى قلبه ، ووصفه ربّه خير وصف فقال : (وَهُوَ يَخْشى) (٩) ، والذى يخشى الله هو التقىّ ، والتقوى جوهر الإيمان ، وهى الإسلام فى حقيقته ، وعلى عكس ذلك كان وصفه تعالى لموقف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بقوله : (فَأَنْتَ عَنْهُ

١١٦٨

تَلَهَّى) (١٠) ، أى يعرض بوجهه ويشغل بغيره ، وأصلها تتلهى ، تقول لهيت عن الشيء ألهى ، أى تشاغلت عنه ، والتلهّى التغافل ، وقوله تعالى : (كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ) (١١) كلمة ردع وزجر ، أى لا تفعل مثلها بعد ذلك أبدا ، وما فعله النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم هو أنه أقبل على الغنىّ الكافر ، وأعرض عن المؤمن الفقير ، والدرس المستفاد من القصة : أن الإسلام دين مساواة لا يحابى الأغنياء على حساب الفقراء ، ولا يحفل بالأشراف ويتناسى الضعفاء ، ولا يخشى المستقويين ويستقوى على المستضعفين ، فالناس فى الإسلام سواء ، من كان منهم فقيرا أو غنيا ، ومن كان من الكبراء أو من الصغراء ، ومن الرجال أو من النساء ، ومن الأعيان أو الهمّال ، فإن أردت تطبيقا للمساواة فى العالم كله ، فليس أوضح ولا أحسن من واقعة أعمى سورة عبس فى القرآن ، وليس أكبر من ذلك كلام فى المساواة ، والحادثة جليلة ، فمن شاء أن يتّعظ بها فليتذكر هذا الفقير المعوّق الأعمى ، كيف رفعه الإسلام ، فذكره فى صحف القرآن المكرمة ، كتبها سفرة بررة ، أسفروا عنها ووضّحوها ، وربما المقصود بهم الملائكة ، حفظوا الحادثة فى كتاب لا يضيع ولا يبلى ، أو أنهم أصحابه صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، الكاتبون لآيات التنزيل ولم يكن العتاب للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع ذلك إلا عتاب المحب لحبيبه ، أو المعلم لتلميذه ، وأخبر القرآن عنه بالغائب وقال (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ولم يقل «عبست وتوليت» ، تعظيما لشأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم واجهه بالخطاب تأنيسا له فقال : (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) (٣) ، أى ما يعلمك أنه قد جاءك يستزيدك من العلم بالدين فيزداد طهارة وتزول عنه ظلمة الجهل ؛ أو أن الاستفهام فى الآية يعنى : هل بإعراضك عن المؤمن ، تظن أن الكافر سيهتدى كما تطمع؟ ويروى أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد هذه السورة ، كان إذا رأى ابن أم مكتوم قادما إلى مجلسه ، بسط له رداءه يقول : «مرحبا بمن عاتبنى فيه ربّى» ، وكان يسأله على الدوام كلما رآه وسلّم عليه : «هل من حاجة؟» واستخلفه على المدينة فى ثلاث عشرة غزوة ، وكان ابن أم مكتوم يصلى بالناس وهو أعمى ، ويخطب إلى جنب المنبر ، ويجعله على يساره ، وكان إذا حضر النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أذّن بلال ، وأقام ابن أم مكتوم ، وربما يؤذن ابن أم مكتوم ويقيم بلال ، وفى رمضان كان بلال ينادى بليل ، فأمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم الناس أن يأكلوا ويشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم ، وكان بسبب عماه لا ينادى حتى يقال له : أصبحت أصبحت ـ يعنى ينبّهوه أن الفجر قد حان ـ وكان يتوّخاه ولا يخطئه.

وهذا الأعمى الذى يخشى الله تعالى وتحدّث فيه القرآن بما تحدّث ، وأعلى من قدره ، ورفعه إلى السماكين ، لم يستنكف اليهود أن يشنّعوا عليه ، فقالوا إنه قتل يهودية من أهل المدينة كانت ترفقه ـ يعنى ترشده فى سيره ، ولكنها كانت تؤذيه فى دينه وتسخر منه ،

١١٦٩

فضربها ، قيل فقتلها ضربا ، أى ضربها فأوجعها ، وقيل يعنى ضربها ضربا أفضى إلى الموت ، ورفع أمره إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فدافع عن نفسه بأنها كانت تؤذيه فى الله ورسوله ، قيل إن النبىّ حكم بأنها لمّا آذته فى دينه أبطلت دمها! ـ وهذا كذب وافتراء ، لأنه يخالف القرآن الذى جعل النفس بالنفس ، ولم يفرّق بين أن يقتل المسلم مسلما ، أو يقتل يهوديا ، طالما لم يخرجه اليهودى من داره ، ولم يقصد إلى قتله ، ولم يمنعه من دينه ، ولقد حكم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لليهودى ضد طعمة بن أبيرق المسلم لمّا اتّهم اليهودى بسرقة لم يقم بها ، وعفا عن لبيد بن أعصم اليهودى الذى سحر له ولم يؤذه ، ولم يعرف عن ابن أم مكتوم إلا أنه من المتّقين ، وبلغ من حرصه لما نزلت الآية : (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أن بكى وقال : يا ربّ! ابتليتنى فكيف أمتنع؟ فنزلت : (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) (النساء ٩٥) ، قال زيد بن ثابت : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أملى عليه الآية هكذا : (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) ، ولمّا جاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها ، فقال : يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت! فأنزل الله على رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان فخذه على فخذى ، فثقلت علىّ حتى خفت أن ترضّ فخذى ، ثم سرى عنه ، فأنزل الله : (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ، وعن ابن عباس أن عبد الله بن جحش ، وابن أم مكتوم ، هما اللذان قالا للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إنّا أعميان فهل لنا رخصة؟ فنزلت : (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) فصار بها ابن أم مكتوم من القاعدين غير أولى الضرر ، واستثنى أن يكون المجاهدون مفضّلين عليه ، وكانت (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) من بركاته ، ومخرجا لذوى الأعذار تبيح لهم ترك الجهاد ، من العمى وغيره ، كالعرج والمرض ، فهذه أول مرة فى الديانات السماوية التى يحفل فيها بالمعوقين ، ويساوون بالمجاهدين فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم!! وفى هؤلاء المعوقين قال رسول الله أعظم إعلان فى التاريخ قاطبة : «إن بالمدينة أقواما ما سرتم من سير ، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه». قالوا : وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال : نعم ، حبسهم العذر ـ يعنى المعوقين كالمجاهدين تماما لهم نفس الأجر ، وفى مثل ذلك قال الشاعر يعتذر عن المعوقين ويوجز موقف الإسلام منهم حين العجز عن الحج كغيرهم من الأسوياء :

يا راحلين إلى البيت العتيق لقد

سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا

إنّا أقمنا على عذر وعن قدر

ومن أقام على عذر فقد راحا

ويروى أن ابن أم مكتوم لما نزلت آية تفضيل المجاهدين عن القاعدين بكى وصاح يدعو الله : أى ربّ! أنزل عذرى! أنزل عذرى أى ربّ! ـ فأنزل الله (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ، قيل

١١٧٠

فجعله إنصاف الله له ، يتحدّى الإعاقة ، ويخرج يغزو مع الغازين ، رغم الرخصة له ، وكان يصيح «وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب» ، ويصرخ فيمن حوله : ادفعوا إلىّ اللواء ـ أى الراية ـ فإنى أعمى لا أستطيع أن أفر ، وأقيمونى بين الصفين!! وقيل خرج ابن أم مكتوم لذلك يوم القادسية ، يجاهد فى سبيل الله وعليه درع سابغة ، وكان يقاتل ومعه الراية ، ثم رجع إلى المدينة فمات بها سنة ٢٣ ه‍ (٦٢٣ م) قبيل وفاة عمر. رحمه‌الله ، والحمد لله على الإسلام والقرآن (انظر أيضا موجز سورة عبس وتولى).

* * *

٩٤٤. قصة عبد الله بن سلام مع النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم واليهود

كان عبد الله بن سلام يهوديا وأسلم قبل موت النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بسنتين ، وفى سورة الأحقاف يأتى عنه : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠) ، وكان اليهود ينكرون أن القرآن من عند الله ، ويقولون إن التوراة فقط هى الكتاب الربّانى ، وأن الله لا يرضى بديانتين ولا باختلاف الناس فى الشرائع ، وردّ القرآن على ادعاءاتهم أن الله أنزل القرآن مصدقا لكتاب موسى ، واختلف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واليهود فى مسألة الزنا ، فردّ ذلك إلى التوراة ، وأنكروا أن يكون الرجم عقوبة الزنا فى التوراة ، وكان عبد الله بن سلام حاضرا فأيّد النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، واستخرج آية الزنا فى التوراة (سفر الاشتراع ٢٢ / ٢٠ ـ ٢٣) ، فهذا هو الشاهد من بنى إسرائيل ، وكانت تلك الواقعة سببا فى إيمانه ، لمّا رأى لجاجة اليهود ، وميلهم عن الحق ، واستكبر أقرانه وظلوا على غيّهم. والبعض أنكر أن يكون الشاهد ابن سلام ، لأن السورة مكية ، وابن سلام أسلم متأخرا فى المدينة ، والردّ على ذلك أن كثيرا من الآيات كانت مدنية وأمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أن يكون مكانها بين سور مكية ، وأن هذه الآية منها ، وأن الدليل على أنها مدنية أن المحاجّة بين النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واليهود لم تكن بمكة وإنما بالمدينة فهذه الآية بهذا الدليل مدنية قطعا ، والشاهد فيها هو فعلا عبد الله بن سلام.

* * *

٩٤٥. قصة الذى قال لوالديه أفّ لكما

قيل : إنه عبد الله بن أبى بكر : قال فيه الله تعالى : (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ) (١٨) (الأحقاف) ، وهذا كذب لأن عبد الله أسلم قديما فى مكة ، وكان

١١٧١

يأتى بالأخبار إلى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبى بكر ، فى الغار فى الطريق إلى المدينة لمّا بدءا الهجرة.

وقيل : هو عبد الرحمن بن أبى بكر : تأخّر إسلامه ، وكان أبوه وأمه ـ أم رومان ـ يدعوانه إلى الإسلام ، ويتحدثان إليه عن الآخرة والبعث ، فكان يصف كلامهما بأنه كلام قديم ، من أساطير الأولين. وأنكرت عائشة أن يكون هو عبد الرحمن ، لأن عبد الرحمن كان صحابيا ومن رواة الحديث. وكيف يقال إن الآية فى عبد الرحمن ، والله تعالى يقول عن هذا الذى قال لوالديه أفّ لكما إنه من الذين حقّ عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم كانوا خاسرين؟ ، ومعنى «حقّ عليهم القول» يعنى حقّ عليهم العذاب ، والعذاب لا يكون إلا للكفرة ، وعبد الرحمن كان مؤمنا ومصدّقا ، ومن أفاضل المؤمنين المصدّقين؟! والصحيح إذن أن هاتين الآيتين نزلتا عامتين فى إنسان عاق لوالديه ، وهذا منه كثير فى مجتمعاتنا قديما وحديثا على السواء. وفيما قيل من قصة «هذا الذى قال لوالديه أفّ لكما» : أن معاوية كتب إلى مروان بن الحكم فى المدينة ليبايع الناس ليزيد ابنه ، فقال عبد الرحمن بن أبى بكر تريدونها هرقلية (نسبة إلى هرقل ملك الروم)؟! كلما مات قيصر خلفه قيصر آخر هو ابنه؟! لا والله لا نفعل ذلك أبدا! أتبايعون لأبنائكم؟! فقال مروان ساخرا منه ومستهزئا : هو الذى يقول الله فيه : «والذى قال لوالديه أفّ لكما» الآية! وكانت عائشة حاضرة فقالت : والله ما هو به! ولو شئت لسمّيت ، ولكن الله لعن أباك وأنت فى صلبه ،! فأنت فضض من لعنة الله! تقصد أنه ضمن من لعنهم الله ، بل وأقلهم شأنا. وقيل إن الآية : (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا) (الأنعام ٧١) نزلت فى عبد الرحمن ، وكان يدعو أباه إلى الكفر ، وأبواه والمسلمون يدعوانه إلى الإسلام ، وهو معنى قوله تعالى : «له أصحاب يدعونه إلى الهدى» فيأبى. وقيل فى عبد الرحمن : إنه شهد بدرا وأحدا مع الكفّار ، وأنه دعا إلى البراز. فقام إليه أبوه ليبارزه؟! وقيل : ثم إنه أسلم وحسن إسلامه ، وصحب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى هدنة الحديبية. فهذا ما يتقوّلونه عليه ، وأهل السّير يرددون ذلك دون تمحيص ولا تثبّت ، وجلّ أهل السير إما من الشيعة أو من الشعوبيين ، وشغلهم الشاغل ما استطاعوا ، أن يشنّعوا على رموز الإسلام. وعبد الرحمن كان من الثقاة عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكاد يستدعيه ليكتب كتابا فى مرض موته يوصى بأن يخلفه أبو بكر ، وكان عبد الرحمن كاتبا وشاعرا ، وله فى الجاهلية غزل فى ليلى بنت الجودى ، وكان اسمه عبد الكعبة ، فسمّاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم عبد الرحمن ، فنسبه إلى أشرف وأسنى اسم لله تعالى ، وكان من أشجع قريش وأرماهم بسهم ، وحضر اليمامة وشهد غزو إفريقية ، وحضر وقعة الجمل مع أخته عائشة ، ودخل

١١٧٢

مصر ، وحضر الشام ، وتزوج ليلى التى هام بها. ولمّا رفض عبد الرحمن أن يبايع ليزيد وحضّ الناس على عدم المبايعة ، بعث إليه معاوية بمائة ألف درهم ، فردّها وخرج من المدينة من وجه مروان بن الحكم الظالم المستبد عامل معاوية عليها ، ودخل مكة فمات فيها قبل أن تتم البيعة ليزيد ، وظلت عائشة تعتقد أن عبد الرحمن مات مسموما بطريقة معاوية فى التخلص من أعدائه. ولعبد الرحمن فى كتب الأحاديث ثمانية أحاديث. فهذا بعض تاريخ من قالوا عنه إن القرآن نزل فيه مرتين يقصّ عن كفره ، والله المستعان ، وكما قالت عائشة فإن القرآن لم ينزل فى أحد من أهلها إلا فيها حديث الإفك ، وفى أبيها فيما كرّمه به ربّه من الذكر عن الهجرة ، والغار ، والمسارعة إلى تصديق النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، سواء فى الدعوة إلى الإسلام ، أو فى الإسراء ، أو فى غير ذلك من المواقف ، حتى أنه كان الرجل الأول ضمن الأجلاء من الصحابة. فهذا ما نزل فيه القرآن من أفراد عائلة أبى بكر.

* * *

٩٤٦. قصة الجن يستمعون إلى القرآن

الجن من مخلوقات الله ولكنهم غير مرئيين من الإنسان أو من سواه ، والجن فى اللغة من الاستتار والاختفاء ، والجنّى الواحد ، والجنيّة الأنثى ، واسم الجمع الجان ، وهم أمم كما يخبرنا القرآن ، ومنهم الكافر ومنهم المؤمن ، وقيل إبليس رئيسهم ، وحكومتهم فى الأرض هى الحكومة الخفية ، وكانوا يخدمون سليمان ، وبعض الناس يعوذون بالجن ، ومن الناس من يعبد الجان ، وهؤلاء المسمون عبدة الشيطان.

وقصة الجن مع النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم متعلّقها القرآن لا غير ، فما كانت له صلات بالجن ، ولا بعث إليهم ، ولم يرهم ، وما عرفناه من ذلك جاءنا من القرآن ، وفيه سورة بأكملها عن الجن وهى من السور المكية ، وتتحدث عن تأثير القرآن فيهم ، توبيخا لأهل مكة الذين كانوا على الكفر ، فحتى الجن ، منهم من آمن لمّا استمعوا للقرآن ، وما آمن أهل مكة المنزّل عليهم القرآن خصيصا ، والمعنىّ بهم فى المحل الأول؟! ويأتى فى أول القصة ـ عند ما فوجئ الجن بمنعهم من التنصّت إلى السماء ، وبزيادة الحرس عليها ، وبالشّهب الكثيرة يرمون بها كلما اقتربوا منها ، أنهم تساءلوا عن معنى ذلك فاستنبطوا أن أمرا جللا لا بد قد حدث على الأرض واستوجب هذا الإجراء. وذهب الجن يتوزّعون فرقا ، يتعرّفون السبب ، ويتلمّسون الداعى ، إلى أن كانوا ببطن نخلة فى طريقهم إلى عكاظ ، وهناك عثروا على جماعة من المسلمين يؤمّهم النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويتلو عليهم القرآن ، فتوقفوا ينظرون ويسمعون ، وعجبوا أشد العجب ، ونقلوا ما رأوا وسمعوا إلى قومهم ، فكان نزول سورة الجن ، تعلم

١١٧٣

النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بما جرى ، وفيها : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) (٣) ، وظاهر السورة يدل على أنه لم يرهم ، فالمسألة مجرد استماع منهم ، والمعرفة بما جرى تسلية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم بعد أن أنكر أهل مكة ، وجحدوه وعاندوه واستهزءوا به. وما كانت قراءته للجن أصلا. ولمّا رأوه يصلى وأصحابه يصلون بصلاته ، ويسجدون بسجوده ، تأثروا فقال فيهم القرآن : (لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) (١٩) (الجن). وقيل إن الذين أتوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم واستمعوا له جماعتان من الجن ، فجماعة استمعت إليه فى مكة ، وهؤلاء هم «جن سورة الجن» ، وجماعة استمعت إليه فى نخلة بعد أن توجه لهداية ثقيف ، وفى عودته كان وحده ، وصلى وحده كذلك ، وهؤلاء هم «جن سورة الأحقاف» ، يقول تعالى : (وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٣٢) (الأحقاف). وقيل إن النبىّ لمّا مات أبو طالب ، خرج وحده إلى الطائف يلتمس النصر من ثقيف ، فأغروا به عبيدهم وسفهاءهم يسبّونه ويضحكون به ، حتى اجتمع إليه الناس ، وألجئوه إلى حائط ، فجلس يشكو إلى الله أعظم الشكاية ، يقول : «اللهم إنى أشكو إليك ضعف قوتى ، وقلة حيلتى ، وهوانى على الناس ، يا أرحم الراحمين. أنت ربّ المستضعفين ، وأنت ربّى ، لمن تكلنى؟ إلى عبد يتجهمنى ، أو إلى عدو ملّكته أمرى؟! إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالى ، ولكن عافيتك هى أوسع لى ، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بى غضبك ، أو يحلّ علىّ سخطك. لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك». ثم إنه قام من الليل يصلى ويتلو القرآن ، فتجمع عليه الجن واستمعوا له كما ذكرنا. وقيل كانت السورة التى تلاها (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) (١) (العلق).

وغير صحيح أن يقال إن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى الجن ، ويسمّون تلك الليلة التى استمع له فيها الجن : ليلة الجن ، وكانت بمكة كما ذكرنا. ويروى عن ابن مسعود كلام غريب هو من الإسرائيليات ، قال إنهم افتقدوا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم تلك الليلة ، فالتمسوه فى الأودية والشعاب حتى ظنوا أنه استطير أو اغتيل ، وباتوا شرّ ليلة ، فلما كان الصبح إذ هو قادم من قبل حراء ، فقال : «أتانى راعى الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن». وقيل إن فى الجن

١١٧٤

روايتين : رواية ابن مسعود عن جن مكة ، ورواية ابن عباس عن جن نخلة. وقيل رواية ابن عباس عن أول مرة تستمع فيها الجن إلى قراءة النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأما رواية ابن مسعود فكانت القراءة فيها عند أحد الشعاب ولم يحضرها ابن مسعود ، والروايتان جميعا خرافات. وسورتا الجن والأحقاف كلاهما مكية ، غير أن الجن تأتى أولا فى التنزيل فهى أسبق من الأحقاف. وفى سورة الجن يأتى وصف القرآن وإيمان الجن وتنزيههم لله ، ونقدهم لأقوال السفهاء فيه ، ولاستبعادهم لفكرة النبوة والأنبياء ، وتقسيمهم الجن إلى مؤمنين وكافرين ، وأنهم لما سمعوا القرآن أسلموا. وفى سورة الأحقاف وصف للقرآن بأنه مصدق لكتاب موسى ، ويبشّر بالتوحيد ، ويدعو إلى الله.

* * *

٩٤٧. ساعة العسرة وغزوة تبوك

الساعة مصطلح قرآنى ، ومنه معنى الساعة الزمنية التى نعرفها ، كقوله تعالى : (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ) (٤٥) (يونس) ، إلا أن المعنى الغالب فى القرآن هو القيامة : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها) (١٨٧) (الأعراف). وأما «ساعة العسرة» : فهى غزوة تبوك ولم يرد بها ساعة معينة ، والمراد وقت العسرة ، أو أن ساعة العسرة هى أشد الساعات التى مرت بهم فى تلك الغزاة. والعسرة صعوبة الأمر ، فقد اجتمعت على المسلمين عسرة الظّهر ، وعسرة الزاد ، وعسرة الماء ، ولم تكن لديهم ركائب فكانت الجماعة من المسلمين يخرجون على البعير الواحد يتعقّبونه بينهم ، وزادهم التمر المتسوّس ، والشعير المتغيّر ، والإهالة (الشحم المذاب) المنتنة ، وكان الواحد من النفر يخرج التمرة فيلوكها حتى يجد طعمها ، ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جرعة ماء وهكذا ، حتى لا يبقى من التمرة إلا النواة. وفى ذلك أتى عن المهاجرين والأنصار : (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) (١١٧) (التوبة) وعن عمر : أن ساعة العسرة كانت فى تبوك ، وهى العطش الشديد حتى كان المسلمون يعصرون الفرث (الزبل) ليستخلصوا الماء! وعن أبى هريرة : أن ساعة العسرة كانت مجاعة نزلت بالمسلمين الذين كانوا فى غزوة تبوك. وسمّى لذلك جيش تبوك : جيش العسرة ، فقد كان المسلمون فى حمارة القيظ ، فغلظ عليهم وعسر. ولم يكن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قد غزا من قبل فى مثل هذا العدد من الغزاة ، ففي بدر كان المسلمون : ثلاثمائة وبضعة عشر ؛ ويوم أحد : كانوا سبعمائة ، ويوم خيبر : كانوا ألفا وخمسمائة ؛ ويوم الفتح : كانوا عشرة آلاف ؛ ويوم حنين : كانوا اثنى عشر ألفا ؛ وفى غزوة تبوك : كانوا ثلاثين ألفا وزيادة ، وهى آخر مغازيه صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وكان خروجه فى

١١٧٥

رجب ، وأقام بتبوك شعبان وأياما من رمضان. وقيل لها غزوة تبوك ، لأن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم رأى المسلمين يأخذون حسى تبوك (أى ترابها) ويبوكونه ، أى ينغزون الأرض بأرجلهم ليثيروا الماء ، ويأخذون الرمل الناتج فى الأقداح ، ويحرّكونه ليفصلوا الماء عنه ، فسميت الغزوة بما كانوا يفعلونه وهو تبويكهم للرمل والماء.

* * *

وينتهى بحمد الله ومنّته الباب السابع من الموسوعة ويبدأ

إن شاء الله الباب الثامن عن «أمثال وحكم القرآن».

* * *

١١٧٦

الباب الثامن

٩٤٨. أمثال وحكم القرآن

ضرب الله الأمثال فى القرآن فهدى ، وضرب المنكرون الأمثال فضلّوا فلا يستطيعون سبيلا. والأمثال لها تأثيرها فى القلوب ، وفيها من الحكمة الكثير ، وهى أبلغ فنون الكلام ، ولذلك حفل بها القرآن ، وجعلها الله من دلائل رسله ، وأوضح بها الحجّة على خلقه ، لأنها فى الأذهان معقولة ، وفى الأسماع مقبولة ، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكّرون ، ولقد ضرب فى القرآن من كل مثل حتى لقد صار «علم أمثال القرآن» من أعظم علومه ، وشملت أمثاله كل مسائل العقيدة ، يقرّب بها المجرّد ويصوّره محسوسا ماديا ، ويصوغه خبرات من المشاهد اليومية من حياتنا العملية ، فيها العلم والسداد ، ومكارم الأخلاق ، وشرف العمل ، وشئون الناس والأفراد والعائلات والدول والمجتمعات ، ومسائل الزواج والطلاق ، وقضايا الدنيا والدين ، وقصص من التاريخ عن الذين خلوا ، موعظة للمتّقين ، كقوله تعالى : (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (٣٣) (الفرقان) ، يصحح بها حجج المعترضين ، وروايات المتخرّصين ، ويسرد صحيح القصة ويفسّرها بلا تحريف.

وما أكثر الأمثال فى التلمود ، وفى سفر المزامير عند اليهود ، وعندهم سفر خاص بالأمثال ، ومن أقوالهم فيه : مخافة الربّ رأس العلم والحكمة والتأديب. طوبى للإنسان الذى وجد الحكمة ، وللرجل الذى نال الفطنة. الحكمة هى الرأس فاكتسب الحكمة ، وبكل كسبك اكتسب الفطنة. لا تلتفت إلى إغراء المرأة. اذهب إلى النملة أيها الكسلان وانظر طرقها وكن حكيما. إنها ليس لها قائد ولا مدير ولا حاكم ، وتعدّ فى الصيف طعامها ، وتوعى فى الحصاد أكلها ، فإلى متى ترقد إيها الكسلان؟ ومتى تنهض من نومك؟ الحكمة بنت بيتها ، ونحتت أعمدتها السبعة ، وذبحت ذبائحها ، ومزجت خمرها وصفّفت مائدتها ، وأرسلت جواريها تنادى على مشارف المدينة : من هو غرّ فليمل إلى هنا ، وتقول لكل فاقد اللّب : هلموا كلوا من خبزى واشربوا من الخمر التى مزجت ، واتركوا الغرّارة واحيوا ، وانهجوا طريق الفطنة. أول الحكمة مخافة الربّ ، وعلم أولياء الله الفطنة. الابن الحكيم يسرّ أباه ، والابن الجاهل غمّة لأمه. كنوز النفاق لا تنفع ، والبرّ ينقذ من الموت. الذى يحبّ التأديب يحب العلم ، والذى يبغض التوبيخ بليد. الابن الحكيم من تأديب أبيه ، وأما الساخر فلم يسمع الانتهار .. إلخ. وأكثر الأمثال عند اليهود ألّفها سليمان واشتهر بها ، وموضوع «سفر الأمثال» الذى وضعه هو الحكمة ، وقد تكون وجيزة أو

١١٧٧

رمزية. ومن أشهر أمثال اليهود أحجية شمشون إلى الضيوف عند زفافه. قال : خرج من الآكل أكل ، ومن الشديد حلاوة (القضاة ١٤ / ١٥). واستخدم المسيح فى الأناجيل الأمثال للتعليم ، وعددها فى الأناجيل الأربعة ٢١ مثلا ، منها فى متّى (١١ / ١٢) ، مثل الخروف الضال ، يقول : «فإنما جاء ابن البشر ليخلص ما قد هلك. ما ذا تظنون إذا كان أحد له مائة خروف فضلّ واحد منها؟ أفلا يترك التسعة والتسعين فى الجبال ويمضى فى طلب الضال؟» ـ ومثل الغنى الغبى فى لوقا (١٢ / ١٦ ـ ٢١) ، يقول : «أغلّت له أرضه كثيرا ، ففكر ما ذا يصنع ، وأين يخزّن غلاله لينتفع بها فى باقى عمره؟ ولكنه يموت فجأة ولا ينتفع بشيء ، فهكذا من يدّخر لنفسه وهو غير غنى بما لله ، فلهذا لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون ولأجسادكم بما تلبسون».

ومن عبارات القرآن التى تجرى مجرى الأمثال فى سورة البقرة : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) (٤٤) ؛ (وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) (١٤) ؛ (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) (١٩١) ؛ (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (١٩٥) ؛ (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) (١٩٧) ؛ (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ) (٢٠٤) ؛ (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) (٢١٦) ؛ (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) (٢١٧) ؛ (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (٢٢١) ، (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) (٢٢١) ؛ (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) (٢٣١) ؛ (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) (٢٣٣) ؛ (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) ؛ (وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ) ؛ (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ) (٢٣٦) ؛ (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) (٢٥٦) ، (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (٢٦٠) ؛ (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً) (٢٦٣) ؛ (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ) (٢٦٩) ؛ وفى سورة آل عمران : (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) ؛ (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) ؛ (كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٤٧) ؛ (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (٦٠) ؛ (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (١٠٣) ؛ (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) (١٠٦) ، (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ) (١٦٠) ؛ (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) (١٨٥) ؛ وفى سورة النساء : (فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) (١٩) ؛ (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) (٢٨) ؛ (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً) (٣٦) ؛ (وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (٥٨) ؛ (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (٧٨) ؛ (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ

١١٧٨

مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (٧٩) ؛ (مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها ؛ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) (٨٥) ؛ (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (١٢٨) ؛ (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) (١٢٩) ؛ وفى سورة المائدة : (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) (٢) ؛ (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا) (٢٤) ؛ (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) (٣٢) ؛ (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) (٤٨) ؛ (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ) (٨٢) ؛ وفى سورة هود : (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) (٨١) ؛ (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً) (٨٢) : (يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ) (٥) ؛ (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) (٧٨) ؛ (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) (٨٥) ؛ (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) (٨٨) ؛ (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ) (٩٣) ؛ وفى سورة يوسف : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (١٨) ؛ (الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ) (٥١) ؛ وفى سورة الرعد : (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) (٣٨) ؛ وفى سورة إبراهيم : (أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ) (١٨) ؛ وفى سورة الإسراء : (كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) (٨٤) ؛ وفى سورة طه : (وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى) (٦١) ؛ وفى سورة الأنبياء : (نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ) (١٨) ؛ (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» ، «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (٣٥) ، (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) (٣٧) ؛ وفى سورة الحج : (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ) (١٠) ، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ) (١١) ، (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (٧٣) ؛ وفى سورة الروم : (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى) (٥٢) ؛ وفى سورة الأحزاب : (ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (٤) ؛ وفى سورة فاطر : (زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) (٨) ، (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (١٤) ؛ (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (٤٣) ؛ وفى سورة يس : (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ) (٧) ؛ (طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ) ؛ وفى سورة الصافات : (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) ؛ وفى سورة ص : (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) (٣) ؛ (إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) (٥) ؛ (إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ) (٦) ؛ (إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ) (٧) ؛ وفى سورة غافر : (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها) (٥٩) ؛ وفى سورة الدخان : (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) (٢٩) ؛ وفى سورة النجم : (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ) (٢٨) ؛ وفى سورة القمر : (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) (٢٠) ، (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) (٦٠) ؛ وفى سورة المعارج : (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) (٢١) ؛ وفى سورة القيامة : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) (٣٦) ؛ وفى سورة الإنسان : (وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً) (٢٢) ؛ (إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ) (٢٧) ؛ (وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ) (٣٠) ؛ وفى سورة المرسلات : (إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ) (٧) ؛ (هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) (٣٥) ؛ (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا

١١٧٩

قَلِيلاً) (٤٦) ، (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (٥٠) ؛ وفى سورة النازعات : (تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ) (١٢) ؛ وفى سورة الطارق : (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ) (١٤) ؛ وفى سورة الشرح : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (٥) ؛ وفى سورة التين : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ) (٥) ؛ وفى سورة العلق : (عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) ؛ وفى سورة العاديات : (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) (٦) ؛ (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (٨) ؛ وفى سورة العصر : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) (٢) ؛ وفى سورة الكوثر : (إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (٣).

وأيضا فإن من الأمثال ما لا يستحضر للاستشهاد به ، كالحكم وجوامع الكلم ، وإنما هى لتقريب المعانى ولا يعلمها إلا العالمون ، ويضربها الله للناس لعلهم يتفكّرون ، كمثل أهل الضلال : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) (البقرة ١٨) ، وتقديره : قد اشتروا الضلالة بالهدى ، وصاروا بعد البصيرة إلى العمى ، يشبّههم بمن استوقد نارا ، فلمّا أضاءت ما حوله وأبصر بها واستأنس ، طفئت فجأة وصار فى ظلام شديد ؛ ومثل الذين كفروا : (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً) (البقرة ١٧١) : يضرب لما هم فيه من الجهل والغى ، كأنهم الدواب السارحة التى لا تفقه ما يقال لها ؛ ومثلهم المفتونين : (مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا) (البقرة ٢١٤) ، ويضرب لمن يظن أنه آمن ولما يفتن ويختبر ؛ ومثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله : (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) (البقرة ٢٦١) ، يضرب للمجاهدين ، يضاعف لهم أجر ما ينفقون إلى سبعمائة ضعف ؛ ومثل المرائين : (كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً) (البقرة ٢٦٤) ، فهؤلاء ينفقون وما يتقبّل منهم ؛ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم : (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ) (البقرة ٢٦٥) ، فعمل المؤمن لا يبور ويكثره الله وينمّيه ؛ ومثل عيسى عند الله : (كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (٥٩) (آل عمران) ، فإن جاز ادّعاء النبوة فى عيسى لكونه مخلوقا من غير أب ، فجواز ذلك فى آدم بالطريق الأولى ؛ ومثل الذى لا يتّعظ بآيات الله : (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ) (الأعراف ١٧٦) ، فهو لا ينتفع بالموعظة ، تدعوه أو لا تدعوه لا يؤمن ، كالكلب يلهث فى الحالين : إن تتركه أو تحمل عليه ؛ ومثل المكذّبين : (ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ) (١٧٧) (الأعراف) ؛ ومثل الحياة الدنيا : (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ) (يونس ٢٤) ؛ ومثل الذين يصدّون عن الإيمان والذين آمنوا وعملوا الصالحات : (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً) (هود) ؛ ومثل الذين يدعون من دون الله لا يستجيبون لهم بشيء

١١٨٠

(كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ) (الرعد ١٤) ؛ ومثل الحق والباطل : (قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ) (١٧) (الرعد) ؛ ومثل المتّقين : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها) (الرعد ٣٥) ؛ و (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ) ، ونقيض هؤلاء مثلهم : (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) (إبراهيم ١٨) شبّه أعمالهم بالرماد تشتد به الريح فتذروه ، فكأنهم هباء منثور ، كقوله : (مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) (آل عمران ١١٧) ؛ ومثل اليتامى : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) (النساء ١٠) ، ومثل الحيران : (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا) (الأنعام ٧١) ؛ ومثل الميت الذى أحياه الله : (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها) (الأنعام ١٢٢) ؛ ومثل المنسلخ من آيات الله : (الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ) (١٧٥) (الأعراف) ؛ ومثل الآكل لحم أخيه : (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات) ؛ مثل الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ) (٢٤) (إبراهيم) ؛ (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ) (٢٦) (إبراهيم) ؛ (لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) (النحل) مثلهم كالشيء الناقص ، فى حين أن الكمال المطلق من وجه هو مثل الله تعالى وينسب إليه ؛ ومثل الحياة الدنيا : (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ) (الكهف ٤٥) ، كقوله : (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ) (يونس ٢٤) ، وقوله (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً) (الحديد ٢٠) ؛ والمثل المشهور للذباب : (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (٧٣) (الحج) ، فتحّداهم أن يخلقوا كخلقه ولو ذبابة واحدة ، أو حتى أن يستنقذوا شيئا سلبهم الذباب ، فما أضعف الذباب والإنسان ؛ والمثل الذى ضربه الله تعالى

١١٨١

لنوره : (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ) (النور ٣٥) ؛ ومثل السراب : (كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) (النور ٣٩) ؛ (أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها) (النور ٤٠) ؛ وأروع الأمثلة هو مثل العنكبوت للمشركين فى اتخاذهم آلهة من دون الله : (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) (العنكبوت ٤١) فليس فى أيدى هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت ، فإنه لا يجدى عنه شيئا ، (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ) (الحشر ١٥) وهؤلاء هم اليهود ، (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) (١٦) (الحشر) ، فمثلهم فى اعتزازهم بأنصارهم كمثل الشيطان يسوّل لهم الكفر ثم يتبرأ منه ؛ ومثل الجبل يتنزل عليه القرآن : (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (٢١) (الحشر) ، وهذا المثل أعظم أمثال القرآن فى بيان عظمة القرآن ؛ ومثل اليهود حمّلوا التوراة : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ) (الجمعة ٥) فقد حفظوا التوراة ولكنهم لم يتفهموها ، ولا عملوا بها ، فهم أسوأ حالا من الحمار. والأمثلة كثيرة فى القرآن : كمثل البعوضة فما فوقها (البقرة ٢٦) ؛ ومثل العبد المملوك ، والعبد المرزوق ، والأول الذى لا يقدر على شىء ـ وهو الكافر ، والثانى يرزق الرزق الحسن ، ينفق منه سرّا وجهرا ـ وهو المؤمن (النحل ٧٥) ؛ ومثل الأبكم الذى لا يقدر على شىء وعياله على مولاه ؛ ومثل العادل الذى مقاله حق وفعاله مستقيمة ، هل يستويان؟ (النحل ٧٦) ؛ ومثل القرية التى كانت مرزوقة وآمنة مطمئنة ، فكفرت بأنعم الله ، فأذاقها لباس الجوع والخوف (النحل ١١٢) ؛ ومثل الرجلين المشرك والمؤمن ، والمشرك له جنتان ، فتفاخر على صاحبه المؤمن وأنكر المعاد ، فعاقبه الله وأحيط بثمره ، فأصبح من النادمين (الكهف ٣٢ / ٤٤) ؛ والمثل من النّفس : (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) (الروم ٢٨) ، يقول هذا المثل تشهدونه فى أنفسكم ، فأنتم لا ترضون أن يشارككم مواليكم فى أموالكم ، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟ وتجعلون له ما تكرهون؟ ومثل أصحاب القرية ، أرسل الله إليهم رسولين واتبعهما بثالث فما ازدادوا إلا كفرا (يس

١١٨٢

١٣ / ١٦) ؛ ومثل المنكر للإحياء بعد الممات ، يفت عظم الموتى ويذروه ويسأل : يا محمد ، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ ونسى نفسه أن الله خلقه من العدم (يس ٧٨) ؛ ومثل العبد المشترك بين اثنين يتنازعانه فيما بينهما ، والعبد الذى يملكه واحد ، فهل يستويان ، وكذلك لا يستوى المشرك الذى يعبد آلهة مع الله ، والمؤمن الذى لا يعبد إلا الله ، فأين هذا من هذا (الزمر ٢٩) ؛ ومثل أتباع محمد ، فى التوراة والإنجيل كشطء الزروع (الفتح ٢٩) ؛ ومثل امرأة نوح وامرأة لوط (التحريم ١٠) ، كانتا تحت نبيّين ، فلم يغن عنهما ذلك لمّا كفرتا ؛ ومثل امرأة فرعون (التحريم ١١) ، كانت زوجة كافر فصبرت ؛ ومثل مريم أم عيسى (التحريم ١٢) ، أحصنت نفسها فكملت وكانت صدّيقة ؛ فهذه نحو الستين مثلا ضربها الله تعالى فى القرآن للتعليم. وفى أمثال القرآن كتب الكثيرون ، ومن أقدمهم الجنيد المتوفى سنة ٢٩٧ ه‍ ؛ وإبراهيم بن محمد ، المعروف بنفطويه ، المتوفى سنة ٣٢٣ ه‍ ؛ وعبد الرحمن السلمى المتوفى سنة ٤١٢ ه‍ ؛ والحسن بن الفضل ، وأبو الحسن المواردى المتوفى سنة ٤٥٠ ه‍.

* * *

٩٤٩. أمثال وحكم سورة البقرة

(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللهُ مَرَضاً) (١٠) : ويضرب المثل لمن استشرى الفساد فى نفسه وانحرف به اعتقاده فيزاد له فيهما ، إما عن واقع ، وإما دعاء عليه.

(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ) (١٧) : هو مثل من يتعلم العلم ليعمل به ، فيعمل بضده ، فكأنه ما علم ، أو الذى يعرف الخير والشر ليختار الخير فيعمد إلى إتيان الشر ، أو الذى يستمع إلى آيات الله فيظن أنه سيعلن إسلامه فإذا به يستهزئ بما سمع.

(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) (١٨) ويضرب المثل لمن له كل الحواس يدرك بها ولا يفهم عنها ، فالصمم انسداد الأذنين عن السمع ، والبكم العجز عن النطق ، والعمى ذهاب البصر ، إلا أن ذلك كله ليس عن حقيقة وإنما مقصوده نفى الإدراكات عنها من جهة تعقّلها ، وعلماء النفس يسمون ذلك الصمم أو البكم ، أو العمى العقلى mental blindness ، كقول القائل :

وعوراء الكلام صممت عنها

ولو أنى أشاء بها سميع

والقائل :

أعمى إذا ما جارتى خرجت

حتى يوارى جارتى الجدر

١١٨٣

والقائل :

أدخل إذا ما دخلت أعمى

واخرج إذا ما خرجت أخرس

ومن تعطب أذناه ، وتغشى عيناه ، ويتعطل لسانه ، يجهل الحق فلا يرجع إليه ، وفى الحديث : «وإذا رأيت الحفاة العراة الصمّ البكم ، ملوك الأرض ، فذاك من أشراطها» ، أى من أشراط الساعة ، فأن يكون الحكم لهؤلاء فهذه هى الطامة الكبرى.

(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) (١٩) : والصيّب هو المطر من صاب يصوب إذا نزل ، شبّه حال المنكرين وما هم فيه ، بالظلمات والرعد والبرق والصواعق ، فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر ، والرعد والبرق مثل لما يخوّفون به ؛ أو أن كلمات القرآن ، أو أى كلمات فيها حقّ ، ومتعلقها الحق ، تتنزل على أسماع المنكرين ـ من الكفار إلخ ، كالصيّب ، فكما يشكل عليهم الصيب فكذلك تشكل كلمات القرآن ، أو كلمات الحق ؛ والعمى المقصود به ظلمات الكفر والجحد ، والرعد هو ما فى القرآن من الوعيد والزجر ، والبرق هو ما فيه من النور والحجج المبهرة ؛ وتضرب الصواعق مثلا للدعاء العاجل ، والوعيد الآجل ؛ أو أن الصواعق هى تكاليف الشرع تهبط على المنكرين الجاحدين فهم منها فى مغرم ؛ ولو كان الإسلام بلا تكاليف لاعتنقوه واتّبعوا قرآنه ، ولكن اتباعه فيه موتهم الاجتماعى والدنيوى ، لأنه يدعو للآخرة وهم يريدون الدنيا ، وهو ضد الظلم وينشد العدل الاجتماعى ، وهم من ذلك فى مهرب ، لكن إلى أين المفر والله محيط بهم ؛ وكانوا زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وفى أى زمن ، كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم حججه ، أنسوا وطلبوا أن يقرأ عليهم المزيد منه ، فإذا جاء ذكر التكاليف أو الوعيد ، عموا عنها ، ولم يرضوا بها ، وأنفوا من مطلوباتها ؛ ومثل القرآن كمثل البرق يخطف الأبصار ، فكلما أضاء لهم سرّوا به ومشوا فيه ، فإذا أظلم عليهم قاموا وانصرفوا عنه. ويضرب المثل لمن يؤمن ليتحصل نعم الإيمان ، فكلما صحّت زروعه وتجارته ، أو صناعته ، وازدهرت أحواله ، تباركوا بالإسلام ، وأقبلوا على القرآن ، فإذا انقلبت أحوالهم ، ونزلت بهم المصائب ، وحلّت الشدائد والكوارث ، سخط وترك الدين ، كقوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ) (١١) (الحج) ؛ ويضرب الصوفية بهذه الآية مثلا لمن يرتقى فى الأحوال بالتزام الآداب ، فإذا مزجها بالدعاوى أذهب الله عنه أنوار أحواله ويبقيه فى ظلمات دعاويه.

(يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ

١١٨٤

اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) (٢٠) : هو مثل ضربه الله تعالى ، يعنى به أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم ؛ أو أن ما جاءهم من البيان فى القرآن بهرهم وخطف أبصارهم ، أو أنهم كلما سمعوا القرآن وظهرت لهم الحجج ، أنسوا ومشوا معه ، فإذا نزل منه ما يعمون فيه ويضلون به أو يكلفونه ، قاموا وثبتوا على نفاقهم ؛ أو كلما صلحت أحوالهم فى زروعهم ومواشيهم وتوالت عليهم النّعم ، قالوا : دين محمد دين مبارك ، وإذا نزلت بهم مصيبة ، وأصابتهم شدة ، سخطوا وثبتوا فى نفاقهم.

(إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ) (٢٦) : فلمّا ذكر الله آلهة المشركين فقال : (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) (٧٢) (الحج) ، وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت ، قالوا : إن الله لا يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت ، وهذا كلام لا يشبه كلام الله ، فأنزل الله الآية يقول : إنه لا يستحى أو لا يمتنع أن يضرب المثل بالبعوضة وما فوقها فى الصغر ـ أى ما دونها.

(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٧٤) : والمثل فى قسوة القلب وتحجّر المشاعر ، وأبعد الناس من الله القلب القاسى ، وهؤلاء اليهود قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشدّ.

(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) : المعنى ليحسن قولكم ، أو قولوا للناس الطيّب من القول.

وهذا حضّ على مكارم الأخلاق ، كقوله تعالى لموسى وهارون : (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً) (٤٤) (طه) وفى الحديث لعائشة رضى الله عنها قالت قال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «لا تكونى فحّاشة فإن الفحش لو كان رجلا لكان رجل سوء».

(وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) (٩٣) : هذا تشبيه ومجاز ، عبارة عن تمكّن أمر العجل فى قلوبهم ، والمعنى : جعلت قلوبهم تشربه ، وفى الحديث : «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عددا عددا ، فأى قلب أشربها ، نكت فيه نكتة سوداء». يقال أشرب قلبه حبّ كذا ، وإنما عبّر عن حبّ العجل بالشّرب دون الأكل ، لأن الشرب عملية يتغلغل بها السائل كالماء مثلا فى الأعضاء ، حتى يصل إلى باطنها ، فكذلك كان حبّ العجل ، أى المائيات قد تغلغل فى عقولهم ونفوسهم كما تقول حتى النخاع ، وقيل إن موسى طحن عجل الذهب وذرّاه فى الماء ، وقال لليهود : اشربوا من هذا الماء ، فشربوا جميعا ، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه. وهذا المثل يقال لمن صار حبّ المادة فى دمه.

١١٨٥

(كُنْ فَيَكُونُ) (١١٧) : هو أمره للشيء ب «كن» ، فإنه يكون بعد الأمر أو مع الأمر ، لا يتقدم الوجود ولا يتأخر عنه ، ولا يكون الشيء مأمورا بالوجود إلا وهو موجود بالأمر ، ولا موجودا إلا وهو مأمور بالوجود. يعنى : أن الله عزوجل لم يزل آمرا ، قادرا ، عالما. وكل ما فى الآية يقتضى الاستقبال ، إذ المحدثات تجىء بعد أن لم تكن. و «كن» كلمة ، وهى المراد بقوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «كلمات الله التامات» ، ومفردها كلمة تامة هى «كن» ، فإذا قال لكل أمر «كن» ، ولكل شىء «كن» ، فهذه كلمات ، وفى الحديث القدسى عنه تعالى : «عطائى كلام وعذابى كلام» خرّجه الترمذى ، فلمّا تفرّقت الكلمة الواحدة «كن» فى الأمور ، صارت كلمات ، ومرجعها إلى كلمة واحدة هى «كن».

(فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ) (١٣٧) : ردّ بارع وقول بليغ يؤثر عند التخالف والعناد ، ولمّا قتل عثمان وقع دمه على عبارة (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ) فى المصحف ، وأجاب به النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لمّا نبّهه إلى ما سيلحقه من الاستشهاد ، يعنى سيكفى الله عدوه ، فكان هذا وعد منه تعالى ومن نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والكافى من أسمائه تعالى ، وهو الذى يحصل به الاستغناء ويكتفى به.

(وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (١٧١) : شبّه تعالى واعظ الكفّار وداعيهم ـ وهو النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ بالراعى الذى ينعق بالغنم والإبل فلا تفهم ما يقول. وقيل : مثل النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم التى لا تفهم. وقيل : مثل الذين كفروا فى دعائهم الآلهة الجماد ، كمثل الصائح فى جوف الليل فيجيبه الصدى ، فهو يصيح بما لا يسمع ، ويجيبه ما لا حقيقة فيه ولا منتفع. فشبّه الكفّار بالناعق الصائح ، والأصنام بالمنعوق به.

(وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (١٧٩) : هذا من الكلام البليغ الوجيز ، ولما شرع الله القصاص قنع الكل به وتركوا الاقتتال ، فلهم فى ذلك حياة.

(هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ) (١٨٧) : يقال للمرأة مع زوجها أنها ستر له ، كما أنه ستر لها ، ويسكن كل منهما إلى صاحبه ، ويقال للمرأة فى ذلك : هى لباسك ، وفراشك ، وإزارك. ويشكّل كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسا ، لانضمام الجسد وامتزاجهما وتلازمهما تشبيها بالثوب.

(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) (١٩١) : هذه الآية خاصة ، ونزلت فى شأن عمرو بن الحضرمى حين قتله واقد بن عبد الله التميمى ، فى آخر يوم من رجب الشهر الحرام ، ولكن معناها صار عاما ، وتضرب مثلا. والفتنة : هى الوقيعة بين الناس ، وأن تضلّهم عن الحق وتصرفهم إلى الخلاف ، وتدسّ بينهم ؛ وأشد من القتل يعنى أنكى وأدهى وأمرّ منه. وأصل الفتنة :

١١٨٦

الاختبار والامتحان ، مأخوذ من فتنت الفضة ، إذا أدخلتها فى النار لتميز رديئها من جيدها.

(وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ...) (١٩٥) : هذا المثل يقال خصوصا لمن يبخل عن الصدقة والنفقة على الضعفاء ، وفى سبيل الله ، وقيل : الهلاك الموعود هو اليأس من الله ، فيكون معنى الآية : لا تيأسوا من رحمة الله. وقوله بأيديكم يضرب كمثل ، تقول فلان ألقى بيده فى أمر كذا إذا استسلم ، لأن المستسلم فى القتال يلقى سلاحه بيده ، فكذلك يفعل كل عاجز فى أى فعل ، ومنه قول القائل : إلقاؤنا ما بأيدينا عجز. والمعنى لا تلقوا أنفسكم بأيديكم ، كقولك لا تفسد حالك برأيك ؛ أو أن المعنى لا تحرموا أنفسكم من أموالكم فى الدنيا فيرثها غيركم فتهلكوا بالحرمان ؛ أو أن المعنى : لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم فتهلكوا. والخلاصة أن الآية : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) عامة فى جميع ما ذكر وفى غير ذلك ، كأن يخاطر أحدهم بنفسه دون حذر فيقال له ذلك ، لأنه يعرّض نفسه للتلف من غير فائدة.

(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى) (١٩٧) : الآية فيها أن التقوى زاد الآخرة ، وتذكّر بسفر الآخرة ، والزاد بالنسبة للمسافر هو خير ما يتقى به الهلكة أو الحاجة أو التكفّف ، والآية مثل يضرب على أن هذه الدار ليست بدار قرار ، وأن الناس على سفر.

(رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ) (٢٠١) : الآية من جوامع الدعاء وتعم الدنيا والآخرة.

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ) (٢٠٤) : هذا مثل يقال فى الرجل يكون حلو القول والمنظر ، ثم يظهر من بعد أنه من أسوأ الناس خلقا ، ولا دين له ولا ملّة ، وأنه يبطن النفاق والكذب والإضرار ، ويقول بلسانه خلاف ما يبطن.

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٢١٦) : هذا المثل على جزءين ، الأول : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) والثانى : (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) ، وكلاهما مثل وحده ، فالأول معناه : أن القتال قدّر على المسلمين أو على الناس عموما ، وهو مكروه فى الطبع ، فلا أحد يرجو أن يدخل قتالا يحسب أنه فيه يموت أو يؤذى فى جسمه. والمثل يضرب عموما للشيء اللازم فعله رغم كراهيته ، كالعمليات الجراحية ، فلا مندوحة منها ولا بد من إجرائها رغم أنها مكروهة ، والجزء الثانى

١١٨٧

معناه : أننا ينبغى أن لا نتسرع ونقضى فى الأشياء ، بأن هذا نحبه وذاك نكرهه ، فلربما نكره شيئا وفيه نجاتنا ، ولربما نحب شيئا وفيه الأذى لنا ، كقول القائل :

ربّ أمر تتّقيه

جرّ أمرا ترتضيه

خفى المحبوب منه

وبدا المكروه فيه

(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (٢٢٨) : قيل : هو قول حسن بارع ، فلا واجبات بدون حقوق تقابلها وتعادلها ، والدرجة التى للرجال هى أن يتحاملوا على أنفسهم ، وأن يحسنوا عشرتهن مهما كان.

(فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) : كلام موجز بليغ ، والتسريح من ألفاظ الطلاق ، وقيل إن الآية تقول : الطلاق مرتان ، فأين الثالثة ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) ، والآية تحضّ فى حال المعاشرة على حسن المعاملة ، وفى حال الطلاق على حسن الفراق. ومثل ذلك قوله تعالى : (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) (٢٣١).

(كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (٢٤٩) : هذه الآية من جوامع الكلم ، وفيها استشعار الصبر والاقتداء بمن صدّق ربّه. وهكذا يجب على الأمم أن تفعل ، ولكن النيات الفاسدة وعدم الإخلاص والحكّام غير الأكفاء ، منعت من ذلك ، حتى رأينا أمما كبيرة تنكسر أمام عدو قليل العدد. والأمم عند ما تقاتل فإنما تقاتل بأعمالها ، وعن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟» أخرجه البخارى. وضعفاء الأمة هم المستضعفون فيها والمضطهدون والمحتاجون ، وهم طبقة العمال والفلاحين والموظفين ، وهم الذين يسمون فى علم الاقتصاد «البروليتاريا» ، وحيثما كان الضعفاء مهملون فالأعمال فاسدة ، والاعتماد ضعيف ، والصبر قليل ، والتقوى زائلة ، والهزيمة والانكسار واقعان لا محالة.

(وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) (٢٥١) : معنى الآية لو لا أن الله يدفع بمن يصلّى عمّن لا يصلّى ، وبمن يتقى عمّن لا يتقى ، لأهلك الناس بذنوبهم ، ونظيره الحديث : «لو لا فيكم رجال خشّع ، وبهائم رتّع ، وصبيان رضّع ، لصبّ عليكم العذاب صبّا».

(لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) (٢٥٦) : الدين هو المعتقد ، والإكراه الغصب ، ويقال ذلك كردّ على محاولة البعض إجبار آخرين على الأخذ بمعتقده ، أو الرضوخ لفكره ، أو المسايرة لفلسفة لم يقتنعوا بها ولا تساير مصالحهم. وفيما يرويه ابن أبى حاتم عن أبى هلال عن

١١٨٨

أسبق ، قال : كنت فى دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب ، فكان يعرض علىّ الإسلام فآبى ، فيقول : «لا اكراه فى الدين».

(قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ) (٢٥٦) : مثل يقال حسما لمواقف يتردد أصحابها بين الحق والضلال ، والصواب والخطأ ، والخير والشر ، والرشد فى الآية هو الهدى ، والغىّ هو الضلال.

(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ) (٢٦١) : تمثيل لشرف النفقة فى سبيل الله ولحسنها ، وضمنها التحريض على ذلك. قيل : فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ربّ زد أمتى» ، فنزلت : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً) (البقرة ٢٤٥) ، فقال : «ربّ زد أمتى» ، فنزلت : (إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ) (١٠) (الزمر). والمعنى أن من ينفق فى سبيل الله كمثل زارع زرع فى الأرض حبة فأنبتت سبع سنابل ، فى كل سنبلة مائة حبة فشبّهت الآية المتصدّق بالزارع ، وشبّهت الصدقة بالبذرة ، فيعطيه الله بكل صدقة سبعمائة حسنة ، ثم قال : (وَاللهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ) يعنى يزيد على السبعمائة ، فيكون المتصدّق مثل الزارع ، إن كان حاذقا فى عمله ، والبذر جيدا ، والأرض خصبة ، يكون الزرع أكثر ، والإنتاج أوفر ، فكذلك المتصدّق إذا كان صالحا ، وماله طيبا ، وتصدّق به فى مكانه الصحيح ، فيكون الثواب أكبر وأكثر ، خلافا لمن قال : ليس فى الآية تضعيف على السبعمائة.

(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً) (٢٦٣) : الآية تجرى مجرى المثل ، كالحديث : «الكلمة الطيبة صدقة وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق» أخرجه مسلم ، وكقول الحكيم ، الق صاحب الحاجة بالبشر ، فإن عدمت شكره لم تعدم عذره». والقول المعروف : أن تدعو للسائل إن لم تعطه ، والمغفرة أن تقول له : غفر الله لك. قيل : سأل محتاج ، فقال له المسئول : ممن الرجل؟ فقال السائل : اللهم غفرا! سوء الاكتساب يمنع من الانتساب». فذهب قوله مثلا.

(لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى) (٢٦٤) : هذا أمر صار يجرى مجرى الأمثال ، والمنّ ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها ، وهو التحدث بما نعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه. والمنّ من الكبائر ، والمنّان فى الحديث أحد ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ، والأذى السبّ والتشكى ، وهو أعم من المن ، لأن المن جزء من الأذى ، وذكر فى الآية لكثرة وقوعه.

١١٨٩

(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (٢٦٥) (البقرة) : مثل يضرب للصادقين فى إنفاقهم يبتغون به مرضاة الله ويتثبت به يقينهم ، فمثلهم كمثل البستان على ربوة عالية ، ينزل عليه المطر الشديد ، فينمو الزرع ويثمر ضعفين ، فإن لم يكن المطر الشديد فيكفى أرض البستان الخصبة الندى لتونع الأشجار وتؤتى أكلها.

(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (٢٦٦) : قال عمر بن الخطاب : الآية ضربت مثلا لعمل الغنىّ ، يعمل بطاعة الله ، ثم يصرف عن الطاعات فيعمل فى المعاصى حتى يحرق عمله الطيب ؛ أو الرجل يعمل بطاعة الله ، فإذا اقترب أجله ، ختمه بعمل من أعمال الشقاء. وقال ابن عباس : إن الآية مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين ، كهيئة رجل غرس بستانا فأكثر من الثمر ، فأصابه الكبر ، وله ذرية ضعفاء ، فكانت معيشته ومعيشة ذريته من ذلك البستان ، فأرسل الله على بستانه ريحا فيها نار فأحرقته ، ولم يكن عنده قوة فيغرسه ثانية ، ولم يكن عند بنيه خير فيعودون على أبيهم. وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى الله تعالى يوم القيامة ليست له كرّة يبعث فيردّ ثانية». والآية فى عمومها مثل للإنسان يعمل الصالح ، حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء ، أو مثل كل منافق وفاسق ، يعمل العمل وهو يحسب أنه يحسن صنعا ، فلما يجيء الى وقت الحاجة لا يجد شيئا.

(وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ...) (٢٦٩) : المثل يقال لمن يتصرف بعقل وروية ، وينشد الصلاح للناس ، ويعمل الخير ويدعو إليه ، وهو الحكيم ، قد بلغ شأوا فى تحصيل الحكمة. والحكمة : هى علم ما بعد العلم ، وهى العقل والمعرفة عموما ، وبالله خصوصا ، وطاعته والفقه فى دينه ، وفيما أمر به ونهى عنه ، وورع الخشية والتقى والتواضع ، والإصابة فى القول والفعل ، وتمنع الحكمة صاحبها عن كل فعل قبيح.

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ...) (٢٧٥) المثل يشبّه حال القائم إلى الربا بقيام المجنون ، لأن الطمع والرغبة تستفزه ، فتضطرب أعضاؤه ، ومثله مثل المسرع أصابه الفزع ، فأسرع فى مشيه فاختطلت هيئة حركاته حتى ليقول عنه الناس : قد جنّ هذا!! ولا يعنى تشبيه المرابى بالذى يتخبّطه الشيطان من المس ، أن القرآن يقول بالمسّ من الشيطان كاضطراب نفسى بدنى ، فإنما هو تشبيه مما هو مشهور عند الناس.

١١٩٠

(لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (٢٨٦) : يقول ذلك اعتذارا من يقدر على شىء ولا يقدر على غيره ، والأصل أنه فى التكاليف فإن الله لم يفرض على عباده إلا ما يطيقون. والوسع هو الطاقة ، والمعنى أنه تعالى لا يكلف عباده من وقت نزول الآية من أعمال القلب والجوارح إلا ما فى وسع المكلّف وفى مقتضى إدراكه واحتمال بنيته. ومثل ذلك قوله تعالى (لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها) (البقرة ٢٣٣) ، وقوله (لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (الأنعام ١٥٢ ، والأعراف ٤٢).

* * *

٩٥٠. أمثال وحكم سورة آل عمران

(قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ) (١٣) : الآية مضرب المثل ، والفئتان يوم بدر هم المسلمون والمشركون ، وكان المشركون ثلاثة أمثال المسلمين ، فقلّلهم فى أعين المسلمين ، كقوله (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً) (الأنفال ٤٤).

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (١٤) : الآية مثل فى الوعظ لجميع الناس ، وتوبيخ لمعاصرى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من اليهود وغيرهم. والتزيين من الله ، وما من أحد أشد ذما للشهوات من خالقها ، وتزيينه لها بالإيجاد ، وبالتهيئة للانتفاع ، وإنشاء الطبع والميل إليها. والتزيين من الشيطان بالوسوسة والخديعة ، وتحسين أخذها من غير وجوهها. والشهوات جمع شهوة ، وفى الحديث : «حفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات» أخرجه مسلم. وفائدة هذا التمثيل : أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها ، وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها. وروى عن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «طريق الجنة حزن بربوة (مكان غليظ خشن) ، وطريق النار سهل بسهوة (الأرض اللينة)».

(ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ ...) (٣٤) : مثل يضرب لوراثة الخلق فالطيّب ذريته طيبة ، وكذلك الفاسد ذريته فاسدة ، فالذرية بعضها من ولد بعض ، كقوله تعالى : (الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ) (التوبة ٦٧) ، والمراد بذلك التناسل ووراثة الجينات ، ومن يعمل صالحا يسجله عليه السائل النووى (D.N.A.) فى الخلية ، ويورثه لنسله ، والحبل الجينى هو الحامل للموروثات ، فكما يكون الآباء يكون الأبناء ، وأما المستجد من الميول والرغبات والأعمال فتدفع إليه البيئة والتربية. وفى دعاء زكريا : (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) (آل

١١٩١

عمران ٣٨) ، فلأنه طيب فقد طلب أن تكون ذريته طيبة على مثاله ، والذرية الطيبة هى الصالحة المباركة.

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ ...) (٩١) مثل يضرب لمن ينشد النجاة فيريد لو يضحى بأغلى شىء عنده فلا يقبل منه. والمثل أصلا عن الكافر يوم القيامة يتمنى لو يفتدى نفسه ولو بملء الأرض ذهبا.

(مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ...) (١١٧) : المعنى أن مثل نفقة الكافرين فى بطلانها وذهابها وعدم منفعتها كمثل زرع أصابه ريح باردة ، أو نار فأحرقته وأهلكته ، فلم ينفع أصحابه بشيء بعد ما كانوا يرجون فائدته ونفعه. وظلمهم لأنفسهم بأن زرعوا فى غير وقت الزراعة ، أو فى غير موضعها.

(لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً) (١١٨) : المثل عن الأغيار ، فلن يتركوا الجهد فى فسادكم ، فلا تصاحبوهم واحذروهم.

(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ...) (١١٨) : ما فى صدوهم أكبر مما يظهر من كلامهم.

(وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) (١١٩) : مثل فى الحنق ، والعضّ عبارة عن شدة الغيظ ، والأنامل أطراف الأصابع ، ومنه قول القائل :

إذا رأونى أطال الله غيظهم

عضّوا من الغيظ أطراف الأباهيم

(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ...) (١١٩) هو دعاء على اليهود ، بمعنى أدام الله غيظهم إلى أن يموتوا به. ومثل ذلك قوله تعالى : (مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ) (الحج ١٥) ، يعنى مشيئة الله هى الغالبة ولتموتوا بغيظكم.

(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (١٢٠) : اللفظ عام فى كل ما يحسن ويسوء.

(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ ..) (١٢٦) : يقال عند النصر ، والنصر هو نصر المؤمنين ، وأما نصر الكافرين فهو إملاء واستدراج.

(هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (١٣٨) : قول بليغ يؤثّر ، ومن شأنه أن يلفت انتباه السامع أو القارئ إلى ما يليه أو يسبقه ، والبيان هو ما يتبيّن به الشيء من الدلالة والفصاحة وغيرهما ، وهو المنطق الفصيح المعبّر عمّا فى الضمير ، ومنه قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «إن من البيان لسحرا» والآية من جوامع الكلم ، وفيها خصوص وعموم ، فالخصوص : أن

١١٩٢

«هذا» يقصد بها القرآن ، وليس كل بيان هدى وموعظة ، إلا القرآن ففيه شفاء للناس وهداية للرشاد ، وموعظة وذكرى للمتّقين ، خصّهم بالذكر لأنهم المنتفعون به دون سائر الناس ؛ والعموم : أن كل قول فيه مثل هذه الصفات فهو بيان أثير.

(وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (١٣٩) : حكمة بالغة ، ومثل يرجى كلما ادلهمت الأمور ، وقاعدة للسلوك فى الملمات ؛ والوهن هو الضعف والخور والجبن ؛ والحزن يكون عند الهزيمة ، والاندحار والإحباط ؛ والعلو الثقة فى النفس وقوة الإيمان ؛ والمؤمن يتميز بقوة الجهاز النفسى المناعى ، وتماسك جبهته الداخلية ، وقوله : «وأنتم» أى المؤمنون ، والهزيمة إذا لحقت بالمؤمن فهى هزيمة النفس قبل الجسم ؛ والأعلون أى فى عافية دائما. والآية نزلت يوم أحد ، وهى قاعدة كونية عامة ، وفى كل موقف كان بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان فيه واحد من الصحابة ، كان الظفر للمسلمين ، وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم تفتتح بلدة بعد انقراض الصحابة على الوجه الذى كانوا به يفتتحون البلاد فى زمنهم. وفى الآية فضل الإسلام على أمة الإسلام ، لأنه تعالى خاطب المسلمين بما خاطب به أنبياءه ، فقال لموسى : (إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى) (٦٨) (طه) ، وقال لهذه الأمة : (وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) (آل عمران ١٣٩) ، والأعلون من اسمه تعالى العليّ.

(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) (١٤٠) : مثل يضرب تخفيفا على المجاهدين ، والقرح هو الجرح ، بالضم والفتح ، فإن كانت الخسائر المادية فى الحروب كثيرة ، فإن المكاسب المعنوية أكثر ، وكلما اشتدت الأزمات كلما قرب الفرج ، وما يصيب المؤمنين هو ابتلاء من الله ليعلم الصابرين ، وليتخذ منهم شهداء ، وليمحّص الذين آمنوا ويمحق الكافرين.

(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) (١٤٠) : يضرب هذا المثل للحرب والشدائد ، تكون مرة نصرا وفرجا للمؤمنين ، ومرة تكون لهم خسارة وشدّة ، وهذا هو معنى المداولة ، وفى ذلك ابتلاء ليمحّص الله الذين آمنوا ، فإن صبروا وجاهدوا ولم يعصوا فإنهم الغالبون ، لأنهم حزب الله ، والناس جميعا يتداولهم الفرح ، والغمّ ، والصحة ، والسّقم ، والغنى والفقر ، والمداولة من الدولة هى الكرّة :

فيوم لنا ويوم علينا

ويوم نساء ويوم نسرّ

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (١٤٢) : المثل فى صيغة الاستفهام على سبيل الإنكار ، والمقصود أنه لا ثواب بلا ابتلاء وتمحيص ،

١١٩٣

والشدائد والهزائم والمصائب والكروب متوقعة دائما ، والعاقبة فيها للصابرين ، وما من ليل إلا وله صبح ، وما من غمّ إلا يعقبه فرج ، ولا بد للشهد من إبر النحل.

(وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ...) (١٥٩) : المثل فى الرفق ؛ والفظ هو الجافى ؛ وغلظ القلب قسوته ؛ والانفضاض التفرقة.

(إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (١٦٠) : الناصر هو الله فعليه يتوكل المتوكلون ، فإن يعنهم ويمنعهم من عدوهم فلن يغلبوا ، وإن يخذلهم فلا ناصر من بعده.

(إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً) (١٧٨) : المثل تجمله هذه الكلمات من الآية : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) (١٧٨) ، يعنى : لا يحسبن هؤلاء ما بهم من خير هو لمصلحتهم ، وإنما نمهلهم ليزداد فعلهم للمعاصى ، فالإملاء أو الإمهال فى الحقيقة استدراج لهم.

(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ...) (١٨٥) : مثل فى الموت ، وذائقة الموت من الذوق ، والموت لا بد أن يذوقه كل حىّ ، فلا محيص عنه لإنسان ، ولا محيد عنه لحيوان ، والشاعر يقول :

ومن لم يمت عبطة يمت هرما

للموت كأس والمرء ذائقها

والعبطة يعنى الموت فى الشباب.

* * *

٩٥١. الأمثال والحكم فى سورة النساء

(إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) (٤٠) تضرب الذرّة كمثل لأقل الأشياء شأنا ، ومع ذلك يستشهد بها الله تعالى ، يقول : إنه لا يظلم كثيرا ولا قليلا ، ولا يبخس الناس أجورهم ، ولا ينقصهم ثواب أعمالهم ولو وزن ذرة ، ومثل ذلك قوله : (وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها) (الأنبياء ٤٧) ، قيل الذرة هى الخردلة ، وهى أدق الأشياء بالعين المجردة ، ومع ذلك فشأنها عظيم فى حساب الله ، وفى الحديث : «إن الله يعطى عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألفى ألف حسنة» : (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً) ، قال ابن عباس وابن مسعود : هذه الآية إحدى الآيات التى هى خير مما طلعت عليه الشمس. والتمثيل بها جعل الأقدمين يقولون إن الذرّة لا وزن لها ، ولذلك أطلق العرب على أصغر الأشياء وهو صغار النمل اسم الذرّ ، وقيل الذرة رأس النملة ، وسمّوا الصغار بالذرية ، وقال الإغريق الذرة

١١٩٤

أصغر شىء ولذلك لا تنجزئ ، وذهب إلى مثل ذلك المعتزلة ، ثم كان اكتشاف إمكان انجزائها ، وإمكان وزنها ، وأن الفروق بين العناصر فى الوزن الذرى ، وتكوّن الذّرات معا ما يسمى بالجزء ، والجزيئات تتخالف فى القيمة بقدر تخالف الذرات المكونة فى الثقل الفيزيائى والمعنوى ، وعلماء البيولوجيا اكتشفوا أن أصغر شىء فى الخلية الإنسانية هى الحروف التى يتكون منها الحبل البيولوجي فى السائل النووى (D.N.A.) ، وأن هذا الحبل فيه من هذه الذرات أو الحروف ثلاثة بلايين حرف مكررة ، وأطلقوا على ذلك اسم هندسة الجينوم ، أى هندسة الذرّات فى الخلية ، فالذرة إذن ليست شيئا ليس له حساب ، وإنما كما ذكرها فى الآية لها ثقل ، وثقلها باختلاف العناصر المكونة لها والداخلة فيها. والله تعالى يحاسب بها ، والآية بهذا التأويل يدخل فيها الحساب بين الخصوم ، وأنه تعالى لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم ، ويأخذ للمظلوم من الظالم : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (٨) (الزلزلة). ويدخل فيها علم الله المحيط بكل ذرة : (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) (يونس ٦١) ، ومن ذلك نعلم أن الحديث الذى يقول : «الذرة لا وزن لها» موضوع.

(وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) (٤٩) : الفتيل الخيط الذى فى شق التمرة ، أو القشرة حول النواة ، أو ما يخرج بين الإصبعين أو الكفين من الوسخ إذا فتلتهما ، ومثله : (وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (النساء ١٢٤) ، والنقير هو النقطة فى ظهر النواة ومنها تنبت النخلة. والمثلان يقالان بمعنى : لا يمنعون شيئا من حقوقهم.

(رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) (٧٥) : هذا دعاء المستضعفين ، والقرية هى الدولة ، والظالم أهلها ، أى الطبقة الحاكمة فيها ، وهى الطبقة التى تملك ومن ثم تحكم ، وتصدر التشريعات وتنفذها ، وتراعى فيها مصالحها ، وتسطو على حقوق المستضعفين ، وتخلق طبقة من المطحونين والمضطهدين ، فمثل هذه الدولة يحق للناس فيها أن يخرجوا منها ويهجروها مراعاة لدينهم وحفظا لكرامتهم ، وصونا لأنفسهم من التلف.

(أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (٧٨) : الآية من مأثورات القرآن ، وترد على القدرية فى الآجال ، وتعرّفهم أن الآجال متى انقضت فلا بد من مفارقة الروح للجسد ، سواء بالقتل أو الموت أو غير ذلك مما يجرى زهوقها به. وعكس ذلك فى فلسفة القانون الوضعى الجنائى ، بزعم أن المقتول لو لم يقتله القاتل لعاش ، والأجل أجلان : أجل محتوم وهو أن الإنسان مخلوق مائت مقدور عليه الموت ، إن آجلا أو عاجلا ، وأجل

١١٩٥

طارئ ، يعنى أنه لأسباب طارئة فإنه مات مقتولا ، ومن ثم تكون مسئولية القتل على القاتل ، أو مات منتحرا فتكون المسئولية على المنتحر ، والآية تتحدث عن الأجل المحتوم.

(ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) (٧٩) : الآية يرددها القدرية وغيرهم كالمثل ، واعتقادهم أن الحسنة فعل المحسن ، والسيئة فعل المسيء ، والمحسن هو الله ، والمسيء هو الإنسان. غير أن المشكل أنه تعالى يقول : (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) (٧٨) (النساء) فأضاف الله تعالى الحسنة والسيئة إلى نفسه. ومعنى (مِنْ عِنْدِ اللهِ) بإذن الله ، كما قال (وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ) (آل عمران ١٦٦) ، وبهذا المعنى تكون الحسنة والسيئة بإذن الله ، أى بأسبابه ، فالأسباب الحسنة نتائجها حسنة ، والأسباب السيئة نتائجها سيئة ، وهذا هو قضاء الله وقدره ، ومن قضائه وقدره أن السوء ينزل بالسيئين : (وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ) (١١) (الرعد). وإرادته تعالى للسوء أن السوء ينزل بهم كلما فعلوا السوء. وكان قوم موسى يتشاءمون به ، ويقولون حلّ بنا السوء لأتباعنا لك : (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ) (الأعراف ١٣١) ، فردّ عليهم بقوله : (أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) (الأعراف ١٣١) ، يعنى أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر ، والنفع والضّر ، من الله تعالى ، فهو الذى يأذن بهذا وذاك ، وله فيهما القوانين ، والمسببات الحسنة تأتى بالحسنات ، والسيئة تأتى بالسيئات ، والله فى الحالتين هو العامل ، والإنسان هو المسئول.

(إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ) (١٠٤) : المثل فيه تخفيف عن المؤمنين إذا اشتد المصاب عليهم فى القتال ، فليسوا وحدهم الذين يألمون ، فأعداؤهم أيضا يألمون ، والفرق بين الاثنين أن المؤمنين يرجون ثواب الله وهم لا يرجونه ، لأن من لا يؤمن بالله لا يرجو من الله شيئا. ونظير هذه الآية (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ) (آل عمران ١٤٠) ، وهو مثل آخر بنفس المعنى.

(مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) (١٢٣) : اللفظ عام ، والمعنى أن المؤمن والكافر مجاز بعمله السوء ، ومجازاة الكافر بالنار ، لأن كفره أوبقه ، ومجازاة المؤمن بنكبات الدنيا. وما أصاب أيوب كان من سوء عمله ، وفى الحديث : «من يعمل سوءا يجز به فى الدنيا أو فى الآخرة» ، فليس يجمع عليه الجزاء فى الموطنين. والآية كما فى الحديث : «مبايعة الله بما يصيب المؤمن من الحمى والنكبة والشوكة ... إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر من الكير».

(وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (١٢٨) : المثل مطلق ، ويقتضى أن الصلح الحقيقى هو الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف ، وهو خير على الإطلاق ، فإن التمادى على الخلاف

١١٩٦

والشحناء والمباغضة هى قواعد الشر ، وفى الحديث فى البغضة : «إنها الحالقة» ، يعنى حالقة الدين لا حالقة الشعر.

(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَ) (١٢٨) : المثل عن الشح وهو فى الإنسان بحكم خلقته وجبلّته ، ويكون فى الأموال كما يكون فى الهمم والمعتقدات والإرادة : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٩) (الحشر) ، وإذا تعدّى الشح إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التى تقتضيها المروءة فهو البخل ، وهو رذيلة ، وإذا آل البخل إلى هذه الأخلاق الذميمة والشيم اللئيمة ، لم يبق معه خير مرجو ، ولا صلاح مأمول.

* * *

٩٥٢. الأمثال والحكم فى سورة المائدة

(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا) (٢) : البغض لقوم يجعل صاحبه يتعدّى الحق إلى الباطل ، والعدل إلى الظلم ، والآية تنهى عن ذلك ، وفى الحديث : «ولا تخن من خانك» ؛ وجرم بمعنى حمل على الشيء ؛ والشنآن البغض ؛ والآية تقال كمثل هكذا : ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا ، والمعنى لا يكسبنكم ولا يحملنكم بغض قوم أن تعتدوا.

(وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) (٢) : هذا أمر لجميع الخلق ليمتثلوه ويتعاونوا على البرّ والتقوى ، وأن يعين بعضهم بعضا ، وفى الحديث : «الدال على الخير كفاعله» ، وقيل : «الدالّ على الشرّ كصانعه». والبرّ والتقوى لفظان بمعنى واحد تكرر للتأكيد والمبالغة ، والبرّ يتناول الواجب والمندوب إليه ؛ والتقوى هى رعاية هذا الواجب ؛ وفى البرّ رضا الناس ؛ وفى التقوى رضا الله ورضا الناس ؛ والإثم هو الظلم ، وأبشع الظلم العدوان.

(فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) (٢٤) : هذا مثل يقال فى مناسبات كمناسبة رفض اليهود للقتال كطلب موسى منهم ، بدعوى أن نصرة ربّه له أحق من نصرتهم له ، طالما أنه رسوله ، فقتاله معه أولى من قتالهم معه.

(يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) (٦٤) : هو قول على التمثيل ، كقوله تعالى : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) (الإسراء ٢٩) ، ويقال للبخيل «مغلول اليد» ، ونزل ذلك فى اليهود لمّا نسبوا إلى الله البخل.

(عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ) (٩٥) : الآية عبارتان أو حكمتان أو قاعدتان سلوكيتان : (عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ) عبارة ، و (وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ

١١٩٧

مِنْهُ) عبارة أخرى ، وكلاهما تقال ضمن باب الحكم أو الأمثال ، والأصل أن ما سلف كان فى الجاهلية ، وبعد ما علم الحق لم يعد موجب للقول أو للفعل ، فصارت العبارتان عامتين تقالان فى مختلف المواقف المشابهة ، والملابسات المماثلة ، فلما كان الناس يجهلون غالبا ويصدرون عن جهل ، فالعفو عنهم أولى ، ودواء الجهل التعليم والتعلّم ، فإذا تعلم الجاهل ، وعرف عن الخير ومنصرفاته ، والشرّ وأدواته ، والصدق ومنافعه ، والكذب ومضاره ، والحق ورفعة الأخذ به ، والباطل وخسران أتباعه ، ثم مع ذلك فعل الشر ، والتزم الكذب ، وآثر الباطل ، فذلك شأنه إلى الله يحبط عمله ، وينتقم منه ، وفى القصاص حياة ، (وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ).

(قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) (١٠٠) : قيل : على ضرب المثال فإن الخبيث والطيب هو الحرام والحلال ، والعاصى والمطيع ، والردىء والجيد ، واللفظ عام فى جميع الأمور : فى المكاسب ، والناس ، والمعارف ... إلخ. وفى معناه الحديث عند ابن كثير : «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» ، والحديث عند البغوى : «قليل تؤدّى شكره خير من كثير لا تطيقه».

(لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (١٠١) : تأديب ونهىّ عن السؤال عن أشياء لا فائدة من السؤال فيها والتنقيب بشأنها ، فربما إن ظهرت خباياها تسوء السائلين فيها ويشق عليهم سماعها ، وفى مثل ذلك ـ الحديث : «لا يبلغنى أحد عن أحد شيئا. إنى أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» ومناسبة الآية عند البخارى عن أنس أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم خطب خطبة قال فيها : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» ، فنزلت الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا) الآية ، وظاهرها النهى عن السؤال عن الأشياء التى إذا علم بها الشخص ساءته ، فالأولى الإعراض عنها وتركها. وفى الحديث : «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شىء لم يحرم فحرم من أجل مسألته». وفى الصحيح قال : «ذرونى ما تركتكم ، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» ، وقال : «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحدّ حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها». والسؤال المنهى عنه هو الذى تقع المساءة فى جوابه ، وأن يكون التكثير من السؤال تنطعا وتكلّفا ، ومن باب الأغلوطات وتشقيق المولدات. وفى أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عند نزول هذه الآية كان يخاف أن ينزل بسبب السؤال تحريم ، وأما اليوم فللمسلم أن يسأل متفهما راغبا فى العلم ونفى الجهل عن نفسه ، باحثا عن معنى يجب الوقوف عليه ، ولا بأس بالسؤال من هذا النوع ، فشفاء العى السؤال ، ومن يسأل متعنتا لا يسعى

١١٩٨

إلى التعلم والاستزادة من العلم ، فهو الذى لا يحلّ قليل سؤاله ولا كثيره. وهذه الحكمة فى النهى عن السؤال من النوع المتعنت أو المتنطّع ، تقابلها الحكمة الأخرى من قوله : (قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ) (١٠٢) (المائدة) ، وهى أيضا كالمثل يقال فى مناسباته ، وهؤلاء قوم سألوا عن أشياء فلما أجيبوا إليها لم يعملوا بما استفادوا من الإجابة عليها ، فليس كل جواب يعطى للجاحد بمقنع له ، ولم يعرف عن المنكر إذا أفحمه الجواب أن يعمل بمقتضاه. ومن الأمثلة الدارجة فى ذلك قوله : (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (٤٣) (النحل ، والأنبياء ٧) ، وأهل الذكر هم أهل العلم ، كلّ فى مجاله ، والآية تحضّ على السؤال للتعلّم ، وفوق كل ذى علم عليم.

* * *

٩٥٣. الأمثال والحكم فى سورة الأنعام

(فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) (٣٥) : المثل لمن يريد أن ينفع الناس بأن يصنع لهم ما ينجيهم أو ينصرهم ولو بمعجزة.

(لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (٦٧) : لكل خبر حقيقة ، ولكل شىء وقت يقع فيه من غير تقدم وتأخر ، ولكل عمل جزاء ، وهذا مثل فى الوعيد.

(كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) (٧١) : المعنى : مثل عابد الصنم ، مثل من دعاه الشيطان فيتّبعه ، فيصبح وقد ألقاه فى مضلّة ومهلكة ، فهو حائر ، له أصحاب يدعونه إلى الهدى فيأبى.

(وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ) (١١٥) : يعنى لا رادّ لقضائه ولا خلف فى وعده.

(أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (١٢٢) : المؤمن كان ميتا فلما آمن أحياه الله ، وكان موته بالجهل ، فأحياه بالعلم ؛ والكافر مثله مثل من هو فى الظلمات.

(فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) (١٢٥) : شرح أو انشراح الصدر أى أن يوفقه ، ويزيّن له ثوابه ، ويفقهه فى الدين ، وينوّره ؛ وضيق الصدر نقيض انشراح الصدر ، والحرج موضع الشجر الملتف ، كأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذى التف شجره ، وشبّهه فى نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزله من تكلف ما لا يطيقه ، كما أن صعود السماء لا يطاق.

١١٩٩

(فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) (١٤٩) : كلّ قول لابن آدم ناقص ، وكل دعوى وحجة له يلزمها شىء لكمالها ، إلا الله عزوجل ، فقوله الكامل ، وحجّته على الناس هى أبلغ الحجج ، فإذا اعتذر أحدهم عن عجزه فى الشرح أو بيانه للحق ، عذرناه لأن الله وحده له الحجة البالغة.

(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها) (١٦٠) : الآية تعنى أن الجزاء يوافق العمل ، وفى الحديث : «الحسنة بعشر أمثالها وأزيد ، والسيئة واحدة وأغفر ، فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره» ومن أمثاله تعالى مثل الحبّة التى أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة ، وكذلك بعض الحسنات بسبعمائة ، وقيل : الحسنة بعشر لسائر الحسنات ، والسبعمائة للنفقة فى سبيل الله.

(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ...) (١٦٤) : مثل أو حكم عام ، أو مبدأ قانونى وأخلاقى ، يقال لمن يريد أن يأخذ إنسانا بجريرة آخر ، والمعنى أنه لا أحد يتّهم عن أحد ، ولا نفس تؤخذ بدلا عن أخرى. ويتكرر هذا الحكم عشر مرات فى سورة الأنعام ، والإسراء ، وفاطر ، والزمر ، والنجم.

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) (١٦٥) : مثل لتفاوت الناس فى الدرجات ، وفى الخلق ، والرزق ، والقوة ، والبسطة ، والفضل ، والعلم ، والسلطان ، والولد ، والمال ، والاختبار ، فابتلى الموسر بالغنى وطلب منه الإحسان ، وابتلى المعسر بالفقر وطلب منه المثابرة ، وابتلى الجاهل بالجهل وطلب منه التعلّم ، والناس يبتلى بعضهم ببعض ، كما فى قوله (وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً) (الفرقان ٢٠).

* * *

٩٥٤. الأمثال والحكم فى سورة الأعراف

(وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ...) (٢٦) : الآية تضرب مثلا لمن يلتزم الشكلية فيقال الجوهر أولى بالرعاية ، وأصل الآية : (يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف ٢٦) ، أن اللباس ضرورة وفيه ستر للسوأة ، والسوأة هى العورة ، والله قضى بذلك وأنعم به ، ومن الإنعام ستر العورة ، وعن ذلك بالنسبة للمرأة الآية : (قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ) (الأحزاب ٥٩) ؛ والريش ما ستر من لباس أو معيشة ؛ والرياش جمع ريش وهو ما كان من مال ولباس ؛ والتقوى خير لباس ، ولباس التقوى هو الحياء ، أو هو العمل الصالح ، أو اللباس المتواضع ،

١٢٠٠

أو لباس الحرب الذى يتّقى به العدو ، والأصح أنه الخشية من الله ، شبّهها باللباس يستر صاحبه ، ويتّقى به غضبه تعالى ؛ وقيل لباس التقوى هو استشعار تقواه تعالى فيما أمر به ونهى عنه.

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) (٣٤) : القرآن مع القول بأن التاريخ دورات حياة ، وأن الأمم فى صعود وهبوط ، ولكل أمة أجل ، وأجل كل أمة مرة مع الصعود ، ومرة مع الهبوط ، والقاعدة فى القرآن : (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران ١٤٠) ، وكثير من علماء وجهابذة التاريخ قالوا بدورات الحياة للأمم ، وبأن الأمم آجال ، وأبرزهم توينبى (١٨٨٩ ـ ١٩٧٥ م) ، وتوينبى بالقطع قرأ هذه العبارة فى القرآن واستوقفته ، وخلص إليها كحقيقة ثابتة ، وكان منهجه فى استخلاصها هو المنهج الاستقرائى ، وهو أحد مناهج التفكير التى يدعونا إليها القرآن كما قال : (سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا) (النمل ٦٩) ، وكما قال : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) (يوسف ١٠٩) ، وساق توينبى واحدا وعشرين مثلا على ما ذهب إليه ، وعنده أن التاريخ يسير فى دورات كبرى من الارتفاعات والانخفاضات ، وأنه محصّلة الحضارات المختلفة التى تمر بنفس المراحل ، من الميلاد إلى النمو ، فالتفكك والأفول والسقوط. ومن رأيه أن الأمم عند ما تنسى الله فإنها تسقط من التاريخ ، فإذا ذكرته ارتقت وقويت وسمت ، وعنده أن الدين قوة روحية لنجاة الأمم من الانحلال. ونظرية القرآن أن للأمم آجالا ، وأنها تتفاوت ، وقد يطول أجلها إذا تمسكت بالإيمان ، وفى القرآن أن نوحا ظل فى قومه ٩٥٠ سنة ، وربما المعنى أن الديانة التى دعا إليها ظلت هذا العمر ، وبمثل هذا الحساب الزمنى قد تتفاوت الأمم فى الآجال ، وحاول اليهود تحديد أجل أمة محمد بالحساب الأبجدى للحروف المقطّعة فى بداية السور ، فقالوا : إن (الم) بداية سورة البقرة ، الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة ، وهكذا تحسب كل الحروف المقطّعة فيكون مجموعها مدة ملك محمد وأجل أمته ، وذلك أشبه بقراءة الطوالع ، فاعتمادا على معرفة المدد يمكن استخراج أوقات الحوادث والفتن والملاحم ، فكأنهم حوّلوا الحقيقة الزمنية للحضارات والأمم إلى شىء يتكسّبون منه ، فمن قال منهم ذلك فقد ادّعى ما ليس له ، وطار فى غير مطاره. ويبقى الصحيح من ذلك كله : وهو أن الأمم آجال كما جاء فى القرآن : (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (٣٤) (الأعراف) ، فالأمم تمرض وتشيخ وتموت كالأفراد ، وفى القرآن من الأمم البائدة : أقوام نوح ، ولوط ، وصالح ، وشعيب ، وثمود وعاد ، ومن الأمم التى لم تبد اليهود ، لأنهم ما يزالون يتمسكون بالتوراة ، وكذلك الأمة المسيحية ، وأمة الهندوس ، والأمة الصينية ، والأمة اليابانية ،

١٢٠١

وجميعها أمم عاشت لأن لكل منها «كتابه» ، والقاعدة تسرى على أمة الإسلام ، فطالما تمسّك المسلمون بكتابهم فهم فى حفظ وحياة.

(فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (٣٤) : هذا حكم عام ، والأجل الوقت المعلوم للموت ، و (لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً) لأن الساعة أقل أسماء الأوقات ، وقوله (وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) فيه أن المقتول إنما يقتل بأجله ، وأجل الموت هو وقت الموت ، كما أن أجل الدّين هو وقت حلوله ، وكل شىء وقّت به شىء فهو أجل له.

(حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ ...) (٤٠) : المثل يضرب لاستحالة أمر ما ، وجاء فى القول عن المكذّبين والمستكبرين أنهم غير مغفور لهم ، فإن كان الجمل يدخل فى سمّ الخياط ، فكذلك هؤلاء يدخلون الجنة ، والأمران مستبعدان ، والجمل من الإبل ، وهو زوج الناقة ، والجمع جمال ، وفى قراءة (الْجَمَلُ) وهو حبل السفينة الغليظ من القنب يستحيل أن يدخل فى سمّ الخياط. وقيل هو الحبل الذى يصعد به النخل ، وهو غليظ أيضا. وسمّ الخياط : ثقب الإبرة ، وكل ثقب لطيف هو سم ، وجمعه سموم ، وأما السّمّ القاتل فيجمع على سمام. والخياط ما يخاط به ، وهو مخيط أيضا.

(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ...) (٥٨) : الآية مثل للقلوب ، فقلب يقبل الوعظ والذكرى ، وقلب فاسق ينبو عن ذلك ، ومثل للمؤمن والمنافق ، فالمؤمن يعمل محتسبا متطوعا ، والمنافق لا يحتسب ؛ والمعنى أن من بنى آدم الطيب والخبيث ، والطيب لا ينجب إلا طيبين ، والخبيث لا ينجب إلا خبيثين.

(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) (٨٥) : البخس هو النقص ، ويكون فى السلعة بالتعييب والتزهيد فيها ، ويكون فى غير السلع بالمخادعة عن قيمتها ، والاحتيال فى النقصان من قدرها ، وذلك منهى عنه فى الأديان وفى الأخلاق ، ولا يفعله الناس إلا فى الدول والجماعات المتخلّفة ، ويأتيه الطغاة دائما.

(وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (٨٥) : يقال للمفسدين فى أى مجال ، والمثل يعم دقيق الفساد وجليله.

(وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ...) (٨٦) : والقعود بكل الطرق إنما يكون للإفساد والحضّ عليه ، والنهى عن الخير ، والعامة تقول : لا تقعد لى فى الساقطة واللاقطة ... أى فى كل كلمة ، شأن من يتمنى لك الخطأ.

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) (٩٦) : هو مثل يضرب لمن يمتحن من المؤمنين بضيق العيش يكفّر به الله عن ذنوبهم ؛ والقرية هى

١٢٠٢

المدينة ، سميت كذلك لاجتماع الناس فيها ، من قريت الماء أذا جمعته ، وبركات السماء هى المطر ، وبركات الأرض هى النبات والخصب والنماء ، كما قال لقوم لنوح : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) (١١) (نوح) ، وقوم هود (ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) (هود ٥٢).

(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (٩٨) : هذا مثل وحكمة بالغة فى صيغة استفهام للإنكار ، والخطاب فيه لكل الناس والدول والأمم والشعوب ، فعذاب الله إذا أتى كان فجأة ، لا يعلمون أيكون فى الليل وهم نائمون ، أو بالنهار وهم يلعبون ، ويقال لكل من يأتى ما يضرّه ولا يجدى عليه أنه لاعب : (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ) (٩٩) ، ومكره تعالى استدراجه بالنعمة والصحة.

(إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) (١٣١) هذا مثل يقال فى أحوال الطيرة ، وكان قوم فرعون يتطيّرون من موسى ومن معه ، فكلما جاءهم خير نسبوه لأنفسهم ، فإذا جاءهم شر نسبوه لموسى ، فردّ الله تعالى عليهم بأن طائرهم ـ أى سعدهم وشقاءهم ، وخيرهم وشرّهم ، هو من عند الله وليس لموسى يد فيه ، وهو من ذنوب وليس بأمانى موسى. والطيرة : هى زجر الطير ، كان يأتيه المتشائم ، فمن كان له نمط الشخصية المتشائمة مال إلى التطيّر ، والتفكير التطيّرى تفكير خرافى ، والشخصية التطيّرية تميل إلى الخرافة إذا كانت بسيطة ، والمجتمعات فى بداياتها كانت متطيرة ، وكانوا يتيمّنون بالسانح ، وهو الطير يطير جهة اليمين ، ويتشاءمون بالبارح ، وهو الطير الذى يطير جهة الشمال. وكانوا يتطيّرون بصوت الغراب ويتأوّلونه ، وكانوا يستدلون بمجاوبات الطيور بعضها بعضا على أمور ، وبأصواتها فى غير أوقاتها ، وأكثر تطيّرهم كان بالطير لا بالحيوانات أو الأشياء أو الطقس ، فسمّوا الجميع تطيّرا من هذا الوجه. وفى الحديث نهىّ عن ذلك : «أقروا الطير على وكناتها» أى فى أعشاشها وأوكارها ولا تفزعوها لتتطيروا ، وقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الطيرة شرك» ، وقوله تعالى : (إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ) أى ما قدر لهم وعليهم ، وهو ما لحق قوم فرعون من القحط والشدائد بذنوبهم لا من عند موسى.

(كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ...) (١٧٦) : يضرب هذا المثل لمن يحصّل العلم ولا يعمل به ، ويسمع بالدعوة ، ويكفر بها ، ويدعى إلى الآخرة فيخلد إلى الدنيا ولذّاتها ، ويلزمها ويتّبع الشيطان وما يزيّنه له ، فحاله كالكلب يلهث إن ضربته ، ويلهث إن لم تضربه ، وكذلك الجاحد يظل على كفره ، دعوته أو لم تدعه ، وعلم أو لم يعلم. وأهل

١٢٠٣

الحكمة يقولون فى الكلب : إنه لا نفس له ، فنفسه منقطع ، فيلهث فى الكلال وفى الراحة ، وفى المرض وفى الصحة ، وفى الرىّ وفى العطش ، فكذلك الكافر ، إن وعظته ضلّ ، وإن تركته ضلّ : (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) (١٩٣) (الأعراف). والمثل عام فى كل من استمع إلى القرآن وعرف عن الإسلام ولم يؤمن ، وفى كل من عرف آيات الله ولم يعمل بأوامرها ونواهيها ، ومن يقرأ الكتب ولا يسلك بمقتضى حكمتها ، فمثله كمثل الكلب ، وهو تمثيل ، لأنه يعنى أن هواه قد غلبه حتى ما عاد يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، كالكلب اللاهث أبدا حمل عليه أو لم يحمل عليه.

(لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) (١٧٩) : المثل يضرب لمن لا ينتفع بما أعطاه الله من نعمة العقل والإبصار والسمع والحواس عموما ، فلا يفقه قولا ، ولا يعقل ثوابا ، ولا ليخاف عقابا ، فهم كالأنعام ، همّتهم انصرفت إلى الأكل والشّرب ، فصاروا أضل ، لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها ، وتتبع مالكها ، فكأنما بفطرتها تعرف ربّها ولم تجحده ، وهؤلاء لم يعرفوا ربّهم ، وغفلوا عن الحق.

(فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (١٨٥) : قول يؤثر ويردّ به على من يستهين بما يقال ، ويستقله.

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩) : هذه الآية من ثلاث كلمات ، تضمنت قواعد الشريعة فى المأمورات والمنهيات ، فأما قوله : (خُذِ الْعَفْوَ) فأمر بصلة من يقطعك ، والعفو عمن يأثم فى حقك ، والرفق بالمؤمنين ، وأن لا تحمّل الناس إلا وسعهم ، وأن لا تكلفهم إلا ما كان فى استطاعتهم ؛ وقوله : (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) فالعرف ما اصطلح الناس عليه فى أمور الخير والبرّ والحق ؛ وقوله : (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) فالجهل ضده العلم ، فأن تعرض عن الجاهلين ، لأن ما يصدرون عنه هو عدم الدراية ، وقلة المعرفة ، ومن شأن الجهل أن يردى صاحبه فى الظلم ، فيظلم الناس ويظلم نفسه ، والعاقل من تعلّم وعلّم ، والتعلق بالتعلّم من دأب أهل الحكمة ، وفى الإعراض عن الجاهلين إعراض عن أهل الظلم ، وتنزّه عن منازعة السفهاء والتنزل إلى مستوى الجهلة الأغبياء ، ولما سأل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم جبريل عن معنى هذه الآية ذهب فسأل ربّه وعاد إليه يقول : «إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطى من حرمك ، وتصل من قطعك» أخرجه الحاكم والبيهقى. وفى الحديث عن أبى هريرة قال : «إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» أخرجه البزار. وفى الشعر :

١٢٠٤

مكارم الأخلاق فى ثلاثة

من كملت فيه فذلك الفتى

إعطاء من تحرمه ووصل من

تقطعه والعفو عمّن اعتدى

فهذه الآية هى أجمع آية لمكارم الأخلاق. وكان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم يدعو لها ، وقال عن نفسه : «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وفى الحديث : «أمرنى ربّى بتسع : الإخلاص فى السرّ والعلانية ، والعدل فى الرضا والغضب ، والقصد فى الغنى والفقر ، وأن أعفو عمن ظلمنى ، وأصل من قطعنى ، وأعطى من حرمنى ، وأن يكون نطقى ذكرا ، وصمتى فكرا ، ونظرى عبرة».

* * *

٩٥٥. أمثال وحكم فى سورة الأنفال

(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ) (٥٦) : شبّه الله تعالى من ينقض العهد بالدابة ، بل إنهم من شرّ الدواب : لأنهم لا يؤمنون بالله فليس لهم عهد ، ودائما ينقضونه ، وهؤلاء هم اليهود ، كانوا أيام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم من بنى قريظة والنضير ، وهم اليهود عموما ، وخير مثال لذلك ما يوقعون مع الفلسطينين من مواثيق ينقضونها بسرعة. والدابة هى التى تدب على الأرض وما فى حكمها.

* * *

٩٥٦. أمثال وحكم فى سورة التوبة

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (٣٢) : ونور الله هو دينه ، فجعل الدين بمنزلة النور.

(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (١٠٥) (التوبة) : وفى الحديث عن عائشة : «إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم فقل .. الآية» ، يعنى العمل الطيب يرضى عنه الله ورسوله والمؤمنون ، والعمل السيئ لا يرضى أحدا ، وفى الحديث : «لو أن أحدكم يعمل فى صخرة ليس لها باب ولا كوة ، لخرج عمله للناس كائنا ما كان» ، يعنى مصير كل عمل وإن خفى أن يظهر وينكشف ويعلم به. ويوم القيامة تعرض الأعمال على الله تعالى ورسوله ، والمؤمنون الموتى يعلمون بها فى الدنيا ، وفى الحديث : «إن أعمالكم تعرض على أقاربكم من الأموات ، فإن خيرا استبشروا به ، وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا».

* * *

١٢٠٥

٩٥٧. أمثال وحكم فى سورة يونس

(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (١١) : المثل يقال لمن يتعجّل الشر كاستعجاله للخير ، فلا يستجاب له ، فلو عجّل الله للناس العقوبة كما يستعجلونه الثواب ، لأهلكهم وعجّل لهم قضاء آجالهم ليتعجّل لهم عذاب الآخرة ؛ والآية نزلت فى الرجل يدعو على نفسه أو على ولده ، فلو استجيب له كما يستجاب للناس الخير ، لهلك.

(إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ...) (٢٤) : الآية لتشبيه وتمثيل صفة الحياة الدنيا فى فنائها وزوالها بالماء ـ أى مثل الماء يختلط بالأرض فيحيى الزروع ، وتعمّ الخضرة ، وتتزين الدنيا ، ويغتر الناس ، فيفعلون المعاصى ويكفرون ، فيأتيها عذاب الله ، ويهلك كل شىء ويستأصل ، وكأنه ما كان ، وكأنها لم تكن عامرة بالأمس.

(وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (٨٢) : مثل يعنى أن الحق مآله للنصرة ، ومعنى «يحقّ» يبيّنه ويوضّحه ؛ و «بكلماته» أى بكلامه وحججه وبراهينه ، وبعدالته بالنصر ؛ و «المجرمون» هم الظلمة أعداء الحق. والمثل يقال فقط : «ويحق الله الحق بكلماته».

* * *

٩٥٨. الأمثال والحكم فى سورة هود

(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ) (٧٧) : وفى الآية من الأقوال البليغة كالأمثال : «ضاق بهم ذرعا» ، و «هذا يوم عصيب» وفى الآية أنه ضاق صدره بمجيئهم وكرهه ، ويقولون : ضاق وسعه ، وأصل ذلك أن يذرع البعير بيديه فى سيره ذرعا على قدر سعة خطوه ، فإذا حمّل على أكثر من طوقه ضاق عن ذلك وضعف ومدّ عنقه ، فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع.

(وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) (٩٣) : والمكانة هى الطريقة ، والمعنى اثبتوا على ما أنتم عليه ، فأنا ثابت على ما أنا عليه. وهذه الآية تكررت فى الأنعام (١٣٥) ؛ فإن قيل : كيف يجوز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه وهم كفّار ، فالجواب أن هذا تهديد ، كقوله تعالى : (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً) (التوبة ٨٢) ، ومن الأقوال البليغة كالأمثال : «اعملوا على مكانتكم إنى عامل سوف تعلمون» ، «وارتقبوا إنى معكم رقيب».

١٢٠٦

(يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) (٩٨) : المثل فى الآية قوله : «وبئس الورد المورود» ، ومعنى الورد المورود المدخل المدخول ، وأوردهم أى أدخلهم ، يقال عن النار : بئس الورد المورود ، يعنى بئس المكان الذى ينتهى إليه الكفار مستقرا ومقاما ، وهو مورود لأنهم جميعا يردونه حتما ، ومثل ذلك قوله تعالى : (بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) (٩٩) (هود) ، والرّفد هو الجزاء ، ويقال رفدته أى أعنته وأعطيته ، والمعنى بئس ما يجزى به الكافرون فى النار من أنواع الجزاء.

(إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ...) (١١٤) : اللفظ عام فى الحسنات والسيئات ، والحسنة تكفّر السيئة.

* * *

٩٥٩. الأمثال والحكم فى سورة يوسف

(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (١٨) : كقوله تعالى : (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) (٥) (المعارج) ، والصبر الجميل هو الذى لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله ، فيكون صاحب المصيبة فى القوم فلا تدرى من يكون من شدّة صبره على ما أصابه.

(قَدْ شَغَفَها حُبًّا ...) (٣٠) : والشغف باطن القلب ، وشغفها حبا غلبها ودخل حبه فى شغافها ، والمثل يقال بمعنى ذهب بها كل مذهب.

(قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ) (٤٤) (يوسف) : وأضغاث الأحلام هى الأحلام المختلطة ، والضغث هو المختلط من البقل أو الحشيش أو غير ذلك.

(الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ) (٥١) : يعنى تبين وظهر الحق ، وأصله حصص ثم قيل حصحص ، والحصّ هو استئصال الشيء ، وكأنه أراد أن يقول : بانت حصة الحق من حصة الباطل.

(وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ) (٦٧) : هو كقولنا : لا ينفع الحذر مع القدر.

(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ...) (٦٧) : هو تسليم لله بالحكم لا يشاركه أحد ، ولا يمانعه شىء.

(وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (٧٦) : حكمة غالية ، ومثل جامع ، فليس عالم إلا فوقه عالم ، حتى ينتهى إلى الله عزوجل ، وهو تعالى العليم فوق كل عالم ، وإليه ينتهى العلم ، ومنه بدئ ، وإليه يعود.

(لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) (٨٧) : والمعنى : «لا تيأسوا من روح الله» ، أى من فرج الله ؛ واليأس أشد من القنوط ، واليأس من الكبائر.

* * *

١٢٠٧

٩٦٠. لأمثال والحكم فى سورة الرعد

(وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ...) (٤) (الرعد) : المراد بهذه الآية المثل ، ضربه الله تعالى لبنى آدم ، أصلهم واحد ، رهم مختلفون فى الخير والشر ، والإيمان والكفر ، كاختلاف الثمار التى تسقى بماء واحد ، ومنه قول الشاعر :

الناس كالنبت ، والنبت ألوان

منها شجر الصندل والكافور والبان

ومنها شجر ينضح طول الدهر قطران

(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (٥) : قول فى التعجب استنكارا ، يعنى إن تعجب يا محمد من إنكارهم لك ، فأعجب منه تكذيبهم بالبعث.

(إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ...) (١١) (الرعد) : هذه قضية دينية ، وأخلاقية ، وسياسية ، واجتماعية ، واقتصادية : أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يقع منهم التغيير لأنفسهم. ومثل ذلك قوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) (الأنفال ٥٣) ، يعنى أنه ينتزع منهم النعمة لأنهم غيّروا وبدّلوا. والآية معجزة علمية فى مجال علم التمدّن للمجتمعات.

(إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ ...) (١٤) : يضرب لمن يسعى فيما لا يدركه مثلا بالقابض على الماء بيده يريد أن يبلغ به فاه فلا يبلغه ، ومثله كالظمآن على شفّة بئر ، فلا هو يبلغ بيده قعر البئر ، ولا الماء يرتفع إليه.

(أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ) (١٧) : هذا مثل ضربه الله للحق والباطل ، والإيمان والكفر ، والعدل والظلم ، والخير والشر ، فمثل الحق فى ثباته ، والباطل فى اضمحلاله ، مثل الماء الذى ينزل مطرا ويكون سبيلا تمتلئ به الأودية ، ويحمل السيل زبدا عاليا ، فالحقّ هو الماء الباقى الذى يمكث فى الأرض ، والزبد هو الذى ينقشع ويتلاشى مما لا ينتفع به وهو الباطل. والمثل الآخر : هو الزبد الآخر الذى يكون على المنصهر من مختلف المعادن كالذهب والفضة والنحاس ، مما يسبك فى النار لتصنع منه زينة أو أدوات ينتفع بها ، كالأوانى ، فهذا الزبد ـ زبد المعادن ـ يشبه زبد السيل ، لا ينتفع به مثله ، ولذلك يتخلّص منه ويلقى به ، فكذلك الحق والباطل ، فالحقّ ثابت والباطل إلى زوال.

(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) (١٧) : والزبد هو

١٢٠٨

الغثاء الذى يحمله السيل ، وجفاء : يعنى يضمحل ويتلاشى ، لأنه لا منفعة فيه ، فلا بقاء له ، يقال جفا الماء بالزبد : إذا قذفه ورمى به. والمثل يعنى أن ما ينفع الناس هو الذى له الدوام والبقاء ، وما لا نفع فيه ينسى ويضمحل وينتهى أمره.

(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى) (١٩) : هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر. والمراد بالعمى عمى القلب ، والجاهل بالدين أعمى القلب ، وكذلك المنكر للقرآن وأنه نزل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من الله تعالى.

(عُقْبَى الدَّارِ) (٢٤) العقبى آخر كل شىء ، والعقبى هى الآخرة ، وعقبى الدار هى عاقبة الآخرة ، وقد تكون الجنة ، وقد تكون النار ، وإنما الجنة للمتّقين ، والنار للمزدرين المنكرين ، والعقبى للمتقين من أعقب يعنى جازى بالخير ، ومن عاقب أى جازى بالشّر. وفى الآية مثل الآخرة بالدار التى فيها الإقامة ، وجعلها عاقبة أى تتمة المطاف.

(أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (٢٨) : الذكر باللسان ، والاطمئنان محله القلب ، والقلوب تطمئن بذكر فضله تعالى وإنعامه ، كما توجل بذكر عدله وانتقامه وقضائه ، ويذكرونه بتأمل آياته فيعرفون كمال قدرته عن بصيرة.

(وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ) (٣١) : المثل يقال عن كل ظالم أو جاحد ، فما زالت تصيبهم الدواهى المهلكة من العذاب والبلاء لسوء عملهم ، تفجئهم بعتوهم ، وتنزل بساحتهم بالقرب منهم.

(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها ...) (٣٥) : مثل الجنة التى وعد المتقون كمثل ما يعرفه أهل الأرض عن الجنان ، فإن بها أنهارا وأكل ، ولها ظل ولكنه دائم وليس كالظلال فى الأرض.

(لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) (٣٨) (الرعد) : المثل كقوله : (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ) (الأنعام ٦٧) ، والمعنى لكل أمر مقدّر وقت معلوم. وقيل : إن خاتم موسى فى إصبعه كان مكتوبا عليه :

(لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) (٣٨) ، تذكيرا له ووعظا.

* * *

٩٦١. الأمثال والحكم فى سورة إبراهيم

(لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) (١) : هذا على التمثيل ، فجعل الكفر بمنزلة الظلمة ، والإسلام بمنزلة النور.

(وَيَبْغُونَها عِوَجاً) (٣) : أراد بها الدنيا ، يطلب لها الكافر الزيغ والميل لأنهما يوافقان هواه.

١٢٠٩

(لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (٧) : الآية نصّ فى أن الشكر سبب المزيد ، والمعنى : لئن شكرتم أنعامى ، لأزيدنكم من فضلى.

(فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ) (٩) : كقوله تعالى (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) (آل عمران ١١٩) أى جعل أولئك القوم أيدى أنفسهم فى أفواههم ليعضّوها غيظا مما جاء به الرسل.

(مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا) (١٨) : مثلهم كمثل رماد ذرته الرياح ، يعنى حبطت أعمالهم ، والرماد ما بقى بعد الاحتراق ، فضرب الله هذه الآية مثلا لأعمال الكافرين أنه تعالى يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد فى اليوم العاصف.

(ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ) (٢١) : أى ما لنا من مهرب وملجأ ، من حاص فلان عن كذا ، أى فرّ وزاغ ، يحيص حيصا وحيوصا.

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (٢٥) : قيل : مثل الإيمان كمثل شجرة ثابتة : الاعتقاد عروقها ، والصلاة أصلها ، والزكاة فروعها ، والصيام أغصانها ، والتأذّى فى الله ساقها ، وحسن الخلق ورقها ، والكفّ عن محارم الله ثمرتها. وقيل : مثل الإيمان كالنخلة ، أصلها ثابت فى الأرض وتشرب منها ، وتسقيها السماء من فوقها فهى زاكية نامية. وقيل : (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ) (٢٦) (إبراهيم) ، والشجرة الخبيثة هى شجرة الحنظل أو المرّ. وقيل : الكلمة الخبيثة هى كلمة الكفر ، وقيل هى المشرك نفسه ، واجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار : أى ليس للمشرك أصل يعمل عليه. والكلمة يفهم منها القول والدعاء ، فالكلمة الطيبة هى الدعاء بالخير ، والكلمة الخبيثة هى الدعاء بالشرّ.

(وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ) (٤٦) : والمعنى : استعظام مكرهم ، أى ولقد عظم مكرهم حتى كادت الجبال تزول منه ، والجبال لا تزول ولكن العبارة عن تعظيم الشيء.

* * *

٩٦٢. الأمثال والحكم فى سورة الحجر

(وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (١٥) : والمعنى إجمالا : إنهم لو أجيبوا إلى ما اقترحوا من الآيات

١٢١٠

تتنزل على النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من ربّه دليلا على أنه نبىّ ، لأصرّوا على الكفر وتعلّلوا بالخيالات ، كما قالوا للقرآن المعجز أنه سحر ؛ ويعرجون يصعدون ، وسكّرت أبصارنا سدّت بالسحر وأغشيت وعميت.

(وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (٥٦) : استفهام إنكارى ، أى لا يقنط من رحمة الله إلا من ضل طريقه وأخطأ الصواب ، وجهل ربّ الأرباب ؛ وأما القلب المؤمن المتصل بالرحمن فلا ييأس ولا يقنط. وتعجّب إبراهيم كان بسبب بشارة الملائكة له أنه سينجب إسحاق ، والله خلق آدم بلا أبوين ، أفيعجز عن أن يخلق من شيخ فان وعجوز عاقر؟ ولذلك ردّ عليهم بهذا الجواب الذى صار مثلا.

(دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) (٦٦) : نظيره قوله تعالى : (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) (الأنعام ٤٥) ، أى استأصلهم عن آخرهم فلم يبق منهم أحد. والدابر آخر الشيء.

(وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٨٨) : يعنى ألن جانبك لمن آمن بك ، وتواضع لهم ، وهذا عام لكل المسلمين ، يقال فلان خافض الجناح أى وقور ساكن ، والجناحان من ابن آدم جانباه.

* * *

٩٦٣. الأمثال والحكم فى سورة النحل

(وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ) (٨) : مثل يقال لدى رؤية العجيب والغريب من الأشياء والخلق مما لم يره بشر.

(وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) (٩) : وقصد السبيل : هو الطريق القاصد إلى المطلوب ، فعلى الله بيانه للناس ليهتدى به ، وهو يعين على بيانه بالرسل والحجج والبراهين ؛ ومنه «السبيل الجائر» أى الذى يحيد عن الحق.

(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها) (١٨) : يعنى لا تقوموا بحصرها لكثرتها ، كالسمع والبصر ، والكلام ، والفهم ، والعقل ، والرزق ... إلخ.

(أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) (٢٥) : المعنى بئس الوزر الذى يحملونه.

(فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) (٢٦) : الآية تمثيل ، والمعنى أنه تعالى أهلكهم فكانوا بمنزلة من سقط عليه بنيانه.

(فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (٥٥) : المثل لبيان عاقبة الانغماس فى المتع ونسيان الله.

(لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) (٦٠) : يقال لفلان (مَثَلُ السَّوْءِ) يعنى له كل الصفات السيئة التى يمكن أن تكون لإنسان سيّئ ، (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) أى الوصف الأعلى بأنه الواحد ، والرازق ، والقادر ... إلخ.

١٢١١

(وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ) (٦١) : المراد بالآية العموم ، أى لو أخذ الله الخلق بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة ، ولو أخذ الخلائق بذنوب المؤمنين لأصاب العذاب جميع الخلق.

(وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) (٧١) : والمعنى جعل الغنى والفقير ، لأنه فضل بعضا على بعض فى القدرات ، فاختلفت الأرزاق ، وهو مبدأ هام فى اشتراكية الإسلام.

(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٧٦) : هذا المثل لاثنين أحدهما لا يصلح لشىء وعبء على من يستخدمه ، والآخر عاقل وقادر وله الأمر ، هل يستويان؟ وهل يستوى الكافر والمؤمن ، ومن يرضى بالظلم ومن يأمر بالمعروف؟ ومثل ذلك المثل الآخر فى الآية : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٧٥) ، يعنى لا يستوى العبد المملوك الذى لا يقدر من أمره على شىء ، والرجل الحر الذى يرزق الرزق الحسن فينفق منه فى وجوه الخير سرا وجهرا ، فكذلك من جعلتم شركاء لله وهم لا يستطيعون شيئا ، فهل يقارنون بالله تعالى؟

(وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً) (٩٢) : شبّهت الآية الذى يعزم على عمل ويعاهد عليه ويبرم عهده ، ثم ينقضه ، بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكما ثم تحلّه. ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرّة كانت تفعل ذلك ، فبها وقع التشبيه. وقيل إنما الآية تضرب مثلا وليست عن امرأة بعينها. وهذا المثل نفسه يصدق على بنيلوبى Penelope من نساء الأدب الغربى الإغريقى ، وكانت زوجة أوديسيوس الذى ذكر قصته وقصتها هومر فى الإلياذة ، وكان زوجها قد ذهب للمشاركة فى حرب طروادة ، وغاب عنها عشرين سنة ، واجتمع عليها خمسون من أعيان أتيكا ، يقنعونها أن زوجها مات ، وأن عليها أن تتزوج ، ويتوددون إليها ، ويغازلونها ، ويتقربون منها ، ويفرضون أنفسهم عليها فى بيتها كل ليلة ، لعلها تقع فى حب أحدهم ، أو تختار واحدا منهم زوجا لها ، ولم يفلحوا فى إغوائها ، وتمنعت عليهم ، وكانت تؤثر أن تنتظر زوجها يعود إليها ، وأن تربى ابنها منه. وكان الابن طفلا حين ارتحل أبوه ، وتخشى أن تصدّ مغازلات أعيان أتيكا فيغضبون عليها ويكيدون لها ويجاهرونها العداء ، فاحتالت عليهم واحضرت خيوط صوف تغزلها فى المساء والأعيان حضور ، وتدّعى أنها تصنع كفنا

١٢١٢

للايرتيس المريض ، والد أوديسيوس ، وأنها بعد وفاة لايرتيس ستصبح حرّة تتزوج من تشاء ، ولكنها فى الصباح وخلال النهار كانت تنقض غزلها ، لتحكمه المرة بعد المرة فى المساء ، فلا هى تنهى غزل الكفن ، ولا هى تتوقف عن إحكام الغزل ونقضه يوميا ، إلى أن جاء زوجها وخلّصها من ورطتها. ومثل بنيولوبى تصدق عليه الآية القرآنية : (كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً).

(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) (١١٢) : قيل : القرية هى مكة ، ضرب بها المثل لغيرها من البلاد ، فمع أنها إلى جوار بيت الله ، ولأهلها عمارته ، فقد كفر أهلها ، فأصابهم القحط ، فكيف بغير مكة من البلاد؟!! والصحيح أن المثل مضروب بأى قرية أو مدينة ، أو بأى شعب أو دولة ، تكون على هذه الصفة من الجحد بأنعم الله وينصرف أهلها عن عبادته.

* * *

٩٦٤. أمثال وحكم سورة الإسراء

(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) (٧) : المعنى أن النفع للإحسان ، والضرر من الإساءة ، مرجعهما إلى من يفعلهما.

(وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا) (٨) المثل فى الآية معناه : إن عدتم عاد الله عليكم ، وقيل فى بنى إسرائيل حلّ العقاب بهم مرتين ، حين عاودهم العصيان.

(وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ) (١١) : هذا المثل يضرب لمن يدعو فى طلب المحظور كما يدعو فى طلب المباح.

(وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً) (١١) يعنى طبعه العجلة ، ونظيره قوله : (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) (الأنبياء ٣٧) ، وبتفسير عائشة قالت : أن يؤثر العاجل وإن قلّ ، على الآجل وإن جلّ.

(وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) (١٣) : طائره هو عمله ، وكل إنسان مسئول عن عمله ، وتتلازم المسئولية والعمل ، ويلزمان صاحبهما كما تلزم القلادة العنق ، ويوم القيامة يلقى كل إنسان كتاب عمله هذا منشورا ، قلمه هو لسانه ، ومداده هو ريقه ، وقرطاسه هو أعضاؤه ، وجميعه يشهد عليه ، ولات حين مناص.

(وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (٢٤) : هذه استعارة فى الشفقة والرحمة بالوالدين ، والتذلل لهما تذلل الخادم من السيد ، وضرب خفض الجناح ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينصبه لولده. والذل هو اللين.

١٢١٣

(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) (٢٩) : هذا مجاز عبر به عن البخيل الذى لا يقدر على إخراج شىء بخلا وشحا ، فضرب له مثل الغلّ الذى يمنع التصرف باليد.

(وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) (٦٤) : يقال فى الأمثال : «أتى بخيله ورجله» يعنى أتى بفرسانه ومشاته ، أى أنه استعان بكل ما عنده ، واستنفد كل حيله وإمكاناته ، والمثل يقال للتحديّ ، والإجلاب من جلبة السوق ، يعنى جمع كل ما يستطيع جمعه ، وسياق الآية عن إبليس وكل من تابعه ، يأمره الله تعالى أمر إهانة ، أن يجهد نفسه فقد أنظره ، وأن يجمع كل ما يقدر عليه من المكايد ، ويجنّد كل من بوسعه تجنيده من الناس ، الماشى منهم والراكب ، والفقير والغنى ، فالنتيجة واحدة ، أن الحق على المدى الطويل يزهق الباطل ، وينتصر الخير على الشر.

(وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) (٨١) : الآية عامة ، والله يحقّ الحقّ ويبطل الباطل.

(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٨٢) : القرآن شفاء للقلوب والأمراض الباطنة ، وللأجسام والأمراض الظاهرة ، والأمراض منها النفسى الجسمى ، فالعلة النفسية تعطّل الجسم ، وكذلك العلّة الجسمية تعطل النفس ، والقرآن يعالج الجسم بعلاج النفس.

(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) (٨٤) : المثل يعنى كلّ يعمل على ما هو أشكل عنده وأولى بالصواب فى اعتقاده ، مأخوذ من الشكل ، يقال : لست على شاكلتى ولا شكلى ، فالشكل هو المثل والنظير والضريب. وكل أحد يعمل على ما يشاكل أصله وأخلاقه.

* * *

٩٦٥. أمثال وحكم سورة الكهف

(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) (٥) : هو قول حسن وردّ مفحم ، ويعنى قولهم بأن لله ولدا هو قول مستشنع مستبشع مستفظع ، وفى غاية الفساد والبطلان. والكلمة تكبر أى تعظم ، وهى قولهم اتخذ الله ولدا.

(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (٦) : الآية من وجيز القرآن ، وفيها تسلية للنبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهى جواب على من لا يؤمن ، وسلوى لمن يدعو الداعية إلى الإيمان ولا يجد صدى لدعوته.

(إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (٧) : الآية بسط فى

١٢١٤

التسلية ، أى لا تهتم يا محمد للدنيا وأهلها فإنّا إنما جعلنا ذلك امتحانا واختبارا لهم ، فمنهم من يتدبّر ويؤمن ، ومنهم من يكفر. وفى الحديث من ذلك : «إن الدنيا خضرة حلوة ، والله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون» ، والآية قول حسن وجيز فى ألفاظه ، بليغ فى معناه.

(فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) (١١) : الآية من فصيحات القرآن التى أقرّت قصور العرب عن الإتيان بمثل ما تضمنه القرآن من حقائق علمية ، ومعناها ضربناهم على آذانهم بالنوم ، أى سددنا آذانهم عن نفوذ الأصوات إليها ، فما عادوا يسمعون ؛ والنوم لا يستحكم إلا إذا تعطّل السمع ، فهذه حقيقة علمية لم يكن العرب يعرفونها ، ولا اليونان ، وكانوا يقولون فى تفسير ظاهرة عدم السماع أثناء النوم بأن الشيطان يبول فى أذن النائم فلا يسمع ، ومن أمثالهم فى ذلك قولهم : ذاك رجل بال الشيطان فى أذنه.

(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ ..) (٢٤) : الآية فيها أن تعد بفعل شىء إلا لو قلت : إن شاء الله ، وذكر مشيئة الله من الإيمان.

(وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) (٢٤) : يعنى اذكره بعد النسيان ، وكل من يعد بشيء ولا يقول إن شاء الله ، عليه أن يقول عسى ربى أن يهدينى لأقرب من هذا رشدا ، وهى كفّارة لنسيان إن شاء الله ، والآية دعاء دون تخصيص ، والمعنى إذا نسيت شيئا فاذكره تعالى يذكّرك به. واذكره تعالى إذا نسيت غيره ، أو نسيت نفسك ، فذلك حقيقة الذكر.

(أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) (٢٦) : قول موجز فيه حكمة ، يعنى لا أحد أبصر من الله ولا أسمع منه.

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً) (٣٤) : هذا مثل لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة المؤمنين ، نزلت فى أخوين من أهل مكة مخزوميين ، أحدهما مؤمن والآخر كافر ، وقيل نزلت فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأهل مكة. وقيل : هو مثل لجميع من آمن بالله وجميع من كفر. وقيل هو مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وصهيب وأصحابهما.

(وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) (٣٩) : هو توبيخ ووصية من المؤمن للكافر ، وكل من دخل منزلا ينبغى أن يقوله. وفى الحديث : «لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قالها العبد ، قال الله : أسلم عبدى واستسلم» أخرجه مسلم.

١٢١٥

(الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا) (٤٦) : فى المال جمع ونفع ، وفى البنين قوة ودفع ، فصارا زينة الحياة الدنيا.

(وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) (٤٦) : الآية كلها : (الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) (٤٦) ، يعنى أن المال هو عصب الدنيا ، والبنون قوتها ، ولكنهما غرور يمر ولا يبقى ، والذى يبقى هو الصالحات ، فهى زاد القبر وعدّة الآخرة ، وكان يقال : لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب ، ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغدا مع غيرك ، ولا مع المناصب والجاه والسلطان لأن ذلك اليوم لك وغدا لغيرك. والله تعالى يقول : (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (التغابن ١٥) ، ويقول : (إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن ١٤).

(وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) (٥٤) : يجادل فى الحق والباطل ، وينسب القرآن حبّ المجادلة فى الإنسان إلى الكبر فيه : (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ) (غافر ٥٦) ، وأكثر الجدال فى الله وآياته ، يقول تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الحج ٣) ، ويقول : (ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) (غافر ٤). والقرآن لا يحرّم الجدل إطلاقا ولكنه يفرّق بين الجدل عن حق ، والجدال عن باطل ، وشرط الجدل أن يكون بالمنطق : (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (العنكبوت ٤٦) ، قيل (بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) هو المنطق.

(لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) (٧١) كقوله : (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً) (٧٤) ، واختلف الناس أيهما أبلغ : إمرا أو نكرا ، قالوا : نكرا أبلغ لأن الخضر قتل الولد ، والقتل منكر لا شك فيه ؛ وقالوا : امرا أبلغ لأن خرق سفينة فيه قتل لجماعة وليس لواحد.

(قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً) (١٠٩) (الكهف) : المثل يعنى : إن كان البحر مدادا لكلمات الله ، لنفذ البحر قبل أن تنقذ العبارات والدلالات التى تدل على مفهومات معانى كلامه ، كقوله : (وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ) (لقمان ٢٧).

* * *

٩٦٦. أمثال وحكم سورة طه

(اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي) (٣٢) : هذا القول من الأمثال ، ويقال عمن نتوسم فيه الخير ويرجى به الصلاح ، والأزر هو الظهر ، والشراكة فى الأمر بالنصح والإرشاد ، وهو قول موسى عن أخيه تبريرا لاستوزاره.

* * *

١٢١٦

٩٦٧. أمثال وحكم سورة الأنبياء

(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ) (١٨) : أصل الدمغ شجّ الرأس حتى يبلغ الدماغ ، والحق هو القرآن ، والباطل الشيطان والمعاصى ، ووصفهم الله بغير صفاته من الولد وغيره من الباطل ، والحق الحجة ، أو المواعظ. وزاهق يعنى هالك وتالف.

(لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ) (٢٣) : المثل يعنى أنه تعالى لا يؤاخذ على أفعاله والناس يؤاخذون.

(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (٣٥) : الشدّة والرخاء ، والحلال والحرام ، فتنة وابتلاء واختبار.

(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) (٣٧) : معنى المثل أنه طبع على الاستعجال ، والمراد بالإنسان الناس كلهم ، كقوله : (وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً) (الإسراء ١١).

(وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُ) (٩٧) : هو : يوم القيامة.

(قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (١١٢) : الآية فى تفويض الأمور إلى الله ، وتوقع الفرج من عنده.

* * *

٩٦٨. أمثال وحكم سورة الحج

(مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ) (١٥) : يقال استهزاء على جهة المثل السائر : «دونك الحبل فاشنق نفسك إن كان ذلك يريحك». والآية تعنى أن من يتشكك أن الله يمكن أن يعينه أو يرحمه ، أو يرزقه ، أو يشفيه ، أو ينصره ... إلخ ، أو يستبطىء الرحمة أو العون أو الرزق ، فليقتل نفسه إذن ـ طالما يئس من ربّه ، وليعلّق حبلا فى سقف حجرته ويربطه حول عنقه وينتحر إن كان فى انتحاره ما يذهب غيظه!

(وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ..) (١٨) : من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه ، ومن تهاون بعبادته لحقه الخزى والخسران.

(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ) (٣١) : المعنى : من يشرك بالله فهو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا ، ولا يدفع عن نفسه قهرا ولا عذابا ، فهو بمنزلة من خرّ من السماء ، فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه. وتخطفه الطير أى تقطعه بمخالبها ، وقيل ذلك عند خروج روحه.

(وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (٤٠) : وعد بنصرة من ينصر الحق ، ومن ينصر دينه ونبيّنه.

١٢١٧

(وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) (٤٥) : يقال وصفا للمكان بالخراب.

(فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها) (٤٦) : أضاف العقل إلى القلب لأنه محله ، كما أن السمع محله الأذن. والمعروف علميا أن العقل محله الدماغ ، فإن قلت عقليا فالمقصود ما بالدماغ وهى عملياته الإدراكية ، وإن قلت قلبيا فالمقصود الإيمان وهو من أعمال القلوب.

(فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (٤٦) : قيل : لكل إنسان أربع أعين ، عينان فى رأسه لدنياه ، وعينان فى قلبه لآخرته ، فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يضرّ ما عداه. وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئا.

(ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (٧٣) : هذا المثل بمقياس عصرنا هو إعجاز علمى ، وبمقياس الأقدمين هو إعجاز بلاغى ، يعنى ما تقدسونه وتتعاملون معه كأنما هو إله ، لا يقدر أن يخلق ذبابة ، ولو حتى ساعدوه وأعانوه جميعهم بعقولهم وعلومهم وآلاتهم ، وإن سلبهم الذباب شيئا ما استطاعوا أن يستنقذوه منه ، ضعف الطالب والمطلوب ، والطالب هم الناس الذى أغربوا فى التعبّد لغير الحق ، وانصرفوا إلى الباطل ، ولا حجة لديهم ولا برهان على ما يعتنقون من فلسفات علمانية أو إلحادية ، أو ليبرالية ، أو إمبرالية ، أو تنويرية. والمطلوب : هو الذباب بكل ما يمثله من ضعف وحقارة وقذارة ومهانة ، فهم بما يدّعون لأنفسهم ولعلومهم وعقولهم واختراعاتهم ، لا يقدرون على خلق ذبابة ، أو دفع أذية الذباب ، فكيف يدّعون لأنفسهم ما ليس لهم ، ويجعلون من عقولهم وعلومهم أربابا؟ والتمثيل رائع ، وقوله الطالب والمطلوب من مصطلحات المنطق ، ولا أحسب أن محمدا صلى‌الله‌عليه‌وسلم درس المنطق ليتحدث كأهله ، وهو ما يثبت أن الكلام هو كلام الله. والمقارنة بين الإنسان والذبابة باعتبار زمان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم متقدمة جدا ، لأننا لم نكتشف إلا حديثا جدا (من سنة ١٩٢٠ إلى سنة ٢٠٠١) التشابه فى التركيب الجينى بين الإنسان والذبابة (ذبابة الدروسوفيل تحديدا وهى ذبابة الفاكهة)! وتم هذا الاكتشاف من خلال علماء أمريكيين أساسا ، وعلق وزير البحث العلمى الفرنسى آنذاك (روجر جيرار) بأنه درس للإنسان فى التواضع!

* * *

٩٦٩. أمثال وحكم سورة المؤمنون

(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (٩٦) : أمر بالصفح ومكارم الأخلاق.

١٢١٨

* * *

٩٧٠. مثال وحكم سورة النور

(مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ..) (٣٥) : هذا مثل ضربه الله لنوره ، والتشبيه فيه الجملة بالجملة ، والنور المشبه ليس كنور الدنيا ، ولا الشجرة كشجر الدنيا ، ولو كانت الشجرة مثلا من شجر الدنيا لكانت شرقية أو غربية ، لكنها لا هذه ولا هذه ، ولو لا ذلك ما فهم الناس ولا عرفوا الله. والمثل ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به ، والآية تشابه بين نوره تعالى الذى هو هداه بجملة الأنوار التى يعرفها البشر ، فهذا أقصى ما يمكن أن يتصوروا به نوره تعالى.

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ..) (٣٩) هذا مثل ضربه الله تعالى للكفرة ، أو الفسقة ، أو الظلمة ، أو لأىّ من كانوا طالما هم من الأشرار ، فأعمال الخير طالما هم كذلك كأنما هى الماء يجرى على أرض منبسطة ويتسرّب منها فلا ينبت زرعا ، أو كسراب يحسبونه ماء ثم يتبين لهم أنه لا شىء ، فأى عمل خير لا ينجيهم طالما هم على ما هم عليه من الشرّ.

(أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) (٤٠) : هذا مثل آخر ضربه تعالى للأشرار أو الكفّار ، فمثّل فى الآية السابقة أعمالهم فى الخير بالسراب ، وفى هذا المثل مثّلها بالظلمات.

* * *

٩٧١. أمثال وحكم سورة الفرقان

(حِجْراً مَحْجُوراً) (٢٢) : الحجر الحرام ، والمحجور المحرم ، وهى كلمة الكفار للملائكة ، يقولونها استعاذة ، وكانت معروفة فى الجاهلية ، وتعنى حجر الله عليك ، كقولنا أعوذ بالله منك.

* * *

٩٧٢. أمثال وحكم سورة الشعراء

(إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) (٤) : مثل يضرب عند ما يراد أن يأتى الفعل من الآخرين اختيارا لا اضطرارا.

(وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) (١٣٠) : هو القتل فى غير حق ، وعلى الغضب من غير تثبت ، وقد صار ذلك فى بلادنا ، فتبطش الشرطة بالناس ، ويتحكم الحاكم الجبّار المتسلّط

١٢١٩

العاتى فى غير حق.

(وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) (٢٢٦) : هذا أوجز كلام عن الشعراء وأحوالهم.

* * *

٩٧٣. أمثال وحكم سورة النمل

(إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ) (٣٤) : هو قول فى الملوك والطغاة صار مثلا ، وهو قول بلقيس ملكة سبأ ، يعنى أنهم إذا فتحوا بلدا وغزوها أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة. وصدق الله تعالى على كلامها وقال : (وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ).

(قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) (٤٧) : يقال اطيّرنا بك : تشاءمنا ؛ والطيرة : هى الشؤم والنحس ، وما يتشاءم به ، ولا شىء أضر بالرأى ، ولا أفسد للتدبير من اعتقاده الطيرة. ومن ظن أن خوار بقرة ، أو نهيق حمار ، أو مواء قطة ، أو نعيق غراب ، يردّ قضاء ، أو يدفع مقدورا ، أو ينبئ عن معيبة ، فقد جهل :

طيرة الدهر لا تردّ قضاء

فاعذر الدهر لا تشبه بلوم

أى يوم يخصّه بسعود

والمنايا ينزلن فى كل يوم

ليس يوم إلا وفيه سعود

ونحوس تجرى لقوم فقوم

والطيرة : من زجر الطير ، جمع طائر ، وكان الناس قديما إذا أرادوا السفر نفّرت طائرا ، فإذا طار يمنة سارت وتيمنت ، وإن طار شمالا رجعت وتشاءمت ، ونهى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن ذلك ، وقال : «أقرّوا الطير على وكناتها» ، والوكنات بضم الكاف وسكونها جمع وكنة بالسكون ، وهى عش الطائر ووكره ، وفى القرآن : (قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ) (٤٧) ، وهؤلاء كانوا قوم النبىّ صالح ، والرّد على من يقول ذلك هو كما فى الآية : طائرك عند الله ، أى ما قد يأتيك من المصائب ليس من عندى بل من عند الله. أو تقول : طائرك معك ، يعنى هذا قدرك وقضاؤك ، أو هذا من تصوّرك وتخيّلك وليس منى ، كقوله تعالى : (إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (١٩) (يس) يعنى أكلما ذكّرتم تطيّرتم؟! وأما قوله تعالى : (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) (الإسراء ١٣) فهذا مثل آخر ، يعنى : أن عمل كل إنسان ، وما قدّر له من الخير والشر يلازمه أينما كان. يعنى ما يطيّر من خير أو شر على التمثيل ، يلزمه فى عنقه كما تلزمه القلادة ،

١٢٢٠

يعنى لا ينفك عنه. وطائر الإنسان ، هو شقاوته وسعادته وما كتب له من خير وشر ، وما طار له من التقدير ، أى صار له عند القسمة فى الأزل ، وفى قوله تعالى : (فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (١٣١) (الأعراف) ، يعنى ما لحقهم من القحط والشدائد إنما هو من عند الله بذنوبهم لا من عند موسى.

(إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ) (٨٠) : يقال لمن لا يستمع إلى ما يوعظ به ويترك التدبّر والاعتبار ، فهو كالميت لا حسّ له ولا عقل. كقوله : (وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ) (٨١) والعمى هو عمى القلوب ، فلا يصرفون عن ضلالتهم وغيّهم.

(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها ...) (٨٩) : هذا قول فى السلوك الحميد ، وفى الحديث : «اتق الله ، وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها».

(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها ...) (٩٣) (النمل) : كقوله تعالى : (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) (٥٣) (فصّلت) ، يقال للبرهنة على صدق المقال ، والآيات هى الدلائل على صواب ما يقال وكذب أى ادعاء آخر.

* * *

٩٧٤. أمثال وحكم سورة القصص

(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ) (٤) هذا مثل يقال للمستكبر تشبيها له بفرعون.

(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) (٦) : مثل يقال لمن يبدّل الله تعالى أحوالهم من الضعف إل القوة ، ومن الفقر إلى الغنى ، ومن الضعة إلى العزة ، ومن الخمود إلى السؤدد وطيب الذكر.

(وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً) (١٠) : هذا مثل يضرب للبال الناسى الذاهل الواله ، ونحوه قوله تعالى : (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ) (٤٣) (إبراهيم) ، أى جوف لا عقول لها ، لأن القلوب مراكز العقول كما فى قوله تعالى : (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها) (الحج ٤٦).

(سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ) (٥٥) : العبارة من القول الفصل ، وتقال لوقف أى نوع من الجدل أو المراجعة أو المشاتمة مع الخصوم.

(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (٥٦) : ليس للإنسان ما يتمنى ، وقد تحب لولدك الخير ، وولدك يصرّ على ما تكره.

(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ) (٦٨) : مثل يقال بنسبة الاختيار إلى الله ، وينفى نفيا عاما أن يكون للعبد فى الأشياء شىء سوى اكتسابه بقدرته تعالى ، وأن الخيرة لله فى أفعال

١٢٢١

العباد ، وليس لأحد من خلقه أن يختار عليه ، كقوله تعالى : (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب ٣٦) ، ومن ثم فلا ينبغى لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة فى ذلك.

(كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (٨٨) : كل شىء إلى فناء إلا الله ، أو كل عمل بلا طائل إلا عملا أريد به وجه الله.

* * *

٩٧٥. أمثال وحكم سورة العنكبوت

(مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ) (٥) : يعنى : من كان يرجو ثواب الله فإن الله ملاقيه وأجله تعالى محتوم ، يعنى الموت واقع لا محالة.

(وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ) (٦) : المثل لمن يجاهد ويكافح ويناضل من أجل الحق ، ويصبر على ما يلاقى ، فإنما يسعى لنفسه ، ليقيم حال نفسه ، وينال ثوابه ، وليس من ذلك شىء يرجع إلى الله أو إلى غيره.

(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) (٤١) : هو مثل ضربه الله تعالى لمن اتخذ من دونه آلهة لا تنفعه ولا تضره ، فكما أن بيت العنكبوت لا يقيها بردا ولا حرا فكذلك من يعبد غير الله ، فإن ما يعبده لن ينفعه ولن يضر به ، وإنّ أوهن البيوت ، أى أضعفها ، لبيت العنكبوت ، يضرب به المثل لضعف الآلهة من دون الله ووهنها ، فشبّهها ببيت العنكبوت. ولو علموا أن عبادة هذه الأشياء كاتخاذ بيت العنكبوت لا تغنى عنهم شيئا ، وأن هذا مثلهم لمّا عبدوها. والعنكبوت الحشرة المعروفة التى تنسج النسيج الرقيق المهلهل ، والجمع عناكيب.

(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) (٥٧) : المثل يقال لمن يخشى عاقبة تناله إذا خرج من وطنه ، أو أقدم على فعل يخشى مغبته ، أو كان يتصرف كأن الموت لا يلحقه. والآية تحقّر من شأن الدنيا ، وتؤكد على أن الموت واقع وإن تناساه الناس ، فالأولى المسارعة إلى طاعة الله.

(وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ) (٦٤) : شبّهت الآية الدنيا باللعبة التى يلهى بها ويلعب ، والمعنى أنه ما من شىء أعطاه الله الأغنياء من الدنيا إلا وهو يضمحل ويزول ، كاللعب الذى لا حقيقة له ولا ثبات ، والدنيا إن بقيت لك لم تبق أنت لها ، والحيوان يعنى الباقية ، وهى الحياة الأخرى ، فلا تزول ولا موت فيها. والحيوان يقع على كل شىء حى ، وأصل حيوان حييان فأبدلت الياء واوا لاجتماع المثلين.

١٢٢٢

* * *

٩٧٦. أمثال وحكم سورة الروم

(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...) (٢٧) : الآية فيها استدلال بالشاهد ـ وهو الخلق على قدرته فى الغائب وهو الإعادة ، (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (٢٩) (الأعراف) ، وفى عرف البشر إن إعادة الشيء أهون من ابتدائه ، وبمنطق الناس يكون البعث لمن يقدر على البداية أهون عليه من الإنشاء. والمثل إذن يضرب فيما يصعب كالخلق ، وفيما يسهل كالبعث ، وهو فى ذلك له المثل الأعلى ، والمثل هو الوصف ، فيكون المعنى أنه تعالى له الوصف الأعلى ، فإن كنا نتحدث عن فعله فقلنا كلاما يشبه كلامنا عن البشر ، نقول (لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى) ، نتحفظ به على أن نشابهه بالبشر.

(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ...) (٢٨) : المثل فى الشركاء ، والآية أصل فى الشركة بين المخلوقين ، لافتقار بعضهم إلى بعض ، ونفى هذه الشركة عن الله تعالى. والشركة قال بها الإسلام ، فالناس شركاء ، والاشتراكية من فلسفة الإسلام ، ولا شركاء لله. والآية تثبت أن الأغنياء دائمو الاعتراض على القول بأن الفقراء شركاؤهم فى مال الله ولهم فيه نصيب ، وهؤلاء أو أسلافهم قالوا : ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقنا ، فيقال لهم : فكيف يتصوّر أن تنزّهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم ، وتجعلوا عبيد الله شركاء له فى خلقه؟ وهو حكم فاسد ، وقلة نظر ، وعمى قلب ، سواء فى مسائل الاقتصاد أو الاعتقاد. فإذا كانت الشراكة باطلة بمنطقكم بينكم وبين عبيدكم فيما تملكون أنتم ، فيبطل بمنطقكم أيضا أن يكون شىء من العالم شريكا لله فى شىء من أفعاله وخلقه! فلم يبق إلا أنه واحد ، ويستحيل أن يكون له شريك ، إذ الشركة تقتضى المعاونة ، والناس تفتقر إلى معاونة بعضهم بعضا بالمال والعمل والخبرة والتكنولوجيا والعلم ، وهذا هو الأصل فى الاشتراكية بين الناس ، أما الله فهو منزّه عن ذلك!

(وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) (٣٣) المثل للتعجب من أمر من يترك الإنابة إلى الله فى كل الأحوال. والإنابة هى الإقبال عليه بكل ما فى النفس من عزم. والشّرك هو أن تشكر غير الله فى النعمة ، وتلجأ إلى الله فى الشدّة.

(وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) (٣٦) : الآية صفة لقليلى الإيمان ، يقنطون عند الشدّة ، ويبطرون عند النعمة ، وأما

١٢٢٣

المؤمن فيشكر ربّه عند النعمة ، ويرجوه عند الشدّة.

(ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (٤١) : هذا مثل يضرب عند ما تعمّ المعاصى وتطمّ المظالم ، وقيل فساد البحر هو مكوث ماؤه وموت أسماكه ، وفساد البرّ جدب الأراضى ، ونضوب المياه ، وانقطاع السّبل ، وقطع الطرق ، وشيوع السرقات والاختلاسات. وقيل البرّ هو اللسان ، والبحر هو القلب ، وفساد البرّ والبحر هو ظهور ما على اللسان وخفاء ما فى القلب. وقيل البرّ الفيافى ، والبحر القرى ، والعرب يسمون الأمصار البحار ، وإذا عمّ الفساد شمل كل ذلك.

(وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (٤٧) : يقال هذا المثل بمعنى أن الله لا يخلف الميعاد ، وفى الحديث : «ما من مسلم يذب عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله تعالى أن يردّ عنه نار جهنم يوم القيامة» ، ثم تلا : (وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).

(خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً) (٥٤) : الآية تمثّل مراحل العمر ، والضعف الأول ما نكون عليه فى الابتداء من الطفولة والصغر ؛ ثم جعل من بعد ضعف قوة ، يعنى الشيبة ، ثم جعل من بعد قوة ضعفا ، يعنى الهرم.

* * *

٩٧٧. أمثال وحكم سورة لقمان

(يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (١٦) : يضرب الله تعالى مثل الخطيئة أو المظلمة تدقّ على صاحبها أو تخفى على الناس ، بحبّة الخردل ، قيل هى أصغر شىء يمكن أن يلاحظ بالبصر ، ورغم صغرها ودقّتها تخفى فى صخرة لا سبيل إليها ، أو فى السموات أو فى الأرض ، مما هما عليه من سعة ، حتى لتحار أين تبحث؟ وأين تبتدئ؟ وأين تنتهى؟ والله تعالى هو القادر على أن يأتى بها ، لأنه اللطيف الذى لا تخفى عليه خافية ، والخبير العالم بدبيب النمل فى الليل البهيم.

(إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) (١٨) : المثل عن المتكبّر : من دأبه أن يتبختر فى مشيه ويظهر المرح ؛ والمختال : هو صاحب الخيلاء ، أى العجب والكبر ؛ والفخور : هو الذى يعدّد ما أعطى ، ويباهى ويمتدح بالخصال ، إما فيه أو فى أهله.

(إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (١٩) : الحمار مثل من أمثلة الذمّ البليغ ، وكذلك نهاقه يشبّه به رفع الصوت فى المخاطبة والملاحاة أى المباغضة ، والمثل أدب من الله تعالى بترك الصياح ، وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت ، من كان أجهر صوتا كان أعزّ ، ومن كان أخفض كان أذل ، فنهت الآية عن هذه الخلق الجاهلية ، فلو كان شىء

١٢٢٤

يهاب لعلو صوته لكان الحمار! فجعلتهم الآية فى المثل سواء.

* * *

٩٧٨. أمثال وحكم سورة الأحزاب

(ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (٤) : هذا مثل ضرب للمنافق ، أى كما لا يكون للرجل قلبان ، كذلك لا يكون للمنافق ولاءان. وكان كل منافق إذا سألته يقول : لى قلب يأمرنى بكذا وقلب يأمرنى بكذا ، فكذلك لا يجتمع اعتقادان متغايران فى قلب ، وعلى ذلك فحامل الجنسيتين الذى له ولاءان منافق ولا أمان له ، لأنه لا يجتمع له قلبان. ويقال لزوج المرأتين : ما جعل الله لرجل من قلبين فى جوفه!

(وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (٣٨) : الشيء المقدور الذى ليس للإنسان منه مهرب ، والمثل استشهد به عمر بن الخطاب لمّا طعنه أبو لؤلؤة فجعل يقول وهو محمول : (وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً).

(اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (٧٠) : القول السديد مجاز ويحمل على أنه مثل ، وهو القول الذى يعمّ الخيرات ، ويوافق ظاهره باطنه ، مأخوذ من تسديد السهم ليصاب به الغرض ، والمثل عام فى كل المسائل ذات القصد النبيل.

(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (٧٢) : الآية مثل ، ومعناه أن السموات والأرض على كبر أجرامها ، لو كانت بحيث يجوز تكليفها ، لثقل عليها أن تتقلّد الشرائع ، لما فيها من الثواب والعقاب أى أن التكليف أمر تعجز عنه السموات والأرض والجبال ، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول؟! كقوله : (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ) (الحشر ٢١) ، ثم قال : (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ) (الحشر ٢١) ، فتقرر أنه تعالى يضرب الأمثال ، والآية لا تخرج عن ضرب المثال ، وهى من المجاز.

* * *

٩٧٩. أمثال وحكم سورة سبأ

(اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) (١٣) : الشكر هو الثناء على المحسن ، والشكر لله الإقرار بنعمه ، ولا يشكر الله من لم يشكر الناس ، وحقيقة الشكر العجز عن الشكر ، وفى الآية أن العمل شكر ، والآية تحضّ عليه ، وفى قوله «عبادى» أن العمل عبادة ، والعبادة عمل ، وهى عبادتان أو عملان ، فعمل بأداء العبادات ، وعمل اجتماعى بأداء المعروف والخيرات. والشكر لمن هو فوقنا بالطاعة ، ولنظرائنا بالمكافأة ، ولمن

١٢٢٥

دوننا بالإحسان والإفضال ، والله بعبادته. والمثل يقال لاستنفار الهمة والحضّ على التواضع.

(بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (١٥) : مثل يقال وصفا لبلد طيب يكثر فيه الرزق ويأمن فيه الناس على أنفسهم ، والرزق والأمن من الله ، فلأن أهلها طيبون طيّبها الله لهم ، وأنعم عليهم وستر ذنوبهم.

(وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ) (١٧) : المثل عن الكفور ، أى شديد الكفر ، والمؤمن يجزى ، والكافر يجازى.

(قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (٢٥) : المثل عن مسئولية كل امرئ عمّا فعل ، ولا تزر وازرة وزر أخرى.

(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (٤٨) يقال المثل إذا بانت الحجة وظهرت ، والمعنى أنه تعالى وهو العالم بغيب الأمور قادر على أن يقذف الباطل بالحق.

(قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ) (٤٩) يقال المثل إذا ظهر الحق وعندئذ لا يبقى شىء للباطل ليعيده ويبدأ به ، كقوله : (فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ) (٨) (الحاقة).

(وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) (٥٣) مثل يقال لكل من يتكلم بما لا يحقّ له : يقال أنه يقذف ويرجم بالغيب ، و (مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) على جهة التمثيل لمن يرجم ولا يصيب ، أى يرمون بالظن. والبعد هنا هو البعد عن القلب. والمثل مثل المثل الآخر (رَجْماً بِالْغَيْبِ) (الكهف ٢٢).

* * *

٩٨٠. أمثال وحكم سورة فاطر

(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً ...) (٨) المثل عمّن يرى عمله السيئ حسنا.

(فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ ...) (٨) : المثل ينهى عن شدة الاغتمام بما يجرى للبعض ممن لا يستحقون هذا الاغتمام ، كقوله تعالى : (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (٦) (الكهف) ، وقوله : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (٣) (الشعراء)

(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً ..) (١٠) : المثل عن العزة التى لا ذل معها ، لأنه لا عزّة تعرّض أو تؤدى إلى ذلّة ، وكل العزّة مع الله ، لأنه العزيز ، والعزة الحقيقية له تعالى ، فمن طلب العزة منه وصدق فى طلبه فإنه تعالى لا يمنعها منه ولا يحجبها عنه ، ومن طلبها من غيره وكله إلى من طلبها عنده ، كقوله تعالى : (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (١٣٩) (النساء) ، فهو الذى

١٢٢٦

يعزّ من يشاء ، ويذلّ من يشاء ، ومن أراد عزّ الدارين فليطع العزيز ، ومن اعتز بالعبد أذله الله ، ومن اعتز بالله أعزّه الله.

(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ..) (١٠) : الكلام الطيب كالعمل الصالح ، كلاهما خير ، ومن الكلام الطيب : التوحيد ، والتحميد ، والتمجيد ، وذكر الله ، وذكر الناس بالطيب ، وكل كلام طيب متقبّل من المرء ، وكل كلام طيب هو عمل صالح ، والعمل هو الرافع للكلم. وكل كلام طيب إن لم يقترن بالعمل الصالح لم ينفع ، ومن يخالف قوله فعله فقوله وبال عليه ، والعمل الصالح شرط فى قبول الكلم الطيب ، والعمل تحقيق الكلم ، والعامل أكثر تعبا من القائل : قول بلا عمل كثريد بلا دسم ، وسحاب بلا مطر ، وقوس بلا وتر ، والشاعر يقول :

لا يكون المقال إلا بفعل

كل قول بلا فعال هباء

(وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ) (١٠) المثل يعنى أن الذين يمكرون السيئات مكرهم يبور ؛ والمكر ما عمل على سبيل الاحتيال والخديعة ، ويبور يعنى يهلك ويبطل ، تقول بارت السوق أى كسدت.

(وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ ..) (١١) : المثل يعنى أن العمر بيد الله ، وأن لكل أجل كتاب ، وما يعمّر معمّر إلا وله أجل ، ولا يموت إلا بعد أن يستوفى أجله ، وما مضى من عمره هو النقصان ، وما يستقبل هو الذى يعمره. ومتوسط عمر الإنسان ستون عاما ، فمن بلغ الستين فهو معمّر ، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين ، وصلة الرحم تزيد فى العمر ، وعمل السوء ينقصه ، كقوله : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ) (الرعد ٣٩) ، ووصل العمر ومدّه وبسطه ، أو نقصانه ، إنما يكون بقضاء من الله عزوجل.

(وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ..) (١٢) : المثل عن المتناقضات ، والفرات هو الحلو ، وعكسه الأجاج وهو المر.

(وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (١٤) : يعنى لا يقضى فى الأمر إلا من هو خبير به ، والمثل عن الله تعالى ، فلا أحد أخبر بخلقه منه تعالى.

(وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ...) (١٨) : مثل يعنى أن كل امرئ بما كسب رهين ؛ والحمل هو حمل المرأة ؛ والمثقلة هى المرأة الحامل يثقل عليها حملها ، والتشبيه أن النفس المثقلة بالذنوب ، إن دعت آخرين ولو كانوا أقارب ، ليحملوا عنها ذنوبها ، لا يحملون منها شيئا. والناس يوم القيامة مجزيون بأعمالهم ، فحتى الأم

١٢٢٧

المذنبة قد تلجأ إلى ولدها لعله يغيثها ويحمل عنها بعض ما يثقلها من الذنوب فيقول : إليك عنى يا أماه فإنى بذنبى عنك مشغول.

(وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ...) (١٨) : المثل يعنى أن من يهتدى فإنما يهتدى لنفسه.

(وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ) (٢١) : هذه كلها أمثال ، والمتناقضان لا يستويان.

(وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ ...) (٢٢) : المثل عن الأحياء وهم العقلاء ، والأموات وهم الجهّال.

(وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (٢٢) : المثل عن المعاند الذى لا يريد أن يقتنع ، والكافر الذى أمات الكفر قلبه ، فكما لا تسمع من مات ، كذلك لا تسمع من مات قلبه وران على عقله. والآية دليل على تهافت من قال إن الموتى فى القبور يسمعون السلام.

(وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ) (٢٤) : لا تعدم الأمم الفضلاء من أبنائها يرشدون الناس ، ويعلّمونهم ، وينبهونهم ، ويبصّرونهم ، وكل أمة لا بد فيها من نبىّ.

(إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ...) (٢٨) (المثل عمّن يخاف من قدرة الله ، ومن يعلم بقدرته يوقن بمعاقبته على المعاصى ، ومن لم يخش الله فليس بعالم ، والعالم هو من خشى الله ، وكفى بخشية الله علما ، وبالاغترار جهلا.

(وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ..) (٤٣) مثل بمعنى أن الشرّ يلحق مدبريه ، ولا تنزل عاقبة الشرك إلا بمن أشرك.

* * *

٩٨١. أمثال وحكم سورة يس

(إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) (٨) : يضرب بذلك مثلا للممتنعين عن الهدى كامتناع المغلول ، وقد غلّت يده إلى ذقنه وارتفع رأسه ، فهو مقموح ، فلأنه كذلك لم يعد يبصر الهدى. والمقمحون رافعو رءوسهم لا يستطيعون إطراقها ، لأن من تغلّ يده إلى ذقنه ترتفع رأسه. والأغلال هى القيود.

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ) (١٣) : مثل كما ينال الناس من العذاب والهلاك لاستهزائهم بالرسل والدعوة إلى الله. (انظر قصة أصحاب القرية فى باب قصص القرآن).

(يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ...) (٣٠) : قول يجرى مجرى المثل ، ويعنى يا ويلاه على العباد

١٢٢٨

فى استهزائهم بالدعاة إلى الحق.

* * *

٩٨٢. أمثال وحكم سورة ص

(وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) (٣) : يضرب هذا المثل حين يكون الوقت للنجاة أو للفرار قد ولّى وراح ، فينادى المعذبون طلبا للنجاة حين لا مناص ، أى وقت أن لا منجى ولا فوت. والمناص بمعنى التأخر والفرار والخلاص ، ويقصد بالمثل من ينادى لطلب الخلاص فى وقت لا يكون له فيه خلاص.

(إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) (٥) : يقال ذلك إذا تجاوز الشيء الحدّ أن يكون عجيبا ، فالعجاب أشد من العجيب ، والعجيب الأمر الذى يتعجّب منه.

(إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ) (٧) : قول يقال عند تكذيب الكاذب ، والاختلاق هو الكذب والتخرّص.

* * *

٩٨٣. أمثال وحكم سورة الزمر

(أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ ...) (٢٤) : هذا مثل لمن يجعل يده وقاية وغاية لوجهه من النار ، فالأولى به أن يأمنها ابتداء. والوجه أشرف الأعضاء ، فإذا وقع الإنسان فى شىء من المخاوف فإنه يجعل يده وقاية لوجهه. والآية أصلا فى الكفّار ، وأيديهم مغلولة يوم القيامة ، فإذا ألقوا فى النار لم يجدوا شيئا يتقونها به إلا وجوههم.

(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (٢٩) : يضرب المثل للمشرك والموحّد ، فجاء قمة فى الحسن فى تقبيح الشرك وتحسين التوحيد ، فالذى يخدم جماعة شركاء ، أخلاقهم مختلفة ، ونيّاتهم متباينة ، يلقى منهم العناء والنصب ، ولا يرضى واحدا منهم فقد تتعارض مطالبهم والذى يخدم واحدا لا ينازعه فيه أحد ، ويطيعه وحده يعرف ذلك له ، وإن أخطأ صفح عن خطئه ، فأى الرجلين أقل تعبا أو على هدى مستقيم؟ فكذلك الذى يعبد الله وحده ، والذى يعبد آلهة متعددة.

(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (٣٠) : الميّت بالتشديد من لم يمت وسيموت ، والميت بالتخفيف من فارقته الروح ، والمثل يقال للمختصمين تذكيرا لهم بالموت ، قيل : لما نزلت هذه الآية : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (٣١) ، خاف المسلمون من الاختصام أمام الله ، فقال لهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «حتى يؤدّى إلى كل

١٢٢٩

ذى حق حقه». والتخاصم هو التحاكم إلى الله تعالى. وفى الحديث قال : «أتدرون من المفلس؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال : «إن المفلس من أمتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتى قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ، ثم طرح فى النار» أخرجه مسلم.

(أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ...) (٣٦) : قيل الهمزة للتقرير ، يعنى : أليس الله كافيا عبده من شر من يريدونه بسوء؟ قيلت فى النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكانت تسلية له عمّا قالت له قريش : لتكفنّ عن شتم آلهتنا ، أو ليصيبنّك منها خبل أو جنون. والآية كقوله تعالى : (حَسْبِيَ اللهُ ...) (٣٨) (الزمر) يعنى الله كافى.

(قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (٣٩) : المثل للتهديد والوعيد ، فلكل طريقته ومنهجه ، والمخطئ سيرى نتيجة خطئه ووباله.

* * *

٩٨٤. أمثال وحكم سورة فصلت

(إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا) (فصلت ٣٠ ، والأحقاف ١٣) : الآية يمثّل بها للذين يلزمون شهادة لا إله إلا الله ويموتون عليها ، ويعملون فى طاعة الله ، ويقيمون على الطريقة وعلى الإسلام ، ويعرضون عما سوى الله ، وينفّذون أوامر ونواهى القرآن ؛ ويروى أنها لما نزلت قال النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «هم أمتى» وزاد الوضّاعون «وربّ الكعبة» وقى معنى الاستقامة أنهم أى المسلمون استقاموا فعلا كما استقاموا قولا ، ورغبوا فى الباقية وزهدوا فى الفانية ، واستقاموا إسرارا كما استقاموا إقرارا.

* * *

٩٨٥. أمثال وحكم سورة الزخرف

(أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ) (٥) وقيل إن المعنى هو : أفنمسك عن إنزال القرآن لأنكم لا تؤمنون به؟ وقيل : الذكر هو التذكر ، فكأن المعنى : أنترك تذكيركم لأنكم كنتم قوما مسرفين؟ والآية مثل يقال لمن يريدك أن تكفّ عن وعظه أو نصيحته ، كأن يكون ابنا أو أخا أو صديقا ، وتأبى ذلك عليه ، وكأنك تقول له : وهل رفضك للنصيحة يجعلنى أتوقف عن إسدائها لك؟

* * *

٩٨٦. أمثال وحكم سورة الدخان

١٢٣٠

(فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ...) (٢٩) تمثيل وتخييل مبالغة فى وجوب الجزع والبكاء ، وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم : بكت له السماء والأرض ، أى عمّت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض. وقد يكون فى المثل إضمار ، وأن يكون المقصود ما بكى عليهم أهل السماء والأرض. وفى الحديث : «ما من مؤمن إلا وله فى السماء بابان : باب ينزل منه رزقه ، وباب يدخل منه كلامه وعمله ، فإذا مات فقداه فبكيا عليه».

(إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ) (٣١) : مثل يقال فى الذم ، والعلوّ ليس علوّ مدح بل علوّ فى الإسراف ، كقوله تعالى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ) (القصص ٤) ، وعلوّه هو الترفّع عن عبادة الله ، أو الترفّع عموما.

(ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (٤٩) (هو قول يقال تشفيا فيمن يستكبر ويستعلى ، ومثله أن يقال للخصم العنيد الجهول : (أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى) (٣٥) (القيامة). والمثل يقال على معنى الاستخفاف والتوبيخ والاستهزاء والإهانة والتنقيص ، يقال له : ذق ، إنك أنت العزيز الأكرم بزعمك! أى إنك أنت الذليل المهان ، كما قال قوم شعيب لشعيب : (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود ٨٧) يعنون السفيه الجاهل.

* * *

٩٨٧. أمثال وحكم سورة محمد

(يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ) (١٢) : مثّل الكافرين والظلمة والطغاة عموما بالأنعام ، ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم ، ساهون عمّا فى غدهم. وعكس ذلك المؤمنون وأهل العدل والصلاح ، فهم فى الدنيا يتزودون ، بينما المنافقون فيها يتزيّنون ، والطغاة فيها يتمتعون.

* * *

٩٨٨. أمثال وحكم سورة الفتح

(سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (٢٩) : هذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى زمنه ، ثم للمؤمنين من بعدهم. والسيما فى الوجه علامة السجود ، تكون سوداء خشنة ، وشبّهوها بركبة العنز ، ولا نجد ما يشبهها حاليا إلا أن نقول إنها علامة السجود والخشوع فى الصلاة ، وتتعلق بالجباة ، وعن جابر : أن النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم صلّى صبيحة إحدى وعشرين من رمضان ، وقد قطر سقف المسجد ، وكان على عريش ، فانصرف النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم من صلاته وعلى جبهته وأرنبته (طرف أنفه) أثر الماء

١٢٣١

والطين ، والعامة تسمى هذا الأثر «زبيبة الصلاة» ، وقيل هى أثر فى الجبين نتيجة الطمأنينة فى الصلاة على الحصير ، وقيل : هى بياض الوجه بالإيمان ، والمؤمن سمت وجهه حسن ، وقد يكون بمقاييس الجمال قبيحا ، وإنما له نور يشع من وجهه. وقيل : السيما صفرة وجوه المؤمنين من طول قيام الليل ، حتى لتراهم فتحسبهم مرضى وما هم بمرضى ، يصلون الليل فإذا أصبحوا رؤى ذلك فى وجوههم ، ومن كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ، ومثلهم فى القرآن والتوراة والإنجيل ، كزرع أنبت فتخرج منه السنابل بالعشرات. والمثل يعنى أن المؤمنين يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون ، ولما دعا النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم للإسلام لم يؤمن به إلا قلة ، وازدادوا وتضاعفوا حتى صاروا فى كل أنحاء الدنيا ، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفا ثم يقوى حالا بعد حال ، حتى يغلظ نباته ويفرخ ، يعنى ينبت الحبّ والثمار ، وفى كثرة المسلمين الآن ما يغيظ المشركين واليهود ، ويشد أزر الضعفاء منهم وحيثما كانوا قلة ، فمثلهم كمثل الزراع يعجبهم زرعهم لما اشتد ، وكذلك المسلمون ، بارك الله فيهم وقاتل الله من يدعو إلى تقليل نسلهم ، وينشر بينهم المرض والفقر ، ويستعمر بلادهم ، فاحذر يا أخى دعوات أمريكا وغيرها تحت ستار تنظيم النسل وغير ذلك ، والله المستعان.

* * *

٩٨٩. أمثال وحكم سورة الحجرات

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (١٠) : مثّل المؤمنين فى أخوّتهم بالإسلام بالإخوة بالنسب ، مع ملاحظة أن أخوّة النسب يمكن أن تنقطع بمخالفة الدين ، وأما أخوّة الدين فلا تنقطع بمخالفة النسب ، وعلى ذلك إذا تخاصم المسلمان فالواجب أن نصلح بينهما. والأخوان هما كل مسلمين ، أو طائفتين ، وقيل أريد بهما وقت نزول الآية الأوس والخزرج. وفى الآية دليل على أن البغى لا يزيل الإيمان ، فرغم بغى إحدى الطائفتين سمّاهم مؤمنين. وحالهم أنهما أخوان بغى أحدهما على الآخر وليسا منافقين ولا مشركين.

(أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟) (١٢) : مثّل الله الغيبة بأكل الميتة ، لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه ، كما أن الحىّ لا يعلم بغيبة من اغتابه. وإنما ضرب الله هذا المثل للغيبة ، لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر ، وكذا الغيبة حرام فى الدين ، وقبيحة فى النفوس. فكما يمتنع أن يأكل أحدكم لحم أخيه ميتا ، فكذلك يجب أن يمتنع من غيبته حيّا ، واستعمل أكل اللحم مكان الغيبة. وفى الحديث : «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس» ، فشبّه الوقيعة بين الناس بأكل لحومهم.

١٢٣٢

(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) (١٣) : المثل يضرب باعتبار خشية الله هى معيار الحكم على الناحية الأخلاقية فى الناس دون الحسب والنسب ، وفى الحديث : «الحسب المال ، والكرم التقوى» أخرجه الترمذى ، وعنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «من أحب أن يكون أكرم الناس فليتّق الله». والتقوى : مراعاة حدود الله أمرا ونهيا ؛ والتّقىّ : هو المنصف بما أمره الله أن يتصف به ، والمتنزّه عمّا نهاه عنه. وفى الحديث : «إن الله تعالى يقول يوم القيامة : إنى جعلت نسبا وجعلتم نسبا ، فجعلت أكرمكم أتقاكم ، وأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان ، وأنا اليوم أرفع نسبى وأضع أنسابكم. أين المتّقون؟ أين المتّقون؟». وفى الحديث أنه صلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «إن أوليائى المتّقون يوم القيامة ، وإن كان نسب أقرب من نسب. يأتى الناس بالأعمال ، وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم ، تقولون يا محمد ، فأقول هكذا وهكذا» ـ وأعرض النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى كل عطفيه ، يعنى لا يبالى بهم ، لأنهم أتوا بالدنيا ولم يكونوا من أهل التقوى ثم قال : «إن آل أبى ليسوا لى بأولياء ، إنما وليّي الله وصالح المؤمنين» أخرجه مسلم. وقال : «إنى لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» ؛ ولذلك كان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم أكرم البشر عند الله تعالى ، لأنه كان سيد المتّقين.

* * *

٩٩٠. أمثال وحكم سورة ق

(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (١٦) : هذا تمثيل للقرب ، يقال : هو أقرب إليه من حبل الوريد ، أو كان الموت أقرب إليه من حبل الوريد ؛ والحبل المقصود : هو حبل العاتق الممتد من ناحية الحلق إلى العاتق ، وهما وريدان عن يمين وعن شمال. وأيضا الوريد الوتين ، وهو العرق المعلّق بالقلب ، وفى الآية : أن الله تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده ، ليس قرب مسافة ، والمعنى أنه تعالى أعلم بما توسوس به نفس الإنسان من حبل وريده الذى هو من نفسه.

(وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) (١٩) : هذا تمثيل لشدة الموت وغشيته بالسكرة ، وكان النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول فى موته : «لا إله إلا الله ، إن للموت سكرات». وفى موت أبى بكر تمثلت عائشة بقول الشاعر : إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر ..! فقال أبو بكر : هلّا قلت كما قال الله : (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ).

(لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (٢٢) : الآية تمثيل للغافل يفيق على الحقيقة عند الموت ، فيكشف عن عينيه الغطاء ، فبصره عندئذ نافذ ، يرى

١٢٣٣

الأمور كما لم يرها من قبل.

(يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (٣٠) : هو تمثيل لما ينتظر المكذّب من عذاب ، والاستفهام على سبيل التصديق للخبر ، والتحقيق لوعد الله تعالى بأن يملأ جهنم من المكذّبين ، وهو تقريع لهم وتنبيه لجميع عباده.

(فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) (٣٦) : الآية مثل يقال كسؤال لمن يريد المهرب ، فمهما يطوف ويجول ويقلّب الأمر على كافة وجوهه ، فلا محيد من مواجهة الحقيقة. والتنقيب فى البلاد هو البحث عن مهرب وملاذ.

* * *

٩٩١. أمثال وحكم سورة الذاريات

(وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) (٢٢) : يقال لمن يداخله شك فى الرزق ويصيبه القلق من ضيق معاشه ، كما يقال لمن يكثر رزقه ، والمعنى أن الرزق مكتوب فى السماء فى أم الكتاب ، وأن الله هو الرزّاق ، وما توعدون أى ما يصيبكم من خير أو شر ، وثواب أو عقاب ، مكتوب كذلك ، وهذا هو القدر ، وأما القضاء فهو ما ينفذ من ذلك بأمر الله تعالى ، ولو شاء لم ينفذه ، ولو شاء عجّل به ، بحسب أعمال كل إنسان وسؤاله الله ودعائه ، فمثلا مكتوب لكل من يولد رزقه ، ولكن الرأسمالى يستولى على أرزاق الآلاف بطمعه وجشعه واحتياله.

(فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٣٦) : هذا مثل يقال إذا عزّ وجود المؤمنين أو الشرفاء ، وأصله أن الملائكة المرسلين إلى لوط وقومه لمّا مرّوا بإبراهيم ، ذكروا المهمة التى أوكلوا لإتمامها ، وأنهم أخرجوا من قريتى سدوم وعامورة من كان فيها من المؤمنين ، فلم يجدوا إلا بيتا واحدا يدين بالإسلام ، وهو بيت لوط ، نفسه وابنتيه.

(وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (٥٦) : يتمثّل بالآية على مطلوب الله من الإنسان ، ومعناها الخصوص وإن كان بلفظ العموم ، لأنه ليس كل أحد يعبد الله وإنما هم المؤمنون وهم قلة ، والكثرة كافرة : (وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) (الأعراف ١٧٩). وقوله «إلا ليعبدون» يعنى «إلا ليعرفونى» ، لأنك أولا تعرف ثم تعبد ، وليس من أحد يعبد من لا يعرف ، ولو لم يعرفوا أنه موجود وأنه خلقهم ، لما عبدوه : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) (٨٧) (الزخرف) ، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (٩) (الزخرف).

* * *

١٢٣٤

٩٩٢. أمثال وحكم سورة الطور

(كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ) (٢١) : كل إنسان مرتهن بعمله فلا ينقص أحد من ثواب عمله ، وأما الزيادة فهى تفضّل من الله ، كقوله : (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (٣٨) (المدثر ٣٨).

* * *

٩٩٣. أمثال وحكم سورة النجم

(لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) (٣٩) : هو تعريف بأن كل إنسان لا يجب له إلا ما سعى ، فلا عمل أحد ينفع أحدا ، ولا صلاة أحد عن أحد تنفعه ، ولا صيامه ، ولا حجّه ، ولا صدقته عنه : (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى) (٤١).

(وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى) (٤٣) : مثل يعنى أنه تعالى قضى أسباب الضحك والبكاء ، وأنه يضحك من يشاء بأن يسرّه ، ويبكى من يشاء بأن يغمه ، وأنه خصّ الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان ، فليس فى سائر الحيوان من يضحك ويبكى غير الإنسان. ومثل ذلك قوله : (وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا) (٤٤) ، أى قضى أسباب الموت والحياة وخلقهما : (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ) (٢) (الملك).

(وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) (٤٢) : حكمة غالية ، فالله تعالى هو المرجع والمردّ والمصير.

* * *

٩٩٤. أمثال وحكم سورة القمر

(حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ) (٥) : يقصد بالحكمة الدرس المستفاد من قراءة تاريخ الدعوات السابقة مع الأمم المنكرة ، وفارق بين أن توعظ بشيء وأن تستخلص الموعظة أنت نفسك ، والمصطلح القرآنى للتاريخ وعبره هو : (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) (٤) أى أنباء التاريخ التى فيها الحكمة.

(كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) (٧) : هذا مثل يضرب للكثرة الكثيرة ، كقوله : (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) (٤) (القارعة) ، والآيتان تتكاملان ، وتصفان الناس يوم البعث عند الخروج من القبور فزعين لا يهتدون أين يتوجهون ، فكأنهم الفراش المبثوث بعضه فى بعض ، لا جهة له يقصدها ، وهكذا الناس فى مواقف الفزع كالجراد المنتشر ، لأن الجراد لا جهة له يقصدها ، وهكذا الناس عند الهروب من المآزق والنوائب والزلازل والكوارث ، لا يدرون لأى جهة يقصدون ، لعل فيها نجاتهم. والآيتان مثلان جاريان.

(هذا يَوْمٌ عَسِرٌ) (٨) قول يؤثر كلما تأزمت الأمور فى يوم من الأيام ، واليوم

١٢٣٥

العسر هو اليوم الصعب الشديد ، كقوله : (يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) (١٩) ، وقوله : (فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ) (١٦) (فصلت).

(فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (١٥) : المثل يضرب لمن يمكن أن يتّعظ ، ولا فائدة فإن المتّعظين قليل.

(أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) (١٠) : هذا مثل دعاء ، معناه : غلبونى يا ربّ فانتصر لى.

(كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) (٢٠) : المثل يضرب لمن صار أمرهم بلا حول ولا قوة ، يشبّهون بالنخل لطولهم وضخامتهم ، فتقتلهم الريح وترمى بهم ، فتدقّ رقابهم وتخلع رءوسهم ، فكأنهم بلا رءوس ، كعجز النخل الملقى على الأرض. والمثل من الصور البيانية البديعة.

(فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) (٢١) هذا استفهام تهديد وتعجيب يجرى مجرى المثل ، يعنى فكيف كان عذابى وإنذارى لمن كذّب وكفر ولم يتعظ؟ كقوله : (فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ) (٣٧) ، والآية بهذه الصياغة تزيد من التخويف حتى لتجرى مجرى المثل.

(بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) (٢٥) : قول مأثور يقال لمن ليس كما يدّعيه ، وإنما يريد أن يتعاظم على الناس ويتكبّر عليهم بلا استحقاق. والأشر المرح والتجبّر ، ويقال : فرس أشر إذا كان مرحا نشيطا. والأشر هو أيضا البطر ، والأشر البطر ، وهو المتعدّى إلى منزلة لا يستحقها ، والأشر والبطر بمعنى واحد ، وهو الذى لا يبالى. والآية : (سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ) (٢٦) صيغة تحدّ ، وتضرب كمثل ، والمعنى فى الحالتين المبالغة فى رفض دعوى الكذّابين ، وإظهار أن كذبهم سينقلب فى النهاية عليهم ، وعندئذ سيعلمون أنهم هم الكذّابون الأشرون.

* * *

٩٩٥. أمثال وحكم سورة الرحمن

(هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) (٦٠) : يقال هذا المثل للشكر والتحية على المعروف ، بمعنى : هل جزاء من أحسن إلا أن يحسن إليه. و «هل» فى الآية ليست للاستفهام وإنما بمعنى ما ، مثل : (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ) (النحل ٣٥) ، أى ما على الرسل إلا البلاغ.

* * *

٩٩٦. أمثال وحكم سورة الحديد

(كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً) (٢٠) : معنى

١٢٣٦

المثل : أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته بكثرة الأمطار ، ثم لا يلبث أن يصير هشيما كأن لم يكن.

(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) (٢٢) : هذه الآية تضرب مثلا لإثبات القدر ، وترك بسببها جماعة من المسلمين الدواء لعلاج أمراضهم فلم يستعملوه ، ثقة بربّهم وتوكلا عليه ، وقالوا : لقد علم المرض والصحة ، فلو حرص الخلق على تغيير ذلك ما قدروا. والصحيح أن الآية متصلة بما قبلها من أمر ما يصيبهم فى الجهاد من قتل وجرح ، فهوّن المصاب عليهم وبيّن أنهم لو ظلوا فى بيوتهم لأصابهم كذلك ما أصابهم ، فما هو مقدور لا مدفع له ، وقال بناء على ذلك : (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ) (٢٣) ، فطالما عرفوا أن الرزق والآجال والصحة والمرض قد فرغ منها لم يأسوا على ما فاتهم. وفى الحديث : «لا يجد أحدكم طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» ، فالله تعالى خلق الأسباب وجعل لها نتائجها ، فإن أخذنا بالأسباب توافقت النتائج مع قدر ما أخذنا به منها ، فهكذا كتب الله ، فلما أخذوا بالأسباب انتصر المسلمون فى بدر ، ولمّا تركوا الأسباب فى أحد انهزموا ، ولكل مجتهد نصيب ، والكتاب هو كتاب الأسباب ، وما يصيبنا من مصائب يعلمه الله قبل وقوعه ، وهو فى الكتاب ، لأن سبق العلم له سبحانه.

(وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) (٢٣) : مثل للمتكبّر بما أوتى من الدنيا ، الفخور به على الناس ؛ والمختال : الذى ينظر إلى نفسه بعين الافتخار ؛ والفخور : هو الذى يرى من نفسه حالا وزينة وهو مع ذلك مدّع.

* * *

٩٩٧. أمثال وحكم سورة الحشر

(كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) (١٧) : والمثل أصلا للمنافقين حلفاء اليهود ، لمّا تخاذلوا عن نصرتهم بعد أن وعدوهم أن يقاتلوا معهم ويخرجوا إذا خرجوا ؛ والمثل يضرب بشكل عام لأهل النفاق إذا وعدوا وأخلفوا.

(لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) (٢١) : هذا مثل يضرب للناس : (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ) (٢١) والخطاب للإنسان عامة ، يعنى أن الله تعالى لو أنذر بهذا القرآن الجبال لتصدّعت من خشية الله ، وهذا الإنسان أقل قوة من الجبال ، ومع ذلك فهو أكثر بهتانا ، ولا يخشى الله وكذّب بالقرآن.

* * *

١٢٣٧

٩٩٨. أمثال وحكم سورة الممتحنة

(كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ) (١٣) : مثل يضرب لشدة اليأس من تحقق مأرب ، فالكفار الأحياء إذا مات لهم عزيز يعرفون أنه لن يعود إليهم ولن تقوم له قائمة من بعد ، ويقال : يئسوا كما يئس الكفار من أصحاب القبور ، وقيل فى هؤلاء أنهم الذين كانوا يتعللون دوما ويقولون : (وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ) (٢٤) (الجاثية).

* * *

٩٩٩. أمثال وحكم سورة الصف

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (٨) : هذا مثل يضرب لمن يريد تكذيب الحق. وقيل إن نور الله هو القرآن ، يريدون إبطاله وتكذيبه ؛ وقيل هو الإسلام : يريدون دفعه بالكلام ؛ وقيل هو محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم : يريدون هلاكه بالأراجيف ؛ وقيل : هو حجج الله ودلائله ، يريدون إبطالها بإنكارها ؛ وقيل : هو مثل مضروب ، بمعنى أنه مثل من يريد إطفاء نور الشمس بفمه فوجده مستحيلا ممتنعا ، فكذلك من أراد إبطال الحق.

* * *

١٠٠٠. أمثال وحكم سورة الجمعة

(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) (٥) : ضرب هذا المثل لليهود لمّا تركوا العمل بالتوراة ، مع ذلك كانوا يحفظونها ، فكان حالهم كحال الحمار لا يدرى أسفر على ظهره أم زمبيل؟ فهكذا اليهود ، وفى هذا تنبيه لمن يحمل كتابا أن يتعلم معانيه ويعلّم ما فيه ، لئلا يلحقه من الذمّ ما لحق اليهود.

* * *

١٠٠١. أمثال وحكم سورة التغابن

(إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (١٤) : هذا المثل يوجد مثله فى كتب اليهود ، فى نبوءة ميخا (الفصل السابع ٥ ـ ٦) ، قال : «لا تأمن صديقا ولا تثق بصاحب واحفظ مداخل فمك من التى تنام فى حضنك ، فإن الابن يستهين بأبيه ، والابنة تقوم على أمها ، والكنّة على حماتها ، وأعداء الإنسان أهل بيته» ، غير أن سياق السورة لا يوحى بهذا المعنى المتشائم عند ميخا ، فإن القرآن يحذّر من أن الزوجة والأولاد قد يعلّمان الإنسان الشح ، وأن ينأى بنفسه عن الجهاد فى سبيل الله ، ومثل ذلك قوله تعالى فى السورة نفسها : (إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) (١٥) كأن يلجأ المرء بسبب الأولاد إلى الكسب الحرام ليكفيهم ،

١٢٣٨

والمال والعيال لا يخلوان من الفتنة واشتغال القلب بهما. ومع ذلك فإن هناك تشابها ، ففي الآية أن الزوجة والولد إذا فعلا فعل العدو فإنهما يصبحان عدوا ، ولا فعل أقبح من أن يحولا بين العبد وبين الطاعة ، غير أن كلام ميخا أبعد من أن يكون تحذيرا ، فهو يتكلم عن عداوة مطلقة تكون بين المرء وأهل بيته ، بينما عداوة أهل البيت للمسلم هى أنهم قد يعرقلون إقباله على الله ، وشتّان بين المعنيين والفلسفتين والنظرتين للحياة والناس. وميخا أكثر تشاؤما من شوبنهاور ، وأبو العلاء أكثر تشاؤما منهما معا ، وعبارة القرآن ليست مذهبا فى العيش ، ولا هى إيديولوجية حياة ، ولكنها عبارة مرسلة تحذّر من طاعة الأهل عن طاعة الله ، ومثلها قوله تعالى : (وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) (٨) (العنكبوت) ، والعبارتان من الأمثال التى يستشهد بها فى الكلام.

* * *

١٠٠٢. أمثال وحكم سورة الملك

(أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (٢٢) : هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ، أو للسويّ وغير السّوى ، أو للخيّر والشرّير ، والأول مثله فيما هو فيه كمثل البصير يمشى سويا مرفوع الهامة ومنتصب القامة ، وصراطه مستقيم ، وطريقه بيّن واضح ينظر ما بين يديه ، وعن يمينه وعن شماله ، فيأمن على نفسه أن يتخبّط أو يتعثّر أو ينكبّ ، وأما الثانى ، فمثله كمثل الأعمى الذى يمشى على غير هدى ، ولا يدرى أين يسلك ، ولا كيف يذهب ، فهو حيران ضال ، لا يأمن على نفسه العثار ، وقد ينكبّ على وجهه ، فيحذر ولا يسير مستقيما ، ويحنى ظهره ، ويميل إلى الأمام ، لعله يتلمس ما قد يعترضه ، فذلك مثلهما فى الحياة الدنيا والآخرة ، وقال ابن عباس : فأحدهما يسلك طريق الضلالة ولا يهتدى فيتعسف ، ولا يزال ينكب على وجهه ، فهو كالأعمى ، والآخر كالسويّ صحيح البصر ، يمشى على الطريق يهديه بصره. وقيل : إنه مثل للمكبّ على المعاصى فى الدنيا ، فيحشر يوم القيامة على وجهه. فهذا مثل أبى جهل ؛ والذى يمشى سويّا مثله مثل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقيل مثل أبى بكر ، وقيل حمزة ، وقيل عمّار بن ياسر ، والصحيح : أنه مثل عام لمن يدرى ولمن لا يدرى أهو على الحق أم على الباطل؟

* * *

١٠٠٣. أمثال وحكم سورة الحاقة

(يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ) (٢٧) : قول بليغ يستشهد به إذا ادلهمت الأمور وساءت الأحوال ، وحاق بالمرء العذاب ـ سواء النفسى أو البدنى ، وعندئذ قد يتمنّى الموت. والمثل

١٢٣٩

من الأمثلة المتداولة ، ومثله قالته مريم : (يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا) (٢٣) (مريم) ، وقالته عائشة : «يا ليتنى لم أخلق! يا ليتنى كنت شجرة أسبّح وأقضى ما علىّ! يا ليتنى كنت حجرا! يا ليتنى كنت مدرة! يا ليتنى كنت ورقة من هذه الشجرة»! وقاله عمر ابن الخطاب : «ليتنى لم أخلق! ليت أمى لم تلدنى! ليتنى لم أك شيئا! ليتنى كنت نسيا منسيا! ليتنى كنت كهذه النّبتة أو كهذا العود»!

* * *

١٠٠٤. أمثال وحكم سورة التكوير

(وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ) (٤) : يعنى المثل أن هول القيامة شديد حتى أن من كانت لديه ناقة عشراء يعطّلها ويشتغل بنفسه ؛ وخصّ العشار بالذكر لأنها النوق الحوامل ثروة العربى وأعزّ ما يملكه ، ولا يعطلها أصحابها إلا حال القيامة.

* * *

١٠٠٥. أمثال وحكم سورة الانشقاق

(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (٦) : المثل يضرب للكدح فى الحياة ، كأنما الإنسان مكتوب عليه أن يعمل ويكد وينصب فى معيشته إلى أن يموت ويلقى ربّه ، أو يلقى كتاب عمله ، فأما من أوتى كتابه بيمينه فذلك هو الفائز ، ومن يؤتى كتابه وراء ظهره فذلك هو الخاسر.

* * *

١٠٠٦. أمثال وحكم سورة الطارق

(إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ) (١٤) : المثل إما أنه الآية : (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ) ، أو أنه الآيتان معا : (إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ) (١٤) ، بحسب المعنى المراد ، فإن قلت العبارة الأولى فالمعنى : أنه القول الذى يحسم الأمر بين الحقّ والباطل ، وبين الجد والهزل ، والإيجاز فى العبارة شديد ومعناه قوى ؛ فإن أضفت إليها العبارة الثانية فقد زدت الأمر بيانا وبلاغة ، بسبب الطباق بين الفصل والهزل.

* * *

١٠٠٧. أمثال وحكم سورة الأعلى

(بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى) (١٧) الآيتان مضرب الأمثال ، وفى حديث النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأبى ذرّ عن صحف إبراهيم وموسى : أنها صحف كانت أمثالا كلها ، وأنها على منوال : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ

١٢٤٠

الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى) (١٧) ، يريد : أن هذه الآيات كلها أمثال وعبر من نوع ما كان يتنزّل على إبراهيم وموسى وداود وسليمان.

* * *

١٠٠٨. أمثال وحكم سورة البلد

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) (٤) يضرب بهذه العبارة القرآنية المثل فيما يقاسى الإنسان فى الحياة ، وما يكابد من أعباء الدنيا. وأصل الكبد : الشدة والعناء والنصب ، ومنه الكبد لأنه دم تغلّظ واشتد ، ويقال : كابدت الأمر : قاسيت شدّته. ولم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم ، وهو مع ذلك أضعف الخلق. قيل أول ما يكابد ضيق الرحم فى بطن أمه ؛ وآلام الميلاد ؛ وأن تقطع سرّته ؛ ويقمط له بالقماط ؛ ويشدّ عليه بالرباط ؛ ويكابد الارتضاع ؛ ثم نبت أسنانه ؛ والفطام وهو أشد عليه من اللطام ؛ ويكابد الختان ؛ ثم يكابد المعلّم وصولته ؛ والمؤدّب وسياسته ؛ والأستاذ وهيبته ؛ ويكابد أوامر الأبوين واستعباد الإخوة ؛ وسيطرة الإخوان والخلّان ؛ ومتاعب المراهقة ؛ والبحث عن عمل ؛ والسعى وراء لقمة العيش ، وهموم الزواج والأسرة ، وشواغل الأولاد ؛ ومشاكل الخدم والجيران والرؤساء ؛ ثم بداية الشيخوخة وانصرام العمر ولمّا يقضى آماله ؛ وهجمة الأمراض والكبر والهرم ؛ ومصائب يكثر تعدادها ؛ ونوائب يطول إيرادها ؛ ويكابد محن المال والنفس والجسم ؛ ولا يمضى عليه يوم إلا يقاسى فيه شدّة ، ويكابد مشقة ؛ ثم يكون الموت ؛ وضغطة القبر وظلمته ؛ ثم البعث والعرض والحساب ، إل أن يستقر القرار ، إما فى الجنة أو فى النار. فيا لها من مكابدات ومكابدات!!

(أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ) (٥) ذهبت هذه العبارة مثلا ، فكلما طغى إنسان وتجبّر ، فقد يقال له ذلك ، توهينا فى ظلمه ، وتشجيعا لعدوه. ونزلت هذه الآية فى رجل يقال له أبو الأشدّين ، كان مثلا فى القوة والشدّة والبأس والطغيان ، جرىء القلب فى الباطل ، غليظ الكبد فى الحق.

(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) (١١) : الآية تجرى مجرى الدعاء بمعنى : لا نجا ولا سلم. والعقبة : المرقى الصعب ، والاقتحام : أن ترمى بنفسك فى الشيء من غير روية ؛ واقتحام العقبة : ضرب مثلا لمن لا يفعل الخير ويرقى بنفسه عن الدنية ، ومن لا يؤمن بربّه ، وكأن معنى هذه العبارة تقولها ساخرا : كأنك ما فعلت شيئا ، أو كأنك تحب أنك قد فعلت شيئا عظيما!

* * *

١٢٤١

١٠٠٩. أمثال وحكم سورة الشمس

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) (١٠) : قول بليغ يمثّل به من يفعل الخير ، أو من يفعل السوء ، والأول هو الفالح ، والثانى هو الخائب ؛ وأصل الزكاة النمو والزيادة ، ومنه زكاة الزرع إذا كثر ثمره. ومصطنع المعروف والمبادر إلى أعمال البرّ يزكّى نفسه أى يشهرها ويرفعها ، وكان أجواد العرب ينزلون الرّبا ليميز مكانهم المعتفون ، فيأتونهم يطلبون منهم العفو ، أى الضيافة. وعلى الروابى الزاكية كانت توقد النار فى الليل للطارقين ، وكان اللئام ينزلون الأولاج أى الكهوف المظلمة والأماكن المهجورة ، يستترون فيها ، فأولئك علوا أنفسهم وزكّوها ، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسّوها. وهذا معنى المثل.

* * *

١٠١٠. أمثال وحكم سورة التين

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (٤) : تقال هذا الآية كمثل حيال جمال الخلقة والحسن فى الإنسان ، فى الحسّى والمعنوى ، ففي الحسّى يكون باعتدال القامة واستواء الشباب ، وتناسب الأعضاء ، وبهاء الطلعة ، واسترسال الشعر ، وسلامة النظر ؛ وفى المعنوى يكون بحسن الخلق ، وفصاحة اللسان ، ورجاحة العقل ، والأخذ بالصواب ، والميل إلى المسالمة والموادعة. والإنسان عموما بين المخلوقات هو أحسنها باطنا وظاهرا ، ولذا قالت فيه الفلاسفة أنه العالم الأصغر ، إذ كل ما فى المخلوقات جمع فيه.

(أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ) (٨) : تقال الآية كمثل كلما ظهر الحق وزهق الباطل ، وإذا ذهبت الغمّة وظهرت النعمة ، وارتفع البلاء وانتصر الرجاء ، فهو تعالى أحكم الحاكمين ، قضاء بالحق ، وعدلا بين الخلق. وهذه عبارة المستضعفين والمظلومين والمضطهدين يستشهدون بها دائما.

* * *

١٠١١. أمثال وحكم سورة العلق

(عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) (٥) : مثل يقال كلما اكتشف اكتشاف عجيب ، وقيل : المقصود بالآية آدم لأنه أول إنسان وعلّمه الله ما لم يعلم ، وقيل : المقصود النبىّ صلى‌الله‌عليه‌وسلم لقوله تعالى : (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) (١١٣) (النساء). والصحيح أن الآية عامة لقوله تعالى : (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً) (٧٨) (النحل) ، فكل من أظهر علما ضربنا له مثلا بهذا الآية.

* * *

١٢٤٢

١٠١٢. أمثال وحكم سورة الزلزلة

(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (٨) : هذا التصنيف للناس عند الحساب ، وهو أيضا من الحساب الأخلاقى. وهذا المثل ضربه الله تعالى بمعنى أن فعل كل ما يعمله الإنسان من صغيرة أو كبيرة فإنه فى الحسبان ، كقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) (٤٠) (النساء). والذى لا يؤمن بالله قد يعمل مثقال ذرة من خير فيرى ثوابه فى الدنيا ، وهو عند الله خيّر ولكنه غير مؤمن ، وأما المؤمن فإن عمل مثقال ذرة من شرّ ، فإنه يرى عقوبته فى الدنيا فى نفسه وماله حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر ، والدليل على ذلك أن هذه الآية لمّا نزلت على النبىّ كان أبو بكر يأكل ، فأمسك وقال : يا رسول الله ، وإنّا لنرى ما عملنا من خير وشرّ؟ قال : «ما رأيت مما تكره فهو مثاقيل ذرّ الشرّ ، ويدخّر لكم مثاقيل ذرّ الخير حتى تعطو يوم القيامة» رواه السيوطى ، وفى القرآن : (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) (٣٠) (الشورى).

* * *

تم بحمد الله ومنّته الباب الثامن من موسوعة القرآن ،

ويليه بإذن الله الباب التاسع «أسباب النزول».

* * *

١٢٤٣
١٢٤٤

فهرس موضوعات القرآن

الباب الأول ص ٧ : القرآن والتعريف به ، وأسماؤه ، ورسمه ، وقراءاته ، وسوره ، وأقسامه ، وفواتح السور ، وخواتيمها ، وأشهر الآيات ، والدعوة إلى الحوار ، ومقارنة الفاتحة بالإنجيل ، وأسماء السور ، وعلوم القرآن ، والقول بأن «فرقانا» عبرية ، ولغة القرآن وألفاظه الأعجمية ، وترجمة القرآن وتفسيره ، وأشهر التفاسير ، ومقارنته بالأحاديث القدسية ، ومعجزة القرآن ، وأسلوبه ، ومنهجه ، وطريقة تعلّمه ، والصوت فى القراءة إلخ ..

الباب الثانى ص ١٤٣ النبوة والنبىّ فى القرآن : النبوة ضرورة ، معنى المصطفى ، عدد الأنبياء ، وصفاتهم كبشر ، ودعوتهم ، واستهزاؤهم به ؛ خاتم النبيين ، خلقه ، وأسماؤه ، الردّ عليهم فيما نسبوه إليه من السحر والكذب والكهانة والجنون إلخ ؛ معنى أنه أمى ، ولما ذا تعددت زيجاته ؛ أهل بيته ، وما قيل عن زواجه من خديجة ، ومن عائشة ، ومن زينب ؛ عدله بين أزواجه ، وحجابهن ، وتحريم الزواج منهن ؛ الزعم بأنه مريض بالصرع ، وقولهم بأنه أفاك وساحر ؛ المباهلة ، والكوثر ، وهل رأى ربه ، وفرية الشيعة بأنه كتم بعض القرآن ؛ هل يغنى القرآن عن السنة ، أحاديثه الصحيحة ، والدفاع عن السنة ؛ غزواته إلخ ..

الباب الثالث : الإيمان والإسلام : أولا الإيمان ص ٢٦٧ : ماهية الإيمان فى القرآن ؛ الإيمان والإسلام ؛ الله ودلائل وجوده ؛ البرهان على البعث ؛ معنى الله ؛ التوحيد ، الكفر ؛ الشرك ؛ صفاته تعالى ؛ وأسماؤه الحسنى ؛ رؤيته تعالى ؛ مشيئة الله ومشيئة البشر ؛ الله فى الإسلام ، وفى اليهودية ؛ الملائكة ؛ وصايا الله تعالى ، وإبراهيم ، ويعقوب ، والمسيح ؛ القدر ؛ الدعوة باللين ؛ الفتن والساعة ؛ أحاديث آخر الزمان.

ثانيا : الإسلام ص ٣٥٠ : ماهيته ؛ الدين واحد ؛ الحنيفية ؛ المسلمون ؛ عولمة الدين ؛ أركان الإسلام ؛ من هو المسلم والمسلمة ، والمرتد إلخ ...

الباب الرابع : الإسرائيليات والشبهات والإشكالات ص ٣٧١ : ماهية الإسرائيليات ؛ اليهود والنصارى ؛ الإسرائيليات فى أشهر التفاسير ؛ أشهر الصحابة

١٢٤٥

ألّفوا إسرائيليات : ابن عباس ، وعبد الله بن سلام ، وابن منبّه إلخ. الشبهات : لما ذا المتشابه ؛ تناقض القرآن والتوراة ؛ أكاذيب اليهود فى القرآن ؛ آية الفتنة ؛ آية الاستفزاز ؛ أيام الله ؛ أحاديث عن بولس ؛ الحاجة للملائكة للنصر ؛ حقيقة سورة الأحزاب ؛ إشكالات.

الباب الخامس : اليهود والنصارى فى القرآن ص ٤٧٣ : لما ذا ينتقد اليهود القرآن؟ محاجاتهم فى الله ؛ اليهودية ديانة عنصرية ؛ عزيز أو عزرا ؛ سبينوزا ؛ حرب الإشاعات ؛ أبناء الله ؛ لا موالاة للمستهزئين بالإسلام ؛ صفات اليهود وجرائمهم ؛ بيت المقدس ؛ السبت والأحد والجمعة ؛ جبريل وميكال ؛ قالوا ثلاثة ؛ الأحبار والرهبان ؛ الحواريون ؛ ميثاق النصارى.

الباب السادس : موجز سور القرآن ص ٥٢١ ...

الباب السابع : القصص فى القرآن ص ٨٣١ : فن القصة فى القرآن ؛ قصة الخلق ؛ آدم وحواء فى القرآن والتوراة ؛ الخروج من الجنة ؛ شجرة المحنة ؛ أول نبىّ وأبو البشر ؛ إبليس والشيطان ؛ قابيل وهابيل ؛ نوح وامرأته وابنه ؛ عاد وثمود ؛ صالح ؛ أصحاب الأيكة ؛ شعيب ؛ أصحاب مدين ؛ القرية الظالمة ؛ تبّع ؛ أصحاب الجنة ؛ أصحاب الرس ؛ البئر المعطلة ؛ والقصر المشيد ؛ إبراهيم وضيوفه ؛ إسماعيل وهاجر ؛ لوط وامرأته ؛ المؤتفكات ؛ يعقوب ؛ يوسف ؛ امرأة العزيز ؛ أيوب ؛ إلياس ؛ موسى والفرعون ؛ هارون ؛ شجرة موسى وعصاه وتسبيحته ؛ امرأة فرعون ؛ عبدة العجل ؛ قارون ؛ مؤمن آل فرعون الذى جاء من أقصى المدينة ؛ أصحاب الكهف ؛ موسى والخضر ؛ السبعون أتباع موسى ؛ طالوت ؛ جالوت ؛ داود والزبور ؛ سليمان وملكة سبأ والنمل والهدهد ؛ حكم سليمان ؛ أصحاب السبت ؛ يونس ذو النون صاحب الحوت ؛ لقمان ؛ البقرة ؛ زكريا ؛ يحيى ؛ امرأة عمران ؛ مريم ؛ الغلام والراهب ؛ الأحزاب ؛ بنو قريظة ؛ الإفك ؛ ساعة العسرة ؛ استماع الجن. إلخ ..

الباب الثامن : أمثال وحكم القرآن ص ١١٧٧ ...

تم فهرس الجزء الأول

١٢٤٦